٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
186
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه الأول: أنه تعالى لما قال بعض إيجاب فرض الصوم وبيان أحكامه: {أية : وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } تفسير : [البقرة: 185] فأمر العبد بعد التكبير الذي هو الذكر وبالشكر، بين أنه سبحانه بلطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشكره فيسمع نداءه، ويجيب دعاءه، ولا يخيب رجاءه والثاني: أنه أمر بالتكبير أولاً ثم رغبه في الدعاء ثانياً، تنبيهاً على أن الدعاء لا بد وأن يكون مسبوقاً بالثناء الجميل، ألا ترى أن الخليل عليه السلام لما أراد الدعاء قدم عليه الثناء، فقال أولاً: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } تفسير : [الشعراء: 78] إلى قوله: {أية : وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ٱلدِينِ } تفسير : [الشعراء: 82] وكل هذا ثناء منه على الله تعالى ثم شرع بعده في الدعاء فقال: {أية : رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [الشعراء: 83] فكذا ههنا أمر بالتكبير أولاً ثم شرع بعده في الدعاء ثانياً الثالث: إن الله تعالى لما فرض عليهم الصيام كما فرض على الذين من قبلهم، وكان ذلك على أنهم إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم، فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا الله في ذلك التكليف، ثم ندموا وسألوا النبـي صلى الله عليه وسلم عن توبتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية مخبراً لهم بقبول توبتهم، ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم. المسألة الثانية: ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً أحدها: ما روي عن كعب أنه قال، قال موسى عليه السلام: يا رب أقريب أنت فأناجيك، أم بعيد فأناديك؟ فقال: يا موسى أنا جليس من ذكرني، قال: يا رب فإنا نكون على حالة نجلك أن نذكرك عليها من جنابة وغائط، قال: يا موسى اذكرني على كل حال، فلما كان الأمر على هذه الصفة رغب الله تعالى عباده في ذكره وفي الرجوع إليه في جميع الأحوال، فأنزل الله تعالى هذه الآية وثانيها: أن أعرابياً جاء إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية وثالثها: أنه عليه السلام كان في غزوة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء، فقال عليه السلام: «حديث : إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً»تفسير : ورابعها: ما روي عن قتادة وغيره أن سببه أن الصحابة قالوا: كيف ندعو ربنا يا نبـي الله؟ فأنزل هذه الآية وخامسها: قال عطاء وغيره: إنهم سألوه في أي ساعة ندعو الله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية وسادسها: ما ذكره ابن عباس، وهو أن يهود أهل المدينة قالوا: يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا؟ فنزلت هذه الآية وسابعها: قال الحسن: سأل أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أين ربنا؟ فأنزل الله هذه الآية وثامنها: ما ذكرنا أن قوله: {أية : كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } تفسير : [البقرة: 183] لما اقتضى تحريم الأكل بعد النوم، ثم إنهم أكلوا ثم ندموا وتابوا وسألوا النبـي صلى الله عليه وسلم أنه تعالى هل يقبل توبتنا؟ فأنزل الله هذه الآية. واعلم أن قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ } يدل على أنهم سألوا النبـي عليه السلام عن الله تعالى، فذلك السؤال إما أنه كان سؤالاً عن ذات الله تعالى، أو عن صفاته، أو عن أفعاله، أما السؤال عن الذات فهو أن يكون السائل ممن يجوز التشبيه، فيسأل عن القرب والبعد بحسب الذات، وأما السؤال عن الصفات فهو أن يكون السائل سأل عن أنه تعالى هل يسمع دعاءنا فيكون السؤال واقعاً على كونه تعالى سميعاً، أو يكون المقصود من السؤال أنه تعالى كيف أذن في الدعاء، وهل أذن في الدعاء، وهل أذن في أن ندعوه بجميع الأسماء، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة، وهل أذن لنا أن ندعوه كيف شئنا، أو ما أذن بأن ندعوه على وجه معين، كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا }تفسير : [الإسراء: 110] وأما السؤال عن الأفعال فهو أن يكون السائل سأل الله تعالى أنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا، وهل يفعل ما نسأله عنه فقوله سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي } يحتمل كل هذه الوجوه، إلا أن حمله على السؤال عن الذات أولى لوجهين الأول: أن ظاهر قوله: {عَنّي } يدل على أن السؤال وقع عن ذاته لا عن فعله والثاني أن السؤال متى كان مبهماً والجواب مفصلاً، دل الجواب على أن المراد من ذلك المبهم هو ذلك المعين، فلما قال في الجواب: {فَإِنّي قَرِيبٌ } علمنا أن السؤال كان عن القرب والبعد بحسب الذات، ولقائل أيضاً أن يقول بل السؤال كان على الفعل، وهو أنه تعالى هل يجيب دعاءهم، وهل يحصل مقصود، بدليل أنه لما قال: {فَإِنّي قَرِيبٌ } قال: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } فهذا هو شرح هذا المقام. أما قوله تعالى: {فَإِنّي قَرِيبٌ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه ليس المراد من هذا القريب بالجهة والمكان، بل المراد منه القرب بالعلم والحفظ، فيحتاج ههنا إلى بيان مطلوبين: المطلوب الأول: في بيان أن هذا القريب ليس قرباً بحسب المكان، ويدل عليه وجوه الأول: أنه لو كان في المكان مشاراً إليه بالحس لكان منقسماً، إذ يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة مثل الجوهر الفرد. ولو كان منقسماً لكانت ماهيته مفتقرة في تحققها إلى تحقق كل واحد من أجزائها المفروضة وجزء الشيء غيره، فلو كان في مكان لكان مفتقراً إلى غيره، والمفتقر إلى غيره ممكن لذاته ومحدث ومفتقر إلى الخالق، وذلك في حق الخالق القديم محال، فثبت أنه تعالى يمتنع أن يكون في المكان فلا يكون قربه بالمكان والثاني: أنه لو كان في المكان لكان إما أن يكون غير متناه عن جميع الجهات، أو غير متناه عن جهة دون جهة، أو كان متناهياً من كل الجوانب والأول: محال لأن البراهين القاطعة دلت على أن فرض بعد غير متناه محال والثاني: محال أيضاً لهذا الوجه، ولأنه لو كان أحد الجانبين متناهياً والآخر غير متناه لكانت حقيقة هذا الجانب المتناهي مخالفة في الماهية لحقيقة ذلك الجانب الذي هو غير متناه، فيلزم منه كونه تعالى مركباً من أجزاء مختلفة الطبائع والخصم لا يقول بذلك. وأما القسم الثالث: وهو أن يكون متناهياً من كل الجوانب، فذلك باطل بالاتفاق بيننا وبين خصومنا، فبطل القول بأنه تعالى في الجهة الثالث: وهو أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أن القرب المذكور في هذه الآية ليس قرباً بالجهة، وذلك لأنه تعالى لو كان في المكان لما كان قريباً من الكل، بل كان يكون قريباً من حملة العرش وبعيداً من غيرهم، ولكان إذا كان قريباً من زيد الذي هو بالمشرق كان بعيداً من عمرو الذي هو بالمغرب، فلما دلت الآية على كونه تعالى قريباً من الكل علمنا أن القرب المذكور في هذه الآية ليس قرباً بحسب الجهة، ولما بطل أن يكون المراد منه القرب بالجهة ثبت أن المراد منه القرب بمعنى أنه تعالى يسمع دعاءهم ويرى تضرعهم، أو المراد من هذا القرب: العلم والحفظ وعلى هذا الوجه قال تعالى: {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ } تفسير : [الحديد: 4] وقال: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } تفسير : [ق: 16] وقال: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } تفسير : [المجادله: 7] والمسلمون يقولون إنه تعالى بكل مكان ويريدون به التدبير والحفظ والحراسة إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: لا يبعد أن يقال إنه كان في بعض أولئك الحاضرين من كان قائلاً بالتشبيه، فقد كان في مشركي العرب وفي اليهود وغيرهم من هذه طريقته، فإذا سألوه عليه الصلاة والسلام فقالوا: أين ربنا؟ صح أن يكون الجواب: فإني قريب، وكذلك إن سألوه عليه الصلاة والسلام فقالوا: هل يسمع ربنا دعاءنا؟ صح أن يقول في جوابه: فإني قريب فإن القريب من المتكلم يسمع كلامه، وإن سألوه كيف ندعوه برفع الصوت أو بأخفائه؟ صح أن يجيب بقوله: فإني قريب، وإن سألوه هل يعطينا مطلوبنا بالدعاء؟ صلح هذا الجواب أيضاً، وإن سألوه إنا إذا أذنبنا ثم تبنا فهل يقبل الله توبتنا؟ صلح أن يجيب بقوله: فإني قريب أي فأنا القريب بالنظر لهم والتجاوز عنهم وقبول التوبة منهم، فثبت أن هذا الجواب مطابق للسؤال على جميع التقديرات. المسألة الثانية: الآية تدل على أنه إنما يعرف بحدوث تلك الأشياء على وفق غرض الداعي فدل على أنه لولا مدبر لهذا العالم يسمع دعاءه ولم يخيب رجاءه وإلا لما حصل ذلك المقصود في ذلك الوقت. واعلم أن قوله تعالى: {فَإِنّي قَرِيبٌ } فيه سر عقلي وذلك لأن اتصاف ماهيات الممكنات بوجوداتها إنما كان بإيجاد الصانع، فكان إيجاد الصانع كالمتوسط بين ماهيات الممكنات وبين وجوداتها فكان الصانع أقرب إلى ماهية كل ممكن من وجود تلك الماهية إليها، بل ههنا كلام أعلى من ذلك وهو أن الصانع هو الذي لأجله صارت ماهيات الممكنات موجودة فهو أيضاً لأجله كان الجوهر جوهراً والسواد سواداً والعقل عقلاً والنفس نفساً، فكما أن بتأثيره وتكوينه صارت الماهيات موجودة فكذلك بتأثيره وتكوينه صارت كل ماهية تلك الماهية، فعلى قياس ما سبق كان الصانع أقرب إلى كل ماهية من تلك الماهية إلى نفسها، فإن قيل: تكوين الماهية ممتنع لأنه لا يعقل جعل السواد سواداً فنقول؛ فكذلك أيضاً لا يمكن جعل الوجود وجوداً لأنه ماهية، ولا يمكن جعل الموصوفية دالة للماهية فإذن الماهية ليست بالفاعل، والوجود ماهية أيضاً فلا يكون بالفاعل، وموصوفية الماهية بالوجود هو أيضاً ماهية فلا تكون بالفاعل، فإذن لم يقع شيء ألبتة بالفاعل، وذلك باطل ظاهر البطلان، فإذن وجب الحكم بأن الكل بالفاعل، وعند ذلك يظهر الكلام الذي قررناه. أما قوله تعالى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وقالون عن نافع {ٱلدَّاعِىَ إِذَا } بإثبات الياء فيهما في الوصل والباقون بحذفها فالأولى على الوصل والثانية على التخفيف. المسألة الثانية: قال أبو سليمان الخطابـي: الدعاء مصدر من قولك: دعوت الشيء أدعوه دعاء ثم أقاموا المصدر مقام الاسم تقول: سمعت دعاء كما تقول سمعت صوتاً وقد يوضع المصدر موضع الاسم كقولهم: رجل عدل. وحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه جل جلاله العناية واستمداده إياه المعونة. وأقول: اختلف الناس في الدعاء، فقال بعض الجهال الدعاء شيء عديم الفائدة، واحتجوا عليه من وجوه أحدها: أن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع عند الله تعالى كان واجب الوقوع، فلا حاجة إلى الدعاء، وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع، فلا حاجة أيضاً إلى الدعاء وثانيها: أن حدوث الحوادث في هذا العالم لا بد من انتهائها بالآخرة إلى المؤثر القديم الواجب لذاته، وإلا لزم إما التسلسل، وإما الدور وإما وقوع الحادث من غير مؤثر وكل ذلك محال وإذا ثبت وجوب إنتهائها بالآخرة إلى المؤثر القديم، فكل ما اقتضى ذلك المؤثر القديم وجوده اقتضاء قديماً أزلياً كان واجب الوقوع، وكل ما لم يقتض المؤثر القديم وجوده اقتضاء قديماً أزلياً كان ممتنع الوقوع، ولما ثبتت هذه الأمور في الأزل لم يكن للدعاء ألبتة أثر، وربما عبروا عن هذا الكلام بأن قالوا: الأقدار سابقة والأقضية متقدمة والدعاء لا يزيد فيها وتركه لا ينقص شيئاً منها، فأي فائدة في الدعاء، وقال عليه الصلاة والسلام حديث : قدر الله المقادير قبل أن يخلق الخلق بكذا وكذا عاماً تفسير : وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حديث : جف القلم بما هو كائن»تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حديث : أربع قد فرغ منها: العمر والرزق والخلق والخلق» تفسير : وثالثها: أنه سبحانه علام الغيوب: {أية : يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ } تفسير : [غافر: 19] فأي حاجة بالداعي إلى الدعاء؟ ولهذا السبب قالوا إن جبريل عليه السلام بلغ بسبب هذا الكلام إلى أعلى درجات الإخلاص والعبودية ولولا أن ترك الدعاء أفضل لما كان كذلك ورابعها: أن المطلوب بالدعاء إن كان من مصالح العبد فالجواد المطلق لا يهمله وإن لم يكن من مصالحه لم يجز طلبه وخامسها: ثبت بشواهد العقل والأحاديث الصحيحة أن أجل مقامات الصديقين وأعلاها الرضا بقضاء الله تعالى والدعاء ينافي ذلك لأنه اشتغال بالإلتماس وترجيح لمراد النفس على مراد الله تعالى وطلبه لحصة البشر وسادسها: أن الدعاء يشبه الأمر والنهي وذلك من العبد في حق المولى الكريم الرحيم سوء أدب وسابعها: روي أنه عليه الصلاة والسلام قال رواية عن الله سبحانه وتعالى: «حديث : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين»تفسير : قالوا فثبت بهذه الوجوه أن الأولى ترك الدعاء. وقال الجمهور الأعظم من العقلاء: إن الدعاء أهم مقامات العبودية، ويدل عليه وجوه من النقل والعقل، أما الدلائل النقلية فكثيرة الأول: أن الله تعالى ذكر السؤال والجواب في كتابه في عدة مواضع منها أصولية ومنها فروعية، أما الأصولية فقوله: {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ } تفسير : [الإسراء: 85] {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ } تفسير : [طه: 105] {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةَ } تفسير : [النازعات: 42] وأما الفروعية فمنها في البقرة على التوالي {أية : يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ } تفسير : [البقرة: 219] {أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [البقرة: 217] {أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} تفسير : [البقرة: 219] {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ} تفسير : [البقرة: 220] {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ } تفسير : [البقرة: 222] وقال أيضاً: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ } تفسير : [الأنفال: 1] {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ } تفسير : [الكهف: 83] {أية : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ } تفسير : [يونس: 53] {أية : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ } تفسير : [النساء: 176]. إذا عرفت هذا: فنقول هذه الأسئلة جاءت أجوبتها على ثلاثة أنواع فالأغلب فيها أنه تعالى لما حكى السؤال قال لمحمد: قل وفي صورة واحدة جاء الجواب بقوله: فقل مع فاء التعقيب، والسبب فيه أن قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ } سؤال عن قدمها وحدوثها وهذه مسألة أصولية فلا جرم قال الله تعالى: {أية : فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً } تفسير : [طه: 105] كأنه قال يا محمد أجب عن هذا السؤال في الحال ولا تؤخر الجواب فإن الشك فيه كفر ثم تقدير الجواب أن النسف ممكن في كل جزء من أجزاء الجبل فيكون ممكناً في الكل وجواز عدمه يدل على امتناع قدمه، أما سائر المسائل فهي فروعية فلا جرم لم يذكر فيها فاء التعقيب، أما الصورة الثالثة وهي في هذه الآية قال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ } ولم يقل فقل إني قريب فتدل على تعظيم حال الدعاء من وجوه الأول: كأنه سبحانه وتعالى يقول عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك الثاني: أن قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي } يدل على أن العبد له وقوله: {فَإِنّي قَرِيبٌ } يدل على أن الرب للعبد وثالثها: لم يقل: فالعبد مني قريب، بل قال: أنا منه قريب، وفيه سر نفيس فإن العبد ممكن الوجود فهو من حيث هو هو في مركز العدم وحضيض الفناء، فلا يمكنه القرب من الرب أما الحق سبحانه فهو القادر من أن يقرب بفضله وبرحمته من العبد، والقرب من الحق إلى العبد لا من العبد إلا الحق فلهذا قال: {فَإِنّي قَرِيبٌ } والرابع: أن الداعي ما دام يبقى خاطره مشغولاً بغير الله فإنه لا يكون داعياً له فإذا فني عن الكل صار مستغرقاً في معرفة الأحد الحق، فامتنع من أن يبقى في هذا المقام ملاحظاً لحقه وطالباً لنصيبه، فلما ارتفعت الوسائط بالكلية، فلا جرم حصل القرب فإنه ما دام يبقى العبد ملتفتاً إلى غرض نفسه لم يكن قريباً من الله تعالى، لأن ذلك الغرض يحجبه عن الله، فثبت أن الدعاء يفيد القرب من الله، فكان الدعاء أفضل العبادات. الحجة الثانية في فضل الدعاء: قوله تعالى: {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60]. الحجة الثالثة: أنه تعالى لم يقتصر في بيان فضل الدعاء على الأمر به بل بين في آية أخرى أنه إذا لم يسأل يغضب فقال: {أية : فَلَوْلاَ إِذْ جآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنعام: 43] وقال عليه السلام: «حديث : لا ينبغي أن يقول أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت ولكن يجزم فيقول: اللهم اغفر لي» تفسير : وقال عليه السلام: «حديث : الدعاء مخ العبادة» تفسير : وعن النعمان بن بشير أنه عليه السلام قال: «حديث : الدعاء هو العبادة» تفسير : وقرأ {وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } فقوله: «حديث : الدعاء هو العبادة» تفسير : معناه أنه معظم العبادة وأفضل العبادة، كقوله عليه السلام «حديث : الحج عرفة» تفسير : أي الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم. الحجة الرابعة: قوله تعالى: {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} تفسير : [الأعراف: 55] وقال:{أية : قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّى لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ } تفسير : [الفرقان: 77] والآيات كثيرة في هذا الباب فمن أبطل الدعاء فقد أنكر القرآن. والجواب عن الشبهة الأولى: أنها متناقضة، لأن إقدام الإنسان على الدعاء إن كان معلوم الوقوع فلا فائدة في اشتغالكم بإبطال الدعاء، وإن كان معلوم العدم لم يكن إلى إنكاركم حاجة، ثم نقول: كيفية علم الله تعالى وكيفية قضائه وقدره غائبة عن العقول، والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقاً بين الرجاء وبين الخوف اللذين بهما تتم العبودية، وبهذا الطريق صححنا القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم الله بالكل وجريان قضائه وقدره في الكل، ولهذا الإشكال سألت الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أرأيت أعمالنا هذه أشيء قد فرغ منه أم أمر يستأنفه؟ فقال: بل شيء قد فرغ منه. فقالوا: ففيم العمل إذن؟ قال: «حديث : اعملوا فكل ميسر لما خلق له»تفسير : فانظر إلى لطائف هذا الحديث فإنه عليه السلام علقهم بين الأمرين فرهبهم سابق القدر المفروغ منه ثم ألزمهم العمل الذي هو مدرجة التعبد، فلم يعطل ظاهر العمل بما يفيد من القضاء والقدر، ولم يترك أحد الأمرين للآخر، وأخبر أن فائدة العمل هو المقدر المفروغ منه فقال: «حديث : كل ميسر لما خلق له»تفسير : يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق له القدر قبل وجوده، إلا أنك تحب أن تعلم ههنا فرق ما بين الميسر والمسخر فتأهب لمعرفته فإنه بمنزلة مسألة القضاء والقدر، وكذا القول في باب الكسب والرزق فإنه مفروغ منه في الأصل لا يزيده الطلب ولا ينقصه الترك. والجواب عن الشبهة الثانية: أنه ليس المقصود من الدعاء الإعلام، بل إظهار العبودية والذلة والانكسار والرجوع إلى الله بالكلية. وعن الثالثة: أنه يجوز أن يصير ما ليس بمصلحة مصلحة بحسب سبق الدعاء. وعن الرابعة: أنه إذا كان مقصوده من الدعاء إظهار الذلة والمسكنة ثم بعد رضى بما قدره الله وقضاه، فذلك أعظم المقامات وهذا هو الجواب عن بقية الشبه في هذا الباب. المسألة الثالثة: في الآية سؤال مشكل مشهور، وهو أنه تعالى قال: {أية : ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] وقال في هذه الآية: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } وكذلك {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ } تفسير : [النمل: 62] ثم إنا نرى الداعي يبالغ في الدعاء والتضرع فلا يجاب. والجواب: أن هذه الآية وإن كانت مطلقة إلا أنه قد وردت آية أخرى مقيدة، وهو قوله تعالى: {أية : بَلْ إِيَّـاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء } تفسير : [الأنعام: 41] ولا شك أن المطلق محمول على المقيد، ثم تقرير المعنى فيه وجوه أحدها: أن الداعي لا بد وأن يجد من دعائه عوضاً، إما إسعافاً بطلبته التي لأجلها دعا وذلك إذا وافق القضاء، فإذا لم يساعده القضاء فإنه يعطي سكينة في نفسه، وإنشراحاً في صدره، وصبراً يسهل معه احتمال البلاء الحاضر، وعلى كل حال فلا يعدم فائدة، وهو نوع من الاستجابة وثانيها: ما روى القفال في تفسيره عن أبـي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : دعوة المسلم لا ترد إلا لإحدى ثلاثة: ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، إما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا». تفسير : وهذا الخبر تمام البيان في الكشف عن هذا السؤال، لأنه تعالى قال: {ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } ولم يقل: أستجب لكم في الحال فإذا استجاب له ولو في الآخرة كان الوعد صدقاً وثالثها: أن قوله: {ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } يقتضي أن يكون الداعي عارفاً بربه وإلا لم يكن داعياً له، بل لشيء متخيل لا وجود له ألبتة، فثبت أن الشرط الداعي أن يكون عارفاً بربه ومن صفات الرب سبحانه أن لا يفعل إلا ما وافق قضاءه وقدره وعلمه وحكمته فإذا علم أن صفة الرب هكذا استحال منه أن يقول بقلبه وبعقله: يا رب افعل الفعل الفلاني لا محالة، بل لا بد وأن يقول: افعل هذا الفعل إن كان موافقاً لقضائك وقدرك وحكمتك، وعند هذا يصير الدعاء الذي دلت الآية على ترتيب الإجابة عليه مشروطاً بهذه الشرائط وعلى هذا التقدير زال السؤال الرابع أن لفظ الدعاء والإجابة يحتمل وجوهاً كثيرة أحدها: أن يكون الدعاء عبارة عن التوحيد والثناء على الله كقول العبد: يا ألله الذي لا إله إلا أنت، وهذا إنما سمي دعاء لإنك عرفت الله تعالى ثم وحدته وأثنيت عليه، فهذا يسمى دعاء بهذا التأويل ولما سمي هذا المعنى دعاء سمي قبوله إجابة لتجانس اللفظ ومثله كثير وقال ابن الأنباري: {أُجِيبُ } ههنا بمعنى أسمع لأن بين السماع وبين الإجابة نوع ملازمة، فلهذا السبب يقام كل واحد منهما مقام الآخر، فقولنا سمع الله لمن حمده أي أجاب الله فكذا ههنا قوله: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ } أي أسمع تلك الدعوة، فإذا حملنا قوله تعالى: {ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } على هذا الوجه زال الإشكال وثانيها: أن يكون المراد من الدعاء التوبة عن الذنوب، وذلك لأن التائب يدعو الله تعالى عند التوبة، وإجابة الدعاء بهذا التفسير عبارة عن قبول التوبة،وعلى هذا الوجه أيضاً لا إشكال، وثالثها: أن يكون المراد من الدعاء العبادة، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : الدعاء هو العبادة» تفسير : ومما يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ } تفسير : [غافر: 60] فظهر أن الدعاء ههنا هو العبادة، وإذا ثبت هذا فإجابة الله تعالى للدعاء بهذا التفسير عبارة عن الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب كما قال: {أية : وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ } تفسير : [الشورى: 26] وعلى هذا الوجه الإشكال زائل ورابعها: أن يفسر الدعاء بطلب العبد من ربه حوائجه فالسؤال المذكور إن كان متوجهاً على هذا التفسير لم يكن متوجهاً على التفسيرات الثلاثة المتقدمة، فثبت أن الإشكال زائل. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } مختص بالمؤمنين {أية : ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ } تفسير : [الأنعام: 82] وذلك لأن وصفنا الإنسان بأن الله تعالى قد أجاب دعوته، صفة مدح وتعظيم، ألا ترى أنا إذا أردنا المبالغة في تعظيم حال إنسان في الدين قلنا إنه مستجاب الدعوة وإذا كان هذا من أعظم المناصب في الدين، والفاسق واجب الإهانة في الدين، ثبت أن هذا الوصف لا يثبت إلا لمن لا يتلوث إيمانه بالفسق، بل الفاسق قد يفعل الله ما يطلبه إلا أن ذلك لا يسمى إجابة الدعوة. أما قوله تعالى: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى } ففيه مسائل: المسألة الأولى: وجه الناظم أن يقال: إنه تعالى قال: أنا أجيب دعاءك مع أني غني عنك مطلقاً، فكن أنت أيضاً مجيباً لدعائي مع أنك محتاج إلي من كل الوجوه، فما أعظم هذا الكرم، وفيه دقيقة أخرى وهي أنه تعالى لم يقل للعبد: أجب دعائي حتى أجيب دعاءك، لأنه لو قال ذلك لصار لدعائي، وهذا تنبيه على أن إجابة الله عبده فضل منه ابتداء، وأنه غير معلل بطاعة العبد، وأن إجابة الرب في هذا الباب إلى العبد متقدمة على اشتغال العبد بطاعة الرب، وهذا يدل على فساد ما نقلناه عن المعتزلة في المسألة الرابعة. المسألة الثانية: قال الواحدي: أجاب واستجاب بمعنى واحد: قال كعب الغنوي:شعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : وقال أهل المعنى: الإجابة من العبد لله الطاعة، وإجابة الله لعبده إعطاؤه إياه مطلوبه، لأن إجابة كل شيء على وفق ما يليق به. المسألة الثالثة: إجابة العبد لله إن كانت إجابة بالقلب واللسان، فذاك هو الإيمان، وعلى هذا التقدير يكون قوله: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى } تكراراً محضاً، وإن كانت إجابة العبد لله عبارة عن الطاعات كان الإيمان مقدماً على الطاعات، وكان حق النظم أن يقول: فليؤمنوا بـي وليستجيبوا لي، فلم جاء على العكس منه؟. وجوابه: أن الإستجابة عبارة عن الإنقياد والإستسلام، والإيمان عبارة عن صفة القلب، وهذا يدل على أن العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوته إلا بتقدم الطاعات والعبادات. أما قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } فقال صاحب «الكشاف»: قرىء {يَرْشُدُونَ } بفتح الشين وكسرها، ومعنى الآية أنهم إذا استجابوا لي وآمنوا بـي: اهتدوا لمصالح دينهم ودنياهم، لأن الرشيد هو من كان كذلك،
