Verse. 194 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَۃَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ اِلٰى نِسَاۗىِٕكُمْ۝۰ۭ ھُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَاَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّہُنَّ۝۰ۭ عَلِمَ اللہُ اَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُوْنَ اَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ۝۰ۚ فَالْئٰنَ بَاشِرُوْھُنَّ وَابْتَغُوْا مَا كَتَبَ اللہُ لَكُمْ۝۰۠ وَكُلُوْا وَاشْرَبُوْا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْاَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْاَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ۝۰۠ ثُمَّ اَتِمُّوا الصِّيَامَ اِلَى الَّيْلِ۝۰ۚ وَلَا تُـبَاشِرُوْھُنَّ وَاَنْتُمْ عٰكِفُوْنَ۝۰ۙ فِي الْمَسٰجِدِ۝۰ۭ تِلْكَ حُدُوْدُ اللہِ فَلَا تَقْرَبُوْھَا۝۰ۭ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللہُ اٰيٰتِہٖ لِلنَّاسِ لَعَلَّہُمْ يَتَّقُوْنَ۝۱۸۷
Ohilla lakum laylata alssiyami alrrafathu ila nisaikum hunna libasun lakum waantum libasun lahunna AAalima Allahu annakum kuntum takhtanoona anfusakum fataba AAalaykum waAAafa AAankum faalana bashiroohunna waibtaghoo ma kataba Allahu lakum wakuloo waishraboo hatta yatabayyana lakumu alkhaytu alabyadu mina alkhayti alaswadi mina alfajri thumma atimmoo alssiyama ila allayli wala tubashiroohunna waantum AAakifoona fee almasajidi tilka hudoodu Allahi fala taqrabooha kathalika yubayyinu Allahu ayatihi lilnnasi laAAallahum yattaqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أُحلَّ لكم ليلة الصيام الرفث» بمعنى الإفضاء «إلى نسائكم» بالجماع، نزل نسخا لما كان في صدر الإسلام على تحريمه وتحريم الأكل والشرب بعد العشاء «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن» كناية عن تعانقهما أو احتياج كل منهما إلى صاحبه «علم الله أنكم كنتم تختانون» تخونون «أنفسكم» بالجماع ليلة الصيام وقع ذلك لعمر وغيره واعتذروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم «فتاب عليكم» قبل توبتكم «وعفا عنكم فالآن» إذ أحل لكم «باشروهن» جامعوهن «وابتغوا» اطلبوا «ما كتب الله لكم» أي أباحه من الجماع أو قدره من الولد «وكلوا واشربوا» الليل كله «حتى يتبيَّن» يظهر «لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر» أي الصادق بيان للخيط الأبيض وبيان الأسود محذوف أي من الليل شبه ما يبدو من البياض وما يمتد معه من الغبش بخيطين أبيض وأسود في الامتداد «ثم أتُّموا الصيام» من الفجر «إلى الليل» أي إلى دخوله بغروب الشمس «ولا تباشروهن» أي نساءكم «وأنتم عاكفون» مقيمون بنية الاعتكاف «في المساجد» متعلق بعاكفون نهيٌ لمن كان يخرج وهو معتكف فيجامع امرأته ويعود «تلك» الأحكام المذكورة «حدود الله» حدَّها لعباده ليقفوا عندها «فلا تقربوها» أبلغ من لا تعتدوها المعبر به في آية أخرى «كذلك» كما بيَّن لكم ما ذكر «يُبيِّن الله آياته للناس لعلهم يتقون» محارمه.

187

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: أنه ذهب جمهور المفسرين إلى أن في أول شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، كان الصائم إذا أفطر حل له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام وأن لا يصلي العشاء الأخيرة فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بهذه الآية، وقال أبو مسلم الأصفهاني هذه الحرمة ما كانت ثابتة في شرعنا ألبتة، بل كانت ثابتة في شرع النصارى، والله تعالى نسخ بهذه الآية ما كان ثابتاً في شرعهم، وجرى فيه على مذهبه من أنه لم يقع في شرعنا نسخ ألبتة، واحتج الجمهور على قولهم بوجوه. الحجة الأولى: أن قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } تفسير : [البقرة: 183] يقتضي تشبيه صومنا بصومهم، وقد كانت هذه الحرمة ثابتة في صومهم، فوجب بحكم هذا التشبيه أن تكون ثابتة أيضاً في صومنا، وإذا ثبت أن الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، وهذه الآية ناسخة لهذه الحرمة لزم أن تكون هذه الآية ناسخة لحكم كان ثابتاً في شرعنا. الحجة الثانية: التمسك بقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ } ولو كان هذا الحل ثابتا لهذه الأمة من أول الأمر لم يكن لقوله {أُحِلَّ لَكُمْ } فائدة. الحجة الثالثة: التمسك بقوله تعالى: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } ولو كان ذلك حلالاً لهم لما كان بهم حاجة إلى أن يختانون أنفسهم. الحجة الرابعة: قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ } ولولا أن ذلك كان محرماً عليهم وأنهم أقدموا على المعصية بسبب الإقدام على ذلك الفعل، لما صح قوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ }. الحجة الخامسة: قوله تعالى: {فَٱلآنَ بَـٰشِرُوهُنَّ } ولو كان الحل ثابتا قبل ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله: {فَٱلآنَ بَـٰشِرُوهُنَّ } فائدة. الحجة السادسة: هي أن الروايات المنقولة في سبب نزول هذه الآية دالة على أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، هذا مجموع دلائل القائلين بالنسخ، أجاب أبو مسلم عن هذه الدلائل فقال: أما الحجة الأولى: فضعيفة لأنا بينا أن تشبيه الصوم بالصوم يكفي في صدقه مشابهتهما في أصل الوجوب. وأما الحجة الثانية: فضعيفة أيضاً لأنا نسلم أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرع من قبلنا، فقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ } معناه أن الذي كان محرماً على غيركم فقد أحل لكم. وأما الحجة الثالثة: فضعيفة أيضاً، وذلك لأن تلك الحرمة كانت ثابتة في شرع عيسى عليه السلام، وأن الله تعالى أوجب علينا الصوم، ولم يبين في ذلك الإيجاب زوال تلك الحرمة فكان يخطر ببالهم أن تلك الحرمة كانت ثابتة في الشرع المتقدم، ولم يوجد في شرعنا ما دل على زوالها فوجب القول ببقائها، ثم تأكد هذا الوهم بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } فإن مقتضى التشبيه حصول المشابهة في كل الأمور، فلما كانت هذه الحرمة ثابتة في الشرع المتقدم وجب أن تكون ثابتة في هذا الشرع، وإن لم تكن حجة قوية إلا أنها لا أقل من أن تكون شبهة موهمة فلأجل هذه الأسباب كانوا يعتقدون بقاء تلك الحرمة في شرعنا، فلا جرم شددوا وأمسكوا عن هذه الأمور فقال الله تعالى: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } وأراد به تعالى النظر للمؤمنين بالتخفيف لهم بما لو لم تتبين الرخصة فيه لشددوا وأمسكوا عن هذه الأمور ونقصوا أنفسهم من الشهوة، ومنعوها من المراد، وأصل الخيانة النقص، وخان واختان وتخون بمعنى واحد كقولهم: كسب واكتسب وتكسب، فالمراد من الآية: علم الله أنه لو لم يتبين لكم إحلال الأكل والشرب والمباشرة طول الليل أنكم كنتم تنقصون أنفسكم شهواتها وتمنعونها لذاتها ومصلحتها بالإمساك عن ذلك بعد النوم كسنة النصارى. وأما الحجة الرابعة: فضعيفة لأن التوبة من العباد الرجوع إلى الله تعالى بالعبادة ومن الله الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان، وأما العفو فهو التجاوز فبين الله تعالى إنعامه علينا بتخفيف ما جعله ثقيلاً على من قبلنا كقوله: {أية : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [الأعراف: 157]. وأما الحجة الخامسة: فضعيفة لأنهم كانوا بسبب تلك الشبهة ممتنعين عن المباشرة، فلما بين الله تعالى ذلك وأزال الشبهة فيه لا جرم قال: {فَٱلئَـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ }. وأما الحجة السادسة: فضعيفة لأن قولنا: هذه الآية ناسخة لحكم كان مشروعاً لا تعلق له بباب العمل ولا يكون خبر الواحد حجة فيه، وأيضاً ففي الآية ما يدل على ضعف هذه الروايات لأن المذكور في تلك الروايات أن القوم اعترفوا بما فعلوا عند الرسول، وذلك على خلاف قول الله تعالى: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } لأن ظاهره هو المباشرة، لأنه افتعال من الخيانة، فهذا حاصل الكلام في هذه المسألة. المسألة الثانية: القائلون بأن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، ثم إنها نسخت ذكروا في سبب نزول هذه الآية أنه كان في أول الشريعة يحل الأكل والشرب والجماع، ما لم يرقد الرجل أو يصل العشاء الآخرة، فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء إلى الليلة الآتية، فجاء رجل من الأنصار عشية وقد أجهده الصوم، واختلفوا في اسمه، فقال معاذ: اسمه أبو صرمة، وقال البراء: قيس بن صرمة، وقال الكلبـي: أبو قيس بن صرمة، وقيل: صرمة بن أنس، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبب ضعفه فقال: يا رسول الله عملت في النخل نهاري أجمع حتى أمسيت فأتيت أهلي لتطعمني شيئاً فأبطأت فنمت فأيقظوني، وقد حرم الأكل فقام عمر فقال: يا رسول الله أعتذر إليك من مثله. رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء الآخرة، فأتيت امرأتي، فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : لم تكن جديراً بذلك يا عمر تفسير : ثم قام رجال فاعترفوا بالذي صنعوا فنزل قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ }. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف»: قرىء {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ ٱلرَّفَثُ } أي أحل الله وقرأ عبد الله {الرفوث}. المسألة الرابعة:قال الواحدي: ليلة الصيام أراد ليالي الصيام فوقع الواحد موقع الجماعة، ومنه قول العباس بن مرادس:شعر : فقلنا أسلموا إنا أخوكم فقد برئت من الأحن الصدور تفسير : وأقول فيه وجه آخر وهو أنه ليس المراد من { لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ } ليلة واحدة بل المراد الإشارة إلى الليلة المضافة إلى هذه الحقيقة. المسألة الخامسة: قال الليث: الرفث أصله قول الفحش، وأنشد الزجاج:شعر : ورب أسراب حجيج كقلم عن اللغا ورفث التكلم تفسير : يقال رفث في كلامه يرفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح قال تعالى: {أية : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ } تفسير : [البقرة: 197] وعن ابن عباس أنه أنشد وهو محرم:شعر : وهن يمشين بنا هميساً أن يصدق الطير ننك لميسا تفسير : فقيل له: أترفث؟ فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء فثبت أن الأصل في الرفث هو قول الفحش ثم جعل ذلك اسما لما يتكلم به عند النساء من معاني الإفضاء، ثم جعل كناية عن الجماع وعن كل ما يتبعه. فإن قيل: لم كنى ههنا عن الجماع بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله: {أية : وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } تفسير : [النساء: 21] {أية : فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} تفسير : [الأعراف: 189] {أية : أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 43] {أية : دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } تفسير : [النساء: 23] {أية : فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } تفسير : [البقرة: 223] {أية : مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } تفسير : [البقرة: 236] {أية : فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } تفسير : [النساء: 24] {أية : وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ } تفسير : [البقرة: 222]. جوابه: السبب فيه استهجان ما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختيانا لأنفسهم، والله اعلم. المسألة السادسة: قال الأخفش: إنما عدى الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله: {أية : وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } تفسير : [النساء: 21]. المسألة السابعة: قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ ٱلرَّفَثُ } يقتضي حصول الحل في جميع الليل لأن {لَيْلَةَ } نصب على الظرف، وإنما يكون الليل ظرفاً للرفث لو كان الليل كله مشغولا بالرفث، وإلا لكان ظرف ذلك الرفث بعض الليل لاكله، فعلى هذا النسخ حصل بهذا اللفظ، وأما الذي بعده في قوله: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ } فذاك يكون كالتأكيد لهذا النسخ، وأما الذي يقول: إن قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ ٱلرَّفَثُ } يفيد حل الرفث في الليل، فهذا القدر لا يقتضي حصول النسخ به فيكون الناسخ هو قوله: {كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ }. أما قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا في تشبيه الزوجين باللباس وجوها أحدها: أنه لما كان الرجل والمرأة يعتنقان، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، سمي كل واحد منهما لباساً، قال الربيع: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن، وقال ابن زيد: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، يريد أن كل واحد منهما يستر صاحبه عند الجماع عن أبصار الناس وثانيها: إنما سمي الزوجان لباساً ليستر كل واحد منهما صاحبه عما لا يحل، كما جاء في الخبر «حديث : من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه»تفسير : وثالثها: أنه تعالى جعلها لباساً للرجل، من حيث إنه يخصها بنفسه، كما يخص لباسه بنفسه، ويراها أهلاً لأن يلاقي كل بدنه كل بدنها كما يعمله في اللباس ورابعها: يحتمل أن يكون المراد ستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت، لو لم تكن المرأة حاضرة، كما يستتر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار وخامسها: ذكر الأصم أن المراد أن كل واحد منهما كان كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي يفعلونه، وهذا ضعيف لأنه تعالى أورد هذا الوصف على طريق الإنعام علينا، فكيف يحمل على التستر بهن في المحظور. المسألة الثانية: قال الواحدي: إنما وحد اللباس بعد قوله {هُنَّ } لأنه يجري مجرى المصدر، وفعال من مصادر فاعل، وتأويله: هن ملابسات لكم. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف»: فإن قلت: ما موقع قوله: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ } فنقول: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا حصلت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن، وضعف عليكم اجتنابهن، فلذلك رخص لكم في مباشرتهن. أما قوله تعالى: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: يقال: خانه يخونه خوناً وخيانة إذا لم يف له، والسيف إذا نبا عن الضربة فقد خانك، وخانه الدهر إذا تغير حاله إلى الشر، وخان الرجل الرجل إذا لم يؤد الأمانة، وناقض العهد خائن، لأنه كان ينتظر منه الوفاء فغدر، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً } تفسير : [الأنفال: 58] أي نقضاً للعهد، ويقال للرجل المدين: إنه خائن، لأنه لم يف بما يليق بدينه، ومنه قوله تعالى: {أية : لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ } تفسير : [الأنفال: 27] وقال: {أية : وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ } تفسير : [الأنفال: 71] ففي هذه الآية سمى الله المعصية بالخيانة، وإذا علمت معنى الخيانة، فقال صاحب «الكشاف»: الاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة. المسألة الثانية: أن الله تعالى ذكر ههنا أنهم كانوا يختانون أنفسهم، إلا أنه لم يذكر أن تلك الخيانة كانت فيماذا؟ فلا بد من حمل هذه الخيانة على شيء يكون له تعلق بما تقدم وما تأخر، والذي تقدم هو ذكر الجماع، والذي تأخر قوله: {فَٱلئَـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ } فيجب أن يكون المراد بهذه الخيانة الجماع، ثم ههنا وجهان: أحدهما: علم الله أنكم كنتم تسرون بالمعصية في الجماع بعد العتمة والأكل بعد النوم وتركبون المحرم من ذلك وكل من عصى الله ورسوله فقد خان نفسه وقد خان الله، لأنه جلب إليها العقاب، وعلى هذا القول يجب أن يقطع على أنه وقع ذلك من بعضهم لأنه لا يمكن حمله على وقوعه من جميعهم، لأن قوله: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } إن حمل على ظاهره وجب في جميعهم أن يكونوا مختانين لأنفسهم، لكنا قد علمنا أن المراد به التبعيض للعادة والإخبار، وإذا صح ذلك فيجب أن يقطع على وقوع هذا الجماع المحظور من بعضهم، فمن هذا الوجه يدل على تحريم سابق وعلى وقوع ذلك من بعضهم، ولأبـي مسلم أن يقول قد بينا أن الخيانة عبارة عن عدم الوفاء بما يجب عليه فأنتم حملتموه على عدم الوفاء بطاعة الله، ونحن حملناه على عدم الوفاء بما هو خير للنفس وهذا أولى، لأن الله تعالى لم يقل: علم الله أنكم كنتم تختانون الله، كما قال: {أية : لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ } تفسير : [الأنفال: 27] ما قال: {كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } فكان حمل اللفظ على ما ذكرناه إن لم يكن أولى فلا أقل من التساوي وبهذا التقدير لا يثبت النسخ. القول الثاني: أن المراد: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم لو دامت تلك الحرمة ومعناه: أن الله يعلم أنه لو دام ذلك التكليف الشاق لوقعوا في الخيانة، وعلى هذا التفسير ما وقعت الخيانة ويمكن أن يقال التفسير الأول أولى لأنه لا حاجة فيه إلى إضمار الشرط وأن يقال بل الثاني أولى، لأن على التفسير الأول يصير إقدامهم على المعصية سبباً لنسخ التكليف، وعلى التقدير الثاني: علم الله أنه لو دام ذلك التكليف لحصلت الخيانة فصار ذلك سبباً لنسخ التكليف رحمة من الله تعالى على عباده حتى لا يقعوا في الخيانة. أما قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ } فمعناه على قول أبـي مسلم فرجع عليكم بالاذن في هذا الفعل والتوسعة عليكم وعلى قول مثبتي النسخ لا بد فيه من إضمار تقديره: تبتم فتاب عليكم فيه. أما قوله تعالى: {وَعَفَا عَنكُمْ } فعلى قول أبـي مسلم معناه وسع عليكم أن أباح لكم الأكل والشرب والمعاشرة في كل الليل ولفظ العفو قد يستعمل في التوسعة والتخفيف قال عليه السلام: «حديث : عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» تفسير : وقال «حديث : أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله» تفسير : والمراد منه التخفيف بتأخير الصلاة إلى آخر الوقت ويقال: أتاني هذا المال عفوا، أي سهلا فثبت أن لفظ العفو غير مشعر بسبق التحريم، وأما على قول مثبتي النسخ فقوله: {عَفَا عَنْكُمْ } لا بد وأن يكون تقديره: عفا عن ذنوبكم، وهذا مما يقوي أيضاً قول أبـي مسلم لأن تفسيره لا يحتاج إلى الإضمار وتفسير مثبتي النسخ يحتاج إلى الإضمار. أما قوله تعالى: {فَٱلئَـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا أمر وارد عقب الخطر فالذين قالوا: الأمر الوارد عقيب الخطر ليس إلا للإباحة، كلامهم ظاهر وأما الذين قالوا: مطلق الأمر للوجوب قالوا إنما تركنا الظاهر وعرفنا كون هذا الأمر للاباحة بالإجماع. المسألة الثانية: المباشرة فيها قولان: أحدهما: وهو قول الجمهور أنها الجماع، سمي بهذا الاسم لتلاصق البشرتين وإنضمامهما، ومنها ما روي أنه عليه السلام نهى أن يباشر الرجل الرجل، والمرأة المرأة الثاني: وهو قول الأصم: أنه الجماع فما دونه وعلى هذا الوجه اختلف المفسرين في معنى قوله: {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَـٰجِدِ } فمنهم من حمله على كل المباشرات ولم يقصره على الجماع والأقرب أن لفظ المباشرة لما كان مشتقاً من تلاصق البشرتين لم يكن مختصاً بالجماع بل يدخل فيه الجماع فيما دون الفرج، وكذا المعانقة والملامسة إلا أنهم إنما اتفقوا في هذه الآية على أن المراد به هو الجماع لأن السبب في هذه الرخصة كان وقوع الجماع من القوم، ولأن الرفث المتقدم ذكره لا يراد به إلا الجماع إلا أنه لما كان إباحة الجماع تتضمن إباحة ما دونه صارت إباحته دالة على إباحة ما عداه، فصح ههنا حمل الكلام على الجماع فقط، ولما كان في الاعتكاف المنع من الجماع لا يدل على المنع مما دونه صلح اختلاف المفسرين فيه، فهذا هو الذي يجب أن يعتمد عليه، على ما لخصه القاضي. أما قوله: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في الآية وجوها أحدها: وابتغوا ما كتب الله لكم من الولد بالمباشرة أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها، ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل قال عليه السلام: «حديث : تناكحوا تناسلوا تكثروا» تفسير : وثانيها: أنه نهى عن العزل، وقد رويت الأخبار في كراهية ذلك وقال الشافعي: لا يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها ولا بأس أن يعزل عن الأمة وروى عاصم عن زر بن حبيش عن علي رضي الله عنه أنه كان يكره العزل، وعن أبـي هريرة أن النبـي صلى الله عليه وسلم نهى أن يعزل عن الحرة إلا باذنها وثالثها: أن يكون المعنى: ابتغوا المحل الذي كتب الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم ونظيره قوله تعالى: {أية : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ }تفسير : [البقرة: 222] ورابعها: أن هذا التأكيد تقديره: فالآن باشروهن وابتغوا هذه المباشرة التي كتبها لكم بعد أن كانت محرمة عليكم وخامسها: وهو على قول أبـي مسلم: فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم، يعني هذه المباشرة التي كان الله تعالى كتبها لكم وإن كنتم تظنوها محرمة عليكم وسادسها: أن مباشرة الزوجة قد تحرم في بعض الأوقات بسبب الحيض والنفاس والعدة والردة فقوله: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ } يعني لا تباشروهن إلا في الأحوال والأوقات التي أذن لكم في مباشرتهن وسابعها: أن قوله: {فَٱلئَـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ } إذن في المباشرة وقوله: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ } يعني لا تبتغوا هذه المباشرة إلا من الزوجة والمملوكة لأن ذلك هو الذي كتب الله لكم بقوله: {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } تفسير : [المؤمنون: 6] وثامنها: قال معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبـي الجوزاء: يعني اطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب فيها إن وجدتموها، وجمهور المحققين استبعدوا هذا الوجه، وعندي أنه لا بأس به، وذلك هو أن الإنسان ما دام قلبه مشتغلا بطلب الشهوة واللذة، لا يمكنه حينئذ أن يتفرغ للطاعة والعبودية والحضور، أما إذا قضى وطره وصار فارغاً من طلب الشهوة يمكنه حينئذ أن يتفرغ للعبودية، فتقدير الآية: فالآن باشروهن حتى تتخلصوا من تلك الخواطر المانعة عن الإخلاص في العبودية، وإذا تخلصتم منها فابتغوا ما كتب الله من الاخلاص في العبودية في الصلاة والذكر والتسبيح والتهليل وطلب ليلة القدر، ولا شك أن هذه الرواية على هذا التقدير غير مستبعدة. المسألة الثانية: {كَتَبَ } فيه وجوه أحدها: أن {كَتَبَ} في هذا الموضوع بمعنى جعل، كقوله: {أية : كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـٰنَ } تفسير : [المجادله: 22] أي جعل، وقوله: {أية : فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } تفسير : [آل عمران: 53] {أية : فسأكتبها لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } تفسير : [الأعراف: 156] أي اجعلها وثانيها: معناه قضى الله لكم كقوله: {أية : قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا } تفسير : [التوبة: 51] أي قضاه، وقوله: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } تفسير : [المجادلة: 21] وقوله: {أية : لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ } تفسير : [آل عمران: 154] أي قضى، وثالثها: أصله هو ما كتب الله في اللوح المحفوظ مما هو كائن، وكل حكم حكم به على عباده فقد أثبته في اللوح المحفوظ ورابعها: هو ما كتب الله في القرآن من إباحة هذه الأفعال. المسألة الثالثة: قرأ ابن عباس {وَٱبْتَغُواْ } وقرأ الأعمش {وابغوا}. أما قوله: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } فالفائدة في ذكرهما أن تحريمهما وتحريم الجماع بالليل بعد النوم، لما تقدم احتيج في إباحة كل واحد منها إلى دليل خاص يزول به التحريم، فلو اقتصر تعالى على قوله: {فَٱلئَـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ } لم يعلم بذلك زوال تحريم الأكل والشرب، فقرن إلى ذلك قوله: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } لتتم الدلالة على الإباحة. أما قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: روي أنه لما نزلت هذه الآية قال عدي بن حاتم أخذت عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي، وكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما، فلم يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فضحك، وقال «حديث : إنك لعريض القفا، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل«تفسير : ، وإنما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنك لعريض القفا« تفسير : لأن ذلك مما يستدل به على بلاهة الرجل، ونقول: يدل قطعاً على أنه تعالى كنى بذلك عن بياض أول النهار وسواد آخر الليل، وفيه إشكال وهو أن بياض الصبح المشبه بالخيط الأسود هو بياض الصبح الكاذب، لأنه بياض مستطيل يشبه الخيط، فأما بياض الصبح الصادق فهو بياض مستدير في الأفق فكان يلزم بمقتضى هذه الآية أن يكون أول النهار من طلوع الصبح الكاذب وبالإجماع أنه ليس كذلك. وجوابه: أنه لولا قوله تعالى في آخر هذه الآية: {مِنَ ٱلْفَجْرِ } لكان السؤال لازماً، وذلك لأن الفجر إنما يسمى فجراً لأنه ينفجر منه النور، وذلك إنما يحصل في الصبح الثاني لا في الصبح الأول، فلما دلت الآية على أن الخيط الأبيض يجب أن يكون من الفجر، علمنا أنه ليس المراد منه الصبح الكاذب بل الصبح الصادق، فإن قيل: فكيف يشبه الصبح الصادق بالخيط، مع أن الصبح الصادق ليس بمستطيل والخيط مستطيل. وجوابه: أن القدر من البياض الذي يحرم هو أول الصبح الصادق، وأول الصبح الصادق لا يكون منتشراً بل يكون صغيراً دقيقاً، بل الفرق بينه وبين الصبح الكاذب أن الصبح الكاذب يطلع دقيقاً، والصادق يبدو دقيقاً، ويرتفع مستطيلاً فزال السؤال، فأما ما حكي عن عدي بن حاتم فبعيد، لأنه يبعد أن يخفى على مثله هذه الإستعارة مع قوله تعالى: {مِنَ ٱلْفَجْرِ }. المسألة الثانية: لا شك أن كلمة {حَتَّىٰ } لانتهاء الغاية، فدلت هذه الآية على أن حل المباشرة والأكل والشرب ينتهي عند طلوع الصبح، وزعم أبو مسلم الأصفهاني لا شيء من المفطرات إلا أحد هذه الثلاثة، فأما الأمور التي تذكرها الفقهاء من تكلف القيء والحقنة والسعوط فليس شيء منها بمفطر، قال لأن كل هذه الأشياء كانت مباحة ثم دلت هذه الآية على حرمة هذه الثلاثة على الصائم بعد الصبح، فبقي ما عداها على الحل الأصلي، فلا يكون شيء منها مفطراً والفقهاء قالوا إن الله تعالى خص هذه الأشياء الثلاثة بالذكر لأن النفس تميل إليها، وأما القيء والحقنة فالنفس تكرههما، والسعوط نادر فلهذا لم يذكرها. المسألة الثالثة: مذهب أبـي هريرة والحسن بن صالح بن جني أن الجنب إذا أصبح قبل الاغتسال لم يكن له صوم، وهذه الآية تدل على بطلان قولهم لأن المباشرة إذا كانت مباحة إلى انفجار الصبح لم يمكنه الاغتسال إلا بعد انفجار الصبح. المسألة الرابعة: زعم الأعمش أنه يحل الأكل والشرب والجماع بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس قياساً لأول النهار على آخره، فكما أن آخره بغروب القرص، وجب أن يكون أوله بطلوع القرص، وقال في الآية أن المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود النهار والليل، ووجه الشبهة ليس إلا في البياض والسواد، فإما أن يكون التشبيه في الشكل مراداً فهذا غير جائز لأن ظلمة الأفق حال طلوع الصبح لا يمكن تشبيهها بالخيط الأسود في الشكل ألبتة، فثبت أن المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود هو النهار والليل ثم لما بحثنا عن حقيقة الليل في قوله: {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ } وجدناها عبارة عن زمان غيبة الشمس بدليل أن الله تعالى سمى ما بعد المغرب ليلاً مع بقاء الضوء فيه فثبت أن يكون الأمر في الطرف الأول من النهار كذلك، فيكون قبل طلوع الشمس ليلاً، وأن لا يوجد النهار إلا عند طلوع القرص، فهذا تقرير قول الأعمش، ومن الناس من سلم أن أول النهار إنما يكون من طلوع الصبح فقاس عليه آخر النهار، ومنهم من قال: لا يجوز الإفطار إلا بعد غروب الحمرة، ومنهم من زاد عليه وقال: بل لا يجوز الإفطار إلا عند طلوع الكواكب، وهذه المذاهب قد انقرضت، والفقهاء أجمعوا على بطلانها فلا فائدة في استقصاء الكلام فيها. المسألة الخامسة: {ٱلْفَجْرِ } مصدر قولك: فجرت الماء أفجره فجراً، وفجرته تفجيراً. قال الأزهري: الفجر أصله الشق، فعلى هذا الفجر في آخر الليل هو إنشقاق ظلمة الليل بنور الصبح، وأما في قوله تعالى: {مِنَ ٱلْفَجْرِ } فقيل للتبعيض لأن المعتبر بعض الفجر لا كله، وقيل للتبيين كأنه قيل: الخيط الأبيض الذي هو الفجر. المسألة السادسة: أن الله تعالى لما أحل الجماع والأكل والشرب إلى غاية تبين الصبح، وجب أن يعرف أن تبين الصبح ما هو؟ فنقول: الطريق إلى معرفة تبين الصبح إما أن يكون قطيعاً أو ظنياً، أما القطعي فبأن يرى طلوع الصبح أو يتيقن أنه مضى من الزمان ما يجب طلوع الصبح عنده وأما الظني فنقول: إما أن يحصل ظن أن الصبح طلع فيحرم الأكل والشرب والوقاع فإن حصل ظن أنه ما طلع كان الأكل والشرب والوقاع مباحاً، فإن أكل ثم تبين بعد ذلك أن ذلك الظن خطأ وأن الصبح كان قد طلع عند ذلك الأكل فقد اختلفوا، وكذلك إن ظن أن الشمس قد غربت فأفطر ثم تبين أنها ما كانت غاربة فقال الحسن: لا قضاء في الصورتين قياساً على ما لو أكل ناسياً، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي في رواية المزني عنه: يجب القضاء لأنه أمر بالصوم من الصبح إلى الغروب ولم يأت به وأما الناسي فعند مالك يجب عليه القضاء، وأما الباقون الذين سلموا أنه لا قضاء قالوا: مقتضى الدليل وجوب القضاء عليه أيضاً، إلا أنا أسقطناه عنه للنص، وهو ما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبـي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال: أكلت وشربت وأنا صائم فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : أطعمك الله وسقاك فأنت ضيف الله فتم صومك تفسير : . والقول الثالث: أنه إذا أخطأ في طلوع الصبح لا يجب القضاء، وإذا أخطأ في غروب الشمس يجب القضاء، والفرق أن الأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان، والثابت في الليل حل الأكل، وفي النهار حرمته، أما إذا لم يغلب على ظنه لا بقاء الليل ولا طلوع الصبح، بل بقي متوقفاً في الأمرين، فههنا يكره له الأكل والشرب والجماع، فإن فعل جاز، لأن الأصل بقاء الليل والله أعلم. أما قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن كلمة {إِلَىٰ } لانتهاء الغاية، فظاهر الآية أن الصوم ينتهي عند دخول الليل، وذلك لأن غاية الشيء مقطعه ومنتهاه، وإنما يكون مقطعاً ومنتهى إذا لم يبق بعد ذلك، وقد تجيء هذه الكلمة لا للانتهاء كما قوله تعالى: {أية : إِلَى ٱلْمَرَافِقِ } تفسير : [المائدة: 6] إلا أن ذلك على خلاف الدليل، والفرق بين الصورتين أن الليل ليس من جنس النهار، فيكون الليل خارجاً عن حكم النهار، والمرافق من جنس اليد فيكون داخلاً فيه، وقال أحمد بن يحيى: سبيل إلى الدخول والخروج، وكلا الأمرين جائز، تقول: أكلت السمكة إلى رأسها، وجائز أن يكون الرأس داخلاً في الأكل وخارجاً منه، إلا أنه لا يشك ذو عقل أن الليل خارج عن الصوم، إذ لو كان داخلاً فيه لعظمت المشقة ودخلت المرافق في الغسل أخذاً بالأوثق، ثم سواء قلنا إنه مجمل أو غير مجمل، فقد ورد الحديث الصحيح فيه، وهو ما روى عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وقد غربت الشمس فقد أفطر الصائم» تفسير : فهذا الحديث يدل على أن الصوم ينتهي في هذا الوقت. فأما أنه يجب على المكلف أن يتناول عند هذا الوقت شيئاً، فالدليل عليه ما روى الشافعي رضي الله تعالى عنه بإسناده عن ابن عمر أن النبـي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال، قيل: يا رسول الله تواصل، أي كيف تنهانا عن أمر أنت تفعله؟ فقال: «حديث : إني لست مثلكم إني أبيت عند ربـي يطعمني ويسقيني«تفسير : ، وقيل فيه معان أحدها: أنه كان يطعم ويسقى من طعام الجنة والثاني: أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : إني على ثقة من أني لو احتجت إلى الطعام أطعمني مواصلاً«تفسير : ، وحكى محمد بن جرير الطبري عن ابن الزبير، أنه كان يواصل سبعة أيام، فلما كبر جعلها خمساً، فلما كبر جداً جعلها ثلاثاً، فظاهر كلام الشافعي رضي الله عنه يدل على أن هذا النهي نهي تحريم، وقيل: هو نهي تنزيه، لأنه ترك للمباح، وعلى هذا التأويل صح فعل ابن الزبير، إذا عرفت هذا فنقول: إذا تناول شيئاً قليلاً ولو قطرة من الماء، فعلى ذلك هو بالخيار في الإستيفاء إلا أن يخاف المرء من التقصير في صوم المستأنف، أو في سائر العبادات، فيلزم حينئذ أن يتناول من الطعام قدراً يزول به هذا الخوف. المسألة الثانية: اختلفوا في أن الليل ما هو؟ فمن الناس من قال: آخر النهار على أوله، فاعتبروا في حصول الليل زوال آثار الشمس، كما حصل اعتبار زوال الليل عند ظهور آثار الشمس ثم هؤلاء منهم من اكتفي بزوال الحمرة، ومنهم من اعتبر ظهور الظلام التام وظهور الكواكب، إلا أن الحديث الذي رواه عمر يبطل ذلك وعليه عمل الفقهاء. المسألة الثالثة: الحنفية تمسكوا بهذه الآية في أن التبييت والتعيين غير معتبر في صحة الصوم، قالوا: الصوم في اللغة هو الإمساك، وقد وجد ههنا فيكون صائماً، فيجب عليه إتمامه، لقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ } فوجب القول بصحته، لأن الإمساك حرج ومشقة وعسر وهو منفي بقوله تعالى: {أية : مَّا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [الحج: 78] وقوله: {أية : وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ } تفسير : [البقرة: 185] ترك العمل به في الصوم الصحيح فيبقى غير الصحيح على الأصل، ثم نقول: مقتضى هذا الدليل، أن يصح صوم الفرض بنية بعد الزوال إلا أنا قلنا: الأقل يلحق بالأغلب فلا جرم أبطلنا الصوم بنية بعد الزوال وصححنا نيته قبل الزوال. المسألة الرابعة: الحنفية تمسكوا بهذه الآية في أن صوم النفل يجب إتمامه قالوا: لأن قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ } أمر وهو للوجوب، وهو يتناول كل الصيامات، والشافعية قالوا: هذا إنما ورد لبيان أحكام صوم الفرض، فكان المراد منه صوم الفرض. الحكـم السابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة الاعتكاف قوله تعالى: {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَـٰجِدِ }. اعلم أنه تعالى لما بين الصوم، وبين أن من حكمه تحريم المباشرة، كان يجوز أن يظن في الإعتكاف أن حاله كحال الصوم في أن الجماع يحرم فيه نهاراً لا ليلاً، فبين تعالى تحريم المباشرة فيه نهاراً وليلاً، فقال: {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَـٰجِدِ } ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رضي الله عنه: الإعتكاف اللغوي ملازمة المرء للشيء وحبس نفسه عليه، براً كان أو إثماً، قال تعالى: {أية : يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ } تفسير : [الأعراف: 138] والإعتكاف الشرعي: المكث في بيت الله تقرباً إليه، وحاصله راجع إلى تقييد اسم الجنس بالنوع بسبب العرف، وهو من الشرائع القديمة، قال الله تعالى: {أية : أن طَهّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ } تفسير : [البقرة: 125] وقال تعالى: {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَـٰجِدِ }. المسألة الثانية: لو لمس الرجل المرأة بغير شهوة جاز، لأن عائشة رضي الله عنها كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف، أما إذا لمسها بشهوة، أو قبلها، أو باشرها فيما دون الفرج، فهو حرام على المعتكف، وهل يبطل بها اعتكافه؟ للشافعي رحمه الله فيه قولان: الأصح أنه يبطل، وقال أبو حنيفة، لا يفسد الإعتكاف إذا لم ينزل، احتج من قال بالإفساد أن الأصل في لفظ المباشرة ملاقاة البشرتين، فقوله: {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ } منع من هذه الحقيقة، فيدخل فيه الجماع وسائر هذه الأمور، لأن مسمى المباشرة حاصل في كلها. فإن قيل: لم حملتم المباشرة في الآية المتقدمة على الجماع؟ قلنا: لأن ما قبل الآية يدل على أنه هو الجماع، وهو قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ ٱلرَّفَثُ } وسبب نزول تلك الآية يدل على أنه هو الجماع، ثم لما أذن في الجماع كان ذلك إذناً فيما دون الجماع بطريق الأولى، أما ههنا فلم يوجد شيء من هذه القرائن، فوجب إبقاء لفظ المباشرة على موضعه الأصلي وحجة من قال: إنها لا تبطل الإعتكاف، أجمعنا على أن هذه المباشرة لا تفسد الصوم والحج، فوجب أن لا تفسد الإعتكاف لأن الاعتكاف ليس أعلى درجة منهما والجواب: أن النص مقدم على القياس. المسألة الثالثة: اتفقوا على أن شرط الإعتكاف ليس الجلوس في المسجد وذلك لأن المسجد مميز عن سائر البقاع من حيث إنه بني لإقامة الطاعات فيه، ثم اختلفوا فيه فنقل عن علي رضي الله عنه أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام والحجة فيه قوله تعالى: {أية : أَن طَهّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ } تفسير : [البقرة: 125] فعين ذلك البيت لجميع العاكفين، ولو جاز الإعتكاف في غيره لما صح ذلك العموم وقال عطاء: لا يجوز إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة، لما روى عبد الله بن الزبير أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي» تفسير : وقال حذيفة: يجوز في هذين المسجدين وفي مسجد بيت المقدس لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» تفسير : وقال الزهري: لا يصح إلا في الجامع وقال أبو حنيفة: لا يصح إلا في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب، وقال الشافعي رضي الله عنه: يجوز في جميع المساجد، إلا أن المسجد الجامع أفضل حتى لا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة، واحتج الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية لأن قوله: {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَـٰجِدِ } عام يتناول كل المساجد. المسألة الرابعة: يجوز الإعتكاف بغير صوم والأفضل أن يصوم معه، وقال أبو حنيفة لا يجوز إلا بالصوم، حجة الشافعي رضي الله عنه هذه الآية، لأنه بغير الصوم عاكف والله تعالى منع العاكف من مباشرة المرأة ولو كان إعتكافه باطلاً لما كان ممنوعاً ترك العمل بظاهر اللفظ إذا ترك النية فيبقى فيما عداه على الأصل واحتج المزني بصحة قول الشافعي رضي الله عنهما بأمور ثلاثة الأول: لو كان الإعتكاف يوجب الصوم لما صح في رمضان، لأن الصوم الذي هو موجبه إما صوم رمضان وهو باطل لأنه واجب بسبب الشهر لا بسبب الاعتكاف، أو صوم آخر سوى صوم رمضان، وذلك ممتنع وحيث أجمعوا على أنه يصح في رمضان، علمنا أن الصوم لا يوجبه الإعتكاف والثاني: أنه لو كان الإعتكاف لا يجوز إلا مقارناً بالصوم لخرج الصائم بالليل عن الإعتكاف لخروجه فيه عن الصوم، ولما كان الأمر بخلاف ذلك، علمنا أن الإعتكاف يجوز مفرداً أبداً بدون الصوم والثالث: ما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف الله ليلة فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أوف بنذرك»تفسير : ومعلوم أنه لا يجوز الصوم في الليل. المسألة الخامسة: قال الشافعي رضي الله عنه: لا تقدير لزمان الإعتكاف فلو نذر اعتكاف ساعة ينعقد ولو نذر أن يعتكف مطلقاً يخرج عن نذره باعتكافه ساعة، كما لو نذر أن يتصدق مطلقاً تصدق بما شاء من قليل أو كثير، ثم قال الشافعي رضي الله عنه: وأحب أن يعتكف يوماً وإنما قال ذلك للخروج عن الخلاف، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه لا يجوز اعتكاف أقل من يوم بشرط أن يدخل قبل طلوع الفجر، ويخرج بعد غروب الشمس، وحجة الشافعي رضي الله عنه أنه ليس تقدير الإعتكاف بمقدار معين من الزمان أولى من بعض، فوجب ترك التقدير والرجوع إلى أقل ما لا بد منه، وحجة أبـي حنيفة رحمه الله أن الإعتكاف هو حبس النفس عليه، وذلك لا يحصل في اللحظة الواحدة، ولأن على هذا التقدير لا يتميز المعتكف عمن ينتظر الصلاة. أما قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {تِلْكَ } لا يجوز أن يكون إشارة إلى حكم الإعتكاف لأن الحدود جمع ولم يذكر الله تعالى في الإعتكاف إلا حداً واحداً، وهو تحريم المباشرة بل هو إشارة إلى كل ما تقدم في أول آية الصوم إلى ههنا على ما سبق شرح مسائلها على التفصيل. المسألة الثانية: قال الليث: حد الشيء مقطعه ومنتهاه قال الأزهري: ومنه يقال للمحروم محدود لأنه ممنوع عن الرزق ويقال للبواب: حداد لأنه يمنع الناس من الدخول وحد الدار ما يمنع غيرها من الدخول فيها، وحدود الله ما يمنع من مخالفتها والمتكلمون يسمون الكلام الجامع المانع: حداً، وسمي الحديد: حديداً لما فيه من المنع، وكذلك إحداد المرأة لأنها تمنع من الزينة إذا عرفت الإشتقاق فنقول: المراد من حدود الله محدوداته أي مقدوراته التي قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة. أما قوله تعالى: {فَلاَ تَقْرَبُوهَا } ففيه إشكالان الأول: أن قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } إشارة إلى كل ما تقدم، والأمور المتقدمة بعضها إباحة وبعضها حظر فكيف قال في الكل {فَلاَ تَقْرَبُوهَا } والثاني: أنه تعالى قال في آية أخرى: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا } تفسير : [البقرة: 229] وقال في آية المواريث {أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } تفسير : [النساء:140] وقال ههنا: {فَلاَ تَقْرَبُوهَا } فكيف الجمع بينهما؟ والجواب عن السؤالين من وجوه: الأول: وهو الأحسن والأقوى أن من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق، فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الضلال، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيز الحق والباطل، لئلا يداني الباطل وأن يكون بعيداً عن الطرف فضلاً أن يتخطاه كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه»تفسير : الثاني: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني: لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ } تفسير : [الإسراء: 34] الثالث: أن الأحكام المذكورة فيما قبل و إن كانت كثيرة إلا أن أقربها إلى هذه الآية إنما هو قوله: {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَـٰجِدِ } وقبل هذه الآية قوله: {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ } وذلك يوجب حرمة الأكل والشرب في النهار، وقبل هذه الآية قوله: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ } وهو يقتضي تحريم مواقعة غير الزوجة والمملوكة وتحريم مواقعتهما في غير المأتي وتحريم مواقعتهما في الحيض والنفاس والعدة والردة، وليس فيه إلا إباحة الشرب والأكل والوقاع في الليل، فلما كانت الأحكام المتقدمة أكثرها تحريمات، لا جرم غلب جانب التحريم فقال: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا } أي تلك الأشياء التي منعتم عنها إنما منعتم عنها بمنع الله ونهيه عنها فلا تقربوها. أما قوله تعالى: {كذلك يبين الله آياته للناس} ففيه وجوه أحدها: المراد أنه كما بين ما أمركم به ونهاكم عنه في هذا الموضع، كذلك يبين سائر أدلته على دينه وشرعه وثانيها: قال أبو مسلم: المراد بالآيات الفرائض التي بينها كما قال:{أية : سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا وَفَرَضْنَـٰهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءَايَـٰتٍ بَيّنَـٰتٍ } تفسير : [النور: 1] ثم فسر الآيات بقوله: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى } تفسير : [النور: 2] إلى سائر ما بينه من أحكام الزنا، فكأنه تعالى قال: كذلك يبين الله للناس ما شرعه لهم ليتقوه بأن يعملوا بما لزم وثالثها: يحتمل أن يكون المراد أنه سبحانه لما بين أحكام الصوم على الاستقصاء في هذه الآية بالألفاظ القليلة بياناً سافياً وافياً، قال بعده: {كَذٰلِكَ يُبَيّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ } أي مثل هذا البيان الوافي الواضح الكامل هو الذي يذكر للناس، والغرض منه تعظيم حال البيان وتعظيم رحمته على الخلق في ذكره مثل هذا البيان. أما قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } فقد مر شرحه غير مرة.