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ} المعنى وإذا سألوك عن المعبود فأخبرهم أنه قريب يثيب على الطاعة ويجيب الداعي، ويعلم ما يفعله العبد من صوم وصلاة وغير ذلك. وٱختلف في سبب نزولها؛ فقال مقاتل: إن عمر رضي الله عنه واقع ٱمرأته بعدما صلّى العشاء فندم على ذلك وبكى؛ وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ورجع مغتمَّا؛ وكان ذلك قبل نزول الرخصة؛ فنزلت هذه الآية: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}. وقيل: لما وجب عليهم في الابتداء ترك الأكل بعد النوم فأكل بعضهم ثم ندم؛ فنزلت هذه الآية في قبول التوبة ونسخ ذلك الحكم؛ على ما يأتي بيانه. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ٱبن عباس قال: قالت اليهود كيف يسمع ربّنا دعاءنا، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام، وغلظ كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت هذه الآية. وقال الحسن: سببها أن قوماً قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أقريب ربّنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت. وقال عطاء وقتادة: لما نزلت: {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر: 60] قال قوم: في أيّ ساعة ندعوه؟ فنزلت. الثانية: قوله تعالى: {فَإِنِّي قَرِيبٌ}أي بالإجابة. وقيل بالعلم. وقيل: قريب من أوليائي بالإفضال والإنعام. الثالثة: قوله تعالى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}أي أقبل عبادة من عبدني؛ فالدعاء بمعنى العبادة، والإجابة بمعنى القبول. دليله ما رواه أبو داود عن النُّعمان بن بَشير عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الدعاء هو العبادة قال ربكم ٱدعوني أستجب لكم»تفسير : فسُمِّيَ الدعاء عبادة؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} تفسير : [غافر: 60] أي دعائي. فأمر تعالى بالدعاء وحض عليه وسمّاه عبادة، ووعد بأن يستجيب لهم. روى لَيث عن شَهر بن حَوْشَب عن عُبادة بن الصّامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أُعْطِيَتْ أمتي ثلاثاً لم تُعط إلا الأنبياءَ كان الله إذا بعث نبِيًّا قال ٱدعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ٱدعوني أستجب لكم وكان الله إذا بعث النبيّ قال له ما جعل عليك في الدِّين من حَرج وقال لهذه الأمة ما جعل عليكم في الدِّين من حرج وكان الله إذا بعث النبيّ جعله شهيداً على قومه وجعل هذه الأمة شُهداءَ على الناس»تفسير : . وكان خالد الرَّبَعِيّ يقول: عجبت لهذه الأمة في {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة، وليس بينهما شَرْط. قال له قائل مثل ماذا؟ قال مثل قوله: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} فها هنا شَرْط، وقوله: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ} فليس فيه شَرْط العمل، ومثل قوله: {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} فها هنا شَرط، وقوله: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} تفسير : [غافر: 60] ليس فيه شرط. وكانت الأمم تقرع إلى أنبيائها في حوائجهم حتى تسأل الأنبياءُ لهم ذلك. فإن قيل: فما للدّاعي قد يدعو فلا يُجَاب؟ فالجواب أن يُعلم أن قوله الحق في الآيتين «أجِيب» «أسْتَجِبْ» لا يقتضي الاستجابة مطلقاً لكل داعٍ على التفصيل، ولا بكلّ مطلوب على التفصيل، فقد قال ربُّنا تبارك وتعالى في آية أخرى: {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} تفسير : [الأعراف: 55] وكل مُصِرٍّ على كبيرة عالماً بها أو جاهلاً فهو مُعْتدٍ، وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين فكيف يستجيب له. وأنواع الاعتداء كثيرة؛ يأتي بيانها هنا وفي «الأعراف» إن شاء الله تعالى. وقال بعض العلماء: أجيب إن شئتُ؛ كما قال: «أية : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شَاءَ»تفسير : [الأنعام: 41] فيكون هذا من باب المطلق والمقيّد. وقد دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم في ثلاثٍ فأُعْطِيَ ٱثْنتين ومُنع واحدة، على ما يأتي بيانه في «الأنعام» إن شاء الله تعالى. وقيل: إنما مقصود هذا الإخبار تعريف جميع المؤمنين أن هذا وصف ربهم سبحانه أنه يجيب دعاء الداعين في الجملة، وأنه قريب من العبد يسمع دعاءه ويعلم ٱضطراره فيجيبه بما شاء وكيف شاء {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ} تفسير : [الأحقاف: 5] الآية. وقد يجيب السيّدُ عبدَه والوالدُ ولدَه ثم لا يعطيه سُؤْله. فالإجابة كانت حاصلة لا محالَة عند وجود الدعوة؛ لأن أجيب وأستجب خبر لا يُنسخ فيصير المخبر كذاباً. يدلّ على هذا التأويل ما روَى ٱبن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من فُتح له في الدعاء فُتحت له أبواب الإجابة»تفسير : . وأوحى الله تعالى إلى داود: أنْ قل للظلمة من عبادي لا يدعوني فإني أوْجبت على نفسي أن أجيب من دعاني وإني إذا أجبت الظلمة لعنتهم. وقال قوم: إن الله يجيب كلّ الدعاء؛ فإمّا أن تظهر الإجابة في الدنيا، وإمّا أن يكفّر عنه، وإمّا أن يدّخر له في الآخرة؛ لما رواه أبو سعيد الخُدْرِيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رَحِم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إمّا أن يُعجّل له دعوته وإمّا أن يدّخر له وإمّا أن يكفّ عنه من السوء بمثلها»تفسير : . قالوا: إذن نُكثر؟ قال: «الله أكثر». خرّجه أبو عمر بن عبد البر، وصححه أبو محمد عبد الحق، وهو في الموطّأ منقطع السّند. قال أبو عمر: وهذا الحديث يخرج في التفسير المسند لقول الله تعالى {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر: 60] فهذا كله من الإجابة. وقال ٱبن عباس: كل عبد دعا أستجيب له؛ فإن كان الذي يدعو به رزقَا له في الدنيا أعطيَه، وإن لم يكن رزقاً له في الدنيا ذُخِر له. قلت: وحديث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وإن كان إذناً بالإجابة في إحدى ثلاث فقد دلّك على صحة ما تقدّم من ٱجتناب الابتداء المانع من الإجابة حيث قال فيه: «حديث : ما لم يَدْعُ بإثم أو قطيعة رَحِم» وزاد مسلم: «ما لم يَستعجل»تفسير : . رواه عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يَدْعُ بإثم أو قطيعة رَحِم ما لم يَستعجِل ـ قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال ـ يقول قد دَعوتُ وقد دَعوتُ فلم أر يستجيب لي فَيَسْتَحْسِر عند ذلك ويَدَعُ الدعاء»تفسير : . وروى البخاريّ ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يُستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَل يقول دَعوتُ فلم يُستجب لي»تفسير : . قال علماؤنا رحمة الله عليهم: يحتمل قوله «يُستجاب لأحدكم» الإخبار عن (وجوب) وقوع الإجابة، والإخبار عن جواز وقوعها؛ فإذا كان بمعنى الإخبار عن الوجوب والوقوع فإن الإجابة تكون بمعنى الثلاثة الأشياء المتقدّمة. فإذا قال: قد دعوت فلم يُستجب لي، بطل وقوع أحد هذه الثلاثة الأشياء وعَرِيَ الدعاء من جميعها. وإن كان بمعنى جواز الإجابة فإن الإجابة حينئذ تكون بفعل ما دعا به خاصّةً، ويمنع من ذلك قول الداعي: قد دعوتُ فلم يُستجب لي؛ لأن ذلك من باب القنوط وضعف اليقين والسّخط. قلت: ويمنع من إجابة الدعاء أيضاً أكل الحرام وما كان في معناه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الرجل يُطيل السّفَر أشْعَثَ أغْبَر يمدّ يديه إلى السماء يا رَبّ يا رَبّ ومَطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذِيَ بالحرام فأنَّى يُستجاب لذلك»تفسير : وهذا ٱستفهام على جهة الاستبعاد من قبول دعاء مَن هذه صفته، فإن إجابة الدعاء لا بدّ لها من شروط في الداعي وفي الدعاء وفي الشيء المدعو به. فمن شَرْط الداعي أن يكون عالماً بأن لا قادر على حاجته إلا الله، وأن الوسائط في قبضته ومسخّرة بتسخيره، وأن يدعو بنيّة صادقة وحضور قلب، فإن الله لا يستجيب دعاء من قلبِ غافلٍ لاهٍ، وأن يكون مجتنباً لأكل الحرام، وألا يملّ من الدعاء. ومن شَرط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعاً؛ كما قال: «حديث : ما لم يَدْعُ بإثم أو قطِيعةَ رَحِم»تفسير : فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب، ويدخل في الرَّحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم. وقال سهل بن عبد اللَّه التُّسْتَرِيّ: شروط الدعاء سبعة: أوّلها التضرّع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع والعموم وأكل الحلال. وقال ٱبن عطاء: إن للدّعاء أركاناً وأجنحة وأسباباً وأوقاتاً؛ فإن وافق أركانه قَوِيَ، وإن وافق أجنحته طار في السماء، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه أنجح. فأركانه حضور القلب والرأفة والاستكانة والخشوع، وأجنحته الصدق، ومواقيته الأسحار، وأسبابه الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: شرائطه أربع ـ أوّلها حفظ القلب عند الوحدة، وحفظ اللسان مع الخلق، وحفظ العين عن النظر إلى ما لا يَحِلّ، وحفظ البطن من الحرام. وقد قيل: إنّ مِن شَرْط الدعاء أن يكون سليماً من اللّحن؛ كما أنشد بعضهم:شعر : ينادي ربَّه باللّحن لَيْثٌ كذاك إذا دعاه لا يجيب تفسير : وقيل لإبراهيم بن أدْهم: ما بالنا ندعو فلا يُستجاب لنا؟ قال: لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول فلم تتّبعوا سُنّته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به، وأكلتم نِعم الله فلم تؤدّوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدّوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا، وتركتم عيوبكم وٱشتغلتم بعيوب الناس. قال عليّ رضي الله عنه لنَوْف البِكَالِيّ: يا نَوْف، إن الله أوحى إلى داود أن مُرْ بني إسرائيل ألاّ يدخلوا بيتاً من بيوتي إلا بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة، وأيدٍ نقيّة؛ فإني لا أستجيب لأحد منهم، ما دام لأحد من خلقي مظلمة. يا نوف، لا تكونن شاعراً ولا عَرِيفاً ولا شرطياً ولا جابياً ولا عَشّاراً، فإن داود قام في ساعة من الليل فقال: إنها ساعة لا يدعو عبد إلاّ استجيب له فيها، إلا أن يكون عَرِيفاً أو شرطيًّا أو جابياً أو عَشَاراً، أو صاحب عَرْطَبَة، وهي الطُّنبور، أو صاحب كُوبة، وهي الطبل. قال علماؤنا: ولا يَقُل الداعي: اللَّهُمّ أعطني إنْ شئتَ، اللَّهُمّ ٱغفر لي إن شئتَ، اللَّهُمّ ٱرحمني إن شئتَ؛ بل يَعري سؤاله ودعاءه من لفظ المشيئة، ويسأل سؤال من يعلم أنه لا يفعل إلا أن يشاء. وأيضاً فإن في قوله: «إن شئت» نوع من الاستغناء عن مغفرته وعطائه ورحمته؛ كقول القائل: إن شئت أن تعطيني كذا فٱفعل؛ لا يستعمل هذا إلا مع الغنيّ عنه، وأما المضطرّ إليه فإنه يعزم في مسألته ويسأل سؤال فقير مضطرّ إلى ما سأله. روى الأئمة واللفظ للبخاريّ عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا دعا أحدكم فليعزِم المسألة ولا يقولنّ اللَّهُمّ إن شئتَ فأعطني فإنه لا مُسْتَكْرِه له»تفسير : . وفي الموَطّأ: «حديث : اللَّهُمّ ٱغفر لي إن شئتّ، اللّهُمّ ٱرحمني إن شئت»تفسير : . قال علماؤنا: قوله «فليعزِم المسألة» دليل على أنه ينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء من الإجابة، ولا يقنط من رحمة الله؛ لأنه يدعو كريماً. قال سفيان ابن عُيَيْنَة: لا يمنعنّ أحداً من الدعاء ما يعلمه من نفسه فإن الله قد أجاب دعاء شرّ الخلق إبليس؛ قال: رَبّ فأنْظِرني إلى يوم يُبعثون؛ قال فإنك من المنظرين. وللدّعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة، وذلك كالسَّحَر ووقت الفطر، وما بين الأذان والإقامة، وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء؛ وأوقات الاضطرار وحالة السفر والمرض، وعند نزول المطر والصَّف في سبيل الله. كل هذا جاءت به الآثار، ويأتي بيانها في مواضعها. وروى شَهْر بن حَوْشَب أن أمّ الدّرداء قالت له: يا شَهْر، ألا تجد القشعريرة؟ قلت نعم. قالت: فٱدع الله فإن الدعاء مستجاب عند ذلك. وقال جابر بن عبد اللَّه: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفتح ثلاثاً يوم الإثنين ويوم الثلاثاء فٱستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين. فعرفتُ السرور في وجهه. قال جابر: ما نزل بي أمْرٌ مُهِمّ غليظ إلا تَوَخّيتُ تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة. الرابعة: قوله تعالى: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} قال أبو رجاء الخراسانيّ: فلْيَدْعُوا لي. وقال ٱبن عطية: المعنى فليطلبوا أن أجيبهم. وهذا هو باب «ٱستفعل» أي طلب الشيء إلا ما شَدّ؛ مثل ٱستغنى الله. وقال مجاهد وغيره: المعنى فليجيبوا إليّ فيما دعوتهم إليه من الإيمان؛ أي الطاعة والعمل. ويقال: أجاب وٱستجاب بمعنىً؛ ومنه قول الشاعر:شعر : فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : أي لم يجبه. والسين زائدة واللام لام الأمر. وكذا «وَلْيُؤْمِنُوا» وجَزَمت لام الأمر لأنها تجعل الفعل مستقبلاً لا غير، فأشبهت إنْ التي للشرط. وقيل: لأنها لا تقع إلا على الفعل. والرشاد خلاف الغَيّ. وقد رَشَد يَرْشُد رُشْداً. ورَشِد (بالكسر) يَرْشَدَ رَشَداً، لغة فيه. وأرشده الله. والمَراشِد: مقاصد الطرق. والطريق الأرْشَد: نحو الأقصد. وتقول: هو لرشْدةٍ. خلاف قولك: لزِنْيَة. وأمُّ راشد: كُنية للفأرة. وبنو رَشْدان: بطن من العرب؛ عن الجوهري. وقال الهَرَوِي: الرُّشْد والرَّشَد والرشاد: الهدى والاستقامة؛ ومنه قوله: «لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون».
البيضاوي
تفسير : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ} أي فقل لهم إني قريب، وهو تمثيل لكمال علمه بأفعال العباد وأقوالهم واطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم، روي: أن أعرابياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} تقرير للقرب. ووعد للداعي بالإجابة. {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أجيبهم إذا دعوني لمهماتهم {وَلْيُؤْمِنُواْ بِي} أمر بالثبات والمداومة عليه. {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} راجين إصابة الرشد وهو إصابة الحق. وقرىء بفتح الشين وكسرها. واعلم أنه تعالى لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة، وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقبه بهذه الآية الدالة على أنه تعالى خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجازيهم على أعمالهم تأكيداً له وحثاً عليه، ثم بين أحكام الصوم فقال: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ} روي أن المسلمين كانوا إذا أمسوا حل لهم الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلوا العشاء الآخرة أو يرقدوا، ثم: إن عمر رضي الله عنه باشر بعد العشاء فندم وأتى النبي صلى الله عليه وسلم واعتذر إليه، فقام رجال واعترفوا بما صنعوا بعد العشاء فنزلت وليلة الصيام: الليلة التي تصبح منها صائماً، والرفث: كناية عن الجماع، لأنه لا يكاد يخلو من رفث وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه، وعدي بإلى لتضمنه معنى الإفضاء، وإيثاره ههنا لتقبيح ما ارتكبوه ولذلك سماه خيانة. وقرىء الرفوث {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } استئناف يبين سبب الإِحلال وهو قلة الصبر عنهن، وصعوبة اجتنابهن لكثرة المخالطة وشدة الملابسة، ولما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل منهما على صاحبه شبه باللباس قال الجعدي:شعر : إِذَا مَا الضجِيعُ ثَنَّى عِطْفَهَا تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا تفسير : أو لأن كل واحد منهما يستر حال صاحبه ويمنعه من الفجور. {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ} تظلمونها بتعريضها للعقاب، وتنقيص حظها من الثواب، والاختيان أبلغ من الخيانة كالاكتساب من الكسب. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} لما تبتم مما اقترفتموه. {وَعَفَا عَنكُمْ} ومحا عنكم أثره. {فَٱلـنَ بَـٰشِرُوهُنَّ} لما نسخ عنكم التحريم وفيه دليل على جواز نسخ السنة بالقرآن، والمباشرة: إلزاق البشرة بالبشرة كني به عن الجماع. {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} واطلبوا ما قدره لكم وأثبته في اللوح المحفوظ من الولد، والمعنى أن المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد فإنه الحكمة من خلق الشهوة. وشرع النكاح لاقضاء الوطر، وقيل النهي عن العزل، وقيل عن غير المأتي. والتقدير وابتغوا المحل الذي كتب الله لكم. {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ} شبه أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتد معه من غبش الليل، بخيطين أبيض وأسود، واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله {مِنَ ٱلْفَجْرِ} عن بيان {ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ}، لدلالته عليه. وبذلك خرجا عن الاستعارة إلى التمثيل. ويجوز أن تكون من للتبعيض، فإن ما يبدو بعض الفجر. وما روي أنها نزلت ولم ينزل من الفجر، فعمد رجال إلى خيطين أسود وأبيض ولا يزالون يأكلون ويشربون حتى يتبينا لهم فنزلت، إن صح فلعله كان قبل دخول رمضان وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائزة، أو أكتفي أولاً باشتهارهما في ذلك ثم صرح بالبيان لما التبس على بعضهم وفي تجويز المباشرة إلى الصبح الدلالة على جواز تأخير الغسل إليه وصحة صوم المصبح جنباً {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱللَّيْلِ} بيان لآخر وقته، الليل عنه فينبفي صوم الوصال {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَـٰجِدِ} معتكفون فيها والاعتكاف هي: اللبث في المسجد بقصد القربة. والمراد بالمباشرة: الوطء. وعن قتادة كان الرجل يعتكف فيخرج إلى امرأته فيباشرها ثم يرجع فنهوا عن ذلك. وفي دليل على أن الاعتكاف يكون في المسجد ولا يختص بمسجد دون مسجد. وأن الوطء يحرم فيه ويفسده لأن النهي في العبادات يوجب الفساد. {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي الأحكام التي ذكرت. {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} نهى أن يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل لئلا يداني الباطل، فضلاً عن أن يتخطى عنه. كما قال عليه الصلاة والسلام «إن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه». وهو أبلغ من قوله {أية : فَلاَ تَعْتَدُوهَا }تفسير : [البقرة: 229] ويجوز أن يريد بـ {حُدُودَ ٱللَّهِ} محارمه ومناهيه. {كَذٰلِكَ} مثل ذلك التبيين {يُبَيّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} مخالفة الأوامر والنواهي.
ابن كثير
تفسير : قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة أخبرنا جرير عن عبدة بن أبي برزة السجستاني، عن الصلت بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده، أن أعرابياً قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي} إذا أمرتهم أن يدعوني، فدعوني، استجبت، ورواه ابن جرير عن محمد بن حميد الرازي، عن جرير به، ورواه ابن مردويه وأبو الشيخ الأصبهاني من حديث محمد بن أبي حميد عن جرير به، وقال عبد الرزاق: أخبرنا جعفر بن سليمان عن عوف عن الحسن قال: سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أين ربنا؟ فأنزل الله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} الآية وقال ابن جريج عن عطاء: إنه بلغه لما نزلت: {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِىۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر: 60] قال الناس: لو نعلم أي ساعة؟ فنزلت: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حدثنا خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الأشعري، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فجعلنا لا نصعد شرفاً، ولا نعلو شرفاً، ولا نهبط وادياً، إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا، فقال: «حديث : يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله»تفسير : أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة من حديث أبي عثمان النهدي، واسمه عبد الرحمن بن مُلَ عنه بنحوه، وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا شعبة، حدثنا قتادة عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أنبأنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله عن كريمة بنت الحَسْحاس المزنية، قالت: حدثنا أبو هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : قال الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه»تفسير : . (قلت): وهذا كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}تفسير : [النحل: 128]، وقوله لموسى وهارون عليهما السلام: {أية : إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ}تفسير : [طه: 46] والمراد من هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داع، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء، ففيه ترغيب في الدعاء، وأنه لا يضيع لديه تعالى، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا رجل: أنه سمع أبا عثمان، هو النهدي، يحدث عن سلمان، يعني الفارسي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيراً فيردهما خائبتين»تفسير : قال يزيد: سموا لي هذا الرجل، فقالوا: جعفر بن ميمون، وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث جعفر بن ميمون صاحب الأنماط به، وقال الترمذي: حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه، قال الشيخ الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله في أطرافه: وتابعه أبو همام محمد بن الزبرقان عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي به، وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو عامر، حدثنا علي بن دؤاد أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها»تفسير : قالوا: إذاً نكثر؟ قال: «حديث : الله أكثر»تفسير : ، وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا ابن ثوبان عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير: أن عبادة بن الصامت، حدثهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو كف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم»تفسير : ورواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن ابن ثوبان، وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقال الإمام مالك: عن ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يستجاب لأحدكم مالم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي»تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به، وهذا لفظ البخاري رحمه الله وأثابه الجنة، وقال مسلم في صحيحه: حدثني أبو الطاهر، حدثنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يزال يستجاب للعبد مالم يدع بإثم أو قطيعة رحم مالم يستعجل» تفسير : قيل: يا رسول الله وما الاستعجال؟ قال: «حديث : يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك، ويدع الدعاء»تفسير : ، وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو هلال عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يزال العبد بخير مالم يستعجل»تفسير : قالوا: وكيف يستعجل؟ قال: «حديث : يقول: قد دعوت ربي، فلم يستجب لي»تفسير : وقال الإمام أبو جعفر الطبري في تفسيره: حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر: أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: ما من عبد مؤمن يدعو الله بدعوة فتذهب حتى تعجل له في الدنيا، أو تدخر له في الآخرة إذا لم يعجل أو يقنط، قال عروة: قلت: يا أماه كيف عجلته وقنوطه؟ قالت: يقول: سألت فلم أعط، ودعوت فلم أجب. قال ابن قسيط: وسمعت سعيد بن المسيب يقول كقول عائشة سواء، وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا بكر بن عمرو عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله أيها الناس، فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل»تفسير : وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إسحاق بن أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي نافع بن معد يكرب ببغداد، حدثني ابن أبي نافع بن معد يكرب، قال: كنت أنا وعائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آية: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} قال: «حديث : يا رب مسألة عائشة»تفسير : فهبط جبريل فقال: «الله يقرؤك السلام، هذا عبدي الصالح بالنية الصادقة، وقلبه نقي يقول: يا رب فأقول: لبيك، فأقضي حاجته» وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وروى ابن مردويه من حديث الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، حدثني جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم أمرت بالدعاء وتوكلت بالإجابة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، أشهد أنك فرد أحد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور»تفسير : . وقال الحافظ أبو بكر البزار: وحدثنا الحسن بن يحيى الأزدي ومحمد بن يحيى القطعي، قالا: حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا صالح المري عن الحسن، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقول الله تعالى: يا ابن آدم واحدة لك، وواحدة لي، وواحدة فيما بيني وبينك، فأما التي لي، فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فما عملت من شيء وفيتكه، وأما الذي بيني وبينك، فمنك الدعاء وعلي الإجابة»تفسير : ، وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر، كما رواه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا أبو محمد المليكي عن عمرو، هو ابن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، عن جده عبد الله ابن عمرو، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة»تفسير : فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا، وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه في سننه: حدثنا هشام بن عمار، أخبرنا الوليد بن مسلم عن إسحاق بن عبد الله المدني، عن عبيد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد»تفسير : قال عبيد الله بن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي، وفي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم، يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السماء، يقول: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين».
المحلي و السيوطي
تفسير : وسأل جماعة النبي صلى الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ } منهم بعلمي فأخبرهم بذلك {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } بإنالته ما سأل {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى } دعائي بالطاعة {وَلْيُؤْمِنُواْ } يداوموا على الإيمان {بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } يهتدون.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي } يحتمل أن السؤال عن القرب والبعد كما يدل عليه قوله: {فَإِنّي قَرِيبٌ } ويحتمل أن السؤال عن إجابة الدعاء، كما يدل على ذلك قوله: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ } ويحتمل أن السؤال عما هو أعمّ من ذلك، وهذا هو الظاهر، مع قطع النظر عن السبب الذي سيأتي بيانه. وقوله: {فَإِنّي قَرِيبٌ } قيل: بالإجابة. وقيل: بالعلم. وقيل: بالإنعام. وقيل في الكشاف: إنه تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه، وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بمن قرب مكانه، فإذا دعى أسرعت تلبيته. ومعنى الإجابة: هو معنى ما في قوله تعالى: {أية : ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] وقيل: معناه: أقبل عبادة من عبدني بالدعاء، لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث : أن الدعاء هو: العبادة، تفسير : كما أخرجه أبو داود، وغيره من حديث النعمان بن بشير، والظاهر أن الإجابة هنا هي باقية على معناها اللغوي؛ وكون الدعاء من العبادة لا يستلزم أن الإجابة هي: القبول للدّعاء: أي: جعله عبادة متقبلة، فالإجابة أمر آخر غير قبول هذه العبادة. والمراد: أنه سبحانه يجيب بما شاء، وكيف شاء، فقد يحصل المطلوب قريباً، وقد يحصل بعيداً، وقد يدفع عن الداعي من البلاء ما لا يعلمه بسبب دعائه، وهذا مقيد بعدم اعتداء الداعي في دعائه، كما في قوله سبحانه{أية : ادعوا ربكم تضرّعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين}تفسير : [الأعراف: 55] ومن الاعتداء أن يطلب ما لا يستحقه، ولا يصلح له، كمن يطلب منزلة في الجنة مساوية لمنزلة الأنبياء، أو فوقها. وقوله: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى } أي: كما أجبتهم إذا دعوني، فليستجيبوا لي فيما دعوتهم إليه من الإيمان والطاعات، وقيل: معناه: أنهم يطلبون إجابة الله سبحانه لدعائهم باستجابتهم له: أي: القيام بما أمرهم به، والترك لما نهاهم عنه. والرشد خلاف الغيّ، رشد يرشد رَشَداً. ورُشداً. قال الهروي: الرُّشد، والرَّشَد، والرشاد: الهدى، والاستقامة. قال: ومنه هذه الآية. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه من طريق الصلب بن حكيم عن رجل من الأنصار عن أبيه عن جدّه؛ قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أقريب ربنا، فنناجيه أم بعيد، فنناديه؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن الحسن قال: سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أين ربنا؟ فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن مردويه، عن أنس أنه سأل أعرابيّ النبي صلى الله عليه وسلم أين ربنا؟ فنزلت. وأخرج ابن عساكر في تاريخه، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تعجزوا عن الدعاء، فإن الله أنزل عليَّ" {أية : ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] فقال رجل: يا رسول الله ربنا يسمع الدعاء أم كيف ذلك، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عطاء أنه بلغه لما نزلت {ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } قالوا: لو نعلم أيّ ساعة ندعو، فنزلت. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدّخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها»تفسير : . وثبت في الصحيح أيضاً من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَل، يقول دعوت، فلم يستجب لي»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس في قوله: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى } قال: ليدعوني: {وَلْيُؤْمِنُواْ بِى } أي: أنهم إذا دعوني استجبت لهم. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد قال: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى } أي: فليطيعوني. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن الربيع بن أنس في قوله: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } قال: يهتدون.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَإذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} اختلف أهل التأويل في سبب نزول هذه الآية، على أربعة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في سائل سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أقريبٌ ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأُنْزِلَتْ هذه الآية، وهو قول الحسن البصري. والثاني: أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أي ساعة يدعون الله فيها، وهذا قول عطاء والسدي. والثالث: أنها نزلت جواباً لقوم قالوا: كيف ندعو؟، وهذا قول قتادة. والرابع: أنها نزلت في قوم حين نَزَلَ قولُه تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قالوا: إلى أين ندعوه؟، وهذا قول مجاهد. وفي قوله تعالى: {قَرِيبٌ} تأويلان: أحدهما: قريب الإجابة. والثاني: قريب من سماع الدعاء. وفي قوله تعالى: {أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ} تأويلان: أحدهما: معناه أسمع دعوة الداعي إذا دعاني، فعبر عن السماع بالإجابة، لأن السماع مقدمة الإجابة. والثاني: أنه أراد إجابة الداعي إلى ما سأل، ولا يخلو سؤال الداعي أن يكون موافقاً للمصلحة أو مخالفاً لها، فإن كان مخالفاً للمصلحة لم تجز الإجابة إليه، وإن كان موافقاً للمصلحة، فلا يخلو حال الداعي من أحد أمرين: إما أن يكون مستكملاً شروط الطلب أو مقصوراً فيها: فإن استكملها جازت إجابته، وفي وجوبها قولان: أحدهما: أنها واجبة لأنها تجري مجرى ثواب الأعمال، لأن الدعاء عبادة ثوابها الإجابة. والثاني: أنها غير واجبة لأنها رغبة وطلب، فصارت الإجابة إليها تفضلاً. وإن كان مقصوراً في شروط الطلب لم تجب إجابته، وفي جوازها قولان: أحدهما: لا تجوز، وهوقول من أوجبها مع استكمال شروطها. والثاني: تجوز، وهو قول من لم يوجبها مع استكمال شروطها. وفي قوله تعالى: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} أربعة تأويلات: أحدها:أن الإستجابة بمعنى الإجابة، يقال استجبت له بمعنى أجبته، وهذا قول أبي عبيدة، وأنشد قول كعب بن سعد الغنوي: شعر : وداعٍ دَعَا: يا من يجيب إلي الندا فلم يستجبه عند ذلك مجيب تفسير : أي فلم يجبه. والثاني: أن الإستجابة طلب الموافقة للإجابة، وهذا قول ثعلب. والثالث: أن معناه فليستجيبوا إليَّ بالطاعة. والرابع: فليستجيبوا لي، يعني فليدعوني.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى} قيل للرسول صلى الله عليه وسلم: "أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه" أو سئل عن أي ساعة يدعون فيها، أو سئل كيف ندعوا، أو قال قوم: لما نزل: { أية : ٱدْعُونِىۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر: 60] إلى أين ندعوا فنزلت. {قَرِيبٌ} الإجابة، أو من سماع الدعاء. {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} اسمع فعبّر عن السماع بالإجابة، أو أُجيبه إلى ما سأل إذا كان مصلحة مستكملاً لشروط الطلب، وتجب إجابته كثواب الأعمال، فالدعاء عبادة ثوابها الإجابة، أو لا تجب. وإن قصّر في شروط الطلب فلا تجب إجابته وفي جوازها قولان، وإن كان سؤاله مفسدة لم تجز إجابته. {فَلْيَسْتَجِيبُواْ} فليجيبوني، أو الاستجابة طلب الموافقة للإجابة، أو فليستجيبوا لي بالطاعة، أو فليدعوني.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} قال ابن عباس قال يهود المدينة: يا محمد كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام وأن غلظ كل سماء مثل ذلك فنزلت هذه الآية. وقيل سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه وقيل إنهم سألوه في أي ساعة ندعو ربنا فنزلت. وقيل: إنهم قالوا أين ربنا؟ فنزلت هذه الآية وهذا السؤال لا يخلو إما أن يكون عن ذات الله أو عن صفاته أو عن أفعاله أما السؤال عن ذات الله فهو سؤال عن القرب والبعد بحسب الذات، وأما السؤال عن صفاته تعالى فهو أن يكون السائل سأل هل يسمع ربنا دعاءنا، وأما السؤال عن أفعاله تعالى فهو أن يكون السائل سأل هل يجيب ربنا إذا دعوناه؟ فقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني} فيحتمل هذه الوجوه كلها، وقوله تعالى {فإني قريب} معناه قريب بالعلم والحفظ لا يخفى علي شيء، وفيه إشارة إلى سهولة إجابته لمن دعاه وإنجاح حاجة من سأله (ق) عن أبي موسى الأشعري قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خبير، أو قال: توجه إلى خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر لا إله إلاّ الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً بصيراً قريباً وهو معكم" تفسير : قوله اربعوا على أنفسكم أي ارفقوا بها وقيل معناه أمسكوا عن الجهر فإنه قريب يسمع دعاءكم. وقوله تعالى: {أجيب دعوة الداع إذا دعان} أي أسمع دعاء عبدي الداعي إذا دعاني وقيل: الدعاء عبارة عن التوحيد والثناء على الله تعالى كقول العبد: يا الله لا إله إلاّ أنت فقولك يا الله فيه دعاء، وقولك: لا إله إلاّ أنت فيه توحيد وثناء على الله تعالى فسمي هذا دعاء بهذا الاعتبار وسمي قبوله إجابة لتجانس اللفظ، وفيه إشارة إلى أن العبد يعلم أن له رباً ومدبراً يسمع دعاءه إذا دعاه ولا يخيب رجاء من رجاه وذلك ظاهر فإن العبد إذا دعا، وهو يعلم أن له رباً بإخلاص وتضرع أجاب الله دعوته. فإن قلت: إنا نرى الداعي يبالغ في الدعاء والتضرع فلا يجاب له فما وجه: قوله أجيب دعوة الداع؟ وقوله تعالى: {أية : ادعوني أستجيب لكم}. تفسير : [غافر: 60] قلت ذكر العلماء فيه أجوبة: أحدها أن هذه الآية مطلقة وقد وردت آية أخرى مقيدة وهي قوله: {أية : بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} تفسير : [الأنعام: 41] والمطلق يحمل على المقيد. وثانيها أن معنى الدعاء هنا هو الطاعة ومعنى الإجابة هو الثواب وذلك في الآخرة. وثالثها أن معنى الآيتين خاص. وإن كان لفظهما عاماً فيكون معناه أجيب دعوة الداعي إذا وافق القضاء أو أجيبه إن كانت الإجابة خيراً له أو أجيبه إذا لم يسأل إثماً أو محالاً. ورابعها أن معناها عام أي أسمع وهو معنى الإجابة المذكورة في الآية، وأما إعطاء الأمنية فليس بمذكور فالإجابة حاصلة عند وجود الدعوة وقد يجيب السيد عبده ولا يعطيه سؤله. وخامسها أن للدعاء آداباً وشرائط وهي أسباب الإجابة، فمن استكملها وأتى بها كان من أهل الإجابة ومن أخطأها كان من أهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الجواب والله أعلم. وقوله تعالى {فليستجيبوا لي} يعني إذا دعوتهم إلى الإيمان والطاعة كما أني أجبتهم إذا دعوني لحوائجهم. والإجابة في اللغة الطاعة. فالإجابة من العبد الطاعة ومن الله الإثابة والعطاء {وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} أي لكي يهتدوا إلى مصالح دينهم ودنياهم. فصل: في فضل الدعاء وآدابه (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له" تفسير : هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء: أحدما وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين أنه يجب الإيمان به وبأنه حق على ما يليق به ونكل علمه إلى الله تعالى ورسوله وإن ظاهره المتعارف في حقنا غير مراد ولا نتكلم في تأويله مع اعتقادنا تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوقين وعن الانتقال والحركات. والمذهب الثاني مذهب أكثر المتكلمين وجماعة من السلف أنها تؤول على ما يليق فعلى هذا نقل عن مالك وغيره أن معناه تنزل رحمته وأمره وملائكته وقيل: إنه على الاستعارة ومعناه الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف وفي الحديث الحث على الدعاء والترغيب فيه عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن ربكم حي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي. وقال حديث حسن غريب. الصفر الخالي يقال بيت صفر ليس فيه متاع. عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلاّ آتاه الله إياها أو صرف عنه من الشر مثلها ما لم يدع بإثم أو قطعية رحم فقال رجل من القوم إذا نكثر قال الله أكثر" تفسير : أخرجه الترمذي. قوله؛ الله أكثر معناه الله أكثر إجابة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه" تفسير : أخرجه الترمذي. وقال حديث غريب. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" تفسير : أخرجه الترمذي. وله عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الدعاء مخ العبادة" تفسير : وله عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من فتح له باب من الدعاء فتحت له أبواب الرحمة وما سئل الله شيئاً أحب إليه من أن يسأل العافية وإن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل" تفسير : وله عن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يرد القضاء إلاّ الدعاء ولا يزيد في العمر إلاّ البر" تفسير : وله عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من لم يسأل الله يغضب عليه" تفسير : (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يستجاب لأحدكم ما لم يعجل بقوله قد دعوت فلم يستجب لي" تفسير : ولمسلم قال: "حديث : لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطعية رحم ما لم يستعجل قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم يستجب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء"تفسير : . قوله يستحسر أي يستنكف عن السؤال وأصله من حسر الطرف إذا كلَّ وضعف (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له" تفسير : زاد البخاري"حديث : ارزقني إن شئت ليعزم مسألته فإنه يفعل ما يشاء لا مكره له" تفسير : قوله ليعزم المسألة أي لا تكن في دعائك ربك متردداً بل أعزم وجد في المسألة. عن فضالة بن عبيد قال: "حديث : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو في صلاته فلم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلّى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بما شاء" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث صحيح.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ...}. قال ابن عطية: قال عطاء لما نزلت {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : قال قوم: في أي ساعة ندعو؟ فنزلت. (وروي أنّ أعرابيّا قال: يارسول الله أقريب ربّنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت). قال ابن عرفة: هذا يوهم اعتقاد التجسيم والجهة وهو صعب. وقد كان بعض الناس يستشكله فكنت (أقرّبه) له بالمثال، فنقول له: لو فرضنا رجلا لم يشاهد قطّ في عمره إلا الحيوان الماشي على الأرض فإنه إذا سئل عن حيوان يطير لا هو في السماء ولا هو في الأرض بل بينهما بالفضاء فإنه يظن ذلك محالا، وكذلك النملة لو كان لها عقل وسئلت عن ذلك لأحالته. وظاهر ما ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن لفظ "عِبَادِي" عام ولكن آخر الآية يدل على أنه خاص بالمؤمنين. وقوله "فَإِنِّي قَرِيبٌ" قال أبو حيان: أي فاعلم أني قريب. قال ابن عرفة: لأن الأمور الواقعة الموجودة لا يصح ترتيبها على الشّرط إلا على مَا ذكر المنطقيون في القضية الاتفاقية مثل كلّما كان الإنسان ناطقا كان الحمار ناهقا هي لا تفيد شيئا. قوله تعالى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ...}. قال ابن عرفة: "أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ" فيه سؤالان: الأول: ما الفائدة في زيادة لفظ "دعوة" مع أنه مستغنى عنه؟ قيل له: إنّه إذا أجاب الدّعوة الواحدة فأحرى أن يجيب الدّعوات (المكررة المؤكدة)؟ فقال: العكس أولى لا، إذ لا يلزم من إجابة الدعوة الواحدة إجابة الدعوات. قال: وعادتهم يجيبون عنه بأنّ "أجاب" تطلق على (الإجابة) بالموافق والمخالف و"استجاب" خاص بالموافق، فلو قال: أُجِيبُ الدّاعِي، لأوهم العموم، وقوله "أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ" صريح في الإسعاف بالمقصود، كما نقول: أجيب طلبة فلان وأجيب دعوته، أي أسعفه بمطلوبه. السؤال الثاني: ما الفائدة في قوله "إِذَا دَعَانِ" مع أنّه أيضا مستغنى عنه. قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأنّ الدّعاء على قسمين دعاء بنية وعزيمة، والداعي مستجمع لشرائطه، ودعاء دون ذلك، فأفاد قوله "إِذَا دَعَانِ" إجابة الداعي بنية وحضور. وذكروا أنّ الدّعاء على أقسام فالمستحيل عقلا والمحرم لا يجوز، وكذلك الدعاء بتحصيل الواجب لأنه من تحصيل الحاصل، وكذا قالوا في قوله تعالى {أية : وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ}تفسير : أي المعتدي في الدعاء بالمستحيل عقلا كالدعاء بالجمع بين النقيضين وأما المحال في/ العادة كالطيران في الهواء والمشي على الماء فمنهم من أجازه ومنهم من منعه. والمختار عندهم أنه إن كان في الداعي أهلية لذلك وقابلية له جاز له الدعاء وإلا لم يجز كدعاء شيخ ابن ثمانين سنة أن يكون فقيها عالما، ودعاء رجل من سفلة الناس بأن يكون ملكا. قلت: في الجامع الثالث من العتبية قال الإمام مالك رضي الله عنه: صلى رجل في المسجد ثم انصرف ولم يدع كثيرا فدعاه عروة بن الزبير رضي الله عنه فقال له (أما) كانت لك حاجة عند الله. والله إني لأدعو الله في حوائجي حتى في الملح. قال الإمام ابن رشد: الدعاء عبادة فيها الأجر العظيم استجيب أَمْ لا، لأنه لا(يجتهد) في الدعاء إلا بإيمان صحيح ولن يضيع له عند الله. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من داع يدعو إلاّ كان بين إحدى ثلاثة: إما أن يستجاب له، وإمّا أن يدّخر له، وإمّا أن يكفر عنه"تفسير : . إلاّ أن هذا الحديث ليس فيه ما يدل عنه على أنه لا يدّخر له ولايكفر عنه إذا استجيب له لأن معناه: إلا كان بين إحدى ثلاثة، إما أن يستجاب له مع أن يدخر له أو يكفر عنه مع أن يستجاب له. وفي شرح الأسماء الحسنى للشيخ ابن العربي: الدّعاء لغة الطّلب. "اغفر لنا"، ويطلق على النداء وعلى الترغيب مثل: {أية : وَٱللَّهُ يَدْعُوۤ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ}،تفسير : وعلى التكوين مثل: {أية : ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ }. تفسير : قوله تعالى: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي...}. قال الزمخشري: فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي، إذا دعوتهم إلى الإيمان والطاعة. قال ابن عرفة: يلزم التكرار في الآية لغير فائدة، والتقديم والتأخير لأن الطاعة مُتأخرة عن الإيمان وما معناه عندي: أَلاَ فلينظروا في الأدلة التي ترشدهم للايمان ويؤمنوا بالفعل. قيل لابن عرفة: هذا إذا قلنا إن ارتباط الدليل بالمدلول عادي أمّا إن قلنا: إنه عقلي فيجري فيه تحصيل الحاصل لأنّهم إذا نظروا آمنوا فلا فائدة في أمرهم بالإيمان؟ (فقال): إنّما (أمروا) بالإيمان قبل كمال النظر كما تقول لغيرك: انظر في كذا واعلمه، فإنما أمرته بالعلم قبل أن يحصل منه النظر. قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}. أي لعلهم يحصل لهم الفوز والفلاح، وليس المراد لعلهم يهتدون (بطريق) الفوز لأنه من تعليل الشيء بنفسه. قلت: وجدت هذه الآية في ميعاد القاضي أبي علي عمر بن عبد الرفيع فنقلوا عن ابن الخطيب أن الجواب (هنا): وقع بالفاء فقط إشارة إلى أنه قريب مطلقا وقربه من العبد مع الدعاء لا يعقبه، وقيل: أمر محمد صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ذلك (وبـ"قل" وحدها) في {أية : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}تفسير : (وبهما) معا في {أية : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً}تفسير : الآية، ونسفها إعدامها إشارة إلى الأمر بالمبادرة بالجواب عقب السؤال ردا على من قال بقدمها لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه. ونقلوا عن أبي حيان أنّ التقدير "فَقُلْ إنِي قَرِبٌ" لأنه لا يترتب على الشرط القرب بل الإخبار عن القرب، فقال الحسّاني: لا حاجة إلى إضمار "قُلْ" وقد أبدى ابن الخطيب حكمه ذلك. فقال بعضهم: لعل مراد أبي حيان أن هذا شرط والشروط اللّغوية أسباب عقلية والسبب العقلي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، فليزم إذا عدم السؤال أن يعدم مطلق القرب. فأجاب الطالب: بحديث: "حديث : من أحيا أرضا ميتة فهي له"تفسير : قالوا فيه: إنه قد تصير له بالملك من غير إحياء فترى الإحياء انعدم والملك موجود. فرد عليه ابن التلمساني في المسألة السادسة من باب الأوامر قال: قال (مالك) في الإحياء إنه غير موجود وإنّما الموجود ملك الشراء.
الثعالبي
تفسير : وقوله جلَّ وعلا: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ...} الآيةَ. قال الحسنُ بْنُ أبي الحَسَن: سببُها أن قوماً قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: «أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيَهُ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيَهُ»، فنزلتِ الآية. و {أُجِيبُ }: قال قومٌ: المعنى: أجيبُ إِن شئْتُ، وقال قوم: إِن اللَّه تعالَىٰ يجيب كلَّ الدعاء، فإِما أن تظهر الإِجابةُ في الدنيا، وإما أن يكفِّر عنه، وإِما أن يُدَّخَرَ له أجرٌ في الآخرة، وهذا بحَسَب حديثِ «الموطَّإِ»، وهو: «حديث : مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلاَّ كَانَ بَيْنَ إِحْدَىٰ ثَلاَثٍ...» تفسير : الحديثَ. * ت *: وليس هذا بٱختلافِ قولٍ. قال ابن رُشْدٍ في «البيان»: الدعاءُ عبادةٌ من العبادات يؤْجر فيها الأجر العظيم، أَجيبَتْ دعوته فيما دعا به، أو لم تُجَبْ، وهأنا أنقل، إِن شاء اللَّه، من صحيح الأحاديث في هذا المَحَلِّ ما يَثْلَجُ له الصَدْرُ، وعن أنسٍ ـــ رضي اللَّه عنه ـــ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ تَعْجِزُوا عَنِ الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَنْ يَهْلِكَ مَعَ الدُّعَاءِ أَحَدٌ» تفسير : رواه الحاكم أبو عبد اللَّه في «المُسْتَدْرَكِ» على الصحيحين، وابن حِبَّانَ في «صحيحه»، واللفظ له، وقال الحاكم: صحيحُ الإِسناد، وعن أبي هريرة - رضي اللَّه عنه - قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : الدُّعَاءُ: سِلاَحُ المُؤْمِنِ، وَعِمَادُ الدِّينِ، وَنُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ» تفسير : رواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيحٌ، وعن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ - رضي اللَّه عنهما - عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : يَدْعُو اللَّهُ بِالمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّىٰ يُوقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: عَبْدِي، إِنِّي أَمَرْتُكَ؛ أَنْ تَدْعُونِي، وَوَعَدْتُّكَ أَنْ أَسْتَجِيبَ لَكَ، فَهَلْ كُنْتَ تَدْعُونِي، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَمَا إِنَّكَ لَمْ تَدْعُنِي بِدَعْوَةٍ إِلاَّ ٱسْتَجَبْتُ لَكَ، أَلَيْسَ دَعَوْتَنِي يَوْمَ كَذَا وَكَذَا لِغَمٍّ نَزَلَ بِكَ؛ أَنْ أُفَرِّجَ عَنْكَ فَفَرَّجْتُ عَنْكَ؟! فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَوْتَنِي يَوْمَ كَذَا وَكَذَا لِغَمٍّ نَزَلَ بِكَ، أنْ أُفَرِّجَ عَنْكَ، فَلَمْ تَرَ فَرَجاً؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: إِنِّي ٱدَّخَرْتُ لَكَ بِهَا فِي الجَنَّةِ كَذَا وَكَذَا [و] كَذَا وَكَذَا، وَدَعَوْتَنِي فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فَقَضَيْتُهَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَوْتَنِي فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ، فَلَمْ تَرَ قَضَاءَهَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: إِنِّي ٱدَّخَرْتُ لَكَ فِي الجَنَّةِ كَذَا وَكَذَا»تفسير : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : فَلاَ يَدَعُ اللَّهُ دَعْوَةً دَعَا بِهَا عَبْدُهُ المُؤْمِنُ إِلاَّ بَيَّنَ لَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وإِمَّا أَنْ يَكُونَ ٱدَّخَرَ لَهُ فِي الآخِرَةِ، قَالَ: فَيَقُولُ المُؤْمِنُ فِي ذَلِكَ المَقَامِ: يَا لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ عُجِّلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ دُعَائِهِ»تفسير : ، رواه الحاكم في «المستدرك». وعن ثَوْبَانَ - رضي اللَّه عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ يَرُدُّ القَدَرِ إِلاَّ الدُّعَاءُ»تفسير : ، رواه الحاكمُ في «المستدرك» وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه»، واللفظ للحاكمِ، وقال: صحيحُ الإِسناد. قلت: وقد أخرج ابن المبارك في «رقائقه» هذا الحديثَ أيضاً، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبد اللَّه بن عيس عن عبد اللَّه بن أبي الجَعْد، عن ثَوْبَان، قال: قَال رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ يَرُدُّ القَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ»تفسير : . انتهى. وعن عائشةَ - رضي اللَّه عنها - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ يُغْنِي حَذَرٌ مَنْ قَدَرٍ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإنَّ البَلاَءَ لَيَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ، فَيَعْتَلِجَانِ إِلَىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ» تفسير : رواه الحاكم في «مستدركه»، وقال: صحيحُ الإِسناد، وقوله؛ «فَيَعْتَلِجَانِ»، أي: يتصارعان. وعن سَلْمَانِ - رضي اللَّه عنه - قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ عِنْدَ الكُرَبِ، وَالشَّدَائِدِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ» تفسير : ، رواه الحاكمُ أيضاً، وقال: صحيحُ الإِسناد، وعن ابْنِ عمر - رضي اللَّه عنهما - قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ فُتِحَ لَهُ فِي الدُّعَاءِ مِنْكُمْ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ»تفسير : ، قال الغَزَّالِيُّ - رحمه اللَّه - في كتابِ «الإِحياء»: «فإِن قُلْتَ: فما فائدةُ الدعاءِ، والقضاءُ لا يُرَدُّ؟ فاعلمْ أنَّ من القضاءِ رَدَّ البلاء بالدعاءِ، فالدعاءُ سببٌ لردِّ البلاء، واستجلابٌ للرحمة؛ كما أن التُّرْس سبب لردِّ السهم، ثم في الدعاءِ من الفائدة أنه يستدْعِي حضورَ القَلْب، مع اللَّه عزَّ وجلَّ، وذلك منتهى العبادَاتِ، فالدعاءُ يردُّ القلْبَ إِلى اللَّه عز وجلَّ بالتضرُّع والاستكانةِ»، فٱنظره، فإِني ٱثرت الاختصار، وانظر «سِلاَحَ المُؤْمن» الذي منه نقلْتُ هذه الأحاديثَ. ومن «جامع الترمذيِّ». عن أبي خُزَامَةَ، واسمه رفَاعَةُ، عن أبِيهِ، قال: "حديث : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا، وَدَوَاءً نَتَدَاوَىٰ بِهِ، وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئاً؟ قَالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ»تفسير : ؛ قال أبو عيسَىٰ: هذا حديث حسنً صحيحٌ. وانظر جوابَ عمر لأبي عُبَيْدة «نَعَمْ، نَفِرُّ من قدر اللَّه إِلى قدر اللَّه...» الحديث هو من هذا المعنى. انتهى، واللَّه الموفق بفضله. وقوله تعالى: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} قال أبو رجاء الخُرَاسانِيُّ: معناه: «فَلْيَدْعُونِي» قال: * ع *: المعنَىٰ: فليطلبوا أن أجيبهم، وهذا هو بابُ «ٱسْتَفْعَلَ»، أي: طلب الشيء إِلا ما شَذَّ؛ مثل: ٱستغنَى اللَّهُ. وقال مجاهد وغيره: المعنى: فليجيبوا لي فيما دعوتهم إِلَيْه من الإِيمان، أي: بالطاعة، والعملِ. فائدةٌ: قال صاحب «غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأَعْظَم» وهو إِمام عارفٌ بعلْمِ الحديث، وكتابه هذا يَشْهَدُ له، قال: ذكر الدِّينَوَرِيُّ في «كتاب المُجَالَسَة»، عن ليثِ بنِ سُلَيْمٍ؛ أن رجلاً وقَفَ علَىٰ قوم، فقال: مَنْ عنده ضيافةٌ هذه الليلةَ، فسكَتَ القومُ، ثم عاد، فقالَ رجُلٌ أَعمَىٰ: عندي، فذَهَبَ بِهِ إِلَىٰ منزله، فعشَّاه، ثم حدَّثه ساعةً، ثم وضع لهُ وَضُوءاً، فقام الرجُلُ في جَوْف اللَّيْلِ، فتوضَّأ، وصلَّىٰ ما قُضِيَ له، ثم جَعَلَ يدعو، فَٱنْتَبَهَ الأَعْمَىٰ، وجَعَلَ يسمع لدْعَائِهِ، فقال: اللَّهُمَّ، ربَّ الأرواحِ الفانيةِ، والأجسادِ الباليةِ، أسألُكَ بطَاعَةِ الأرواحِ الرَّاجعَةِ إِلَىٰ أجسادها، وبطاعةِ الأَجْسَادِ الملتئمَةِ في عروقها، وبطاعة القُبُور المتشقِّقة عن أهلها، وبدَعْوتِكَ الصادقةِ فيهم، وأخذِكَ الحقَّ منهم، وتبريز الخلائقِ كلِّهم من مخافَتِكَ ينتظرُونَ قضاءَكَ، ويرْجُون رحمتَكَ، ويخافُونَ عذابَكَ، أَسأَلُك أنْ تَجْعَلَ النُّور في بَصَري، والإِخلاصَ في عَمَلِي، وشُكْرَكَ في قَلْبِي، وذِكْرَكَ في لِسَانِي في الليلِ والنهارِ، ما أبقيتَنِي، قال: فَحَفِظَ الأعمَىٰ هذا الدعاءَ، ثم قَامَ، فَتَوضَّأ، وصلَّىٰ ركعتَيْنِ، ودعا به فأصْبَحَ قدْ رَد اللَّهُ عليه بَصَرَهُ. انتهى من «غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأعظَم»، وإِطلاَقُ الفناءِ على الأرواحِ فيه تجوُّز، والعقيدةُ أن الأرواح باقيةٌ لا تفنَىٰ، وإِنَّما عبر عن مفارقتها لأجسادها بالفَنَاءِ، هذا هو مراده. وروى ابنُ المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قَالَ: «حديث : إِنَّ القُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، وَبَعْضُهَا أَوْعَىٰ مِنْ بَعْضٍ، فَٱدْعُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ، حِينَ تَدْعُونَ، وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ» تفسير : . انتهى. قال ابن عطاء اللَّهِ في «لطائفِ المِننِ»: وإِذا أراد اللَّه أن يعطِيَ عبداً شيئاً وهبه الاضطرار إِلَيْهِ فيه، فيطلبه بالاِضطرارِ، فيعطَىٰ، وإِذا أراد اللَّه أن يمنع عبداً أمراً، منعه الاضطرَار إِلَيْه فيه، ثم منعه إِياه، فلا يُخَافُ علَيْكَ أن تضطرَّ، وتطلب، فلا تعطَىٰ، بل يُخَافُ عليك أنْ تُحْرَمَ الاضطرارَ، فتحرم الطَّلَب، أو تَطْلُب بغير اضطرارٍ، فتحرم العطاء. انتهى. وقوله سبحانه: {وَلْيُؤْمِنُواْ بِي}، قال أبو رجاءٍ: في أنَّني أجيبُ دعاءهم، وقال غيره: بل ذلك دعاءٌ إِلى الإِيمان بجملته.