القرطبي

تفسير : فيه ست وثلاثون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ} لفظ «أُحِلَّ» يقتضي أنه كان محرّماً قبل ذلك ثم نُسخ. روى أبو داود عن ٱبن أبي لَيْلَى قال وحدّثنا أصحابنا قال: وكان الرجل إذا أفطر فنام قبل أن يأكل لم يأكل حتى يصبح، قال: فجاء عمر فأراد ٱمرأته فقالت: إني قد نمت؛ فظن أنها تعتلّ فأتاها. فجاء رجل من الأنصار فأراد طعاماً فقالوا: حتى نسخّن لك شيئاً فنام؛ فلما أصبحوا أُنزلت هذه الآية، وفيها {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ}. وروى البخاريّ عن البراء قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يُفطِر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يُمْسِي، وأن قَيْس بن صِرْمة الأنصاري كان صائماً ـ وفي رواية: كان يعمل في النخيل بالنهار وكان صائماً ـ فلما حضر الإفطار أتى ٱمرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت لا، ولكن أنطلقُ فأطلب لك؛ وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته ٱمرأته فلما رأته قالت: خَيْبةً لك! فلما ٱنتصف النهار غُشِيَ عليه؛ فذُكر ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} ففرحوا فرحاً شديداً، ونزلت: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ}. وفي البخاري أيضاً عن البَرَاء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كلّه، وكان رجال يخونون أنفسهم؛ فأنزل الله تعالى: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ}. يقال: خان وٱختان بمعنىً من الخيانة، أي تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم. ومن عصى الله فقد خان نفسه إذ جلب إليها العقاب. وقال القُتَبيّ: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدّي الأمانة فيه. وذكر الطبري: أن عمر رضي الله تعالى عنه رجع من عند النبيّ صلى الله عليه وسلم وقد سَمَر عنده ليلةً فوجد ٱمرأته قد نامت فأرادها فقالت له: قد نمت؛ فقال لها: ما نمت، فوقع بها. وصنع كعب بن مالك مثله؛ فغدا عمر على النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أعتذر إلى الله وإليك؛ فإن نفسي زيّنت لي فواقعت أهلي، فهل تجد لي من رخصة؟ فقال لي: «لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر» فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن. وذكره النحاس ومكيّ، وأن عمر نام ثم وقع بٱمرأته، وأنه أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فنزلت: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَٱلآنَ بَاشِرُوهُنَّ} الآية. الثانية: قوله تعالى: {لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ} «ليلةَ» نصب على الظرف، وهي ٱسم جنس فلذلك أُفردت. والرَّفَث: كناية عن الجماع لأن الله عز وجل كريم يَكْنِي؛ قاله ٱبن عباس والسُّدّي. وقال الزجاج: الرَّفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من ٱمرأته؛ وقاله الأزهري أيضاً. وقال ٱبن عرفة: الرَّفث ها هنا الجماع. والرفث: التصريح بذكر الجماع والإعراب به. قال الشاعر:شعر : ويُرِيْن من أُنْس الحديث زوانيا وبهنّ عن رَفث الرجال نِفارُ تفسير : وقيل: الرفث أصله قول الفُحش؛ يقال: رَفَث وأرفث إذا تكلّم بالقبيح؛ ومنه قول الشاعر:شعر : ورُبّ أسرابِ حَجيجٍ كَظَّمِ عن اللَّغا ورَفَثِ التَّكلُّم تفسير : وتعدّى «الرّفث» بإلى في قوله تعالى جدّه: {ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ}. وأنت لا تقول: رفثت إلى النساء، ولكنه جيء به محمولاً على الإفضاء الذي يراد به الملابسة في مثل قوله: {أية : وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُم إلى بَعْضٍ}تفسير : [النساء: 21]. ومن هذا المعنى: {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ}تفسير : [البقرة: 14] كما تقدّم. وقوله: {أية : يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا}تفسير : [التوبة: 35] أي يوقد، لأنك تقول: أحميت الحديدةَ في النار، وسيأتي، ومنه قوله: {أية : فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} تفسير : [النور: 63] حُمل على معنى ينحرفون عن أمره أو يروغون عن أمره؛ لأنك تقول: خالفت زيداً. ومثله قوله تعالى: {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} تفسير : [الأحزاب: 43] حُمل على معنى رؤوف في نحو {أية : بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التوبة: 128]؛ ألا ترى أنك تقول: رؤفت به، ولا تقول رحمت به، ولكنه لما وافقه في المعنى نزل منزلته في التعدية. ومن هذا الضرب قول أبي كَبير الهُذَلِيّ:شعر : حَملتْ به في ليلة مَزْءُودَة كَرْهاً وعَقد نِطاقها لم يُحلل تفسير : عدّى «حمَلتْ» بالباء، وحقّه أن يصل إلى المفعول بنفسه؛ كما جاء في التنزيل: {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} تفسير : [الأحقاف: 15] ولكنه قال: حملت به؛ لأنه في معنى حَبِلت به. الثالثة: قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ} ابتداء وخبر، وشُدّدت النون من «هنّ» لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر. {وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} أصل اللباس في الثياب، ثم سُمّي ٱمتزاج كل واحد من الزوجين بصاحبه لباساً؛ لانضمام الجسد وٱمتزاجهما وتلازمهما تشبيهاً بالثوب. وقال النابغة الجَعْدِيّ:شعر : إذا ما الضَّــجِيعُ ثَنَى جِيدَها تَداعتْ فكانت عليه لِباسَا تفسير : وقال أيضاً:شعر : لَبِستُ أناساً فأفنيتُهمْ وأفْنيْتُ بعد أُناسٍ أناسَا تفسير : وقال بعضهم: يقال لما ستر الشيء وداراه: لباس. فجائز أن يكون كل واحد منهما سِتراً لصاحبه عما لا يحلّ، كما ورد في الخبر. وقيل: لأن كل واحد منهما سترٌ لصاحبه فيما يكون بينهما من الجماع من أبصار الناس. وقال أبو عبيد وغيره: يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وإزارك. قال رجل لعمر بن الخطاب:شعر : ألاَ أبْلغْ أبا حَفصٍ رسولاً فدًى لك من أخي ثِقَةٍ إزاري تفسير : قال أبو عبيد: أي نسائي. وقيل نفسي. وقال الربيع: هن فراش لكم، وأنتم لحاف لهن. مجاهد: أي سكن لكم؛ أي يسكن بعضكم إلى بعض. الرابعة: قوله تعالى: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} يستأمر بعضكم بعضاً في مواقعة المحضور من الجماع والأكل بعد النوم في ليالي الصوم؛ كقوله تعالى: {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} يعني يقتل بعضكم بعضاً. ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم في نفسه بأنه يخونها؛ وسمّاه خائناً لنفسه من حيث كان ضرره عائداً عليه، كما تقدّم. وقوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} يحتمل معنيين: أحدهما: قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم. والآخر ـ التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة؛ كقوله تعالى: {أية : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} تفسير : [المزمل: 20] يعني خفّف عنكم. وقوله عقيب القتل الخطأ: {أية : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 92] يعني تخفيفاً؛ لأن القاتل خطأ لم يفعل شيئاً تلزمه التوبة منه، وقال تعالى: {أية : لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} تفسير : [التوبة: 117] وإن لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب التوبة منه. وقوله: {فَعَفَا عَنْكُمْ} يحتمل العفو من الذنب، ويحتمل التَّوسعة والتسهيل؛ كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أوّل الوقت رضوان الله وآخره عَفْوُ الله» تفسير : يعني تسهيله وتوسعته. فمعنى «عَلِمَ اللَّهُ» أي علم وقوع هذا منكم مشاهدة «فَتَابَ عَلَيْكُمُ» بعد ما وقع، أي خفّف عنكم «وَعَفَا» أي سهل. و «تَخْتَانُونَ» من الخيانة، كما تقدّم. قال ٱبن العربي: «وقال علماء الزهد: وكذا فلتكن العناية وشرف المنزلة، خان نفسه عمر رضي الله عنه فجعلها الله تعالى شريعة، وخفّف من أجله عن الأمة فرضي الله عنه وأرضاه». قوله تعالى: {فَٱلآنَ بَاشِرُوهُنَّ} كناية عن الجماع؛ أي قد أحلّ لكم ما حرم عليكم. وسمّي الوقاع مباشرة لتلاصق البشرتين فيه. قال ٱبن العربي: «وهذا يدلّ على أن سبب الآية جماع عمر رضي الله عنه لا جوع قَيْسٍ؛ لأنه لو كان السبب جوع قَيس لقال: فالآن كلوا؛ ابتدأ به لأنه المهم الذي نزلت الآية لأجله. الخامسة: قوله تعالى: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} قال ٱبن عباس ومجاهد والحَكَم بن عُيَينة وعكرمة والحسن والسُّديّ والربيع والضحاك: معناه وٱبتغوا الولد؛ يدلّ عليه أنه عقيب قوله: {فَٱلآنَ بَاشِرُوهُنَّ}. وقال ٱبن عباس: ما كتب الله لنا هو القرآن. الزجاج: أي ٱبتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه وأمرتم به. وروي عن ٱبن عباس ومعاذ بن جبل أن المعنى وٱبتغوا ليلة القدر. وقيل: المعنى ٱطلبوا الرخصة والتوسعة؛ قاله قتادة. قال ٱبن عطية: وهو قول حسن. وقيل: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} من الإماء والزَّوْجات. وقرأ الحسن البصري والحسن بن قرة «وٱبتغوا» من الاتباع، وجوّزها ٱبن عباس، ورجّح «ٱبتغوا» من الابتغاء. السادسة: قوله تعالى: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} هذا جواب نازلة قَيْس، والأوّل جواب عمر، وقد ٱبتدأ بنازلة عمر لأنه المهمّ فهو المقدَّم. السابعة: قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ} «حتى» غاية للتبيين، ولا يصح أن يقع التبيين لأحد ويحرم عليه الأكل إلا وقد مضى لطلوع الفجر قدر. وٱختُلف في الحدّ الذي بتبيّنه يجب الإمساك؛ فقال الجمهور: ذلك الفجر المعترض في الأفق يَمْنَةً وَيَسْرة؛ وبهذا جاءت الأخبار ومضت عليه الأمصار. روى مسلم عن سَمُرة بن جُنْدُب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يغرّنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا»تفسير : . وحكاه حمّاد بيديه قال: يعني معترضاً. وفي حديث ٱبن مسعود: «إن الفجر ليس الذي يقول هكذا ـ وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض ـ ولكن الذي يقول هكذا ـ ووَضع المُسَبِّحَة على المُسَبِّحَة ومَدّ يديه». وروى الدَّارَقُطْني عن عبد الرحمن بن عباس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : هما فجران فأمّا الذي كأنه ذَنَب السِّرحان فإنه لا يُحَلّ شيئاً ولا يحرّمه وأمّا المستطيل الذي عارض الأُفق ففيه تَحِل الصلاة ويَحرم الطعام» تفسير : هذا مرسَل. وقالت طائفة: ذلك بعد طلوع الفجر وتبيّنه في الطُّرق والبيوت؛ روي ذلك عن عمر وحذيفة وٱبن عباس وطَلّق بن عليّ وعطاء بن أبي رَباح والأعمش سليمان وغيرهم أن الإمساك يجب بتبيين الفجر في الطُّرق وعلى رؤوس الجبال. وقال مسروق: لم يكن يعدّون الفجر فجركم إنما كانوا يعدّون الفجر الذي يملأ البيوت. وروى النسائي عن عاصم عن زِرْ قال قلنا لحذيفة: أي ساعة تسّحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو النهار إلا أنّ الشمس لم تطلع. وروى الدّارَقُطْنِيّ عن طَلْق بن عليّ أن نبيّ الله قال: «حديث : كلوا وٱشربوا ولا يَغُرّنكم الساطع المصعد وكلوا وٱشربوا حتى يعرض لكم الأحمر»تفسير : . قال الدّارقطنيّ: (قيس بن طلق) ليس بالقوِيّ. وقال أبو داود: هذا مما تفرّد به أهل اليمامة. قال الطبري: والذي قادهم إلى هذا أن الصوم إنما هو في النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس، وآخره غروبها؛ وقد مضى الخلاف في هذا بين اللغويين. وتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «حديث : إنما هو سواد الليل وبياض النهار» تفسير : الفَيْصل في ذلك، وقوله: {أية : أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ}تفسير : [البقرة: 184]. وروى الدّارقُطْنِيّ عن عائشة رضي الله عنها عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له»تفسير : . تفرّد به عبد اللَّه بن عباد عن المفضّل بن فضالة بهذا الإسناد؛ وكلهم ثقات. وروي عن حَفصة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له»تفسير : . رفعه عبد اللَّه بن أبي بكر وهو من الثقات الرفعاء، وروي عن حفصة مرفوعاً من قولها. ففي هذين الحديثين دليل على ما قاله الجمهور في الفجر، ومنعٌ من الصيام دون نيّة قبل الفجر، خلافاً لقول أبي حنيفة، وهي: الثامنة: وذلك أن الصيام من جملة العبادات فلا يصح إلا بنيّة، وقد وقّتها الشارع قبل الفجر؛ فكيف يقال: إن الأكل والشرب بعد الفجر جائز. وروى البخاريّ ومسلم عن سهل بن سعد قال: نزلت {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} ولم ينزل «من الفجر» وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبيّن له رؤيتهما؛ فأنزل الله بعدُ «مِنَ الْفَجْرِ» فعلموا أنه إنما يعني بذلك بياض النهار. حديث : وعن عَديّ بن حاتم قال قلت: يا رسول الله، ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما الخيطان؟ قال: «إنك لعريض القفا إن أبصرتَ الخيطين ـ ثم قال ـ لا بل هو سواد الليل وبياض النهار»تفسير : . أخرجه البخاريّ. وسُمِّيَ الفجر خيطاً لأن ما يبدو من البياض يُرى ممتدّاً كالخيط. قال الشاعر:شعر : الخيط الأبيضُ ضَوءُ الصبحِ مُنْفَلِقٌ والخيطُ الأسودُ جنحُ الليل مكتومُ تفسير : والخيط في كلامهم عبارة عن اللون. والفجر مصدر فجرت الماء أفجره فجراً إذا جرى وٱنبعث، وأصله الشّق؛ فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: فجراً لانبعاث ضوئه، وهو أوّل بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المنتشر، تسمّية العرب الخيط الأبيض؛ كما بيّنا. قال أبو دُواد الإيادي:شعر : فلما أضاءتْ لنا سُدْفةٌ ولاح من الصّبحِ خَيْطٌ أنارا تفسير : وقال آخر:شعر : قد كاد يبدو وبدت تباشره وسَدَفُ الليل البَهيم ساتره تفسير : وقد تسمّيه أيضاً الصّديع؛ ومنه قولهم: ٱنصدع الفجر. قال بشر بن أبي خازم أو عمرو ٱبن معد يكرب:شعر : ترى السِّرحانَ مفترشَاً يديه كأن بياضَ لَبَّتهِ صَدِيعُ تفسير : وشبهه الشّماخ بمفرق الرأس فقال:شعر : إذا ما الليل كان الصبح فيه أشق كمفرق الرأس الدّهين تفسير : ويقولون في الأمر الواضح: هذا كفَلَق الصبح، وكانبلاج الفجر، وتباشير الصبح. قال الشاعر:شعر : فوردتْ قبل ٱنبلاج الفجرِ وٱبنُ ذكاءَ كامِنٌ في كَفْرِ تفسير : التاسعة: قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} جعل الله جلّ ذكره الليل ظَرْفاً للأكل والشرب والجماع، والنهارَ ظرفا للصيام؛ فبيّن أحكام الزمانين وغاير بينهما. فلا يجوز في اليوم شيء مما أباحه بالليل إلا لمسافر أو مريض، كما تقدّم بيانه. فمن أفطر في رمضان من غير مَن ذُكر فلا يخلو إمّا أن يكون عامداً أو ناسياً؛ فإن كان الأوّل فقال مالك: من أفطر في رمضان عامداً بأكل أو شرب أو جماع فعليه القضاء والكفارة؛ لما رواه مالك في مُوَطَّئه، ومسلم في صحيحه عن أبي هريرة: أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفّر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً، الحديث. وبهذا قال الشعبيّ. وقال الشافعي وغيره: إن هذه الكفارة إنما تختصّ بمن أفطر بالجماع؛ لحديث أبي هريرة أيضاً قال: حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكتُ يا رسول الله! قال: «وما أهلكك» قال: وقعتُ على ٱمرأتي في رمضانتفسير : ، الحديث. وفيه ذكر الكفارة على الترتيب؛ أخرجه مسلم. وحملوا هذه القضية على القضية الأولى فقالوا: هي واحدة؛ وهذا غير مسلَّم به بل هما قضيّتان مختلفتان؛ لأن مساقهما مختلف، وقد علّق الكفارة على من أفطر مجرّداً عن القيود فلزم مطلقاً. وبهذا قال مالك وأصحابه والأوزاعيّ وإسحٰق وأبو ثور والطبري وٱبن المنذر، وروي ذلك عن عطاء في رواية، وعن الحسن والزهريّ. ويلزم الشافعيّ القول به فإنه يقول: ترك الاستفصال مع تعارض الأحوال يدل على عموم الحكم. وأوجب الشافعيّ عليه مع القضاء العقوبةَ لانتهاك حرمة الشهر. العاشرة: وٱختلفوا أيضاً فيما يجب على المرأة يطؤها زوجها في شهر رمضان؛ فقال مالك وأبو يوسف وأصحاب الرأي: عليها مثل ما على الزوج. وقال الشافعي: ليس عليها إلا كفارة واحدة، وسواء طاوعته أو أكرهها؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أجاب السائل بكفارة واحدة ولم يفصّل. وروي عن أبي حنيفة: إن طاوعته فعلى كل واحد منهما كفارة، وإن أكرهها فعليه كفارة واحدة لا غير. وهو قول سُحنون بن سعيد المالكي. وقال مالك: عليه كفارتان؛ وهو تحصيل مذهبه عند جماعة أصحابه. الحادية عشرة: وٱختلفوا أيضاً فيمن جامع ناسياً لصومه أو أكل؛ فقال الشافعيّ وأبو حنيفة وأصحابه وإسحٰق: ليس عليه في الوجهين شيء، لا قضاء ولا كفارة. وقال مالك والليث والأوزاعيّ: عليه القضاء ولا كفارة؛ ورُوِيَ مثل ذلك عن عطاء. وقد روي عن عطاء أن عليه الكفارة إن جامع، وقال: مثل هذا لا يُنسى. وقال قوم من أهل الظاهر: سواء وَطىء ناسياً أو عامداً فعليه القضاء والكفارة؛ وهو قول ٱبن الماجشون عبد الملك، وإليه ذهب أحمد بن حنبل؛ لأن الحديث الموجب للكفارة لم يفرّق فيه بين الناسي والعامد. قال ٱبن المنذر: لا شيء عليه. الثانية عشرة: قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: إذا أكل ناسياً فظنّ أن ذلك قد فطّره فجامع عامداً أن عليه القضاء ولا كفارة عليه. قال ٱبن المنذر: وبه نقول. وقيل في المذهب: عليه القضاء والكفارة إن كان قاصداً لهتك حُرمة صومه جُرْأةً وتهاوُناً. قال أبو عمر: وقد كان يجب على أصل مالك ألاّ يكفّر، لأن من أكل ناسياً فهو عنده مفطر يقضي يومه ذلك؛ فأيّ حرمة هتك وهو مفطر. وعند غير مالك: ليس بمفطر كلُّ من أكل ناسياً لصومه. قلت: وهو الصحيح، وبه قال الجمهور: إن مَن أكل أو شرب ناسياً فلا قضاء عليه وإن صومه تام؛ لحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أكل الصائم ناسياً أو شرب ناسياً فإنما هو رزق ساقه الله تعالى (إليه) ولا قضاء عليه ـ في رواية ـ وليتمّ صومه فإن الله أطعمه وسقاه»تفسير : . أخرجه الدّارَقُطْنِيّ. وقال: إسناد صحيح وكلهم ثقات. قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه يُسئل عمن أكل ناسياً في رمضان؛ قال: ليس عليه شيء على حديث أبي هريرة. ثم قال أبو عبد اللَّه مالك: وزعموا أن مالكاً يقول عليه القضاء! وضحك. وقال ٱبن المنذر: لا شيء عليه؛ لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم لمن أكل أو شرب ناسياً: «يتمّ صومه» وإذا قال «يتمّ صومه» فأتمه فهو صومٌ تام كامل. قلت: وإذا كان من أفطر ناسياً لا قضاء عليه وصومه صومٌ تامٌّ فعليه إذا جامع عامداً القضاء والكفارة ـ والله أعلم ـ كمن لم يفطر ناسياً. وقد ٱحتجّ علماؤنا على إيجاب القضاء بأن قالوا: المطلوب منه صيام يوم تام لا يقع فيه خَرم؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} وهذا لم يأت به على التمام فهو باقٍ عليه؛ ولعل الحديث في صوم التطوّع لخفّته. وقد جاء في صحيحي البخاريّ ومسلم: «حديث : مَن نَسِيَ وهو صائم فأكل أو شرب فليتمّ صومه»تفسير : فلم يذكر قضاء ولا تعرّض له، بل الذي تعرّض له سقوط المؤاخذة والأمر بمضيّه على صومه وإتمامه؛ هذا إن كان واجباً فدلّ على ما ذكرناه من القضاء. «حديث : وأمّا صوم التطوّع فلا قضاء فيه لمن أكل ناسياً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا قضاء عليه».تفسير : قلت: هذا ما ٱحتج به علماؤنا وهو صحيح، لولا ما صحّ عن الشارع ما ذكرناه، وقد جاء بالنص الصريح الصحيح وهو ما رواه أبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة»تفسير : أخرجه الدَّارَقُطْنِي وقال: تفرّد به ٱبن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري؛ فزال الاحتمال وٱرتفع الإشكال، والحمد لله ذي الجلال والكمال. الثالثة عشرة: لما بيّن سبحانه محظورات الصيام وهي الأكل والشرب والجماع، ولم يذكر المباشرة التي هي ٱتصال البَشرة بالبَشرة كالقُبلة والجَسّة وغيرها، دلّ ذلك على صحة صوم مَن قَبّل وباشر؛ لأن فحوَى الكلام إنما يدلّ على تحريم ما أباحه الليل وهو الأشياء الثلاثة، ولا دلالة فيه على غيرها بل هو موقوف على الدليل؛ ولذلك شاع الاختلاف فيه، وٱختلف علماء السلف فيه؛ فمن ذلك المباشرة. قال علماؤنا: يُكره لمن لا يأمن على نفسه ولا يملكها؛ لئلا يكون سبباً إلى ما يفسد الصوم. روى مالك عن نافع أن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما كان يَنهى عن القُبلة والمباشرة للصائم؛ وهذا ـ والله أعلم ـ خوف ما يحدث عنهما، فإن قَبّل وسَلّم فلا جناح عليه، وكذلك إن باشر. وروى البخاريّ عن عائشة قالت: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّل ويُباشر وهو صائم. وممن كَرِه القُبلة للصائم عبد اللَّه بن مسعود وعُرْوة ابن الزبير. وقد رُوي عن ٱبن مسعود أنه يقضي يوماً مكانه، والحديث حجة عليهم. قال أبو عمر: ولا أعلم أحداً رخّص فيها لمن يعلم أنه يتولّد عليه منها ما يُفسد صومه؛ فإن قَبّل فأَمْنَى فعليه القضاء ولا كفارة؛ قاله أبو حنيفة وأصحابه والثوريّ والحسن والشافعيّ، وٱختاره ٱبن المنذر وقال: ليس لمن أوجب عليه الكفارة حجة. قال أبو عمر: ولو قَبّل فأَمْذَى لم يكن عليه شيء عندهم. وقال أحمد: مَن قَبّل فأمْذَى أو أَمْنَى فعليه القضاء ولا كفارة عليه؛ إلا على من جامع فأَوْلج عامداً أو ناسياً. وروى ٱبن القاسم عن مالك فيمن قَبّل أو باشر فأنْعَظ ولم يخرج منه ماء جملةً عليه القضاء. وروى ٱبن وهب عنه لا قضاء عليه حتى يُمْذِي. قال القاضي أبو محمد: وٱتفق أصحابنا على أنه لا كفارة عليه. وإن كان مَنِيًّا فهل تلزمه الكفارة مع القضاء؛ فلا يخلو أن يكون قَبّل قُبلةً واحدةً فأنزل، أو قَبّل فٱلتذّ فعاود فأنزل؛ فإن كان قَبّل قُبلة واحدةً أو باشر أو لمس مرّةً فقال أشهب وسُحنون: لا كفارة عليه حتى يكرر. وقال ٱبن القاسم: يكفّر في ذلك كله، إلا في النظر فلا كفارة عليه حتى يكرر. وممن قال بوجوب الكفارة عليه إذا قَبّل أو باشر أو لاعب ٱمرأته أو جامع دون الفرج فأَمْنَى: الحسن البصري وعطاء وٱبن المبارك وأبو ثور وإسحٰق، وهو قول مالك في المدوّنة. وحجة قول أشهب: أن اللّمس والقُبْلة والمباشرة ليست تُفطر في نفسها، وإنما يبقى أن تؤول إلى الأمر الذي يقع به الفطر، فإذا فعل مرةً واحدةً لم يقصد الإنزال وإفساد الصوم فلا كفارة عليه كالنظر إليها، وإذا كرر ذلك فقد قصد إفساد صومه فعليه الكفارة كما لو تكرر النظر. قال اللّخْمِيّ: وٱتفق جميعهم في الإنزال عن النّظر أن لا كفارة عليه إلا أن يتابع. والأصل أنه لا تجب الكفارة إلا على من قصد الفطر وٱنتهاك حُرمة الصوم، فإذا كان ذلك وجب أن يُنظر إلى عادة من نزل به ذلك، فإذا كان ذلك شأنه أن يُنزل عن قُبلة أو مباشرة مرةً، أو كانت عادته مختلفةً: مرّةً يُنزل، ومرّة لا يُنزل، رأيت عليه الكفارة؛ لأن فاعل ذلك قاصد لانتهاك صومه أو متعرّض له. وإن كانت عادته السلامة فقُدّر أن كان منه خلاف العادة لم يكن عليه كفارة، وقد يحتمل قول مالك في وجوب الكفارة؛ لأن ذلك لا يجري إلا ممن يكون ذلك طبعه وٱكتفى بما ظهر منه. وحمل أشهب الأمر على الغالب من الناس أنهم يسلمون من ذلك، وقولهم في النظر دليل على ذلك. قلت: ما حكاه من الاتفاق في النّظر وجعله أصلاً ليس كذلك؛ فقد حكى الباجي في المنتقَى «فإن نظر نظرةً واحدةً يقصد بها اللذة (فأنزل) فقد قال الشيخ أبو الحسن: عليه القضاء والكفارة. قال الباجي: وهو الصحيح عندي؛ لأنه إذا قصد بها الاستمتاع كانت كالقُبلة وغير ذلك من أنواع الاستمتاع؛ والله أعلم». وقال جابر بن زيد والثوريّ والشافعيّ وأبو ثور وأصحاب الرأي فيمن ردّد النظر إلى المرأة حتى أَمْنَى: فلا قضاء عليه ولا كفارة؛ قاله ٱبن المنذر. قال الباجي: وروى في المدنيّة ٱبن نافع عن مالك أنه إن نظر إلى ٱمرأة متجرّدة فٱلتذّ فأنزل عليه القضاء دون الكفارة. الرابعة عشرة: والجمهور من العلماء على صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جُنب. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: «وذلك جائز إجماعاً، وقد كان وقع فيه بين الصحابة كلام ثم ٱستقر الأمر على أن من أصبح جُنُباً فإن صومه صحيح». قلت: أمّا ما ذُكر من وقوع الكلام فصحيح مشهور، وذلك قول أبي هريرة: من أصبح جُنباً فلا صوم له؛ أخرجه الموطأ وغيره. وفي كتاب النسائي أنه قال لما روجع: والله ما أنا قلته، محمد صلى الله عليه وسلم والله قاله. وقد ٱختلف في رجوعه عنها؛ وأشهر قوليه عند أهل العلم أنه لا صوم له؛ حكاه ٱبن المنذر، ورُوِيَ عن الحسن بن صالح. وعن أبي هريرة أيضاً قول ثالث قال: إذا علم بجنابته ثم نام حتى يصبح فهو مفطر، وإن لم يعلم حتى أصبح فهو صائم؛ رُوِيَ ذلك عن عطاء وطاوس وعُروة ابن الزبير. وروي عن الحسن والنخعِيّ أن ذلك يجزي في التطوّع ويقضي في الفرض. قلت: فهذه أربعة أقوال للعلماء فيمن أصبح جُنُباً، والصحيح منها مذهب الجمهور؛ لحديث عائشة رضي الله عنها وأمّ سَلَمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُصبح جُنُباً من جماع غير ٱحتلام ثم يصوم. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جُنب من غير ٱحتلام فيغتسل ويصوم؛ أخرجهما البخاريّ ومسلم. وهو الذي يفهم من ضرورة قوله تعالى: {فَالآنَ بَـٰشِرُوهُنَّ} الآية؛ فإنه لما مدّ إباحة الجماع إلى طلوع الفجر فبالضرورة يعلم أن الفجر يطلع عليه وهو جُنب، وإنما يتأتّى الغسل بعد الفجر. وقد قال الشافعي: ولو كان الذكر داخل المرأة فنزعه مع طلوع الفجر أنه لا قضاء عليه. وقال المُزَنِيّ: عليه القضاء لأنه من تمام الجماع؛ والأوّل أصح لما ذكرنا، وهو قول علمائنا. الخامسة عشرة: وٱختلفوا في الحائض تطهر قبل الفجر وتترك التطهّر حتى تُصبح؛ فجمهورهم على وجوب الصوم عليها وإجزائه، سواء تركته عمداً أو سهواً كالجنب؛ وهو قول مالك وٱبن القاسم. وقال عبد الملك: إذا طَهُرت الحائض قبل الفجر فأخّرت غسلها حتى طلع الفجر فيومها يوم فطر؛ لأنها في بعضه غير طاهرة، وليست كالجنب لأن الاحتلام لا ينقض الصوم، والحَيْضة تنقضه. هكذا ذكره أبو الفرج في كتابه عن عبد الملك. وقال الأوزاعيّ: تقضي لأنها فرّطت في الاغتسال. وذكر ٱبن الجلاب عن عبد الملك أنها إن طهرت قبل الفجر في وقت يمكنها فيه الغسل ففرّطت ولم تغتسل حتى أصبحت لم يضرها كالجنب، وإن كان الوقت ضيّقاً لا تدرك فيه الغسل لم يجز صومها ويومها يوم فطر؛ وقاله مالك، وهي كمن طلع عليها الفجر وهي حائض. وقال محمد بن مسلمة في هذه: تصوم وتقضي؛ مثل قول الأوزاعي. وروي عنه أنه شذّ فأوجب على من طهرت قبل الفجر ففرّطت وتوانت وتأخّرت حتى تُصبح ـ الكفارةَ مع القضاء. السادسة عشرة: وإذا طهرت المرأة ليلاً في رمضان فلم تَدْرِ أكان ذلك قبل الفجر أو بعده، صامت وقضت ذلك اليوم ٱحتياطاً، ولا كفارة عليها. السابعة عشرة: رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أفطر الحاجم والمحجوم»تفسير : . من حديث ثَوْبان وحديث شدّاد بن أوس وحديث رافع بن خَدِيج؛ وبه قال أحمد وإسحٰق، وصحّح أحمد حديث شدّاد بن أوس، وصحّح علي بن المديني حديث رافع بن خَدِيج. وقال مالك والشافعي والثوري: لا قضاء عليه، إلا أنه يكره له ذلك من أجل التغرير. وفي صحيح مسلم من حديث أنس أنه قيل له: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال لا، إلا من أجل الضعف. وقال أبو عمر: حديث شدّاد ورافع وثوبان عندنا منسوخ بحديث ٱبن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ٱحتجم صائماً مُحرِماً؛ لأن في حديث شدّاد بن أوس وغيره «حديث : أنه صلى الله عليه وسلم مرّ عام الفتح على رجل يحتجم بثمان عشرة ليلة خلت من رمضان فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»»تفسير : . وٱحتجم هو صلى الله عليه وسلم عامَ حجة الوداع وهو مُحرِم صائم؛ فإذا كانت حجته صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فهي ناسخة لا محالة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يُدرك بعد ذلك رمضان؛ لأنه تُوُفِّيَ في ربيع الأوّل، صلى الله عليه وسلم. الثامنة عشرة: قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} أمْرٌ يقتضي الوجوب من غير خلاف. و «إلى» غاية، فإذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو داخل في حكمه؛ كقولك؛ ٱشتريت الفدان إلى حاشيته، أو ٱشتريت منك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة ـ والمبيع شجر؛ فإن الشجرة داخلة في المبيع. بخلاف قولك: ٱشتريت الفدان إلى الدار؛ فإن الدار لا تدخل في المحدود إذ ليست من جنسه. فشَرَط تعالى تمام الصوم حتى يتبيّن الليل، كما جوّز الأكل حتى يتبيّن النهار. التاسعة عشرة: ومن تمام الصوم ٱستصحاب النّية دون رفعها، فإنْ رفعها في بعض النهار ونوى الفطر إلا أنه لم يأكل ولم يشرب فجعله في المدوّنة مفطراً وعليه القضاء. وفي كتاب ٱبن حبيب أنه على صومه؛ قال: ولا يخرجه من الصوم إلا الإفطار بالفعل وليس بالنية. وقيل: عليه القضاء والكفارة. وقال سُحنون: إنما يكفّر من بيّت الفطر، فأمّا من نواه في نهاره فلا يضره، وإنما يقضي ٱستحساناً. قلت: هذا حسن. الموَفّية عشرين: قوله تعالى: {إِلَى ٱلَّليْلِ} إذا تبيّن الليل سنّ الفطر شرعاً، أكل أو لم يأكل. قال ٱبن العربي: وقد سئل الإمام أبو إسحٰق الشيرازي عن رجل حلف بالطلاق ثلاثاً أنه لا يُفطر على حار ولا بارد؛ فأجاب أنه بغروب الشمس مفطرٌ لا شيء عليه؛ وٱحتجّ بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا جاء الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم»تفسير : . وسئل عنها الإمام أبو نصر بن الصباغ صاحب الشامل فقال: لا بدّ أن يفطر على حار أو بارد. وما أجاب به الإمام أبو إسحٰق أوْلى؛ لأنه مقتضى الكتاب والسُّنة. الحادية والعشرون: فإن ظن أن الشمس قد غَرَبت لغَيْم أو غيره فأفطر ثم ظهرت الشمس فعليه القضاء في قول أكثر العلماء. وفي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غَيْم ثم طلعت الشمس، قيل لهشام: فأُمِرُوا بالقضاء؛ قال: لا بدّ من قضاء؟. قال عمر في الموطأ في هذا: الخطب يسير. وقد ٱجتهدنا (في الوقت) يريد القضاء. وروي عن عمر أنه قال: لا قضاء عليه؛ وبه قال الحسن البصري: لا قضاء عليه كالناسي؛ وهو قول إسحٰق وأهل الظاهر. وقول الله تعالى: {إِلَى ٱلَّليْلِ} يردّ هذا القول، والله أعلم. الثانية والعشرون: فإن أفطر وهو شاكٌّ في غروبها كفّر مع القضاء؛ قاله مالك، إلا أن يكون الأغلب عليه غروبها. ومن شكّ عنده في طلوع الفجر لزمه الكف عن الأكل؛ فإن أكل مع شكّه فعليه القضاء كالناسي، لم يختلف في ذلك قوله. ومن أهل العلم بالمدينة وغيرها من لا يرى عليه شيئاً حتى يتبيّن له طلوع الفجر؛ وبه قال ٱبن المنذر. وقال الِكيَا الطبري: «وقد ظن قوم أنه إذا أبيح له الفطر إلى أوّل الفجر فإذا أكل على ظن أن الفجر لم يطلع فقد أكل بإذن الشرع في وقت جواز الأكل فلا قضاء عليه؛ كذلك قال مجاهد وجابر بن زيد. ولا خلاف في وجوب القضاء إذا غُمّ عليه الهلال في أوّل ليلة من رمضان فأكل ثم بان أنه من رمضان، والذي نحن فيه مثله. وكذلك الأسير في دار الحرب إذا أكل ظنًّا أنه من شعبان ثم بان خلافه». الثالثة والعشرون: قوله تعالى: {إِلَى ٱلَّليْلِ} فيه ما يقتضي النهي عن الوصال؛ إذ الليل غاية الصيام؛ وقالته عائشة. وهذا موضعٌ ٱختلف فيه؛ فمن واصل عبد اللَّه بن الزبير وإبراهيم التَّيْمي وأبو الجوزاء وأبو الحسن الدِّينَوَرِيّ وغيرهم. كان ابن الزبير يواصل سبعاً، فإذا أفطر شرب السمن والصبر حتى يفتق أمعاءه، قال: وكانت تيبس أمعاؤه. وكان أبو الجوزاء يواصل سبعة أيام وسبع ليال ولو قَبض على ذراع الرجل الشديد لحطمها. وظاهر القرآن والسُّنة يقتضي المنع؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا غابت الشمس من ها هنا وجاء الليل من ها هنا فقد أفطر الصائم»تفسير : . خرّجه مسلم من حديث عبد اللَّه بن أبي أوْفَى. ونهى عن الوصال، فلما أَبَوْا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم يوماً ثم رأوا الهلال فقال: «لو تأخر الهلال لزدتكم» كالمُنَكِّل لهم حين أبَوْا أن ينتهوا. أخرجه مسلم عن أبي هريرة. وفي حديث أنس: «لو مُدّ لنا الشهر لواصلنا وصالاً يَدعُ المتعمِّقون تعمُّقَهم». خرّجه مسلم أيضاً. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إياكم والوصال إياكم والوصال»تفسير : تأكيداً في المنع لهم منه، وأخرجه البخاري. وعلى كراهية الوصال ـ لما ذكرنا ولما فيه من ضعف القُوَى وإنهاك الأبدان ـ جمهور العلماء. وقد حرّمه بعضهم لما فيه من مخالفة الظاهر والتشبه بأهل الكتاب، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن فَصلَ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أَكْلَةُ السَّحَر»تفسير : . خرّجه مسلم وأبو داود. وفي البخاري عن أبي سعيد الخُدْرِيّ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا تواصلوا فأيُّكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السَّحَر»تفسير : قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: «حديث : لست كهيئتكم إني أَبِيتُ لي مُطْعِمٌ يُطعمني وساقٍ يَسقيني»تفسير : . قالوا: وهذا إباحة لتأخير الفطر إلى السحر، وهو الغاية في الوصال لمن أراده، ومنعٌ من ٱتصال يوم بيوم؛ وبه قال أحمد وإسحٰق وٱبن وهب صاحب مالك. واحتجّ من أجاز الوصال بأن قال: إنما كان النهي عن الوصال لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، فخَشِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلّفوا الوصال وأعلى المقامات فيفتُرُوا أو يضعفوا عما كان أنفع منه من الجهاد والقوّة على العدوّ، ومع حاجتهم في ذلك الوقت. وكان هو يلتزم في خاصّة نفسه الوصال وأعلى مقامات الطاعات؛ فلما سألوه عن وصالهم أبدى لهم فارقاً بينه وبينهم، وأعلمهم أن حالته في ذلك غير حالاتهم فقال: «حديث : لستُ مِثلَكم إنّي أَبِيتُ يُطعمني ربّي ويَسقيني»تفسير : . فلما كمل الإيمان في قلوبهم واستحكم في صدورهم ورسخ، وكثر المسلمون وظهروا على عدوّهم، واصل أولياء الله وألزموا أنفسهم أعلى المقامات، والله أعلم. قلت: ترك الوصال مع ظهور الإسلام وقهر الأعداء أوْلى، وذلك أرفع الدرجات وأعلى المنازل والمقامات؛ والدليل على ذلك ما ذكرناه. وأن الليل ليس بزمان صوم شرعي، حتى لو شرع إنسان فيه الصوم بنيّةٍ ما أثيب عليه، والنبيّ صلى الله عليه وسلم ما أخبر عن نفسه أنه واصل، وإنما الصحابة ظنُّوا ذلك فقالوا: إنك تواصل؛ فأخبر أنه يُطْعَم ويُسْقَى. وظاهر هذه الحقيقة: أنه صلى الله عليه وسلم يُؤتى بطعام الجنَّة وشرابها. وقيل: إن ذلك محمول على ما يرد على قلبه من المعاني واللطائف، وإذا احتمل اللفظ الحقيقة والمجاز فالأصل الحقيقة حتى يَرِد دليل يزيلها. ثم لما أبَوْا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم وهو على عادته كما أخبر عن نفسه، وهم على عادتهم حتى يضعفوا ويقلّ صبرهم فلا يواصلوا. وهذه حقيقة التنكيل حتى يدعوا تعمّقهم وما أرادوه من التشديد على أنفسهم. وأيضاً لو تنزّلنا على أن المراد بقوله: «أُطعَم وأُسَقى» المعنى لكان مفطراً حُكماً؛ كما أن من ٱغتاب في صومه أو شهد بزور مفطرٌ حُكماً، ولا فرق بينهما، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَن لم يَدَعْ قَولَ الزُّور والعملَ به فليس لله حاجة في أنْ يَدَع طعامَه وشرابَه»تفسير : . وعلى هذا الحدّ ما واصل النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمر به، فكان تركة أولى. وبالله التوفيق. الرابعة والعشرون: ويستحب للصائم إذا أفطر أن يُفطر على رُطبات أو تمرات أو حَسوات من الماء؛ لما رواه أبو داود عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُفطر على رُطبات قبل أن يصلّي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات حَسَا حَسوات من ماء. وأخرجه الدّارَقُطْنِي وقال فيه: إسناد صحيح. وروى الدّارقطني عن ٱبن عباس قال: «حديث : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: «لك صُمْنَا وعلى رِزْقِك أفطرنا فتقبّل منّا إنك أنت السميع العليم»»تفسير : . وعن ٱبن عمر قال: «حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا أفطر: «ذهب الظمأ وٱبتلّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله»»تفسير : . خرّجه أبو داود أيضاً. وقال الدّارقطني: تفرّد به الحسين بن واقد وإسناده حسن. وروى ٱبن ماجه عن عبد اللَّه بن الزبير قال: «حديث : أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سعد بن معاذ فقال: «أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلّت عليكم الملائكة»»تفسير : . وروى أيضاً عن زيد بن خالد الجُهَنيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من فطّر صائماً كان له مثل أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً»تفسير : . وروي أيضاً عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن للصائم عند فطره لدعوةً ما تُرَدّ»تفسير : . قال ٱبن أبي مليكة: سمعت عبد اللَّه بن عمرو يقول إذا أفطر: اللَّهُمّ إني أسألك برحمتك التي وَسِعَتْ كلّ شيء أن تغفر لي. وفي صحيح مسلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : للصائم فرْحتان يفرحهما إذا أفطر فَرِح بفطره وإذا لَقِيَ رَبّه فَرِح بصومه.»تفسير : الخامسة والعشرون: ويستحب له أن يصوم من شوّال ستة أيام؛ لما رواه مسلم والترمذيّ وأبو داود والنسائي وٱبن ماجه عن أبي أيوب الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَن صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوّال كان له كصيام الدهر» تفسير : هذا حديث حسن صحيح من حديث سعد بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ممن لم يُخرّج له البخاري شيئاً، وقد جاء بإسناد جيّد مفسَّراً من حديث أبي أسماء الرَّحَبِيّ عن ثَوْبان مولَى النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : جعل الله الحسنة بعشر أمثالها فشهر رمضان بعشرة أشهر وستة أيام بعد الفطر تمام السنة»تفسير : . رواه النسائي. واختلف في صيام هذه الأيام؛ فكرهها مالك في مُوَطَّئه خوفاً أن يُلحق أهلُ الجهالة برمضان ما ليس منه؛ وقد وقع ما خافه حتى أنه كان في بعض بلاد خراسان يقومون لسحورها على عادتهم في رمضان. وروى مُطَرِّف عن مالك أنه كان يصومها في خاصّة نفسه. وٱستحب صيامها الشافعي، وكرهه أبو يوسف. السادسة والعشرون: قوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ} بيّن جَلّ تعالى أن الجماع يُفسد الاعتكاف. وأجمع أهل العلم على أن مَن جامع ٱمرأته وهو معتكف عامداً لذلك في فرجها أنه مفسد لاعتكافه؛ وٱختلفوا فيما عليه إذا فعل ذلك، فقال الحسن البصريّ والزهريّ: عليه ما على المواقع أهله في رمضان. فأما المباشرة من غير جماع فإن قصد بها التّلذُّذ فهي مكروهة، وإن لم يقصد لم يُكره؛ لأن عائشة: كانت تُرَجِّل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف، وكانت لا محالة تمسُّ بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها؛ فدلّ بذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة؛ هذا قول عطاء والشافعي وٱبن المنذر. قال أبو عمر: وأجمعوا على أن المعتكف لا يباشر ولا يُقَبِّل. وٱختلفوا فيما عليه إن فعل؛ فقال مالك والشافعي: إن فعل شيئاً من ذلك فسد ٱعتكافه؛ قاله المُزَنِيّ. وقال في موضع آخر من مسائل الاعتكاف: لا يفسد الاعتكاف من الوطء إلا ما يوجب الحدّ؛ وٱختاره المُزَنيّ قياساً على أصله في الحج والصوم. السابعة والعشرون: قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ} جملة في موضع الحال. والاعتكاف في اللغة: الملازمة؛ يقال عَكَف على الشيء إذا لازمه مقبلاً عليه. قال الراجز:شعر : عَكْفَ النَّبِيطِ يلعبون الفَنْزَجَا تفسير : وقال الشاعر:شعر : وظلّ بنات الليل حولَي عكّفا عكوف البواكي بينهنّ صريع تفسير : ولما كان المعتكف ملازماً للعمل بطاعة الله مدّة ٱعتكافه لزمه هذا الاسم. وهو في عرف الشّرع: ملازمةُ طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في موضع مخصوص. وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب، وهو قُرْبة من القُرَب ونافلة من النوافل عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه، ويلزمه إن ألزمه نفسه، ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه. الثامنة والعشرون: أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد؛ لقول الله تعالى {فِي ٱلْمَسَاجِدِ}. وٱختلفوا في المراد بالمساجد؛ فذهب قوم إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد، وهو ما بناه نبيٌّ كالمسجد الحرام ومسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم ومسجد إيلياء؛ رُوي هذا عن حُذيفة بن اليَمان وسعيد بن المسيّب، فلا يجوز الاعتكاف عندهم في غيرها. وقال آخرون: لا ٱعتكاف إلا في مسجد تُجمع فيه الجمعة؛ لأن الإشارة في الآية عندهم إلى ذلك الجنس من المساجد؛ رُوي هذا عن عليّ بن أبي طالب وٱبن مسعود، وهو قول عُرْوة والحَكم وحمّاد والزُّهري وأبي جعفر محمد بن عليّ، وهو أحد قولي مالك. وقال آخرون: الاعتكاف في كل مسجد جائز؛ يُروى هذا القول عن سعيد بن جبير وأبي قِلاَبة وغيرهم، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما. وحجتهم حمل الآية على عمومها في كل مسجد له إمام ومؤذّن، وهو أحد قولي مالك، وبه يقول ٱبن عُلَيَّة وداود بن عليّ والطبري وٱبن المنذر. وروى الدَّارَقُطْنيّ عن الضحاك عن حُذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : كلُّ مسجد له مؤذّن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح»تفسير : . قال الدَّارَقُطْنِيّ: والضحاك لم يسمع من حذيفة. التاسعة والعشرون: وأقلّ الاعتكاف عند مالك وأبي حنيفة يوم وليلة، فإن قال: لله عليّ ٱعتكاف ليلة لزمه ٱعتكاف ليلة ويوم. وكذلك إن نذر ٱعتكاف يوم لزمه يوم وليلة. وقال سُحْنون: من نذر ٱعتكاف ليلة فلا شيء عليه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن نذر يوماً فعليه يوم بغير ليلة، وإن نذر ليلة فلا شيء عليه؛ كما قال سحنون. قال الشافعي: عليه ما نذر، إن نذر ليلةً فليلةً، وإن نذر يوماً فيوماً. قال الشافعي: أقلّه لحظة ولا حدّ لأكثره. وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يصحّ الاعتكاف ساعة. وعلى هذا القول فليس من شرطه صوم؛ ورُوي عن أحمد بن حنبل في أحد قوليه، وهو قول داود بن عليّ وٱبن عُلَيَّة، وٱختاره ٱبن المنذر وٱبن العربي. وٱحتجوا بأن ٱعتكاف رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في رمضان، ومحال أن يكون صوم رمضان لرمضان ولغيره. ولو نوى المعتكف في رمضان بصومه التطوّع والفرض فسد صومه عند مالك وأصحابه. ومعلوم أن ليل المعتكف يلزمه فيه من ٱجتناب مباشرة النساء ما يلزمه في نهاره، وأن ليله داخل في ٱعتكافه، وأن الليل ليس بموضع صوم، فكذلك نهاره ليس بمفتقر إلى الصوم، وإن صام فحسن. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في القول الآخر: لا يصح إلا بصوم. وروي عن ٱبن عمر وٱبن عباس وعائشة رضي الله عنهم. وفي الموَطأ عن القاسم بن محمد ونافع مولى عبد اللَّه بن عمر: لا ٱعتكاف إلا بصيام؛ لقول الله تعالى في كتابه: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} إلى قوله: {فِي ٱلْمَسَاجِدِ} وقالا: فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام. قال يحيى قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا. وٱحتجوا بما رواه عبد اللَّه بن بُدَيْل عن عمرو بن دينار عن ٱبن عمر«حديث : أن عمر جعل عليه (أن يعتكف) في الجاهلية ليلة أو يوماً (عند الكعبة) فسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «ٱعتكف وصُمْ»»تفسير : . أخرجه أبو داود. وقال الدَّارَقُطْنِيّ: تفرّد به ٱبن بُدَيل عن عمرو وهو ضعيف. وعن عائشة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا ٱعتكاف إلا بصيام"تفسير : . قال الدَّارَقُطْني: تفرّد به سُويد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة. وقالوا: ليس من شرط الصوم عندنا أن يكون للاعتكاف، بل يصح أن يكون الصوم له ولرمضان ولنذر ولغيره؛ فإذا نذره الناذر فإنما ينصرف نذره إلى مقتضاه في أصل الشرع، وهذا كمن نذر صلاة فإنها تلزمه، ولم يكن عليه أن يتطهّر لها خاصّةً بل يجزئه أن يؤدّيها بطهارة لغيرها. الموفيّة ثلاثين: وليس للمعتكف أن يخرج من معتكَفه إلا لما لا بدّ له منه، لما روى الأئمة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ٱعتكف يُدْنِي إلىّ رأسه فأرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان؛ تريد الغائط والبول، ولا خلاف في هذا بين الأمة ولا بين الأئمة؛ فإذا خرج المعتكف لضرورة وما لا بدّ له منه ورجع في فَوْره بعد زوال الضرورة بنى على ما مضى من ٱعتكافه ولا شيء عليه. ومن الضرورة المرضُ البيّن والحيض. وٱختلفوا في خروجه لما سوى ذلك؛ فمذهب مالك ما ذكرنا، وكذلك مذهب الشافعي وأبي حنيفة. وقال سعيد بن جُبير والحسن والنخعيّ: يعود المريضَ ويشهد الجنائز؛ وروي عن عليّ وليس بثابت عنه. وفرّق إسحٰق بين الاعتكاف الواجب والتطوّع، فقال في الاعتكاف الواجب: لا يعود المريضَ ولا يشهد الجنائز، وقال في التطوّع: يَشترط حين يبتدىء حضورَ الجنائز وعيادة المرضى والجمعة. وقال الشافعي: يصح ٱشتراط الخروج من معتكفه لعيادة مريض وشهود الجنائز وغير ذلك من حوائجه. وٱختلف فيه عن أحمد، فمنع منه مَرّة، وقال مَرّة: أرجو ألا يكون به بأس. وقال الأوزاعي كما قال مالك: لا يكون في الاعتكاف شرط. قال ٱبن المنذر: لا يخرج المعتكف من ٱعتكافه إلا لما لا بدّ له منه، وهو الذي كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يخرج له. الحادية والثلاثون: وٱختلفوا في خروجه للجمعة؛ فقالت طائفة: يخرج للجمعة ويرجع إذا سلّم؛ لأنه خرج إلى فرض ولا ينتقض ٱعتكافه. ورواه ٱبن الجهم عن مالك، وبه قال أبو حنيفة، وٱختاره ٱبن العربي وٱبن المنذر. ومشهور مذهب مالك أن من أراد أن يعتكف عشرة أيام أو نذر ذلك لم يعتكف إلا في المسجد الجامع، وإذا ٱعتكف في غيره لزمه الخروج إلى الجمعة وبطل ٱعتكافه. وقال عبد الملك: يخرج إلى الجمعة فيشهدها ويرجع مكانه ويصح ٱعتكافه. قلت: وهو صحيح لقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ} فعمّ. وأجمع العلماء على أن الاعتكاف ليس بواجب وأنه سُنَّة، وأجمع الجمهور من الأئمة على أن الجمعة فرض على الأعيان، ومتى ٱجتمع واجبان أحدهما آكد من الآخر قُدّم الآكد؛ فكيف إذا ٱجتمع مندوب وواجب، ولم يقل أحد بترك الخروج إليها، فكان الخروج إليها في معنى حاجة الإنسان. الثانية والثلاثون: المعتكف إذا أتى كبيرة فسد ٱعتكافه؛ لأن الكبيرة ضدّ العبادة؛ كما أن الحَدَث ضدّ الطهارة والصلاة، وتَرْكُ ما حرّم الله تعالى عليه أعلى منازل الاعتكاف في العبادة. قاله ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد عن مالك. الثالثة والثلاثون: روى مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلّى الفجر ثم دخل معتكفه...؛ الحديث. وٱختلف العلماء في وقت دخول المعتكف في ٱعتكافه؛ فقال الأوزاعي بظاهر هذا الحديث، ورُوي عن الثوري والليث بن سعد في أحد قوليه، وبه قال ٱبن المنذر وطائفة من التابعين. وقال أبو ثور: إنما يفعل هذا من نذر عشرة أيام، فإن زاد عليها فقبل غروب الشمس. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم: إذا أوجب على نفسه ٱعتكاف شهر، دخل المسجد قبل غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم. قال مالك: وكذلك كل من أراد أن يعتكف يوماً أو أكثر. وبه قال أبو حنيفة وٱبن الماجشون عبد الملك؛ لأن أوّل ليلة أيام الاعتكاف داخلة فيها، وأنه زمن للاعتكاف فلم يتبعّض كاليوم. وقال الشافعي: إذا قال لله عليّ يوم دخل قبل طلوع الفجر وخرج بعد غروب الشمس؛ خلاف قوله في الشهر. وقال الليث في أحد قوليه وزُفَرُ: يدخل قبل طلوع الفجر؛ والشهر واليوم عندهم سواء. وروي مثل ذلك عن أبي يوسف، وبه قال القاضي عبد الوهاب، وأن الليلة إنما تدخل في الاعتكاف على سبيل التَّبَع؛ بدليل أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم وليس الليل بزمن للصوم. فثبت أن المقصود بالاعتكاف هو النهار دون الليل. قلت: وحديث عائشة يردّ هذه الأقوال وهو الحجة عند التنازع، وهو حديث ثابت لا خلاف في صحته. الرابعة والثلاثون: ٱستحب مالك لمن ٱعتكف العشر الأواخر أن يبيت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المُصلَّى، وبه قال أحمد. وقال الشافعي والأوزاعي: يخرج إذا غابت الشمس؛ ورواه سُحْنون عن ٱبن القاسم؛ لأن العشر يزول بزوال الشهر، والشهر ينقضي بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان. وقال سُحْنون: إن ذلك على الوجوب؛ فإن خرج ليلة الفطر بطل اعتكافه. وقال ٱبن الماجشون: وهذا يرده ما ذكرنا من ٱنقضاء الشهر، ولو كان المقام ليلة الفطر من شرط صحة الاعتكاف لما صح ٱعتكافٌ لا يتّصل بليلة الفطر؛ وفي الإجماع على جواز ذلك دليل على أن مقام ليلة الفطر للمعتكف ليس شرطاً في صحة الاعتكاف. فهذه جمل كافية من أحكام الصيام والاعتكاف اللائقة بالآيات، فيها لمن ٱقتصر عليها كفاية، والله المُوَفِّق للهداية. الخامسة والثلاثون: قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي هذه الأحكام حدود الله فلا تخالفوها؛ فـ «ـتلك» إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي. والحدود: الحواجز. والحدّ: المنع؛ ومنه سُمِّيَ الحديد حديدا؛ لأنه يمنع من وصول السلاح إلى البدن. وسُمِّيَ البوّاب والسجّان حدّاداً؛ لأنه يمنع مَن في الدار من الخروج منها، ويمنع الخارجَ من الدخول فيها. وَسُمِّيت حدود الله لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها، وأن يخرج منها ما هو منها؛ ومنها سُمِّيت الحدود في المعاصي؛ لأنها تمنع أصحابها من العَوْد إلى أمثالها. ومنه سُمِّيت الحادّ في العِدّة؛ لأنها تمتنع من الزينة. السادسة والثلاثون: قوله تعالى: {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} أي كما بيّن هذه الحدود يُبَيّن جميع الأحكام لتتّقوا مجاوزتها. والآيات: العلامات الهادية إلى الحق. و {لَعَلَّهُمْ} تَرَجٍّ في حقهم؛ فظاهر ذلك عموم ومعناه خصوص فيمن يسّره الله للهدى؛ بدلالة الآيات التي تتضمّن أن الله يُضلّ من يشاء.