ابن عادل
تفسير : في اتصال هذه الآية بما قبلَها وجوه: أحدها: أنَّه لما قال بعد إيجاب شهر رمضان وتبيين أحكامه: {أية : وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [البقرة: 185] فأمر العبد بالتَّكبير الذي هو الذِّكر وبالشكر، أعلم العبد أنه سبحانه بلُطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشُكره، فيسمع نداءه ويجيبُ دعاءه. الثاني: أنه أمره بالتَّكبير أولاً، ثم رغبه في الدعاء ثانياً تنبيهاً على أن الدعاء لا بُدَّ وأن يكون مسبُوقاً بالثناء الجميل؛ ألا ترى أن الخليل – عليه السَّلام – لمَّا أراد الدعاء قَدَّم أولاً الثناء؛ فقال: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 78] إلى قوله: {أية : وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ}تفسير : [الشعراء: 82] فلما فرغ من هذا الثناء، شرع في الدُّعاء، فقال: {أية : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً}تفسير : [الشعراء: 83] فكذا هاهنا. الثالث: أنَّه لما فرض عليهم الصِّيام، كما فُرض على الذين من قبلهم؛ وكانوا إذا ناموا، حرم عليهم ما حرم على الصَّائم، فشَقَّ ذلك على بعضهم؛ حتَّى عصوا في ذلك التكليف، ثم نَدِمُوا وسألوا النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – عن توبتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة مُخبراً لهم بقبول توبتهم، وبنسخ ذلك التَّشديد؛ بسب دعائهم وتضرُّعهم. فصل في بيان سبب النزول ذُكر في سبب نزول هذه الآية الكريمة وجوهٌ: أحدها: ما قدّمناه. الثاني: قال ابن عبَّاس: إنَّ يهُود المدينة قالوا: يا محمَّد، كيف يسمع ربُّك دعاءنا، وأنت تزعم أنَّ بيننا وبينَ السَّماء مسيرة خمسمائة عامٍ، وأنَّ غِلَظَ كلِّ سماءٍ مثلُ ذلك؟ فنزلت الآية الكريمة الثالث: قال الضَّحَّاك: إنَّ أعرابيّاً سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: أقريبٌ ربُّنا فنناجيه أم بعيدٌ فنناديه؟ فأنزل الله تعالى الآية. الرابع: أنه – عليه الصلاة والسلام – كان في غزاة خيبر، وقد رفع أصحابُهُ أصواتهُم بالتكبير والتَّهليل والدُّعاء، فقال رسُولُ الله – صلى الله عليه وسلم اربعوا على أنفسكم فإنَّكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً، إِنَّما تدعون سمعياً قريباً وهُو معكُم. الخامس: قال قتادةُ وغيره: إنَّ الصحابة قالوا: كيف ندعُو ربنا، يا رَسُول الله، فنزلت الآية. السادس: قال عطاءٌ وغيره: إن الصحابة سألوا في أي ساعة ندعو ربنا فأنزل الله الآية. السابع: قال الحسن: سأل أصحابُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: أين رَبُّنا؟ فأنزل الله الآية. فصل واعلم أنَّ المراد من الآية الكريمة ليس هو القُرب بالجهة؛ لأنَّه تبارك وتعالى، لو كان في مكانٍ، لما كان قريباً من الكُلِّ، بل كان يكون قريباً من حملة العرش، وبعيداً من غيرهم، ولكان إذا كان قريباً من زيدٍ الذي بالشَّرق، كان بعيداً من عمرو الذي بالمغرب، فلَمَّا دلَّت الآية الكريمة على كونه تعالى قريباً من الكُلِّ، علمنا أنَّ القرب المذكُور في الآية الكريمة ليس قرباً بجهة، فثبت أن المراد منه أنه قريبٌ بمعنى أنه يسمع دعاءهم. والمرادُ من هذا القُرب العلمُ والحفظُ؛ على ما قال: {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}تفسير : [الحديد: 4] وقال {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ}تفسير : [ق: 16] وقال تعالى: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ}تفسير : [المجادلة: 7] ونظيره: وهو بينكُمْ وبَيْنَ أعناق رواحلكم. قال ابن الخطيب: وإذا عرف هذا فنقُول: لا يبعدُ أن يقال: إنه كان في بعض أولئك الحاضرين من كان قائلاً بالتَّشبيه، فقد كان من مشركي العرب، وفي اليهود وغيرهم من هذه طريقته، فإذا سألوه - عليه الصلاة والسلام - أين ربُّنا؟ صحَّ أن يكون الجوابُ: فإنِّي قريبٌ، فإنَّ القريبَ مِنَ المتكلِّم يسمعُ كلامَهُ، وإن سألوه كيف يدعُون؛ برفع الصَّوت أو بإخفائه؟ صحَّ أن يجيبَ بقوله: "فإِنِّي قَرِيبٌ"، وإن سألوه أنه هل يعطينا مطلوبنا بالدُّعاء؟ صحَّ هذا الجوابُ، وإن سألوه: إنا إذا أذنبنا ثم تُبنا، فهل يقبلُ الله توبتَنَا؟ صحَّ أن يجيبَ بقوله "فَإِنِّي قَرِيبٌ" أي: فأنا القريبُ بالنظر إليهم، والتجاوز عنهم، وقبُول التَّوبة منهم؛ فثبت أنَّ هذا الجواب مطابقٌ للسُّؤَالِ على كُلِّ تقدير. قوله تعالى: "أُجِيبُ" فيها وجهان: أحدهما: أنها جملةٌ في محلِّ رفع صفةً لـ"قَريبٌ". والثاني: أنها خبرٌ ثانٍ لـ"إنِّي"؛ لأنَّ "قَرِيبٌ" خبرٌ أوَّلُ. ولا بُدَّ من إضمارِ قولٍ بعد فاء الجزاء، تقديرُه: فَقُلْ لهم إِنِّي قريبٌ، وإنما احتَجْنَا إلى هذا التقدير؛ لأنَّ المرتِّب على الشَّرط الإخبارُ بالقُرب، وجاء قوله "أُجِيبُ"؛ مراعاةً للضمير السابقِ على الخبر، ولم يُراعَ الخبرُ، فيقالُ: "يُجِيبُ" بالغَيْبَة؛ مراعاةً لقوله: "قَرِيبٌ"؛ لأنَّ الأشْهَرَ من طريقتي العرب هو الأولُ؛ كقوله تعالى: {أية : بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}تفسير : [النمل: 55] وفي أخرى {أية : بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ}تفسير : [النمل: 47]، وقول الشاعر: [الطويل] شعر : 948 - وَإِنَّا لَقَوْمٌ مَا نَرَى الْقَتْلَ سُبَّةً إِذَا مَا رَأَتْهُ عَامِرٌ وسَلُولُ تفسير : ولو راعى الخبر، لقال: "مَا يَرَوْنَ القَتْلَ". وفي قوله: "عَنِّي" و "إِنِّي" التفاتٌ من غيبة إلى تكلُّم؛ لأنَّ قبله: "وِلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ" والاسمُ الظاهرُ في ذلك كالضميرِ الغائبِ، والكافُ في "سَأَلَكَ" للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وإنْ لم يجرِ له ذكرٌ، إلاَّ أنَّ قوله: {أية : أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ}تفسير : [البقرة: 185] يَدُلُّ عليه؛ لأنَّ تقديره: "أُنْزِلَ فيه القرآنُ عَلَى الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم -" وفي قوله: فَإِنِّي قَريبٌ" مجازٌ عن سرعةِ أجابته لدعوةِ داعيه، وإلاَّ فهو متعالٍ عن القُرْبِ الحِسِّيِّ، لتعاليه عن المَكَان. قال أبو حَيَّان: والعامِل في "إِذَا" قوله: "أُجِيبُ" يعني "إِذَا" الثانية، فيكون التقديرُ: أُجِيبُ دعوَتهُ وقتَ دعائِه، فيُحْتَملُ أنْ تكونَ لمُجَرَّد الظرفية، وأَنْ تكونَ شرطيةً، وحذف جوابها؛ لدلالةِ "أُجِيبُ" عليه؛ وحينئذٍ لا يكونُ "أُجِيبُ" هذا الملفوظ به هو العامل فيها، بل ذلك المحذوفَ، أو يكونُ هو الجوابَ عند مَنْ يُجِيزُ تقديمهُ على الشَّرط، وأمَّا "إِذَا" الأولى، فإنَّ العاملَ فيها ذلك القولُ المقدَّرُ، والهاء في "دَعْوَة" ليست الدالَّة على المَرَّة، نحو: ضَرْبَةٍ وقَتْلَةٍ، بل التي بُنِيَ عليها المصدرُ، نحو: رحمة ونجدة؛ فلذلك لم تَدُلَّ على الوَحْدَة. والياءان من قوله: "الدَّاع - دَعَان" من الزوائد عند القُرَّاءِ، ومعنى ذلك أنَّ الصحابة لم تُثْبِت لها صورةً في المُصحَف، فمن القُرَّاءِ مَنْ أَسْقَطَها تَبَعاً للرسم وَقْفاً ووَصْلاً. ومنهم مَنْ يُثْبِتُها في الحالَين، ومنهم مَنْ يُثْبِتُها وَصْلاً ويحذِفُها وَقْفاً، وجملةُ هذه الزوائد اثنتان وستُّون ياءً، فأثبَتَ أبو عمرو وقَالُونُ هاتَينِ الياءَيْنِ وَصْلاً وحَذَفَاهَا وَقْفاً. فصل في بيان حقيقة الدُّعاء قال أبو سليمان الخطَّابيُّ: والدُّعاء مصدر من قولك: دعَوتُ الشَّيءَ أَدعوه دُعاءً، ثم أقامُوا المَصدرَ مقام الاسم؛ تقول: سمعتُ الدعاء؛ كما تقولُ: سمعتُ الصَّوتَ، وقد يوضعُ المصدر موضع الاسم؛ كقولك: رَجُلٌ عدلُ، وحقيقةُ الدعاء: استدعاءُ العبدِ ربَّهُ جلَّ جلالهُ العناية، واستمدادُهُ إيَّاه المعونَةَ. والإجابةُ في اللُّغة: الطاعةُ وإعطاءُ ما سُئِلَ، فالإجابةُ من الله العطاءُ، ومن العبدِ الطاعةُ. وقال ابنُ الأنباريِّ "أُجِيبُ" ههنا بمعنى "أَسْمَعُ؛ لأنَّ بين السماع والإجابةِ نَوْعَ ملازمةٍ. فصل في الجواب على من ادَّعى أن لا فائدة في الدُّعاء قال بعضهم: الدعاء لا فائدة فيه لوجوهٍ: أحدها: أنَّ المطلوب بالدُّعاء، إنْ كان معلوم الوقُوع عند الله تعالى، كان وقوعهُ واجباً؛ فلا حاجة إلى الدُّعاء، وإن كان معلوم الانتفاءِ واجبَ العَدَمِ، فلا حاجة إلى الدُّعاء. وثانيها: أنَّ وقوع الحَوَادِث في هذا العالم إنْ كان لا بُدَّ لها منْ مُؤَثِّر قديم اقتضى وجودَها اقتضاءً قديماً، كانت واجبةً الوُقُوع، وكلُّ ما لم يقتض المؤثِّرُ القديمُّ وجودَهُ اقتضاءً أزليّاً، كان ممتنعَ الوقُوع، وإذا كانت هذه المقدِّمة ثابتةً في الأَزَلِ، لم يكُن للدعاءِ ألبتَّة أثر، وربَّما عبَّروا عن هذا الكلام بأنْ قالوا: الأقدَارُ سابقةٌ، والأقضيةُ متقدِّمةٌ، فالإِلحاح في الدُّعاء لا يزيد فيها وتركُه لاَ ينقُصُ منها شيئاً، فأيُّ فائدةٍ في الدعاء، وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : أَرْبَعٌ قَدْ فُرِغَ منها: الخَلْقُ والخُلُقُ وَالرِّزْقُ وَالأَجَلُ " تفسير : وثالثها: أنَّه سبحانه وتعالى قال: {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ}تفسير : [غافر: 19] وإذا كان يعلمُ ما في الضمير، فأيُّ حاجةٍ إلى الدُّعاء. ورابعها: أنَّ المطلوب بالدعاء، إنْ كان من مصالح العَبْد، فالجواد المطلق لا يهملُهُ، وإن لم يكُنْ من مصالحه، لم يَجُزْ طلبه. وخامسها: أنَّه ثبت أنَّ أجلَّ مقامات الصِّدِّيقين وأعلاها الرِّضا بقضاء الله تعالى والدعاءُ ينافي ذلك؛ لأنه اشتغالٌ بالالتماس، وترجيحٌ لمراد النَّفسِ على مُرَاد الله. وسادسها: أنَّ الدعاء يُشبهُ الأمر والنَّهي، وذلك من العبد في حقِّ المولى الكريم سُوءُ أَدَب. وسابعها: قال - عليه الصَّلاة والسَّلام - عن الله تعالى: "حديث : مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي " تفسير : وقال الجمهور: الدعاء أفضَلُ مقاماتِ العبُوديَّة، واحتجُّوا بأدلَّة: الأول: هذه الآية الكريمة. الثاني: قوله تعالى: {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} تفسير : [غافر: 60] الثالث: قوله {أية : فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ}تفسير : [الأنعام: 43] بين أنه تعالى، إِذَا لَمْ يُسْألْ يَغْضب، وقال - عليه السَّلام - "حديث : لاَ يَنْبَغِي لأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ يَجْزِمُ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي"تفسير : وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ" وقرأ "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ"تفسير : ، فقوله "حديث : الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ"تفسير : معناه أنه مُعْظَم العبادة، وأفضل العبادة؛ كقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : الحَجُّ عَرَفة"تفسير : ، أي: الوقوف بِعَرَفَةَ هو الرُّكْن الأَعْظَم. الرابع: قوله: {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}تفسير : [الأعراف: 55] وقال: {أية : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ}تفسير : [الفرقان: 77] والآياتُ في هذا الباب كثيرةٌ، فمن أبطل الدعاء، فقد أنكَرَ القرآن، وأمَّا الأحاديث فكثيرةٌ. والجوابُ عن شبهتهم الأولى بالمناقضة؛ فنقُول: إقدامُ الإنسان على الدعاء، إن كان معلوم الوقوع، فلا فائدة باشتغالكم بإبطال الدُّعاء، وإن كان معلوم العدم، لم يكُنْ إلى إنكاركُم حاجة. والجوابُ عن الثَّانية: علم الله تعالى وكيفيَّةُ قضائه وقدره غائبةٌ عن العُقُول والحكمة الإلهيَّة تقتضي أن يكُون العَبد معلَّقاً بين الرَّجاء والخَوف اللّذين بهما يتمُّ العبودية، ولهذا صَحَّحنا القَول بالتَّكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم الله تعالى بالكُلِّ وجريان قضائِهِ وقدره في الكُلِّ، ولهذا الإشكال "حديث : سألت الصحابة - رضي الله عنهم - رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: أرأيت أعمالنا هذه أشيء فرغَ منهُ، أم أمرٌ يستأنِفُهُ؟ فقال: بَلْ أَمْرٌ فُرغَ مِنْهُ" فقالوا: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ؟ قَالَ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ لَهُ"تفسير : فانظُر إلى لطائف هذا الحديث، فإنه - عليه الصلاة والسلام - علَّقهم بين أمرين، فرهَّبهم سابقَ القَدَر المفروغ منه، ثم ألزمهم العمل الذي هو مدرجةُ التعبُّد، فلم يبطل ظاهر العَمَل بما يفيد من القضاء والقدر، ولم يترك أحد الأمرين للآخر، وأخبر أنَّ فائدة العمل هو المقدَّر المفروغُ، فقال: "حديث : كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ"تفسير : يريد أنَّه ميسَّر في أيَّام حياته للعَمَل الذي سَبَقَ له القَدَر قَبْل وجوده وكذا القولُ في باب الكسب والرِّزق فإنه مفروغٌ منه في الأصل لا يزيده الطَّلَبُ، ولا ينقصه التَّرك. والجوابُ عن الثالثة: أنه ليس المقصودُ من الدعاءُ الإعلام بالمطلوب، بل إظهار العُبُوديَّة والذلَّة والانكِسار والرُّجُوع إلى الله تعالى بالكُلِّيَّة. والجواب عن الرابعة: أنه يجوزُ أنْ يصير ما ليسَ بمصلحَةٍ بحسب سَبق الدعاء. والجواب عن الخامس: إذا كان مقصُوده من الدُّعاء إظهار الذلَّة والمسكنة، ثم بعده الرضا بما قدَّره الله تعالى وقضاه، فذلك من أعظم المقامات، وهذا الجوابُ أيضاً بقيَّة الشُّبَهِ. فإن قيل: إنَّه تعالى قال {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، وقال هنا {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}، وقال {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَيَجْعَلُكُمْ}تفسير : [النمل: 62] ثم إنا نرى الداعي يبالغ في الدَّعَواتِ والتضرُّع، فلا يجاب. فالجوابُ من وجوه: أحدها: أن هذه الآيات، وإن كانت مطلقةً إلاَّ أنه وردت في آية أخرى مقيَّدة، وهو قوله تعالى: {أية : بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ}تفسير : [الأنعام: 41] والمطلق يحمل على المقيَّد. وثانيها: قوله - عليه الصلاة والسلام-: "حديث : دَعْوَةُ المُسْلم لاَ تُرَدُّ إلاَّ لإحْدى ثَلاث: مَا لَمْ يَدْعُ بإثْمِ، أَوْ قِطيعَة رَحِمٍ، أَوْ يَسْتَعْجلْ"، قَالُوا: وَمَا الاسْتِعْجَالُ، يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعوْتُكَ يَا رَبِّ، قَد دَعَوتُكَ يَا رَبِّ، قَدْ دَعَوْتُكَ يَا رَبِّ، فَلاَ أَرَاكَ تستجيبُ لي، فيستَحْسِرُ عند ذلك فيدع الدُّعاء " تفسير : وثالثها: أنَّ قوله {أَسْتَجِبْ لَكُمْ} يقتضي أنَّ الداعي عارفٌ بربِّه، ومِنْ صفاتِ الربِّ سبحانه وتعالى أنه لا يَفْعَلُ إلاَّ ما وافَقَ قضاءه وقدره، وعلمه وحكمته، فإذا علم العبدُ أنَّ صفة ربِّه هكذا، استحَالَ منه أن يقول بقلبه أو بعقله يا ربِّ، أفعل الشَّيء الفُلانِيَّ، بل لا بدَّ وأن يقول: أفعل هذا الفعل، إن كان موافقاً لقضائك وقدرك؛ وعند هذا يصيرُ الدُّعاء المجابُ مشروطاً بهذه الشرائط، فزال السؤال. ورابعها: أن لفظ الدعاء والإجابة يحتمل وجوهاً كثيرة: فقيل: الدعاء عبارةٌ عن: التوحيد والثَّناء على الله تعالى؛ لقول العبد يا الله الذي لا إله إلا أنتَ، فدعَوتَه، ثم وحَّدتَه وأثنيت عليه فهذا يسمَّى دعاءً بهذا التأويل، فسمي قبوله إجابةً للتجانس، ولهذا قال ابن الأنباريِّ: "أُجِيبُ" ههنا بمعنى "أًسْمَعُ"؛ لأن بيه السماع والإجابة نوع ملازمةٍ، فلهذا السبب يقام كلُّ واحدٍ منهما مُقام الآخر، فقولنا: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، أي: أجاب الله، فكذا هاهنا قوله: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ}، أي: أَسْمَعُ تلكَ الدَّعوة، فإذا حَمَلنا قوله تعالى {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : على هذا الوجه، زال الإشكال. وقيل: المرادُ من الدعاءِ التَّوْبة مِنَ الذُّنُوب؛ وذلك لأنَّ التائب يدعُو الله تعالى بتوبته، فيقْبَلُ توبته، فإجابته قبول توبته إجابة الدُّعَاء، فعلى هذا الوجه أيضاً يزول الإشكال. وقيل: المرادُ من الدُّعاء العبادةُ، قال عليه الصَّلاة والسَّلام: الدعاءُ هو العبَادةُ ويدلُّ عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}تفسير : [غافر: 60] فالدُّعاء هاهنا هو العبادة. وإذا ثَبَتَ ذلك، فإجابة الله للدُّعاء عبارةٌ عن الوفاءِ بالثَّواب للمُطيع؛ كما قال {أية : وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ}تفسير : [الشورى: 26] روى شهرُ بنُ حوشبٍ عن عبادة بن الصامت، قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "حديث : أعطيت أُمَّتي ثلاثاً، لم تُعطَ إِلاَّ للأنبياء: كان الله إِذَا بَعَثَ النَّبِيَّ، قَالَ: "ادْعُنِي أَسْتَجِبْ لَكَ"، وقال لهذه الأُمَّة: "ادعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" وكان الله إذا بعث النَّبيَّ، قال له: "مَا جَعَلَ عَلَيْكَ في الدِّين مِنْ حَرَجٍ وقال لهذه الأُمَّة: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وكان الله تبارك وتعالى إذا بعث النَّبيِّ جعلهُ شهِيداً على قومه، وجعل هذه الأمَّة شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس " تفسير : وخامسها: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ} إنْ وافقَ القضاء وأُجيب إن كانت الإجابةُ خَيْراً لهُ، أو أجيبه إن لم يسأَلْ مُحَالاً. وسادسها: روى عُبادةُ بن الصَّامت؛ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمِ يَدْعُوا الله عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ إِلاَّ آتاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بإِثْمٍ أَوْ قَطيعَةِ رَحِمٍ " تفسير : وسابعها: إِنَّ الله يجيب دعاء المؤمِنِ في الوقت، ويؤخِّر إعطاءَ مَنْ يجيب مراده، ليدعوه فيسمع صوته، ويعجِّل إعطاء من لا يُحِبُّه؛ لأنه يبغض صوته. فصل قال سفيان بن عيينة: لا يمنعنَّ أحداً من الدُّعاء ما يعلمه من نفسه، فإنَّ الله تبارك وتعالى قد أجاب دعاء شرِّ الخلق إبليس، لَعَنَةُ اللَّهُ؛ قال: {أية : قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ}تفسير : [الأعراف: 14 - 15]. وللدُّعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة، كالسَّحرِ، ووقت الفطرِ، وما بين الأذانِ والإقامة، وما بين الظُّهر والعصر في يوم الأربعاء، وأوقات الإضطرار وحالة السَّفر والمرض، وعند نزول المطر، والصَّفّ في سبيل الله تعالى كُلُّ هذا جاءت به الآثارُ. وروى شهرُ بن حوشب؛ أنَّ أُمَّ الدرداءِ قالت لهُ: يا شهرُ، ألا تجدُ القشعريرة؟ قلت: نعم قالت فادعُ الله فإنَّ الدُّعاء يُستجابُ عند ذلك. قوله: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} في الاستفعالِ هنا قولان: أحدهما: أنَّه للطلب على بابه، والمعنى: فَلْيَطْلُبُوا إِجَابَتِي، قاله ثعلبٌ. والثاني: قال مجاهد معناه: فَلْيَسْتَجِيبُوا لي فِيمَا دَعَوْتُهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الإيمانِ، أي: الطَّاعة والعَمَل، كما قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}تفسير : [الأنفال: 24]. والثاني: أنه بمعنى الإفعال، فيكون استفعل وأفعل بمعنى، وقد جاءَت منه ألفاظ؛ نحو: أقرَّ واستقرَّ؛ وأبلَّ المريضُ واستبلَّ وأحصدَ الزَّرع واستحْصَدَ، واسْتَثَارَ الشَّيْء وَأَثَارَهُ، وَاسْتَعْجَلَهُ وأَعْجَلَهُ، ومنه اسْتَجَابَهُ وَأَجَابَهُ، وإذا كان اسْتَفْعَلَ بمعنى أَفْعَلَ، فقد جاء متعدّياً بنفسه، وبحرف الجَرِّ، إلا أنه لم يَردْ في القرآن إلاَّ مُعَدًّى بحرف الجرِّ نحو: {أية : فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ}تفسير : [الأنبياء: 84] {أية : فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ}تفسير : [آل عمران: 195] ومِنْ تَعدِّيه بنفسه قول كعب الغنوي: [الطويل] شعر : 949 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ تفسير : ولقائل أنْ يقُول: يحتملُ هذا البيت: أنْ يكون مِمَّا حُذف منه حرفُ الجرِّ. واللامُ لامُ الأمر، وفرٌَّ الرُّمَّانيُّ بين أجاب واستَجَابَ: بأنَّ "اسْتَجَابَ" لا يكون إلا فيما فيه قَبُولٌ لما دُعي إليه؛ نحو: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ}{فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُم}، وأمَّا "أَجَابَ" فأعمُّ، لأنه قد يُجيبُ بالمخالفة، فجعل بينهما عموماً وخصوصاً. والجمهورُ على "يَرشُدُونَ" بفتح الياءِ وضمِّ الشينِ، وماضيه: رَشَدَ بالفتح، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة بخلافٍ عنهما بكسر الشين، وقُرئ بفتحها، وماضيه رشِد بالكسر، وقرئ: "يُرْشَدُونَ" مبنيّاً للمفعول، وقرئ: "يُرْشِدُونَ" بضم الياء وكسر الشين من "أَرْشَدَ"، والمفعولُ على هذا محذوفٌ، تقديرُه: يُرْشِدُونَ غيرهم "والرُّشْدُ" هو الاهتداء لمصالح الدِّين والدُّنيا؛ قال تبارك وتعالى: {أية : فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً}تفسير : [النساء: 6] وقال {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً}تفسير : [الحجرات: 7 - 8]. قال القرطبي: و"الرُّشْدُ" خلاف الغيِّ، وقد رشد يرشُدُ رُشداً ورشِدَ - بالكَسْر - يَرْشَدُ رَشَداً لغةٌ فيه وأرشدهُ اللَّهُ والمراشِد: مقاصد الطُّرق والطريقُ الأرشَدُ نحو الأقصد وأُمُّ راشدٍ كُنية للفأرة، وبنو رشدان بطنٌ من العرب عن الجوهريِّ. وقال الهرويُّ: الرُّشْدُ والرَّشد والرَّشَادُ: الهدى والاستقامة؛ ومنه قوله تعالى: "يَرْشُدُونَ". فإنْ قيل: إجابةُ العبد للَّه تعالى إنْ كانت إجابةً بالقَلْب واللِّسان، فذاك هو الإيمانُ، وعلى هذا، فيكونُ قوله: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي} تكراراً محضاً، وإن كانت إجابةُ العبد للَّه تعالى عبارةً عن الطاعات كان الإيمان مقدَّماً على الطاعات، وكان حقُ النَّظم أن يقول: "فَلْيُؤْمِنُوا بِي وَلْيَسْتَجيبُوا لِي" فلم جاء على العكس. فالجواب: أن الإيمان عبارةُ عن صفة القلب، وهذا يدلُّ على أنَّ العبد لا يصلُ إلى نُور الإيمان، إلاَّ بتقديم الطَّاعات والعبادات.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير والبغوي في معجمه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق الصلت بن حكيم عن رجل من الأنصار عن أبيه عن جده قال "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي} إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني أستجيب لهم". وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن قال "سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أين ربنا؟ فأنزل الله {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب...} الآية. وأخرج ابن مردويه عن أنس قال "حديث : سأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أين ربنا؟ قال: في السماء على عرشه، ثم تلا {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] وأنزل الله {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب...} الآية ". تفسير : وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تعجزوا عن الدعاء فإن الله أنزل عليَّ {ادعوني أستجب لكم} فقال رجل: يا رسول الله ربنا يسمع الدعاء أم كيف ذلك؟ فأنزل الله {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب...} الآية ". تفسير : وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح. أنه بلغه لما أنزلت {أية : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} تفسير : [غافر: 60] قالوا: لو نعلم أي ساعة ندعو؟ فنزلت {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} إلى قوله {يرشدون} . وأخرج سفيان بن عيينة في تفسيره وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد من طريق سفيان عن أبي قال "قال المسلمون يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} الآية". وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أنه لما أنزل الله {أية : ادعوني أستجب لكم} تفسير : [غافر: 60] قال رجال: كيف ندعو يا نبي الله؟ فأنزل الله {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب...} الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبد الله بن عبيد قال: لما نزلت هذه الآية {أية : ادعوني أستجب لكم} تفسير : [غافر: 60] قالوا: كيف لنا به أن نلقاه حتى ندعوه؟ فأنزل الله {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب...} الآية. فقالوا: صدق ربنا وهو بكل مكان. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: قال المسلمون: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت {فليستجيبوا لي} ليطيعوني والاستجابة هي الطاعة {وليؤمنوا بي} ليعلموا {إني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: مفتاح البحار السفن، ومفتاح الأرض الطرق، ومفتاح السماء الدعاء. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في الزهد عن كعب قال: قال موسى: أي رب!.. أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك؟ قال: يا موسى أنا جليس من ذكرني، قال: يا رب فإنا نكون من الحال على حال نعظمك أو نجلك أن نذكرك عليها؟ قال: وما هي؟ قال: الجنابة والغائط. قال: يا موسى اذكرني على كل حال. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري قال "حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فجعلنا لا نصعد شرفاً ولا نهبط وادياً إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، فدنا منا فقال: يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ". تفسير : وأخرج أحمد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن ربكم حي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً. وفي لفظ: يستحي أن يبسط العبد إليه فيردهما خائبين ". تفسير : وأخرج البيهقي عن سلمان قال: إني أجد في التوراة. أن الله حي كريم يستحي أن يرد يدين خائبتين يسأل بهما خيراً. وأخرج عبد الرزاق والحاكم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن ربكم حي كريم يستحي إذا رفع العبد يديه إليه أن يردهما حتى يجعل فيهما خيراً ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله جواد كريم يستحي من العبد المسلم إذا دعاه أن يرد يديه صفراً ليس فيهما شيء ". تفسير : وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله حي كريم يستحي أن يرفع العبد يديه فيردهما صفراً لا خير فيهما، فإذا رفع أحدكم يديه فليقل: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت، يا أرحم الراحمين ثلاث مرات، ثم إذا رد يديه فليفرغ الخير على وجهه ". تفسير : وأخرج الطبراني عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما رفع قوم أكفهم إلى الله عز وجل يسألونه شيئاً إلا كان حقاً على الله أن يضع في أيديهم الذي سألوه ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله عز وجل حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفراً ليس فيهما شيء ". تفسير : وأخرج الطبراني في الدعاء عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا دعا أحدكم فرفع يديه فإن الله جاعل في يديه بركة ورحمة، فلا يردهما حتى يمسح بهما وجهه ". تفسير : وأخرج البزار والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يقول الله تعالى: يا ابن آدم واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي. فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فما عملت من شيء أو من عمل وفيتكه، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليّ الاجابة، وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم عن أبي سعيد. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها اثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال، إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. قالوا: إذاً نكثر قال الله أكثر ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي ". تفسير : وأخرج الحاكم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع ممّا نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة والحاكم عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر ". تفسير : وأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء ". تفسير : وأخرج الترمذي وابن أبي حاتم والحاكم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ادعوا الله وأنتم موقنون بالاجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاهٍ ". تفسير : وأخرج الحاكم عن أنس مرفوعاً"حديث : لا تعجزوا في الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد ". تفسير : وأخرج الحاكم عن جابر مرفوعاً"حديث : يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه بين يديه فيقول: عبدي إني أمرتك أن تدعوني ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني؟ فيقول: نعم يا رب. فيقول: أما أنك لم تدعني بدعوة إلا أستجيب لك، أليس دعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: فإني عجلتها لك في الدنيا. ودعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجاً، فيقول: نعم يا رب. فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا. ودعوتني في حاجة قضيتها لك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلا يدعو الله عبده المؤمن إلا بين له إما أن يكون عجل له في الدنيا، وإما أن يكون ادخر له في الآخرة. فيقول المؤمن في ذلك المقام: يا ليته لم يكن عجل له شيء من دعائه ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً"حديث : ما من عبد ينصب وجهه إلى الله في مسألة إلا أعطاه الله إياها، إما أن يعجلها له في الدنيا، وإما أن يدخرها في الآخرة ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يستجاب لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، أو يستعجل فيقول: دعوت فلا أرى تستجيب لي، فيدع الدعاء ". تفسير : وأخرج أحمد عن أنس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل. قالوا: وكيف يستعجل؟ قال: يقول قد دعوت ربكم فلم يستجب لي ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن مالك بن دينار قال: قال الله تبارك وتعالى على لسان نبي من بني إسرائيل: قل لبني إسرائيل "تدعوني بألسنتكم وقلوبكم بعيدة مني باطل ما تدعوني، وقال: تدعوني وعلى أيديكم الدم، اغسلوا أيديكم من الدم، أي من الخطايا هلموا نادوني". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يقل أحدكم اغفر لي إن شئت، وليعزم في المسألة فإنه لا مكره له ". تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن عبادة بن الصامت "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو كف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ". تفسير : وأخرج أحمد عن جابر"حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، وكف عنه من السوء مثله، ما لم يدع باثم أو قطيعة رحم ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله إذا أراد أن يستجيب لعبد أذن له في الدعاء ". تفسير : وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا سأل أحدكم ربه مسألة فتعرف الاستجابة فليقل: الحمد لله الذي بعزته تتم الصالحات، ومن أبطأ عليه من ذلك شيء فليقل الحمد لله على كل حال ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لو عرفتم الله حق معرفته لزالت لدعائكم الجبال ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي ذر قال: يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح". وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شبيب قال: صليت إلى جنب سعيد بن المسيب المغرب، فرفعت صوتي بالدعاء، فانتهرني وقال: ظننت أن الله ليس بقريب منك. وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من فتح له في الدعاء منكم فتحت له أبواب الاجابة. ولفظ الترمذي: من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سئل شيئاً أحب إليه من أن يسأل العافية ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم التيمي قال: كان يقال: إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء فقد استوجب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على رجاء. وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان قال: لما خلق الله آدم قال: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، فمنك المسألة والدعاء وعليّ الإِجابة. وأخرج ابن مردويه عن نافع بن معد يكرب قال: كنت أنا وعائشة فقالت "حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {أجيب دعوة الداع إذا دعان} قال: يا رب مسألة عائشة، فهبط جبريل فقال: الله يقرئك السلام هذا عبدي الصالح بالنية الصادقة وقلبه تقي يقول: يا رب فأقول. لبيك، فاقضي حاجته ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات والأصبهاني في الترغيب والديلمي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: حدثني جابر بن عبد الله "أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب...} الآية. فقال:حديث : اللهم إني أمرت بالدعاء وتكفلت بالاجابة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك لا شريك لك، اللهم أشهد أنك فرد أحد صمد، لم تلد ولم تولد، ولم يكن لك كفواً أحد، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنك تبعث من في القبور ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس في قوله {فليستجيبوا لي} قال: ليدعوني {وليؤمنوا بي} انهم إذا دعوني أستجيب لهم. وأخرج ابن جرير عن مجاهد {فليستجيبوا لي} قال: فليطيعوني. وأخرج ابن جرير عن عطاء الخراساني {فليستجيبوا لي} قال: فليدعوني {وليؤمنوا بي} يقول: إني أستجيب لهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الربيع في قوله {لعلهم يرشدون} قال: يهتدون.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي} في تلوين الخطابِ وتوجيهِه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من تشريفِه ورفعِ محله {فَإِنّي قَرِيبٌ} أي فقل لهم إني قريبٌ وهو تمثيلٌ لكمال علمِه بأفعال العبادِ وأقوالِهم واطلاعِه على أحوالهم بحال من قُرب مكانُه، رُوي أن أعرابـياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أقريبٌ ربُّنا فنناجيَه أم بعيدٌ فنناديَه؟ فنزلت {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} تقريرٌ للقُرب وتحقيقٌ له ووعدٌ للداعي بالإجابة {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى} إذا دعوتُهم للإيمان والطاعةِ كما أجيبهم إذا دعَوْني لمُهمّاتهم {وَلْيُؤْمِنُواْ بِى} أمرٌ بالثبات على ما هم عليه {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} راجين إصابةَ الرُشْد أي الحقِّ وقرىء بفتح الشين وكسرِها، ولمّا أمرهم الله تعالى بصوم الشهرِ ومراعاةِ العِدةِ وحثَّهم على القيام بوظائفِ التكبـير والشكرِ عقّبه بهذه الآيةِ الكريمةِ الدالةِ على أنه تعالى خبـيرٌ بأحوالهم سميعٌ لأقوالهم مجيبٌ لدعائهم مجازيهم على أعمالهم تأكيداً له وحثاً عليه ثم شرَع في بـيان أحكام الصيام فقال:
التستري
تفسير : قوله: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} [186] قال: بالدعاء، {وَلْيُؤْمِنُواْ بِي} أي يصدقوني، فأنا حيث ما دعاني مخلصاً لا آيساً ولا قنطاً.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [الآية: 186]. قال سهلٌ: أدنى مقامات القرب الحياء من الله عز وجل.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}. سؤال كل أحدٍ يدلُّ على حاله؛ لم يسألوا عن حكم ولا عن مخلوق ولا عن دين ولا عن دنيا ولا عن عقبى بل سألوا عنه فقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي}. وليس هؤلاء من جملة من قال: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ}تفسير : [طه: 105]، ولا من جملة من قال: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ}تفسير : [البقرة: 220] ولا من جملة من قال: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} تفسير : [البقرة: 222]، ولا من جملة من قال: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ}تفسير : [الإٍسراء: 85]، ولا من جملة من قال: و{أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} تفسير : [البقرة: 219]، و {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} تفسير : [البقرة: 217]. هؤلاء قوم مخصوصون: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي}. أي إذا سألك عبادي عني فبماذا تجيبهم؟ ليس هذا الجواب بلسانك يا محمد، فأنت وإنْ كنتَ السفير بيننا وبين الخلْق فهذا الجواب أنا أتولاه {فَإِنِّي قَرِيبٌ} (رَفَعَ الواسطة من الأغيار عن القربة فلم يَقُل قل لهم إني قريب بل قال جل شأنه: {فَإِنِّي قَرِيبٌ}). ثم بَيَّن أن تلك القربة ما هي: حيث تقدَّس الحقُّ سبحانه عن كل اقتراب بجهة أو ابتعاد بجهة أو اختصاص ببقعة فقال: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ} وإن الحق سبحانه قريب - من الجملة والكافة - بالعلم والقدرة والسماع والرؤية، وهو قريب من المؤمنين على وجه التبرية والنصرة وإجابة الدعوة، وجلَّ وتقدَّس عن أن يكون قريباً من أحد بالذات والبقعة؛ فإنه أحديٌّ لا يتجهَ في الأقطار، وعزيز لا يتصف بالكُنْهِ والمقدار. قوله جلّ ذكره: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}. لم يَعِدْ إجابة من كان باستحقاق زهد أو في زمان عبادة بل قال دعوة الداعي متى دعاني وكيفما دعاني وحيثما دعاني ثم قال: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} هذا تكليف، وقوله: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ} تعريف وتخفيف، قدَّم التخفيف على التكليف، وكأنه قال: إذا دعوتني - عبدي - أَجَبْتُك، فأَجِبنِي أيضاً إذا دَعَوْتُك، أنا لا أرضى بِرَدِّ دعائِك فلا تَرْضَ - عبدي - بردِّي من نفسك. إجابتي لك بالخير تحملك - عبدي - على دعائي، ولا دعاؤك يحملني على إجابتك. {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي}: وليثقوا في، فإني أجيب من دعاني، قال قائلهم: شعر : يا عَزُّ أُقْسِم بالذي أنا عبده وله الحجيج وما حوت عرفات لا أبتغي بدلاً سِواكِ خليلة فشقِي بقولي والكرامُ ثِقات تفسير : ثم قال في آخر الآية: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} أي ليس القصد من تكليفك ودعائك إلا وصولك إلى إرشادك.