ابن كثير

تفسير : هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء، أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة، والرفث هنا هو الجماع، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وطاوس وسالم بن عبد الله وعمرو بن دينار والحسن وقتادة والزهري والضحاك وإبراهيم النخعي والسدي وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان، وقوله: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان: يعني هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن، وقال الربيع بن أنس: هن لحاف لكم، وأنتم لحاف لهن، وحاصله: أن الرجل والمرأة كل منهما يخالط الآخر ويماسه ويضاجعه، فناسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان؛ لئلا يشق ذلك عليهم ويحرجوا، قال الشاعر:شعر : إذا ما الضَّجيعُ ثَنى جِيْدَها تَداعَتْ فكانَتْ عليه لِباسا تفسير : وكان السبب في نزول هذه الآية كما تقدم في حديث معاذ الطويل، وقال أبو إسحاق عن البراء بن عازب: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل إلى مثلها، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، وكان يومه ذلك يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار، أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، فغلبته عينه فنام، وجاءت امرأته، فلما رأته نائماً قالت: خيبة لك، أنمت؟ فلما انتصف النهار، غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} ـ إلى قوله ـ {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ} ففرحوا بها فرحاً شديداً، ولفظ البخاري ههنا من طريق أبي إسحاق سمعت البراء، قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ} وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن أناساً من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَٱلـنَ بَـٰشِرُوهُنَّ} الآية، وكذا روى العوفي عن ابن عباس، وقال موسى بن عقبة: عن كريب عن ابن عباس، قال: إن الناس كانوا قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم، يأكلون ويشربون ويحل لهم شأن النساء، فإذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولا يأتي أهله حتى يفطر من القابلة، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعد ما نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت. قال: «حديث : وما صنعت»تفسير : ؟ قال: إني سولت لي نفسي، فوقعت على أهلي بعد ما نمت، وأنا أريد الصوم، فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما كنت خليقاً أن تفعل»تفسير : فنزل الكتاب: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} وقال سعد بن أبي عروبة عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة في قول الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} - إلى قوله - {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ} قال: كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية إذا صلوا العشاء الآخرة، حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا، وأن عمر بن الخطاب أصاب أهله بعد صلاة العشاء، وأن صرمة بن قيس الأنصاري غلبته عيناه بعد صلاة المغرب، فنام ولم يشبع من الطعام، ولم يستقيظ حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء، فقام فأكل وشرب، فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فأنزل الله عند ذلك: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} يعني بالرفث: مجامعة النساء {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ} يعني: تجامعون النساء، وتأكلون وتشربون بعد العشاء {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَٱلـنَ بَـٰشِرُوهُنَّ} يعني: جامعوهن {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} يعني: الولد {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ} فكان ذلك عفواً من الله ورحمة، وقال هشيم عن حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله إني أردت أهلي البارحة على ما يريد الرجل أهله، فقالت: إنها قد نامت، فظننتها تعتل، فواقعتها، فنزل في عمر: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} وهكذا رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى به، وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني المثنى، حدثنا سويد، أخبرنا ابن المبارك، عن أبي لهيعة، حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة، أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها، فقالت: إني قد نمت، فقال: ما نمت، ثم وقع بها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَٱلـنَ بَـٰشِرُوهُنَّ} الآية، وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغيرهم في سبب نزول هذه الآية في عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع، وفي صرمة بن قيس، فأباح الجماع والطعام والشراب في جميع الليل رحمة ورخصة ورفقاً. وقوله: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} قال أبو هريرة وابن عباس وأنس وشريح القاضي ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والربيع بن أنس والسدي وزيد بن أسلم والحكم بن عتبة ومقاتل بن حيان والحسن البصري والضحاك وقتادة وغيرهم: يعني: الولد، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} يعني: الجماع، وقال عمرو ابن مالك النُّكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} قال: ليلة القدر، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، قال: قال قتادة: ابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم، يقول: ما أحل الله لكم، وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء ابن أبي رباح، قال: قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الآية: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ}؟ قال: أيتهما شئت، عليك بالقراءة الأولى، واختار ابن جرير أن الآية أعم من هذا كله. قوله: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ} أباح تعالىٰ الأكل والشرب مع ما تقدم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله: {مِنَ ٱلْفَجْرِ} كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الله البخاري: حدثني ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف، حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد، قال: أنزلت: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} ولم ينزل: {مِنَ ٱلْفَجْرِ} وكان رجال إذا أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد: {مِنَ ٱلْفَجْرِ} فعلموا أنه يعني: الليل والنهار. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أخبرنا حصين عن الشعبي، أخبرني عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} عمدت إلى عقالين: أحدهما أسود والآخر أبيض، قال: فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود، أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالذي صنعت، فقال: «حديث : إن وسادك إذاً لعريض، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل»تفسير : أخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن عدي، ومعنى قوله: إن وسادك إذاً لعريض، أي: إن كان ليسع الخيطين؛ الخيط الأسود والأبيض المرادين من هذه الآية تحتها، فإنهما بياض النهار وسواد الليل، فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب، وهكذا وقع في رواية البخاري مفسراً بهذا: حدثنا موسى ابن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة عن حصين، عن الشعبي، عن عدي، قال: أخذ عدي عقالاً أبيض وعقالاً أسود، حتى كان بعض الليل نظر فلم يستبينا، فلما أصبح قال: يا رسول الله جعلت تحت وسادتي، قال: «حديث : إن وسادك إذاً لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك»تفسير : وجاء في بعض الألفاظ: «حديث : إنك لعريض القفا»تفسير : ففسره بعضهم بالبلادة، وهو ضعيف، بل يرجع إلى هذا؛ لأنه إذا كان وساده عريضاً، فقفاه أيضاً عريض، والله أعلم. ويفسره رواية البخاري أيضاً: حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن مطرف عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما الخيطان؟ قال: «حديث : إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين»تفسير : ثم قال: «حديث : لا، بل هو سواد الليل وبياض النهار».تفسير : وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل عى استحباب السحور؛ لأنه من باب الرخصة، والأخذ بها محبوب، ولهذا وردت السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحث على السحور، ففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تسحروا فإن في السحور بركة»تفسير : وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، هو ابن الطباع، حدثنا عبد الرحمن بن زيد عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : السحور أكلة بركة فلا تدعوه، ولو أن أحدكم تجرع جرعة ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين»تفسير : وقد ورد في الترغيب في السحور أحاديث كثيرة حتى ولو بجرعة ماء تشبهاً بالآكلين، ويستحب تأخيره إلى وقت انفجار الفجر، كما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية. وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن سالم بن غيلان، عن سليمان بن أبي عثمان، عن عدي بن حاتم الحمصي، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار، وأخروا السحور»تفسير : وقد ورد أحاديث كثيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه الغذاء المبارك، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زيد بن حبيش عن حذيفة، قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النهار إلا أن الشمس لم تطلع، وهو حديث تفرد به عاصم بن أبي النجود، قاله النسائي، وحمله على أن المراد قرب النهار، كما قال تعالى: {أية : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}تفسير : [الطلاق: 2] أي: قاربن انقضاء العدة، فإما إمساك بمعروف، أو ترك للفراق، وهذا الذي قاله هو المتعين حمل الحديث عليه أنهم تسحروا ولم يتيقنوا طلوع الفجر، حتى إن بعضهم ظن طلوعه، وبعضهم لم يتحقق ذلك، وقد روي عن طائفة كثيرة من السلف، أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر، روي مثل هذا عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت، وعن طائفة كثيرة من التابعين، منهم محمد بن علي بن الحسين وأبو مجلز وإبراهيم النخعي وأبو الضحى وأبو وائل وغيره من أصحاب ابن مسعود وعطاء والحسن والحاكم بن عيينة ومجاهد وعروة بن الزبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وإليه ذهب الأعمش وجابر بن راشد، وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب الصيام المفرد، ولله الحمد، وحكى أبو جعفر بن جرير في تفسيره عن بعضهم: أنه إنما يجب الإمساك من طلوع الشمس كما يجوز الإفطار بغروبها. (قلت): وهذا القول ما أظن أحداً من أهل العلم يستقر له قدم عليه؛ لمخالفته نص القرآن في قوله: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ} وقد ورد في الصحيحين من حديث القاسم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم، فإنه ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر»تفسير : هذا لفظ البخاري، وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس الفجر المستطيل في الأفق، ولكن المعترض الأحمر»تفسير : ورواه الترمذي، ولفظهما: «حديث : كلوا واشربوا، ولا يهيدنكم الساطع المصعد، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر» تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة عن شيخ من بني قشير، سمعت سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يغرنكم نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر الفجر، أو يطلع الفجر»تفسير : ، ثم رواه من حديث شعبة وغيره، عن سواد بن حنظلة، عن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكنه الفجر المستطير في الأفق»تفسير : ، قال: وحدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن عبد الله بن سوادة القشيري عن أبيه، عن سمرة ابن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يغرنكم أذان بلال، ولا هذا البياض ـ لعمود الصبح ـ حتى يستطير»تفسير : رواه مسلم في صحيحه عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم، هو ابن علية، مثله سواء، وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا ابن المبارك عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يمنعن أحدكم أذان بلال عن سحوره، أو قال: نداء بلال، فإن بلالاً يؤذن بليل، أو قال: ينادي لينبه نائمكم، وليرجع قائمكم، وليس الفجر أن يقول هكذا وهكذا حتى يقول هكذا»تفسير : ، ورواه من وجه آخر عن التيمي به، وحدثني الحسن بن الزبرقان النخعي حدثني أبو أسامة عن محمد ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الفجر فجران، فالذي كأنه ذنب السرحان لا يحرم شيئاً، وإنما هو المستطير الذي يأخذ الأفق؛ فإنه يحل الصلاة، ويحرم الطعام»تفسير : وهذا مرسل جيد. وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عطاء: سمعت ابن عباس يقول: هما فجران، فأما الذي يسطع في السماء، فليس يحل ولا يحرم شيئاً، ولكن الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال هو الذي يحرم الشراب. وقال عطاء: فأما إذا سطع سطوعاً في السماء، وسطوعه أن يذهب في السماء طولاً، فإنه لا يحرم به شراب الصائم، ولا صلاة، ولا يفوت به الحج، ولكن إذا انتشر على رؤوس الجبال، حرم الشراب للصيام، وفات الحج، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء، وهكذا روي عن غير واحد من السلف رحمهم الله. (مسألة) ومن جَعْله تعالى الفجرَ غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب لمن أراد الصيام يستدل على أنه من أصبح جنباً، فليغتسل، وليتم صومه، ولا حرج عليه، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفاً وخلفاً، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أنهما قالتا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من جماع غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم. وفي حديث أم سلمة عندهما: ثم لا يفطر ولا يقضي، وفي صحيح مسلم عن عائشة، أن رجلاً قال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب، فأصوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم»تفسير : فقال: لست مثلنا يارسول الله، فقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: «حديث : والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي»تفسير : فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إذا نودي للصلاة صلاة الصبح، وأحدكم جنب، فلا يصم يومئذ»تفسير : فإنه حديث جيد الإسناد على شرط الشيخين كما ترى، وهو في الصحيحين عن أبي هريرة، عن الفضل ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي سنن النسائي عنه عن أسامة بن زيد والفضل بن عباس، ولم يرفعه، فمن العلماء من علل هذا الحديث بهذا، ومنهم من ذهب إليه، ويحكى هذا عن أبي هريرة وسالم وعطاء وهشام بن عروة والحسن البصري، ومنهم من ذهب إلى التفرقة بين أن يصبح جنباً نائماً فلا عليه؛ لحديث عائشة وأم سلمة، أو مختاراً، فلا صوم له؛ لحديث أبي هريرة، يحكى هذا عن عروة وطاوس والحسن، ومنهم من فرق بين الفرض، فيتم فيقضيه، وأما النفل فلا يضره، رواه الثوري عن منصور، عن إبراهيم النخعي، وهو رواية عن الحسن البصري أيضاً، ومنهم من ادعى نسخ حديث أبي هريرة بحديثي عائشة وأم سلمة، ولكن لا تاريخ معه، وادعى ابن حزم أنه منسوخ بهذه الآية، وهو بعيد أيضاً؛ إذ لا تاريخ، بل الظاهر من التاريخ خلافه، ومنهم من حمل حديث أبي هريرة على نفي الكمال، فلا صوم له؛ لحديث عائشة وأم سلمة الدالين على الجواز، وهذا المسلك أقرب الأقوال وأجمعها، والله أعلم. {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ} يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكماً شرعياً، كما جاء في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، فقد أفطر الصائم»تفسير : وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»تفسير : أخرجاه، وقال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثنا قرة بن عبد الرحمن عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول الله عز وجل: إن أحب عبادي إليّ أعجلهم فطراً»تفسير : ورواه الترمذي من غير وجه عن الأوزاعي به، وقال: هذا حديث حسن غريب، وقال أحمد أيضاً: حدثنا عفان، حدثنا عبيد الله بن إياد، سمعت إياد بن لقيط، سمعت ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وقال: «حديث : يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ} فإذا كان الليل فأفطروا»تفسير : ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال، وهو أن يصل يوماً بيوم، ولا يأكل بينهما شيئاً، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تواصلوا» تفسير : قالوا: يا رسول الله إنك تواصل، قال: «حديث : فإني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني»تفسير : قال: فلم ينتهوا عن الوصال، فواصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم يومين وليلتين، ثم رأوا الهلال، فقال: «حديث : لو تأخر الهلال لزدتكم»تفسير : كالمنكل لهم، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به، وكذلك أخرجا النهي عن الوصال من حديث أنس وابن عمر، وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل، قال: «حديث : إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني»تفسير : فقد ثبت النهي عنه من غير وجه، وثبت أنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان يقوى على ذلك ويعان، والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنوياً لا حسياً، وإلا فلا يكون مواصلاً مع الحسي، ولكن كما قال الشاعر:شعر : لها أحاديثُ من ذِكراكَ تَشْغَلُها عن الشرابِ وتُلْهِيها عن الزادِ تفسير : وأما من أحب أن يمسك بعد غروب الشمس إلى وقت السحر، فله ذلك، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تواصلوا، فأيكم أراد يواصل، فليواصل إلى السحر»تفسير : قالوا: فإنك تواصل يارسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني»تفسير : أخرجاه في الصحيحين أيضاً، وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو إسرائيل العبسي عن أبي بكر بن حفص، عن أم ولد حاطب بن أبي بلتعة: أنها مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر، فدعاها إلى الطعام، فقالت: إني صائمة، قال: «حديث : وكيف تصومين؟»تفسير : فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أين أنت من وصال آل محمد من السحر إلى السحر»تفسير : ؟ وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل عن عبد الأعلى، عن محمد بن علي، عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل من السحر إلى السحر، وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف: أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة، وحمله منهم على أنهم كانوا يفعلون ذلك رياضة لأنفسهم، لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة، والله أعلم. ويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشاد من باب الشفقة، كما جاء في حديث عائشة: رحمة لهم، فكان ابن الزبير وابنه عامر ومن سلك سبيلهم يتجشمون ذلك ويفعلونه، لأنهم كانوا يجدون قوة عليه، وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أول ما يفطرون على السمن والصبر لئلا تتخرق الأمعاء بالطعام أولاً، وقد روي عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام، ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم، وقال أبو العالية: إنما فرض الله الصيام بالنهار، فإذا جاء الليل، فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل. قوله تعالى: {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَـٰجِدِ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان، أو في غير رمضان، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلاً أو نهاراً حتى يقضي اعتكافه. وقال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف، فخرج من المسجد، جامع إن شاء، فقال الله تعالى: {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَـٰجِدِ} أي: لا تقربوهن ما دمتم عاكفين لا في المسجد ولا في غيره. وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد: أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية، قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود ومحمد بن كعب ومجاهد وعطاء والحسن وقتادة والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل، قالوا: لا يقربها وهو معتكف. وهذا الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفاً في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها، فلا يحل له أن يثبت فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك؛ من قضاء الغائط أو الأكل، وليس له أن يقبل امرأته، ولا أن يضمها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه، ولا يعود المريض، لكن يسأل عنه وهو مار في طريقه، وللاعتكاف أحكام مفصلة في بابها، منها ما هو مجمع عليه بين العلماء، ومنها ما هو مختلف فيه، وقد ذكرنا قطعة صالحة من ذلك في آخر كتاب الصيام، ولله الحمد والمنة، ولهذا كان الفقهاء المصنفون يتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف اقتداء بالقرآن العظيم، فإنه نبه على ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم. وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام أو في آخر شهر الصيام، كما ثبت في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده، أخرجاه من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وفي الصحيحين أن صفية بنت حيي كانت تزور النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف في المسجد، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت لترجع إلى منزلها، وكان ذلك ليلاً، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ليمشي معها حتى تبلغ دارها، وكان منزلها في دار أسامة بن زيد في جانب المدينة، فلما كان ببعض الطريق، لقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، وفي رواية: تواريا، أي: حياء من النبي صلى الله عليه وسلم لكون أهله معه، فقال لهما صلى الله عليه وسلم: «حديث : على رسلكما، إنها صفية بنت حيي»تفسير : أي: لا تسرعا، واعلما أنها صفية بنت حيي، أي: زوجتي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً، أو قال: شراً»تفسير : قال الشافعي رحمه الله: أراد عليه السلام أن يعلم أمته التبري من التهمة في محلها؛ لئلا يقعا في محذور، وهما كانا أتقى لله من أن يظنا بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، والله أعلم، ثم المراد بالمباشرة إنما هو الجماع ودواعيه من تقبيل ومعانقة ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني إلي رأسه، فأرجله، وأنا حائض، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، قالت عائشة: ولقد كان المريض يكون في البيت، فما أسأل عنه، إلا وأنا مارة، وقوله: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي: هذا الذي بيناه وفرضناه وحددناه من الصيام وأحكامه، وما أبحنا فيه وما حرمنا وذكرنا غاياته ورخصه وعزائمه، حدود الله، أي: شرعها الله، وبينها بنفسه، فلا تقربوها، أي: لا تجاوزوها وتتعدوها، وكان الضحاك ومقاتل يقولان في قوله: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي: المباشرة في الاعتكاف، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني هذه الحدود الأربعة، ويقرأ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} ـ حتى بلغ ـ {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ} قال: وكان أبي وغيره من مشيختنا يقولون هذا ويتلونه علينا {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} أي: كما بين الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي: يعرفون كيف يهتدون، وكيف يطيعون؛ كما قال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ ءَايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [الحديد:9].

المحلي و السيوطي

تفسير : {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ ٱلرَّفَثُ } بمعنى الإفضاء {إِلَىٰ نِسَائِكُمْ } بالجماع، نزل نسخاً لما كان في صدر الإسلام من تحريمه وتحريم الأكل والشرب بعد العشاء {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } كناية عن تعانقهما أو احتياج كل منهما إلى صاحبه {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ } تخونون {أَنفُسَكُمْ } بالجماع ليلة الصيام وقع ذلك لعمر وغيره واعتذروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم {فَتَابَ عَلَيْكُمْ } قبل توبتكم {وَعَفَا عَنكُمْ فَٱلْئَٰنَ } إذ أُحل لكم {بَٰشِرُوهُنَّ } جامعوهن {وَٱبْتَغُواْ } اطلبوا {مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ } أي أباحه من الجماع أو قدره من الولد {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } الليل كله {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ } يظهر {لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ } أي الصادق بيان للخيط الأبيض وبيان الأسود محذوف أي من الليل شُبِهَ ما يبدو من البياض وما يمتد معه من الغبش بخيطين أبيض وأسود في الامتداد {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ } من الفجر {إلىٰالَّيْلِ} أي إلى دخوله بغروب الشمس {وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ } أي نساءكم {وَأَنتُمْ عَٰكِفُونَ } مقيمون بنيّة الاعتكاف {فِي ٱلْمَسَٰجِدِ } متعلق (بعاكفون) نهيٌ لمن كان يخرج وهو معتكف فيجامع امرأته ويعود {تِلْكَ } الأحكام المذكورة {حُدُودُ ٱللَّهِ } حدّها لعباده ليقفوا عندها {فَلاَ تَقْرَبُوهَا } أبلغ من «لا تعتدوها» المعبر به في آية أخرى {كَذٰلِكَ } كما بيَّن لكم ما ذكر {يُبَيّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } محارمه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أُحِلَّ لَكُمُ } فيه دلالة على أن هذا الذي أحله الله كان حراماً عليهم، وهكذا كان كما يفيده السبب لنزول الآية، وسيأتي. والرفث: كناية عن الجماع. قال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته، وكذا قال الأزهري، ومنه قول الشاعر:شعر : ويُرَيْنَ من أنْس الحَدِيثِ زَوَانياً وبهنَّ عَنْ رَفَث الرجالِ نِفَارُ تفسير : وقيل: الرفث: أصله قول الفحش، رفث وأرفث: إذا تكلم بالقبيح، وليس هو المراد هنا، وعدّى الرفث بإلى لتضمينه معنى الإمضاء. وجعل النساء لباساً للرجال؛ والرجال لباساً لهنّ لامتزاج كل واحد منهما بالآخر عند الجماع كالامتزاج الذي يكون بين الثوب، ولابسه. قال أبو عبيدة، وغيره: يقال للمرأة لباس، وفراش، وإزار. وقيل: إنما جل كل واحد منهما لباساً للآخر، لأنه يستره عند الجماع، عن أعين الناس. وقوله: {تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } أي: تخونونها بالمباشرة في ليالي الصوم، يقال خان، واختان بمعنى، وهما من الخيانة. قال القتيبي: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء، فلا يؤدي الأمانة فيه. انتهى. وإنما سماهم خائنين لأنفسهم؛ لأن ضرر ذلك عائد عليهم، وقوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ } يحتمل معنيين: أحدهما قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم، والآخر التخفيف عنهم بالرخصة، والإباحة كقوله: {أية : عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ }تفسير : [المزمل: 20] يعني: تخفف عنكم، وكقوله: {أية : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 92] يعني تخفيفاً، وهكذا قوله: {ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ } يحتمل العفو من الذنب، ويحتمل التوسعة، والتسهيل. وقوله: {وَٱبْتَغُواْ } قيل: هو الولد، أي: ابتغوا بمباشرة نسائكم حصول ما هو معظم المقصود من النكاح، وهو حصول النسل. وقيل: المراد: ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه، قاله الزجاج وغير. وقيل: ابتغوا الرخصة، والتوسعة. وقيل: ابتغوا ما كتب لكم من الإماء، والزوجات. وقيل: غير ذلك مما لا يفيده النظم القرآني، ولا دل عليه دليل آخر. وقرأ الحسن البصري: «واتبعوا» بالعين المهملة من الإتباع. وقوله: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ } هو: تشبيه بليغ، والمراد هنا بالخيط الأبيض هو: المعترض في الأفق، لا الذي هو كذَنَب السِّرْحان، فإنه الفجر الكذاب، الذي لا يحلّ شيئاً، ولا يحرمه. والمراد بالخيط الأسود: سواد الليل، والتبين: أن يمتاز أحدهما عن الآخر، وذلك لا يكون إلا عند دخول وقت الفجر. وقوله: {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ } فيه التصريح بأن للصوم غاية هي الليل، فعند إقبال الليل من المشرق، وإدبار النهار من المغرب يفطر الصائم، ويحلّ له الأكل، والشرب وغيرهما. وقول: {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَـٰجِدِ } قيل: المراد: بالمباشرة هنا الجماع. وقيل: تشمل التقبيل، واللمس إذا كانا لشهوة لا إذا كانا لغير شهوة، فهما جائزان كما قاله عطاء، والشافعي، وابن المنذر، وغيرهم، وعلى هذا يحتمل ما حكاه ابن عبد البر من الإجماع على أن المعتكف لا يباشر، ولا يقبل، فتكون هذه الحكاية للإجماع مقيدة بأن يكونا لشهوة، والاعتكاف في اللغة: الملازمة، يقال عكف على الشيء: إذا لازمه، ومنه قول الشاعر:شعر : وَظَلَّ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْلي عُكَّفاً عُكُوفَ البَواكِي حَوْلَهُنَّ صَرِيع تفسير : ولما كان المعتكف يلازم المسجد قيل له: عاكف في المسجد، ومعتكف فيه؛ لأنه يحبس نفسه لهذه العبادة في المسجد، والاعتكاف في الشرع: ملازمة طاعة مخصوصة على شرط مخصوص. وقد وقع الإجماع على أنه ليس بواجب، وعلى أنه لا يكون إلا في مسجد، وللاعتكاف أحكام مستوفاة في كتب الفقه، وشروح الحديث. وقوله: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } أي: هذه الأحكام حدود الله، وأصل الحدّ: المنع، ومنه سمي البواب، والسجان: حداداً، وسميت الأوامر والنواهي حدود الله؛ لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها، وأن يخرج عنها ما هو منها، ومن ذلك سميت الحدود حدوداً؛ لأنها تمنع أصحابها من العود. ومعنى النهي عن قربانها: النهي عن تعدّيها بالمخالفة لها، وقيل: إن حدود الله هي محارمه فقط، ومنها المباشرة من المعتكف، والإفطار في رمضان لغير عذر، وغير ذلك مما سبق النهي عنه، ومعنى النهي عن قربانها على هذا واضح. وقوله: {كَذٰلِكَ يُبَيّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ } أي: كما بين لكم هذه الحدود يبين لكم العلامات الهادية إلى الحق. وقد أخرج البخاري، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم عن البراء بن عازب؛ قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته، ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صِرْمَة الأنصاري كان صائماً، فكان يومه ذلك يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت لا، ولكن أنطلق، فأطلب لك، فغلبته عينه، فنام، وجاءت امرأته، فلما رأته نائماً قالت: خيبة لك أنمت؟ فلما انتصف النهار غُشِي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ } إلى قوله: {مِنَ ٱلْفَجْرِ } ففرحوا بها فرحاً شديداً. وأخرج البخاري أيضاً من حديثه قال: لما نزل صوم شهر رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، فكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } الآية. وقد روى في بيان سبب نزول هذه الآية أحاديث عن جماعة من الصحابة نحو ما قاله البراء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان الناس أوّل ما أسلموا إذا صام أحدهم يصوم يومه حتى إذا أمسى طعم من الطعام، ثم قال: وإن عمر بن الخطاب أتى امرأته، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول إني أعتذر إلى الله، وإليك من نفسي، وذكر ما وقع منه، فنزل قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال: إن المسلمين كانوا في شهر رمضان، إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء، والطعام والشراب إلى مثلها من القابلة، ثم إن ناساً من المسلمين أصابوا النساء، والطعام في رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ } الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس قال: الرفث الجماع. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عمر مثله. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: الدخول، والتفشي، والإفضاء، والمباشرة، والرفث، واللمس، والمس هذا الجماع؛ غير أن الله حَيِي كريم يكني بما شاء عما شاء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس، في قوله: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } قال: هنّ سكن لكم، وأنتم سكن لهنّ. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } قال: تظلمون أنفسكم. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {فَٱلـنَ بَـٰشِرُوهُنَّ } قال: انكحوهنّ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه في قوله: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ } قال: الولد. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد، وقتادة والضحاك مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ } قال: ليلة القدر. وأخرج البخاري في تاريخه، عن أنس مثله. وأخرج عبد الرزاق، عن قتادة قال: {وَٱبْتَغُواْ } الرخصة التي كتب الله لكم. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن سهل بن سعد. قال: أنزلت: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأسْوَدِ } ولم ينزل: {مِنَ ٱلْفَجْرِ } فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض، والخيط الأسود، فلا يزال يأكل، ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله: {مِنَ ٱلْفَجْرِ } فعلموا أنه يعني الليل والنهار. وفي الصحيحين، وغيرهما عن عديّ بن حاتم، أنه جعل تحت وساده خيطين أبيض وأسود، وجعل ينظر إليهما فلا يتبين له الأبيض من الأسود، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: "حديث : إن وسادك إذا لعريض، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل"تفسير : وفي رواية في البخاري، وغيره. إنه قال له: حديث : إنك لعريض القفا. تفسير : وفي رواية عند ابن جرير، وابن أبي حاتم: أنه ضحك منه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن الضحاك قال: كانوا يجامعون، وهم معتكفون حتى نزلت: {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَـٰجِدِ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن الربيع نحوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن ابن عباس قال: «إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه ويستأنف». وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } قال: يعني طاعة الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال: {حُدُودَ ٱللَّهِ } معصية الله: يعني المباشرة في الاعتكاف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل أنها الجماع. وأخرج أيضاً عن سعيد بن جبير في قوله: {كَذٰلِكَ } يعني: هكذا يبين الله.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَآئِكُمْ} كان ابن مسعود يقرأ الرفث والرفوث جميعاً، وهو الجماع في قوله، وأصله فاحش القول، كما قال العجاج: شعر : .......................... عن اللغا ورفث الكلام تفسير : فيكنى به عن الجماع، لأنه إذا ذُكِرَ في غير موضعه كان فحشاً. وفي قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} ثلاث تأويلات: أحدها: بمنزلة اللباس، لإفضاء كل واحد منهما إلى صاحبه، يستتر به كالثوب الملبوس، كما قال النابغة الجعدي: شعر : إذا ما الضجيج ثنى عطفها تثنت عليه فصارت لباساً تفسير : والثاني: أنهم لباس يعني السكن لقوله تعالى {أية : وجعلنا الليل لباساً} تفسير : [النبأ: 10] أي سكناً، وهذا قول مجاهد وقتادة والسدي. قوله تعالى: {عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ} سبب هذه الخيانة التي كان القوم يختانون أنفسهم، شيئان: أحدهما: إتيان النساء. الثاني: الأكل والشرب، وذلك أن الله تعالى أباح في أول الإسلام الأكل والشرب والجماع في ليل الصيام قبل نوم الإنسان، وحرّمه عليه بعد نومه، حتى جاء عمر بن الخطاب ذات ليلة من شهر رمضان، يريد امرأته، فقالت له: إني قد نمتُ، وظن أنها تعتل عليه، فوقع بها، وجاء أبو قيس ابن صرمة، وكان يعمل في أرض له، فأراد الأكل، فقالت له امرأته: نسخّر لك شيئاً، فغلبته عيناه، ثم أحضرت إليه الطعام، فلم يأكل منه فلما أصبح لاقى جهداً. وأخبر عمر وأبو قيس رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان منهما، فأنزل الله تعالى: {عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ}. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: العفو عن ذنوبهم. والثاني: العفو عن تحريم ذلك بعد النوم. ثم قال تعالى: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ} يريد به الجماع، لأن أصل المباشرة من إلصاق البشرة بالبشرة، وكان ذلك منه بياناً لما كان في جماع عمر. وفي قوله تعالى: {وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} ثلاثة أقوال: أحدها: طلب الولد، وهو قول مجاهد، وعكرمة، والسدي. والثاني: ليلة القدْر، وهو قول ابن عباس، وكان يقرأ {وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ}. والثالث: ما أحل الله تعالى لكم ورخص فيه، وهذا قول قتادة. ثم قال تعالى فيما كان من شأن أبي قيس بن صرمة: {وَكُلُواْ واشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} اختلف في المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود، على ثلاثة أقاويل: أحدها: ما رواه سهل بن سعد قال: لما نزلت {فَكُلُواْ واشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ}، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى بعدُ {مِنَ الْفَجْرْ}، فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار. والقول الثاني: أنه يريد بالخيط الأبيض ضوء النهار، وهو الفجر الثاني، وبالخيط الأسود سواد الليل قبل الفجر الثاني. وروى الشعبي عن عدي بن حاتم: أنه عند إلى خيطين أبيض وأسود، وجعلهما تحت وسادته، فكان يراعيهما في صومه، ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : إنَّكَ لَعَرِيضُ الْوِسَادِةِ، إِنَّمَا هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيلِ". تفسير : وسُمِّيَ خيطاً، لأن أول ما يبدو من البياض ممتد كالخيط، قال الشاعر: شعر : الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق والخيط الأسْودُ لون الليل مكتومُ تفسير : والخيط في كلامهم عبارة عن اللون. والثالث: ما حكي عن حذيفة بن اليمان أن الخيط الأبيض ضوء الشمس، ورويَ نحوُهُ عن عليّ وابن مسعود. وقد روى زَرٌ بن حبيش عن حذيفة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتسحر وأنا أرى مواقع النبل، قال: قلت بعد الصبح؟ قال: هو الصبح إلا أنه لم تطلع الشمس، وهذا قول قد انعقد الإجماع على خلافه، وقد روى سوادة بن حنظلة عن سَمُرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لاَ يَمْنَعَنَّكُم مِنْ سُحُورِكُم أذانُ بِلالٍ وَلاَ الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ وَلَكِن الفَجْرُ المُسْتَطِيرُ فِي الأُفُقِ". تفسير : وروى الحارث بن عبد الرحمن عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الفَجْرُ فَجْرَانِ، فَالَّذِي كَأَنَّهُ ذَنَبُ السرحانِ لاَ يُحرِّمُ شَيْئاً، وَأَمَّا الْمُسْتَطِيرُ الّذِي يَأْخُذُ الأُفُقَ فَإِنَّهُ يُحِلُّ الصَّلاَةَ وَيُحَرِّمُ الطَّعَامَ ". تفسير : فأما الفجر، فإنه مصدر من قولهم فَجَرَ الماءُ يَفْجُرُ فَجْراً، إذا جرى وانبعث، فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: (فجر) لانبعاث ضوئه، فيكون زمان الصوم المجمع على تحريم الطعام والشراب فيه وإباحته فيما سواه: ما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس. روى عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أَعْظَمُ الصَّائِمينَ أَجْراً أَقْرَبُهُم منَ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ إِفْطَاراً ". تفسير : {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ} يعني به غروب الشمس. وفي قوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنََّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} تأويلان: أحدهما: عني بالمباشرة الجماع، وهو قول الأكثرين. والثاني: ما دون الجماع من اللمس والقبلة، قاله ابن زيد ومالك. {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ} أي ما حرم، وفي تسميتها حدود الله وجهان: أحدهما: لأن الله تعالى حدها بالذكر والبيان. والثاني: لما أوجبه في أكثر المحرمات من الحدود. وقوله تعالى: {كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ ءَيَاتِهِ لِلنَّاسِ} فيه وجهان: أحدهما: يعني بآياته علامات متعبداته. والثاني: أنه يريد بالآيات هنا الفرائض والأحكام.

ابن عطية

تفسير : لفظة {أحل} تقتضي أنه كان محرماً قبل ذلك، و {ليلة} نصب على الظرف، وهي اسم جنس فلذلك أفردت، ونحوه قول عامر الرامي الحضرمي المحاربي: [الوافر] شعر : همُ المَولَى وَقَدْ جَنَفُوا عَلَيْنا وإنّا مِنْ عَدَواتِهِمْ لَزُورُ تفسير : و {الرفث} كناية عن الجماع، لأن الله تعالى كريم يكني، قاله ابن عباس والسدي، وقرأ ابن مسعود "الرفوث"، و {الرفث} في غير هذا ما فحش من القول، ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : عَنِ اللّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ تفسير : وقال أبو إسحاق: "الرفث كل ما يأتيه الرجل مع المرأة من قبل ولمس وجماع". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: أو كلام في هذه المعاني، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه " تفسير : وسبب هذه الآية فيما قال ابن عباس وغيره أن جماعة من المسلمين اختانوا أنفسهم وأصابوا النساء بعد النوم، أو بعد صلاة العشاء، على الخلاف، منهم عمر بن الخطاب، جاء إلى امرأته فأرادها، فقالت له: قد نمت، فظن أنها تعتل، فوقع بها ثم تحقق أنها قد كانت نامت، وكان الوطء بعد نوم أحدهما ممنوعاً: وقال السدي: جرى له هذا في جارية له، قالوا: فذهب عمر فاعتذر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجرى نحو هذا لكعب بن مالك الأنصاري، فنزل صدر الآية فيهم، فهي ناسخة للحكم المتقرر في منع الوطء بعد النوم، وحكى النحاس ومكي أن عمر نام ثم وقع بامرأته، وهذا عندي بعيد على عمر رضي الله عنه، وروي أن صرمة بن قيس، ويقال صرمة بن مالك، ويقال أبو أنس قيس بن صرمة، نام قبل الأكل فبقي كذلك دون أكل حتى غشي عليه في نهاره المقبل، فنزل فيه من قوله تعالى: {وكلوا واشربوا}، واللباس أصله في الثياب ثم شبه التباس الرجل بالمرأة وامتزاجهما وتلازمهما بذلك، كما قال النابغة الجعدي: [المتقارب] شعر : إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدَهَا تَدَاعتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا تفسير : وقال النابغة أيضاً: [المتقارب] شعر : لَبِسْت أُنَاساً فَأَفْنَيْتُهُمْ وَأَفْنَيْت بَعْدَ أُنَاسِ أُنَاسَا تفسير : فشبه خلطته لهم باللباس، نحا هذا المنحى في تفسير اللباس الربيع وغيره، وقال مجاهد والسدي: {لباس}: سكن، أي يسكن بعضهم إلى بعض، وإنما سميت هذه الأفعال اختياناً لعاقبة المعصية وجزائها، فراكبها يخون نفسه ويؤذيها، و {فتاب عليكم} معناه من المعصية التي واقعتموها، و {عفا عنكم} يحتمل أن يريد عن المعصية بعينها فيكون ذلك تأكيداً، وتأنيساً بزيادة على التوبة، ويحتمل أن يريد عفا عما كان ألزمكم من اجتناب النساء فيما يؤتنف، بمعنى تركه لكم، كما تقول شيء معفو عنه أي متروك. قال ابن عباس وغيره: {باشروهن} كناية عن الجماع، مأخوذ من البشرة، وقد ذكرنا لفظة {الآن} في ماضي قصة البقرة. {وابتغوا ما كتب الله لكم}. قال ابن عباس ومجاهد والحكم بن عتيبة وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك: معناه ابتغوا الولد. وروي أيضاً عن ابن عباس وغيره أن المعنى وابتغوا ليلة القدر، وقيل: المعنى ابتغوا الرخصة والتوسعة، قاله قتادة، وهو قول حسن، وقرأ الحسن فيما روي عنه ومعاوية بن قرة "واتبعوا" من الاتباع، وجوزها ابن عباس، ورجح {ابتغوا} من الابتغاء. {وكلوا واشربوا حتى يتبين} نزلت بسبب صرمة بن قيس، و {حتى} غاية للتبين، ولا يصح أن يقع التبين لأحد ويحرم عليه الأكل إلا وقد مضى لطلوع الفجر قدر، و {الخيط} استعارة وتشبيه لرقة البياض أولاً ورقة السواد الحاف به، ومن ذلك قول أبي داود: شعر : فَلَمَّا بَصُرْنَ بِهِ غدْوَةً وَلاَحَ مِنَ الْفَجْرِ خَيْطٌ أَنَارا تفسير : ويروى فنارا، وقال بعض المفسرين: {الخيط} اللون، وهذ لا يطرد لغة، والمراد فيما قال جميع العلماء بياض النهار وسواد الليل، وهو نص قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم في حديثه المشهور، و {من} الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، و {الفجر} مأخوذ من تفجر الماء، لأنه يتفجر شيئاً بعد شيء، وروي عن سهل بن سعد وغيره من الصحابة أن الآية نزلت إلا قوله {من الفجر} فصنع بعض الناس خيطين أبيض وأسود، فنزل قوله تعالى: {من الفجر}، وروي أنه كان بين طرفي المدة عام. قال القاضي أبو محمد: من رمضان إلى رمضان، تأخر البيان إلى وقت الحاجة، وعدي بن حاتم جعل خيطين على وساده وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: "حديث : إن وسادك لعريض" تفسير : ، وروي أنه قال له: "حديث : إنك لعريض القفا" تفسير : ولهذه الألفاظ تأويلان، واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك. فقال الجمهور وبه أخذ الناس ومضت عليه الأمصار والأعصار ووردت به الأحاديث الصحاح: ذلك الفجر المعترض الآخذ في الأفق يمنة ويسرة، فبطلوع أوله في الأُفق يجب الإمساك، وهو مقتضى حديث ابن مسعود وسمرة بن جندب، وروي عن عثمان بن عفان وحذيفة بن اليمان وابن عباس وطلق بن علي وعطاء بن أبي رباح والأعمش وغيرهم أن الإمساك يجب بتبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال، وذكر عن حذيفة أنه قال: "تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو النهار، إلا أنّ الشمس لم تطلع"، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه صلى الصبح بالناس ثم قال: "الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود". قال الطبري: " ومما قادهم إلى هذا القول أنهم يرون أن الصوم إنما هو في النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس لأن آخره غروبها، فكذلك أوله طلوعها". وحكى النقاش عن الخليل بن أحمد أن النهار من طلوع الفجر، ويدل على ذلك قول الله تبارك وتعالى: {أية : أقم الصلاة طرفي النهار} تفسير : [هود: 114]، قال القاضي أبو محمد: والقول في نفسه صحيح، وقد ذكرت حجته في تفسير قوله تعالى: {أية : واختلاف الليل والنهار} تفسير : [البقرة: 164، آل عمران: 190، الجاثية: 5]، وفي الاستدلال بهذه الآية نظر، ومن أكل وهو يشك هل طلع الفجر أم لم يطلع فعليه عند مالك القضاء. وقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} أمر يقتضي الوجوب، و {إلى} غاية، إذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو داخل في حكمه، كقولك اشتريت الفدان إلى حاشيته، وإذا كان من غير جنسه كما تقول اشتريت الفدان إلى الدار لم يدخل في المحدود ما بعد {إلى}، ورأت عائشة رضي الله عنها أن قوله {إلى الليل} يقتضي النهي عن الوصال، وقد واصل النبي صلى الله عليه وسلم ونهى الناس عن الوصال، وقد واصل جماعة من العلماء وقد تقدم أن هذه الآية نسخت الحكم الذي في قوله {أية : كما كتب على الذين من قبلكم} تفسير : [البقرة: 183] على قول من رأى التشبيه في الامتناع من الوطء والأكل بعد النوم في قول بعضهم، وبعد صلاة العشاء في قول بعضهم، والليل الذي يتم به الصيام مغيب قرص الشمس، فمن أفطر وهو شاكّ هل غابت الشمس فالمشهور من المذهب أن عليه القضاء والكفارة. في ثمانية أبي زيد: عليه القضاء فقط قياساً على الشك في الفجر، وهو قول جماعة من العلماء. وقال إسحاق والحسن: لا قضاء عليه كالناسي. وقوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد}، قالت فرقة: المعنى لا تجامعوهن. وقال الجمهور: ذلك يقع على الجماع فما دونه مما يتلذذ به من النساء، و {عاكفون} ملازمون، يقال عكف على الشيء إذا لازمه مقبلاً عليه، قال الراجز: [الرجز] شعر : عكف النبيط يلعبونَ الفَنْزَجا تفسير : وقال الشاعر: [الطويل] شعر : وَظَلَّ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْليَ عُكَّفاً عَكُوفَ الْبَوَاكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ تفسير : وقال أبو عمرو وأبو حاتم، قرأ قتادة "عكفون" بغير ألف، والاعتكاف سنة، وقرأ الأعمش "في المسجد" بالإفراد، وقال: "وهو المسجد الحرام". قال مالك رحمه الله وجماعة معه: لا اعتكاف إلا في مساجد الجمعات، وروي عن مالك أيضاً أن ذلك في كل مسجد، ويخرج إلى الجمعة كما يخرج إلى ضروري أشغاله. وقال قوم: لا اعتكاف إلا في أحد المساجد الثلاثة التي تشد المطي إليها حسب الحديث في ذلك. وقالت فرقة لا اعتكاف إلا في مسجد نبي. وقال مالك: "لا يعتكف أقل من يوم وليلة، ومن نذر أحدهما لزمه الآخر". وقال سحنون: "من نذر اعتكاف ليلة لم يلزمه شيء". وقالت طائفة: أيهما نذر اعتكفه ولم يلزمه أكثر. وقال مالك: "لا اعتكاف إلا بصوم". وقال غيره: يعتكف بغير صوم، وروي عن عائشة أنه يعتكف في غير مسجد. و {تلك} إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي، والحدود: الحواجز بين الإباحة والحظر، ومنه قيل للبواب حداد لأنه يمنع، ومنه الحاد وهي المرأة الممتنعة من الزينة، والآيات: العلامات الهادية إلى الحق، و {لعلهم} ترّجٍ في حقهم، وظاهر ذلك عموم ومعناه خصوص فيمن يسره الله للهدى بدلالة الآيات التي تتضمن أن الله يضل من يشاء.

ابن عبد السلام

تفسير : {الرَّفَثُ} من فاحش القول، شعر : عن اللغا ورفث التكلم تفسير : عبّر به عن الجماع اتفاقاً، لأن ذكره في غير موضعه فحش. {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ} بمنزلة اللباس لإفضاء كل واحد منهما ببشرته إلى صاحبه، أو لاستتار أحدهما بالآخر، أو سكن {أية : ٱللَّيْلَ لِبَاساً} تفسير : [النبأ: 10] سكناً. {تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ} بالجماع والأكل والشرب، أُبيحا قبل النوم وحرِّما بعده. فطلب عمر زوجته فقالت: قد نمت فظنها تعتل فواقعها، وجاء قيس بن صرمة من عمله في أرضه فطلب الأكل فقالت زوجته نسخن لك شيئاً فغلبته عيناه، ثم قدمت إليه الطعام فامتنع، فلما أصبح لاقى جهداً وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما جرى لهما فنزلت.... {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} لما كان من مخالفتكم. {وَعَفَا} عن ذنوبكم، أو عن تحريم ذلك بعد النوم. {بَاشِرُوهُنَّ} جامعوهن. {مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} الولد، أو ليلة القدر، أو ما رخص فيه. {الْخَيْطُ الأَبْيَضُ} قال علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ: "الخيط الأبيض الشمس". قال حذيفة "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسحر وأنا أرى مواقع النبل. فقيل لحذيفة بعد الصبح فقال: هو الصبح إلا أنه لم تطلع الشمس" والإجماع على خلاف هذا، أو الأبيض الفجر الثاني والأسود سواد الليل قبل الفجر الثاني، حديث : كان عدي يراعي خيطاً أبيض وخيطاً أسود جعلهما تحت وسادته فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: "إنك لعريض الوساد، إنما هو بياض النهار وسواد الليل، تفسير : أو كان بعضهم يربط في رجليه خيطاً أبيض وخيطاً أسود ولا يزال يأكل حتى يتبينا له فأنزل الله عز وجل {مِنَ الْفَجْرِ}، فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار" {الْفَجْرِ} لانبعاث ضوئه: من فجر الماء يفجر فجراً: انبعث وجرى {تُبَاشِرُوهُنَّ} بالقبل واللمس، أو بالجماع عند الأكثرين.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} سبب نزول هذه الآ ية أنه كان في ابتداء الأمر بالصوم إذا أفطر الرجل حل له الطعام والشراب والجماع إلى أن يصلي العشاء الأخيرة أو يرقد قبلها فإذا صلى، أو رقد حرم عليه ذلك كله إلى الليلة القابلة ثم إن عمر بن الخطاب واقع أهله بعد ما صلّى العشاء فلما اغتسل أخذ بيكي ويلوم نفسه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أعتذر إلى الله وإليك من هذه الخطيئة إني رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لي نفسي فجامعت أهلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما كنت بذلك جديراً يا عمر" تفسير : فقام رجال فاعترفوا بمثل ذلك فنزلت في عمر وأصحابه أحل لكم أي أبيح لكم ليلة أراد بالليلة ليالي الصيام الرفث إلى نسائكم الرفث كلام يستقبح لفظه من ذكر الجماع ودواعيه وهو هنا كناية عن الجماع قال ابن عباس إن الله تعالى حي كريم يكنى فما ذكره من المباشرة والملامسة وغير ذلك إنما هو الجماع {هن لباس لكم} أي سكن لكم {وأنتم لباس لهنَّ} أي سكن لهن قيل لا يسكن شيء إلا شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر وسمي كل واحد من الزوجين لباساً لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد وقيل اللباس اسم لما يوارى فيكون كل واحد منهما ستراً لصاحبه عما لا يحل كما جاء في الحديث "حديث : من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه" تفسير : {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} قال ابن عباس يريد فيما ائتمنكم عليه وخيانتهم أنهم كانوا يباشرون في ليالي الصوم، والمعنى يظلمونها بالمجامعة بعد العشاء وهو من الخيانة وأصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي فيه الأمانة ويقال للعاصي خائن لأنه مؤتمن على دينه {فتاب عليكم} أي فتبتم فتاب عليكم وتجاوز عنكم {وعفا عنكم} أي ومحا ذنوبكم (خ) عن البراء قال لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله فكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم} الآية قال ابن عباس: فكان ذلك مما نفع الله به الناس ورخص لهم ويسر {فالآن باشروهن} أي جامعوهن فهو حلال لكم في ليالي الصوم، وسميت المجامعة مباشرة لتلاصق بشرة واحد بصاحبه {وابتغوا ما كتب الله لكم} أي ما قضى لكم في اللوح المحفوظ يعني الولد، وقيل: وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم بإباحة الأكل والشرب والجماع في اللوح المحفوظ يعني الولد. وقيل: اطلبوا ليلة القدر. {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} نزلت في صرمة بن قيس بن صرمة الأنصاري، ويقال قيس بن صرمة وذلك أنه ظل يعمل في أرض له وهو صائم فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر، وقال لأهله قدمي الطعام فأرادت المرأة أن تطعمه شيئاً سخناً فأخذت تعمل له ذلك فلما فرغت فإذا هو قد نام وكان قد أعيا من التعب، فأيقظته فكره أن يعصي الله ورسوله وأبى أن يأكل وأصبح صائماً مجهوداً فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه فلما أفاق أتى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: حديث : يا أبا قيس ما لك أمسيت طليحاً تفسير : فذكر له حاله فاغتم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية وقوله: طليحاً أي مهزولاً مجهوداً (خ) عن البراء قال كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً، فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال أعندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عينه فجاءته امرأته فلما رأته قالت خيبة لك فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} ففرحوا بها فرحاً شديداً ونزلت: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ومعنى الآية: وكلوا واشربوا في ليالي الصوم، حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود: بياض النهار من سواد الليل، وسميا خيطين لأن كل واحد منهما يبدو في الأفق ممتداً كالخيط، قال الشاعر: شعر : فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا تفسير : السدف اختلاط الظلام وأسدف الفجر أضاء (ق) عن سهل بن سعد قال لما نزلت: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} ولم ينزل {من الفجر} فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى تتبين له رؤيتهما فأنزل الله عز وجل بعده {من الفجر} فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار (ق) عن عدي بن حاتم: "حديث : لما نزلت حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود عمدت إلى عقال أسود وعقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر في الليل فلا يتبين لي فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك فقال: إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار"تفسير : (ق) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" تفسير : قال: وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت. واعلم أن الفجر الذي يحرم به على الصائم الطعام والشراب والجماع هو الفجر الصادق المستطير المنتشر في الأفق سريعاً، لا الفجر الكاذب المستطيل. فإذا قلت كيف شبه الصبح الصادق بالخيط الأبيض والخيط مستطيل والصبح الصادق ليس بمستطيل؟. قلت إن القدر الذي يبدو من البياض هو أول الصبح يكون رقيقاً صغيراً ثم ينتشر فلهذا شبه بالخيط، والفرق بين الفجر الصادق والفجر الكاذب أن الفجر الكاذب يبدو في الأفق فيرتفع مستطيلاً ثم يضمحل ويذهب ثم يبدو الفجر الصادق بعده منتشراً في الأفق مستطيراً (م) عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال وبياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا" تفسير : وحكاه حماد بيديه قال يعني معترضاً وفي رواية الترمذي: "حديث : لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولا الفجر المستطير في الأفق" تفسير : فإذا تحقق طلوع الفجر الثاني وهو الصادق حرم على الصائم الطعام والشراب والجماع إلى غروب الشمس وهو قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} يعني منتهى الصوم إلى الليل فإذا دخل الليل حصل الفطر (ق) عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" تفسير : وهل يلزم الصائم أن يتناول عند تحقق غروب الشمس شيئاً؟ فيه وجهان: أحدهما نعم يلزم ذلك لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الوصال. والثاني لا، لأنه قد حصل الفطر بمجرد دخول الليل سواء أكل أو لم يأكل، وتمسكت الحنفية بهذه الآية في أن الصوم النفل يجب إتمامه وقالوا: لأن قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} أمر وهو للوجوب وهو يتناول كل الصيام. أجاب أصحاب الشافعي عنه بأن هذا إنما ورد في بيان أحكام صوم الفرض فكان المراد منه صوم الفرض ويدل على إباحة الفطر من النفل ما روي عن عائشة قالت: "حديث : دخل النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال هل عندكم شيء، قلنا لا قال: فإني إذاً صائم ثم أتانا يوماً آخر فقلت يا رسول الله أهدي لنا حيس. قال: أرنيه فلقد أصبحت صائماً فأكل" تفسير : أخرجه مسلم. الحيس هو خلط الأقط والتمر والسمن وقد يجعل عوض الأقط دقيق أو فتيت وقيل هو التمر ينزع نواه ويخلط بالسويق والأول أعرف. قوله عز وجل: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} الاعتكاف هو الإقبال على الشيء والملازمة له على سبيل التعظيم. وهو في الشرع عبارة عن الإقامة في المسجد على عبادة الله تعالى. وسبب نزول هذه الآية أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعتكفون في المسجد، فإذا عرض لرجل منهم حاجة إلى أهله خرج إليها وخلا بها، ثم اغتسل ورجع إلى المسجد فنهوا عن ذلك حتى يفرغوا من اعتكافهم. واعلم أن الله تعالى بين أن الجماع يحرم على الصائم بالنهار ويباح له في الليل، فكان يحتمل أن يكون حكم الاعتكاف كحكم الصوم فبين الله تعالى في هذه الآية أن الجماع يحرم على المعتكف في النهار والليل حتى يخرج من اعتكافه. فصل في حكم الاعتكاف الاعتكاف سنة ولا يجوز في غير المسجد، وذلك لأن المسجد يتميز عن سائر البقاع بالفضل لأنه بني لإقامة الطاعات والعبادات فيه. ثم اختلفوا فنقل عن علي أنه لا يجوز إلاّ في المسجد الحرام لقوله: {أية : وطهر بيتي للطائفين والقآئمين والركع السجود} تفسير : [الحج: 26] فخصه به وقول عطاء: لا يجوز إلاّ في المسجد الحرام ومسجد المدينة. وقال حذيفة: يجوز في هذين المسجدين ومسجد بيت المقدس. وقال الزهري: لا يصح إلاّ في الجامع وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلاّ في مسجد له إمام ومؤذن وقال الشافعي ومالك وأحمد يجوز في سائر المساجد لعموم قوله: {وأنتم عاكفون في المساجد} إلاّ أن المسجد الجامع أفضل حتى لا يحتاج إلى الخروج من معتكفه لصلاة الجمعة (ق) عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه بعده (ق) عن ابن عمر: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشرالأواخر من رمضان". فروع الأول: يجوز الاعتكاف بغير صوم والأفضل أن يصوم معه، وقال أبو حنيفة: الصوم شرط في الاعتكاف ولا يصح إلاّ به، وحجة الشافعي ما روي حديث : عن عمر: "قال يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال فأوف بنذرك" تفسير : أخرجاه في الصحيحين ومعلوم أنه لا يصح الصوم في الليل. الفرع الثاني: لا يقدر للاعتكاف زمان عند الشافعي وأقله لحظة، ولا حد لأكثره، فلو نذر اعتكاف ساعة صح نذره، ولو نذر أن يعتكف مطلقاً يخرج من نذره باعتكاف ساعة. قال الشافعي: وأحب أن يعتكف يوماً، وإنما قال ذلك للخروج من الخلاف فإن أقل زمن الاعتكاف عند مالك وأبي حنيفة يوم بشرط أن يدخل فيه قبل طلوع الفجر ويخرج منه بعد غروب الشمس. الفرع الثالث: الجماع حرام في حال الاعتكاف ويفسد به وأما ما دون الجماع كالقبلة ونحوها فمكروه ولا يفسد به عند أكثر العلماء، وهو أظهر قول الشافعي والثاني يبطل به وهو قول مالك، وقيل إن أنزل بطل اعتكافه وأن لم ينزل فلا، وهو قول أبي حنيفة، وأما الملامسة بغير شهوة فجائز، ولا يفسد به الاعتكاف لما روي عن عائشة: "أنها كانت ترجل النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض وهو معتكف في المسجد، وهي في حجرتها يناولها رأسه" زاد في رواية: "وكان لا يدخل البيت إلاّ لحاجة إذا كان معتكفاً" وفي رواية: "وكان لا يدخل البيت إلاّ لحاجة الإنسان" أخرجاه في الصحيحين. الترجيل تسريح الشعر، وقولها إلاّ لحاجة حوائج الإنسان كثيرة والمراد منها هاهنا كل ما يضطر الإنسان إليه مما لا يجوز له فعله في المسجد وموضع معتكفه. وقوله تعالى: {تلك حدود الله} يعني تلك الأحكام التي ذكرت في الصيام والاعتكاف من تحريم الأكل والشرب والجماع حدود الله وقيل حدود الله فرائض الله. وأصل الحد في اللغة المنع، والحد الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر وحد الشيء بالوصف المحيط بمعناه المميز له عن غيره وقيل معنى حدود الله المقادير التي قدرها ومنع من مخالتفها {فلا تقربوها} أي فلا تأتوها ولا تغشوها. فإن قلت في الآية إشكالان: أما الأول فهو أنه قال: تلك حدود الله وهو إشارة إلى ما تقدم من الأحكام وبعضها فيه إباحة وبعضها فيه حظر فكيف قال في الجميع فلا تقربوها؟. الإشكال الثاني هو أنه تعالى قال في هذه الآية: {تلك حدود الله فلا تقربوها} وقال في آية أخرى: {أية : تلك حدود الله فلا تعتدوها} تفسير : [البقرة: 229] وقال في آية أخرى: {أية : ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده} تفسير : [النساء: 14] فكيف الجمع بين هذه الآيات؟. قلت: الجواب عن السؤالين من وجهين: أما الإشكال الأول، فجوابه أن الأحكام التي تقدمت فيما قبل، وإن كانت كثيرة إلاّ أن أقربها إلى هذه الآية قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} وذلك يوجب تحريم الجماع في حال الاعتكاف، وقال قبلها: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} وذلك يوجب تحريم الأكل والشرب في النهار فلما كان الأقرب إلى هذه الآية جانب التحريم قال {تلك حدود الله فلا تقربوها} والجواب عن الإشكال الثاني أن من كان في طاعة الله تعالى والعمل بفرائضه فهو منصرف في حيزي الحق فنهي أن يتعداه فيقع في حيز الباطل ثم بولغ في ذلك فنهي أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل لئلا يداني الباطل فيقع فيه فهو كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه" تفسير : وقيل أراد بحدوده هنا محارمه ومناهيه لقوله: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} ونحو هذا التحريم فهي حدود لا تقرب {كذلك} أي كما بين لكم ما أمركم به ونهاكم عنه كذلك {يبين الله آياته} أي معالم دينه وأحكام شريعته {للناس} مثل هذا البيان الشافي الوافي {لعلهم يتقون} أي لكي يتقوا ما حرم عليهم فينجوا من العذاب.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ...}. قال الزمخشري: إن قلت لم كنّى الجماع بالرفث الدال على القبح أي على معنى القبح بخلاف قوله {أية : وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ}تفسير : وقوله {أية : فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ }؟ تفسير : وأجاب عن ذلك بأن ذلك تقبيح لما صدر منهم قبل الإباحة، كما سماه (اختيانا). ابن عرفة: والجواب عندي بعكس هذا وهو أنّه مبالغة في الإباحة والتحليل فعبر عنه باللّفظ الصّريح حتى لا يبقى عندهم فيه شك ولا توهم بوجه. قال ابن عرفة: وعدّي الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء. وقال ابن جني في سر الصناعة في مثل هذا: إنّ الرفث يتعدّى بالباء والإفضاء بإلى فذكر الرّفث ولم يذكر معموله، وذكر معمول الإفضاء ولم يذكر عامله إشعارا بإرادة الجميع وأن الكل مقصود بالذكر. قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ...}. ابن عرفة: ليس هذا من (النّسب) المتعاكسة مثل: زيد أخوك وأخوك زيد، إذ لا يلزم من كونهنّ لباسا للرّجال أن يكون الرجال لباسا لهن وهذا تأكيد في التحليل. قوله تعالى: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ...}. قال ابن عرفة: هذا من باب القلب مثل كسر الزجاج الحجر لأنّ النفس هي الخائنة قال تعالى {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ } تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ...}. ابن عطية: قال: الإمام مالك/ الاعتكاف إلا في مساجد الجماعات. وروي عنه أن ذلك في كل مسجد. ابن عطية: وروي عنه أنّ ذلك في كل مسجد من المساجد. ابن عرفة: لو نذر أن يعتكف فإنه يجزيه عند مالك الاعتكاف في أي مسجد أراد ويخرج به من العهدة وشرط الجامع غير واجب. وكذا قال الشيخ ابن العربي عن الإمام مالك رضي الله عنه. قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ...}. الإشارة (راجعة) إلى الأحكام أو إلى النواهي المتقدمة. قوله تعالى: {فَلاَ تَقْرَبُوهَا...}. نهى عن القرب لحديث "حديث : الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ". تفسير : قيل لابن عرفة: تقرر أن اتقاء الشبهات غير واجب بل مستحب؟ فقال: هي أقسام: مظنون، ومشكوك فيها، ومتوهمة، فالوهم مرجوح، والظن راجح فينتج وجوب الاجتناب، والشك فيه خلاف (ومحمل النهي) في الآية على تحريم المظنون والمشكوك فيه وقال في الآية الأخرى: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا }. تفسير : ابن عرفة: يحتمل أن تكون تلك قبل هذه فنهينا أولا عن تعدي الحدود، ثم نهينا ثانيا عن قربها؛ أو يكون الأمر الأول للعوام والثاني للخواص. وأجاب أبو جعفر الزبير بأن قرب النساء بالمباشرة يدعو إلى المواقعة فقل من يملك نفسه، فنهى عن القرب ونظيره: {أية : وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ}،تفسير : ولذلك منع المحرم من الطيب. فإن قصد البيان العام الفارق بين الحلال والحرام لم ينه عن المقاربة بل عن التعدي فقط، مثل {أية : ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}تفسير : الى قوله {أية : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا}،تفسير : فحرم أموالهم على الأزواج بغير حق ما لم يقع نشوزٌ أو ما يمنع عن القيام بحقوقهم. وأجاب بعضهم بأنّ تلك تقدمها "ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ" وهو أمر مباح، فناسب النهي عن تعديه لا عن قربه، وهذه تقدمها النهي عن المباشرة وهو محرم فناسب النهي عن قربه. قوله تعالى: {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ...}. قيل لابن عرفة: هذا يؤخذ منه أن النبي صلى الله عليه وسلم غير مجتهد؟ فقال: الآيات هي القرآن والمعجزات، وأما السنة كلها فلا تسمى آيات.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ...} الآيةَ: لفظة {أُحِلَّ } تقتضي أنه كان محرَّماً قبل ذلك، و {لَيْلَةَ }: نصب على الظَّرْف. و {ٱلرَّفَثُ}: كناية عن الجِمَاع؛ لأن اللَّه تعالَىٰ كريمٌ يُكَنِّي؛ قاله ابن عَبَّاس وغيره، والرَّفَثُ في غير هذا: ما فَحُشَ من القول، وقال أبو إِسْحَاق: الرَّفَثُ: كلُّ ما يأتيه الرجُلُ، مع المرأة من قُبْلةٍ، ولَمُسٍ. * ع *: أو كلامٍ في هذا المعنى، وسببُ هذه الآيةِ فيما قال ابن عَبَّاس وغيره: إِن جماعةً من المسلمين ٱختانوا أنفُسَهُم، وأصابوا النِّسَاء بعد النَّوْم، أو بعد صلاة العشَاء على الخلافِ في ذلك، منْهم عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب: جاء إِلى امرأته، فأرادها، فقالَتْ له قد نِمْتُ، فَظَنَّ أنها تَعْتَلُّ بذلك، فوقع بها، ثم تحقَّق أنها قد كانت نامَتْ، وكان الوطْءُ بعد نَوْمِ أحدهما ممنوعاً، فذهب عُمَرُ، فٱعتذر عنْدَ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فنَزَلَ صدْرُ الآية، وروي أن صِرْمَةَ بْنَ قَيْسٍ نام قَبْل الأكْلِ، فبقي كذلك دُونَ أكْلٍ، حتَّىٰ غُشِيَ علَيْهِ في نهارِهِ المُقْبِلِ، فنَزَلَ فيه مَنْ قوله تعالى: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ }. واللِّبَاسُ: أصله في الثِّيَاب، ثم شبه ٱلْتِبَاس الرَّجُلٍ بالمرأةِ بذلك. وتَابَ عَلَيْكُمْ، أي: من المعصية التي وقعتم فيها. قال ابنُ عبَّاس وغيره: {بَـٰشِرُوهُنَّ } كنايةٌ عن الجماعة، {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ }. قال ابن عبَّاس وغيره: أي: ٱبتغوا الوَلَدَ، قال الفَخْر والمَعْنَىٰ: لا تباشروهن لقضاء الشهوة فقطْ، ولكنْ لٱبْتغاءِ ما وَضَعَ اللَّه له النِّكاح من التناسُلِ، قال ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : تَنَاكَحُوا، تَنَاسَلُوا؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ»تفسير : انتهى. وقيل: المعنى: ٱبتغوا ليلةَ القَدْرِ. وقيل: ابتغوا الرُّخْصَة، والتوسعَةَ؛ قاله قتادة، وهو قول حَسَنٌ. {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ...} الآيةُ: نزلت بسبب صِرْمَةَ بْنِ قَيْسٍ، و {حَتَّىٰ }: غايةٌ للتبيُّن، ولا يصحُّ أن يقع التبيُّن لأحد، ويحرم عليه الأكل إِلا وقدْ مَضَى لطُلُوع الفجْرِ قدْرٌ، والخيط استعارةٌ وتشبيه لرقَّة البياضِ أولاً، ورقَّةُ السوادِ إِلحاقٌ به، والمرادُ فيما قال جميع العلماء: بياضُ النهارِ، وسوادُ الليل. و {مِنَ} الأولى لٱبتداء الغايةِ، والثانيةُ للتبعيض، و {ٱلْفَجْرِ}: مأخوذ من تَفَجُّر الماء؛ لأنه ينفجر شيئاً بعد شيْء، وروي عن سَهْل بن سعدٍ وغيره من الصحَابة؛ أن الآية نزلَتْ إِلا قوله: {مِنَ ٱلْفَجْرِ }، فصنع بعض الناسِ خَيْطَيْنِ، أَبْيَضَ وأسْوَدَ، فنزَلَ قوله تعالَىٰ: {مِنَ ٱلْفَجْرِ }. * ع *: ورُوِيَ؛ "حديث : أنَّهُ كَانَ بَيْنَ طرفَيِ المُدَّة عامٌ من رمَضَان إِلى رمَضَان تأخّر البيان إِلى وقت الحاجة، وعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ جعل خيطَيْن علَىٰ وسَادِهِ، وأخبر النبيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ»".تفسير : واختلف في الحدِّ الذي بتبيُّنه يجبُ الإِمساك، فقال الجمهورُ، وبه أخذ الناس، ومضَتْ عليه الأمصار والأعصار، ووردتْ به الأحاديثُ الصِّحَاحُ: إِنه الفَجْر المُعْتَرِضُ في الأُفُقِ يَمْنَةً ويَسْرَةً، فبطلوعِ أوله في الأفق يجبُ الإمساكُ، وروي عن عثمانَ بن عفَّان، وحذيفةَ بن اليَمَانِ، وابن عبَّاس وغيرهم؛ أن الإِمساك يجبُ بتبيُّن الفَجْر في الطُّرُق، وعلى رءوس الجبالِ، وذكر عن حُذَيفة؛ أنه قال: «تَسَحَّرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ النَّهارُ إِلاَّ أنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ». ومن أكل، وهو يشكُّ في الفجر، فعليه القضاء عند مالك. وقوله سبحانه: {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ} أمر يقتضي الوجوب، و {إِلَىٰ }: غايةٌ، وإِذا كان ما بعدها من جنْسِ ما قبلها، فهو داخلٌ في حكمه، وإِذا كان من غير جنْسه، لم يدخلْ في المحدودِ، والليلُ: الذي يتم به الصيامُ: مَغِيبُ قرص الشمسِ، فمن أفطر شاكًّا في غروبها، فالمشهورُ من المَذْهَب؛ أنَّ عليه القضاءَ والكفَّارةَ. وروى أبو هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : ثَلاَثةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، والإِمَامُ العَادِلُ، ودَعْوَةُ المَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ تَعَالَىٰ: وَعِزَّتِي، لأَنْصُرَنَّكِ، وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» تفسير : رواه الترمذيُّ، وابن ماجة، وابن حِبَّان في «صحيحه»، وقال الترمذيُّ: واللفظ له؛ حديثٌ حسنٌ، ولفظ ابن ماجة: «حَتَّىٰ يُفْطِرَ». انتهى من «السِّلاح». وعنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَّا تُرَدُّ»تفسير : ، رواه ابنُ السُّنِّيِّ. انتهى من «حِلْيَة النوويِّ». وعنه صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ» تفسير : . رواه البخاريُّ ومسلم. انتهى. وروى ابنُ المبارك في «رقائقه»، قال: أخبرنا حمَّاد بن سَلَمَةَ، عن واصل مولى أبي عُيَيْنَة، عن لقيد أبِي المُغيرَةِ، عن أبي بُرْدَة: أنَّ أبا موسَى الأَشْعَرِيَّ كَانَ في سفينة في البَحْر مرفوعٍ شراعُها، فإِذا رجُلٌ يقول: يأَهْلَ السفينةِ، قِفُوا سبْعَ مرارٍ، فقلْنا: ألا تَرَىٰ علَىٰ أيِّ حالٍ نحْنُ، ثم قال في السابعة، قِفُوا أخبرْكُمْ بقضاءٍ قضاه اللَّه علَىٰ نَفْسِهِ؛ أنَّه من عَطَّشَ نَفْسَهُ للَّهِ في يومٍ حارٍّ من أيامِ الدُّنْيَا شديدِ الحَرِّ، كان حقًّا على اللَّه أنْ يرويه يوم القيامة، فكان أبو موسَىٰ يبتغي اليَوْمَ الشَّديدَ الحَرِّ، فيصومه. انتهى. قال يوسُفُ بن يَحْيَـــى التَّادِلِيُّ في «كتاب التشوُّف»، وخرَّج عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» عن هشامِ بنِ حَسَّان، عن واصلِ بن لَقِيط، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسَى الأشعريِّ، قَالَ: «غَزَا النَّاسُ بَرًّا وبحراً، فكنْتُ ممَّن غَزَا في البَحْر، فبينما نحْنُ نسيرُ في البَحْر؛ إِذ سمعنا صوتاً يقول: يأهل السفينة، قِفُوا أخبرْكُم، فنظرنا يميناً وشَمالاً، فلم نر شيئاً إِلا لُجَّةَ البحر، ثم نادى الثانيةَ؛ حتى نادى سبْعَ مراتٍ، يقول كذلك، قال أبو موسَىٰ: فلما كانَتِ السابعةُ، قُمْتُ، فقُلْتُ: ما تخبرنا؟ قال: أخبركم بقضاءٍ قضاه اللَّه علَىٰ نَفْسِهِ؛ أنَّ من عَطِشَ للَّه في يوم حَارٍّ، أنْ يرويه اللَّه يوم القيامة»، وذكره ابن حَبِيب في «الواضحة»؛ بلفظ آخر. انتهى. قال ابن المبارك: وأخبرنا أبو بكر بن أبي مَرْيَم الغَسَّانيّ، قال: حدَّثني ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ، قال: قَالَ رَسُولُ الَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ بَاباً، وإِنَّ بابَ العبادة الصيام» تفسير : . انتهى. وروى البخاريُّ ومسلم في «صحيحيهما»، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : كُلُّ عَمَلِ ٱبْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَىٰ سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ: إِلاَّ الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، إِنَّمَا يَدَعُ شَهْوتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي» تفسير : . انتهى. وقوله تعالى: {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَـٰجِدِ } قالتْ فرقة: المعنى: ولا تجامعوهُنَّ، وقال الجمهور: ذلك يقع على الجِمَاعِ، فما دونه ممَّا يُتلذَّذ به من النساء، و {عَـٰكِفُونَ }، أيْ: مُلاَزِمُون، قال مالكٌ - رحمه اللَّه - وجماعةٌ معه: لا ٱعتكاف إلا في مساجد الجُمُعَاتِ، وروي عن مالكٍ أيضاً؛ أنَّ ذلك في كل مسجدٍ، ويخرج إِلى الجُمُعة؛ كما يخرج إِلى ضروريِّ أشغالِهِ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: وحرم اللَّه سبحانه المباشَرَةَ في المَسْجد؛ وكذلك تحرم خارجَ المَسْجِدِ؛ لأن معنى الآية، ولا تباشرُوهُنَّ وأنتم ملتزمون لِلاعتكاف في المساجد معتقدُونَ له. انتهى. و {تِلْكَ} إِشارةٌ إِلى هذه الأوامر والنواهِي. والحُدُودُ: الحواجزُ بيْن الإِباحة والحظر؛ ومنه قيل للبوَّاب حَدَّاد؛ لأنه يمنع؛ ومنه الحَادُّ؛ لأنها تُمنع من الزينةِ، والآياتُ: العلاماتُ الهاديةُ إِلى الحق. وقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُم بِٱلْبَاطِلِ...} الآية: الخطابُ لأمة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم ويدخلُ في هذه الآيةِ القِمَارُ، والخُدَعُ، والغُصُوب، وجَحْد الحُقُوق، وغَيْرُ ذلك. وقوله سبحانه: {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ...} الآية: يقال: أَدْلَى الرَّجُلُ بحجَّة، أو بأمْر يرجُو النَّجاح به، تشبيهاً بالذي يرسل الدَّلْو في البِئْر يرجُو بها الماءَ، قال قومٌ: معنى الآية: تُسَارعون في الأموال إِلى المخاصَمَة، إِذا علمْتم أنَّ الحُجَّة تقوم لكم؛ إِمَّا بأن لا تكون على الجاحِدِ بيِّنة، أو يكون مالَ أمانةٍ؛ كاليتيم ونحوه ممَّا يكون القولُ فيه قوله، فالباء في «بِهَا» باءُ السبب، وقيل: معنى الآية: تُرْشُوا بهَا علَىٰ أكْل أكثر منْها، فالباء إِلزاقٌ مجرَّدٌ؛ وهذا القول يترجَّح لأن الحكَّام مَظِنَّةُ الرُّشَا، إِلاَّ من عُصِمَ، وهو الأقل، وأيضاً، فإِن اللفظتين متناسبتَان. {تُدْلُواْ}: من إِرسال الدلْوِ، والرِّشْوَةُ: من الرِّشَاءِ؛ كأنها يمدُّ بها؛ لتقضي الحاجة. والفريقُ: القطْعة، والجزء. و {بِٱلإِثْمِ } أي: بالظلم. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي: أنكم مبطلون.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ} منصوبٌ على الظرف، وفي الناصب له ثلاثةُ أقوالٍ: أحدها - وهو المشهورُ عند المُعْربين -: "أُحِلَّ"، وليس بشيءٍ؛ لأنَّ الإحلال ثابتٌ قبل ذلك الوقت. الثاني: أنه مقدرٌ مدلولٌ عليه بلفظ "الرَّفَث"، تقديرُه: أُحِلَّ لكُمْ أن ترفُثُوا ليلة الصِّيام؛ كما خرَّجوا قول الشاعر: [الهزج] شعر : 950 - وَبَعْضُ الحِلْم عِنْدَ الْجَهــ ـلِ لِللذِّلَّةِ إِذْعَانُ تفسير : أي: إِذْعانٌ لِلذِّلَّةِ إِذْعانٌ، وإنما لم يَجُزْ أَنْ ينتصب بالرَّفث؛ لأنه مصدرٌ مقدَّرٌ بموصولٍ، ومعمولُ الصلة لا يتقدَّمُ على المَوصُولِ، فلذلك احْتَجْنَا إلى إضمار عاملٍ منْ لفظ المذكُور. الثالث: أنه متعلِّق بالرَّفثِ، وذلك على رأي منْ يرى الاتساع في الظروف والمجْرُوراتِ، وقد تقدَّم تحقيقه. وأضيفت اللِّيلةُ للصيام؛ ات‍ِّساعاً، لأنَّ شرط صحته، وهو النيةُ، موجودةٌ فيها، والإضافة تحدُثُ بأدنى ملابسةٍ، وإلاَّ فمِنْ حقِّ الظَّرف المضاف إلى حدثٍ أن يُوجَدَ ذلك الحدث في جزءٍ من ذلك الظَّرف، والصومُ في اللَّيل غيرُ معتَبَرٍ، ولكنَّ المُسَوِّغ لذلك ما ذكرتُ لك أو تقول: الليلة: عبارةٌ عمَّا بين غروب الشَّمس إلى طلوعها، ولمَّا كان الصَّيام من طلوع الفجر، فكان بعضُهُ واقعاً في اللِّيل فساغ ذلك. والجمهورُ على "أُحِلَّ" مبنيّاً للمفعول للعلمِ به، وهو اللَّهُ تعالى، وقرئ مبنياً للفاعل، وفيه حينئذٍ احتمالان: أحدهما: أن يكونَ من باب الإضمار؛ لفَهْمِ المعنى، أي أَحَلَّ اللَّهُ؛ لأنَّ من المعلومِ أنه هو المُحَلِّلُ والمحرِّم. والثاني: أن يكونَ الضميرُ عائداً على ما عاد عليه من قوله: {أية : فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي}تفسير : وهو المتكلِّم، ويكونُ ذلك التفاتاً، وكذلك في قوله: "لَكُمْ" التفاتٌ من ضمير الغَيْبة في: "فَلْيَسْتَجِيبُوا، وَلْيُؤْمِنُوا"، وعُدِّي "الرَّفث" بـ"إِلَى"، وإنما يتعدَّى بالباء؛ لما ضُمِّن مِنْ معنى الإفضاء مِنْ قوله {أية : وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ}تفسير : [النساء: 21] كأنه قيل: أُحِلَّ لَكُمْ الإفْضَاءُ إلى نسائِكُمْ بِالرَّفَثِ. قال الواحديّ: أراد بليلة الصِّيام ليالي الصِّيام، فأوقَعَ الواحد موقع الجماعة؛ ومنه قولُ العبَّاس بن مرداسٍ: [الوافر] شعر : 951 - فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إِنَّا أَخُوكُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنَ الإِحَنِ الصُّدُورُ تفسير : قال ابن الخطيب: وأقولُ: فيه وجهٌ آخرُ، وهو أنَّه ليس المراد من "لَيْلَةَ الصِّيَامِ" ليلةً واحدةً، بل المراد الإشارةُ إلى اللَّيلة المضافة إلى هذه الحقيقة. وقرأ عبد الله "الرَّفُوثُ" قال اللَّيْث وأصل الرَّفث قول الفحش، والرَّفثُ لغةً مصدرُ: رَفَثَ يَرْفِثُ بكسر الفاء وضمها، إذا تكلم بالفُحشِ، وأرْفَثَ أَتَى بالرَّفثِ؛ قال العجاج: [الرجز] شعر : 952 - وَرَبِّ أَسْرَابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ تفسير : وقال الزَّجَّاج: - ويُروى عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما - "إِنَّ الرَّفثَ كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ ما يريدُه الرجُلُ من المَرْأَةِ"، وقيل: الرَّفث: الجِمَاعُ نفسُهُ، وأنشد: [الكامل] شعر : 953 - وَيُرَيْنَ مِنْ أَنَسِ الْحَدِيثِ زَوَانِياً وَلَهُنَّ عَنْ رَفَثِ الرِّجَالِ نِفَارُ تفسير : وقول الآخر: [المتقارب] شعر : 954 - فَظِلْنَا هَنَالِكَ فِي نِعْمَةٍ وَكُلِّ اللَّذَاذَةِ غَيْرَ الرَّفَثْ تفسير : ولا دليل؛ لاحتمالِ إرادة مقدِّمات الجماع؛ كالمداعَبَةِ والقُبْلَة، وأنشد ابنُ عبَّاسٍ، وهو مُحْرِمٌ: [الرجز] شعر : 955 - وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَاهَمِيسَا إِنْ يَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا تفسير : فقيل له: رَفَثْتَن فقال: إنَّما الرَّفَثُ عند النساء. فثبت أنَّ الأصل في الرَّفَثِ هو قول الفحش، ثم جعل ذلك اسماً لما يتكلَّم به عند النِّسَاء من معاني الإفضاء، ثم جعل كنايةً عن الجماع، وعن توابعه. فإن قيل: لِمَ كَنَّى هاهنا عن الجماع بلفظ "الرَّفَث" الدَّالِّ على معنى القبح بخلاف قوله {أية : وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ}تفسير : [النساء: 21] وقوله تعالى: {أية : فَلَماَّ تَغَشَّاهَا}تفسير : [الأعراف: 189]، وقوله عزَّ وجلَّ: {أية : أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ}تفسير : [النساء: 43] وقوله عز وجل: {أية : فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}تفسير : [النساء: 23]، وقوله عزَّ وجلَّ: {أية : فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ}تفسير : [البقرة: 223] وقوله {أية : مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} تفسير : [البقرة: 237] وقوله تعالى: {أية : فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ}تفسير : [النساء: 24]{أية : وَلاَ تَقْرَبُوهَنَّ}تفسير : [البقرة: 222]. فالجواب: أنَّ السبب فيه استهجان ما وجد منهم قبل الإجابة؛ كما سمَّاه اختياناً لأنفسهم؛ قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - إنَّ الله سبحانه وتعالى حَيِيٌّ كريمٌ يُكَنِّي، كُلُّ ما ذكر في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدُّخول والرَّفث، فإنما عنى به الجماع. فصل في بيان سبب النزول ذكروا في سبب نزول هذه الآية: أنه كان في أوَّل الشَّريعة يحلُّ الأكل والشُّرب والجِماع ليلة الصِّيام، ما لم يرقُدِ الرجل ويصلِّي العشاء الأخيرة، فإن فعل أحدهما: حرم عليه هذه الأشياء إلى اللَّيلة الآتية، فجاء رجُلٌ من الأنصار عشيَّةً، وقد أجهده الصَّوم، واختلفوا في اسمه؛ فقال معاذٌ: اسمه أبو صرمة بن قيس بن صرمة، وقال عكرمة: أبو قيس بن صرمة، وقيل صرمة بن أنس. فسأله النبيُّ صلى الله عليه وسلم وشرَّف وكرَّم وبجَّل وعظَّم عن سبب ضَعْفِهِ، فقال: يا رسول الله، عملت في النَّخل نهاري أَجْمَعَ: حتَّى أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ أَهْلِي لتطعمني شَيْئاً، فَأَبْطَأتْ، فنمت فَأَيْقَظُونِي، وَقَدْ حَرُمَ الأَكْلُ؛ فَقَامَ عُمَرُ - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله إنِّي أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطية؛ إنِّي رجعت إلى أهلي بعد ما صلَّيت العشاء، فوجدت رائحةً طيِّبةً فسوَّلت لي نفسي، فجامعت أهلي، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وشرَّف، وكرَّم ومجَّد وبجَّل، وعظَّم: ما كنت جديراً بذلك يا عمر، فقام رجالٌ، فاعترفوا بمثله، فنزل قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ}. فصل ذهب جمهور المفسِّرين أنَّه كان في أوَّل شرعنا، إذا أفطر الصَّائم، حلَّ له الأكل والشُّرب والجماع، ما لم ينم أو يُصَلِّ العشاء الآخرة، فإذا فعل أحدهما، حرم عليه هذه الأشياء، ثم إنَّ الله تعالى، نسخ ذلك بهذه الآية الكريمة. وقال أبو مسلم: هذه الحرمة ما كانت ثابتةً في شرعنا ألبتَّة، بل كانت ثابتةً في شرع النصارى، فنسخ الله تعالى بهذه الآية ما كان ثابتاً في شرعهم. واحتجَّ الجمهور بوجوه: أحدها: قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}تفسير : [البقرة: 183] يقتضي تشبيه صومنا بصومهم، وقد كانت هذه الحرمة ثابتةً في صومهم؛ فوجب أن يكون التشبيه ثابتاً في صومنا، لقصد أن يكون منسوخاً بهذه الآية الكريمة. الثاني: قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} ولو كان هذا الحلُّ ثابتاً لهذه الأُمَّة من أول الأمر، لم يكن لقوله: "أُحِلَ لَكُمْ" فائدةٌ. الثالث: قوله سبحانه: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ } ولو كان ذلك حلالاً لهم، لما احتاجوا إلى أن يختانوا أنفسهم. الرابع: قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ}[وَلَوْلاَ أنَّ ذَلِكَ كَانَ مُحَرَّماً عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ أَقْدَمُوا على المعصِيَةِ؛ بِسَبَبِ الإقْدام على ذلك الفعل، لما صحَّ قوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ}]. الخامس: قوله تعالى: "فالآنَ بَاشِرُوهُنَّ" ولو كان الحلُّ ثابتاً قبل ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله تعالى: "فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ" فائدةٌ. السادس: ما رويناه في سبب النُّزُول. وأجاب أبو مُسْلمٍ عن الأوَّل: بأنَّ التشبيه يكفي في صدقه المشابهة في أصل الوجوب. وعن الثَّاني: بأنَّا لا نسلِّم أنَّ هذه الحرمة كانت ثابتةً في شرع من قبلنا، فقوله: "أُحِلَّ لَكُمْ" معناه: أُحِلَّ لَكُمْ ما كان مُحَرَّماً على غيركم. وعن الثالث: بأنَّ تلك الحرمة كانت ثابتةً في شرع عيسى - عليه السلام - ثم إن الله تعالى أوجب الصيام علينا، ولم ينقل زوال تلك الحرمة، فكان يخطر ببالهم أنَّ تلك الحرمة باقيةُ علينا، لأنَّه لم يوجد في شرعنا ما دلَّ على زوالها، وممَّا يزيد هذا الوهم قوله سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} وكان مما كتب على الذين من قبلنا هذه الحرمة؛ فلهذا كانوا يعتقدون بقاء تلك الحرمة في شرعنا، فشدَّدوا وأمسكوا عن هذه الأمور، فقال تبارك وتعالى: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} فيكون المراد من الآية الكريمة أنه لو لم أُبَيِّنْ لكم إحلال الأكل والشُّرب والمباشرة طوال اللَّيل، لكنتم تنقصون أنفسكم شهواتها وتمنعونها لذَّاتها ومصلحتها؛ بالإمساك عن ذلك بعد النَّوم؛ كسُنَّة النصارى، وأصل الخيانة: النَّقصُ. وعن الرابع: أن التوبة من العبد: الرُّجُوع إلى الله تعالى بالعبادة، ومن الله سبحانه: الرُّجُوع إلى العبد بالرحمة والإحسان، وأما العفو فهو التجاوز، فبيَّن الله تعالى إنعامه علينا بتخفيف ما كان ثقيلاً على من قبلنا، والعفو قد يستعمل في التوسعة والتخفيف؛ قال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ وَالرَّقِيقِ"تفسير : وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : فِي أَوَّلِ الوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَفِي آخِرِهِ عَفْوُ اللَّهِ"تفسير : والمراد منه التخفيف بتأخير الصَّلاة إلى آخر الوقت؛ ويقال أتاني هذا المال عفواً، أي: سهلاً. وعن الخامس: بأنَّهم كانوا بسبب تلك الشُّبهة ممتنعين عن المباشرة، فبيَّن الله تعالى ذلك، وأزال الشُّبهة بقوله: ":فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ". وعن السادس: بأنَّ في الآية الكريمة ما يدلُّ على ضعف هذه الرِّواية؛ لأن الرواية أنَّ القوم اعترفوا بما فعلوا عند الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - وذلك خلاف قوله تعالى: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ }؛ لأنَّ ظاهره المباشرة، لأنَّه افتعالٌ من الخيانة. قوله: "كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ" في محلِّ رفعٍ خبرٌ لـ"أَنَّ". و"تَخْتَانُونَ" في محلِّ نصبٍ خبرٌ لـ"كَانَ". قال أبو البقاء: و"كُنْتُمْ" هنا لفظها لفظ الماضي، ومعناها أيضاً، والمعنى: أنَّ الاخْتِيَانَ كان يقع منهم، فتاب عليهم منه، وقيل: إنَّهُ أرَاد الاختيان في الاستقبال، وذكر "كَانَ" ليحكي بها الحال؛ كما تقول: إن فعلت، كنت ظالماً" وفي هذا نظرٌ لا يخفى. و"تَخْتَانُونَ" تَفْتَعِلُونَ من الخيانة، وعينُ الخيانة واوٌ؛ لقولهم: خَانَ يَخُونُ، وفي الجمع: خَوَنَة، يقال: خَانَ يَخُونُ خَوْناً، وخِيَانَةَ، وهي ضدُّ الأمانة، وتَخَوَّنْتُ الشَّيْءَ تَنَقَّصْتُهُ؛ قال زُهَيْر في ذلك البيت: [الوافر] شعر : 956 - بِآرِزَةِ الفَقَارَةِ لَمْ يَخُنْهَا قِطَافٌ في الرِّكَابِ وَلاَ خِلاَءُ تفسير : وخَانَ السَّيفُ إذا نَبَا عن الضَّرْبَةِ، وخَانَهُ الدَّهْرُ، إذا تغيَّر حاله إلى الشَّرِّ، وخَانَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، إذا لَمْ يُؤَدِّ الأمانَةَ، ونَاقِضُ العَهْدِ خائِنٌ، إذا لم يف، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً}تفسير : [الأنفال: 58] والمدين خائنٌ؛ لأنَّه لم يف بما يليقُ بدينه؛ ومنه قوله تعالى: {أية : لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَٰنٰتِكُمْ}تفسير : [الأنفال: 27] وقال تعالى: {أية : وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ}تفسير : [الأنفال: 71] فسُمِّيت المعصية بالخيانة. وقال الزمخشريُّ: "والاخْتِيَانُ: من الخيانة؛ كالاكْتِسَاب من الكَسْبِ، فيه زيادةٌ وشِدَّة"؛ يعني من حيث إنَّ الزيادة في اللفظ تُنْبِىءُ عن زيادةٍ في المعنى، كما قدَمَهُ في قوله تعالى: {الرَّحْمٰنُ الرَّحِيـمُ} وقيل هنا: تختانُونَ أَنْفُسَكُمْ، أي: تتعهَّدُونها بإتيان النِّسَاء، وهذا يكون بمعنى التَّخْويل، يقال: تَخَوَّنَهُ وتَخَوَّلَهُ بالنون واللامِ، بمعنى تَعَهَّدَهُ، إلا أنَّ النون بدلٌ من اللاَّم؛ لأنه باللام أشهر. و"عَلِمَ" إن كانت المتعدية لواحدٍ، تَكُونُ بمعنى عَرَفَ، فتكونُ "أَنَّ" وما في حيِّزها سادَّةً مَسَدَّ مفعولٍ واحدٍ، وإن كانت المتعدية لاثنين، كانت سادةً مَسَدَّ المفعولين على رأي سيبويه - رحمه الله - ومَسَدَّ أحدهما، والآخر محذوفٌ على مذهب الأخفش. وقوله: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ} لا محلَّ له من الإعراب؛ لأنه بيانٌ للإحلال، فهو استئنافٌ وتفسيرٌ. يعني إذا حصلت بينكم وبينهنَّ مثل هذه المخالطة والملابسة، قلَّ صبركم عنهنَّ، وضعف عليكم اجتنابهنَّ؛ فلذلك رخَّص لكم في مباشرتهنَّ. وقدَّم قوله: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ} على {وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}؛ تنبيهاً على ظهور احتياج الرجل للمرأة وعدم صبره عنها؛ ولأنَّه هو البادىءُ بطلب ذلك، وكنى باللباس عن شِدَّةِ المخالطة؛ كقوله - هو النابغة الجَعْدِيُّ -:[المتقارب] شعر : 957 - إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدَهَا تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَكَانَتْ لِبَاساَ تفسير : وفيها أيضاً: [المتقارب] شعر : 958 - لَبِسْتُ أُنَاساً فَأَفْنَيْتُهُمْ وَأَفْنَيْتُ بَعْدَ أُنَاسِ أُنَاسَا تفسير : قال القرطبيُّ: وشُدِّدتُ النُّون من "هُنَّ" لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكَّر. وورد لفظ "اللِّبَاسِ" على أربعة أوجهٍ: الأول: بمعنى السَّكَن؛ كهذه الآية. الثاني: الخلط؛ قال تبارك وتعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ}تفسير : [الأنعام: 82]، أي: لم يخلطوا. الثالثك: العمل الصالح؛ قال تعالى: {أية : وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ}تفسير : [الأعراف: 26]، أي: عمل التقوى. الرابع: اللِّباس بعينه؛ قال تعالى: {أية : يَابَنِيۤ آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً}تفسير : [الأعراف: 26]. فصل في وجوه تشبيه الزوجين باللِّباس في تشبه الزَّوجين باللِّباس وجوه: أحدها: أنه لمَّا انضمَّ جسد كلِّ واحدٍ منهما إلى الآخر؛ كالثَّوب الذي لبس، سُمِّي كلُّ واحدٍ منهما لباساً. قال الرَّبيعُ: هُنَّ فراشٌ لكم، وأَنْتُمْ لِحَافٌ لهُنَّ. وقال ابن زَيْدٍ: إنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَسْتُرُ صاحبَهُ عند الجماع عن أبْصَارِ النَّاسِ. وقال أبو عُبَيْدَةَ وغيره: يقال للمَرْأةِ: هِيَ لِبَاسُكَ وَفِرَاشُكَ وَإِزَارُكَ، وقيل: اللِّبَاسُ اسمٌ لما يُواري الشَّيء، فيجوز أن يَكُونَ كُلُّ واحد منهما سِتْراً لصاحبه عمَّا لا يَحِلُّ؛ كما ورد في الحديث: "حديث : مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدْ سَتَرَ ثُلُثَيْ دِينِهِ ". تفسير : الثاني: أن كلَّ واحدٍ منهما يخصُّ نفسه بالآخر؛ كما يخصُّ لباسه بنصيبه. قال الوَاحِديُّ - رحمه الله -: إنما وحَّد "اللِّباس" بعد قوله تعالى: "هُنَّ"؛ لأنه يجري مجرى المصدر، و"فِعَالٌ" من مصادر "فَاعَلَ"، وتأويله: وهُنَّ ملابساتٌ لكم. فصل في معنى "تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ" قال القرطبيُّ: معنى {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} أي: يستأمر بعضكم بعضاً في مواقعة المحظور من الجماع والأكل بعد النَّوم في ليالي الصَّوم؛ كقوله تعالى: {أية : تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [البقرة: 85] أي: يقتل بعضكم بعضاً، ويحتمل أن يريد به كلَّ واحد منهم في نفسه؛ بأنه يخونها وسمَّاه خائناً لنفسه من حيث كان ضرره عائداً عليه؛ كما تقدَّم. فصل قال ابن الخطيب: إنَّه تعالى ذكر هاهنا أنَّهم كانوا يختانون أنفسهم، ولم يبيِّن تلك الخيانة فيماذا، فلا بُدَّ من حملها على شيءٍ له تعلُّق بما تقدَّم وما تأخَّر، والذي تقدَّم هو ذكر الجماع، والذي تأخَّر هو قوله تعالى: "فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ" فيجب أن يكون المراد بهذه الخيانة الجماع وهاهنا قولان: الأول: عَلِمَ اللَّه أنَّكم كنتم تستَتِرُون بالمَعْصيَة بالجَماع بَعْد العتمة، والأكْل بَعْد النَّوم، وترتكبون المحرَّم من ذلك وكلُّ من عصى الله، فقد خانَ نفسه؛ وعلى هذا القول: يجب أن يقطع بأنَّ ذلك وقع من بعضهم؛ فدلَّ على تحريم سابقٍ، لأنَّه لا يمكن حمله على وقوعه من جميعهم للعادة والإخبار، وإذا صحَّ وقوعه من بعضهم، دلَّ على تحريم سابقٍ، ولأبي مسلم أن يقول: قد بيَّنَّا أنَّ الخيانة عبارةٌ عن عدم الوفاء بما يجب عليهم، فأنتم حملتموه على عدم الوفاء بما هو أحقُّ بطاعة الله، ونحن حملناه على عدم الوفاء بما هو حقٌّ للنفس، وهذا أولى؛ لأنَّ الله تعالى لم يقُلْ: علمك [الله] أنَّكم كنْتُمْ تختانونَهُ [أنفُسكم]، وإنما قال: تَخْتَانُونَ أنْفُسَكُمْ، وكان حمل اللفظ على ما ذكرنا، إن لم يكن أولى، فلا أقلَّ من التساوي، وبهذا التقدير: لا يثبت النَّسخ. القول الثاني: أنَّ المراد {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} لو دامت تلك الحرمة، فمعناه: أنَّ الله يعلم أنَّه لو دام ذلك التكليف الشَّاقُّ، لوقعوا في الخيانة، وعلى هذا التقدير: ما وقعت الخيانة، فيمكن أن يقال: التفسير الأوَّل أولى؛ لأنَّ لا حاجة فيه إلى إضمار الشَّرط، وأن يقال: بل الثاني أولى؛ لأنَّه على الأوَّل يصير إقدامهم على المعصية سبباً لنسخ التكليف، وعلى الثاني: علم الله أنه لو دام ذلك التكليف، لحصلت الخيانة، فنسخ التكليف رحمةً من الله على عباده، حتى لا يقعوا في الخيانة. وأمَّا قوله تعالى "فَتَابَ عَلَيْكُمْ" فمعناه على قول أبي مُسلم: فرجع عليكم بالإذن في هذا الفعل والتَّوسعة عليكم، وعلى قول مثبتي النَّسخ لا بُدَّ فيه من إضمار، تقديره: تبتم، فتاب عليكم، وقوله "وَعَفَا عَنْكُمْ" على قول أبي مسلم: أَوْسَعَ عَلَيْكُمْ بإباحة الأكل والشُّرب والمباشرة في طول اللَّيل، ولفظ "العَفْو" يستعمل في التوسعة والتخفيف؛ كما قدَّمناه، وعلى قول مثبتي النَّسخ، لا بد وأن يكون تقديره: عَفَا عَنْ ذُنُوبكُمْ، وهذا مما يقَوِّي قول أبي مسلم؛ لأن تفسيره لا يحتاج إلى إضمارٍ، وتفسيرُ مثبتي النَّسخ يحتاج إلى إضمارٍ وتفسيرٍ. قوله: "فالآنَ بَاشِرُوهُنَّ" قد تقدَّم الكلام على "الآنَ" وفي وقوعه ظرفاً للأمر تأويلٌ، وذلك أنه للزمن الحاضر، والأمر مستقبلٌ أبداً، وتأويله ما قاله أبو البقاء؛ قال: "وَالآنَ: حقيقته الوقت الذي أنت فيه، وقد يقع على الماضي القريب منك، وعلى المستقبل القريب، تنزيلاً للقريب منزلة الحاضر، وهو المراد هنا، لأنَّ قوله: "فَالآنَ بَاشِرُوهِنَّ"، أي: فالوقتُ الذي كان يُحَرَّمُ عليكُمْ فيه الجماع من اللَّيلِ"، وقيل: هذا كلامٌ محمولٌ على معناه، والتقدير: فالآن قد أبَحْنَا لَكُمْ مُبَاشَرَتَهُنَّ، ودَلَّ على هذا المحذوف لفظ الأمر، فالآن على حَقِيقَتِهِ. وسمِّي الوِقَاعُ مباشرةً، لتلاصق البَشَرَتَيْنِ فيه: قال ابن العَرَبِيِّ: وهذا يدُلُّ على أنَّ سبب الآية جماعُ عمر، لا جوع قيس، لأنه لو كان السَّبب جوع قيسٍ، لقال: "فَالآن كُلُوا" ابتداءً به؛ لأنه المهمُّ الذي نزلت الآية لأجله. وقرأ ابن عباس - رضي الله عنهما-: "وَاتَّبِعُوا" من "الاتّباع" وتروى عن معاوية بن قرة والحسن البصريِّ، وفسَّروا {مَا كَتَبَ ٱللَّهُ} بليلةِ القدر، أي اتَّبِعوا ثوابها، قال الزمخشريُّ: "وهو قريبٌ مِنْ بِدَعِ التَّفَاسِيرِ". وقرأ الأعمش "وَابْغُوا". فصل دلَّت الآية على أنَّ الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة، ومن قال بأنَّ مطلق الأمر للوجوب، قالوا: إنما تركنا الظَّاهر هنا للإجماع، وفي المباشرة قولان: أحدهما - وهو قول الجمهور: أنَّها الجماع، سمِّي بهذا الاسم؛ لتلاصق البَشَرَتَيْنِ. والثاني - قول الأصمِّ: أنه محمولٌ على المباشرات، ولم يقصره على الجماع، وهذا هو الأقرب إلى لفظ المباشرة، لأنها مشتقَّةٌ من تلاصق البَشَرَتَيْن، إلاَّ أنَّهم اتفقوا على أنَّ المراد بالمباشرة في هذه الآية الكريمة الجماع؛ لأنَّ السبب في هذه الرخصة كان وقوع الجماع من القوم، وأمَّا اختلافهم في قوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ} فحمله بعضهم على كلِّ المباشرات؛ لأنَّ المعتكف، لمَّا مُنِعَ من الجماع، فلا بُدَّ وأن يمنع مما دونه. فصل في قوله تعالى: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} وجوهٌ: أحدها: الولد، أي: لا تباشِرُوا لقضاءِ الشَّهوة وحدها؛ ولكن لابتغاء ما وضع له النِّكاح من التَّناسل. قال - عليه الصَّلاة والسَّلام-: "حديث : تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا؛ تَكْثُرُوا " تفسير : والثاني: أنَّه نهيٌ عن العزل. الثالث: ابتغوا المحلَّ الذي كتبه الله لكم وحلَّله؛ ونظيره {أية : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 222]. الرابع: أنه للتأكيد، تقديره: فالآن بَاشرُوهُنَّ وابْتغوا هذه المباشرة التي كتبها الله لكم بعد أن كانت محرَّمةً عليكم. الخامس: قال أبو مُسْلَمٍ: فالآنَ باشرُوهُنَّ، وابتغوا هذه المباشرة التي كان الله كتبها لكم، وإن كنتم تظنونها محرَّمة عليكم. السادس: أن مباشرة الزوجة قد تحرم في بعض الأوقات؛ بسبب الحيض والنِّفاس والعِدَّة والرِّدَّة؛ فقوله: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} يعني: لا تباشِرُوهنَّ إلاَّ في الأوقاتِ المأذونِ لكم فيها. السابع: "فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ" إذن في المباشرة، وقوله: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّه لَكُمْ} [يعني: لا تبتغوا هذه المباشرة إلاَّ من الزَّوجة والمملوكة] بقوله: {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}تفسير : [المؤمنون: 6]. الثامن: قال معاذ بن جبلٍ، وابن عبَّاسٍ في رواية أبي الجوزاء: يعني اطلبوا ليلةَ القدر، وما كتب الله لكم من الثَّواب فيها إن وجدتُمُوها. وقال ابن عبَّاس: ما كتب الله لنا هو القرآن. قال الزَّجَّاج: أي: ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه، وأمرتم به. وقيل: ابتغوا الرخصة والتوسعة. قال قتادة: وقيل: ابتغوا ما كتب الله لكم من الإماء والزَّوجات. فصل في معاني "كَتَبَ" في "كَتَبَ" وجوه: أحدها: أنَّها هنا بمعنى جَعَل؛ كقوله {أية : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ}تفسير : [المجادلة: 22] أي: جَعَل، وقوله تعالى: {أية : فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ}تفسير : [آل عمران: 53]، وقوله سبحانه {أية : فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}تفسير : [الأعراف: 156]. الثاني: معناه قضى الله لكم؛ كقوله عزَّ وجلَّ: {أية : قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا}تفسير : [التوبة: 51]، أي: قضاه. الثالث: ما كتب الله في اللَّوح المحفوظ ممَّا هو كائنٌ. الرابع: ما كتب الله في القرآن من إباحة هذه الأفعال. قوله: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} الفائدةُ في ذكرهما: أنَّه لو اقتصر على قوله: "فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ" لم يعلم بذلك زوال تحريم الأكل والشُّرْب، فذكرهما لتتمَّ الدلالةُ على إباحتهما وهذا جوابُ نازلةِ قيسٍ، والأول جواب نازلةِ عمر، وبدأ بجواب نازلَةِ عُمر لأنه المُهِمُّ. قوله: "حَتَّى يَتَبَيَنَّ" "حَتَّى" هنا غايةٌ لقوله: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} بمعنى "إلى"، ويقال: تَبَيَّنَ الشَّيْءُ، وَأَبَانَ، واسْتَبَانَ، وَبَانَ كُلُّه بمعنًى، وكلُّها تكون متعديةً ولازمةً، إلاَّ "بَانَ" فلازمٌ ليس إلاَّ، و"مِنَ الخَيْطِ" لابتداء الغاية، وهي ومجرورها في محلِّ نصبٍ بـ"يَتَبَيَّنَ"؛ لأنَّ المعنى: حتى يُبَايِنَ الخَيْطُ الأبيضُ الأسود. و{مِنَ ٱلْفَجْرِ} يجوزُ فيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن تكون تبعيضيةً؛ فتتعلَّق أيضاً بـ"يَتَبيَّنَ"؛ لأنَّ الخيطَ الأبيضَ هو بعضُ الفجر وأوله، ولا يَضُرُّ تعلُّق حرفين بلفظٍ واحدٍ؛ لاختلاف معناهما. والثاني: أن تتعلَّق بمحذوفٍ؛ على أنها حال من الضمير في الأبيض، أي: الخيط الذي هو أبيض كائناً من الفجر، وعلى هذا يجوز أن تكون "مِنْ" لبيان الجنس؛ كأنه قيل الخيطُ الأبيضُ الَّذي هو الفجرُ. والثالث: أن يكون تمييزاً، وهو ليس بشيء، وإنما بَيَّن قوله {ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ} بقوله: {مِنَ ٱلْفَجْرِ} ولم يُبَيِّنِ الخيطَ الأسود؛ فيقول: مِنَ اللَّيْلِ؛ اكتفاءً بذلك، وإنما ذَكَرَ هذا دونَ ذاكَ؛ لأنَّه هو المَنُوطُ به الأحكام المذكورة في المباشرة والأكْلِ والشُّرْبِ. وهذا من أحسن التَّشْبيهات، حيث شبَّه بياضَ النَّهار بخيطٍ أبيضَ، وسوادَ الليل بخيطٍ أسودَ، حتى إنه "حديث : لما ذكر عَدِيُّ بن حاتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فهم من الآية الكريمة حقيقة الخيط، تعجَّب منه، وقال: إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ"تفسير : ويُروى: "حديث : إنَّكَ لَعَرِيضُ القَفَا " تفسير : وقد رُوِيَ أنَّ بعض الصحابة فَعَلَ كَفِعْلِ عَدِيٍّ، ويروى أن بين قوله{ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} وبين قوله: {مِنَ ٱلْفَجْرِ} عاماً كاملاً في النزول. روي عن سَهْل بْنِ سَعْدٍ، قال: أُنْزِلَتْ {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} ولم ينزل قوله: {مِنَ ٱلْفَجْرِ} وكان رجالٌ إذا أرادوا الصَّوم، ربط أحدهم في رجليه الخَيْطَ الأبْيَض، والخَيْط الأَسْود، ولا يزال يأكل حتى يتبيَّن له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى {مِنَ ٱلْفَجْرِ}، فعلموا أنَّه إنما عني اللَّيل والنَّهار، وسُمِّي الفجر خَيطاً؛ لأن ما يبدو من البياض يرى ممتدّاً؛ كالخيط. قال الشَّاعر: [البسيط] شعر : 959 - أَلْخَيْطُ الأَبْيَضُ ضَوْءُ الصُّبْحِ مُنْفَلِقٌ وَالخَيْطُ الأسْوَدُ جُنَحُ اللَّيْلِ مَكْتُومُ تفسير : والخَيطُ في كلامهم عبارةٌ عن اللون، قاله القرطبيُّ، وأنشد لأبي دؤاد الإياديِّ في ذلك فقال: [المتقارب] شعر : 960 - فَلَمَّا أَضَاءَتْ لَهُ سُدْفَةٌ وَلاَحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا تفسير : وقد تُسمِّيه العرب أيضاً الصَّديع، ومنه قولهم: انْصَدَعَ الفجْرُ؛ قال بِشْرُ بْنْ أبي خازمٍ، أو عَمْرُو بن مَعْدِيكرِبَ: [الوافر] شعر : 961 - تَرَى السِّرْحَانَ مُفْتَرِشاً يَدَيْهِ كَأَنَّ بَيَاضَ لَبَّتِهِ صَدِيعُ تفسير : وهذا النوع من باب التشبيه لا من الاستعارة؛ لأنَّ الاستعارة هي أن يُطْوَى فيها ذكر المشبَّه، وهنا قد ذكر وهو قوله: {مِنَ ٱلْفَجْرِ}، ونظيره قولك: "رَأَيْتُ أَسَداً مِنْ زَيْد"، لو لم تَذْكُر: "مِنْ زَيْدٍ" لكان استعارةٌ، ولكنَّ التشبيه هنا أبلغُ؛ لأنَّ الاستعارة لا بُدَّ فيها من دلالةٍ حاليةٍ، وهنا ليس ثمَّ دلالةٌ، ولذلك مَكَثَ بعضُ الصحابة يَحْمِلَ ذلك على الحقيقة مدةً، حتَّى نزل "مِنَ الفَجْرِ" فتركت الاستعارة، وإن كانت أبلغ لما ذكرنا. فإن قيل: إنَّ بياضَ الصُّبح المشبه بالخيط الأسود هو بياض الصبح الكاذبُ؛ لأنَّ مستطيلٌ كشبه الخيط، وأما الصُّبْحُ الصادق، فهو بياضٌ مستديرٌ مستطيلٌ في الأفق، فلزم على مقتضى الآية أن يكون أوَّل النهار من طلوع الصُّبحِ الكاذب، وليس كذلك بالإجماع. فالجواب: أنَّ قوله {مِنَ ٱلْفَجْرِ} بيَّن أن المراد به الصُّبح الصادق، لا يكون منتشراً، بل يكون صغيراً دقيقاً، فالصادق أيضاً يبدو دقيقاً، ويرفع مستطيلاً. والفجر مصدر قولك فَجَرْتُ المَاءَ أَفْجُرُه فَجْراً وفجَّرْتُهُ تَفْجِيراً، قال الأزهريُّ: الفَجْرُ أصله الشَّقُّ، فعلى هذا هو انشقاقُ ظُلْمَة اللَّيل بنُورِ الصُّبح. فصل زعم أبو مسلم الأصفهاني: أنه لا شيء من المفطِّرات إلاَّ أحد هذه الثَّلاث، وما ذكره الفقهاء من تكلُّف القيءِ والحقنة والسَّعوط، فلا يفطر شيءٌ منها. قال: لأنَّ كلَّ هذه الأشياء كانت مباحةً ثم دلَّت هذه الآية الكريمة على حرمة هذه الثلاثة على الصَّائم بعد الفجر، وبقي ما سواها على الإباحة الأصليَّة، والفقهاء قالوا: خصوا هؤلاء بالذِّكْر؛ لأنَّ النَّفس تميل إليهما. فصل في صوم الجنب مذهب أبي هريرة والحسن بن صالح؛ أنَّ الجنب إذا أصبح قبل الاغتسال، لم يكن له صوم، وهذه الآية تبطل قولهم؛ لأنَّ المباشرة، إذا أبيحت إلى انفجار الصُّبح، لم يمكنه الاغتسال إلاَّ بعد الصُّبح. ويؤيِّده ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم، أنه كان يدركه الفجر، وهو جنبٌ من أهله، ثم يغتسل ويصوم، والله أعلم. فصل زعم الأعمش أنه يحل الأكل والشُّرب والجماع بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس؛ قياساً لأوَّل النهار على آخره؛ فكما أن آخره بغروب الشَّمس، وجب أن يكون أوله بطلوع الشَّمس، قال: إن المراد بالخيط الأبيض، والخيط الأسود في الآية الكريمة هو اللَّيلُ والنَّهار، قال: ووجْه التشبيه ليس إلاَّ في البياض والسَّوَاد؛ لأن ظلمة الأفق حال طلوع الصُّبح لا يمكن تشبيهها بالخيط الأسود في الشَّكل ألبتة؛ فثبت أنَّ المراد بالخيط الأسود في الآية هو اللَّيل والنهار. ثم لو بحثنا عن حقيقة اللَّيل في قوله: {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} لوجدناها عبارةً عن زمن غيبة الشَّمس؛ بدليل أنَّ الله تعالى سمَّاها بعد المغرب ليلاً مع بقاء الضَّوء فيه؛ فثبت أنه يكون الأمر في الطَّرف الأوَّل من النهار كذلك؛ فيكون قبل طلوع الشمس أيضاً ليلاً، وألا يوجد النَّهار إلاَّ عند طلوع الشمس، وإلاَّ يلزم أن يكون آخر النَّهار على زعمهم غياب الشَّفق الأحمر؛ لأنَّه آخر آثر الشمس؛ كما أن طلوع الفجر هو أوَّل طلوع آثار الشَّمس، وإذا بطل هذا، بَطَل ذاك، ومن النَّاس من قال: آخر النهار غيابُ الشَّفَق، ولا يجوز الإفطار إلاَّ عند طلوع الكواكب، وكلُّها مذاهب باطلةٌ. قوله "إلى اللَّيلِ" في هذا الجارِّ وجهان: أحدهما: أنه متعلِّق بالإتمام، فهو غايةٌ له. والثاني: أنه في محلِّ نصب على الحال من الصيام، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: كائناً إلى اللَّيل، و"إلَى" إذا كان ما بعدها من غير جنس ما قبلها، لم يدخل فيه، والآية من هذا القبيل. فصل في اختلافهم في ماهيَّة اللِّيل اختلفوا في اللِّيل ما هو؟ فمنهم: من قاس آخر النهار على أوله، فاعتبروا في حصول الليل زوال آثار الشَّمس؛ كما حصل اعتبار زوال الليل عند ظهور النهار بظهور آثار الشَّمس. ثم هؤلاء منهم من اكتفى بزوال الحمرة، ومنهم من اعتبر ظهور الظَّلام التَّامْ وظهور الكواكب والحديث يبطل كلَّ ذلك، وهو قوله - عليه أفضل الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ"تفسير : وهذا الحديث مع الآية يدلُّ على المنع من الوصال. فصل الحنفيَّة تمسَّكوا بهذه الآية الكريمة في أنَّ صوم النَّفل يجب إتمامه بقوله تعالى {أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} والأمر للوجوب فيتناول كُلَّ صيام. وأجيبوا بأنَّ هذا إنما ورد في بيان أحكام صوم الفرض؛ بدليل أنَّه - عليه الصَّلاة والسَّلام - قال: حديث : الصائم المتطوِّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر حديث : وعن أمِّ هانىء: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَهَا، فَشَرِبَتْ، فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا إنِّي كُنْتُ صَائِمَةً، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أن أرُدَّ سُؤْرَكَ، فقال: إنْ كَانَ قَضَاءً مِنْ رَمَضَانَ، فاقْضي مَكَانَهَُ، وإنْ كَانَ تَطَوُّعاً، فإن شِئْتِ فاقْضي، وإنْ شِئْتِ فَلاَ تَقْضِي تفسير : قوله: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ} جملةٌ حاليةٌ من فاعل "تُبَاشِرُوهُنَّ"، والمعنى: "لاَ تُبَاشِرُوهُنَّ"، وقد نَوَيْتُم الاعتكافَ في المسجد، وليس المراد النهي عن مباشرتهنَّ في المسجد بقيد الاعتكاف؛ لأنَّ ذلك ممنوعٌ منه في غير الاعتكاف أيضاً. والعُكُوفُ: الإقامة والملازمة له وهو في الشَّرع: لزوم المَسْجِد لطَاعَةِ الله تعالى فيه، يقال: عَكَفَ بالفتح يَعْكِفُ بالضم والكسر، وقد قرئ: {أية : يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ}تفسير : [الأعراف: 138] بالوجهين، وقال الفَرَزْدَقُ: [الطويل] شعر : 962 - تَرَى حَوْلَهُنَّ المُعْتَفِينَ كَأَنَّهُمْ عَلَى صَنَمٍ في الجَاهِلِيَّةِ عُكَّفُ تفسير : وقال الطِّرمَّاحُ: [الطويل] شعر : 963 - فَبَاتَتْ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْلِيَ عُكَّفاً عُكُوفَ البَوَاكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ تفسير : ويقال: الافتعال منه في الخير، والانفعال في الشَّرِّ، وأمَّا الاعتكاف في الشرع. فهو إقامة مخصوصةٌ بشرائط، والكلام فيه بالنسبة إلى الحقيقة الشرعية كالكلام في الصلاة، وقرأ قتادة: "عَكِفُونَ" كأنه يقال: عَاكِفٌ وعَكِفٌ؛ نحو: "بَارٌّ وَبَرٌّ ورَابٌّ وَرَبٌّ"، وقرأ الأعمش: "في المَسْجِدِ" بالإفراد؛ كأنه يريد الجنس. فصل لما بين حكم تحريم المباشرة في الصيام، كان يجوز أن يظن بأنَّ الاعتكاف حاله كحال الصَّوم في أنَّ الجماع يحرم فيه نهاراً أو ليلاً. فصل لو لمس المعتكف المرأة بغير شهوة، جاز؛ لحديث عائشة، وإن لمسها بشهوة، أو قبَّلها أو باشرها فيما دون الفرج، فهو حرام، وهل يبطل به اعتكافه؟ فيه خلافٌ. فصل اتفقوا على أنَّ شرط الاعتكاف الجلوس في المسجد، ثم اختلفوا، فنقل عن عليٍّ - رضي الله عنه - أنَّه قال: لا يجوز إلاَّ في المسجد الحرام ومسجد المدينة. قال حُذَيْفَةُ: يجوز في هذين المسجدين، وفي مسجد بيت المقدس؛ لقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إلاَّ إلى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ " تفسير : وقال الزُّهْرِيُّ: لا يصحُّ إلاَّ في الجامِعِ. وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ إلاَّ في مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ، ومؤذِّن راتب. وقال الشافعيُّ وأحمد: يصحُّ في جميع المساجد إلاَّ أن المسجد الجامع أفضل؛ حتى لا يحتاج إلى الخروج إلى الجمعة، فإن اعتكف في مسجد غير الجامع، لاحتاج إلى الخروج إلى الجمعة، فيشهدها ويرجع مكانه، ويصحُّ اعتكافه؛ لأنه خرج إلى فرض، وهو من الشَّرائع القديمة. فصل في الاعتكاف بدون الصوم يجوز الاعتكاف بغير صومٍ، وبالصَّوم أفضل؛ وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - لا يجوز إلاَّ بالصَّوم. واحتجَّ الأوَّلون: بأنَّ الاعتكاف لو أوجب الصَّوم، لما صحَّ في رمضان؛ لأنَّ الصَّوم الذي أوجبه الاعتكاف، إمَّا صومٌ آخر غير صوم رمضان، وهو باطلٌ؛ لأن رمضان لا يصحُّ فيه غيره، وأيضاً ما روي "حديث : عن عمر - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله، إنِّي نَذَرْتُ في الجاهِلِيَّةِ أن أَعْتَكِفَ لَيْلَةً، فَقَالَ - عليه الصَّلاَة والسَّلام-: أَوْفِ بِنَذْرِكَ"تفسير : والصَّوم لا يجوز في اللَّيل. فصل روى مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلَّى الفجر ثم دخل معتكفه. وقال مالك والشافعيُّ وأبو حنيفة - رضي الله عنهم - إذا نذر اعتكاف شهرٍ دخل المسجد قبل غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم. فصل في أقل مدة الاعتكاف لا تقدير لزمان الاعتكاف فلو نذر اعتكاف ساعة، انعقد، ولو نذر الاعتكاف مطلقاً، لخرج من نذره باعتكاف ساعة؛ كما لو نذر أن يتصدَّق مطلقاً، فإنه يتصدق بما شاء من قليلٍ أو كثيرٍ، والأفضل أن يعتكف يوماً للخروج من الخلاف، فإنَّ أبا حنيفة لا يجوِّز اعتكاف أقلَّ من يومٍ، بشرط أن يدخل قبل طلوع الفجر، ويخرج بعد غروب الشمس. فصل قال القرطبيُّ - رحمه الله تعالى -: إذا أتى المعتكف كبيرةً، بطل اعتكافه؛ لأنَّ الكبيرة ضدَّ العبادة، كما أنَّ الحدث ضدَّ الطهارة والصَّلاة. قوله: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} مبتدأٌ وخبرٌ، واسمُ الإشارة أخبر عنه بجمعٍ، فلا جائز أن يشار به إلى ما نهي عنه في الاعتكاف، لأنه شيءٌ واحدٌ، بل هو إشارةٌ إلى ما تضمَّنته آية الصيام من أوَّلها إلى هنا، وآية الصيام قد تضمَّنت عدة أوامر، والأمر بالشَّيءِ نَهِيٌ عن ضدِّه، فبهذا الاعتبار كانت عدَّة مناهٍ، ثم جاء آخرها صريح النهي، وهو:"وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ" فأطلق على الكل "حُدُوداً"؛ تغليباً للمنطوق به، واعتباراً بتلك المناهي الَّتي تضمَّنتها الأوامر، فقيل فيها حدودٌ، وإنما اضطررنا إلى هذا التأويل؛ لأنَّ المأمور به لا يقال فيه "فَلاَ تَقْرَبُوهَا". وقال أبو مسلم الأصفهانيُّ: "لاَ تَقْرَبُوهَا" أي: لاَ تَتَعَرَّضُوا لها بالتغيير؛ لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [الإسراء: 34]. قال أبو البقاء: دُخُولُ الفاء هنا عاطفةٌ على شيء محذوفٍ، تقديره: "تَنَبَّهُوا فَلاَ تَقْرَبُوهَا"، ولا يجوز في هذه الفاء أن تكون زائدةً كالتي في قوله تعالى: {أية : وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ}تفسير : [البقرة: 40] على أحد القولين؛ لأنه كان ينبغي أن ينتصب "حُدُودُ اللَّهِ" على الاشتغال؛ لأنه الفصيح فيما وقع قبل أمر أو نهيٍ، نحو: "زَيْداً فَاضْرِبْهُ، وعَمْراً فَلاَ تُهنْهُ" فلمَّا أجمعت القرَّاء هنا على الرفع، علمنا أنَّ هذه الجملة التي هي "فَلاَ تَقْرَبُوهَا" منقطعةٌ عمَّا قبلها، وإلا يلزم وجود غير الفصيح في القرآن. والحُدُودُ: جمع حدٍّ، وهو المنع، ومنه قيل للبوَّابِ: حدَّاد، لأنَّه يمنع من العبور قال اللَّيثُ - رحمه الله تعالى -: وحَدُّ الشَيْءِ منتهاه ومنقطعه، ولهذا يقال: الحَدُّ مانعٌ جامِعٌ، أي: يمنع غير المحدودِ الدُّخُول في المَحْدُودِ. وقال الأزهريُّ ومنه يقال للمحروم، محدودٌ؛ لأنَّه ممنوعٌ عن الرِّزق، وحدود الله ما يمنع مخالفتها، وسمِّي الحديد حديداً؛ لما فيه من المنع، وكذلك: إحداد المرأة؛ لأنَّها تمتنع من الزينة. والنَّهيُّ عن القُرْبَانِ أَبْلَغُ من النَّهْيِ عن الالتباس بالشيء؛ فلذلك جاءت الآية الكريمة. وقال هنا: "فَلاَ تَقْرَبُوهَا" وفي مواضع أُخر: {أية : فَلاَ تَعْتَدُوهَا}تفسير : [البقرة: 229] ومثله {أية : وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 229] {أية : وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ}تفسير : [النساء: 14] لأنه غلَّب هنا جهة النهي؛ إذ هو المعقَّب بقوله: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} وما كان منهيًّا عن فعله، كان النهيُّ عن قُرْبِانِهِ أبلغ، وأمَّا الآياتُ الأُخَرُ، فجاء "فَلاَ تَعْتَدُوهَا" عَقِيبَ بيان أحكام ذُكِرَتْ قبلُ؛ كالطلاق، والعدَّة، والإيلاء، والحيض، والمواريث؛ فناسب أن ينهى عن التعدِّي فيها، وهو مجاوزة الحدِّ الذي حدَّه الله تعالى فيها. قال السُّدِّيُّ: المراد بحدود الله شروط الله وقال شَهْرُ بن حَوْشَبٍ: فرائضُ الله. قوله: {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ} الكاف في محلِّ نصبٍ: إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ: أي: بياناً مثل هذا البيان. فإنَّه لما بيَّن أحكام الصَّوم على الاستقصاء في هذه الآية بالألفاظ القليلة بياناً شافياً وافياً - قال بعده: {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَاتِهِ لِلنَّاسِ} أي مثل هذا البيان الوافي الواضح. أو حالاً من المصدر المحذوف؛ كما هو مذهب سيبويه. قال أبو مُسْلِم: أراد بالآيات الفرائض الَّتي بيَّنها؛ كما قال سبحانه {أية : سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ}تفسير : [النور: 1] ثم فسَّر الآيات بقوله:{أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي}تفسير : [النور: 2] إلى سائر ما بيَّنه من أحكام الزِّنا، فكأنه تعالى قال: كذلك يبيِّن اللَّهُ ءَاياتِهِ للنَّاس ما شَرَعَه لَهُمْ؛ ليتَّقُوه، فَيَنْجُوا مِنْ عَذَاب الله.