البقلي
تفسير : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} اى سالك اهل محبتى وتوحيدى عن دنوى منهم فانى قريب منهم اليهم وانا مباشر اسرارهم فوادهم بصفة الخاص فانجلى بنفسى من نفوسهم لنفوسهم لان ظهورى للعموم وان لم يرونى الا اهل الخصوص وفى ضمن الاية اشارة الى تنزيه الحق عن البنية لانهم اشاروا الى قرب البين وبعد الاين فقال تعرفانى قريب عن عبادى بلايين وبلايين {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} اى انى اجيب دعوة المخلصين اذا دعونى من قعر قلوبهم بلسان اسرارهم وان لم يعلموا اجاتى لهم {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} اذا ادعوهم باصوات الوصلة عند خطرات كلماتى فى قلوبهم اى مائدة مشاهدتى في وايا صدروهم بنعت اعراضهم عن غيرى {وَلْيُؤْمِنُواْ بِي} اى ليوقنوا فيما كشف لهم من اسررا ملكوتى وانوار جبروتى ولا يمسعوا حديث العدو {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} الى مقام طمانية وحقائق التمكين بشرط المعرفة اقلا الشلبى اذا وجد الحق للعبد لذاذة قربه ارتضا لنفسه وتولى سياسة لنفسه وادبه باخلاقه واعطاه ثلثه من اوصاف ذاته حيوة لا موت فيها وقدرة لا يزول بعجز وملكا فى جوار الملك فذلك قوله واذا سألك عبادى عنى فانى قريب اجيب وقال ابن عطاء فى هذه الاية فانى قريب قال اضاف عباده اليه اضافة خصوصية لا اضافة ملك كان يريد اذا سالك الخواص من عبادى عنى فاخبرهم بانى قريب وقال بعضهم اذا سالك المشتاقون من عبادى عنى فاخبرهم انى اقربى اليهم من كل قريب وانا عند ظنونهم بى وقال دويم القرب ازالة كل معترض فقال الجنيد وسئل عن قرب الله من العبد فقال هو قريب لا بالاجتماع بعيد لا بالافتراق وقال القرب يورث الحياء.
اسماعيل حقي
تفسير : {وإذا سألك عبادى عنى} وجه اتصال هذه الآية بما قبلها ان الله تعالى لما امرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على انه تعالى خبير باحوالهم مطلع على ذكرهم وشكرهم سميع باقوالهم مجيب لدعائهم مجازيهم على اعمالهم تأكيدا له وحثا عليه. وسبب النزول ما روى ان اعرابيا قال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه ام بعيد فنناديه فقال تعالى ايماء الى سرعة اجابة الدعاء منهم اذا سألك عبادى عنى {فانى قريب} اى فقل لهم انى قريب بالعلم والاحاطة فهو تمثيل لكمال علمه بافعال العباد واقوالهم واطلاعه على احوالهم بحال من قرب مكانه منهم فيكون لفظ قريب استعارة تبعية تمثيلية وانما لم يحمل على القرب الحقيقى وهو القرب المكانى لانه ممتنع فى حقه تعالى لانه لو كان فى مكان لما كان قريبا من الكل فان من كان قريبا من حملة العرش يكون بعيدا من اهل الارض ومن كان قريبا من اهل المشرق يكون بعيدا من اهل المغرب وبالعكس. قال ابو موسى الاشعرى لمّا توجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الى خيبر اشرف الناس على واد فرفعوا اصواتهم بالتكبير لا اله الا الله والله اكبر فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : اربعوا على انفسكم انكم لا تدعون اصم ولا غائبا انكم تدعون سميعا قريبا وهو معكمbr>". تفسير : وهذا باعتبار المشارب والمقامات واللائق بحال اهل الغفلات الجهر لقلع الخواطر كما ان المناسب لاهل الحضور الخفاء: قال السعدى شعر : دوست نزديكتر ازمن بمنست وين عجبتركه من ازوى دورم تفسير : {أجيب دعوة الداع اذا دعان} تقرير للقرب المجازى المراد فى هذا المقام وهو الحالة الشبيهة بالقرب المكانى وقد تقرر ان اثبات ما يلائم المستعار منه للمستعار له يرشح الاستعارة ويقررها وايضا وعد للداعى بالاجابة. فان قلت انا نرى الداعى يبالغ فى الدعوات والتضرع فلا يجاب. قلت ان هذه الآية مطلقة والمطلق محمول على المقيد وهو قوله تعالى {أية : بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} تفسير : [الأنعام: 41]. فالمعنى اجيب دعوة الداع اذا دعانى ان شئت او اذا وافق القضاء او اذا لم يسأل محالا او كانت الاجابة خيرا له والاجابة اعطاء ما سئل والله تعالى يقابل مسألة السائل بالاسعاف ودعاء الداعى بالاجابة وضرورة المضطرين بالكفاية {فليستجيبوا لى} اى فليجيبوا اذا دعوتهم للايمان والطاعة كما اجيبهم اذا دعونى لمهماتهم واستجابه واستجاب له واجابه واحد قطع مسألته بتبليغة مراده واصله من الجوب والقطع {وليؤمنوا بى} امر بالثبات على ما هم عليه. قال ابن الشيخ الاستجابة عبارة عن الانقياد والاستسلام والايمان عبارة عن صفة القلب وتقديمها على الايمان يدل على ان العبد لا يصل الى نور الايمان وقوته الا بتقديم الطاعات والعبادات. ومعنى الفاء فيه انه تعالى قال انا اجيب دعاءك مع انى غنى عنك مطلقا فكن انت ايضا مجيبا لدعائى مع انك محتاج الى من كل الوجوه فما اعظم هذا الكرم {لعلهم يرشدون} راجين اصابة الرشد وهو الاهتداء لمصالح الدين والدنيا ومعنى الآية انهم اذا استجابوا وآمنوا اهتدوا لمصالح دينهم ودنياهم لان الرشيد من كان كذلك. اعلم ان عدم الدعاء بكشف الضر مذموم عند اهل الشريعة والطريقة لانه كالمقاومة مع الله ودعوى التحميل لمشاقه: وفى المثنوى شعر : تافرود آيد بلا بى دافعى جون نباشد ازتضرع شافعى تفسير : فالتسبب واجب للعوام والمبتدئين فى السلوك والتوكل افضل للمتوسطين. واما الكاملون فليس يمكن حصر احوالهم فالتوكل والتسبب عندهم سيان ـ روى ـ ان ابراهيم الخليل عليه السلام لما القى فى النار لقيه جبريل فى الهواء فقال ألك حاجة فقال أما اليك فلا فقال فاسأل الله الخلاص فقال عليه السلام حسبى من سؤاله علمه بحالى وهذا مقام اهل الحقيقة من المكملين الفانين عن الوجود وما يتعلق به والباقين بالرب فى كل حال فأين انت من هذا فاسأل الله عفوه ومغفرته وقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يكلم الناس بقدر مراتبهم ولذا قال لاعرابى ارسل ابلا له توكلا عليه تعالى "حديث : اعقلها وتوكل على اللهbr>". تفسير : امر بعقل الدابة لانه اراد بالتوكل التحرز عن الفوات وحث بعضهم على التوكل كتوكل الطير وذلك اذا لم يسكن الى سابق القضاء. ثم اجابة الدعاء وعد صدق من الله لا خلف فيه ومن دعا بحاجة فلم تقض للحال فذلك لوجوه. منها ان الاجابة حاصلة لا محالة فان اجابة الدعوة غير قضاء الحاجة وقضاء الحاجة غير اجابة الدعوة فان اجابة الدعوة هو ان يقول العبد يا رب فيقول الله تعالى له لبيك يا عبدى وهذا موعود موجود لكل متوجه راشد وقضاء الحاجة اعطاء المراد وايصال المرتاد وذلك قد يكون للحال وقد يكون بعد مدة وقد يكون فى الآخرة وقد يكون الخيرة له فى غيره. ومنها ان الاجابة ليست بجهة واحدة بل لها جهات وفى الحديث "حديث : دعوة المسلم لا ترد الا لاحدى ثلاث اما ان يدعو باثم او قطيعة رحم واما ان يدخر له فى الآخرة واما ان يصرف السوء عنه بقدر ما دعاbr>". تفسير : ومنها ان الاجابة مقيدة بالمشيئة كما سبق. ومنها انه شرط لهذه الاجابة اجابة العبد اياه فيما دعاه اليه لقوله تعالى {فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى}. ومنها ان للدعاء شرائط وآدابا وهى اسباب الاجابة فمن استكملها كان من اهل الاجابة ومن اخل بها كان من اهل الاعتداء فلا يستحق الجواب والاسباب منها ما يتعلق باهل العموم ويطول ذكرها ان استوفيت ههنا. ومنها ما يتعلق بالخصوص وهى التزكية فالاجابة موقوفة على تزكية اداعى فعليه ان يزكى البدن اولا فيصلحه بلقمة الحلال وقد قيل الدعاء مفتاح باب السماء واسنانه لقمة الحلال وقال عليه السلام "حديث : الرجل يطيل السفر يمد يده الى السماء اشعث اغبر يقول يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستحاب لذلك" تفسير : ـ حكى ـ انه كان بالكوفة اناس يستجاب دعاؤهم كلما دخل عليهم وال كانوا يدعون عليه فيهلك فدبر الحجاج الحيلة عليهم حين ولى عمل الكوفة من ابن مروان فدعاهم الى مأدبته فلما اكلوا قال امنت من دعائهم ان يستجاب حيث دخل فى بطونهم طعام حرام ويزكى الداعى نفسه ويطهرها من الاوصاف البشرية والاخلاق الذميمة لانها قاطعات لطريق الدعاء ويزكى قلبه عن رين التعلقات الانسانية من النفسانى والروحانى ويصفيه بالاذكار وينوره بنورالاخلاق فان هذه اسباب القربة بها يرفع الدعاء الى الله كما قال تعالى {أية : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} تفسير : [فاطر: 10]. ويزكى الروح عن دنس الالتفات لغير الله ليتعرض لنفخات الطافه ويزكى السر عن وصمة الشرك بان يوجهه الى الحق فى الدعاء لطلب الحق لا لطلب غير الحق من الحق ليستجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه كما قال "حديث : ألا من طلبنى وجدنى ومن طلب غيرى لم يجدنىbr>". تفسير : وان الله وعد الاجابة على طلبه بالدعاء فقال {اجيب دعوة الداع اذا دعان} اى اذا طلبنى: قال السعدى شعر : خلاف طريقت بود كاوليا تمنا كنند ازخدا جز خدا تفسير : فمن اخل ببعض هذه الشرائط لم يلزمه الاجابة كمن اخل بركن من اركان الصلاة لم يلزمه القبول الا ان الجبار يجبر كل خلل وكسر يكون فى اعمال العباد بفضله وكرمه وفى الحقيقة ان افضاله مع العباد مقدم على اعمالهم وانه يعطى قبل السؤال ويحقق مراد العبد بعد سؤاله بجميع النوال والدعاء على قسمين داع بالدعاء وقارئ للدعاء فللداعى يفتح ابواب السموات حتى يبلغ دعاؤه العرش وقارئ الدعاء لا يبلغ الا الاذن. قال الفنارى فى تفسير الفاتحة ثم لصحة التصور وجودة الاستحضار اثر عظيم فى الاجابة اعتبره النبى عليه الصلاة والسلام وحرض عليه عليا رضى الله تعالى عنه لماعلمه الدعاء وفيه اللهم اهدنى وسددنى فقال له اذكر بهدايتك هداية الطريق وبالسداد سداد السهم فامره باستحضار هذين الامرين وقت الدعاء فهذا هو سر اجابة دعاء الرسل والكمل والامثل فالامثل واستقامة التوجه حال الطلب والنداء عند الدعاء شرط قوى فى الاجابة فمن تصوره تصورا صحيحا من رؤية وعلم سابقين او حاضرين حال الدعاء ثم دعاه سيما بعد امره له بالدعاء والتزامه الاجابة فانه يجيبه لا محالة اما من زعم انه يقصد مناداة زيد وهو يستحضر غيره ثم لم يجد الاجابة فلا يلومن الا نفسه اذ لم يناد القادر على الاجابة وانما توجه الى ما انشأه من صفات تصوراته بالحالة الغالبة عليه اذ ذاك لكن سؤاله قد يثمر بشفاعة حسن ظنه بربه وشفاعة المعية الآلهية وحيطته فالمتوجه بالخطأ مصيب من وجه كالمجتهد المخطىء مأجور غير محروم بالكلية انتهى كلام الفنارى وفى رسالة القشيرى فى الخبر المروى "حديث : ان العبد يدعو الله سبحانه وهو يحبه فيقول يا جبريل اخر حاجة عبدى فانى احب ان اسمع صوته وإن العبد يدعوه وهو يبغضه فيقول يا جبريل اقض حاجة عبدى فإنى أكره أن أسمع صوتهbr>". تفسير : ـ حكى ـ انه وقع ببغداد قحط فامر الخليفة المسلمين بالخروج للاستسقاء فخرجوا واستسقوا فلم يسقوا فامر اليهود فخرجوا وسقوا فتحير الخليفة ودعا علماء المسلمين وسألهم فلم يفرجوا عنه فجاء سهل ابن عبد الله وقال يا امير المؤمنين انا معاشر المسلمين احبنا الله لدين الاسلام وهدانا ويحب دعاءنا وتضرعنا فلهذا لم يعجل اجابتنا وهؤلاء ابغضهم ولعنهم فلهذا عجل اجابتهم وصرفهم عن بابه قال عليه السلام "حديث : قوام الدنيا باربعة اشياء بعلم العلماء وعدل الامراء وسخاوة الاغنياء ودعوة الفقراءbr>". تفسير : وينبغى ان يسأل الله تعالى باسمائه الحسنى العظام والادعية المأثورة عن السلف الكرام وينبغى ان يتوسل الى الله تعالى بالانبياء والاولياء الصالحين. وللدعاء اماكن يظن فيها الاجابة مثلا عند رؤية الكعبة والمساجد الثلاثة وبين الجلالتين من سورة الانعام وفى الطواف وعند الملتزم وفى البيت وعند زمزم وعند شرب مائه وعلى الصفا والمروة وفى السعى وخلف المقام وفى عرفات والمزدلفة ومنى وعند الجمرات الثلاث وعند قبور الانبياء عليهم السلام. وقيل لا يصح قبر نبى بعينه سوى قبر نبينا عليه الصلاة والسلام وقبر ابراهيم عليه السلام داخل السور من غير تعيين وجرب استجابة الدعاء عند قبور الصالحين بشروط معروف عند اهلها اللهم أفض علينا من بركات الصالحين.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: في جواب رجل سأل: هل قريب ربنا فنناجيَه، أو بعيد فنناديه؟ فنزل: {وإذا سألك عبادي عني}. فقل لهم: {إني قريب} إليهم من أرواحهم لأشباحهم، ومن وَسْواس قلوبهم لقلوبهم، عِلْماً وقدرة وإحاطة، أجيب دعوة الداعي إذا دَعَانِ، سرّاً أو جهراً، ليلاً أو نهاراً، على ما يليق بحاله في الوقت الذي نريد، لا في الوقت الذي يريد، {فليستجيبوا لي} إذا دعوتُهم للإيمان والطاعة، أَسْلُك بهم طريق المعرفة، {وليؤمنوا بي} إني قريب منهم فَيَسْتَحْيُوا مني، حياءَ مَنْ يرى أني معه حيث كان، {لعلهم يرشدون} إلى سلوك طريقتي ودوام محبتي. قال البيضاوي: اعلم أنه، تعالى، لما أمرهم بصوم الشهر، ومراعاة العدة على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقَّبه بهذه الآية الدالّة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجازيهم على أعمالهم، تأكيداً وحثّاً عليه. هـ. الإشارة: قُرْب الحقّ تعالى من عباده هو قرب المعاني من المحسوسات، أو قرب الصفات من الذات، أو الذات من الصفات، فإذا تحقق المحو والاضمحلال، وزال البَيْن، وثبت الوصال، لم يبقَ قرب ولا بعد ولا بَينٌ ولا انفصال. قال الشيخ القطبُ العارف الكبير سيدي عبد السلام بن مَشِيش رضي الله عنه لأبي الحسن رضي الله عنه: حدِّدْ بصرَ الإيمان تَجد الله في كل شيء وعند كل شيء، ومع كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وقريباً من كل شيء، ومحيطاً بكل شيء، بقرب هو وصَفْهُ، وبحيطةً هي نعتُه، وَعَدّ عن الظرفية والحدود، وعن الأماكن والجهات، وعن الصحبة، والقرب في المسافات، وعن الدَّوْر بالمخلوقات، وامْحَق الكلَّ بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن، "كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه كان". وقال بعض العارفين: الحق تعالى منزَّه عن الأيْنِ والجِهة والكَيْف والمادة والصورة. ومع ذلك لا يخلو منه أيْنٌ ولا مكان، ولا كم ولا كيف، ولا جسم، ولا جوهر ولا عرض، لأنه لِلُطْفه سَارٍ في كل شيء، ولنُوريته ظاهر في كل شيء، ولإطلاقه وإحاطته متكيّف بكل كيف، غيرُ متقيِّد بذلك، فمَنْ لم يعرف هذا ولم يُذقْه ولم يشهدْه فهو أعمى البصيرة، محرومٌ من مشاهدة الحق تعالى. هـ. وهذه الإشارات لا يفهمها إلا أهل الذَّوْق من أهل المعاني، فاصحب الرجال أهلَ المعاني تِذُقْ أسرارهم، وتفهم إشاراتهم. وإلا فحسبُك أن تعتقد كمال التنزيه، وبطلان التشبيه، وتَمَسَّكْ بقوله تعالى:{أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}تفسير : [الشّورى: 11]، وسلَّمْ للرجال في كل حال. شعر : إِنْ لم تَر الهلاَلَ فسلِّمْ لأُناسٍ رأوْه بالأبْصَار تفسير : وإذا تحققت أن الحقّ قريب منك كفاك لسانُ الحال عن طلب المقال، وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : النزول: روي عن الحسن: أنّ سائلا سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) أقريب رّبنا فتناجيه أم بعيد فتناديه، فنزلت الآية. قال قتادة: نزلت جواباً لقوم سألوا النبي (صلى الله عليه وسلم) كيف تدعو. المعنى: وقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب} معناه: إن اقتضت المصلحة إجابته، وحسن ذلك، ولم تكن فيه مفسدة. فأما أن يكون قطعاً لكل من يسأل فلابد أن يجيبه. فلا. على أن الداعي لا يحسن منه السؤال إلا بشرط ألاّ يكون في إجابته مفسدة، لا له، ولا لغيره، وإلاّ كان الدعاء قبيحاً. ولا يجوز أن يقيد الاجابة بالمشيئة بأن يقول: إن شئت، لأنه يصير الوعد به لا فائدة فيه، فمن أجاز ذلك فقد أخطأ. فان قيل: إذا كان لا يجيب كل من دعا، فما معنى الآية؟ قلنا معناه أن من دعا - على شرائط الحكمة التي قدمناها، واقتضت المصلحة إجابته - أجيب لا محالة، بان يقول: اللهم إفعل بي كذا إن لم يكن فيه مفسدة لي أو لغيري في الدين أو دنيوي. هذا في دعائه. وفي الناس من قال: إن الله وعد باجابة الدعاء عند مسألة المؤمنين دون الكفار، والفاسقين. والمعتمد هو الاول. فان قيل: إذا كان ما تقتضيه الحكمة لا بد أن يفعل به، فلا معنى للدعاء! قلنا عنه جوابان: أحدهما - أن ذلك عبادة كسائر العبادات. ومثله قوله: {ربّ احكم بالحق}. والثاني - انه لايمتنع أن تقتضي المصلحة إجابته اذا دعا. ومتى لم يدع لم تقتض الحكمة إجابته. فان قيل: هل يجوز أن تكون الاجابة غير ثواب؟ قلنا فيه خلاف. قال أبوعلي لا يكون إلا ثواباً، لأن من أجابه الله، يستحق المدح في دين المسلمين، فلا يجوز أن يجيب كافراً، ولا فاسقاً. وكان أبو بكر بن الأخشاد يخبر ذلك في العقل على وجه الاستصلاح له. وهذا الوجه أقرب الى الصواب. والدعاء: طلب الطالب للفعل من غيره. ويكون الدعاء لله على وجهين: أحدهما - طلب في مخرج اللفظ، والمعنى على التعظيم والمدح، والتوحيد: كقولك: يا الله لا إله إلا أنت، وقولك: ربّنا لك الحمد. الثانى - الطلب لأجل الغفران أو عاجل الانعام كقولك: أللهم اغفر لي وارحمني، وارزقني، وما أشبه ذلك. وقوله: {فإني قريب} قيل في معناه قولان: أحدهما - إني قريب الاجابة: سريع الاجابة، فجاز ذلك لمشاكلة معنى قريب لسريع. الثاني - قريب -، لأنه يسمع دعاءهم كما يسمعه القريب المسافة منهم، فجاز لفظة قريب، فحسن البيان بها. فأما قريب المسافة، فلا يجوز عليه تعالى، لانه من صفات المحدثات. اللغة: وقوله {أجيب دعوة الداعي إذا دعان} فالاجابة من الجواب، وهو القطع. يقال: جاب البلاد يجوب جوباً اذا قطع. ومنه قوله تعالى: {أية : وثمود الذين جابوا الصخر بالواد}تفسير : أي قطعوه. وأجاب الله دعاءه إجابة، وأجاب فلان عن السؤال جواباً. وأجاب الظلام اذا قطعه. واستجاب له استجابة. وجاوبه مجاوبة، وتجاوب تجاوباً، وانجاب السحاب: اذا انقشع. وأصل الباب القطع، فاجابة السائل: القطع بما سأل، لأن سوآله على الوقف أيكون أم لا يكون. الاعراب: وقوله تعالى {فليستجيبوا لي} هذه لام الأمر، لابد منها للغائب. وأما للحاضر، فيجوز فيه إثباتها وإسقاطها. كقولك قم ولتقم. والأصل فيها أن تكون مكسورة. ويجوز فيها السكون إذا اتصلت بحرف واحد كالفاء فأما ثم، فالوجه معها الكسر، لأنها منفصلة. وإنما جاز فيها السكون دون لام كي لأنه لما كان عملها التسكين جاز فيها، لايذانه بعملها. المعنى: وقال أبوعبيدة: استجاب، وأجاب بمعنى واحد. وأنشد لكعب بن سعد الغنوي: شعر : وداع دعا يا من يجيب الى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : أي لم يجبه. وقال المبرد: هذا لا يجوز، لأن في الاستجابة معنى الاذعان، وليس ذلك في الاجابة. وقوله {لعلهم يرشدون} في لعلّ جوابان: أحدهما - ليرشدوا، فتكون دالة على العوض في الاجابة، من الله تعالى للعبد. الثاني - على الرجاء والطمع، لأن يرشدوا، ويكون متعلقاً بفعل العباد. والرشد: نقيض الغيّ. يقال: رشد يرشد رشداً، ورشيد رشدراً، وأرشده إرشاداً واسترشد إسترشاداً، وهو لرشدة خلاف لزنية. وأصل الباب إصابة الخير، فمنه الارشاد: الدلالة على وجه الاصابة للخير. وروى عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: {وليؤمنوا بي} أي وليتحققوا أني قادر على إعطائهم ما سألوا.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} جملة مستأنفةٌ على مجيء الواو للاستئناف ولكن مجيء الواو للاستئناف المحض من غير ارتباطٍ ما بالسّابق بعيدٌ جدّاً فان شئت فسمّه استئنافاً شبيهاً بالعطف او عطفاً باعتبار المعنى كأنّه قيل؛ اذا سألوا عن طاعتى فقل: كتب عليكم الصّيام، واذا سألوا عن نسبتى فانّ المراد بالسّؤال عنه السّؤال عن نسبته الى عباده بقرينة الجواب بنسبته الى خلقه. تحقيق قربه تعالى {فَإِنِّي قَرِيبٌ} يعنى فأجبهم بأنّه قريب لأنّى قريب فهو من اقامة السّبب مقام المسبّب وقربه تعالى ليس قرباً مكانيّاً ولا زمانيّاً ولا شرفيّاً ولا رتبيّاً بل قربه لا ماهيّة له حتّى يحدّ ولا كيف حتّى يعرف بالرّسم، وانّما هو قرب قيّومىٌّ نظير قرب ما به قوام الاشياء من الاشياء بل نظير قرب ضمّت اليها مع أنّها غير الوحدة وآثارها وخواصّها غير آثار الوحدة وخواصّها فالوحدة أقرب الاشياء الى الاعداد مع أنّها أبعد الاشياء عنها حتّى قيل: انّها ضدّ لها، فما أقربك يا من لك وحدانيّة العدد وأبعدنا موصوفين بالكثرات ونعم ما قيل: شعر : دوست نزديكتراز من بمن است وين عجبتر كه من ازوى دورم تفسير : وللاشارة الى هذا القرب قال (ع): داخل فى الاشياء لا كدخول شيءٍ فى شيءٍ؛ اشارة الى عدم تكيّفه ايضاً وهذا القرب نتيجة الرّحمة الرّحمانيّة الّتى يستوى فيها كلّ الأشياء، وله قرب آخر هو نتيجة الرّحمة الرّحيميّة وبهذا القرب يتفاضل المتفاضلون وفيه تنافس المتنافسين وتسابق المتسابقين، وبه يتجلّى الله على عباده كلّ يوم فى شأنٍ جديدٍ والى هذه القربات أشار بعض المطايبين لقوله: شعر : بيزارم ازآن كهنه خدائى كه تو دارى هر روز مرا تازه خدائى دكَر استى تفسير : وهذا القرب لمن اقرض الله من كثراته النفسانيّة باختياره شيئاً وجزاه الله من وحدته شيئاً ومن لم يكن له من هذا القرب شيء كان ملعوناً مطروداً مبغوضاً ومن كان له حظٌّ منه كان مرحوماً مدعوّاً مرضيّاً، ولذّة هذا القرب واقتصاءه الاشتداد سهّلت على السّلاّك الرّياضات والمجاهدات وسهر الليالى وظمأ الهواجر ولولا لذّة - هذا القرب لما غلب أحدٌ النّفس وشهواتها، روى أنّ اعرابيّاً سأل رسول الله (ص) أقريبٌ ربّنا فنناجيه؟ - ام بعيدٌ فنناديه؟ - فنزلت، وقيل: انّ قوماً سألوا رسول الله (ص) كيف ندعو الله؟ - فنزلت. تحقيق اجابته تعالى وعدم اجابته للعباد {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} اجيب خبرٌ بعد خبرٌ بعد خبرٍ او مستأنف جواب لسؤالٍ مقدّر، والدّعوة بمعناها المصدرىّ او بمعنى المدعوّ له، والدّاع وصل بنيّة الوقف، واسقاط الياء للاشعار بأنّ دعاء كلّ داعٍ قاصر عن البلوغ الى مقام الذّات بان يكون المدعوّ هو الذّات من غير عنوانٍ له، واذا دعان شرط محذوف الجزاء بقرينة سابقة، واسقاط ياء المتكلّم والاقتصار على نون الوقاية وكسرته للاشعار المذكور، وليس اذا ظرفاً للاجابة سواء كان متضمّناً لمعنى الشّرط بان يقدّر اجيب جواباً له او لم يكن بان يكون متعلّقاً بأجيب المذكور لكثرة الاخبار الدّالّة على تأخّر الاجابة عن وقت الدّعاء بل هو منصوبٌ بدعان او نقول: هو ظرفٌ للادابة لكنّ المراد انّ {ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} لا غيرى سواء كان الغير من أسمائى او من غير أسمائى اجبته بلا مهلةٍ لا محالة، فانّ الانسان اذا كان مظهراً للشّيطان كان داعياً له سواء كان دعاؤه بلفظ الله والرّحمن والرّحيم او غيرها، واذا لم يكن مظهراً للشّيطان وكان متوجّهاً الى الرّحمن فان كان واقفاً فى مقامٍ ومتحدّداً بحدٍّ فدعاؤه لا يتجاوز عن ذلك الحدّ بل كان داعياً لله بعنوان ظهوره فى ذلك المقام وكان الاسم الّذى ظهر الله به عليه مسمّىً فى ذلك المقام فكان داعياً للاسم لا المسمّى؛ وان لم يكن متحدّداً بحدٍّ واقفاً فى مقامٍ لم يكن العنوان الّذى يدعو الله به مسمّى بل كان اسماً وكان الدّاعى داعياً للمسمّى بايقاع الاسماء عليه وحينئذٍ لا يتأخّر اجابة الله عن وقت الدّعاء بل نقول: الدّاعى حينئذٍ هو الله حقيقة وفى حقّه قال المولوىّ قدّس سرّه: شعر : جون خدا ازخود سؤال وكد كند بس دعاى خويش راجون رد كند تفسير : وشروط استجابة الدّعاء المستفادة من الاخبار الكثيرة تدلّ على هذا المعنى وانّه يجيب دعوة الدّاعى اذا دعا ذاته لا غير ذاته يعنى اذا صار الدّاعى الهيّاً لا شيطانيّاً او واقفاً على حدٍّ فانّه روى عن الصّادق (ع): انّه قرأ {ام من يجيب المضطرّ اذا دعاه}؛ فسئل ما لنا ندعو ولا يستجاب لها؟ - فقال: لانّكم تدعون من لا يعرفون، وتسألون ما لا تفهمون، فالاضطرار عين الدّين، وكثرة الدّعاء مع العمى عن الله من علامة الخذلان من لم يشدّ ذلّة نفسه وقلبه وسرّه تحت قدرة الله حكم على الله بالسّؤال وظنّ ان سؤاله دعاء والحكم على الله من الجرأة على الله، فانّ قوله: من لا تعرفون؛ اشارة الى الاحتجاب عن الله بالحدود، وقوله: فالاضطرار عين الدّين؛ اشارة الى انّ المتديّن من انقطع وسائله واضطرّ فى التّوسّل الى الله وليس ذلك الاّ اذا خرج من انانيّته وحدوده تماماً وقوله: وكثرة الدّعاء مع العمى عن الله من علامة الخذلان؛ اشارة الى صيرورته مظهراً للشّيطان لا مظهراً للرّحمن، وقوله: من لم - يشدّ ذلّة نفسه (الى آخر الحديث) استشهد بذلك على انّ كثرة الدّعاء مع العمى عن الله علامة كونه مظهراً للشّيطان فانّ من لم يظهر سلطان قدرة الله عليه لم يخرج من انانيّته، ومن لم يخرج من انانيّته كان مظهراً للشّيطان ويحكم على الله بحكم الشّيطان، فالمعرفة وفهم المسؤل وانقطاع الوسائل الّذى هو الدّين وغلبة سلطان الله على انانيّة العبد من شروط الدّعاء المستفادة من هذا الخبر والكلّ يدلّ على انّ العبد اذا لم يخرج من انانيّته لم يدع الله بل يحكم على الله او يدعو غير الله، وفى خبرٍ آخر عنه (ع): من أطاع الله عزّ وجلّ فيما أمره ثمّ دعاه من جهة الدّعاء اجابه، قيل: وما جهة الدّعاء؟ - قال تبدأ فتحمد الله وتذكر نعمه عندك، ثمّ تشكرّ ثمّ تصلّى على النّبىّ (ص)، ثمّ تذكر ذنوبك فتقرّبها، ثمّ تستعيذ منها؛ فهذه جهة الدّعاء. وفى خبرٍ آخر عنه (ع) انّه قال فى جواب من سأل عن عدم الاستجابة: لأنّكم لا توفون بعهده، وفى خبرٍ عنه (ع): من سرّه ان يستجاب له فليطيّب مكسبه، وفى خبرٍ عنه (ع) فلييأس من النّاس كلّهم ولا يكون له رجاء الاّ عند الله عزّ وجلّ، وكلّ ذلك يدلّ على ان شرط الدّعاء الخروج من الانانيّة والتذلّل تحت قدرة الله حتّى يصير المدعوّ هو الله او نقول: هو ظرف للاجابة لكنّ المراد انّ الدّاعى اذا دعان بان يكون المطلوب بدعائى هو ذاتى لا امراً آخر من امور الدّنيا او الآخرة، او المراد انّ الدّاعى اذا دعان لا غيرى بان يكون مظهراً للشّيطان وداعياً له بصورة دعائى اجبته فى مدعوّه مدخّراً له او واصلاً اليه ان كان فى اجابته صلاحه، وان لم يكن صلاحه فيها أجبته بشيءٍ آخر فيه صلاحه، وفى خبرٍ "حديث : انّ العبد ليدعو فيقول الله للملكين قد استجبت له ولكن احبسوه بحاجته"تفسير : ، وفى خبرٍ آخر "حديث : ما يدعو أحدٌ الا استجاب له" تفسير : امّا الظّالم فدعاؤه مردود الى ان يتوب، وامّا المحقّ فاذا دعاه استجاب له وصرف عنه البلاء من حيث لا يعلمه او ادّخر له ثواباً جزيلاً ليوم حاجته اليه، وان لم يكن الامر الّذى سأل العبد خيراً له ان اعطاه أمسك {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} ولمّا ذكر انّه تعالى كتب الصّيام وليس الصّيام الاّ الامساك عن مشتهيات الحيوان صار المقام مقام ان يسأل عن الجماع والاكل والشّرب هى حلالٌ ام حرام باللّيل كما أنّها حرام بالنّهار؟ - فأجاب ذلك بقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ}.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ، إِذَا دَعَانِ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}. ذكر بعض المفسرين قال: ذكر لنا أنه لما أنزل الله (أية : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)تفسير : [غافر:60] قال رجل: كيف ندعو يا رسول الله. قال الله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}... إلى آخر الآية. ذكر بعضهم أن موسى صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء قال: يا رب، أقريب أنت فأناجيك، أم بعيد فأناديك؟ فأوحى الله إليه: أنا عند حسن ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني. قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفْثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}... إلى قوله: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}. قد فسّرناه قبل هذا الموضع. قوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ} ذكروا عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: حديث : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في سفر، فغابت الشمس فقال: انزل فاجدح لنا، فقلت: إن عليك النهار. فقال: انزل فاجدح لنا. قلت: لو أمسيت قال: فانزل فاجدح لنا. فنزلت فجدحت له. فشرب. ثم قال: إذا جاء الليل هاهنا، وأومأ بيده إلى المشرق، فقد أفطر الصائم . تفسير : ذكر بعضهم قال: ثلاثة من فعل النبوة: تعجيل الإِفطار، والتبليغ في السحور، والأخذ باليمين على الشمال في الصلاة. وبلغنا عن أبي ذر مثل ذلك، غير أنه قال: وتأخير السحور. قوله: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ}. قال بعضهم: كان أحدهم يعتكف، فإذا [خرج من مُصلاَّهُ] فلقي امرأته غشيها، فنهى الله عن ذلك. وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف للعشر الأواخر من رمضان، ويشمر فيهن للصلاة. وإذا غشى المعتكف نقض اعتكافه. ذكر الحسن أن المعتكف إذا غشي أعتق. فإن لم يجد أهدى بدنة؛ فإن لم يجد أطعم عشرين صاعاً. قوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} أي لا تقربوا ما نهاكم الله عنه. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ ءَايَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي لكي يتقوا.
اطفيش
تفسير : {وإذا سَألَكَ عِبادِى عَنِّى فإنِّى قَريبٌ}: روى أن أعرابيا قال لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فننادية؟ فنزلت الآية. وظاهر هذا أن المراد: إذا سألك عبادى عن قربى إليهم، أو بعدى. وقيل: إن الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أى ساعة ندعو ربنا؟ فنزلت الآية. وظاهر هذا أن المراد إذا سألك عبادى: أىّ وقت أقرب للإجابة. وقيل: إن بعض الصحابة الحديثى العهد بالإيمان، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أين ربنا؟ فنزلت الآية. والمعنى وإذا سألك عبادى عن مكانى، فإنى متعال عن المكان متنزه عنه، ولكنى قريب إلى كل شئ. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: قال يهود المدينة: يا محمد كيف سمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام، وأن غلظ كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت الآية. والروايتان السابقتان أولى، لأن إضافة العباد إلى نفسه مع قوله: {إنى قريب أجيب} الآية. تدل على اللطف والرحمة، ولا يناسبها هؤلاء الكفرة المغضوب عليهم. وأما قوله تعالى:{أية : يا عِبادىَ الَّذِينَ أسْرفُوا}تفسير : فجلب للمسرفين وتحبب إليهم لئلا ييئسوا، والأكثر على الروايتين السابقتين، ويناسبهما ما ذكر بعض أن موسى صلى الله على جميع الأنبياء قال: يا رب. أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك؟ فأوحى الله إليه: أنا عند ظن عبدى، وأنا معه إذا دعانى، ويقرب منهما ما قيل: لما نزل قوله تعالى:{أية : ادْعُونى أسْتَجبْ لكُم}تفسير : فقال رجل: كيف ندعو يا رسول الله؟ أى أنجهر أم نخافت؟ فأنزل الله جل وعلا: {وإذا سَألكَ عِبادِى عنِّى فإنِّى قريب أجيب دعوة الداع} ورواية الحسن البصرى أن قوما قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت الآية. وروى أن الآية نزلت فى الذين جامعوا ليلة الصيام بعد النوم وبعد صلاة العشاء، وكان ذلك حراماً ونسخ. وروى البخارى ومسلم عن أبى موسى الأشعرى،حديث : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبرا وقال توجه إلى خيبر أشرف الناس على واد، فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً بصيراً قريباً وهو معكم"تفسير : . ومعنى أربعوا على أنفسكم: أرفقوا بها أو كفوا عن الجهر، وإن قلت: الله قريب سواء سألوا أم لم يسألوا فكيف قال: {وإذا سألك عبادى عنى}؟ قلت: الجواب محذوف تقديره: فقل إنى قريب، ومقتضى فقل إنه قريب لكن جئ بضمير التكلم تأكيداً وفيه الالتفات. وإن قلت: ما معنى قربه تعالى؟ قلت: ذلك كناية أريد فيها لازم المعنى، ومحال إرادة المعنى، لأنه تعالى لا يوصف بالحلول ولا بالاحتواء، ولا بالتحيز والقرب الحقيقى متضمن ذلك كله، فليس مراداً، لكن المراد لازمه فى الجملة، وهو العلم بحال العبد، وقوله وفعله. وإن شئت فمجاز مرسل، عبر بالقرب وأراد لازمه ومسببه وهما العلم بالمقروب إليه، فإن شئت فاستعارة تمثيلية تبعية شبه كمال علمه بحال العبد، وقوله وفعله بحال من قرب مكانه من شئ، فعلم به وما يتصف به. {أجِيبُ دَعْوةَ الدّاعِ إذا دَعَانِ}: تذييل لقوله {إنى قريب} فإنه بعض ما يتضمنه قربه تعالى، ويجوز أن يكون تفسيراً له أو تقريراً له، وهو على كل حال وعد للداعى بالإجابة. قال الحسن البصرى: إن الله تعالى يجيب كل الدعاء، فإما أن تظهر الإجابة فى الدنيا، وإما أن يكفر عنه، وإما أن يدخر له أجرا فى الآخرة، وهذا كما روى مالك فى الموطأ أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من مسلم يدعو بالدعاء إلا استجيب له فإما أن يعجل له فى الدنيا، وإما أن يدخر له فى الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم"تفسير : وبهذا اللفظ رواه يزيد بن المغيرة، عن أبى هريرة، بل لفظ مالك فى الموطأ: "حديث : ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث. إما أن يعجل"تفسير : إلى آخر اللفظ السابق، وأخرج الترمذى، عن عبادة بن الصامت عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من الشر مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم" فقال رجل من القوم: إذا أكثر؟ قال: "الله أكثر"تفسير : أى أكثر إجابة. قال ابن رشد: الدعاء عبادة من عبادات الله، يؤجر فيها الأجر العظيم أجيبت دعوته فيما دعا به أم لم تجب، قال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد"تفسير : رواه الحاكم أبو عبد الله فى كتابه المسمى بالمستدرك، لأنهُ ذكر فيه ما لم يذكره البخارى ومسلم فى صحيحهما، وقال: إن هذا الحديث صحيح الإسناد، ورواه ابن حبان أيضاً فى صحيحه، واللفظ له، ورواه الحاكم فى المستدرك عن أبى هريرة، وقال صحيح قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السماوات والأرض"تفسير : وروى فى المستدرك أيضاً عن جابر بن عبد الله، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقف بين يديه فيقول: عبدى إنى أمرتك أن تدعونى ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعونى؟ فيقول: نعم يا رب. فيقول: أما إنك لم تدعنى إلا استجيب لك، ألست دعوتنى يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك؟ فيقول: نعم يا رب. فيقول: إنى عجلتها لك فى الدنيا، ودعوتنى يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجا. قال: نعم يا رب. فيقول: إنى ادخرت لك بها فى الجنة كذا وكذا، ودعوتنى فى حاجة قضيتها لك فى يوم كذا وكذا فقضيتها. فيقول: نعم يا رب. فيقول: فإنى عجلتها لك فى الدنيا، ودعوتنى فى يوم كذا وكذا فى حاجة أقضيها لك فلم ترها قضيت، فيقول: نعم يا رب. فيقول: إنى ادخرت لك فى الجنة كذا وكذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له: إما أن يكون عجل له فى الدنيا، وإما أن يكون ادخر له فى الآخرة، قال: فيقول المؤمن فى ذلك المقام: يا ليته لم يكن عجل لى شئ من دعائه"تفسير : ومثل هذا ما رواه يزيد النقاش أنهُ قال: "حديث : إذا كان يوم القيامة عرض الله كل دعوة دعا بها العبد فى الدنيا فلم يجبه فيقول له: عبدى دعوتنى يوم كذا فأمسكت عليك دعوتك، فهذا الثواب مكان ذلك الدعاء، فلا يزال العبد يعطى من الثواب حتى يتمنى إن لم يكن إجابة فى الدنيا دعوة قط"تفسير : .. وروى محمد بن كعب عن أبى هريرة أنه قال: "حديث : من رزق خمساً لم يحرم خمساً، من رزق الشكر لم يحرم الزيادة، قال الله تعالى: {لَئنْ شَكرْتُم لأزِيدنَّكُم} ومن رزق الصبر لم يحرم الثواب بقوله تعالى: {إنَّما يوفَّى الصَّابرون أجْرَهُم بعيرِ حِسابٍ}، ومن رزق التوبة لم يحرم القبول لقوله تعالى: {وهو الَّذى يقْبلُ التَّوبةَ عنْ عِبادِه}، ومن رزق الاستغفار لم يحرم المغفرة لقوله تعالى: {اسْتَغْفروا ربَّكُم إنَّه كانَ غَفَّاراً} ومن رزق الدعاء لم يحرم الإجابة لقوله تعالى: {ادْعُونى أسْتَجِبْ لكُم}تفسير : ، وقد روى السادس: من رزق النفقة لم يحرم الخلف لقوله تعالى: {وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه} وروى النعمان بن بشير عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الدعاء هو العبادة"تفسير : ثم قرأ {أية : ادعونى أستجب لكم}تفسير : قال أبو ذر الغفارى: يكفى من الدعاء مع البر ما يكفى الطعام من الملح، ودخل الحسن على أبى عثمان النهدى وهو مريض. فقال لأبى عثمان: يا أبا عثمان. ادع لنا بدعوات فقد بلغك ما كان فى دعاء المريض وما قيل فيه. قال: فحمد الله وأثنى عليه وتلا آيات من كتاب الله، وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم ثم رفعنا أيدينا فدعا، فلما وضعنا أيدينا قال: أبشروا فوالله لقد استجاب الله لكم، فقال له الحسن: أتحلف بالله؟ قال: نعم. لو حدثتنى بحديث لصدقتك، فكيف لا أصدقه وهو يقول: {أية : ادْعُونى أسْتَجِبْ لكم}تفسير : فلما خرجوا قال الحسن: إنه لأفقه منى، وعن الحسن مرسلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل" قالوا: وكيف يستعجل يا رسول الله؟ قال: "يقول دعوت الله فلم يستجب لى فيها؟"تفسير : ولفظ الربيع عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن أبى هريرة: "حديث : يستجاب لأحدكم ما لم يستعجل، فيقول دعوت ربى فلم يستجب لى" تفسير : ولفظ البخارى: "حديث : يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول دعوت فلم يستجب لى" تفسير : ولفظ مسلم: "حديث : لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول دعوت فلم يستجب لى فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء" تفسير : والاستحسار الملل والضعف عن الشىء، وذكر أن موسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه سأل ربه: يا رب أى ساعة أدعوك فتستجيب لى فيها؟ فقال له: "أنت عبدى وأنا ربك فمتى دعوتنى استجبت لك؟ فعاوده مراراً فقال له ربه: "ادعنى فى كبد الليل، فإنى أستجيب لك" وعن جعفر بن برقان، عن صالح بن ميسار يقول الله تعالى: تدعونى وقلوبكم معرضة فباطل ما تذهبون. وقال سعد بن أبى وقاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يا رسول الله إنى أدعو الله فلا يستجيب دعائى. فقال النبى صلى الله عليه وسلم "يا سعد اجتنب الحرام فان كل بطن دخلت فيه لقمة من الحرام لا يستجاب دعاؤه أربعين يوماً" تفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها، وامسحوا بها وجوهكم"تفسير : وهو شامل للسؤال بالكفين ظاهرتين أو مستورتين وظاهره ترجيح ظهورهما، ولا سيما عند الفراغ من الأكل والشرب المدعو عقبه، وعند التقاء الجموع. وروى الحاكم فى المستدرك، واللفظ له، وقال صحيح الإسناد، وابن حبان عن ثوبان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يرد القدر إلا الدعاء" تفسير : والمعنى عندى: أنه يقدر الهلاك على قوم، فيصيب من كان فيهم، إلا الذى يدعو بالفجاءة من الهلاك، لقوله تعالى: {أية : ما يُبدَّلُ القَولُ لَدىّ} تفسير : ورواه ابن المبارك بسنده عن ثوبان عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يرد القضاء إلا الدعاء وإن الرجل ليحرم الرزق بذنب يصيبه"تفسير : ، والكلام فيه كالذى تقدم، وكذا فى رواية الحاكم فى مستدركه قائلا صحيح الإسناد عن عائشة رضى الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يغنى حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل وما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيتعالجان إلى يوم القيامة" تفسير : أى يتصارعان، وعن سلمان رضى الله عنه قال: [قال] رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء فى الرخاء"تفسير : رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد، وروى الربيع، عن أبى عبيدة مفصلا، قال رسول الله عليه وسلم: "حديث : تضرعوا إلى ربكم وادعوه فى الرخاء، فإن الله تعالى قال من دعانى فى الرخاء أجبته فى الشدة، ومن سألنى أعطيته، ومن تواضع لى رفعته، ومن تضرع إلىّ رحمته، ومن استغفرنى غفرت له" تفسير : وعن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فتح له فى الدعاء منكم فتحت له أبواب الجنة" تفسير : وخرَّج الترمذى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فتح له باب من الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما يسأل الله شيئاً أحب إلى الله من أن يسأل العافية، وإن الدعاء ينفع مما نزل وما لم ينزل"تفسير : وخرَّج عن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد فى العمر إلا البر" تفسير : أى يقضى الله فى الأزل بطول عمر فلان أو ببركته لبره. وخرَّج عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لم يسأل الله يغضب عليه"تفسير : وخرَّج عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدعاء مخ العبادة" تفسير : وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: هل من داع يدعونى فأستجيب له؟ هل من سائل يسألنى فأعطيه؟ هل من مستغفر يستغفرنى فأغفر له؟"تفسير : . وذلك عندى بمعنى تنزل رحمة ربنا أو ملائكته، أو استعارة تمثيلية للإقبال على الداعين بالإجابة واللطف، أو كناية عنهما. قال الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد، عن أبى هريرة بلاغا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول ربنا تبارك وتعالى حين يبقى ثلث الليل الأخير: من يدعو فأستجيب له؟ ومن يسألنى فأعطيهِ؟ ومن يستغفر فأغفر له؟"تفسير : . وخرج أبو داود والترمذى، وقال: حسن غريب عن سلمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن ربكم حيى كريم يستحيى من عبده إذا رفع إليهِ يديه إن يردهما صفراوتين خائبتين"تفسير : والصفر ما لا شئ فيهِ، وأخرج الترمذى قال: حديث صحيح، عن فضالة بن عبيدة، حديث : سمع النبى صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو فى صلاته، فلم يصل على النبى صلى الله عليه وسلم، فقال النبى: عجل هذا. ثم دعاه فقال له ولغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبى صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بما شاء"تفسير : وخرج عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس شئ أكرم على الله من الدعاء"تفسير : وخرج عنه وقال حديث غريب عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبه غافل لاه"تفسير : ورواه ابن المبارك بلفظ: "حديث : إن القلوب أوعية بعضها أوعى من بعض فادعوا الله أيها الناس حين تدعون وأنتم موقنون الإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل"تفسير : ، قال ابن عطاء الله: إذا أراد الله أن يعطى عبداً شيئاً وهبه الاضطرار فيجيبه، وإذا أراد أن يمنعهُ منعه الاضطرار فيدعو بدون اضطرار فلا يجاب. انتهى بتصرف واختصار. وخرّج البخارى ومسلم عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لى إن شئت، اللهم ارحمنى إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له"تفسير : ، زاد البخارى:"حديث : ارزقنى إن شئت قال ليعزم مسألته فإنه يفعل ما يشاء لا مكره لهُ"تفسير : روى الربيع، عن أبى عبيدة عن جابر بن يزيد، عن أبى هريرة بلاغا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لى إن شئت، اللهم ارحمنى إن شئت، وليعزم على المسألة، فإنه لا مكره له"تفسير : وإن قلت: كم راغب فى الدعاء لا يرى مجابا؟ قلت: سيجاب، أو عوض له خيرٌ مما دعا، أو حط عنه ذنوبا، أو رفع درجات أو رد عنه شرا، فالاستجابة لا تختص بنفس مطلوبه، فإن بدل الشئ كالشئ فإذا عوض له لم يكن قد رده خائبا. والآية مقيدة بعدم الإثم فى الداء، أو أجيبه إن كان مطعمه ومشربه حلالا وغير ذلك من الشروط، وقد بينت الأحاديث ذلك كله، وقيل: المراد أجيب دعاؤه نفسه عينه إذا وافق القضاء، وقيل: أجيب دعوة الداعى إذا دعانى إن شئت، فهى مطلقة مقيدة بقوله: بل إياه تدعون، فيكشف ما تدعون إليه إن شاء. قلت: هذه فى أهل الشرك، وآية البقرة ظاهرة فى غيرهم، فيبعد تقييدها بتلك. وأما: {فَليْسْتَجِيبُوا لِى ولْيؤْمِنوا بى} ففى الجلب للإيمان، وفى التحبب لا فى خصوص مقام السؤال عن الله، والجواب عن السؤال، أو المعنى وليدعو على الإيمان، وقيل معنى أجيب أسمع، والسيد قد يسمع كلام عبده ولا يعطيه سؤله، وقيل: الدعاء هنا الطاعة، والإجابة الإثابة فى الآخرة، وقيل الدعاء الثناء على الله، والتوحيد إن كان معه ندء كقولك: يا الله أنت ربى، فسمى الكل باسم النداء، وسميت الإثابة على ذلك إجابة، ليطابق لفظ الدعاء، وياء الدعاء وياء دعانى محذوفتان من الخط ثابتتان فى التلاوة فى الوصل عند ورش وأبى عمر، ويحذفانها وقفا، وحذفهما غيرهما وصلا ووقفا. {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى}: دعائى بالطاعة، فإنى قد دعوتهم إليها، كما أجيبهم إذا دعونى لمهماتهم، قاله مجاهد وغيره، وقال أبو رجاء الخرسانى: معناه فليدعونى، وقيل: فليطلبوا أن أجيبهم. {ولْيؤمنُوا بى}: يخرجوا من الشرك، أو يدوموا على الإيمان، وقال أبو رجاء: المعنى فليصدقوا بأنى أجيب دعاءهم، وروى أن رجلا وقف على قوم فقال: من عنده ضيافة هذه الليلة؟ فسكتوا، فأعاد، فقال أعمى: عندى، فذهب به إلى منزله فعشاه، ثم حدثه ساعة، ثم وضع له وضوءاً، فقام الرجل فى جوف الليل فتوضأ وصلى ما قضى له، ثم جعل يدعو، فانتبه الأعمى وجعل يسمع لدعائه، فقال: اللهم رب الأرواح الفانية والأجساد البالية، أسألك بطاعة الأرواح الراجعة إلى أجسادها، بطاعة الأجساد الملتمة فى عروقها، وبطاعة القبور المتشققة عن أهلها، وبدعوتك الصادقة فيهم، وأخذك الحق منهم، وتبريز الخلائق كلهم، من مخافتك ينتظرون قضاءك ويرجون رحمتك، ويخافون عذابك، أسألك أن تجعل النور فى بصرى، والإخلاص فى عملى، وشكرك فى قلبى، وذكرك فى لسانى فى الليل والنهار ما أبقيتنى. فحفظ الأعمى هذا الدعاء، ثم قام فتوضأ وصلى ركعتين، ودعا به فأصبح قد رد الله عليه بصره. والعقيدة أن الأرواح لا تفنى الآن جزما، وأما إذا قامت الساعة ففى فنائها قولان: قرأ ورش بفتح ياء بى. وقرأ غيره بالإسكان. {لَعلَّهُمْ يرشُدُون}: ترجيه لإصابة الرشد وهو الحق الذى هو دين الله أو تعليل لما قبله، قيل راجين الاهتداء أو ليهتدوا، وقرئ بكسر الشين، وذكر الله جل وعلا هذه الآية بعد ما أمرهم بالصوم والتكبير، وبعد ذكر الشكر إيذاناً لهم بأنه عالم بما يفعلون، فيثيبهم، وذلك حث على الصوم والتكبير والشكر.