البقاعي

تفسير : ولما تصوروا لهذه الآية الشريفة قربه وحبه على عظمته وعلوه فتذكروا لذيذ مخاطبته فيما قبل فاشتاقوا إليها وكان قد يسر لهم أمر الصوم كما على جميعهم وكيفاً على أهل الضرورة منهم كانوا كأنهم سألوه التيسير على أهل الرفاهية فيما حرم عليهم كما حرم على أهل الكتاب والوطء في شهر الصوم والأكل بعد النوم فقال تحقيقاً للإجابة والقرب: {أحل لكم} فأشعر ذلك بأنه كان حراماً {ليلة} أي في جميع ليلة {الصيام الرفث} وهو ما يواجه به النساء في أمر النكاح، فإذا غير فلا رفث عند العلماء من أهل اللغة، ويدل عليه وصله بحرف الانتهاء بياناً لتضمين الإفضاء أي مفضين {إلى نسائكم} بالجماع قولاً وفعلاً، وخرج بالإضافة نساء الغير. ولما كان الرفث والوقاع متلازمين غالباً قال مؤكداً لإرادة حقيقة الرفث وبيان السبب في إحلاله: {هن} أي نساؤكم {لباس لكم} تلبسونهن، والمعنى: أبيح ذلك في حالة الملابسة أو صلاحيتها، وهو يفهم أنه لا يباح نهاراً - والله سبحانه وتعالى أعلم؛ ويجوز أن يكون تعليلاً لأن اللباس لا غنى عنه والصبر يضعف عنهن حال الملابسة والمخالطة. ولما كان الصيام عامّاً للصنفين قال: {وأنتم لباس لهن} يلبسنكم، ثم علل ذلك بقوله مظهراً لعظمة هذه الأمة عنده في إرادته الرفق بها {علم الله} أي المحيط علمه ورحمته وله الإحاطة الكاملة كما قدم من كونه قريباً اللازم منه كونه رقيباً {أنكم كنتم تختانون} أي تفعلون في الخيانة في ذلك من المبادرة إليه فعل الحامل نفسه عليه، والخيانة التفريط في الأمانة، والأمانة ما وضع ليحفظ، روى البخاري في التفسير عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: "حديث : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله عزّ وجلّ {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم}" تفسير : ، روى البخاري والترمذي والنسائي عن البراء أيضاً رضي الله تعالى عنه قال: "حديث : كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثلها"تفسير : وإن صرمة بن قيس الأنصاري رضي الله تعالى عنه - فذكر حديثه في نومه قبل الأكل وأنه غشي عليه قبل انتصاف النهار فنزلت الآية. ولما كان ضرر ذلك لا يتعداهم قال: {أنفسكم}، ثم سبب عنه قوله: {فتاب عليكم}. قال الحرالي: ففيه يسر من حيث لم يؤاخذوا بذنب حكم خالف شرعة جبلاتهم فعذرهم بعلمه فيهم ولم يؤاخذهم بكتابه عليهم، وفي التوب رجوع إلى مثل الحال قبل الذنب "حديث : التائب من الذنب كمن لا ذنب له" تفسير : وكانت هذه الواقعة لرجل من المهاجرين ورجل من الأنصار ليجتمع اليمن في الطائفتين، فإن أيمن الناس على الناس من وقع في مخالفة فيسر الله حكمها بوسيلة مخالفته، كما في هذه الآية التي أظهر الله سبحانه وتعالى الرفق فيها بهذه الأمة من حيث شرع لها ما يوافق كيانها وصرف عنها ما علم أنها تختان فيه لما جبلت عليه من خلافه، وكذلك حال الآمر إذا شاء أن يطيعه مأموره يأمره بالأمور التي لو ترك ودواعيه لفعلها وينهاه عن الأشياء التي لو ترك ودواعيه لاجتنبها، فبذلك يكون حظ حفظ المأمور من المخالفة، وإذا شاء الله تعالى أن يشدد على أمة أمرها بما جبلها على تركه ونهاها عما جبلها على فعله، فتفشوا فيها المخالفة لذلك، وهو من أشد الآصار التي كانت على الأمم فخفف عن هذه الأمة بإجراء شرعتها على ما يوافق خلقتها، فسارع سبحانه وتعالى لهم إلى حظ من هواهم، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: "إن ربك يسارع إلى هواك" ليكون لهم حظ مما لنبيهم كليته، وكما قال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله تعالى عنه: "حديث : اللّهم! أدر الحق معه حيث دار" تفسير : كان صلى الله عليه وسلم يأمر الشجاع بالحرب ويكف الجبان عنه، حتى لا تظهر فيمن معه مخالفة إلا عن سوء طبع لا يزعه وازع الرفق، وذلك قصد العلماء الربانيين الذين يجرون المجرب والمدرب على ما هو أليق بحاله وجبلة نفسه وأوفق لخلقه وخلقه، ففيه أعظم اللطف لهذه الأمة من ربها ومن نبيها ومن أئمة زمانها، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى سمعت أن فارس والروم يصنعون ذلك فلا يضر ذلك أولادهم شيئاً"تفسير : لتجري الأحكام على ما يوافق الجبلات وطباع الأمم لكونه رسولاً إلى الناس كافة على اختلاف طباعهم، وما في السنة والفقه من ذلك فمن مقتبسات هذا الأصل العلي الذي أجرى الله سبحانه وتعالى الحكم فيه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم على وفق ما تستقر فيه أمانتهم وتندفع عنهم خيانتهم. وفي قوله {وعفا عنكم} أي بمحو أثر الذنب إشعار بما كان يستحق ذلك من تطهر منه من نحو كفارة وشبهها، ولما كان ما أعلى إليه خطاب الصوم صوم الشهر على حكم وحدته الآتية على ليلة ونهاره إعلاء عن رتبة الكتب الأول التي هي أيام معدودات مفصول ما بين أيامها بلياليها ليجري النهار على حكم العبادة والليل على حكم الطبع والحاجة فكان في هذا الإعلاء إطعام الضعيف مما يطعمه الله ويسقيه لا لأنّه منه أخذ بطبع بل بأنه حكم عليه حكم بشرع حين جعل الشرعة على حكم طباعهم، كما قال في الساهي: "حديث : إنما أطعمه الله وسقاه"تفسير : ، وفيه إغناء القوي عن الطعام والشراب كما قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إني لست كهيئتكم"تفسير : ، فكان يواصل، وأذن في الوصال إلى السحر، فكما أطعموا وسقوا شرعة مع تمادي حكم الصوم فكذلك أنكحوا شرعة مع تمادي حكمه، فصار نكاحهم ائتماراً بحكم الله لا إجابة طبع ولا غرض نفس فقال: {فالآن} أي حين أظهر لكم إظهار الشرعة على العلم فيكم وما جبلت عليه طباعكم فسدت عنكم أبواب المخالفة التي فتحت على غيركم {باشروهن} حكماً، حتى استحب طائفة من العلماء النكاح للصائم ليلاً حيث صار طاعة، وهو من المباشرة وهي التقاء البشرتين عمداً {وابتغوا} أي اطلبوا بجد ورغبة {ما كتب الله} أي الذي له القدرة الكاملة فلا يخرج شيء عن أمره {لكم} أي من الولد أو المحل الحل، وفيه إشعار بأن ما قضي من الولد في ليالي رمضان نائل بركة ذرئه على نكاح أمر به حتى كان بعض علماء الصحابة يفطر على النكاح. {وكلوا واشربوا} كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات، "حديث : فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء" تفسير : وقال: "حديث : إن الماء طهور"تفسير : ، وفي تقديم الأكل إجراء لحكم هذا الشرع على وفق الطبع - انتهى. ولأنه سبب العطش، ودل على وجوب تبييت النية وجواز تأخير الغسل إلى النهار، بقوله {حتى} فإن في جعل تبين الفجر غاية لحل المفطرات إيجاباً لمراقبته للكف عنها، وذلك هو حقيقة النية، ومن استمر مباشراً إلى الفجر لم يمكنه الاغتسال ليلاً وقال: {يتبين} قال الحرالي: بصيغة يتفعل وهو حيث يتكلف الناظر نظره، وكأن الطالع، يتكلف الطلوع، ولم يقل: يبين، لأن ذلك يكون بعد الوضوح - انتهى. وفي قوله: {لكم} بيان لأن الأحكام بحسب الظاهر وأن التكليف بما في الوسع {الخيط الأبيض} قال الأصبهاني: وهو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود. وقال الحرالي: فمد إلى غاية انتهاء الليل وتبين حد النهار بأرق ما يكون من مثل الخيط {من الخيط الأسود} قال الأصبهاني: وهو ما يمتد معه من غبش الليل أي البقية من الليل، وقيل: ظلمة آخر الليل، شبها بخطين أبيض وأسود. وقال الحرالي: ففيه إنهاض لحسن الاستبصار في ملتقى الليل والنهار حتى يؤتى العبد نور حسن بتبين ذلك على دقته ورقته وقد كان أنزل هذا المثل دون بيان ممثوله حتى أخذ أعرابي ينظر إلى خيطين محسوسين فأنزل {من الفجر} يعني فبين الأبيض، فأخرجه بذكر المشبه من الاستعارة إلى التشبيه لأن من شرائطها أن يدل عليها الحالة أو الكلام، وهذه الاستعارة وإن كانت متعارفة عندهم قد نطقت بها شعراؤهم وتفاوضت بها فصحاؤهم وكبراؤهم لم يقتصر عليها، وزيد في البيان لأنها خفيت على بعض الناس منهم عدي بن حاتم رضي الله تعال عنه، فلم تكن الآية مجملة ولا تأخر البيان عن وقت الحاجة، ولو كان الأمر كذلك ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم على عدي رضي الله تعالى عنه عدم فهمها. وقال الحرالي في كتاب له في أصول الفقه بناء على أنها مجملة: والخطاب بالإجمال ممكن الوقوع وليس يلزم العمل به فالإلزام تكليف ما لا يطاق وإلزام العمل يستلزم البيان وإلا عاد ذلك الممتنع، وتأخير بيان المجمل إلى وقت الإلزام ممكن، لأن في ذلك تناسب حكمة الوحي المنزل بحكمة العالم المكون، فإن الإجمال في القرآن بمنزلة نطق الأكوان والبيان فيه بمنزلة تخطيط الصور وذلك ظاهر عند من زاوله، وحينئذ فلا يقال: خطاب الإجمال عديم الفائدة لأنه يفيد تدريج حكمة التنزيل وتحصيل بركة التلاوة، وفي الاقتصار على بيانه نمط من فصاحة الخطاب العربي حيث لم يكن فيه ذكر الممثولين اكتفاء بأحدهما عن الآخر، ففيه تأصيل لأصل البيان من الإفهام حيث لم يقل: من الليل، كما قال: من الفجر، اكتفاء بما في الفهم من الذكر، وفي وقوع المبين إثر غير مثله نمط آخر من فصاحة الخطاب العربي لأن العرب يردون الثالث إلى الأول لا إلى الثاني ليتعلق بالأول في المعنى وينتظم بالثاني في اللفظ فيكون محرز المحل المفهوم راجعاً إلى الأول بالمعنى - انتهى. وأوضح دليل على إيجاب التبييت أمره بالإتمام، فإنه لما وقع الشروع فيه فالتقدير: فإذا تبين الفجر الذي أمرتم بمراقبته لكونه غاية لما أحل لكم فصوموا أي أمسكوا عن المفطر {ثم أتموا} ذلك {الصيام إلى الليل} والتعبير بثم إشارة إلى بعد ما بين طرفي الزمان الذي أحل فيه المفطر. وقال الحرالي: فكان صوم النهار إتماماً لبدء من صوم ليلة فكأنه في الليل صوم ليس بتام لانثلامه للحس وإن كان في المعنى صوماً، ومن معناه رأى بعض العلماء الشروع في الاعتكاف قبل الغروب لوجه مدخل الليل في الصوم التام بالعكوف وإضافة الليل للنهار في حكم صوم ما وهو في النهار تمام بالمعنى والحس، وإنما ألزم بإتمام الصوم نهاراً واعتد به ليلاً وجرى فيه الأكل والنكاح بالأمر لأن النهار معاش فكان الأكل فيه أكلاً في وقت انتشار الخلق وتعاطي بعضهم من بعض فيأنف عنه المرتقب، ولأن الليل سبات ووقت توف وانطماس، فبدأ فيه من أمر الله ما انحجب ظهوره في النهار، كأن المُطعم بالليل طاعم من ربه الذي هو وقت تجليه "حديث : ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا" تفسير : فكأن الطاعم في الليل إنما أطعمه الله وسقاه، فلم يقدح ذلك في معنى صومه وإن ظهر صورة وقوعه في حسه كالناسي بل المأذون له أشرف رتبة من الناسي - انتهى. ولما كان الصوم شديد الملابسة للمساجد والاعتكاف وكانت المساجد مظنة للاعتكاف وكان سبحانه قد أطلق في صدر الآية الإذن في الوطء في جميع الأماكن والأحوال غير حال الصوم خص من سائر الأحوال الاعتكاف ومن الأماكن المساجد فعقب ذلك بأن قال: {ولا تباشروهن} أي في أي مكان كان {وأنتم عاكفون} أي بايتون مقيمون أو معتكفون، ومدار مادة عكف على الحبس أي وأنتم حابسون أنفسكم لله {في المساجد} عن شهواتها بنية العبادة و {في المساجد} ظرف لعاكفون، فتحرم المباشرة في الاعتكاف ولو في غير المسجد، وتقييد الاعتكاف بها لا يفهم صحته في غير مسجد، فإنه إنما ذكر لبيان الواقع وليفهم حرمة الجماع في المساجد، لأنه إذا حرم تعظيماً لما هي سبب لحرمته ومصححة له كانت حرمته تعظيماً لها لنفسها أولى، أو يقال وهو أحسن: لما كان معنى العكوف مطلق الحبس قيده بالمسجد ليفهم خصوص الاعتكاف الذي هو الحبس عبادة، فصار كأنه قال: وأنتم معتكفون، هذا معنى المبتدأ والخبر وما تعلق به، وكأنه جرّد الفعل ليشمل ما إذا كان اللبث في المسجد بغير نية، والحاصل أنه سبحانه وتعالى سوى بين حال الصوم حال الاعتكاف في المنع من الجماع، فإن اجتمعا كان آكد، فإن الاعتكاف من كمال الصوم وذلك على وجه منع من المباشرة في المسجد مطلقاً. قال الحرالي: وإنما كان العاكف في المسجد مكملاً لصومه لأن حقيقة الصوم التماسك عن كل ما شأن المرء أن يتصرف فيه من بيعه وشرائه وجميع أغراضه فإذا المعتكف المتماسك عن التصرف كله إلاّ ما لا بد له من ضرورته والصائم المكمل صيامه والمتصرف الحافظ للسانه الذي لا ينتصف بالحق ممن اعتدى عليه هو المتمم للصيام، ومن نقص عن ذلك فانتصف بالحق ممن اعتدى عليه فليس بمتمم للصيام، فمن أطلق لسانه وأفعاله فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، فإذا حقيقة الصوم هو الصوم لا صورته حتى ثبت معناه للأكل ليلاً ونهاراً، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة أيام من كل شهر فذلك صوم الدهر" تفسير : وكان بعض أهل الوجهة من الصحابة يقول قائلهم: أنا صائم، ثم يرى يأكل من وقته فيقال له في ذلك فيقول: قد صمت ثلاثة أيام من هذا الشهر، فأنا صائم في فضل الله مفطر في ضيافة الله، كل ذلك اعتداد من أهل الأحلام والنُّهى بحقيقة الصوم أكثر من الاعتداد بصورة ظاهرة - انتهى بمعناه. ولما قدم سبحانه وتعالى ذكر هذه الحرمات ضمن ما قدم في الأحكام أما في المناهي فصريحاً وأما في الأوامر فلزوماً وتقدم فيها لأن حمله سبحانه وتعالى في الأرض محارمه نبه على تعظيمها وتأكيد تحريمها باستئناف قوله مشيراً بأداة البعد: {تلك} أي الأحكام البديعة النظام العالية المرام {حدود الله} وذكر الاسم الأعظم تأكيداً للتعظيم، وحقيقة الحد الحاجز بين الشيئين المتقابلين ليمنع من دخول أحدهما في الآخر، فأطلق هنا على الحكم تسمية للشيء باسم جزئه بدلالة التضمن وأعاد الضمير على مفهومه المطابق استخداماً فقال: {فلا تقربوها} معبراً بالقربان، لأنه في سياق الصوم والورع به أليق، لأن موضوعه فطام النفس عن الشهوات فهو نهي عن الشبهات من باب "من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه" فيدخل فيه مقدمات الجماع فالورع تركها. ولما علا هذا البيان إلى حد لا يدركه حق إدراكه الإنسان كان كأنه قال دهشاً: هل يحصل بيان مثله لشيء غير هذا؟ فقيل بياناً للواقع وتشويقاً إلى التلاوة وحثاً على تدبر الكتاب الذي هو الهدى لا ريب فيه: {كذلك} أي مثل هذا البيان العلي الشأن {يبين الله} لما له من العظمة التي لا تحصر بحد ولا تبلغ بعد {آياته} التي يحق لعظمتها أن تضاف إليه وقال: {للناس} إشارة إلى العموم دلالة على تمام قدرته بشمول علمه إلى أن يصل البيان إلى حد لا يحصل فيه تفاوت في أصل الفهم بين غبي وذكي، وعلل ذلك بقوله: {لعلهم يتقون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى منه خوف الله تعالى لما علموا من هذا البيان من عظمته، وأشعر هذا الإبهام أن فيهم من لا يتقي. ولما أذن سبحانه وتعالى فيما كان قد منع منه من المطعم والمنكح للصائم وقدم المنكح لأنه أشهى إذ الطبع إليه أدعى ولأن المنع منه كان في جميع الشهر فالضرر فيه أقوى، وأتبعه الإذن في الأكل لأنه قوام الجسم وأولاه المنع من النكاح في بعض الأحوال، فعل كذلك في المال الذي منه الأكل لأنه قد كان مما خان فيه أهل الكتاب عهد كتابهم واشتروا به ثمناً قليلاً كثيراً من أمره لا سيما تحريم الرشوة فإنهم أخفوه واستباحوها حتى صارت بينهم شرعاً متعارفاً وكان طيب المطعم محثوثاً عليه لا سيما في الصوم فنهى عن بعض أسباب تحصيل المال أعم من أن تكون رشوة أو غيرها فقال: {ولا تأكلوا} أي يتناول بعضكم مال بعض، ولكنه عبر بالأكل لأنه المقصد الأعظم من المال. ولما كان المال ميالاً يكون في يد هذا اليوم وفي يد غيره غداً فمن صبر وصل إليه ما كتب له مما في يد غيره بالحق ومن استعجل وصل إليه بالباطل فحاز السخط ولم ينل أكثر مما قدر له قال: {أموالكم} وقال: {بينكم} تقبيحاً لهذه المعصية وتهييجاً على الأمر بالمعروف {بالباطل} وهو ما لم يأذن به الله بأي وجه كان سواء كان بأصله أو بوصفه. ولما كان من وجوه أكله بالباطل التوصل بالحاكم بحجة باطلة يعجز الخصم عن دفعها كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على حسب ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار" تفسير : فيكون الإثم خاصاً بالأكل دون الحاكم عطف عليه ما يشاركه فيه الحاكم فقال عاطفاً على {تأكلوا} {وتدلوا} أي ولا تتواصلوا في خفائها {بها إلى الحكام} بالرشوة العمية للبصائر، من الإدلاء. قال الحرالي وهو من معنى إنزال الدلو خفية في البئر ليستخرج منه ماء فكأن الراشي يدلي دلو رشوته للحاكم خفية ليستخرج جوره ليأكل به مالاً - انتهى. {لتأكلوا فريقاً} أي شيئاً يفرق بينه وبين صاحبه {من أموال الناس} من أي طائفة كانوا {بالإثم} أي الجور العمد، ومن مدلولاته الذنب وأن يعمل ما لا يحل {وأنتم} أي والحال أنكم {تعلمون *} أي من أهل العلم مطلقاً فإن الباطل منهم أشنع ويلزم منه العلم بأن ذلك التوصل لا يفيد الحل، ولعله إيماء إلى جواز التوصل إلى ماله عند جاحد لم يجد طريقاً إلى خلاصه إلا ذلك. وقال الحرالي في مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما كان منزل القرآن لإقامة الأمور الثلاثة التي بها قيام المخاطبين به وهو صلاح دينهم وهو ما بين العبد وربه من عمل أو إلقاء بالسلم إليه وإصلاح دنياهم وهو ما فيه معاش المرء وإصلاح آخرتهم وهو ما إليه معاده كان لذلك منزل القرآن مفصلاً بأحكام تلك الأمور الثلاثة فكان شذرة للدين وشذرة للدنيا وشذرة للآخرة، فلما كان في صدر هذا الخطاب {أية : يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} تفسير : [البقرة: 168] وهو خطاب للملوك ومن تبعهم من رؤساء القبائل ومن تبعهم انتظم به بعد ذلك حكم من أحكام أهل العلم ومن تبعهم في قوله تعالى: {أية : إن الذين يكتمون}تفسير : [البقرة: 159]، ثم انتظم به ذكر الوصية من أهل الجدة، ثم انتظم به ذكر أحوال الرشى من الراشي والمرتشي، ليقع نظم التنزيل ما بين أمر في الدين ونهي في الدنيا ليكون ذلك أجمع للقلب في قبول حكم الدنيا عقب حكم الدين ويفهم حال المعاد من عبرة أمر الدنيا، فلذلك تعتور الآيات هذه المعاني ويعتقب بعضها لبعض ويتفصل بعضها ببعض، كما هو حال المرء في يومه وفي مدة عمره حيث تعتور عليه أحوال دينه ودنياه ومعاده، يطابق الأمر الخلق في التنزيل والتطور - انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج وكيع وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي والنحاس في ناسخه وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن البراء بن عازب قال ‏"‏كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإِفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فكان يومه ذاك يعمل في أرضه، فلما حضر الإِفطار أتى امرأته فقال‏:‏ هل عندك طعام‏؟‏ قالت‏:‏ لا، ولكن أنطلق فأطلب لك فغلبته عينه فنام، وجاءت امرأته فلما رأته نائماً قالت‏:‏ خيبة لك أنمت‏؟‏ فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية {‏أحل لكم ليلة الصيام الرفث‏} إلى قوله ‏ {‏من الفجر‏} ‏ ففرحوا بها فرحاً شديداً‏"‏‏.‏ وأخرج البخاري عن البراء قال‏:‏ لمَّا نزل صوم شهر رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، فكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله {‏علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم‏}‏‏.‏ وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم بسند حسن عن كعب بن مالك قال ‏"‏كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت، فأيقظها وأرادها فقالت‏:‏ إني قد نمت فقال‏:‏ ما نمت ثم وقع بها‏.‏ وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله ‏ {‏علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم‏}‏ ‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال‏:‏ كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية إذا صلوا العشاء الآخرة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا، وأن عمر أصاب أهله بعد صلاة العشاء، وأن صرمة بن قيس غلبته عينه بعد صلاة المغرب فنام فلم يشبع من الطعام، ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء، فقام فأكل وشرب، فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فأنزل ‏{‏أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم‏} ‏ يعني بالرفث مجامعة النساء ‏{‏كنتم تختانون أنفسكم‏}‏ يعني تجامعون النساء، وتأكلون وتشربون بعد العشاء ‏{‏فالآن باشروهن‏} ‏ يعني جامعوهن ‏ {‏وابتغوا ما كتب الله لكم‏} ‏ يعني الولد ‏{‏وكلوا واشربوا‏} ‏ فكان ذلك عفواً من الله ورحمة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ‏"‏أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن ناساً من المسلمين أصابوا الطعام والنساء في رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ‏ {‏أحل لكم ليلة الصيام‏} إلى قوله ‏{‏فالآن باشروهن‏}‏ يعني انكحوهن‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ‏"‏كان الناس أول ما أسلموا إذا صام أحدهم يصوم يومه حتى إذا أمسى طعم من الطعام حتى يمسي من الليلة القابلة، وأن عمر بن الخطاب بينما هو نائم إذ سوّلت له نفسه فأتى أهله، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، فإنها زينت لي فواقعت أهلي، هل تجد لي من رخصة؟ قال‏:‏ لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر‏.‏ فلم بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن، وأمر الله رسوله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة، فقال ‏{‏أحل لكم ليلة الصيام‏}‏ إلى قوله ‏ {‏تختانون أنفسكم‏} ‏ يعني بذلك الذي فعل عمر، فأنزل الله عفوه فقال ‏ {‏فتاب عليكم‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏من الخيط الأسود‏} ‏ فأحل لهم المجامعة والأكل والشرب حتى يتبين لهم الصبح‏"‏‏. ‏وأخرج ابن جرير عن ثابت ‏"‏أن عمر بن الخطاب واقع أهله ليلة في رمضان فاشتد ذلك عليه، فأنزل الله ‏ {‏أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم‏}‏ ‏"‏‏.‏ وأخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن ابن عباس ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم‏} ‏ قال‏:‏ فكان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل نفسه فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد الله أن يجعل ذلك تيسيراً لمن بقي ورخصة ومنفعة، فقال ‏ {‏علم الله أنكم كنتم تختانون‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية‏.‏ فرخص لهم ويسر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج ‏ {‏وكلوا واشربوا‏}‏ قال‏:‏ نزلت في أبي قيس بن صرمة من بني الخزرج‏.‏ وأخرج وكيع وعبد بن حميد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال ‏"‏كانوا إذا صاموا فنام أحدهم قبل أن يطعم لم يأكل شيئاً إلى مثلها من الغد، وإذا نام قبل أن يجامع لم يجامع إلى مثلها، فانصرف شيخ من الأنصار يقال له صرمة بن مالك ذات ليلة إلى أهله وهو صائم، فقال‏:‏ عشوني‏.‏ فقالوا‏:‏ حتى نجعل لك طعاماً سخناً تفطر عليه، فوضع الشيخ رأسه فغلبته عيناه فنام، فجاؤوا بالطعام وقد نام فقالوا‏:‏ كل‏.‏ فقال‏:‏ قد كنت نمت، فترك الطعام وبات ليلته يتقلب ظهراً لبطن، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقام عمر بن الخطاب فقال‏:‏ يا رسول الله إني أردت أهلي البارحة على ما يريد الرجل أهله، فقالت‏:‏ إنها قد نامت، فظننتها تعتل فواقعتها، فأخبرتني أنها كانت نامت، فأنزل الله في صرمة بن مالك ‏{‏وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر‏} ‏ ونزل في عمر بن الخطاب ‏ {‏أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم‏}‏ إلى آخر الآية‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم‏} ‏ قال‏:‏ كان هذا قبل صوم رمضان، أمروا بصيام ثلاثة أيام من كل شهر من كل عشرة أيام يوماً، وأمروا بركعتين غدوة وركعتين عشية، فكان هذا بدء الصلاة والصوم، فكانوا في صومهم هذا وبعد ما فرض الله رمضان إذا رقدوا لم يمسوا النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، وكان أناس من المسلمين يصيبون من النساء والطعام بعد رقادهم، وكانت تلك خيانة القوم أنفسهم، فأنزل الله في ذلك القرآن ‏ {‏علم الله أنكم كنتم تختانون‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال‏:‏ كان أصحاب محمد يصوم الصائم في شهر رمضان، فإذا أمسى أكل وشرب وجامع النساء، فإذا رقد حرم ذلك عليه حتى مثلها من القابلة، وكان منهم رجال يختانون أنفسهم في ذلك، فعفا الله عنهم، أحل لهم ذلك بعد الرقاد وقبله في الليل كله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي قال‏:‏ كان المسلمون في أول الإِسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب، إذا نام أحدهم لم يطعم حتى يكون القابلة، فنزلت ‏{‏وكلوا واشربوا‏}‏ إلى آخر الآية‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمرو بن العاص ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عن ابن عباس قال‏:‏ الرفث الجماع‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر قال‏:‏ الرفث الجماع‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ الدخول، والتغشي، والإِفضاء، والمباشرة، والرفث، واللمس، والمس، والمسيس‏:‏ الجماع، والرفث في الصيام‏:‏ الجماع، والرفث في الحج‏:‏ الإِغراء به‏.‏ وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏هن لباس لكم وأنتم لباس لهن‏} ‏ قال‏:‏ هن سكن لكم وأنتم سكن لهن‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل‏ {هن لباس لكم‏}‏ قال‏:‏ هن سكن لكم تسكنون إليهن بالليل والنهار قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت نابغة بن ذبيان وهو يقول‏:‏ شعر : إذا ما الضجيع ثنى عطفها تثنت عليه فكانت لباسا تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن يحيى بن العلاء عن ابن أنعم ‏"حديث : ‏أن سعد بن مسعود الكندي قال‏:‏ أتى عثمان بن مظعون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله إني لأستحيي أن ترى أهلي عورتي‏.‏ قال‏: لم، وقد جعلك الله لهم لباساً وجعلهم لك‏؟‏!‏قال‏:‏ أكره ذلك‏.‏ قال‏: فإنهم يرونه مني وأراه منهم‏. قال‏:‏ أنت رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ أنا‏.‏ قال‏:‏ أنت فمن بعدك إذاً‏؟‏‏!‏ فلما أدبر عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن ابن مظعون لحيي ستير‏ . تفسير : ‏ وأخرجه ابن سعد عن سعد بن مسعود وعمارة بن غراب اليحصبي‏‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏تختانون‏} ‏ فال‏:‏ تقعون عليهن خيانة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فالآن باشروهن‏}‏ قال‏:‏ انكحوهن‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي من طرق عن ابن عباس قال‏:‏ المباشرة الجماع، ولكن الله كريم يستكني‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال‏:‏ المباشرة في كل كتاب الله الجماع‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وابتغوا ما كتب الله لكم‏} ‏ قال‏:‏ الولد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وقتادة والضحاك‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏وابتغوا ما كتب الله لكم‏} ‏ قال‏:‏ ليلة القدر‏.‏ وأخرج البخاري في تاريخه عن أنس في قوله ‏{‏وابتغوا ما كتب الله لكم‏} ‏ قال‏:‏ ليلة القدر‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله ‏{‏وابتغوا ما كتب الله لكم‏}‏ قال‏:‏ وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء قال‏:‏ قلت لابن عباس كيف تقرأ هذه الآية ‏ {‏وابتغوا ما كتب الله لكم‏}، أو واتبعوا، قال‏:‏ أيتهما شئت عليك بالقراءة الأولى‏.‏ وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي عن عائشة قالت‏ "‏قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم‏"‏‏.‏ وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أم سلمة ‏"‏أنها سئلت عن الرجل يصبح جنباً، أيصوم‏؟‏ فقالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من جماع غير احتلام في رمضان، ثم يصوم‏"‏‏.‏ وأخرج مالك والشافعي ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة ‏"حديث : ‏أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله إني أصبح جنباً وأنا أريد الصيام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ وأنا أصبح جنباً وأريد الصيام فأغتسل وأصوم ذلك اليوم‏؟فقال الرجل‏:‏ إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب وقال‏: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو بكر بن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والطستي في مسائله عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ‏ {‏حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود‏}‏ ، قال‏:‏ بياض النهار من سواد الليل وهو الصبح إذ‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت قول أمية‏؟‏‏:‏ شعر : الخيط الأبيض ضوء الصبح منغلق والخيط الأسود لون الليل مكموم تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن سهل بن سعد قال‏:‏ أنزلت {‏وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود‏} ‏ ولم ينزل من الفجر، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد {‏من الفجر‏} ‏ فعلموا إنما يعني الليل والنهار‏. وأخرج سفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عدي بن حاتم قال ‏"حديث : ‏لما أنزلت هذه الآية ‏{‏وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود‏}‏ عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بالذي صنعت فقال‏:‏ إن وسادك إذا لعريض، إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عدي بن حاتم قال ‏"حديث : ‏أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمني الإِسلام، ونعت لي الصلوات الخمس كيف أصلي كل صلاة لوقتها، ثم قال‏:‏ إذا جاء رمضان فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم أتم الصيام إلى الليل، ولم أدر ما هو‏!‏ ففتلت خيطين من أبيض وأسود، فنظرت فيهما عند الفجر فرأيتهما سواء، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت‏:‏ يا رسول الله كل شيء أوصيتني قد حفظت غير الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال‏:‏ وما منعك يا ابن حاتم‏؟ وتبسم كأنه قد علم ما فعلت‏.‏ قلت‏:‏ فتلت خيطين من أبيض وأسود، فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رؤي نواجذه، ثم قال‏: ألم أقل لك من الفجر‏؟‏ إنما هو ضوء النهار من ظلمة الليل‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير عن عدي بن حاتم قال ‏"حديث : ‏قلت يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان‏؟‏ فقال‏:‏ إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين، ثم قال‏: لا، بل هو سواد الليل وبياض النهار‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر الجعدي ‏"‏أنه سأل عن هذه الآيه ‏ {‏حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود‏} ‏ يعني الليل والنهار‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن علي بن أبي طالب أنه قال حين طلع الفجر: الآن حين تبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود. وأخرج وكيع وابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن أبي الضحى. أن رجلاً قال لابن عباس: متى أدع السحور؟ فقال رجل: إذا شككت، فقال ابن عباس: كل ما شككت حين يتبين لك. وأخرج وكيع عن أبي الضحى قال‏:‏ كانوا يرون أن الفجر المستفيض في السماء‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ هما فجران، فأما الذي يسطع في السماء فليس يحل ولا يحرم شيئاً، ولكن الفجر الذي يستبين على رؤوس الجبال هو الذي يحرم الشراب‏.‏ وأخرج وكيع وابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير عن سمرة بن جندب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لايمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستظهر في الأفق‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لا يمنعكم أذان بلال من سحوركم فإنه ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه عن طلق بن علي ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ كلوا واشربوا ولا يمنعكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد‏:‏ ليس الفجر المستطيل في الأفق ولكنه المعترض الأحمر‏.‏ وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وابن جرير والدارقطني والبيهقي عن محمد بن عبد الرحمن عن ثوبان ‏"حديث : ‏أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: الفجر فجران، فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئاً ولا يحرمه، وأما المستطيل الذي يأخذ الأفق فانه يحل الصلاة ويحرم الطعام، وأخرجه الحاكم من طريقه عن جابر موصولاً‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ الفجر فجران، فجر يحرم فيه الطعام والشراب ويحل فيه الصلاة، وفجر يحل فيه الطعام ويحرم فيه الصلاة‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من أراد أن يصوم فليتسحر ولو بشيء‏‏"‏‏تفسير : . وأخرج ‏{‏ثم أتموا الصيام إلى الليل‏}‏‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد‏.‏ فيمن أفطر ثم طلعت الشمس، قال‏:‏ يقضي، لأن الله يقول ‏{‏أتموا الصيام إلى الليل‏}‏ ‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن أبي أمامة ‏"حديث : ‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي، فأتياني جبلاً وعراً فقالا لي‏:‏ اصعد‏.‏ فقلت‏:‏ إني لا أطيقه‏.‏ فقالا‏:‏ إنا سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة‏!‏ فقلت‏:‏ ما هذه الأصوات‏؟‏‏!‏ قالوا‏:‏ هذا عواء أهل النار، ثم انطلقا بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دما‏ً.‏ قلت‏:‏ من هؤلاء‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني عن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت‏ "‏حديث : أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير وقال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وقال‏:‏ إنما يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله، وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فافطروا‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط وابن عساكر عن أبي ذر ‏"‏إن رسول الله صلى الله عليه وسلم واصل يومين وليلة، فأتاه جبريل فقال‏:‏ إن الله قد قبل وصالك ولا يحل لأحد بعدك، وذلك بأن الله قال‏:‏ وأتموا الصيام إلى الليل‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن قتادة قال‏:‏ قالت عائشة {‏ثم أتموا الصيام إلى الليل‏}‏ يعني أنها كرهت الوصال‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي العالية‏.‏ أنه ذكر عنده الوصال فقال‏:‏ فرض الله الصوم بالنهار فقال ‏ {‏ثم أتموا الصيام إلى الليل‏}‏ فإذا جاء الليل فأنت مفطر، فإن شئت فكل وإن شئت فلا‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر، إن اليهود والنصارى يؤخرون‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي عن سهل بن سعد ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود عن ابن عمر‏ ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال قالوا‏:‏ إنك تواصل‏؟‏ قال‏: لست مثلكم إني أطعم وأسقى ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : لا تواصلوا‏.‏ قالوا‏:‏ إنك تواصل‏؟‏ قال‏:‏ إني لست كأحد منكم، إني أبيت أطعم وأسقى‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري وأبو داود عن أبي سعيد ‏"حديث : ‏أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر‏. قالوا‏:‏ فإنك تواصل يا رسول الله‏؟‏ قال‏: إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن عائشة قالت‏"‏حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم فقالوا‏:‏ إنك تواصل‏؟‏ قال‏:‏ إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري والنسائي عن أبي هريرة قال ‏"حديث : ‏نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين‏:‏ إنك تواصل يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ وأيكم مثلي‏.‏ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل‏:‏ إني صائم، إني صائم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ‏"حديث : ‏من لم يدع‏‏تفسير : . وفي لفظ‏:‏حديث : إذا لم يدع الصائم قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ رب قائم حظه من القيام السهر، ورب صائم حظه من الصيام الجوع والعطش‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ الغيبة تخرق الصوم والاستغفار يرقعه، فمن استطاع منكم أن يجيء غداً بصومه مرقعاً فليفعل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل فطرك وصومك سواء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن طلق بن قيس قال‏:‏ قال أبو ذر‏:‏ إذا صمت فتحفظ ما استطعت، فكان طلق إذا كان يوم صومه دخل فلم يخرج إلا للصلاة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن مجاهد قال‏:‏ خصلتان من حفظهما يسلم له صومه، الغيبة والكذب‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي العالية قال‏:‏ الصائم في عبادة ما لم يغتب‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ما صام من ظل يأكل لحوم الناس‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال‏:‏ كانوا يقولون‏:‏ الكذب يفطر الصائم‏.‏ وأخرج البيهقي عن أبي بكرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : لايقولن أحدكم‏:‏ إني قمت رمضان كله وصمته‏.‏ فلا أدري أكره التزكية أو قال‏:‏ لا بد من نومة أو رقدة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ‏{‏ولا تباشروهن وأنتم عاكفون‏}‏ قال‏:‏ المباشرة الملامسة، والمس الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما يشاء‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ولا تباشروهن‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلاً أو نهاراً حتى يقضي اعتكافه‏.‏ وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك قال‏:‏ كانوا يجامعون وهم معتكفون حتى نزلت ‏ {‏ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد‏}‏ .‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال‏:‏ كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فنزلت‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الربيع قال‏:‏ كان ناس يصيبون نساءهم وهم عاكفون، فنهاهم الله عن ذلك‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ كانوا إذا اعتكفوا فخرج الرجل إلى الغائط جامع امرأته ثم اغتسل ثم رجع إلى اعتكافه، فنهوا عن ذلك‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال.‏ نهى عن جماع النساء في المساجد كما كانت الأنصار تصنع‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه ويستأنف‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم في معتكف وقع بأهله قال‏:‏ يستقبل اعتكافه، ويستغفر الله، ويتوب إليه، ويتقرب ما استطاع‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد في المعتكف إذا جامع ‏ قال‏:‏ يتصدق بدينارين‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في رجل غشي امرأته وهو معتكف أنه بمنزلة الذي غشي في رمضان، عليه ما على الذي غشي في رمضان‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري قال‏:‏ من أصاب امرأته وهو معتكف فعليه من الكفارة مثل ما على الذي يصيب في رمضان‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال‏:‏ لا يقبل المعتكف ولا يباشر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال‏:‏ المعتكف لا يبيع ولا يبتاع‏.‏ قوله تعالى‏ ‏{‏وأنتم عاكفون في المساجد‏}‏‏.‏ أخرج الدارقطني والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب وعن عروة عن عائشة ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده، والسنة في المعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإِنسان، ولا يتبع جنازة، ولا يعود مريضاً، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة، والسنة إلى آخره‏.‏ فقد قيل‏:‏ أنه من قول عروة وقال الدارقطني‏:‏ هو من كلام الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم‏"‏‏.‏ وأخرج ابن ماجة والبيهقي وضعفه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏"حديث : ‏في المعتكف أنه معتكف الذنوب ويجري له من الأجر كأجر عامل الحسنات كلها‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم وصححه والبيهقي وضعفه والخطيب في تاريخه عن ابن عباس ‏"‏أنه كان معتكفاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل في حاجة فقام معه، وقال‏:‏ سمعت صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم يقول‏"حديث : ‏من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيراً من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يوماً ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق أبعد مما بين الخافقين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه عن علي بن حسين عن أبيه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من اعتكف عشراً في رمضان كان كحجتين و عمرتين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن الحسن قال‏:‏ للمعتكف كل يوم حجة، قال البيهقي‏:‏ لا يقوله الحسن إلا عن بلاغ‏.‏ وأخرج البيهقي عن زياد بن السكن قال‏:‏ كان زبيد اليامي وجماعة إذا كان يوم النيروز ويوم المهرجان اعتكفوا في مساجدهم، ثم قالوا‏:‏ إن هؤلاء قد اعتكفوا على كفرهم واعتكفنا على إيماننا، فاغفر لنا‏.‏ وأخرج البيهقي عن عطاء الخراساني قال‏:‏ إن مثل المعتكف مثل المحرم ألقى نفسه بين يدي الرحمن‏.‏ فقال‏:‏ والله لا أبرح حتى ترحمني‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب قضاء الجوائج عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال‏:‏ جاء رجل إلى الحسين بن علي فسأله أن يذهب معه في حاجة فقال‏:‏ إني معتكف، فأتى الحسن فأخبره فقال الحسن‏:‏ لو مشي معك لكان خيراً له من اعتكافه، والله لأن أمشي معك في حاجتك أحب إليّ من أن اعتكف شهرا‏ً.‏ وأخرج البخاري في جزء التراجم بسند ضعيف جداً عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : لأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إليّ من أن اعتكف شهراً في مسجدي هذا، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجة حتى يقضيها ثبت الله قدميه يوم تزل الأقدام ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن محمد بن واسع الأزدي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من أعان أخاه يوماً كان خيراً له من اعتكاف شهر‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الدارقطني عن حذيفة قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:‏"‏حديث : كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن المسيب قال‏:‏ لا اعتكاف إلا في مسجد‏.‏ وأخرج الدارقطني والحاكم عن عائشة ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لا اعتكاف إلا بصيام‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج مالك عن القاسم بن محمد ونافع مولى ابن عمر قالا‏:‏ لا اعتكاف إلا بصيام لقول الله تعالى ‏ {‏وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض‏}‏ إلى قوله ‏ {‏وأنتم عاكفون في المساجد‏} فإنما ذكر الله عز وجل الاعتكاف مع الصيام‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال‏:‏ المعتكف عليه الصوم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال‏:‏ لا اعتكاف إلا بصوم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عن علي وابن مسعود قالا‏:‏ المعتكف ليس عليه صوم إلا أن يشرطه على نفسه‏.‏ وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ المعتكف يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويأتي الجمعة، ويأتي أهله، ولا يجالسهم‏.‏ وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة قالت‏ "‏إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل عليّ رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا‏ً"‏‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة عن ابن عمر قال ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان‏"‏‏.‏ وأخرج البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة قال ‏"‏كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين‏"‏‏.‏ وأخرج مالك عن أهل الفضل والدين، أنهم كانوا إذا اعتكفوا العشر الأواخر من شهر رمضان، لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا العيد مع الناس‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال‏:‏ كانوا يستحبون للمعتكف أن يبيت ليلة الفطر حتى يكون غدوه منه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مجلز قال‏:‏ بت ليلة الفطر في المسجد الذي اعتكفت فيه حتى يكون غدوّك إلى مصلاك منه‏.‏ وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : نظر الرجل إلى أخيه على شوق خير من اعتكاف سنة في مسجدي هذا‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة ‏"‏أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانت مستحاضة وهي عاكف‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏تلك حدود الله‏} ‏ يعني طاعة الله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ‏{‏تلك حدود الله‏}‏ قال‏:‏ معصية الله، يعني المباشرة في الاعتكاف‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ‏ {‏تلك حدود الله فلا تقربوها‏} ‏ يعني الجماع‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏{‏كذلك‏}‏ يعني هكذا يبين الله‏.‏

ابو السعود

تفسير : {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ} رُوي: «أن المسلمين كانوا إذا أمسَوْا حلَّ لهم الأكلُ والشربُ والجِماعُ إلى أن يُصلّوا العشاءَ الأخيرة أو يرقُدوا، ثم أن عمرَ رضي الله عنه باشر بعد العِشاء فندِم، وأتى النبـيَّ صلى الله عليه وسلم واعتذر إليه فقام رجالٌ فاعترفوا بما صنعوا بعد العِشاء فنزلت» وليلةُ الصيام الليلةُ التي يصبِحُ منها صائماً والرفثُ كنايةٌ عن الجماع لأنه لا يكاد يخلو من رفث، وهو الإفصاحُ بما يجب أن يكنَّى عنه، وعُدِّي بإلى لتضمُّنه معنى الإفضاءِ والإنهاء، وإيثارُه ههنا لاستقباح ما ارتكبوه ولذلك سمِّي خيانةً وقرىء الرُفوث، وتقديمُ الظرف على القائم مقامَ الفاعل لما مرَّ مراراً من التشويق فإن ما حقُّه التقديمُ إذا أُخِّر تبقى النفسُ مترقبةً إليه فيتمكن وقتَ ورودِه فضلَ تمكن {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} استئنافٌ مبـينٌ لسبب الإحلالِ وهو صعوبةُ الصبر عنهنّ مع شِدة المخالطة وكَثرةِ الملابَسة بهن، وجُعل كلٌّ من الرجل والمرأة لِباساً للآخرَ لاعتناقهما واشتمال كلَ منهما على الآخر بالليل قال: [المتقارب] شعر : إذا ما الضجيعُ ثَنَى عِطفَها تثنَّتْ فكانت عليه لِباساً تفسير : أو لأن كلاً منهما يستُر حالَ صاحبِه ويمنعُه من الفجور {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ} استئنافٌ آخرُ مبـين لما ذُكر من السبب، والاختيانُ أبلغُ من الخيانة كالاكتساب من الكسْب، ومعنى تختانون تظلِمونها بتعريضها للعقاب وتنقيصِ حظَّها من الثواب {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} عطفٌ على علِم أي تابَ عليكم لما تُبتم مما اقترفتموه {وَعَفَا عَنكُمْ} أي محا أثرَه عنك {فَٱلآنَ} لما نُسخ التحريمُ {بَـٰشِرُوهُنَّ} المباشرةُ إلزاقُ البَشَرة بالبَشَرة كُنِّي بها عن الجماع الذي يستلزِمُها وفيه دليلٌ على جواز نسخِ الكتاب للسنة {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي واطلُبوا ما قدّره الله لكم وقرَّره في اللوحِ من الوَلدِ وفيه أن المباشِرَ ينبغي أنْ يكونَ غرضُه الولدَ فإنه الحكمةُ في خلق الشهوةِ وتشريعِ النكاحِ لا قضاءِ الشهوة، وقيل: فيه نهيٌ عن العَزْل وقيل: عن غير المأتيّ، والتقديرُ وابتغوا المحلَ الذي كُتب لكم {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ} شبَّه أولَ ما يبدو من الفجر المعترِض في الأفق وما يمتدّ معه من غَلَس الليل بخيطين أبـيضَ وأسودَ، واكتُفي ببـيان الخيط الأبـيض بقوله تعالى: {مِنَ ٱلْفَجْرِ} عن بـيان الخيطِ الأسودِ لدلالته عليه وبذلك خرجا عن الاستعارة إلى التمثيل ويجوز أن يكون (من) للتبعيض فإن ما يبدو بعضُ الفجر وما رُوي من أنها نزلت ولم ينزلْ من الفجر فعمَد رجالٌ إلى خيطين أبـيضَ وأسودَ وطفِقوا يأكلون ويشربون حتى يتبـيَّنا لهم، فنزلت فلعل ذلك كان قبل دخولِ رمضانَ وتأخيرُ البـيان إلى وقت الحاجة جائزاً، واكتُفي أولاً باشتهارهما في ذلك ثم صُرِّح بالبـيان لما التَبَس على بعضهم، وفي تجويز المباشرةِ إلى الصبح دلالةٌ على جواز تأخيرِ الغُسل إليه وصحةِ صومِ من أصبح جُنباً {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ} بـيانٌ لآخِرِ وقتِه {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَـٰجِدِ} أي معتكِفون فيها والمرادُ بالمباشرة الجِماعُ. وعن قتادةَ: «كان الرجلُ يعتكِفُ فيخرُجُ إلى امرأته فيباشرُها ثم يرجِع فنُهوا عن ذلك» وفيه دليلٌ على أن الاعتكافَ يكون في المسجد غيرَ مختص ببعضٍ دون بعضٍ وأن الوطءَ فيه حرامٌ ومفسدٌ له لأن النهيَ في العبادات يوجبُ الفساد {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} أي الأحكامُ المذكورةُ حدودٌ وضعها الله تعالى لعباده {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} فضلاً عن تجاوُزها، نهْيٌ أن يُقرَبَ الحدُّ الحاجزُ بـين الحقِّ والباطل مبالغةً في النهي عن تخطِّيها كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن لكل ملكٍ حِمىً وحِمى الله محارمُه فمن رتَعَ حولَ الحِمى يُوشك أن يقَعَ فيه» تفسير : ويجوز أن يراد بحدود الله تعالى محارمُه ومناهيه {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك التبـين البليغ {يُبَيّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ} الدالةَ على الأحكام التي شرعها {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} مخالفةَ أوامرِه ونواهيه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ}. قال ابن عطاء: خيانة النفس الوقوف معها حيث ما وقفت.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ}. أخبر أنه - في الحقيقة - لا يعود إليه عائد من أوصاف الخَلْق؛ إنْ كُنتَ في العبادة التي هي حق الحق أو في أحكام العادة من صحبة جِنْسِك التي هي غاية النفس والحظ، فَسِيَّان في حالك إذا أورد فيه الإذن. نزلت الآية في زَلَّةٍ بَدَرَتْ من الفاروق، فَجَعَلَ ذلك سببَ رُخْصةٍ لجميع المسلمين إلى القيامة. وهكذا أحكام العناية. ويقال علم أنه لا بُدَّ للعبد عن الحظوظ فقسم الليل والنهار في هذا الشهر بين حقه وحظِّك، فقال أما حقي {أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ}، وأما حظك {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ}. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. أخبر أن محل القدرة مقدَّس عن اجتلاب الحظوظ، وقال إذا كنتم مشاغيل بنفوسكم كنتم محجوبين بِكُم فيكم، وإذا كنتم قائمين بِنَا فلا تعودوا منَّا إليكم. ويقال غيرة الحق سبحانه على الأوقات أن يُمزَجَ الجدُّ بالهزلِ، "حديث : قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله إني أحبك وأحب قربك فقال عليه السلام: "ذريتي يا ابنة أبي أبكر أتعبد ربي"" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : لي وقت لا يسعني غير ربي ".

البقلي

تفسير : {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} بترك مجاهدتها وتعليمها سرار الادب والوقوف على ماردها واستماع كلامها على شرط التقبل منها والصبر على انطلاقها عن رق العبودية واقتحهامها فى نيران الشهوة وقال ابن عطاء خيانة النفس الوقوف معها حيث ما وقعت {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ} اى اذا عكفتم في مساجد القرية لطلب المشاهدة فلا تميلوا الى حظوظ البشرية وهذا من احسن الادب ورد من الله تعالى ادب اولياءه في مجالستهم حضرته وايضا الاعتكاف وقوف الارواح على بساط الفردانية لاشتغالها عن الحدوثية بنعت فنائها فى انوار الازلية وقال الواسطى الاعتكاف حبس النفس وذم الجوارح ومراعات الوقت ثم اينما كنت وان معتكف وقال بعضهم اهل الصفوة معتكفون باسرارهم عن الحى لا يوثر عليهم من جريان الحوادث شئ لاستغراقهم في المشاهدة {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} فلا تقربوا حدود الحقائق الا بشرط ادابها بنعت المعرفة وحسن حقيقة الادب وايضا رشم الحق احكام الربوبية حدود في مقام العبودية ليحجز العباد بها عن هتك استار القربة لان فى بداية الحدود اسرار العبودية وفى نهياتها اسرار الربوبية منع الخلق بها عن الاطلاع على اسرارا الازلية لبقاء الاحكام والشرعية {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} اظهر سر القدم بوصف الجبروت في النعوت والايات لعل عباده يبصرون بسط سطوات عظمته ويخافون من عقوبته ويتركون اصواف البشرة فى ديوان الحقيقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {أحل لكم} تقديم الظرف على القائم مقام الفاعل للتشويق فان ما حقه التقديم اذا اخر تبقى النفس مترقبة اليه فيتمكن عندها وقت وروده فضل تمكن اى ابيح لكم {ليلة الصيام} اى فى ليلة يوم الصوم وهى الليلة التى يصبح الرجل فى غداتها صائما {الرفث} اصل الرفث قول الفحش والتكلم بالقبح ثم جعل ذلك اسما لما يتكلم به عند النساء من معانى الافضاء ثم جعل كناية عن الجماع لان الجماع لا يخلو عن شىء من التصريح بما يجب ان يكنى عنه من الالفاظ الفاحشة وعن ابن عباس رضى الله عنهما الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة كالغمز والتقبيل {الى نسائكم} عدى الرفث بالى وان كان المشهور تعديته بالباء تقول رفثت بالمرأة لتضمنه معنى الافضاء قال تعالى {أية : وقد أفضى بعضكم إلى بعض} تفسير : [النساء: 21]. اراد به الجماع وكان الرجل فى ابتداء الاسلام اذا امسى فى رمضان حل له الاكل والشرب والجماع الى ان يصلى العشاء الاخيرة او يرقد فاذا صلاها او رقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء الى القابلة ثم ان عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه واقع اهله بعد صلاة العشاء الاخيرة فلما اغتسل اخذ يبكى ويلوم نفسه فأتى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقال يا رسول الله انى اعتذر الى الله واليك من نفسى هذه الخاطئة انى رجعت الى اهلى بعد العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لى نفسى فجامعت اهلى فقال عليه السلام "حديث : ما كنت جديرا بذلك يا عمرbr>". تفسير : فقام رجال فاعترفوا بمثله فنزلت الآية وصارت زلته سببا للرحمة فى جميع الامة {هن لباس لكم وانتم لباس لهن} استئناف مبين لسبب الاحلال وهو صعوبة الصبر عنهن مع شدة المخالطة وكثرة الملابسة بهن وجعل كل من الرجل والمرأة لباسا للآخر لتجردهما عند النوم واعتناقهما واشتمال كل منهما على الآخر او لان كلا منهما يستر حال صاحبه ويمنعه من الفجور وعما لا يحل كما جاء فى الحديث "حديث : من تزوج فقد احرز ثلثى دينهbr>". تفسير : او المعنى هن سكن لكم وانتم سكن لهن كما قال تعالى {أية : وجعل منها زوجها ليسكن إليها} تفسير : [الأعراف: 189]. ولا يسكن شىء الى شىء كسكون احد الزوجين الى الآخر {علم الله} فى الازل {انكم كنتم تختانون انفسكم} تخونونها وتظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب بمباشرة النساء فى ليالى الصوم والخيانة ضد الامانة وقد ائتمن الله العباد على امرهم به ونهاهم عنه فاذا عصوه فى السر فقد خانوه وقد قال الله تعالى {أية : لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم}تفسير : [الأنفال: 27]. قال الصائب شعر : ترابكوهر دل كردهاند امانت دار زدزد امانت حق را نكاه دار مخسب تفسير : {فتاب عليكم} عطف على علم اى قبل توبتكم وتجاوز عنكم لما تبتم مما اقترفتموه {وعفا عنكم} اى محا اثره عنكم {فالآن} اى لما نسخ التحريم ظرف لقوله {باشروهن} اصله فعل بمعنى حان ثم جعل اسما للزمان الحاضر وعرف بالالف واللام وبقى على الفتحة والمباشرة الزاق البشرة بالبشرة كنى بها عن الجماع الذى يستلزمها وجميع ما يتبعه يدخل فيه وفيه دليل على جواز نسخ السنة بالكتاب ان كانت حرمة الاكل والشرب والجماع ثابتة بالسنة واما اذا كان ثبوت حرمتها بشريعة من قبلنا فلاعلى ما ذهب اليه بعضهم {وابتغوا ما كتب الله لكم} اى واطلبوا ما قدره الله تعالى واثبته فى اللوح المحفوظ من الولد وفيه ان المباشر ينبغى ان يكون غرضه الولد والتناسل فانه الحكمة فى خلق الشهوة وشرع النكاح لاقضاء الشهوة وحدها وفى الحديث "حديث : تناكحوا تناسلوا تكثروا فانى اباهى بكم الامم يوم القيامةbr>". تفسير : {وكلوا واشربوا} ليالى الصوم عطف على قوله باشروهن {حتى يتبين} يظهر {لكم الخيط الأبيض} هو اول ما يبدو من بياض النهار كالخيط الممدود دقيقا ثم ينتشر {من الخيط الأسود} هو ما يمتد من سواد الليل مع بياض النهار فان الصبح الصادق اذا بدا يبدوا كأنه خيط ممدود فى عرض الافق ولا شك انه يبقى مع بقية من ظلمة الليل بحيث يكون طرفها الملاصق لما يبدو من الفجر كأنه خيط اسود فى جنب خيط ابيض لان نور الصبح انما ينشق فى خلال ظلمة الليل فشبها بخيطين ابيض واسود {من الفجر} اى انشقاق عمود الصبح بيان للخيط الابيض واكتفى ببيانه عن بيان الاسود لدلالته عليه والتقدير حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الفجر من الخيط الاسود من الليل. قوله حتى يتبين غاية للامور الثلاثة اى المباشرة والاكل والشرب ففى تجوزير المباشرة الى الصبح دلالة على جواز تأخير الغسل اليه وصحة صوم من اصبح جنبا لان المباشرة اذا كانت مباحة الى انفجار الصبح لم يمكنه الاغتسال الا بعد الصبح بالضرورة والا لكانت المباشرة قبل آخر الليل بقدر ما يسع الاغتسال حراما وهو مخالف لكلمة حتى {ثم أتموا الصيام} اى اديموا الامساك عن المباشرة والاكل والشرب فى جميع اجزاء النهار {إلى} غاية {الليل} وهو دخول الليل وذاك بغروب الشمس والاتمام اداؤه على التمام وفى الحديث "حديث : اذا اقبل الليل وادبر النهار وغابت الشمس فقد افطر الصائمbr>". تفسير : اى دخل وقت الافطار وانما ذكر الاقبال والادبار وان لم يكونا الا بغروب الشمس لبيان كمال الغروب كيلا يظن احد انه اذا غاب بعض الشمس جاز الافطار او لانه قد يكون فى واد بحيث لا يشاهد غروب الشمس فيحتاج الى ان يعمل بهما قالوا فيه دلالة على جواز النية بالنهار فى صوم رمضان وعلى نفى صوم الوصال اما الاول فلان الله تعالى لما ابح المباشرة والاكل والشرب الى الفجر تبين ان ابتداء الصوم يكون بعد الفجر والصوم ليس مجرد الامساك بل هو الامساك مع النية فيكون قوله ثم اتموا الصيام امرا بنية الصوم بعد الفجر واما الثانى فلان الله تعالى جعل الليل غاية الصوم وغاية الشىء مقطعه فيكون بعدها الافطار وينتفى الوصال قال بعضهم الليل غاية وجوب الصوم فاذا دخل الليل لا يجب الصوم واما ان الصوم لا يجوز بعد دخول الليل فلا دلالة للآية عليه ولان مثل هذه الاوامر اى باشروهن وكلوا واشربوا انما يكون للاباحة والرخصة لا للوجوب فلا تدل الآية على نفى صوم الوصال ولما ظن ان حال الاعتكاف كحال الصوم فى ان المباشرة تحرم فيه نهارا لا ليلا بين ان المباشرة تحرم على المعتكف نهارا وليلا معا فقال {ولا تباشروهن} اى لا تجامعوهن {وأنتم} اى والحال انتم {عاكفون فى المساجد} مقيمون فيها بنية الاعتكاف وهو فى الشرع لزوم المسجد والمكث لطاعة الله فيه والتقرب اليه وهو من الشرائع القديمة قال تعالى {أية : أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين} تفسير : [البقرة: 125]. نزلت فيمن كان يعتكف فى المسجد فاذا عرضت له حاجة الى امرأته خرج فجامعها ثم اغتسل فرجع الى المسجد فنهوا عن ذلك فالجماع يحرم على المعتكف ويفسد الاعتكاف ولفظ المساجد يدل على جواز الاعتكاف فى كل مسجد الا ان المسجد الجامع افضل حتى لا يحتاج الى الخروج الى الجمعة. والاعتكاف من اشرف الاعمال اذا كان عن اخلاص لان فيه تفريغ القلب عما سوى الله تعالى. قال عطاء مثل المعتكف كرجل له حاجة الى عظيم فيجلس على بابه ويقول لا ابرح حتى يقضى حاجتى فكذلك المعتكف يجلس فى بيت الله ويقول لا ابرح حتى يغفر لى وفى الحديث "حديث : من مشى فى حاجة اخيه فكأنما اعتكف عشرين سنة ومن اعتكف يوما جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق كل خندق ابعد مما بين الخافقين" تفسير : وفى الخلوة والانقطاع عن الناس فوائد جمة يسلم منه الناس وسلم هو منهم وفيها خمول النفس والاعراض عن الدنيا وهو اول طريق الصدق والاخلاص وفيها الانس بالله والتوكل والرضى بالكفاف فان المعاشر للناس والمخالط يتكلف فى معيشته البتة فاذا لا يفرق غالبا بين الحلال والحرام فيقع فى الهلاك ويسلم المتخلى ايضا من مداهنة الناس وغير ذلك من المعاصى التى يتعرض الانسان لها غالبا بالمخالطة. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره التصوف عبارة عن الاجتناب عن كل ما فيه شائبة الحرمة وصون لسانه عن الكلام اللغو والخلوة والاربعون ليست الا هذا فانه وحدة فى الكثرة والمقصود من الخلوة ايضا ذلك ولكن ما يكون فى الكثرة على الوجه الذى ذكرنا اثبت واحكم لان ما يكون بالخلوة يزول اذا اختلط بين الناس وليس كذلك ما ذكر فطريقنا طريق النبى عليه السلام وطريق الاصحاب رضى الله تعالى عنهم والنبى عليه السلام لم يعين الاربعين بل الاعتكاف فى العشر الاخير من رمضان نعم فعل ذلك موسى عليه السلام قال تعالى {أية : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} تفسير : [الأعراف: 142]. والخلوتية اخذوا من ذلك كذا فى واقعات الهدائى قدس سره {تلك} اى الاحكام التى ذكرت من اول آية الصيام الى هنا {حدود الله} جمع حد وهو الحاجز بين الشيئين وجعل ما شرعه الله تعالى لعباده من الاحكام حدودا لهم لكونها امورا حاجزة بين الحق والباطل ولكونها مانعة من مخالفاتها والتخطى عنها {فلا تقربوها} اى ان تنتهوا فلا تقربوها فضلا عن تجاوزها نهى ان يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل لئلا يدانى الباطل فضلا ان يتخطى كما قال عليه السلام "حديث : ان لكل ملك حمى وان حمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك ان يقع فيه" تفسير : وهو ابلغ من قوله فلا تعتدوها ولما بين تعالى احكام الصوم على وجه الاستقصاء فى هذه الالفاظ القليلة بيانا شافيا قال بعده {كذلك} اى بيانا مثل هذا البيان الوافى الواضح فالكاف فى محل النصب على انه صفة مصدر محذوف {يبين الله آياته للناس} والآيات دلائل الدين ونصوص الاحكام والمقصود من تعظيم البيان هدايته ورحمته على عباده فى هذا البيان {لعلهم يتقون} مخالفة اوامره ونواهيه. والتقوى اتقاء الشرك. ثم بعده اتقاء المعاصى والسيآت. ثم بعده اتقاء الشهوات. ثم يدع بعده الفضلات وفى الحديث "حديث : لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأسbr>". تفسير : : قال السعدى قدس سره شعر : ترا آنكه جشم ودهان داد وكوش اكر عاقلى در خلافش مكوش جو باك آفريدت بهش باش وباك كه ننكست نا باك رفتن بخاك مرو زير بار كنه اى بسر كه حمال عاجز بود در سفر مكن عمر ضايع بافسوس وحيف كه فرصت عزيزست والوقت سيف تفسير : جعلنا الله واياكم من اهل اليقظة واليقين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الرفَث: مُحَرِّك الجِماع، والفُحْش كالرفوث، وكلام النساء في الجماع، قاله في القاموس، وقال الأزهري اللغوي: الرفَث: كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته، وضمَّنه هنا الإفضاء، فعدَّاه بإلى. يقول الحقّ جلّ جلاله: في نسخ ما كان في أول الإسلام من تحريم الجِماع في رمضان بعد العشاء أو النوم، ثم إن عمر رضي الله عنه باشر امرأته بعد العشاء، فندم وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذر إليه، فقام رجال فاعترفوا بما صنعوا بعد العشاء فنزل قوله: {أحل لكم ليلةَ الصيام} قبل الفجر، الإفضاءُ {إلى نسائكم} بالجماع. وعبَّر بالرفث تقبيحاً لما ارتكبوه. ثم علَّل التحليل بقوله: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}، أي: وإنما أبحتُ لكم الجماع لقلّة صبركم عليهن، حتى تعانقوهن ويعانقنكم، فيشتمل بعضُكم على بعض، كاشتمال اللباس على صاحبه، كما قال الشاعر: شعر : إذَا مَا الضَّجِيعَ ثَنَى عِطْفَهَا تَثَنَّتْ فكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا تفسير : وهذه الحالة يقلُّ فيها الصبرُ عن الوقَاع، {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} أي تَخُونُونها فَتُعرِّضُونها للعقاب، وتَحْرمُونها من الثواب، {فتاب عليكم} لَمّا تُبْتُم واعترفتم بما اقْتَرَفْتُم، وعفا عنكم فمحا ذنوبكم، {فالآن باشروهن}. والمباشرة: إلصاق البَشْرة بالبشرة، كنايةً عن الجماع، {وابتغوا ما كتب الله لكم} من النسل، فلا تباشروهن لمجرد قضاء الشهوة، بل اطلبوا ما قدَّر الله لكم، وأثْبتَه في اللوح المحفوظ من الولد، لأنه هو المقصود من تشريع النكاح، وخلق الشهوة، لا مجرد قضاء الوطر. وفي الحديث:"حديث : إذَا مَاتَ العبدُ انْقَطَع عَمَلُه إلا مِنْ ثلاثٍ: صَدَقَةٍ جَاريَةٍ، وعِلْمٍ بثَّه في صُدور الرجال، وولدٍ صالحٍ يَدْعُو لَهُ ". تفسير : وفي حديث طويل عن عائشة - رضي الله عنهما - في قصة الحَوْلاء - امرأة من الأنصار -، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : ما من امرأة حمَلَت من زوجها حين تَحْمِل، إلا لها من الأجْر مثل القائم ليلَه الصائم نهارَه، والغازي في سبيل الله، وما من امرأة يأتيها الطَلْقُ، إلا كان لها بكل طَلْقةٍ عِتْق نسمةٍ، وبكل رَضْعة عتق رقبة، فإذا فَطَمت ولَدها ناداها مُنادِ من السماء: قد كُفيتِ العملَ فيما مضى، فاستأنفي العمل فيما بقيتفسير : . قالت عائشة - رضي الله عنها -: قد أُعْطِي النساءُ خيراً كثيراً، فما لكم يا معشر الرجال؟ فضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم قال:حديث : ما من رجل مؤمن أخذ بيد امرأتِه يُرَاوِدُها، إلا كتب الله له حسنة، وإنْ عانقها فعشْر حسنات، وإن ضاجعها فعشرون حسنةٌ، وإن أتاها كان خيراً من الدنيا وما فيها، فإذا قام ليغتسل لم يمر الماء على شعرة من جسده إلا مُحِيَ عنه سيئة، ويُعطى له درجة، وما يعطى بغُسْله خيراٌ من الدنيا وما فيها، وإن الله تعالى يباهي الملائكة فيقول: انظروا إلى عبدي؛ قام في ليلة قَرَّة يغتسل من الجنابة، يتيقن بأني ربه، اشهدوا أني غفرت له"تفسير : . هـ. من الثعلبي. ثم أباح الحق تعالى الأكلَ والشرب، ليلة الصيام إلى الفجر، فقال: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} شبَّه أول ما يبدوا من الفجر المعترِض في الأفق، بالخيط الأبيض، وما يمتد معه من غَبَشِ الليل، بالخيط الأسود ولم ينزل قوله تعالى: {من الفجر} إلا بعد مدة، فحمله بعض الصحابة على ظاهره، فعمد إلى خيطٍ أبيض وخيط أسود فجعلهما تحت وِسادته، فجعل يأكل وينظر إليهما، فلم يتبيَّنا، ومنهم عَديُّ بنُ حاتم، قال: فغدوتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فضحِك، وقال:"حديث : إِنك لَعَرِيضُ القَفا، إِنَّمَا ذلِكَ بَيَاضُ النَّهَارِ وسَوَادُ اللَّيْلِ"تفسير : ، والحديث ثابت في البخاري وغيرِه. واعترضه الزمخشري بأن فيه تأخيرَ البيان عن وقت الحاجة، وذلك لا يجوز، لما فيه من التكليف بما لا يطاق. وأُجيب بأنه ليس فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإنما فيه تأخير البيان لوقت الحاجة، وهو جائز. وبيان ذلك أنه لمّا نزل قوله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون مُرادَ الله منهما، واستمر عملهم على ذلك، فكانت الآية مُبينة في حقهم لا مُجْمَلة. وأما عَدِيّ بن حاتم فكان بَدَوِيّاً مُشتغلاً بالصيد، ولم يكن فيه حُنْكَة أهل الحاضرة، فحمل الآية على ظاهرها؛ ولذلك قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إنك لَعِرَيضُ القَفا"تفسير : . فنزلت الآية تُبين لعدي مُرادَ الله عند الحاجة إلى البيان. مع أن السيوطي ذكر في التوشيح خلاف هذا؛ ونصه: قال بعضهم: كأنَّ عديّاً لم يسمع هذه اللفظة من الآية؛ لأنها نزلت قبل إسلامه بمدة، وذلك أن إسلامه كان في السنة التاسعة أو العاشرة، بعد نزول الآية بمدة، قال: علَّمنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصلاة والصيام، فقال:"حديث : صلّ كذا، وصم كذا، فإن غابت الشمس فَكُلْ حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فأخذ الخيطين..."تفسير : . الحديث. قال له - عليه الصلاة والسلام: "حديث : ألم أقل لك من الفجر؟"تفسير : فتبين أن قوله في الحديث:"حديث : فأنزل الله مِنْ الفجر"تفسير : من تصرُّف الرواة. هـ. مختصراً، فهذا صريح في أن الآية نزلت بتمامها مبينة فلم يكن فيها تأخير، والله تعالى أعلم. ثم بيَّن تعالى غاية الصوم، فقال: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} فمن أفطر مع الشك في الغروب، فعليه الكفارة، بخلاف الشك في الفجر للاستصحاب. ولما كان الاعتكاف من لوازم الصوم ذكر بعض أحكامه بإثره فقال: {ولا تباشروهن} أي: النساء {وأنتم عاكفون في المساجد}، فالمباشرة للمعتكف حرام، وتُفسد الاعتكاف. كانت المباشرة في المسجد أو خارجَه، وكان الرجل يكون معتكفاً فيخرج فيصيب زوجَه ثم يرجع، فنزلت الآية - {تلك حدود الله} قد حدها لكم، {فلا تقربوها} فضلاً عن أن تعتدوها، {كذلك} أي: مثل هذا البيان التام، {يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون} محارمه. الإشارة: قد تقدم أن صوم الخواص، وخواص الخواص، هو الإمساك عن الفُضول، وعن كل ما يقطع عن الوصول. أو الإمساك عن شهود الأغيار، وعن كل ما يوجب الأكدار. فإن عزَمَت النفس على هذا الصوم وعقَدَت النيّة عليه، حلَّ لها أن تُباشر أَبْكارَ العلوم اللدنية الوهبية، والحقائق العرفانية، وتفضي إلى ثَيبات العلوم الرَّسْمية الكسبية. العلومُ اللدنية والوهبية شِعارُها، والعلومُ الرسمية دِثارها. العلوم اللدنية لباس باطنها، والعلوم الرسمية لباس ظاهرها. قال أبو سليمان الداراني: إذا اعتادت النفوس على ترك الآثام جالت في الملكوت، ثم عادت إلى صاحبها بطرائف العلوم، من غير أن يُؤدّي إليها عالمٌ عِلْماً. هـ. قال الحقّ تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} بدنس الهفوات، فمنعكم من مباشرة تلك العلوم الوهبيات، فلما عقدْتُم التوبة، وعزمتم على تركها، تاب عليكم وعفا عنكم، فالآن باشروها، وابتغوا ما كتب الله لكم، من الوصول إلى معرفته، والعكوف في حضرة قُدسه، وكلوا من ثمرات تلك العلوم، واشربوا من خمرة الحيّ القيّوم، حتى يَطْلُعَ عليكم فجرُ الكشف والبيان، وتُشرق على قلوبكم شمسُ نهار العرفان، فحينئذٍ تَضْمَحِلُّ تلك العلوم، وتمحي تلك المعالم والرسوم. ولم يبقَ إلا الاستغراق في مشاهدة الحيّ القيّوم، فلا تباشروها وأنتم عاكفون في تلك المساجد. فمشاهدةُ وجهِ الحبيب تُغنْي عن مطالعة المعالم والمشاهد. تلك حدود الله فلا تقربوها، أي: لا تقفوا مع تلك العلوم وحلاوة تلك الرسوم؛ فإنها تمنعكم من مشاهدة الحيّ القيّوم: كذلك يبن الله آياته الموضَّحة لطريق وصوله للناس، لعلهم يتقون مشاهد ما سواه. والله تعالى أعلم. ولما أراد الحقّ أن يتكلم على الحج قدَّم الكلام على الأموال؛ لأنها سببٌ في وجوبه، والوصول إليه في الغالب.

الطوسي

تفسير : المعنى: الرفث الجماع ها هنا بلا خلاف، وفي قراءة ابن مسعود {فلا رفوث}، وقيل: أصله فاحش القول فكنّى به عن الجماع قال العجاج: شعر : عن اللّغا ورفث التكلم تفسير : والرفث والترفث: قول الفحش يقال رفث يرفث رفثاً. وروى عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع) كراهية الجماع في أول ليلة من كل شهر، إلا أول ليلة من شهر رمضان لمكان الآية والآشبه أن يكون المراد بليلة الصيام ليالي الشهر كله. وإنما ذكر بلفظ التوحيد، لأنه اسم جنس يدل على التكثير. ومعنى قوله: {هنّ لباس لكم} أنهن يصرن بمنزلة اللباس، كما قال النابغة الجعدي: شعر : اذا ما الضجيع ثنى عطفه تثنت عليه فكانت لباسا تفسير : وقال قوم: معناه هنّ سكن لكم، كما قال: {أية : وجعلنا الليل لباساً}تفسير : أي سكناً. واللباس الثياب التي من شأنها أن تستر الأبدان، ويشبه بها الأغشية فيقال لبّس السيف بالحلية. وقوله تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} معناه أنهم كانوا لما حرم عليهم الجماع في شهر رمضان بعد النوم. خالفوا في ذلك فذكرهم الله بالنعمة في الرخصة التي نسخت تلك الفريضة. فان قيل: أليس الخيانة انتقاض الحق على جهة المساترة، فكيف يساتر نفسه؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - أن بعضهم كان يساتر بعضاً فيه فصار كأنه يساتر نفسه، لأن ضرر النقص والمساترة داخل عليه. الثاني - أنه يعمل عمل المساتر له فهو يعمل لنفسه عمل الخائن له. ويقال: خانه يخونه خوناً وخيانة، وخونه تخويناً، واختانه اختياناً، وتخوّنه تخوناً، والتخون: التنقص، والتخون: تغيير الحال الى ما لا ينبغي {أية : خائنة الأعين} تفسير : [المؤمن: 19] مشارفة النظر الي ما لا يحل. وأصل الباب منع الحق. وقوله تعالى: {فتاب عليكم} أي قبل توبتكم على ما بيناه فيما تقدم. وقوله تعالى: {وعفا عنكم} فيه قولان: أحدهما - غفر ذنبكم. الثاني - أزال تحريم ذلك عنكم، وذلك عفو عن تحريمه عليهم. وقوله تعالى: {فالآن باشروهن} أي جامعوهن، ومعناه الاباحة دون الأمر، والمباشرة إلصاق: البشرة بالبشرة، وهي ظاهر أحد الجلدين بالآخر. وقوله تعالى: {وابتغوا ما كتب الله لكم} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن، وغيره: يعني طلب الولد. الثاني - قال قتادة: يعني الحلال الذي بيّنه الله في الكتاب، والابتغاء: الطلب للبغية، وقوله {وكلوا واشربوا} إباحة للأكل والشرب {حتى يتبّين} أي يظهر، والتبين: تميز الشيء الذي يظهر للنفس على التحقيق {الخيط الأبيض من الخيط الأسود} يعني بياض الفجر من سواد الليل. وقيل: خيط الفجر الثاني مما كان في موضعه من الظلام. وقيل النهار من الليل، فأول النهار طلوع الفجر الثاني لأنه أوسع ضياء. قال أبو داوود. شعر : فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا تفسير : وروي عن حذيفة، والأعمش، وجماعة: أن الخيط الابيض: هو ضوء الشمس، وجعلوا أول النهار طلوع الشمس، كما أن آخر غروبها بلا خلاف في الغروب. وأكثر المفسرين على القول الأول، وعليه جميع الفقهاء، لا خلاف فيه بين الأمة اليوم. اللغة: والخيط في اللغة معروف يقال خاط يخيط خياطة، فهو يخيط، وخيّطه تخييطاً. والخيط: القطيع من النعام. ونعامة خيطاء: قيل: خيطها طول قصبتها، وعنقها. وقيل: اختلاط سوادها ببياضها، وكلاهما يحتمل، فالأول، لأنه كالخيط الممدود. والثاني - لأنه كاختلاط خيوط بيض بسود. والمخيط الابرة. ونحوها مما يخاط به. والابيض نقيض الاسود. والبياض ضد السواد يقال: أبيض، وابياض بيضاضاً وبيّضه تبييضاً، وتبيّض تبيضاً. وبيضة الطير، وبيضة الحديد، وبيضة الاسلام مجتمعه، وابتاضوهم أى استأصلوهم، لأنهم اقتلعوا بيضهم وأصل الباب البياض. واسود، واسواد اسوداداً، وسوده تسويداً، وتسود تسوداً، وساوده سواداً: أي ساده سواداً، لأن الخفاء فيه كخفاء الشخص في سواد الليل. وسواد العراق: سمي به لكثرة الماء، والشجر الذي تسود به الأرض وسواد كل شيء شخصه. والأسود من الحبة يجمع أساود. وسويداء القلب، وسوداؤه دمه الذي فيه في قول: ابن دريد. وقيل حبة القلب، لأنه في سواد من الظلمة. وساد سؤدداً، فهو سيد، لأنه ملك السواد الأعظم، والمسود: الذي قد ساده غيره. المعنى: وقوله {من الفجر} يحتمل معنيين: أحدهما - أن يكون بمعنى التبعيض, لأن، المعنى من الفجر، وليس الفجر كله. هذا قول ابن دريد. الثاني - بمعنى تبين الخيط، كأنه قال: الخيط الذي هو الفجر. وقوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} قد بينا حقيقة الصيام فيما مضى. والليل هو بعد غروب الشمس، وعلامة دخوله على الاستظهار سقوط الحمرة من جانب المشرق، وإقبال السواد منه، وإلا فاذا غابت الشمس مع ظهور الآفاق في الأرض المبسوطة وعدم الجبال، والروابي، فقد دخل الليل. وقوله تعالى: {ولا تباشروهن} قيل في معناه قولان ها هنا: قال ابن عباس، والضحاك، والحسن، وقتادة، وغيرهم: أراد به الجماع. وقال ابن زيد، ومالك: أراد الجماع. كلما كان دونه من قبلة، وغيرها. وهو مذهبنا. وقوله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} فالاعتكاف - عندنا - هو اللبث في أحد المساجد الأربعة: المسجد الحرام أو مسجد النبي (صلى الله عليه وسلم) أو مسجد الكوفة أو مسجد البصر، للعبادة من غير اشتغال بما يجوز تركه من أمور الدنيا. وله شرائط - ذكرناها في كتب الفقه - وأصله اللزوم قال الطرماح: شعر : فبات بنات الليل حولي عكفاً عكوف البواكي بينهن صريع تفسير : وقال الفرزدق: شعر : ترى حولهن المعتفين كأنهم على صنم في الجاهلية عكف تفسير : اللغة: وقوله تعالى: {تلك حدود الله}. فالحدّ على وجوه: أحدها - المنع، يقال: حدّه عن كذا حدّا أى منعه. والحدّ حدّ الدار. والحدّ الفرض من حدود الله أي فرائضه، الحد الجلد للزاني، وغيره. والحد: حد السيف، وما أشبهه. والحد في الحلق: الحدة. والحد: الفرق بين الشيئين. والحد منتهى الشيء. وحد الشراب: صلابته. وإحداد المرأة على زوجها: امتناعها من الزينة والطيب. وإحداد السيف: إشحاذه. وإحداد النظر الى الشيء التحديق إليه. والحديد معروف، وصانعه الحداد. والحداد السجان. والاستحداد حلق الشيء بالحديد. وحاددته: عاصيته، ومنه قوله تعالى {أية : إن الذين يحادّون الله ورسوله}تفسير : وأصل الباب المنع. والحدّ: نهاية الشيء التي تمنع أن يدخله ما ليس منه، وأن يخرج عنه ما هو منه. أحكام الاعتكاف: ولا يجوز الاعتكاف إلا بصوم، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، ومالك ابن أنس. وقال الشافعي يصح بلا صوم، وبه قال الحسن إلا أن يشرط. وعندنا لا يكون أقل من ثلاثة أيام، وبه قال أهل المدينة. وقال أهل العراق: الاعتكاف جائز في كل مسجد يصلى فيه جماعة. وقال مالك: لا إعتكاف إلا في موضع يصلى فيه الجمعة من المصر. وقال أهل العراق: المرأة تعتكف في مسجد بيتها. وقال مالك: لا تعتكف إلا في مسجد جماعة. وقال الشافعي: المرأة والعبد يعتكفان، وكذلك المسافر حيث شاءوا. وقد بينا ما عندنا في ذلك. ولا فرق بين الرجل والمرأة فيه. وقال مالك: لا يكون الاعتكاف أقل من عشرة أيام. وعند أهل العراق يكون يوماً. ومسائل الاعتكاف قد بيناها في النهاية، والمبسوط في الفقه، فلا نطول بدكرها. والمختلف فيها ذكرناه في مسائل الخلاف. سبب النزول: وقيل أن هذه الآية نزلت في شأن أبي قيس بن صرمه، فكان يعمل في أرض له، فأراد الأكل، فقالت امرأته: يصلح لك شيئاً فغلبت عيناه، ثم قدمت إليه الطعام، فلم يأكل، فلما أصبح لاقى جهداً، فأخبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بذلك، فنزلت هذه الآية. وروي أن عمراً أراد أن يوقع زوجته في الليل، فقالت: إني نمت فظن أنها تعتل عليه، فوقع عليها، ثم أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) بذلك من الغد، فنزلت الآية فيهما. المعنى: وقوله تعالى: {كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون} يعني ما بين لهم من الأدلة على ما أمرهم به، ونهاهم عنه، لكلي يتقوا معاصي، وتعدي حدوده التي أمرهم الله بها، ونهاهم عنها، وأباحهم إياها. وفي ذلك دلالة على أنه تعالى: أراد التقوى من جميع الناس: الذين بين لهم هذه الحدود. وروي عن أبي عبد الله (ع) أنها نزلت في خوات من جبير مثل قصة أبي قيس بن صرمه. وأنه كان ذلك يوم الخندق. وروي عن أبي جعفر (ع) حديث أبي قيس سواء.