اطفيش
تفسير : قالت جماعة من العرب، أو أعرابى، لرسول الله صلى الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه، أى ندعوه سرا، أم يعيد فنناديه، أى تجهر له، فنزل قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عَبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} بعلمى بهم وبأحوالهم، ونفعى لهم وإجابة دعائهم، والله قريب، سأل العباد عنه أم لم يسألوا، ولكن المعنى، وإذا سألك عبادى عنى فقل لهم عنى إنى قريب، سألوه عن القرب والبعد الحسيين، لأنهم حديثو عهد بالإسلام، ولا سيما إذا قلنا إن السائل أعرابى، فإن البدوى كثير الجهل، وأجابهم بأنه قريب قرباً معنوياً، ويحتمل أنهم مشركون سألوه عن القرب والبعد حسا، فأجابهم بالقرب المعنوى، ولا يبعده قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني} لأنه يحبب الإسلام إلى المشركين بهذا. وبما هو أعظم فليس كما قيل إن قوله عبادى وقولهم فنناجيه يبعد كون السائلين مشركين، وقيل سألوه عن القرب والبعد المعنويين، وهم مسلمون، ورجحه بعض، وهما قرب الإجابة وبعدها. وإذا قلنا السائل واحد فالجمع لكون الحكم يعم السائل وغيره، والسؤال لا يختص به، وربما سأل غيره ولذا قال إذا، مع أنه قد وقع السؤال من واحد أو جماعة، ويجوز أن تكون إذا لتنزيل حال النزول منزلة ما تقدم عن السؤال {أُجِيبُ} بإعطاء المطلوب {دَعْوَة الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} تفسير للقرب المذكور فى الآية خصوصاً. وإن أريد به عموم أنه عالم، فهذا تقرير له، وعلى الوجهين هو وعد بالإجابة ولا يشكل تخلفها لحكمة فقد تتخلف مطلقا، وقد تتخلف إلى بدل، قال صلى الله عليه وسلم: حديث : ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله تبارك وتعالى إحدى ثلاث، إما أن يعجل دعوته، وإما أن يدخر له، وإما أن يكف عنه من السوء مثلها تفسير : {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} بالطاعة كما أجيب دعاءكم أو ليطلبوا إجابتى {وَلْيُؤْمِنُواْ بِي} إن كانوا مشركين ليدوموا على الإيمان إن كانوا موحدين {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} يهتدون إلى مصالحهم الدينية والدنيوية.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي} في تلوين الخطاب مع توجيهه لسيد ذوي الألباب عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى من التشريف ورفع المحل {عَنّي} أي عن قربـي وبعدي إذ ليس السؤال عن ذاته تعالى. {فَإِنّي قَرِيبٌ} أي فقل لهم ذلك بأن تخبر عن القرب بأي طريق كان، ولا بد من التقدير إذ بدونه لا يترتب على الشرط، ولم يصرح بالمقدر كما في أمثاله للإشارة إلى أنه تعالى تكفل جوابهم ولم يكلهم إلى رسوله صلى الله عليه وسلم تنبيهاً على كمال لطفه، والقرب حقيقة في القرب المكاني المنزه عنه تعالى فهو استعارة لعلمه تعالى بأفعال العباد وأقوالهم واطلاعه على سائر أحوالهم، وأخرج سفيان بن عيينة وعبد الله بن أحمد عن أبـيّ قال: قال المسلمون يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله الآية {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} دليل للقرب وتقرير له فالقطع لكمال الاتصال، وفيه وعد الداعي بالإجابة في الجملة على ما تشير إليه كلمة {إِذَا} لا كلياً فلا حاجة إلى التقييد بالمشيئة المؤذن به قوله تعالى في آية أخرى: {أية : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء }تفسير : [الأنعام: 41] ولا إلى أن القول بأن إجابة الدعوة غير قضاء الحاجة لأنها قوله سبحانه وتعالى: لبيك يا عبدي وهو موعود موجود لكل مؤمن يدعو ولا/ إلى تخصيص الدعوة بما ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، أو الداعي بالمطيع المخبت. نعم كونه كذلك أرجى للإجابة لا سيما في الأزمنة المخصوصة والأمكنة المعلومة والكيفية المشهورة، ومع هذا قد تتخلف الإجابة مطلقاً وقد تتخلف إلى بدل، ففي الصحيح عن أبـي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله تبارك وتعالى إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له وإما أن يكف عنه من السوء مثلها»تفسير : وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى. {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى} أي فليطلبوا إجابتي لهم إذا دعوني أو فليجيبوا لي إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم، واستجاب وأجاب واحد ومعناه قطع مسألته بتبليغه مراده من الجوب بمعنى القطع، وهذا ما عليه أكثر المفسرين ولا يغني عنه {وَلْيُؤْمِنُواْ بِى} لأنه أمر بالثبات والمداومة على الإيمان {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} أي يهتدون لمصالح دينهم ودنياهم، وأصل الباب إصابة الخير، وقرىء بفتح الشين وكسرها، ولما أمرهم سبحانه وتعالى بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه تعالى خبير بأفعالهم سميع لأقوالهم مجازيهم على أعمالهم تأكيداً له وحثاً عليه، أو أنه لما نسخ الأحكام في الصوم ذكر هذه الآية الدالة على كمال علمه بحال العباد وكمال قدرته عليهم ونهاية لطفه بهم في أثناء نسخ الأحكام تمكيناً لهم في الإيمان، وتقريراً لهم على الاستجابة لأن مقام النسخ من مظان الوسوسة والتزلزل، فالجملة على التقديرين اعتراضية بين كلامين متصلين معنى، أحدهما: ما تقدم. والثاني: قوله سبحانه وتعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ...}.
ابن عاشور
تفسير : الجُملة معطوفة على الجمل السابقة المتعاطفة أي {لتكملوا العدة ولتكبروا... ولعلكم تشكرون}[البقرة: 185]، ثم التَفَت إلى خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده لأنه في مقام تبليغ فقال: {وإذا سألك عبادي عني}، أي العباد الذين كان الحديث معهم، ومقتضى الظاهر أن يقال {ولعلكم تشكرون وتدعون فأستجيب لكم إلاّ أنه عدل عنه ليحصل في خلال ذلك تعظيمُ شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه يسأله المسلمون عن أمر الله تعالى، والإشارةُ إلى جواب من عسى أن يكونوا سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كيفية الدعاء هل يكون جهراً أو سراً، وليكون نظم الآية مؤذناً بأن الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال: وإذا سألوا عن حقهم عليَّ فإني قريب منهم أجيب دعوتهم، وجُعل هذا الخير مرتباً على تقدير سؤالهم إشارة إلى أنهم يهجس هذا في نفوسهم بعد أن يسمعوا الأمر بالإكمال والتكبير والشكر أن يقولوا: هل لنا جزاء على ذلك؟ وأنهم قد يحجمون عن سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك أدباً مع الله تعالى فلذلك قال تعالى: وإذا سألك} الصريح بأن هذا سيقع في المستقبل. واستعمال مثل هذا الشرط مع مادة السؤال لقصد الاهتمام بما سيذكر بعده استعمال معروف عند البلغاء قال علقمة: شعر : فَإنْ تسأَلوني بالنِّساءِ فإنّني خَبير بِأَدْواءِ النساءِ طَبِيبُ تفسير : والعلماء يفتتحون المسائل المهمة في كتبهم بكلمة (فإن قلت) وهو اصطلاح «الكشاف». ويؤيد هذا تجريد الجواب من كلمة قل التي ذكرت في مواقع السؤال من القرآن نحو { أية : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت } تفسير : [البقرة: 189]، { أية : ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } تفسير : [البقرة: 220]، مع ما في هذا النظم العجيب من زيادة إخراج الكلام في صورة الحكم الكلي إذ جاء بحكم عام في سياق الشرط فقال {سألك عبادي} وقال: {أجيب دعوة الداع} ولو قيل وليدعوني فأستجيب لهم لكان حكماً جزئياً خاصاً بهم، فقد ظهر وجه اتصال الآية بالآيات قبلها ومناسبتها لهن وارتباطها بهن من غير أن يكون هنالك اعتراض جملة. وقيل إنها جملة معترضة اقترنت بالواو بين أحكام الصيام للدلالة على أن الله تعالى مجازيهم على أعمالهم وأنه خبير بأحوالهم، قيل إنه ذكر الدعاء هنا بعد ذكر الشكر للدلالة على أن الدعاء يجب أن يسبقه الثناء. والعباد الذين أضيفوا إلى ضمير الجلالة هم المؤمنون لأن الآيات كلها في بيان أحكام الصوم ولوازمه وجزائه وهو من شعار المسلمين، وكذلك اصطلاح القرآن غالباً في ذكر العباد مضافاً لضمير الجلالة، وأما قوله تعالى: { أية : ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء } تفسير : [الفرقان: 17] بمعنى المشركين فاقتضاه أنه في مقام تنديمهم على استعبادهم للأصنام. وإنما قال تعالى: {فإني قريب} ولم يقل: فقل لهم إني قريب إيجازاً لظهوره من قوله: {وإذا سألك عبادي عني}، وتنبيهاً على أن السؤال مفروض غير واقع منهم بالفعل، وفيه لطيفة قرآنية وهي إيهام أن الله تعالى تولَّى جوابهم عن سؤالهم بنفسه إذ حذف في اللفظ ما يدل على وساطة النبي - صلى الله عليه وسلم - تنبيهاً على شدة قرب العبد من ربه في مقام الدعاء. واحتيج للتأكيد بإنَّ، لأن الخبر غريب وهو أن يكون تعالى قريباً مع كونهم لا يرونه. و{أجيبُ} خبر ثان لإنَّ وهو المقصود من الإخبار الذي قبله تمهيداً له لتسهيل قبوله. وحذفت ياء المتكلم من قوله «دعان» في قراءة نافع وأبي عَمرو وحمزة والكسائي؛ لأن حذفها في الوقف لغة جمهور العرب عدا أهل الحجاز، ولا تحذف عندهم في الوصل لأن الأصل عدمه ولأن الرسم يبنى على حال الوقف، وأثبت الياء ابن كثير وهشام ويعقوب في الوصل والوقف، وقرأ ابن ذكوان وعاصم بحذف الياء في الوصل والوقف وهي لغة هذيل، وقد تقدم أن الكلمة لو وقعت فاصلة لكان الحذف متفقاً عليه في قوله تعالى: { أية : وإياي فارهبون } تفسير : [البقرة: 40] في هذه السورة. وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجوُّ الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان. والآية دلت على أن إجابة دعاء الداعي تفضل من الله على عباده غير أن ذلك لا يقتضي التزام إجابة الدعوة من كل أحد وفي كل زمان، لأن الخبر لا يقتضي العموم، ولا يقال: إنه وقع في حيز الشرط فيفيد التلازم، لأن الشرط هنا ربط الجواب بالسؤال وليس ربط للدعاء بالإجابة، لأنه لم يقل: إن دعوني أجبتهم. وقوله: {فليستجيبوا لي} تفريع على {أجيبُ} أي إذا كنت أجيب دعوة الداعي فليجيبوا أوامري، واستجاب وأجاب بمعنى واحد. وأصل أجاب واستجاب أنه الإقبال على المنادي بالقدوم، أو قولٌ يدل على الاستعداد للحضور نحو (لَبيك)، ثم أطلق مجازاً مشهوراً على تحقيق ما يطلبه الطالب، لأنه لما كان بتحقيقه يقطع مسألتَه فكأنَّه أجاب نداءه. فيجوز أن يكون المراد بالاستجابة امتثال أمر الله فيكون {وليؤمنوا بي} عطفاً مغايراً والمقصود من الأمر الأول الفعل ومن الأمر الثاني الدوام، ويجوز أن يراد بالاستجابة ما يشمل استجابة دعوة الإيمان، فذِكْر {وليؤمنوا} عطف خاص على عام للاهتمام به. وقوله: {لعلهم يرشدون} تقدم القول في مِثله. والرشد إصابة الحق وفعله كنصر وفَرِح وضَرب، والأشهر الأول.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. ذكر في هذه الآية أنه جل وعلا قريب يجيب دعوة الداعي، وبين في آية أخرى تعليق ذلك على مشيئته جل وعلا وهي قوله: {أية : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ} تفسير : [الأنعام: 41] الآية. وقال بعضهم التعليق بالمشيئة في دعاء الكفار كما هو ظاهر سياق الآية، والوعد المطلق في دعاء المؤمنين. وعليه فدعاؤهم لا يرد، إما أن يعطوا ما سألوا أو يدخر لهم خير منه أو يدفع عنهم من السوء بقدره. وقال بعض العلماء: المراد بالدعاء العبادة، وبالإجابة الثواب، وعليه فلا إشكال.
الواحدي
تفسير : {وإذا سألك عبادي عني...} الآية. سأل بعض الصَّحابة النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أقريبٌ ربُّنا فنناجيَه، أم بعيدٌ فنناديَه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله تعالى: {فإني قريبٌ} يعني: قربه بالعلم {أجيب} أسمع {دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي} أَيْ: فليجيبوني بالطَّاعة وتصديق الرُّسل {وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} ليكونوا على رجاءٍ من إصابة الرُّشد. {أحلَّ لكم ليلة الصيام...} الآية. كان في ابتداء الإسلام لا تحلُّ المجامعة في ليالي الصَّوم، ولا الأكل ولا الشُّرب بعد العشاء الآخرة، فأحلَّ الله تعالى ذلك كلَّه إلى طلوع الفجر، وقوله: {الرفث إلى نسائكم} يعني: الإِفضاء إليهنَّ بالجماع {هنَّ لباسٌ لكم} أَيْ: فراشٌ {وأنتم لباس} لحافٌ {لهنَّ} عند الجماع {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} تخونون أنفسكم بالجماع ليالي رمضان، وذلك أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره فعلوا ذلك، ثمَّ أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه، فنزلت الرُّخصة {فتاب عليكم} فعاد عليكم بالترخيص {وعفا عنكم} ما فعلتم قبل الرُّخصة {فالآن باشروهنَّ} جامعوهنَّ {وابتغوا} واطلبوا {ما كتب الله لكم} ما قضى الله سبحانه لكم من الولد {وكلوا واشربوا} اللَّيل كلَّه {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض} يعني: بياض الصُّبح {من الخيط الأسود} من سواد اللَّيل {من الفجر} بيانُ أنَّ هذا الخيط الأبيض من الفجر لا من غيره {ثمَّ أتموا الصيام إلى الليل} بالامتناع من هذه الأشياء {ولا تباشروهنَّ وأنتم عاكفون في المساجد} نهيٌ للمعتكف عن الجماع؛ لأنه يُفسده، {تلك} أَيْ: هذه الأحكام التي ذكرها {حدود الله} ممنوعاته {فلا تقربوها} فلا تأتوها {كذلك} أَيْ: مثل هذا البيان: {يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون} المحارم. {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} أَيْ: لا يأكل بعضكم مال بعضٍ بما لا يحلُّ في الشَّرع، من الخيانة والغصب، والسَّرقة والقمار، وغير ذلك {وتُدْلُوا بها إلى الحكام} ولا تصانعوا [أَيْ: لا ترشوا] بأموالكم الحكَّام لِتقتطعوا حقَّاً لغيركم {لتأكلوا فريقاً} طائفةً {من أموال الناس بالإِثم} بأن ترشوا الحاكم ليقضي لكم {وأنتم تعلمون} أنَّكم مُبطلون، وأنَّه لا يحلُّ لكم، والأصل في الإِدلاء: الإِرسال، من قولهم: أدليتُ الدَّلو.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الداعي: السائل ربه حاجته. فليستجيبوا لي: أي يجيبوا ندائي إذا دعوتهم لطاعتي وطاعة رسولي بفعل المأمور وترك المنهي والتقرب إليّ بفعل القرب وترك ما يوجب السخط. يرشدون: بكمال القوتين العلمية والعملية إذ الرشد هو العلم بمحاب الله ومساخطه، وفعل المحاب وترك المساخط، ومن لا علم له ولا عمل فهو السفيه الغاوي والضال الهالك. معنى الآية الكريمة: ورد أن جماعة من الصحابة سألوا النبي قائلين: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله تعالى قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ} الآية، ومعنى المناجاة المكالمة بخفض الصوت، والمناداة برفع الصوت، وإجابة الله دعوة عبده قبول طلبه وإعطاؤه مطلوبه. وما على العباد إلا أن يستجيبوا لربهم بالإيمان به وبطاعته في أمره ونهيه وبذلك يتم رشدهم ويتأهلون للكمال والإِسعاد في الدارين الدنيا والآخرة. هداية الآية: من هداية الآية: 1- قرب الله تعالى من عباده إذ العوالم كلها في قبضته وتحت سلطانه ولا يبعد عن الله شيء من خلقه إذ ما من كائن إلا والله يراه ويسمعه ويقدر عليه، وهذه حقيقة القرب. 2- كراهية رفع الصوت بالعبادات إلا ما كان في التلبية والأذان والإقامة. 3- وجوب الإستجابة لله تعالى بالإِيمان وصالح الأعمال. 4- الرشد في طاعة الله والغيّ والسفه في معصيته تعالى.
القطان
تفسير : الرفث: الجماع, لباس لكم: الملابسة والمخالطة. المباشرة: الجماع. الاعتكاف: البقاء في المسجد للتعبد مدة. تختانون أنفسكم: تخونون. {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي...} جاءت هذه الآية في وسط آيات الصيام كأنها استراحة لطيفة، فكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يبين للناس ان الذين يطيعونه ويؤدون فرائضه، هم قريبون منه وهو قريب منهم. انه يستجيب دعاءهم في كل مكان، وفي كل زمان. فهو يسمع أقوالهم، ويرى أعمالهم وليس بينه وبينهم حجاب، فكيف اذا كان هذا الداعي صائما! ففي مسند الامام أحمد الترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "حديث : ثلاثة لا ترد دعوتهم: الامام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول: بعزّتي لأنصرنك ولو بعد حين"تفسير : . وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: "حديث : للصائم عند افطاره دعوة مستجابة"تفسير : . وكان عبد الله بن عمر اذا أفطر دعا أهله وولده ودعا. من ثم جاء ذكر الدعاء في ثنايا الحديث عن الصيام. فاذا كنت قريبا مجيباً دعوة من دعاني، فليستجيبوا لي بالايمان بي وتوجيه العبادات إليّ حتى أجيب دعاءهم، لعلهم يهتدون. بعد ان بين لنا سبحانه كيفية الصيام، والاعذار المبيحة له، أردف في هذه الآية بقية أحكام الصوم، فقال: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} اي إتيان نسائكم. {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} وهذا تعبير لطيف فيه كل معاني التستر حيث يعبر عن المخالطة والمعاشرة باللباس وفيه ستر ووِقاء. كذلك يجب أن تكون الصلة بين الزوجين عشرة حسنة، وستراً من كل منهما على صاحبه. ومع ان الله علم أنكم كنتم تخونون أنفسكم، اي تنقصونها حظها من تمتعكم بنسائكم في ليالي رمضان ـ فقد تاب عليكم، وعفا عنكم. فالآن لا تتحرجوا من الحلال وكلوا واشربوا في ليل رمضان حتى يظهر لكم الفجر متميزاً من ظلام الليل، ثم أتموا الصيام الى الليل. {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ} هذا حكم عام لا يختص برمضان.. فكلّ من اعتكف في المسجد يُمنع عليه ان يباشر امرأته اثناء الاعتكاف، حتى في الليل. والاعتكاف عبادة قائمة بذاتها. وهو ان ينوي البقاء في المسجد مدة معينة للعبادة، من صلاة وذكر وقراءة قرآن وغيرها. وأقله يوم وليلة، ولا حدّ لأكثره. والافضل ان يكون في العشر الأواخر من رمضان، لأن آخر اعتكاف للنبي كان كذلك. وله ثلاثة شروط: النية، والصيام، وترك مباشرة النساء. وعند الشافعي لا يشترط الصيام. ولا يجوز للمعتكف ان يخرج من المسجد الا لقضاء الحاجة. {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} اي أحكامه المشتملة على الايجاب والتحريم والاباحة. فلا تقربوها، اي تتعدوها. وعلى هذا الطريق السوي من بيان أحكام الصيام جميعها يبين الله لكم آياته لتتقوها وتتجنبوا تبعاتها.