الجنابذي

تفسير : {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ} اى ليلة يوم الصّيام {ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} الرّفث الجماع والفحش وتعديته بالى لتضمين معنى التّقرّب او التوجّه {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ} تعليل لاحلال الجماع والتّشبيه باللّباس للتّلازم بين النّساء والرّجال وشدّة الاحتياج بينهما والمقصود التّنبيه على قلّة الصّبر عنهنّ وصعوبة اجتنابهنّ {وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} وكون هذه الجملة جواباً لسؤالٍ مقدّر مبين على ظاهر اللّفظ وامّا على ما روى انّ المضاجعة كانت حراماً فى شهر الصّيام فى اللّيل والنّهار وانّه كان من نام فى اللّيل كان الاكل والشّرب حراماً عليه بعدُ او كان الحكم انّ من كان ينام فى اللّيل كان الاكل والشّرب والمقاربة حراماً عليه فالآية مستأنفة لابتداء حكمٍ آخر ناسخ للحرمة وقوله تعالى: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} يؤيّد هذا الوجه، وخيانة الله ورسوله فى عدم الوفاء بما شرط عليه فى عهده خيانة لأنفسهم لتقوية عدوّها عليها {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} بالتّرخيص فيما نهى عنه من الجماع فى ليلة الصّيام والاكل والشّرب بعد النّوم {وَعَفَا عَنْكُمْ} يعنى عمّا فعلتموه قبل التّرخيص {فَٱلآنَ بَاشِرُوهُنَّ} فى ليلة الصّيام فلفظ الآن ظرفٌ للتّرخيص المستفاد من هيئة الامر، وليلة الصّيام ظرفٌ للمباشرة فانّه ليس المراد تقييد المباشرة بالآن الحاضر ولا تبتغوا بالمباشرة قضاء الشّهوة فقط {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} من الصّيام اى حفظه وامتثاله او ابتغوا ما كتب الله وجعله فى المضاجعة من المؤانسة والسّكون اليهنّ وفراغ القلب باستفراغ الشّهوة، او ما كتب الله لكم من الولد فانّه فرض تكوينىّ لانّ ايداع الشّهوة فى الرّجال والنّساء بحيث لا يطيقون الصّبر عنها فى الاغلب وجعل الآتها بحيث يتولّد الولد من قضائها أمرٌ بالولد وفرضٌ له وعلى أىّ تقديرٍ فالمعنى لا تنسوا امر الله فى المضاجعة {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ} يظهر اشدّ ظهور {لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ} الظّاهر المتبادران يكون من الفجر تعليلاً او يكون من للابتداء ولذلك كانوا فى الصّدر الاوّل ينظرون الى الخيطين فيمسكون عن الاكل والشّرب حين تميّز الخيطين من الفجر، ويحتمل ان يكون من تبعيضيّاً او بيانيّاً والجارّ والمجرور حال من الخيط الابيض فالآية كسائر الآيات من المجملات وبيّنوها لنا بأنّ المراد البياض المعترض المكتنف به سواد اللّيل وهما فى اوّل ما يبدوان كالجبلين الممتدّين لكنّه تعالى شبّههما بالخيطين للمبالغة فى الامساك فى اوّل ظهورهما وقد ذكر عدّة اخبارٍ فى وجه نزول الآية فى التّفاسير، وحتّى يتبيّن، غاية لباشروهن وكلوا واشربوا جميعاً {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ} كأنّه قال: فصوموا ثمّ أتمّو الصّيام واكتفى عن صوموا بمفهوم الغاية وبيّن آخر وقت الصّيام {إِلَى ٱلَّليْلِ} واوّل اللّيل اوّل الغروب كما عليه أكثر الهيويّين والمنجّمين وأهل العرف او اوّل المغرب الشّرعىّ كما عليه أهل الشّرع من الشّيعة {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ} بيان حدّ آخر من حدود المضاجعة وهو المحرّمة وقت الاعتكاف الشّرعى ليلاً ونهاراً واقتصر على هذا من بين محرّمات المضاجعة لمناسبة الاعتكاف للصّوم لكون الصّوم شرطاً له {تِلْكَ} الاحكام المذكورة من اوّل قوله تعالى: {كتب عليكم الصّيام} ... حدود الله اى حدود جعلها الله لحماه لئّلا يتجاوز عنها المؤمنون فيقعوا فى الهاوية والعذاب، نسب الى النّبىّ (ص) انّه قال: "حديث : انّ لكلّ ملكٍ حمى وانّ حمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك ان يقع فيه"تفسير : {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} مبالغة فى النّهى عنها مثل نهى آدم (ع) عن قرب الشّجرة {كَذٰلِكَ} التّبيين لآيات الاحكام وحدود الحمى {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ} المطلقة من احكام القالب والقلب وآيات الآفاق والانفس وخصوصاً الآيات الكبرى الّتى هى ذوات الانبياء (ع) والاوصياء (ع) {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} يتّصفون بالتّقوى او يتّقون الحدود والمحرّمات.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {احل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم} كان الرجل اذا امسى حلّ له الأكل والشرب والجماع الى ان يصلي العشاء الآخرة او يرقد فاذا صلاها ورقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى الليلة الثانية، ثم ان عمر واقع اهله بعد صلاة العشاء الآخرة فندم واخذ يبكي ويلوم نفسه واخبر بذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقام رجال فاعترفوا بمثل ذلك فنزلت الآية، وقيل: نزلت في ابي قيس ضمرة بن انس "اتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: عملت في النخل نهاري فاتيت أهلي ليطعموني فأبطات ونمتُ وقمتُ وقد حرم عليَّ الطعام ولهذا ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له قبل ان يسأله: "ما لي أراك يا أبا قيس طلحا - وهو المهزول -" فنزل قوله تعالى: {كلوا واشربوا} في قيس {وابتغوا ما كتب الله لكم}، قيل: ما اباحه لكم، وقيل: اراد به الولد، وقيل: ابتغوا هذا المباح وهو الجماع {حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود} وهو كناية عن بياض اول النهار وسواد اخر الليل وهذا هو الذي يجب ان يراعيه الصائم {ثم أتموا الصيام الى الليل} قالوا: فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر وعلى النَّهي عن صوم الوصال {ولا تباشروهن وانتم عاكفون في المساجد} نزلت في ناس من الصحابة كانوا يعتكفون في المساجد فاذا عرضت لهم حاجة الى منازلهم خرج الرجل فجامع اهله ثم اغتسل وعاد الى المسجد فنهوا عن ذلك {ولا تأكلوا أموالكم بينكم} أي لا يأكل بعضكم مال بعض {بالباطل} أي من غير الوجه الذي أباحه الله لكم {وتدلوا بها الى الحكام} يعني تلقونها إلى القضاة، قيل: هي الودائع وما لا يقام عليه بَيِّنَة، وقيل: يقيم شهادة الزور، وقيل: ان يدفع إلى الحاكم الرشوة {لتأكلوا فريقاً} أي قطعة حرام {يسألُونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} روي ان معاذ بن جبل ورجلاً من الانصار قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدُو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ ألا يكون على حالة واحدة؟ فنزلت: {قل هي مواقيت للناس} وانما يسمَّى هلال لليلتين، وقيل: لثلاث، وقيل: حتى يحجر اي يستدير، مواقيت: يعني معالم يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم وديونهم وصومهم وفطرهم ومعالم للحج يعرفون بها وقته وغير ذلك {واتوا البيوت من ابوابها} قيل: كانت قريش في وقت احرامها لا تدخل بيتاً إلا من ظهره ولا تستظل بسقف، والثاني أنهم كانوا اذا خرج الرجل لحاجة فاذا رجع وهي غير معصيَّة نقب في الجدار، وقيل: هم الانصار، وقيل: قريش وكنانة وخزاعة فأنزل الله تعالى {وأتوا البيوت من أبوابها}، وقيل: هو مثل يعني آتوا الأمور من جهاتها.

اطفيش

تفسير : {أُحِلّ لَكُمْ لَيْلةَ الصِّيامِ الرَّفثُ إلى نِسائِكُم}: أى أحل الله لكم فى الليلة التى تصومون يومها الإفضاء إلى نسائكم بالجماع، وقرأ بعض ببناء أحل للفاعل وهو الله سبحانه، ونصب الرفث. وقرأ عبد الله بن مسعود الرفوث بالنصب والبناء للفاعل، والرفث كناية عن الجماع، لأنه لا يكاد يخلو من رفث، وهو التصريح بأمر الجماع، كأجامع وأنيك وأدخل بين الشعاب الأربع، وأطؤك وغير ذلك من ألفاظ الجماع، ولو كان بعضها أقبح من بعض، أى أحل لكم أن تصرحوا لهن بنحو أجامعك وأطؤك، قال ابن عباس: إن الله حيى كريم يكنى، يعنى أن الرفث كناية عن النكاح كالألفاظ السابقة، وقد قال ابن عباس: النيك تصريح بالجماع وذلك أنه أنشد وهو محرم آخذ بذنب بعيره يلويه: شعر : وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا تفسير : فقال له حصين بن قيس: أرفثت؟ قال له: الرفث ما كان عند النساء، فتراه سلم أنه صرح به لكن عند غير النساء. ولميس امرأة بغى فيما قيل. والبيت لغيره حكاه حكاية ولم يعنه، وقال ابن إسحاق: الرفث كل ما يأتيه الرجل مع المرأة من قبلة ولمس، قال غيره أو كلام فى هذا المعنى، وعداه بإلى لتضمنه معنى الإفضاء، واختار بعض الرفث الدال على القبح وذكر فى المواضع الأخرى الإفضاء والتغشى والمباشرة والملامسة والدخول، وإتيان الحرث واللمس والاستمتاع والقرب، لتقبيح ما ارتكبوه من الجماع ليالى الصيام قبل أن يحل لهم، ولذلك سماه خيانة، وذلك أنهم كانوا فى صدر الإسلام يصومون من العشاء أو من النوم إن ناموا قبل العشاء المغرب، فلا يأكلون ولا يشربون ولا يجامعون إلا بين المغرب والعشاء إن لم يناموا، فأحل الله لهم الجماع فى الليلة كلها إلا قدر ما يتطهرون فيه قبل الفجر بقوله: {أحِلَّ لَكُمْ ليْلةَ الصِيام الرَّفثُ إلى نِسَائِكُمْ}، والليلة جنس، والمراد ليالى الصوم، وبقوله: {فالآنَ باشرُوهنَّ}، وأحل الله جل وعلا لهم الأكل والشرب فى الليلة كلها بقوله: {وكُلُوا واشْربُوا حتَّى يَتَبيَّن لكُم الخَيْط الأبيَض مِنَ الخَيْطِ الأسْودِ مِنَ الفَجْرِ} وذلك كله ناسخ بمرة، فالمراد بالصيام كما مر صيام النهار ولا أثر لبقاء صيام الليل فى قوله: {ليْلةَ الصِّيامِ}، قال بعضهم: كتب الله سبحانه صيام رمضان على من كان قبل هذه الأمة، لا يأكلون ولا يشربون، ولا يطؤون النساء بعد رقادهم من الليل إلى مثلها من القابلة، وكانت هذه الأمة فى صدر الإسلام كذلك، وكان قوم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم يصيبون ذلك بعد رقادهم، فأنزل الله جل وعلا هذه الآية قال عمرو بن العاص: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر"تفسير : روى أحمد بن حنبل أن المسلمين كانوا إذا أمسوا أحل لهم الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلوا العشاء ويرقدوا، ثم إن عمر باشر بعد العشاء، وقيل بعد النوم، فقدم وأتى النبى صلى الله عليه وسلم واعتذر إليه، فقام رجال واعترفوا بأنهم صنعوا بعد العشاء، وقيل بعد النوم، فنزلت الآية. قال ابن عباس:حديث : ذلك فى أناس منهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه، جاء إلى امرأته فأرادها فقالت قد نمت أنا، فظن أنها تعتل بذلك فوقع بها، ثم تحقق أنها قد نامت، وكان الوطء بعد نوم أحدهما ممنوعاً، فلما اغتسل أخذ يبكى ويلوم نفسه، ثم أتى النبى صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أعتذر إلى الله وإليك من هذه الخطيئة، إنى رجعت إلى أهلى بعد ما صليت العشاء، فوجدت رائحة طيبة، فسولت لى نفسى، فجامعت أهلى، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "ما كنت جديراً بذلك يا عمر"، فقام رجال فاعترفوا بمثل ذلكتفسير : ، فنزلت الآية. وفى روايةحديث : جامع نساءهم بعد النوم أربعون رجلا منهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه، واقع أهله بعد صلاة العشاء، ليجعل الله رخصة فى ذلك، ثم ندم وبكى وأتى النبى صلى الله عليه وسلم وكذا غيره، وقال له: "ما كنت جديراً بذلك يا عمر"، وقالوا: ما توبتنا يا رسول الله؟ فأنزل الله تعالى: {وإذا سألكَ عِبادِى عَنِّى فإنِّى قريبٌ أجِيبُ دَعْوة الدَّاع إذا دَعَان} تفسير : انتهى. ويجمع بين كون ذلك بعد النوم فى قول، وبعد العشاء فى قول آخر، وبين قول فى هذه الرواية بعد النوم، وقوله: بعد صلاة العشاء بأن ذلك وقع بعد النوم، وصلاة العشاء، أو عمر بعد العشاء وغيره بعد النوم، فغلبوا عليه، كما حكى فى الوضع القصة على حد ما مر، وفيه كما مر: رجعت إلى أهلى بعد ما صليت العشاء، فوجدت رائحة طيبة، فأردتها فقالت قد صليت أو نمت، فلم أصدقها، وفيه فهل تجد لى من رخصة؟ وفيه فقعد عمر مغموماً محزوناً، فجاء ناس من المسلمين فاعترفوا بما فعلوا بعد النوم من غشيان النساء، فأنزل الله تعالى: {أُحِلَّ لكُم لَيْلَةَ الصيامِ الرَّفثُ إلى نِسَائِكُم} فقالوا: يا رسول الله ما توبتنا؟ وكيف المخرج؟ فأنزل الله تعالى:{أية : وإذا سَألَكَ عِبادِى عنِّى فإنِّى قَريبٌ أُجِيِبُ دَعْوةَ الدَّاع إذا دَعَانِ..}تفسير : الآية وفى قوله: {أُحِلَّ لكُم..} الآية دليل على جواز نسخ السنة بالقرآن، والذى عندى أن ذلك يحتمل أن صدر منهم فى تلك الليلة، واقتصر أبو ستة، ويحتمل أنه صدر منهم قبلها، أو من بعضهم فيها، ومن بعضهم فى غيرها، أو تكرر. واستبعد أبو ستة أن يهتك حرمة الصوم عمر بلا شبهة، وأن الصواب بعد ما صلت بدل قوله بعد ما صلى كما يدل له قوله: فلم أصدقها إذا لا معنى لقوله لم أصدقها مع أنه قد صدر منه المانع. {هُنَّ لِبَاسٌ لكُم وأنتُمْ لِباسٌ لَهنَّ}: أى هن كاللباس لكم، وأنتم كاللباس لهن، لأن كلا من الزوجين يشتمل على الآخر عند التعانق، ولا سيما عند النوم لدخولهما عنده فى ثوب واحد، كاشتمال اللبس على لابسه قال الجعدى: شعر : إذا ما الضجيع ثنى عطفها تثنت فكانت عليه لباسا تفسير : أى إذا مال المضاجع جانبها مالت، وكانت لباسا عليه، أو لأن كلا من الزوجين يستر الآخر عن الزنى ومقدماته، كما يستر اللبس عورته عن أن ترى. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تزوج فقد أحرز ثلثى دينه"تفسير : أو لاحتياج كل للآخر كما يحتاج إلى لباسه ليستره ويقيه الحر والبرد، كذلك يحتاج كل للآخر فى أمر الجماع وشأن البيت وخارج البيت، وبعض لباس استعارة على مختار السعد، وتشبيه بليغ على غيره، ويجوز أن يكون لباس بمعنى ملابسات وملابسين لكثرة الملابسة بين الزوجين وهى المخالطة، ومن هذا معنى قيل لباس بمعنى سكن، كما قيل لا يسكن شئ إلى شئ كسكون أحد الزوجين إلى الآخر، وقد فسره الشيخ هود بالسكن، والجملة تعليل لقوله: {أحل} دَالة على عدم الاستغناء عنهن. {عَلِمَ اللَّهُ أَنَكُمْ كُنْتم تَخْتانُون أنْفُسَكُم}: تظلمونها بتعريضها للعقاب على الجماع والأكل والشرب بعد النوم، أو بعد صلاة العشاء، وتنقيص حظها من الثواب، وأصل {تختانون} من الخيانة فى الأمانة، وهى ألا يؤديها أو لا يصونها، ويقال للعاصى خائن، لأنه اؤتمن على دينه فخان، فكذلك ائتمنهم الله جل وعلا ألا يأكلوا ولا يشربوا ولا يجامعوا بعد النوم ولا بعد صلاة العشاء، فأكل وشرب وجامع قوم، وإنما أدخلت الأكل والشرب فى الخيانة، لأن مجموع الآية فى نسخ تحريم ذلك، ويدل لذلك أنه لما ذكر الاختيان فرع عليه التوبة والعفو، ثم فرع على التوبة والعفو الأمر بالجماع والأكل والشرب، وفسر من تقدمنى من المفسرين بالاختيان فى الجماع. كالخازن. قال ابن عباس: تختانون أنفسكم فيما ائتمنكم عليه، وهو محتمل لذلك، والاختيان أبلغ من الخيانة، لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، كالاكتساب والكسب، فكأنه قيل تخونون أنفسكم خيانة عظيمة. {فتَابَ عَليْكُم}: أي فقبل توبتكم لما تبتم. {وعَفَا عَنكُم}: أى محا عنكم أثر ما اقترفتم من الخيانة. روى البخارى عن البراء بن عازب: لما نزل صوم رمضان، كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، فكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: {عَلِمَ اللّهُ أنكُم كُنْتُم تَخْتانُون أنفسَكُم فَتَابَ عَليْكُمْ وعَفَا عنكُم} الآية قال ابن عباس: فكان ذلك مما نفع الله به الناس ورخص لهم ويسر. {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ}: جامعوهن الآن، أى فى هذا الوقت الذى نزل فيه إحلال الرفث إلى نسائكم ليلة الصيام إلى قيام الساعة، والمباشرة كناية عن الجماع، مأخوذ من قولك باشره، بمعنى ألزق بشرته ببشرته والبشرة الجلدة، والآن ظرف مبنى على الفتح لأنه اسم إشارة. {وابْتَغوا مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ}: أى واطلبوا ما قدره الله لكم وأثبته فى اللوح المحفوظ من الولد، قال ابن عباس: {باشروهن} كناية عن الجماع، وابتغوا ما كتب الله لكم، اطلبوا بالجماع الولد، فالآية دلت على أنه لا يطلب الإنسان بالجماع قضاء الشهوة فقط، بل بقصد ما وضع الله عز وجل له النكاح من التناسل وتكثير الملة المحمدية، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تناكحوا تناسلوا فإنى مكاثر بكم الأمم"تفسير : أى اطلبوا بالنكاح ما كتب الله لكم من الولد فى الجملة، فإن كان أحدكم ممن قضى الله له بالولد رزق الولد، فتدل الآية عندى عن النهى عن العزل، وهو أن يجامع ويهرق الماء فى الخارج، فهذا لا يجوز بمقتضى هذه الدلالة ولو فى السرية، وفيه فروع ذكرتها فى شرح النيل، منها المنع فى الحرة، والجواز فى الأمة، وقيل اقصدوا ما كتب الله لكم من إباحة الجماع ليلة الصيام، لأنه المذكور فى قوله: {أحل لكم ليلة الصيام الرَّفثُ} وقوله: {فالآنَ باشِرُوهنَّ} وقيل اقصدوا ما كتب الله لكم من إباحة الجماع والأكل والشرب، لأن الأكل والشرب ولو لم يذكر، بل يذكران بعد لكنهما قد كتبهما الله لنا ليلة الصيام، وفى الآية نسخ تحريمهما ولو تأخر ذكرهما، ويحتمل القولين، قول قتادة: ما كتب الله لكم من الإباحة بعد الحظر، وقيل اقصدوا محل الجماع وهو القبل، محل الحرث دون الدبر مخرج الفرث، ويحتمل أن يكون {باشروهن} بمعنى مسوهن للتلذذ مسا يكون مقدمة للجماع، وابتغوا ما كتب الله لكم بمعنى جامعوهن واطلبوا ما كتب لكم من الولد بالجماع، وقيل اقصدوا ليلة القدر، فإنها نفع لنا مخصوصة، وما كتب الله لكم من الثواب إن أصبتموها وقمتموها، وهو قول بعيد قريب من أقوال الصوفية، وقرأ ابن عباس: وابتغوا ما كتب الله لكم. وقرأ الأعمش وآتوا ما كتب الله لكم. {وكُلوا واشْرَبُوا حتَّى يتبين لكُم الخَيْطُ الأبيضُ مِنَ الخيْطِ الأسْودِ من الفَجرِ}: شبه أول ما يظهر من الفجر المنتشر، وما يمتد فوقه من بقية الليل، بخيط أبيض وخيط أسود، ففى الخيط الأبيض استعارة تصريحية، وفى قوله: {الخَيْطِ الأسْودِ} استعارة تصريحية أيضاً، ومن الفجر قرينة، ولو جعلنا من للبيان، فكما أن زيداً أسد من الاستعارة على التحقيق الذى هو مختار السعد، ولو اجتمع فيه المشبه والمشبه به، كذلك الآية لأنه تمت الاستعارة، وجاء بعد تمامها قوله: {مِنَ الفَجْر} قرينة وبيانا للخيط الأبيض، ويقدر بيان الخيط الأسود هكذا، وبقية الليل، فلو قلت جاء أسد له لبد وزئير وأظفار وافرة وهو زيد، لم يخرج عن الاستعارة بقولك هو زيد، هذا ما ظهر لى، وقد كنت أول مما رستى لفن البيان أقول: إن هذا تشبيه بليغ بحذف أداة التشبيه، أى حتى يتبين لكم مثل الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وأعلل ذلك بأن الاستعارة لا يجمع فيها بين المشبه والمشبه به، والمشبه هنا مذكور وهو الفجر، والمشبه الآخر مقدر مدلول عليه بذكر الفجر، أى من الفجر أو بقية الليل، فقوله من الفجر مع ما قدرنا قرينة التشبيه كما هو قرينة الاستعارة، لأن التشبيه البليغ بحذف الأداة محتاج إلى قرينة لفظية أو حالية، كالاستعارة والمجاز المرسل، وسواء فى ذلك جعلنا من للبيان أو للتبعيض، فإن كون الخيط الأبيض والأسود بعضا من الفجر، وبقية الليل قرينة، وبيان على أن ليس المراد حقيقة الخيط الأبيض والأسود، وإن قلت كيف صح أن يكون ذلك بعضاً مع أن الفجر كله خيط؟ قلت صح على أن المراد بالخيط الأبيض ما يلى السواد فقط، وبالأسود ما يلى الأبيض فقط، وأن كلا من الفجر وبقية الليل بعض من مجموع الفجر وبقية الليل، وأوان الخيط الأبيض وهو الفجر الظاهر كله بعض من مجموع ذلك الفجر، والفجر الذى خفى بجبل أو أرض، والخيط الأسود بعض من مجموع بقية الليل، ومن الفجر حال من الخيط الأبيض سواء جعلنا من للبيان أو للبتعيض، والمحذوف حال من الخيط الأسود بواسطة العطف، سواء قدرناه بدون من لأنه معطوف على مدخول من، فله أحكام الجار والمجرور من التعلق واستتار ضمير الاستقرار فيه، والنيابة عن الاستقرار، وقدرناه بمن هكذا من الفجر ومن بقية الليل، والظاهر أن قوله: {مِنَ الفَجْر} نزل مع ما قبلهُ فى وقت واحد، وروى البخارى ومسلم عن سهل بن سعد أنه قال: لما نزلت {وكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يَتبيَّنَ لكُم الخيْطُ الأبيضُ مِنَ الخَيطِ الأسْودِ} ولم ينزل قوله: {مِنَ الفَجْر} كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم فى رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله عز وجل: {منَ الفَجْر} فعلموا أنه إنما يعنى الليل والنهار، روى البخارى ومسلم أيضاً، حديث : عن عدى ابن حاتم، لما نزلت {حتَّى يَتبيَّن لكُم الخيْطُ الأبيضُ منَ الخَيط الأسْودِ}، عَمدت إلى عقال أسود وعقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتى، وجعلت أنظر فى الليل فلا يستبين لى، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: "إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار"تفسير : وظاهره أيضاً لم ينزل من الفجر حين فعل ذلك عدى، ونزل بعد أو نزل ولم يعلم، ويحتمل أن يكون نزل وعلم، ولكنه فهم أن الحد أن يميز أحد الخيطين من الآخر بضوء الفجر، وأنه ما لم يمتاز أحل له الأكل، ولو انتشر الفجر، ونص صاحب الوضع - رحمه الله - على أنها نزلت كلها قبل فعل عدى ذلك. قال وقيل:حديث : إن النبى صلى الله عليه وسلم فسر هذه الآية لعدى بن حاتم حين علمه الصوم فقال له: "صم كذا وكذا فإذا غابت الشمس فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود وصُم ثلاثين وما إلا أن تروا الهلال قبل ذلك" قال عدى: فأخذت خيطين من شعر أبيض وأسود، فجعلت أنظر فيهما فلا يتبين لى شئ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه وقال: "يا بن حاتم إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل وظلمته"تفسير : فتراه قال فسر له الآية والآية اسم للآية إلى آخرها، وأيضاً قد ذكرها كلها قبل إذ قال: وإنما الصيام بالنهار دون الليل لقول الله تعالى: {كُلوا واشْربُوا حتَّى يَتبيّن لكُم الخيْطُ الأبيضُ مِنَ الخَيطِ الأسودِ من الفَجْر}.. الآية، وكان السبب فى نزول هذه الآية - على ما ذكر أهل التفسير - حديث : أن رجلا من الأنصار يقال له أبو قيس بن صرمة، ظل النهار يعمل فى أرض له وهو صائم، فلما أمسى رجع إلى أهله وقال لها قدمى الطعام، فأرادت أن تطعمه شيئاً سخوناً فأخذت تصنع لهُ، وكان الصوم الأول إذا صلى الرجل العشاء أو نام حرم عليه الطعام والشراب والجماع، فلما فرغت من عمل الطعام وجدته قد نام بالعياء والكلل، فأيقظته، فكره أن يعصى الله ورسوله فأبى أن يأكل، فأصبح صائماً مجهوداً، فلم ينتصف النهار حتى غشى عليه، فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا قيس مالك أمسيت طليحاً؟" فقال: ظللت أمشى فى النخل نهارى كله، أجر بالجرير فلما أمسيت أتيت أهلى فأرادت المرأة أن تطعمنى شيئاً سخيناً وأبطأت عنى ونمت، فأيقظونى وقد حرم على الطعام والشراب، فطويت فأصبحت من يومى وقد أجهدنى الصوم، فاغتم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {كُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يَتبينَّ لَكُم الخَيْطُ الأبيضُ من الخيْطِ الأسْودِ} الآيةتفسير : انتهى. لكنه قال: إن سبب نزول الآية أبو قيس، والجواب أن مراده بالآية هو قوله: {وكُلوا واشْربُوا} الآية، تسمية للبعض باسم الكل، فإن أول الآية هو قوله: {أحِلَّ لكُم ليلةَ الصِّيام} وقد ذكر أيضاً قبل هذا أن قوله {أُحِلَ لكُم} سبب نزوله قصة عمر وشبهه، فسبب نزول {أحلَّ لكُم} مَنْ جَامَعَ، وسبب نزول {كلوا واشربوا} قصة أبى قيس أو قصته مع قصة من أكل أو شرب بعد النوم أو بعد صلاة العشاء. والكلل: ضد النشاط، والطليح: من عيى أو هزل، والجرير: حبل يجعل على شدق البعير كأن أبا قيس ربطه بما يحمل فيه التراب، فجعل يجره به، وطويت بكسر الواو: جعت. والناجذ: من آخر الأضراس، وفى رواية البخارى ومسلم السابقة عن سهل بن سعد دلالة على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة. والمذهب عندنا وعند أكثر قومنا المنع، فالجواب أنهم اعتبروا حقيقة الخيطين فى صوم النفل قبل رمضان، ولم يدخل رمضان حتى نزل قوله: {من الفجر} وتأخير البيان إلى وقت الحاجة مختلف فيه. الصحيح الجواز، وما ذكره صاحب الوضع - رحمهُ الله - من قصة أبى قيس قد ذكره أيضاً البخارى عن البراء، لكن سماه قيسا لا أبا قيس، وفى رواية صرمة بن قيس: قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسى، وأن قيس بن صرمة الأنصارى كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى أمرأته فقال: عندك طعام؟ قالت لا ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قال: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشى عليه، فذكر ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لكُم ليلةَ الصِّيامِ الرَّفثُ إلى نِسائِكم} ففرحوا بها فرحاً شديداً، فنزلت: {وكُلوا واشْربُوا حتَّى يَتبيَّن لكُم الخيْطُ الأبيضُ مِنَ الخَيطِ الأسْودِ مِنَ الفَجْر} والفاء فى قوله: فنزلت هذه الآية ليست سببية، فلا ينافى ما تقدم من أنها نزلت فى عمر ونحوه. وقالت المالكية: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وبجوز تأخيره إلى وقتها، ومنع أكثر المتكلمين تأخيره إلى وقت الحاجة، وكذا أكثر الفقهاء وهو قول أبى هاشم وأبى على، ولم يصح عندهم الحديث، ومن أجازه قال إنه خارج عن العبث، لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب، ويعزم على الفعل إذا ظهر موضحه. قال عياض: كان بين طرفى المدة عام من رمضان إلى رمضان تأخير البيان إلى وقت الحاجة. وذكر غير سهل بن سعد من الصحابة ما ذكره سهل، وروىحديث : أن سهلا جعل خيطين على وسادة، وأخبر النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إن وسادك لعريض"تفسير : . وروى: "حديث : إن كان وسادك لعريض"تفسير : وروى: "حديث : إنك لعريض القفا"تفسير : وذلك كناية عن قلة فطنته، قال الزمخشرى أنشدتنى بعض البدويات لبدوى: شعر : عريض القفا ميزانه فى شماله قد الخص من حسب القرارة ميط تفسير : والجمهور على أن الفجر الذى يحرم به الأكل والشرب هو المنتشر، وذلك مذهب قومنا، وبه أخذ الناس فى الأمصار والأعصار، ووردت به الأحاديث وعن عثمان بن عفان وحذيفة بن اليمانى وابن عباس وغيرهم: أن الإمساك يجب بتبيين الفجر فى الطرق وعلى رءوس الجبال، وذكر عن حذيفة أنه قال: تسحرت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو النهار إلا أن الشمس لم تطلع. وكذا روى عن على أنه قال: الفجر المحرم للأكل والشرب والجماع هو الشفق الأحمر، وبه قالت فرقة شاذة، وروى أن علياً صلى الفجر ثم قال: هذا حين تبين الخيط الأبيض، وروى أن حذيفة لما طلع الفجر تسحر ثم صلى، وعن مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم هذا، إنما كانوا يعدون الفجر الذى يملأ البيوت والطرق ضوءاً، والصحيح عن ابن عباس ما رواه الشيخ إسماعيل رحمه الله فى القواعد عنه أنه قال: الفجر هو المستطير. وروى البخارى ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"تفسير : وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت. وعن سمرة بن جندب، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بيان الأفق المستطير هكذا حتى يستطير هكذا"تفسير : وحكاه حماد بيده رواه مسلم يعنى معترضاً، وروى الترمذى: "حديث : لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير فى الأفق"تفسير : ، والمستطيل هو الكاذب يضمحل ثم يبدو الصادق، ورفع الشيخ هود - رحمه الله - الحديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : الفجر فجران"تفسير : ، فأما الذى كأنه ذنب السرحان فانه لا يحل شيئا ولا يحرمه، وأما المستطير الذى يأخذ بالأفق فإنه يحل الصلاة ويوجب الصوم، ومن نظر للفجر أو للغروب ولم يتحققه وشك فيه فأكل فقيل لا شئ عليه استصحابا للأصل، وقيل يقضى يومه، وبه قال مالك: وقيل ما مضى وقوله: {حتَّى يَتبيَّن} غاية لقوله: {كلوا واشربوا} لا لهما مع قوله: {باشِرُوهنَّ} لأنه لا يتبادر هذا مع الفصل بقوله: {وابتَغُوا ما كَتَبَ الله لَكُمْ}، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أصبح جنبا أصبح مفطراً"تفسير : فمن أخر الجماع حتى يتصل بالفجر ولا يكون بينهما ما لزمه من اغتسال الجنابة أو من تيمم لها أصبح مفطراً، فعلمنا أنه يقدم الجماع بقدر ما يأتى فيه بما خوطب به من اغتسال أو تيمم، وما يتم به، والسنة تبين الكتاب، فبطل قول قومنا بأنه قوله: {حتى يَتبيَّن} راجع إلى قوله: {باشِرُوهُن} وقوله: {كُلُوا واشْربُوا} وإن ذلك دال على ترك الاغتسال لا يفطر به، وأنه يجوز تأخير الاغتسال إليه. {ثُمَّ أتمُّوا الصِّيامَ إلىَ اللِّيل}: أكملوا الصيام من الفجر إلى دخول الليل بغروب الشمس، فإذا دخل الليل فقد أفطر ولو لم يأكل ولم يشرب ولم يجامع ولم يقعد مفطراً، روى البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى، عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم"تفسير : ، وزاد صاحب الوضع، رحمه الله، أكل أو لم يأكل، والزيادة من الثقة مقبولة، وروى حديث: "حديث : إذا سقط القرص وجب الإفطار"تفسير : أى حصل الإفطار بمجرد سقوط القرص دون الأكل والشرب، وذكروا عن أبى عبد الله بن أبى أوفى أنه قال:حديث : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى شهر رمضان فى سفر، فغابت الشمس فقال: "انزل فاحدج لى" قلت: إن عليك النهار، قال: "انزل احدج لى" قلت: لو أمسيت. قال: "انزل احدج لى" فنزلت فحدجت له، فسوت ثم قال: "إذا جاء الميل من ها هنا - وأومأ بيده إلا المشرق - فقد أفطر الصائم"تفسير : . وفى الآية والحديث نفى الوصال، ولا يلزم الأكل أو الشرب فى الغروب، أو فعل ما يفطر كالجماع مما يحل فى الغروب، لأن الإفطار حاصل بالغروب، فإذا لم ينو صوم الليل صدق أنهُ لم يواصل، وقيل لا بد أن يأكل أو يشرب، ومثله أن يفعل ما يفطر، وإلا كان مواصلا وليس كذلك، لأن الإفطار يحصل بالغروب، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تسحروا ولو بشربة من ماء وأفطروا ولو على شربة من ماء"تفسير : رواه ابن عدى عن على، فلا يدل على وجوب السحور والفطور، كما قيل إنه يدل عليهما، لأن ذلك أمر بالسحور والفطور للإرشاد للمصلحة، وهو أن يتقووا. ولئلا تتعلق قلوبهم بالطعام والشراب فى الصلاة. لا أمر وجوب، ولا أمر من أجل الخروج عن الوصل، وأما قوله: فصل ما بين صومنا وصوم أهل الكتاب أكلة السحر، فمعناه أنهم يوجبون ترك الأكل سحراً وليس بواجب، بل يجوز الأكل وأنه أفضل، ولا دليل فى الآية على جواز نية الصوم من بعد طلوع الفجر كما زعم من زعم. متعلق بقوله: {أتمُّوا الصِّيام} لأنا نقول أنموا الصيام اجعلوه كاملا كما عقدتموه ليلا، فإن إتمام الشئ يقتضى تقدم شئ منه، وما الشئ المتقدم إلا العزم على الصوم قبل الفجر، ويدل لهذا قوله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : لا صوم لمن لم يثبت الصيام من الليل"تفسير : ودلت الآية على تحريم الإفطار قبل الليل فى صوم الفرض، وقسنا عليه صوم النفل، وأعان على هذا القياس قوله تعالى: {لا تُبْطلوا أعمالكم} وذكر الإمام أفلح أنهُ جاء حديث مستفيض ذكره العلماء عن شداد بن أوس، عنه صلى الله عليه وسلم:حديث : "أخوف ما أخاف على أمتى الشهوة الخفيفة" قلنا يا رسول الله وما الشهوة الخفية؟ قال: "يصبح أحدكم صائماً فتعرض له شهوة فيواقعها فيدع صومه" . تفسير : وأجاز بعض أصحابنا الإفطار فى النفل نهاراً لموافقة الأخ المسلم وأجازت الشافعية الإفطار من النفل مطلقاً لما رواه مسلم عن عائشة:حديث : دخل النبى صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: "هل عندكم شئ؟ قلنا: لا. قال: فإنى صائم، ثم أتانا يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله أهدى لنا حيس قال أرنيه: فلقد أصبحت صائماً، فأكلتفسير : . فنجيب بأن معنى قوله: فإنى إذاً صائم، إنى ماسك عن الأكل إذا لم أجد ما آكل، ومعنى: أرنيه فلقد أصبحت صائماً أرينه لآكله لأنى أصبحت غير آكل فجعت، فالصوم الغوى والحيس الأقط والتمر والسمن، وقد يجعل عوض الأقط دقيق، وقيل أنه ينزع نواه ويخلط بالسويق. قال الخازن والأول أعرف، وروى أحمد، والترمذى والحاكم عن أم هانئ عنه - صلى الله عليه وسلم - "حديث : الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر"تفسير : . قلنا فى سنده ضعف فإن صح فلعله فيما استثنى ليلا والله أعلم. ويستحب تعجيل الإفطار، روى فى الوضع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تزال طائفة من أمتى على الفطرة ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور"تفسير : . وأجمعوا أن التعجيل بعد تحقيق الغروب لقوله تعالى: {إلى الليل} وفى رواية الربيع، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: "حديث : لا تزال أمتى بخير ما عجلوا الفطور وأخروا السحور" تفسير : وفى رواية: "حديث : لا تزال أمتى على الفطرة ما لم يخروا المغرب إلى اشتباك النجوم"تفسير : ويحتمل هذا الحديث الصلاة، وهو الظاهر، وروى ابن حبان والحاكم من حديث سهيل: "لا تزال أمتى على سنتى ما لم تنتظر بفطرها النجوم". قال ابن عبد البر: أحاديث تعجيل الإفطار، وتأخير السحور متواترة. وروى عبد الرزاق عن عمر بن ميمون الأزدى: كان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أسرع الناس إفطاراً وأبطأهم سحوراً، وذلك لئلا يزاد فى النهار من الليل، وأنه أرفق بالصائم وأقوم له على العبادة، وكان أهل الكتاب فيما قيل يؤخرون الإفطار إلى اشتباك النجوم. وروى مرفوعاً: ثلاث من سنن المرسلين تعجيل الفطور وتأخير السحور والأخذ باليمين عن الشمال فى الصلاة، وهذا الأخير وهو الأخذ باليمين عن الشمال فى الصلاة زيادة فى الحديث من غير ثقة، لا نقبلها لعدم ما يصححها. وأسند هذا الحديث إلى أبى ذر رضى الله عنه، وروى غيره والتبليغ فى السحور والله أعلم. وروى أبو هريرة عن ابن ماجه، وابن حبان فى صحيحه، والترمذى واللفظ له، وقال حديث حسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العدل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح له أبواب السماء ويقول الرب تعالى وعزتى لأنصرنك ولو بعد حين"تفسير : . وروى ابن السنى عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : للصائم فرحتان فرحة عند فطوره، وفرحة عند لقاء ربه"تفسير : ، قال ابن المبارك فى رفائقة: أخبرنا حماد بن سلمة، عن واصل مولى أبى عيينة عن لقيط أبى المغيرة، عن أبى بردة أن أبا موسى الأشعرى كان فى سفينة فى البحر مرفوعاً شراعها، فإذا رجل يقول: يا أهل السفينة قفوا سبع مرات، فقلنا: ألا ترى على أى حال نحن؟ قال: فى السابعة قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه: أنه من عطش نفسه لله فى يوم حار من أيام الدنيا شديد الحر كان حقاً على الله أن يرويه يوم القيامة، وكان أبو موسى يبتغى اليوم الشديد الحر فيصومه. وروى واصل بن لقيط، عن أبى بردة، عن أبى موسى الأشعرى قال: غزا الناس برا وبحرا فكنت ممن عزا فى البحر، فبينما نحن نسير فى البحر إذا سمعنا صوتاً يقول يا أهل السفينة قفوا أخبركم، فنظرنا يميناً وشمالا فلم نر شيئاً إلا لجة فى البحر، ثم نادى الثانية حتى نادى سبع مرات يقول كذلك، قال أبو موسى: قمت فى السابعة فقلت ما تخبرنا؟ قال: أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه أن من عطش فى يوم حار يرويه الله يوم القيامة: قال ابن المبارك: أخبرنا أبو بكر بن أبى مريم الغسانى، قال: حدثنى ضمرة بن حبيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لكل شئ بابا وإن باب العبادة الصيام ". تفسير : {ولا تُباشِرُوهنَّ}: أى لا تمسوهن للتلذذ للجماع، وما دونه. هذا قول الجمهور وقال قوم: المعنى لا تجامعوهن، قال قتادة: كان الرجل يعتكف فيخرج إلى امرأته فيباشرها، ثم يرجع بعد اغتسال الجنابة، فأنزل الله تعالى نهيا عن ذلك: {ولا تُباشِروهُنّ}. {وأنْتُم عاكِفُون فى المسَاجِدِ}: أى لا تباشروهن قبل الفراغ من الاعتكاف فى المساجد الذى ألزمتم أنفسكم، سواء المباشرة فى المساجد وغير المساجد، ليلا أو نهالاً، فى صوم أو إفطار عند مجيز الاعتكاف بلا صوم، والاعتكاف لغة لزوم المكان، وشرعاً لزوم المساجد للعبادة، وفى الآية دليل على أن الاعتكاف مشروع فى المساجد كلها، ولا يشرع فى غيرها، وإن الوطء قبل الفراغ منه حرام، وفيه إبطال العمل، وأنه مفسد الاعتكاف، لأن النهى فى العبادات يوجب الفساد إلى ما قام الدليل على عدم فساده، والاعتكاف فى المسجد الحرام أفضل، ثم المسجد النبوى، ثم بيت المقدس، ثم المسجد الجامع، ثم الذى له مؤذن وإمام، ثم سائر المساجد وهذا مذهبنا ومذهب الشافعى والجمهور لعموم المساجد فى الآية، وكذا قال مالك وأحمد وهو الصحيح، وقال أبو حنيفة: لا يجوز فى مسجد لا إمام ولا مؤذن له، وقال الزهرى: لا يصح إلا فى الجامع، وهو رواية عن مالك، وقال حذيفة: لا يجوز إلا فى المسجد الحرام والمسجد النبوى. ومسجد بيت المقدس، وهن مساجد الأنبياء. وقال عطاء: لا يجوز إلا فى المسجد الحرام والمسجد النبوى، وعن على: لا يجوز إلا فى المسجد الحرام، وإن قلت قال الله: {فى المساجد} بالجمع. قلت: من خصه بالثلاثة فلعظمهن أو بكل جامع، فلئلا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة، ومن خصه بكل مسجد له إمام ومؤذن فلأنه المسجد التام بالأذان والجماعة، ولو كان فوقه أتم كالجامع فيخرج إليه للجمعة، ومن خصه بالمسجدين فلأنهما أعظم المساجد الإسلامية، وأقل الجمع اثنان حقيقة عند بعض، ومن خصه بالمسجد الحرام فلأنه أعظم المساجد مع أن المراد عنده بالمساجد مواضع السجود. والمسجد الحرام مشتمل على مواضع سجود كثيرة، وقرأ مجاهد المسجد بالإفراد والمراد الجنس، ويحتمل المسجد الحرام والله أعلم. ولا يجوز الاعتكاف عندنا إلا بصوم، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعى يجوز بلا صوم، والأفضل الصوم، واحتج بما رواه البخارى ومسلم عن عمر أنهُ قال: يا رسول الله إنى نذرت فى الجاهلية أن أعتكف فى المسجد الحرام. قال: فأوف بنذرك. ومعلوم أنهُ لا صوم بالليل، وكذا قال قليل من أصحابنا يجوز بلا صوم، وقيل يجوز فى غير المسجد، وجاز للمرأة مع زوج أو محرم واعتكافها فى بيتها أفضل، وأقل الاعتكاف عشرة أيام ولا حد لأكثره، وروى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه بعده ورويا عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وقيل أقله ثلاثة أيام، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعى أقله يوم يدخل قبل طلوع الفجر، ويخرج بعد غروب الشمس، وقيل أقلهُ لحظة. {تِلْك}: الأحكام المذكورة فى الصوم والاعتكاف. {حدُوَدُ اللّهِ}: حدها لعبيده ليقفوا عندها ولا يرتكبوا ما يخالفها، وقيل: حدوده فرائضه، وقيل: مقاديره التى قضاها فى الأزل، ولما صدق واحد، وأصل ذلك كله من الحد بمعنى المنع والفصل بين الشيئين، فإن قضاء الله فى الأحكام وغيرها لا يتخلف، ويقال للبواب الحداد، لأنه مانع، وحدت المرأة امتنعت من الزينة، ومن لم يقف عند حدوده بطل عمله وهلك فى الأمر الواجب، فمن جامع معتكفاً بطل اعتكافه وهلك، وقيل لا يهلك، وفى لزوم الكفارة والبدل قولان، وكفارته على التخيير كرمضان، وقيل على الترتيب كالظهار، وقال الحسن البصرى: إذا غشى اعتكف، فإن لم يجد أهدى بدنه فإن لم يجد أطعم عشرين صاعاً، وإن وطئ نسيانا أعاد اعتكاف يوم وصومه إن صام، ولا يفسد بالتقبيل عندنا، ومقدمات الجماع إلا إن أنزل بها ولو عمداً، وتكره لئلا تؤدى إلى الجماع أو إنزال، وبه قال أكثر علماء الأمة والشافعى وأبو حنيفة فى أصح قوليه، وقال مالك: يبطل بالتقبيل، وزعم بعض عن الشافعى فى أصح قوله وأكثر الأمة من العلماء أنه لا يبطل إن أنزل بلا جماع، ولا خلاف فى جواز المس بلا شهوة، ولما رواه البخارى ومسلم أن عائشة كانت ترجل رأسه - صلى الله عليه وسلم - وهى حائض وهو معتكف فى المسجد، وهو فى حجرتها يناولها رأسه، رواية كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، أى لقضاء البول والغائط وللحوائج التى يضطر إليها الإنسان، فما لا يفعل فى المسجد والترجيل تسريح الشعر. {فَلاَ تَقْربُوها}: لا تقربوا الحد الحاجز بين الحق والباطل، فضلا عن أن تقفوا فيه، أو تجاوزوه، شبه الحق بموضع والباطل بآخر بينهما موضع غيرهما فاصل بينهما، فهذا أشد توكيداً من قوله: فلا تعتدوها. روى البخارى ومسلم: {حديث : لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه"تفسير : . وهو حديث طويل مجمع عليه، وذلك من وسطه. رواه أبو عبد الله النعمان بن بشير. {كَذلِكَ يُبَيِّن اللّهُ آياتِهِ للنَّاسِ}: أى يبين الله [آياته] الدالة على الشريعة والأحكام، كما بين خصوص أحكام الصوم والاعتكاف. {لَعلَّهم}: ترجية لهم أو تعليل. {يَتَّقُون}: يحذرون مخالفتها أو يحذرون عقاب الله فى مخالفتها، ويطيعون الله فى أدائها.