د. أسعد حومد
تفسير : (186) - قَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُنَاجِيهِ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَسَكَتَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم، فَأَنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيَةَ، وَفِي الحَدِيثِ: (حديث : القُلُوبُ أَوْعِيَةٌ وَبَعْضُهَا أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ، فَإِذا سَأَلْتُمُ الله أَيُّهَا النَّاسُ فَاسْأَلُوهُ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ)تفسير : . ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالاسْتِجَابَةِ إِليهِ، وَبِالقِيَامِ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الإِيمَانِ وَالعِبَادَاتِ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ .. لَعَلَّهُمْ يَكُونُونَ مِنَ المُهْتَدِينَ الرَّاشِدِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وما دمت قد ذقت حلاوة ما أعطاك الحق من إشراقات صفائية في الصيام فأنت ستتجه إلى شكره سبحانه، وهذا يناسب أن يرد عليك الحق فيقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186] ونلحظ أن "إذا" جاءت، ولم تأتي "إن" فالحق يؤكد لك أنك بعدما ترى هذه الحلاوة ستشكر الله؛ لأنه سبحانه يقول في الحديث القدسي: "حديث : ثلاثة لا ترد دعوتهم، الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين ". تفسير : فما دام سبحانه سيجيب الدعوة، وأنت قد تكون من العامة لا إمامة لك، وكذلك لست مظلوماً، إذن تبقى دعوة الصائم. وعندما تقرأ في كتاب الله كلمة "سأل" ستجد أن مادة السؤال بالنسبة للقرآن وردت وفي جوابها "قل".{أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ..}تفسير : [البقرة: 219]. وقوله:{أية : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ..}تفسير : [البقرة: 219]. وقوله:{أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ ..}تفسير : [البقرة: 215]. وكل "يسألونك" يأتي في جوابها "قل" إلا آية واحدة جاءت فيها "فقل" بالفاء، وهي قول الحق: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي ..}تفسير : [طه: 105]. انظر إلى الدقة الأدائية: الأولى "قل"، وهذه "فقل"، فكأن {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} تفسير : [البقرة: 219] يؤكد أن السؤال قد وقع بالفعل، ولكن قوله: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ} تفسير : [طه: 105]، فالسؤال هذا ستتعرض له، فكأن الله أجاب عن أسئلة وقعت بالفعل فقال: "قل"، والسؤال الذي سيأتي من بعد ذلك جاء وجاءت إجابته بـ"فقل" أي أعطاه جواباً مسبقاً، إذن ففيه فرق بين جواب عن سؤال حدث، وبين جواب عن سؤال سوف يحدث، ليدلك على أن أحداً لن يفاجئ الله بسؤال، {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} تفسير : [طه: 105]. لكن نحن الآن أمام آية جاء فيها سؤال وكانت الإجابة مباشرة: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} [البقرة: 186]. فلم يقل: فقل: إنِّي قريب؛ لأن قوله: "قل" هو عملية تطيل القرب، ويريد الله أن يجعل القرب في الجواب عن السؤال بدون وساطة {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186]. لقد جعل الله الجواب منه لعباده مباشرة، وإن كان الذي سيبلغ الجواب هو رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه لها قصة: لقد سألوا رسول الله: أقريب ربك فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ لأن عادة البعيد أن يُنادي، أما القريب فيُناجي، ولكي يبين لهم القرب، حذف كلمة "قل"، فجاء قول الحق: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186] وما فائدة ذلك القرب؟ إن الحق يقول: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] ولكن ما الشروط اللازمة لذلك؟ لقد قال الحق: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي} [البقرة: 186] ونعرف أن فيه فرقاً بين "عبيد" و"عباد"، صحيح أن مفرد كل منهما "عبد"، لكن هناك "عبيد" و"عباد"، وكل من في الأرض عبيد الله، ولكن ليس كل من في الأرض عباداً لله، لماذا؟ لأن العبيد هم الذين يُقهرون في الوجود كغيرهم بأشياء، وهناك من يختارون التمرد على الحق، لقد أخذوا اختيارهم تمرداً، لكن العباد هم الذين اختاروا الانقياد لله في كل الأمور. إنهم منقادون مع الجميع في أن واحدا لا يتحكم متى يولد، ولا متى يموت، ولا كيف يوجد، لكن العباد يمتازون بأن الأمر الذي جعل الله لهم فيه اختياراً قالوا: صحيح يا رب أنت جعلت لنا الاختيار، وقد اخترنا منهجك، ولم نترك هوانا ليحكم فينا، أنت قلت سبحانك: "افعل كذا" و"لا تفعل كذا" ونحن قبلنا التكليف منك يا رب. ولا يقول لك ربك: "افعل" إلا إذا كنت صالحاً للفعل ولعدم الفعل. ولا يقول لك: "لا تفعل" إلا إذا كنت صالحاً لهذه ولهذه. إذن فكلمة "افعل" و"لا تفعل" تدخل في الأمور الاختيارية، والحق قد قال: "افعل" و"لا تفعل" ثم ترك أشياء لا يقول لك فيها "افعل" و"لا تفعل"، فتكون حراً في أن تفعلها أو لا تفعلها، اسمها "منطقة الاختيار المباح"، فهناك اختيار قُيِّدَ بالتكليف بافعل ولا تفعل، واختيار بقي لك أن تفعله أو لا تفعله ولا يترتب عليه ضرر؛ فالذي أخذ الاختيار وقال: يا رب أنت وهبتني الاختيار، ولكنني تركت لك يا واهب الاختيار أن توجه هذا الاختيار كما تحب، أنا سأتنازل عن اختياري، وما تقول لي: "افعل" سأفعله، والذي تقول لي: "لا تفعله" لن أفعله. إذن فالعباد هم الذين أخذوا منطقة الاختيار، وسلموها لمن خلق فيهم الاختيار، وقالوا لله: وإن كنت مختاراً إلا أنني أمنتك على نفسي. إن العباد هم الذين ردوا أمر الاختيار إلى من وهب الاختيار ويصفهم الحق بقوله: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً * وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً}تفسير : [الفرقان: 63-64]. هؤلاء هم عباد الرحمن، ولذلك يقول الحق للشيطان في شأنهم: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ..}تفسير : [الحجر: 42]. إذن فللشيطان سلطان على مطلق عبيد؛ لأنه يدخل عليهم من باب الاختيار، ولم تأت كلمة "عبادي" لغير هؤلاء إلا حين تقوم الساعة، ويحاسب الحق الذين أضلوا العباد فيقول: {أية : أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي ..}تفسير : [الفرقان: 17]. ساعة تقوم الساعة لا يوجد الاختيار ويصير الكل عباداً؛ حتى الكفرة لم يعد لهم اختيار. وحين يقول الحق: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] فالعباد الذين التزموا لله بالمنهج الإيماني لن يسألوا الله إلا بشيء لا يتنافى مع الإيمان وتكاليفه. والحق يقول: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} [البقرة: 186]؛ لأن الدعاء يطلب جواباً، وما دمت تطلب إجابة الدعاء فتأدب مع ربك؛ فهو سبحانه قد دعاك إلى منهجه فاستجب له إن كنت تحب أن يستجيب الله لك {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} [البقرة: 186]، وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه وتعالى في كلمة "الداع" ولا يتركها مطلقة، فيقول: "إذا دعان" فكأن كلمة "دعا" تأتي ويدعو بها الإنسان، وربما اتجه بالدعوة إلى غير القادر على الإجابة، ومثال ذلك قول الحق: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ..}تفسير : [الأعراف: 194]. وقوله الحق: {أية : إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ ..}تفسير : [فاطر: 14]. فكأن الداعي قد يأخذ صفة يدعو بها غير مؤهل للإجابة، والحق هنا قال: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] أما إذا ذهب فدعا غير قادر على الوفاء فالله ليس مسئولاً عن إجابة دعوته. إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يعلمنا أن الإنسان يدعو بالخير لنفسه، وأنت لا تستطيع أن تحدد هذا الخير؛ لأنك قد تنظر إلى شيء على أنه الخير وهو شر، وما دمت تدعو فأنت تظن أن ذلك هو الخير، إذن فملحظية الأصل في الدعاء هي أنك تحب الخير، ولكنك قد تخطىء الطريق إلى فهم الخير أو الوسيلة إلى الخير، أنت تحب الخير لا جدال، لذلك تكون إجابة ربك إلى دعائك هي أن يمنع إجابة دعوتك إن كانت لا تصادف الخير بالنسبة لك، ولذلك يجب ألا تفهم أنك حين لا تجاب دعوتك كما رجوت وطلبت أن الله لم يستجب لك فتقول: لماذا لم يستجب الله لي؟. لا لقد استجاب لك، ولكنه نحَّى عنك حمق الدعوة أو ما تجهل بأنه شر لك. فالذي تدعوه هو حكيم؛ فيقول: "أنا سأعطيك الخير، والخير الذي أعلمه أنا فوق الخير الذي تعلمه أنت، ولذلك فمن الخير لك ألا تُجاب إلى هذه الدعوة". وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى -: قد يطلب منك ابنك الصغير أن تشتري له مسدساً، وهو يظن أن مسألة المسدس خير، لكنك تؤخر طلبه وتقول له: فيما بعد سأشتري لك المسدس إن شاء الله، وتماطل ولا تأتيه بالمسدس، فهل عدم مجيئك بالمسدس له على وفق ما رأى هو منع للخير عنه؟ إن منعك للمسدس عنه فائدة وصيانة وخير للابن. إذن، فالخير يكون دائماً على مقدار الحكمة في تناول الأمور، وأنت تمنع المسدس عن ابنك، لأنك قدرت أنه طفل ويلهو مع رفاقه وقد يتعرض لأشياء تخرجه عن طوره وقد يتسبب في أن يؤذيه أحد، وقد يؤذي هو أحداً بمثل هذا المسدس. وكذلك يكون حظك من الدعاء لا يُستجاب لأن ذلك قد يرهقك أنت .. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11]. ولذلك يقول سبحانه: {أية : سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ}تفسير : [الأنبياء: 37]. والعلماء يقولون: إن الدعاء إن قصدت به الذلة والعبودية يكون جميلاً، أما الإجابة فهي إرادة الله، وأنت إن قدرت حظك من الدعاء في الإجابة عليه فأنت لا تُقدر الأمر. إن حظك من الدعاء هو العبادة والذلة لله؛ لأنك لا تدعو إلا إذا اعتقدت أن أسبابك كبشر لا تقدر على هذه، ولذلك سألت من يقدر عليها، وسألت من يملك، ولذلك يقول الله في الحديث القدسي: "حديث : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ". تفسير : ولنتعلم ما علّمَهُ رسول الله لعائشة أم المؤمنين. لقد سألت رسول الله إذا صادفت ليلة القدر فقالت: إن أدركتني هذه الليلة بماذا أدعو؟ انظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد علّم أم المؤمنين عائشة أن تدعو بمقاييس الخير الواسع فقال لها: "حديث : قولي: اللهم إنك تحب العفو فاعف عني ". تفسير : ولا يوجد جمال أحسن من العفو، ولا يوجد خير أحسن من العفو، فلا أقول أعطني، أعطني؛ لأن هذا قد ينطبق عليه قول الحق: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11]. فمَنْ يقول: لقد دعوت ربي فلم يستجب لي، نقول له: لا تكن قليل الفطنة فمن الخير لك أنك لا تُجاب إلى ما طلبت فالله يعطيك الخير في الوقت الذي يريده. وبعد ذلك يترك الحق لبعض قضايا الوجود في المجتمع أن تجيبك إلى شيء ثم يتبين لك منه الشر، لتعلم أن قبض إجابته عنك كان هو عين الخير، ولذلك فإن الدعاء له شروط، فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعونا إلى الطيب من الرزق. فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة قوله: "حديث : ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغُذِي بالحرام فأنّى يستجاب له"تفسير : . إن الرسول يكشف أمامنا كيف يفسد جهاز الإنسان الذي يدعو، لذلك فعدم إجابة الدعوة إما لأن جهاز الدعوة جهاز فاسد، وإما لأنك دعوت بشيء تظن أن فيه الخير لك لكن الله يعلم أنه ليس كذلك، ولهذا يأخذ بيدك إلى مجال حكمته، ويمنع عنك الأمر الذي يحمل لك الشر. وشيء آخر، قد يحجب عنك الإجابة، لأنه إن أعطاك ما تحب فقد أعطاك في خير الدنيا الفانية، وهو يحبك فيُبقي لك الإجابة إلى خير الباقية، وهذه ارتقاءات لا ينالها إلا الخاصة، وهناك ارتقاءات أخرى تتمثل في أنه ما دام الدعاء فيه ذلة وخضوع فقد يطبق الله عليك ما جاء في الحديث القدسي: "حديث : ينزل الله تعالى في السماء الدنيا فيقول: مَنْ يدعوني فأستجيب له أو يسألني فأعطيه؟ ثم يقول: مَنْ يقرض غير عديم ولا ظلوم ". تفسير : ولأن الإنسان مرتبط بمسائل يحبها، فما دامت لم تأت فهو يقول دائماً يا رب. وهذا الدعاء يحب الله أن يسمعه من مثل هذا العبد فيقول: "حديث : إن من عبادي من أحب دعاءهم فأنا أبتليهم ليقولوا: يا ربتفسير : . إن الإنسان المؤمن لا يجعل حظه من الدعاء أن يجاب، إنما حظه من الدعاء ما قاله الحق: {أية : قُلْ مَا يَعْبَؤُاْ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ ..}تفسير : [الفرقان: 77]. إن معنى الربوبية والمربوبية أن تقول دائماً: "يا رب". واضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - الأب قد يعطي ابنه مصروف اليد كل شهر، والابن يأخذ مصروف اليد الشهري ويغيب طوال الشهر ولا يحرص على رؤية والده. لكن الأب حين يعطي مصروف اليد كل يوم، فالابن ينتظر والده، وعندما يتأخر الوالد قليلاً فإن الابن يقف لينتظر والده على الباب؛ لقد ربط الأب ابنه بالحاجة ليأنس برؤياه. والحق سبحانه يضع شرطاً للاستجابة للدعاء، وهو أن يستجيب العبد لله سبحانه وتعالى فيما دعاه إليه. عندئذ سيكون العباد أهلاً للدعاء، ولذلك قال الحق في الحديث القدسي: "حديث : مَنْ شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ". تفسير : ومثال ذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام حين أُلقِيَ في النار، قال له جبريل: ألك حاجة؟. لم ينف أن له حاجة، فلا يوجد استكبار على البلوى، ولكنه قال لجبريل: أما إليك فلا، صحيح أن له حاجة إنما ليست لجبريل، لأنه يعلم جيداً أن نجاته من النار المطبوعة على أن تحرق وقد أُلْقِيَ فيها، هي عملية ليست لخلق أن يتحكم فيها ولكنها قدرة لا يملكها إلا من خلق النار. فقال لجبريل: أما إليك فلا، وعلمه بحالي يغني عن سؤالي. لذلك جاء الأمر من الحق: {أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الأنبياء: 69]. ولنتعلم من الإمام علي كرم الله وجهه حين دخل عليه إنسان يعوده وهو مريض فوجده يتأوه، فقال له: أتتأوه وأنت أبو الحسن. قال: أنا لا أشجع على الله. إذن فقوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي} [البقرة: 186] تعني ضرورة الاستجابة للمنهج، {وَلْيُؤْمِنُواْ بِي} [البقرة: 186] أي أن يؤمنوا به سبحانه إلهاً حكيماً. وليس كل من يسأل يستجاب له بسؤاله نفسه؛ لأن الألوهية تقتضي الحكمة التي تعطي كل صاحب دعوة خيراً يناسب الداعي لا بمقاييسه هو ولكن بمقاييس من يجيب الدعوة. ويذيل الحق الآية بقول: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] فما معنى "يرشدون"؟ إنه يعني الوصول إلى طريق الخير وإلي طريق الصواب. وهذه الآية جاءت بعد آية {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 185] كي تبين لنا أن الصفائية في الصيام تجعل الصائم أهلاً للدعاء، وقد لا يكون حظك من هذا الدعاء الإجابة، وإنما يكون حظك فيه العبادة، ولكي يبين لنا الحق بعض التكليفات الإلهية للبشر فهو يأتي بهذه الآية التي يبيّن بها ما يحل لنا في رمضان. يقول الحق: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} معناه فليجيبوني.
الجيلاني
تفسير : {وَ} لذلك أخبر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم إرشاداً لعباده الشاكرين لنعمه عن تقربه إليهم بقولهم: {إِذَا سَأَلَكَ} أيها الداعي للخلق إلى لاحق {عِبَادِي} الشاكرين لنعمه {عَنِّي} بقولهم: أقريب إلينا ربنا فنناجيه مناجاتنا نفوسنا، أم بعيد منا فنناديه نداء الأباعد؟ قل لهم يا أكمل الرسل في جوابهم نيابة عني: {فَإِنِّي قَرِيبٌ} لهم من نفوسهم بحيث {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} استقبله سريعاً لإجابة دعائه كما أشار إليه في الحديث القدسي حكاية عنه سبحانه {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} في جميع مهماتهم وحاجاتهم {وَلْيُؤْمِنُواْ بِي} معتقدين بي إيصالهم إلى غاية متمناهم؛ إذ لا مرجع لهم غيري ولا ملجأ لهم في الوجود سواي، وإنما أُخبروا وأمروا بما أُمروا {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] رجاء أن يتهدوا إلى مرتبة التوحيد راشدين مطمئنين., اهدنا بلطفك إلى مقر عزك يا هادي المضلين. ثم أشار سبحانه إلى بيان أحكام الصوم مما يتعلق بالحل والحرمة فيه فقال: {أُحِلَّ لَكُمْ} أيها الصائمون {لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ} دون نهاره؛ إذ الإمساك عن الجماع في يوم الصوم مأخوذ في تعريفه شرعاً {ٱلرَّفَثُ} الوقاع والجماع {إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} أي: مع نسائكم اللاتي {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ} لا تصبرون عنهن لإفضاء طبعكم، وميل نفوسكم إليهن {وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} أيضاً، لا يصبرن عنكم لاشتداد شهوتهن إلى الوقاع بأضعاف ما أنتم عليه، وإنما رخص لكم الوقاع في لياليه؛ إذ {عَلِمَ ٱللَّهُ} المحيط بسرائركم وضمائركم {أَنَّكُمْ كُنتُمْ} لو كلفتم بها {تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أي: توقعونها بأيديكم إلى الخبائث فتعاقبون عليها، وتحرمون جزاء الصوم المتكفل لها الحق بذاته، كما قال صلى الله عليه وسلم حكاية عنه سبحانه: "حديث : الصوم لي وأنا أجزي به ". تفسير : {وَ} إذا علم سبحانه منكم ما علم {عَفَا} محا {عَنْكُمْ} ما يوقعكم إلى الفتنة والعذاب، وهو تحريم الرفث في الليلة أيضاً، وإذا رخص لكم الوقاع فيها {فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ} أي: ألصقوا بشرتهن لبشرتكم في ليلة الصام المرخصة فيها الجماع، ولا تخافوا من عقوبة الله عليها بعد ما أذن {وَٱبْتَغُواْ} اطلبوا سرائر {مَا كَتَبَ} قدر {ٱللَّهُ لَكُمْ} من الولد الصالح المتفرع على اجتماعكم من نسائكم؛ إذ سر الجماع والنزوع المستلزم له إبقاء نوع الإنسان المصور بصورة الرحمن؛ ليترقى في العبودية والعرفان إلى أن يستخلف وينوب عنه سبحانه {وَكُلُواْ} في ليلة {وَٱشْرَبُواْ} فيها {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ} أي: إلى أن يظهر {لَكُمُ} بلا خفاية {ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ} أي: البياض الممتد الذي يقال له في العرف: الصبح الصادق {مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} البياض المتوهم قبل الصبح الصادق المعبر عنها بالصبح الكاذب، وكلاهما {مِنَ ٱلْفَجْرِ} الشامل لهما، وهو آخر الليل. {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ} من الوقت المبين {إِلَى} ابتداء {ٱلَّليْلِ} وهو غروب الشمس بحيث لا يرى في الأفق الشرقي بياض وحمرة منها {وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ} في ليلة الصيام أيضاً {وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ} معتكفون {فِي ٱلْمَسَٰجِدِ} إذ الاعتكاف في الشرع عبارة عن اللبث في المسجد على نية التقرب، فيبطله الخروج إلا إلى التوضؤ والطهارة، والجماع فيه ليس بمرخصٍ شرعاً {تِلْكَ} الأحكام المذكورة {حُدُودُ ٱللَّهِ} الحاجزة بينه وبينكم؛ لئلا تتجاوزوا عنها {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} إلى حيث يتوهم تجاوزكم عنها {كَذٰلِكَ} كالحدود والأحكام المأمور به والمنهية {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ} الهادي إلى وحدة ذاته جميع {ءَايَٰتِهِ} أي: علاماته الدالة على توحيده الذاتي {لِلنَّاسِ} الناسين العهود السابقة بواسطة تعيناتهم {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187] رجاء أن يتخذوا عنها بسبب إشراق نور الوجود الحق المفني لها مطلقاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر أنه مع عظم الشأن قريب بالإحسان بقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186]، والإشارة فيها أن من يكون مخصوصاً بخصوصية عبادي يكون سؤالهم عني لا عن غيري؛ ولأنه {إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}؛ أي: إنما كان سؤالهم عني حين سألوك؛ لأني كنت قريباً باللطف إليهم أقرب إليهم منهم بهم كقوله تعالى: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ}تفسير : [ق: 16]، {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]؛ أي: صفتي أني أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} [البقرة: 186]، كما إني أجيب لهم إذا دعوني؛ ليكونوا موصوفين بصفتي في الإجابة؛ {وَلْيُؤْمِنُواْ} [البقرة: 186]، إجابتهم أن يؤمنوا {بِي} [البقرة: 186] بمعني الطلب؛ أي: يطلبوني ولا يطلبون من غيري، {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]؛ لكي يهتدوا بي؛ إذ يسألونك عني ولا يسألونك عن غيري، كما أن قوماً {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ}تفسير : [الأنفال: 1]، وقوماً {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ}تفسير : [البقرة: 220]، وقوماً {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ}تفسير : [الإسراء: 85] فإن قيل فلم لا تستجاب بعض الأدعية وقد وعد الله الإجابة بقوله: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]، وبقوله: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر: 60]، فالجواب عنه إنما لا تستجاب بعض الأدعية؛ لأن الداعي ترك بعض أركانه وشروطه، فإن للدعاء المستجاب أسباباً وشرائطاً وهي كثيرة منها ما يتعلق بالعموم كما مر ذكر بعضها وليس هاهنا موضعه، ومنها ما يتعلق بالخصوص وهي التزكية والتحلية، والإجابة موثوقة على تزكية الداعي فعليه أن يزكى البدن أولاً فليصلحه ولو بلقمة الحلال، فقد قيل: الدعاء مفتاح باب السماء، وأسنانه لقم الحلال، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الرجل يطيل السفر يمد يده إلى السماء أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب ومطعمه حارم وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك"تفسير : ويزكي نفسه ويطهرها عن أوصاف البشرية والأخلاق الذميمة فإنه هو الأصل في الاستجابة؛ لكونها قاطعات لطريق الدعاء وفي الحديث: "حديث : إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب"،تفسير : ويزكي نفسه عن رين تعلقات الإنسان من النفساني والروحاني ويصفيه بالأذكار، وينوره بنور الأخلاق الرباني، فإن هذه أسباب القربة؛ لرفع الدعاء إلى الله تعالى، ما قال الله تعالى: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}تفسير : [فاطر: 10] ويزكي الروح عن دنس التفات لغيره؛ ليتعرض لنفحات ألطاف الحق، ويزكي اسر عن وخيمة الشرك بتوجهه إلى الحق في الدعاء؛ لطلب الحق لا لطلب غير الحق؛ ليستجاب دعاؤه ولا يخيب رجاؤه، كما قال تعالى: "حديث : ألا من طلبني وجدني من طلب غير لم يجدني"،تفسير : وإن الله تعالى وعد الإجابة بالدعاء فإني {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ} أي: دعاءه، {إِذَا دَعَانِ}؛ أي: إذا طلبني، وكذا قال تعالى: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر: 60]؛ أي أطلبوني. وقال تعالى: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}تفسير : [النمل: 62]، والمضطر من لم يكن له غير الله أن يطلبه من الله فيكون مضطراً في طلب الله من الله فلا يطلب من الله غير الله، فمن أضل ببعض هذه الشرائط في الدعاء فلم يلزمه الإجابة كمن أضل بركن من أركان الصلاة، لم يلزمه القبول إلا أنه الجبار فيجبر كل خليل وكسر يكون في أعمال العباد وبفضله وكرمه، وفي الحقيقة أن إفضاله مع العباد مقدم على أعمالهم، وإنه ليعطي قبل السؤال ويتحقق مراد العبد بعد سؤاله بجميع النوال. ثم أخبر عن تفضله بالنوال قبل السؤال بقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} [البقرة: 187]، والإشارة في تحقيق الآية أن لخواص الإنسان بحسب تزكيهم من الروحاني والحيواني تلوناً في الأحوال لا بد لهم منه، فتارة يكونون بحكم غلبات الصفات الروحانية والواردات الربانية في ضياء نهار الروحانية النورانية، ففي تلك الحالة لهم سكر يغنيهم عن المشارب النفسانية، فيصومون عن الحظوظ الإنسانية، وبقوا مع تلك الحالة لتلاشت نفوسهم بسطوات صفات الجلال، وطاشت أراحهم، وما عاشت أبدانهم، كما منَّ الله عليهم بقوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ}تفسير : [القصص: 72]. وتارة يكون بحسب الدواعي والحاجات الحيوانية مردودين إلى ليلة ظلمات الصفات الإنسانية، وفي تلك الحالة لهم صحو يعيدهم إلى أحكام عادات طبائع الحيوانية، ولو بقوا على تلك الحالة لماتت قلوبهم بهجوم الآفات وفات لهم من الحقوق ما فات، كما قال تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [القصص: 72]، فخصهم الله تعالى بنهار في كشف أستار الرحمة؛ ليسكنوا فيها ويستريحوا بها. وقال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ} [البقرة: 187]؛ أي ليلة تستريحون فيها وتستعدون لصيام غداتها؛ يعني: إن لم يكن ليلة الصيام ما أحل لكم فيها {ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ}، وهي التمتعات النفسانية من الأمتعة الدنياوية المسخرة للنفس؛ لنفوذ تصرفها فيها تصرف الرجال في النساء الاستيفاء الحظوظ تقوية على أداء الحقوق ولا تكون مسخرة لها؛ لينفذ فيها تصرفها، {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ} [البقرة: 187]؛ أي: التمتعات بالحظوظ الإنسانية ستر لكم؛ ليحميكم عن حرارة شموس الشهود بلباس ظلمات صفات الوجود؛ كيلا تحرقكم سطوات تجلي صفات الجلال، {وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187]؛ أي: بلباس صفاتكم الحميدة وأنوار أعمالكم الصالحة تسترون معايب الدنيا وتمتعاتكم بمتاع شهوات النفس ولذاتها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نعم المال الصالح للرجل الصالح"،تفسير : والمال هو الملعون الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه: "حديث : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه"،تفسير : فصار الملعون صالحاً ولقب بنعم إذا آمن بصلاح الرجل الصالح. {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ} [البقرة: 187] في خصوصية البشرية، {تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 187] باستيفاء حظوظكم الحيوانية في ليالي الطلب من ضعفكم واستيلاء شهواتكم، {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 187] بنظر العناية إلى قلوبكم، {وَعَفَا عَنْكُمْ} [البقرة: 187]؛ أي: محا آثار ظلمات صفاتكم بأنواع هدايته عنكم، {فَٱلآنَ} [البقرة: 187]؛ أي: في هذه الحالة، {بَٰشِرُوهُنَّ} [البقرة: 187]، رخص لكم في مباشرة الحظوظ النفسانية بقدر الحاجة للضرورة الإنسانية بالأمر لا بالطبع، {وَٱبْتَغُواْ} [البقرة: 187] بقوة هذه المباشرة، {مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} [البقرة: 187] من المقامات العلية والدرجات الرفيعة، {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} [البقرة: 187]؛ أي: تمتعوا بالحظوظ؛ لرفع الحاجات الإنسانية في ليالي الصحو، {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ} [البقرة: 187]؛ أي: تظهر آثار أنوار شمس صفات الجلال وتمحو ظلمات الصفات والآمال في نهار السكر، {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ} [البقرة: 187]، بالامتناع عن الاستمتاع عن المشارب الروحانية والحيوانية، {إِلَى ٱلَّليْلِ} [البقرة: 187]؛ أي: ليل الصحو بعد السكر. فكما أن الرزق منقسم إلى حالة قبض وإلى حالة بسط، فالأحوال أيضاً تنقسم إلى قبض وبسط وزيادة ونقص وجدب وخصب وفرق وجمع وأخذ ورد وكشف وستر وصحو وإثبات ومحو وفناء وبقاء وتلوين وتمكين، قال قائلهم: شعر : كان سناءً لم يزل إذاً أبدا كان سناءً لم يكن إذا مضى تفسير : وقيل: شعر : إذا أكرمتني تجلَّى لطفٌ كأني لم أزل منكم سقيماً فإن فاجأني بخفي مكرٍ كأني لم أجد منكمُ نسيماً تفسير : {وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ} أي: وتشغلوا القلوب بالحظوظ، ولا الأرواح بالاستدراج، ولا الأسرار بالاستظهار عن الأغيار، {وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ} [البقرة: 187]؛ أي: مقيمون في مقامات القربة والوصلة، مجاورون في حظائر القدس ومجالس الأنس؛ يعني: عند احتياج النفس بالضروريات الإنسانية في بعض الأوقات وإشغالها بها، كونوا بالضرورة فيها، وبالقلوب والأرواح والأسرار كائنين مع الحق بعيدين عن الخلق، وهذا مقام أهل التمكين، فإنكم إن كنتم مشاغيل بنفوسكم كنتم محجوبين فيكم بكم عنا، وإذا كنتم قائمين بنا فينا فلا تعودوا منا إليكم، {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} [البقرة: 187]؛ أي: تلك القربة والوصلة والاعتكاف والتبتل إلى الله حدود الله، {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187]، بالخروج عنها يا أهل الكشوف والعكوف، ولا تقربوها بالدخول فيها يا أهل الكسوف والخسوف. شعر : بأي نواحي الأرض أبغي وصالكم وأنتم ملوك ما لقصدكم نحو تفسير : {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ} [البقرة: 187] يظهر الله، {ءَايَٰتِهِ} [البقرة: 187] ودلائله وبراهنيه، {لِلنَّاسِ} [البقرة: 187] أهل الصدق والطلب، {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187] بأنوار العواطف والجود عن ظلمات شركة الوجود. ثم أخبر عن فساد الأحوال من أكل الأموال بقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} [البقرة: 188]، والإشارة فيها أن الأموال خلقت لمصالح قوام النفس، وأن النفس خلقت للقيام بمراسم العبودية؛ لقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56]، {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ}تفسير : [التوبة: 111]؛ ليعلموا أن ليس لهم الأموال والأنفس وإنما هي لله، فلا تتصرفوا في الأموال والأنفس إلا بأمر الله تعالى، ثم قال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 188]؛ أي: الأموال التي اشترى الله منكم بالباطل؛ أي: بهوى النفس والحرص والشهوة والإسراف على الغفلة، وكلوا بالحق بالأمر بالقناعة والتقوية على الطاعة والقيام بالعبودية. {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ} [البقرة: 188]؛ أي: ولا تدلوا إلى الحكام؛ وهي: النفس الأمارة بالسوء، {لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ} [البقرة: 188]؛ أي: من الأموال التي خلقت للاستعانة على العبودية، {بِٱلإِثْمِ} [البقرة: 188]؛ أي: بالقطيعة والغفلة مستعيناً بها على المعصية كالحيوانات والبهائم؛ لتأكلوا بحظ النفس البهيمية فيكون حالكم ومرجعكم ومثواكم النار؛ لقوله تعالى: {أية : وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ}تفسير : [محمد: 12]، {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} حاصل الأمر ولا تعلمون.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا جواب سؤال، سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه فقالوا: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزل: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } لأنه تعالى، الرقيب الشهيد، المطلع على السر وأخفى، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهو قريب أيضا من داعيه، بالإجابة، ولهذا قال: { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة. والقرب نوعان: قرب بعلمه من كل خلقه، وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق. فمن دعا ربه بقلب حاضر، ودعاء مشروع، ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء، كأكل الحرام ونحوه، فإن الله قد وعده بالإجابة، وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء، وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية، والإيمان به، الموجب للاستجابة، فلهذا قال: { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة. ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره، سبب لحصول العلم كما قال تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا }.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 63 : 30 - سفين عن بن جريج عن عطاء (قال، لما نزلت) {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}تفسير : [غافر: 60] قالوا: "لو علمنا أي ساعة هي". قال، فنزلت {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} إلى آخر الآية. [الآية 186].
همام الصنعاني
تفسير : 196- عبد الرزاق، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، ...................................................... عن عوف، عن الحسن، قال: سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: أ ين ربنا؟ فأنزل الله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}: [الآية: 186].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):