اطفيش

تفسير : {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ} حقيقة ليالى الصوم، وأضيفت للصوم مع أنه لا صوم فى الليل بل النهار، لاتصالها بنهارها بعدها، ولأن نية الصوم فى الليل، أو باعتبار ما قبل نزول هذه الآية من وجوب صوم ما بقى من الليل بعد صلاة العشاء، أو النوم وهو متعلق بقوله {الرَّفَثُ} ولو كان منحلا إلى حرف المصدر والفعل للتوسع فى الظروف، لا بأحل، لأن نزول الإحلال ليس فى ليلة رفث مخصوصة ولا كل ليلة رفث إلا بتأويل به أثبت لكم كل ليلة الرفث، أى يوقع ثبوته فى كل ليلة وهو بمعنى الجماع وعدى بإلى كما قال {إِلَى نِسَآئِكُمْ} لتضمنه معنى الإفضاء المستعمل مع النساء غالبا، بمعنى الجماع، وهو جمع نسوة، أو لا مفرد له، يقال أفضى إلى امرأته أى جامعها، قال وقد أفضى بعضهم إلى بعض {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} يمنع كل من الزوجين الآخر من الزنا بالفرج والعين والقلب واللسان واليد والرجل، والإمناء باليد، وبكونه فيه كفاية للآخر كما يمنع الثوب انكشاف العورة وبقية من حر جهنم وبردها كما يمنع الثوب الحر والبرد عن البدن، ويحتاج كل للآخر، كما يحتاج للثوب، ويخالط كل الآخر بالالتصاق كالثوب مع البدن، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تزوج فقد أحرز ثلثى دينه" تفسير : وقدم كونهن لباساً لأنهم أشد احتياجاً إليهن، لأنهم أقل صبراً عن الجماع منهن، وهن أشد حباً للجماع إلا أنهن أكثر صبراً وأشد حياء، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا خير فى النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريماً، ويغلبهن لئيم، وأحب أن أكون كريماً مغلوباً ولا أحب أن أكون لئيماً غالباً"تفسير : {عَلِمَ اللهُ أَنَكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَّ} أوكد من تخونون، لأن من معانى افتعل العلاج والمبالغة ولكثرة الحروف، والمعنى تعرضون للعقاب وحرمان الثواب {أَنْفُسَكُمْ} بالجماع بعد النوم، أو بعد صلاة العشاء، وقد حرم ذلك ليلة الصوم، والمعنى تختانون أنفسكم فى الجملة طبعا لا فى خصوص الجماع وقت تحريمه، بل هذا داخل فى الجملة، ولهذا قال، كنتم، ويحتمل أن يريد خصوص ذلك لجماع، أخبر الله بعد وقوعه أنه عالم به حين كان، وذلك أن عمر وكعب بن مالك وغيرهما جامعوا وقت لا يجوز وهو ما بعد أن ينام، فإذا نام حرم عليه الجماع والأكل والشرب إلى الليلة التى بعد، وقد سمر عمر عنده صلى الله عليه وسلم ووجد رائحة طيبة عند زوجه، وقالت قد نمت، وقال ما نمت، واعتذروا للنبى صلى الله عليه وسلم فنزل، أحل لكم ليلة الصيام الآية {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} تبتم من هذه الكبيرة، أو تبتم فتاب عليكم، أى قبل توبتكم، قال عمر: يا رسول الله أعتذر إلى الله وإليك من هذه الخطيئة أنى رحت إلى أهلى بعد ما صليت العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لى نفسى فجامعتها، وهذه توبة، وكلهم تابوا {وَعَفَا عَنْكُمْ} أزال غفر لكم ما فعلتم {فَالْئَٰنَ} اسم الإشارة ظرف زمان مبنى موضوع على أل، وقيل أل للحضور وهى الفيدة له، ويقال أصله أن فعلا ماضيا بمعنى حضرتم جعل اسما، وهو ظرف بمعنى الزمان الحاضر إلى قيام الساعة، أى باشروهن فى الزمان كله متى شئتم بعد ما أبحت لكم فصح أن يعلق بقوله {بَٰشِرُوهُنَّ} فليس اسما لوقت النزول فقط لأن وقت النزول انقطع، والأمر لما بعد، أو يقال معنى باشروهن أبحنا لكم مباشرتهن بعد الحظر، فيكون الآن لوقت النزول على هذا الوجه، وعبرهما بالمباشرة عن الجماع وهنالك بالرفث، لأنه هنا حلال بخلافه هنالك، فإنه فعل محرم قبيح، وسمى مباشرة لأن فيه إلصاق البشرة أى الجلدة بالجلدة غالبا، بل لو لم يكن إلا فرج فى فرج ففيه مس جلد الفرج بجلد الفرج {وَابْتَغُواْ} اطلبوا {مَا كَتَبَ} فى اللوح المحفوظ أو قدره {اللهُ لَكُمْ} معشر المسلمين من الولد إجمالا، إذ ليس لكل فرد ولد، بل الولد لبعض دون بعض، فتعبهم بأن يطلب كل واحد ولدا، ويرجو أن يكون ممن قدر لها ولد فيثاب على الدعاء، وعلى أنه كان والدا، ويرجو أن يكون ممن قدر له فيثاب على الدعاء، وعلى أنه كان له ولد مطيع لله نافع له بعد موته مثلا لنيته، أو المعنى دونكم وما أباح لكم من الجماع، وخذوا منه ما شئتم، أو ذلك كله، وهكذا يكون الجماع بقصد تحصين النفس عن الزنا وبقصد طلب ولد مسلم، لا اللذة وحدها كالبهيمة، فتضمنت الآية النهى عن الجماع فى الدبر، إذ لا ولد منه، والنهى عن العزل، وهو صب الماء خارجا هرقا عن الولد، ولا يعزل عن الحرة إلا بإذنها خلافا لمن أجازه، ولا سيما من أجازه عند فساد الزمان، وجاز عن الأمة المتزوجة بإذن مالكها وقيل بإذنها، وعن السرية بلا إذن، ولفظ ما لعموم الجماع والولد، وإن كان للولد فلأن النطفة وما قبل نفخ الروح غير عاقل {وَكُلُوا وَاشْرَبُواْ} الليل كله متى شئتم لا قبل صلاة العشاء أو النوم فقط، والأكل واجب، كما إذا خيف الموت بالجوع أو مضرة فى بدنه، أو للحمل، وجائز إذا جاع دون ذلك، وحرام كأكل الحرام والميتة والأكل على الشبع إلا لعق الأصابع والصفحة فإنه جائز على الشبع، وإلا ماء زمزم، ومكروه كريبة فى طعام من جهة المعاملة، وفى نفسه كالحيوان المكروه، ومستحب كأكل الحلو عند الإفطار فى المغرب، والإفطار فى المغرب، والإفطار صبح عيد الفطر، والإفطار ضحى بزيادة الكبد {حَتَّى} غاية للأكل والشرب لا لهما وللجماع لقوله صلى الله عليه وسلم، من أصبح جنبا أصبح مقطراً، فيجب الكف عنه إذا لم يبق ما يتطهر فيه {يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ} الضياء التشبيه بالخيط الأبيض {مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} من بقية الليل، السواد الشبيه بالخيط الأسود متعلق بيتبين {مِنَ الْفَجْرِ} حال من الخيط، ومن للبيان، كأنه قيل والخيط الأبيض هو الفجر، أو للتبعيض، اعتباراً، لكون الفجر اسما للكل والبعض، فإن أريد به الكل فتبعيضه، وإن أريد به الجزء فبيانية، كما إذا قلنا إنه اسم لكله فإنها بيانية بتقدير مضاف، أى وهو بعض الفجر، ولم يبين الخيط الأسود بقوله من بقية الليل، أو قوله من الغبش اكتفاء ببيان الخيط الأسود لأن بيانه بيان له، ولم يعكس لأن غالب أحكام الصوم من حرمة المباشرة والأكل والشرب مرتبطة بالفجر لا بالليل، وبيان الشىء بيان لضده، والمراد بالخيط الأسود طرف ظلمته المتصل بالفجر، فلا يشكل اتساع الظلمة حتى لا يكون كخيط، أو سماها كلها خيطا لمشاكلة ما هو كخيط وهو الفجر، ومعلوم أن الله لا يأمر الناس يأكل التراب وغير المغذى إلا ما كان دواء، وأكل التراب حرام فيلتحق به ما أشبهه، فليس الله يقول لنا كلوا التراب وغيره حتى يتبين لكم إلخ؛ فليس ما لا يغذى مفطرا للصيام لأنه لم يدخل فى الآية، هذا قلته من جانب من يقول لا يفطر إلا المغذى، ولم أر من ذكر مثله، ومشهور المذهب خلافه {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ} من الفجر {إِلَى الَّيْلِ} والأمر للوجوب ولو فى صوم النفل لوجوب الوفاء وتجريم إبطال العمل إلا ما أجازه الشرع، كما إذا استثنى من الليل أو اعترض له أخوه فى الله بالإفطار فيما يقال، وفى الآية نفى الوصال. نزلت الآية فى صرمة بن قيس، صنعت له زوجه طعاما فأخذه النوم من شدة تعبه نهارا، فأيقظته فامتنع من الأكل بعد النوم، ففى نصف النهار من بعد الليل غشى عليه، ولما أفاق أتى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره، فنزلت. وكان رجال يربطون فى أرجلهم الخيط الأبيض والخيط الأسود ويأكلون حتى يمتاز، أو ذلك قبل أن ينزل من الفجر، وكذا جعل عدى رضى الله عنه عقالا أبيض وعقالا أسود فى وسادته، وجعل ينظر ولا يتبين له الأمر، فعذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : إن وسادك لعريض أو إنك لعريض القفا"تفسير : ، ذلك سواد الليل وبياض النهار، ثم نزل من الفجر، كما فهمه صلى الله عليه وسلم، أو نزلت قبل إخباره، ولا تلبس الآية بالفجر الكاذب لأنه يعقبه سواد ولأن معه خيطين أسودين لا واحد، وليس فى الآية تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأن الآية موكولة إلى الفهم، فيفهم من الفجر قبل نزوله ولو لم يفهمه بعض، وقيل نزل ذلك قبل رمضان، ففيه تأخير البيان عن وقت الخطاب، لا عن وقت الحاجة، وهو جائز، ولكن نزولهما قبل رمضان لم يصح، ولا يقال الآية خطاب بظاهرها من نحو العقالين، ثم نسخ ذلك الحكم بقوله من الفجر، لأن قوله من الفجر نزل مع ما قبله بمرة، ولأن الخطاب على لمجاز، وهو واجب ولو لم يتفطن له نحو عدى {وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِى الْمَسَٰجِدِ} أى مقيمون فيما إذا اعتكفتم فيها، فلا جماع ليلا أيضا، كما لا جماع نهاراً، لا فى بيوتكم ولا فى المساجد، سواء اعتكفتم بالصوم، وهو واجب فى الاعتكاف ولو فى غير رمضان، وهو مذهبنا، أم بغير صوم فى غير رمضان، ويجوز الاعتكاف فى كل مسجد لهذه الآية، أفضلها ما فيه الجماعة والجمعة والأذان، وخصه بعض ما فيه ذلك، وبعض بالمسجد الحرام ومسجد المدينة وبعض بالمسجد الحرام، ولا يصح اعتكاف دون ثلاثة أيام، ولا اعتكاف بلا صوم وأجيز يوم ولو صوم، لما روى عنه صلى الله عليه وسلم حديث : ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسهتفسير : ، ويفسد بالجماع {تِلْكَ} الأحكام من المباشرة فى الاعتكاف والوطء بلا ابتغاء، بل لقصد اللذة أو الأكل وللشرب بعد الفجر {حُدُودَ اللهِ} حدها لعباده ليقفوا عندها. {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} لا تفعلوها {كَذَٰلِكَ} أى كما يبين لكم تلك الأحكام {يُبَيِّنُ اللهُ ءَايَٰتِهِ لِلنَّاسِ} المراد مطلقا، أو الآيات الدالة على الأحكام، كما يدل له قوله تعالى {لَعَلَّكُمْ يَتَّقُونَ} المحرمات من ترك المفروضات وفعل الممنوعات.

الالوسي

تفسير : {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ} أخرج أحمد وجماعة عن كعب بن مالك قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من عند النبـي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده فوجد امرأته قد نامت فأيقظها وأرادها فقالت: إني قد نمت فقال: ما نمت، ثم وقع بها؛ وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت. وفي رواية ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بينما هو نائم إذ سولت له نفسه فأتى أهله ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله تعالى وإليك من نفسي هذه الخاطئة فإنها زينت لي فواقعت أهلي هل تجد لي من رخصة؟ قال: لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن وأمر الله تعالى رسوله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة فقال: {أُحِلَّ لَكُمُ} الخ ـ وليلة الصيام ـ الليلة التي يصبح منها صائماً فالإضافة لأدنى ملابسة، والمراد بها الجنس وناصبها ـ الرفث ـ المذكور أو المحذوف الدال هو عليه بناءاً على أن المصدر لا يعمل متقدماً، وجوز أن يكون ظرفاً ـ لأحل ـ لأن إحلال الرفث في ليلة الصيام وإحلال الرفث الذي فيها متلازمان، والرفث من رفث في كلامه وأرفث وترفث أفحش وأفصح بما يكنى عنه، والمراد به هنا الجماع لأنه لا يكاد يخلو من الإفصاح، وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه أنشد وهو محرم:شعر : وهن يمشين بنا هميساً إن صدق الطير ننك لميسا تفسير : فقيل له: أرفثت؟ فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء، فالرفث فيه يحتمل أن يكون قولاً وأن يكون فعلاً، والأصل فيه أن يتعدى ـ بالباء ـ وعدي بإلى لتضمنه معنى الإفضاء ولم يجعل من أول الأمر كناية عنه لأن المقصود هو/ الجماع فقصرت المسافة، وإيثاره هٰهنا على ما كنى به عنه في جميع القرآن من التغشية والمباشرة واللمس والدخول ونحوها استقباحاً لما وجد منهم قبل الإباحة، ولذا سماه اختياناً فيما بعد، والنساء جمع نسوة فهو جمع الجمع أو جمع امرأة على غير اللفظ وإضافتها إلى ضمير المخاطبين للاختصاص إذ لا يحل الإفضاء إلا لمن اختص بالمفضي إما بتزويج أو ملك، وقرأ عبد الله (الرفوث). {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} أي هن سكن لكم وأنتم سكن لهن قاله ابن عباس حين سأله نافع بن الأزرق وأنشد رضي الله تعالى عنهما لما قال له: هل تعرف العرب ذلك؟ قول الذبياني:شعر : إذا ما الضجيع ثنى عطفه تثنت عليه فكانت (لباساً) تفسير : ولما كان الرجل والمرأة يتعانقان ويشتمل كل منهما على صاحبه شبه كل واحد بالنظر إلى صاحبه باللباس أو لأن كل واحد منهما يستر صاحبه ويمنعه عن الفجور، وقد جاء في الخبر «حديث : من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه»تفسير : والجملتان مستأنفتان استئنافاً نحوياً والبياني يأباه الذوق، ومضمونهما بيان لسبب الحكم السابق وهو قلة الصبر عنهن كما يستفاد من الأولى، وصعوبة اجتنابهن كما تفيده الثانية ـ ولظهور احتياج الرجل إليهن وقلة صبره ـ قدم الأولى، وفي الخبر «حديث : لا خير في النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريماً ويغلبهن لئيم وأحب أن أكون كريماً مغلوباً ولا أحب أن أكون لئيماً غالباً»تفسير : . {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ} جملة معترضة بين قوله تعالى: {أٌحِلَ} الخ وبين ما يتعلق به أعني {فَٱلآنَ} الخ لبيان حالهم بالنسبة إلى ما فرط منهم قبل الإحلال، ومعنى {عِلْمٍ} تعلق علمه، و ـ الاختيان ـ تحرك شهوة الإنسان لتحري الخيانة أو الخيانة البليغة فيكون المعنى تنقصون أنفسكم تنقيصاً تاماً بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب، ويؤول إلى معنى تظلمونها بذلك، والمراد الاستمرار عليه فيما مضى قبل إخبارهم بالحال كما ينبـىء عنه صيغتا الماضي والمضارع وهو متعلق العلم، وما تفهمه الصيغة الأولى من تقدم كونهم على الخيانة على العلم يأبـى حمله على الأزلي الذاهب إليه البعض. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} عطف على {عِلِمَ} والفاء لمجرد التعقيب، والمراد قبل توبتكم حين تبتم عن المحظور الذي ارتكبتموه {وَعَفَا عَنْكُمْ} أي محا أثره عنكم وأزال تحريمه، وقيل: الأول لإزالة التحريم وهذا لغفران الخطيئة {فَٱلآنَ} مرتب على قوله سبحانه وتعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ} نظراً إلى ما هو المقصود من الإحلال وهو إزالة التحريم أي حين نسخ عنكم تحريم القربان وهو ليلة الصيام كما يدل عليه الغاية الآتية فإنها غاية للأوامر الأربعة التي هذا ظرفها، والحضور المفهوم منه بالنظر إلى فعل نسخ التحريم وليس حاضراً بالنظر إلى الخطاب بقوله تعالى: {بَـٰشِرُوهُنَّ}، وقيل: إنه وإن كان حقيقة في الوقت الحاضر إلا أنه قد يطلق على المستقبل القريب تنزيلاً له منزلة الحاضر وهو المراد هنا أو إنه مستعمل في حقيقته والتقدير قد أبحنا لكم مباشرتهن، وأصل المباشرة إلزاق البشرة بالبشرة وأطلقت على الجماع للزومها لها. {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي اطلبوا ما قدره الله تعالى لكم في اللوح من الولد، وهو المروي عن ابن عباس والضحاك ومجاهد رضي الله تعالى عنهم وغيرهم. والمراد الدعاء بطلب ذلك بأن يقولوا: اللهم ارزقنا ما كتبت لنا، وهذا لا يتوقف على أن يعلم كل واحد أنه قدر له ولد، وقيل: المراد ما قدره لجنسكم والتعبير بما نظراً إلى الوصف كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا } تفسير : [الشمس: 5] وفي الآية دلالة على أن المباشر ينبغي أن يتحرى بالنكاح حفظ النسل ـ لا قضاء الشهوة فقط ـ لأنه سبحانه وتعالى جعل لنا شهوة الجماع لبقاء نوعنا إلى/ غاية كما جعل لنا شهوة الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية، ومجرد قضاء الشهوة لا ينبغي أن يكون إلا للبهائم، وجعل بعضهم هذا الطلب كناية عن النهي عن العزل، أو عن إتيان المحاش، وبعض فسر من أول مرة ما كتب بما سن وشرع من صب الماء في محله، أي اطلبوا ذلك دون العزل والإتيان المذكورين ـ والمشهور حرمتهما ـ أما الأول: فالمذكور في الكتب فيه أنه لا يعزل الرجل عن الحرة بغير رضاها، وعن الأمة المنكوحة بغير رضاها أو رضا سيدها على الاختلاف بين الإمام وصاحبيه، ولا بأس بالعزل عن أمته بغير رضاها إذ لا حق لها. وأما الثاني: فسيأتي بسط الكلام فيه على أتم وجه إن شاء الله تعالى. وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه تفسير ذلك بليلة القدر. وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أيضاً وعن قتادة أن المراد: ابتغوا الرخصة التي كتب الله تعالى لكم فإن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، وعليه تكون الجملة كالتأكيد لما قبلها، وعن عطاء أنه سئل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كيف تقرأ هذه الآية {ٱبْتَغَوُاْ} أو (اتبعوا)؟ فقال: أيهما شئت، وعليك بالقراءة الأولى. {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } الليل كله {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ} أي يظهر {لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ} وهو أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض في الأفق قبل انتشاره، وحمله على الفجر الكاذب المستطيل الممتد كذنب السرحان وهم {مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلاسْوَدِ} وهو ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة آخر الليل {مِنَ ٱلْفَجْرِ} بيان لأول الخيطين ـ ومنه يتبين الثاني ـ وخصه بالبيان لأنه المقصود وقيل: بيان لهما بناءاً على أن الفجر عبارة عن مجموعهما لقول الطائي:شعر : وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه تفسير : فهو على وزان قولك: حتى يتبين العالم من الجاهل من القوم، وبهذا البيان خرج الخيطان عن الاستعارة إلى التشبيه لأن شرطها عندهم تناسيه بالكلية، وادعاء أن المشبه هو المشبه به لولا القرينة والبيان ينادي على أن المراد ـ مثل هذا الخيط وهذا الخيط ـ إذ هما لا يحتاجان إليه، وجوّز أن تكون {مِنِ} تبعيضية لأن ما يبدو جزء من الفجر كما أنه فجر بناءً على أنه اسم للقدر المشترك بين الكل والجزاء، و {مِنَ} الأولى قيل: لابتداء للغاية، وفيه أن الفعل المتعدي بها يكون ممتداً أو أصلاً للشيء الممتد، وعلامتها أن يحسن في مقابلتها (إلى) أو ما يفيد مفادها ـ وما هنا ليس كذلك ـ فالظاهر أنها متعلقة بـ {يَتَبَيَّنَ} بتضمين معنى التميز، والمعنى حتى يتضح لكم الفجر متميزاً عن غبش الليل؛ فالغاية إباحة ما تقدم حتى يتبين أحدهما من الآخر ويميز بينهما، ومن هذا وجه عدم الاكتفاء بـ {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ} الفجر، أو (يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر) لأن تبين الفجر له مراتب كثيرة، فيصير الحكم مجملاً محتاجاً إلى البيان، وما أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال: "أنزلت {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} الخ ولم ينزل {مِنَ ٱلْفَجْرِ} فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى بعد {مِنَ ٱلْفَجْرِ} فعلموا إنما يعني الليل والنهار"، فليس فيه نص على أن الآية قبل محتاجة إلى البيان بحيث لا يفهم منها المقصود إلا به وأن تأخير البيان عن وقت الحاجة جائز لجواز أن يكون الخيطان مشتهرين في المراد منهما، إلا أنه صرح بالبيان لما التبس على بعضهم، ويؤيد ذلك أنه صلى الله عليه وسلم وصف من لم يفهم المقصود من الآية قبل التصريح ـ بالبلادة ـ ولو كان الأمر موقوفاً على البيان لاستوى فيه الذكي البليد، فقد أخرج سفيان بن عيينة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وجماعة عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال: "لما أنزلت هذه الآية/ {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} الخ عمدت إلى عقالين أحدهما: أسود والآخر أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالذي صنعت فقال: «حديث : إن وسادك إذاً لعريض إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل»تفسير : وفي رواية: «حديث : إنك لعريض القفا» تفسير : وقيل: إن نزول الآية كان قبل دخول رمضان ـ وهي مبهمة ـ والبيان ضروري إلا أنه تأخر عن وقت الخطاب لا عن وقت الحاجة وهو لا يضر ـ ولا يخفى ما فيه ـ وقال أبو حيان: إن هذا من باب النسخ، ألا ترى أن الصحابة عملوا بظاهر ما دل عليه اللفظ ثم صار مجازاً بالبيان ويرده على ما فيه أن النسخ يكون بكلام مستقل ولم يعهد نسخ هكذا. وفي هذه الأوامر دليل على جواز نسخ السنة بالكتاب بل على وقوعه بناءاً على القول بأن الحكم المنسوخ من حرمة الوقاع والأكل والشرب كانت ثابتة بالسنة، وليس في القرآن ما يدل عليها، و {أٌحِلَ} أيضاً يدل على ذلك إلا أنه نسخ بلا بدل وهو مختلف فيه، واستدل بالآية على صحة صوم الجنب لأنه يلزم من إباحة المباشرة إلى تبين الفجر إباحتها في آخر جزء من أجزاء الليل متصل بالصبح فإذا وقعت كذلك أصبح الشخص جنباً فإن لم يصح صومه لما جازت المباشرة لأن الجنابة لازمة لها ومنافي اللازم مناف للملزوم، ولا يرد خروج المني بعد الصبح بالجماع الحاصل قبله لأنه إنما يفسد الصوم لكونه مكمل الجماع فهو جماع واقع في الصبح، وليس بلازم للجماع كالجنابة، وخالف في ذلك بعضهم ومنع الصحة زاعماً أن الغاية متعلقة بما عندها، واحتج بآثار صح لدى المحدثين خلافها. واستدل بها أيضاً على جواز الأكل مثلاً لمن شك في طلوع الفجر لأنه تعالى أباح ما أباح مغيا بتبينه ولا تبين مع الشك خلافاً لمالك ومجاهد بها على عدم القضاء والحال هذه إذا بان أنه أكل بعد الفجر لأنه أكل في وقت أذن له فيه، وعن سعيد بن منصور مثله ـ وليس بالمنصور ـ والأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم على أن أول النهار الشرعي طلوع الفجر فلا يجوز فعل شيء من المحظورات بعده وخالف في ذلك الأعمش ولا يتبعه إلا الأعمى، فزعم أن أوله طلوع الشمس كالنهار العرفي وجوز فعل المحظورات بعد طلوع الفجر، وكذا الإمامية وحمل {مِنَ ٱلْفَجْرِ} على التبعيض وإرادة الجزء الأخير منه والذي دعاه لذلك خبر «صلاة النهار عجماء» وصلاة الفجر ليست بها فهي في الليل، وأيده بعضهم بأن شوب الظلمة بالضياء كما أنه لم يمنع من الليلية بعد غروب الشمس ينبغي أن لا يمنع منها قبل طلوعها وتساوي طرفي الشيء مما يستحسن في الحكمة وإلى البدء يكون العود. وفيه أن النهار في الخبر بعد تسليم صحته يحتمل أن يكون بالمعنى العرفي ولو أراده سبحانه وتعالى في هذا الحكم لقال: وكلوا واشربوا إلى النهار {ثُمَّ أَتمُّواْ ٱلصِّيَامَ إلَى ٱلَّيْل} مع أنه أخصر وأوفق مما عدل إليه فحيث لم يفعل فهم أن الأمر مربوط بالفجر لا بطلوع الشمس سواء عد ذلك نهاراً أم لا، وما ذكر من استحسان تساوي طرفي الشيء مع كونه ـ مما لا يسمن ولا يغني من جوع ـ في هذا الباب يمكن معارضته بأن جعل أول النهار كأول الليل وهما متقابلان مما يدل على عظم قدرة الصانع الحكيم وإلى الانتهاء غاية الإتمام، ويجوز أن يكون حالاً من الصيام فيتعلق بمحذوف ولا يجوز جعله غاية للإيجاب لعدم امتداده، وعلى التقديرين تدل الآية على نفي كون الليل محل الصوم وأن يكون صوم اليومين صومة واحدة، وقد استنبط النبـي صلى الله عليه وسلم منها حرمة الوصال كما قيل، فقد روى أحمد من طريق ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال: يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى، وأتموا الصيام إلى الليل فإذا كان الليل فافطروا"، ولا تدل الآية على أن لا يجوز الصوم حتى يتخلل الإفطار خلافاً لزاعمه، / نعم استدل بها على صحة نية رمضان في النهار، وتقرير ذلك أن قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ} الخ معطوف على قوله: {بَـٰشِرُوهُنَّ} إلى قوله سبحانه: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ} وكلمة {ثُمَّ} للتراخي والتعقيب بمهلة ـ واللام ـ في (الصيام) للعهد على ما هو الأصل، فيكون مفاد {ثُمَّ أَتِمُّواْ } الخ الأمر ـ بإتمام الصيام ـ المعهود أي الإمساك المدلول عليه بالغاية سواء فسر بإتيانه تاماً، أو بتصييره كذلك متراخياً عن الأمور المذكورة المنقضية بطلوع الفجر تحقيقاً لمعنى (ثم) فصارت نية الصوم بعد مضي جزء من الفجر لأن قصد الفعل إنما يلزمنا حين توجه الخطاب، وتوجهه ـ بالإتمام ـ بعد الفجر لأنه بعد الجزء الذي هو غاية لانقضاء الليل تحقيقاً لمعنى التراخي، والليل لا ينقضي إلا متصلاً بجزء من الفجر، فتكون النية بعد مضي جزء الفجر الذي به انقطع الليل، وحصل فيه الإمساك المدلول عليه بالغاية، فإن قيل: لو كان كذلك وجب وجوب النية بعد المضي، أجيب بأن ترك ذلك بالإجماع، وبأن إعمال الدليلين ـ ولو بوجه ـ أولى من إهمال أحدهما، فلو قلنا بوجوب النية كذلك عملاً بالآية بطل العمل بخبر «لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل» ولو قلنا باشتراط النية قبله عملاً بالخبر بطل العمل بالآية، فقلنا بالجواز عملاً بهما، فإن قيل: مقتضى الآية ـ على ما ذكر ـ الوجوب وخبر الواحد لا يعارضها، أجيب بأنها متروكة الظاهر بالإجماع فلم تبق قاطعة ـ فيجوز أن يكون الخبر بياناً لها ـ ولبعض الأصحاب تقرير الاستدلال بوجه آخر، ولعل ما ذكرناه أقل مؤنة فتدبر. وزعم بعض الشافعية أن الآية تدل على وجوب التبييت، لأن معنى {ثُمَّ أَتِمُّواْ} صيروه تاماً بعد الانفجار، وهو يقتضي الشروع فيه قبله ـ وما ذاك إلا بالنية ـ إذ لا وجوب للإمساك قبل، ولا يخفى ما فيه. {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَـٰجِدِ} أي معتكفون فيها ـ والاعتكاف ـ في اللغة الاحتباس واللزوم مطلقاً، ومنه قوله:شعر : فباتت بنات الليل حولي ـ عكفاً ـ ـ عكوف ـ بواكي حولهن صريع تفسير : وفي الشرع لبث مخصوص، والنهي عطف على أول الأوامر ـ والمباشرة فيه كالمباشرة فيه ـ وقد تقدم أن المراد بها الجماع، إلا أنه لزم من إباحة الجماع إباحة اللمس والقبلة وغيرهما بخلاف النهي فإنه ـ لا يستلزم النهي عن الجماع ـ النهي عنهما، فهما إما مباحان اتفاقاً بأن يكونا بغير شهوة، وإما حرامان بأن يكونا بها يبطل الاعتكاف ما لم ينزل وصحح معظم أصحاب الشافعي البطلان ـ وقيل: المراد من ـ المباشرة ـ ملاقاة البشرتين، ففي الآية منع عن مطلق المباشرة ـ وليس بشيء ـ فقد كانت عائشة رضي الله تعالى عنها ترجل رأس النبـي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف، وفي تقييد ـ الاعتكاف بالمساجد ـ دليل على أنه لا يصح إلا في المسجد إذ لو جاز شرعاً في غيره لجاز في البيت ـ وهو باطل بالإجماع ـ ويختص بالمسجد الجامع عند الزهري، وروي عن الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه مختص بمسجد له إمام ومؤذن راتب، وقال حذيفة رضي الله تعالى عنه: يختص بالمساجد الثلاث، وعن علي كرم الله تعالى وجهه لا يجوز إلا في المسجد الحرام، وعن ابن المسيب لا يجوز إلا فيه أو في المسجد النبوي، ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه يصح في جميع المساجد مطلقاً بناءاً على عموم اللفظ وعدم اعتبار أن المطلق ينصرف إلى الكامل، واستدل بالآية على صحة اعتكاف المرأة في غير المسجد بناءاً على أنها لا تدخل في خطاب الرجال، وعلى اشتراط الصوم في الاعتكاف لأنه قصر الخطاب على الصائمين، فلو لم يكن الصوم من شرطه لم يكن لذلك معنى، وهو المروي عن نافع مولى ابن عمر، وعائشة رضي الله تعالى عنهم، وعلى أنه لا يكفي فيه أقل من يوم ـ كما أن الصوم لا يكون كذلك ـ والشافعي رضي الله تعالى/ عنه لا يشترط يوماً ولا صوماً، لما أخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه»تفسير : ومثله عن ابن مسعود، وعن عليّ كرم الله تعالى وجهه روايتان أخرجهما ابن أبـي شيبة من طريقين إحداهما: الاشتراط، وثانيتهما: عدمه، وعلى أن المعتكف إذا خرج من المسجد فباشر خارجاً جاز لأنه حصر المنع من المباشرة حال كونه فيه، وأجيب بأن المعنى: لا تباشروهن حال ما يقال لكم إنكم عاكفون في المساجد ومن خرج من المسجد لقضاء الحاجة فاعتكافه باق، ويؤيده ما روي عن قتادة كان الرجل يعتكف فيخرج إلى امرأته فيباشرها ثم يرجع ـ فنهوا عن ذلك ـ واستدل بها أيضاً على أن الوطء يفسد الاعتكاف لأن النهي للتحريم، وهو في العبادات يوجب الفساد، وفيه أن المنهي عنه هنا ـ المباشرة حال الاعتكاف ـ وهو ليس من العبادات لا يقال: إذا وقع أمر منهي عنه في العبادة ـ كالجماع في الاعتكاف ـ كانت تلك العبادة منهية باعتبار اشتمالها على المنهي ومقارنتها إياه إذ يقال: فرق بين كون الشيء منهياً عنه باعتبار ما يقارنه، وبين كون المقارن منهياً في ذلك الشيء والكلام في الأول، وما نحن فيه من قبيل الثاني. {تِلْكَ} أي الأحكام الستة المذكورة المشتملة على إيجاب وتحريم وإباحة {حُدُودُ ٱللَّهِ} أي حاجزة بين الحق والباطل {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} كيلا يدانى الباطل والنهي عن القرب من ـ تلك الحدود ـ التي هي الأحكام كناية عن النهي عن قرب الباطل لكون الأول لازماً للثاني وهو أبلغ من (لا تعتدوها) لأنه نهي عن قرب الباطل بطريق الكناية التي هي أبلغ من الصريح، وذلك نهي عن الوقوع في الباطل بطريق الصريح، وعلى هذا لا يشكل لا تقربوها في تلك الأحكام مع اشتمالها على ما سمعت، ولا وقوع {أية : فَلاَ تَعْتَدُوهَا } تفسير : [البقرة: 229] وفي آية أخرى إذ قد حصل الجمع وصح لا تقربوها في الكل، وقيل: يجوز أن يراد بحدود الله تعالى محارمه ومناهيه إما لأن الأوامر السابقة تستلزم النواهي لكونها مغياة بالغاية، وإما لأن المشار إليه قوله سبحانه: {وَلاَ تُبَـٰشِرُوهُنَّ} وأمثاله، وقال أبو مسلم: معنى {لا تَقْرَبُوهَا} لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ }تفسير : [الأنعام: 152] فيشمل جميع الأحكام ـ ولا يخفى ما في الوجهين من التكليف ـ والقول ـ بأن تلك إشارة إلى الأحكام ـ والحد ـ إما بمعنى المنع أو بمعنى الحاجز بين الشيئين، فعلى الأول: يكون المعنى تلك الأحكام ممنوعات الله تعالى عن الغير ليس لغيره أن يحكم بشيء {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} أي لا تحكموا على أنفسكم أو على عباده من عند أنفسكم بشيء ـ فإن الحكم لله تعالى عز شأنه ـ وعلى الثاني: يريد أن تلك الأحكام حدود حاجزة بين الألوهية والعبودية، فالإله يحكم والعباد تنقاد، فلا تقربوا الأحكام لئلا تكونوا مشركين بالله تعالى ـ لا يكاد يعرض على ذي لب فيرتضيه، وهو بعيد بمراحل عن المقصود كما لا يخفى. {كَذٰلِكَ} أي مثل ذلك التبيين الواقع في أحكام الصوم {يُبَيّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ} إما مطلقاً أو الآيات الدالة على سائر الأحكام التي شرعها {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} مخالفة أوامره ونواهيه، والجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه لتقرير الأحكام السابقة والترغيب إلى امتثالها بأنها شرعت لأجل تقواكم، ولما ذكر سبحانه الصيام وما فيه عقبه بالنهي عن الأكل الحرام المفضي إلى عدم قبول عبادته من صيامه واعتكافه فقال: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ...}.

ابن عاشور

تفسير : انتقال في أحكام الصيام إلى بيان أعمال في بعض أزمنة رمضان قد يظن أنها تنافي عبادة الصيام، ولأجل هذا الانتقال فُصلت الجملة عن الجمل السابقة. وذكروا لسبب نزول هذه الآية كلاماً مضطرباً غير مُبيّن فروى أبو داود عن معاذ بن جبل كان المسلمون إذا نام أحدهم إذا صلى العِشاء وسهر بعدها لم يأكل ولم يباشر أهله بعد ذلك فجاء عُمر يريد امرأتْه فقالت: إني قد نمت فظن أنها تعْتَلُّ فباشرها، وروى البخاري عن البراء بن عازب أن قيس بن صرمة جاء إلى منزله بعد الغروب يريد طعامه فقالت له امرأته: حتى نسخنَ لك شيئاً فنام فجاءت امرأته فوجدته نائماً فقالت: خيبةً لك فبقي كذلك فلما انتصف النهار أغمي عليه من الجوع، وفي كتاب التفسير من صحيح البخاري عن حديث البراء بن عازب قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} الآية، ووقع لكعب بن مالك مثل ما وقع لعمر، فنزلت هذه الآية بسبب تلك الأحداث، فقيل: كان ترك الأكل ومباشرة النساء من بعد النوم أو من بعد صلاة العشاء حكماً مشروعاً بالسُّنة ثم نسخ، وهذا قول جمهور المفسرين، وأنكر أبو مسلم الأصفهاني أن يكون هذا نسخاً لشيء تقرر في شرعنا وقال: هو نسخ لما كان في شريعة النصارى. وما شرع الصوم إلاّ إمساكاً في النهار دون الليل فلا أحسب أن الآية إنشاء للإباحة ولكنها إخبار عن الإباحة المتقررة في أصل توقيت الصيام بالنهار، والمقصود منها إبطال شيء توهمه بعض المسلمين وهو أن الأكل بين الليل لا يتجاوز وقتين وقت الإفطار ووقت السحور وجعلوا وقت الإفطار هو ما بين المغرب إلى العشاء، لأنهم كانوا ينامون إثر صلاة العشاء وقيامها فإذا صلوا العشاء لم يأكلوا إلاّ أكلة السحور وأنهم كانوا في أمر الجماع كشأنهم في أمر الطعام وأنهم لما اعتادوا جعل النوم مبدأ وقت الإمساك الليلي ظنوا أن النوم إن حصل في غير إبانة المعتاد يكون أيضاً مانعاً من الأكل والجماعِ إلى وقت السحور وإن وقت السحور لا يباح فيه إلاّ الأكل دون الجماع؛ إذ كانوا يتأثمون من الإصباح في رمضان على جنابة، وقد جاء في «صحيح مسلم» أن أبا هريرة كان يرى ذلك يعني بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل هذا قد سرى إليْهم من أهل الكتاب كما يقتضيه ما رواه محمد بن جرير من طريق السدي، ولعلهم التزموا ذلك ولم يسألوا عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولعل ذلك لم يتجاوز بعض شهر رمضان من السنة التي شرع لهم فيها صيام رمضان فحدثت هذه الحوادث المختلفة المتقاربة، وذكر ابن العربي في «العارضة» عن ابن القاسم عن مالك كان في أول الإسلام من رقد قبل أن يَطْعَم لم يَطعم من الليل شيئاً فأنزل الله: {فالئن باشروهن} فأكلوا بعد ذلك فقوله تعالى: {علم الله} دليل على أن القرآن نزل بهذا الحكم لزيادة البيان؛ إذ علم الله ما ضيق به بعض المسلمين على أنفسهم وأوحى به إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهذا يشير إلى أن المسلمين لم يُفشوا ذلك ولا أخبروا به رسول الله ولذلك لا نجد في روايات البخاري والنسائي أن الناس ذكروا ذلك لرسول الله إلاّ في حديث قيْس بن صِرمة عند أبي داود ولعله من زيادات الراوي. فأَما أن يكون ذلك قد شرع ثم نسخ فلا أحسبه، إذ ليس من شأن الدين الذي شرع الصوم أولَ مرة يوماً في السنة ثم درَّجه فشرع الصوم شهراً على التخيير بينه وبين الإطعام تخفيفاً على المسلمين أن يفرضه بعد ذلك ليلاً ونهاراً فلا يبيح الفطر إلاّ ساعات قليلة من الليل. ولَيْلةُ الصيام الليلةُ التي يعقبها صيام اليوم الموالي لها جرياً على استعمال العرب في إضافة الليلة لليوم الموالي لها إلاّ ليلةَ عرفة فإن المراد بها الليلة التي بعد يوم عرفة. والرَّفث في «الأساس» و«اللسان» أن حقيقته الكلام مع النساء في شؤون الالتذاذ بهن ثم أطلق على الجماع كناية، وقيل هو حقيقة فيهما وهو الظاهر، وتعديته بإلى ليتعين المعنى المقصود وهو الإفضاء. وقول: {هن لباس لكم} جملة مستأنفة كالعلة لما قبلها أي أحل لعُسر الاحتراز عن ذلك. ذلك أن الصوم لو فرض على الناس في الليل وهو وقت الاضطجاع لكان الإمساك عن قربان النساء في ذلك الوقت عنتاً ومشقة شديدة ليست موجودة في الإمساك عن قربانهن في النهار؛ لإمكان الاستعانة عليه في النهار بالبعد عن المرأة، فقوله تعالى: {هن لباس لكم} استعارة بجامع شدة الاتصال حينئذٍ وهي استعارة أحياها القرآن، لأن العرب كانت اعتبرتها في قوله: لابَسَ الشيءُ الشيءَ، إذا اتصل به لكنهم صيروها في خصوص زنة المفاعلة حقيقةً عُرفية فجاء القرآن فأحياها وصيَّرها استعارة أَصلية جديدة بعد أن كانت تبعية منسية وقريبٌ منها قول امرىء القيس: شعر : فسُلِّي ثيابي من ثيابكِ تَنْسِلِ تفسير : و {تختانون} قال الراغب: «الاختيان مراودة الخيانة» بمعنى أنه افتعال من الخون وأصله تَخْتَوِنُون فصارت الواو ألِفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وخيانة الأنفس تمثيل لتكليفها ما لم تكلف به كأنَّ ذلك تغريرٌ بها؛ إذ يوهمها أن المشقة مشروعة عليها وهي ليست بمشروعة، وهو تمثيل لمغالطتها في الترخص بفعل ما ترونه محرماً عليكم فتُقْدِمُون تارة وتحجمون أخرى كمن يحاول خيانة فيكون كالتمثيل في قوله تعالى: { أية : يُخَادعونَ اللهَ } تفسير : [البقرة: 9]. والمعنى هنا أنكم تلجئونها للخيانة أو تنسبونها لها، وقيل: الاختيان أشد من الخيانة كالاكتساب والكَسب كما في «الكشاف» قلت: وهو استعمال كما قال تعالى: { أية : ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } تفسير : [النساء: 107]. وقوله تعالى: {فالئٰن باشروهن} الأمر للإباحة، وليس معنى قوله {فالئٰن} إشارة إلى تشريع المباشرة حينئذٍ بل معناه فاللآن اتضح الحكم فباشروهن ولا تختانوا أنفسكم. والابتغاء الطلب، وما كتبه الله: ما أباحه من مباشرة النساء في غير وقت الصيام أو اطلبوا ما قدر الله لكم من الولد تحريضاً للناس على مباشرة النساء عسى أن يتكون النسل من ذلك وذلك لتكثير الأمة وبقاء النوع في الأرض. عطف على {باشروهن}، والخيط سلك الكتان أو الصوف أو غيرهما يلفق به بين الثياب بشدة بإبرة أو مِخْيَطٍ، يقال خاط الثوب وخَيَّطه. وفي خبر قبور بني أمية أنهم وجدوا معاوية رضي الله عنه في قبره كالخيط، والخيط هنا يراد به الشعاع الممتد في الظلام والسوادُ الممتد بجانبه قال أبو دؤاد من شعراء الجاهلية: شعر : فَلَمَّا أَضَاءَت لَنَا سَدْفَةٌ() ولاَحَ من الصُّبْح خَيْطٌ أَنَارَا تفسير : وقوله: {من الفجر} منْ ابتدائية أي الشعاع الناشىء عن الفجر، وقيل بيانية وقيل تبعيضية وكذلك قول أبي دُؤَاد «من الصبح» لأن الخيط شائع في السلك الذي يخاط به فهو قرينة إحدى المعنيين للمشترك، وجعله في «الكشاف» تشبيهاً بليغاً، فلعله لم يثبت عنده اشتهار إطلاقه على هذا المعنى في غير بعض الكلام، كالآية وبيت أبي دُؤاد، وعندي أن القرآن ما أطلقه إلاّ لكونه كالنص في المعنى المراد في اللغة الفصحى دون إرادة التشبيه لأنه ليس بتشبيه واضح. وقد جيء في الغاية بحتى وبالتَّبَيُّن للدلالة على أن الإمساك يكون عند اتضاح الفجر للناظر وهو الفجر الصادق، ثم قوله تعالى: {حتى يتبين} تحديد لنهاية وقت الإفطار بصريح المنطوق؛ وقد علم منه لا محالة أنه ابتداء زمن الصوم، إذ ليس في زمان رمضان إلاّ صوم وفطر وانتهاء أحدهما مبدأ الآخر فكان قوله: {أتموا الصيام إلى الليل} بياناً لنهاية وقت الصيام ولذلك قال تعالى: {ثم أتموا} ولم يقل ثم صوموا لأنهم صائمون من قبل. و{إلى الليل} غاية اختير لها (إلى) للدلالة على تعجيل الفطر عند غروب الشمس لأن إلى لا تمتد معها الغاية بخلاف حتى، فالمراد هنا مقارنة إتمام الصيام بالليل. واعلم أن ثم في عطف الجمل للتراخي الرتبي وهو اهتمام بتعيين وقت الإفطار، لأن ذلك كالبشارة لهم، ولا التفات إلى ما ذهب إليه أبو جعفر الخباز السمرقندي من قدماء الحنفية من الاستدلال بثم في هاته الآية على صحة تأخير النية عن الفجر احتجاجاً لمذهب أبي حنيفة من جواز تأخير النية إلى الصحوة الكبرى. بناء على أن ثم للتراخي وأن إتمام الصيام يستلزم ابتداءه، فكأنه قال ثم بعد تبيين الخيطين من الفجر صوموا أو أتموا الصيام إلى الليل فينتج معنى صوموا بعد تراخ عن وقت الفجر وهو على ما فيه من التكلف والمصير إلى دلالة الإشارة الخفيفة غفلة عن معنى التراخي في عطف (ثم) للجمل. هذا، وقد رويت قصة في فهم بعض الصحابة لهذه الآية وفي نزولها مفرقة، فروى البخاري ومسلم حديث : عن عدي بن حاتم قال:لما نزلت {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} عمدت إلى عِقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي الأبيض من الأسود فغدوت على رسول الله فذكرتُ له ذلك فقال رسول الله: إن وِسادَك لعَرِيض، وفي رواية: إنك لعَرِيض القفا، إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار تفسير : .ورَوَيا عن سهل بن سعد قال نزلت: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} ولم ينزل {من الفجر} فكانَ رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولم يزل يأْكل حتى تتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعدُ {من الفجر}، فيظهر من حديث سهل بن سعد أن مثل ما عمله عدي بن حاتم قد كان عمله غيره من قبلِه بمدة طويلة، فإن عَدِياً أَسلَمَ سنة تسع أو سنة عشر، وصيام رمضان فُرض سنة اثنتين ولا يُعقل أن يبقَى المسلمون سبع أو ثمانيَ سنين في مثل هذا الخطأ، فمحل حديث سهل بن سعد على أن يكون ما فيه وقع في أول مُدة شرع الصيام، ومحمل حديث عدي بن حاتم أن عدياً وقع في مثل الخطأ الذي وقع فيه مَن تقدموه، فإن الذي عند مسلم عن عبد الله بن إدريس عن حصين عن الشعبي عن عدي أنه قال لما نزلت: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} الخ فهو قد ذكر الآية مستكملة، فيتعين أن يكون محمل حديث سهل بن سعد على أن ذلك قد عمله بعض الناس في الصوم المفروض قبلَ فَرْض رمضان أي صومِ عاشوراء أو صومِ النَّذْر وفي صوم التَّطوع، فلما نزلت آية فرض رمضان وفيها {من الفجر} علموا أن ما كانوا يعملونه خطأ، ثم حَدث مثل ذلك لعدي بن حاتم. وحديث سهل لا شبهة في صحة سنده إلاّ أنه يحتمل أن يكون قوله فيه ولم ينزل {من الفجر} وقوله فأنزل الله بعد ذلك {مِن الفجر} مروياً بالمعنى فجاء راويه بعبارات قلقة غير واضحة، لأنه لم يقع في «الصحيحين» إلاّ من رواية سعيد بن أبي مريم عن أبي غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد فقال الراوي: «فأنزل بعد ــــ أو بعدَ ذلك ــــ من الفجر» وكان الأوضح أن يقول فأنزل الله بعدُ: {وكلوا واشربوا} ـــ إلى قوله ـــ {من الفجر}. وأيّاً ما كان فليس في هذا شيء من تأخير البيان، لأن معنى الخيط في الآية ظاهر للعرب، فالتعبير به من قبيل الظاهر لا من قبيل المجمل، وعدمُ فهم بعضهم المرادَ منه لا يقدح في ظهور الظاهر، فالذين اشتبه عليهم معنى الخيط الأبيض والخيط الأسود، فهموا أَشهر معاني الخيط وظَنوا أن قوله: {من الفجر} متعلق بفعل {يتبين} على أن تكون (مِنْ) تعليلية أي يكون تبينه بسبب ضوء الفجر، فصنعوا ما صنعوا ولذلكحديث : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدي بن حاتم «إنّ وسادك لعريض ــــ أو إنك لعريض القفا» تفسير : كناية عن قلة الفِطنة وهي كناية موجهة من جوامع كلمه عليه السلام. وقوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون} عطف على قوله {باشروهن} لقصد أن يكون المعتكف صالحاً. وأجمعوا على أنه لا يكون إلاّ في المسجد لهاته الآية، واختلفوا في صفة المسجد فقيل لا بد من المسجد الجامع وقيل مطلق مسجد وهو التحْقيق وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي رحمهم الله، وأحكامه في كتب الفقه وليست من غرض هذا المفسر. تذييل بالتحذير من مخالفة ما شرع إليه من أحكام الصيام. فالإشارة إلى ما تقدم، والإخبار عنها بالحدود عيَّن أن المشار إليه هو التحديدات المشتمل عليها الكلام السابق وهي قوله: {حتى يتبين لكم الخيط} وقوله: {إلى الليل} {وأنتم عاكفون} من كل ما فيه تحديد يفضي تجاوزه إلى معصية، فلا يخطر بالبال دخول أحكام الإباحة في الإشارة مثل: {أحل لكم} ومثل {فالئن باشروهن}. والحدود الحواجز ونهايات الأشياء التي إذا تجاوزها المرء دخل في شيء آخر، وشبهت الأحكام بالحدود لأن تجاوزها يخرج من حل إلى منع وفي الحديث « حديث : وحَدَّ حدوداً فلا تعتدوها » تفسير : ، وستأتي زيادة بيان له في قوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تقربوها}. وقوله: {فلا تقربوها} نهى عن مقاربتها الموقعةِ في الخروج منها على طريق الكناية لأن القرب من الحد يستلزم قصد الخروج غالباً كما قال تعالى: { أية : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } تفسير : [الأنعام: 152]، ولهذا قال تعالى في آيات أخرى: { أية : تلك حدود الله فلا تعتدوها } تفسير : [البقرة: 229]. كما سيأتي هنالك وفي معنى الآية حديث « حديث : من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه » تفسير : . والقول في: {كذلك يبين الله آياته للناس} تقدم نظيره في قوله: { أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } تفسير : [البقرة: 143] أي كما بين الله أحكام الصيام يبين آياته للناس أي جميع آياته لجميع الناس، والمقصد أن هذا شأن الله في إيضاح أحكامه لئلا يلتبس شيء منها على الناس، وقوله: {لعلهم يتقون}، أي إرادةً لاتقائهم الوقوع في المخالفة، لأنه لو لم يبين لهم الأحكام لما اهتدوا لطريق الامتثال، أو لعلهم يلتبسون بغاية الامتثال والإتيان بالمأمورات على وجهها فتحصل لهم صفة التقوى الشرعية، إذ لو لم يبين الله لهم لأتوا بعبادات غير مستكملة لما أراد الله منها؛ وهم وإن كانوا معذورين عند عدم البيان وغير مؤاخذين بإثم التقصير إلاّ أنهم لا يبلغون صفة التقوى أي كمال مصادفة مراد الله تعالى، فلعل يتقون على هذا منزل منزلة اللازم لا يقدَّر له مفعول مثل { أية : هل يستوى الذين يعلمون } تفسير : [الزمر: 9]، وهو على الوجه الأول محذوف المفعول للقرينة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ}. بينه قوله: {مِنَ الْفَجْرِ}، والعرب تسمي ضوء الصبح خيطاً، وظلام الليل المختلط به خيطاً، ومنه قول أبي دواد الإيادي: شعر : قلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا تفسير : وقول الآخر: شعر : الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق والخيط الأسود جنح الليل مكتوم

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 187- أحَلَّ الله لكم ليلة الصوم إتيان نسائكم لاختلاطكم بهن واختلاطهن بكم فى النهار والمبيت، ولعسر ابتعادكم عنهن وتخفيفاً عليكم. وقد علم الله أنكم كنتم تنقصون حظ نفوسكم وتظلمونها، فتحرمون عليها إتيان النساء فى ليل رمضان فتاب عليكم من الغلو وعفا عنكم، والآن وقد تبين لك حِلُّ ذلك فلا تتحرجوا من مباشرتهن، وتمتعوا بما أباحه الله لكم وكلوا واشربوا فى ليل رمضان حتى يظهر لكم نور الفجر، متميزاً من ظلام الليل، كما يتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وإذا ظهر ذلك فصوموا وأتموا الصيام إلى غروب الشمس. وإذا كان الصيام من العبادات التى يجب التفرغ لها والتجرد فيها من شهوات النفس ومقاربة النساء فى نهار الصوم، فكذلك عبادة الاعتكاف فى المساجد وملازمتها توجب الخلوَّ لها وعدم التمتع بالنساء ما دام المرء ملتزماً بها. وما شرع الله لكم فى الصوم والاعتكاف حدود وضعها الله لكم فحافظوا عليها ولا تقربوها لتتجاوزوا أوامرها، وقد أوسع الله فى بيانها للناس على هذا النحو ليتقوها ويتجنبوا تبعاتها. 188- وقد حرَّم الله عليكم أكل مال غيركم دون وجه من الحق دائماً، فلا يستحل أحدكم مال غيره إلا بوجه من الوجوه التى شرعها الله كالميراث والهبة والعقد الصحيح المبيح للملك، وقد ينازع أحدكم أخاه فى المال وهو مبطل، ويرفع أمره إلى الحاكم أو القاضى ليحكم له وينتزع من أخيه ماله بشهادة باطلة أو بينة كاذبة، أو رشوة خبيثة، فبئس ما يفعل وما يجرُّ على نفسه من سوء الجزاء.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ليلة الصيام: الليلة التي يصبح العبد بعدها صائماً. الرفث: الجماع. لباس لكم: كناية عن اختلاط بعضكم ببعض كاختلاط الثوب بالبدن. تختانون أنفسكم: بتعريضها للعقاب، ونقصان حظها من الثواب بالجماع ليلة الصيام قبل أن يحل الله لكم ذلك. باشروهن: جامعوهن، أباح لهم ذلك ليلاً. وابتغوا ما كتب الله لكم: اطلبوا بالجماع الولد إن كان قد كتب لكم، ولا يكن الجماع لمجرد الشهوة. الخيط الأبيض: الفجر الكاذب وهو بياض يلوح في الأفق كذنب السرحان. الخيط الأسود: سواد يأتي بعد البياض الأول فينسخه تماماً. الفجر: انتشار الضوء أفقياً ينسخ سواد الخيط الأسود ويعم الضياء الأفق كله. عاكفون في المساجد: منقطعون إلى العبادة في المسجد تقرّباً إلى الله تعالى. حدود الله: جمع حد وهو ما شرع الله تعالى من الطاعات فعلاً أو تركاً. كذلك يبين الله آياته: أي كما بين أحكام الصيام يبين أحكام سائر العبادات من أفعال وتروك ليهيئهم للتقوى التي هي السبب المورث للجنة. معنى الآية الكريمة: كان في بداية فرض الصيام أن من نام بالليل لم يأكل ولم يشرب ولم يقرب امرأته حتى الليلة الآتية. كأن الصيام يبتدىء من النوم لا من طلوع الفجر، ثم إن ناساً أتوا نساءهم وأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة تبيح لهم الأكل والشرب والجماع طوال الليل إلى طلوع الفجر، فقال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} أي الإختلاط بهن إذ لا غنى للرجل عن امرأته ولا للمرأة عن زوجها {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}. يسترها وتستره كالثوب يستر الجسم، وأعلمهم أنه تعالى علم منهم ما فعلوه من إتيان نسائهم ليلاً بعد النوم قبل أن ينزل حكم الله فيه بالإِباحة أو المنع فكان ذلك منهم خيانة لأنفسهم فقال تعالى: {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ}. وأعلن لهم عن الإِباحة بقوله: {فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ}. يريد من الولد، لأن الجماع لا يكون لمجرد قضاء الشهوة بل للإِنجاب والولد. وحدد لهم الظرف الذي يصومون فيه وهو النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فقال تعال: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} وحرم على المعتكفين في المساجد مباشرة نسائهم فلا يحل للرجل وهو معتكف أن يخرج من المسجد ويغشى امرأته وإن فعل أثم وفسد اعتكافه ووجب عليه قضاؤه قال تعالى: {وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ} وأخبرهم أن ما بينّه لهم من الواجبات والمحرمات هي حدوده تعالى فلا يحل القرب منها ولا تعديها فقال عز وجل: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} ثم قال: {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} فامتنّ تعالى على المسلمين بهذه النعمة وهي بيان الشرائع والأحكام والحدود بما يوحيه إلى رسوله من الكتاب والسنة ليعد بذلك المؤمنين للتقوى، إذ لا يمكن أن تكون تقوى ما لم تكن شرائع تتبع وحدود تحترم. وقد فعل فله الحمد وله المنة. هداية الآية: من هداية الآية: 1- إباحة الأكل والشرب والجماع في ليال الصيام من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. 2- بيان ظرف الصيام وهو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. 3- بيان ما يمسك عنه الصائم وهو الأكل والشرب والجماع. 4- مشروعية الإِعتكاف وخاصة في رمضان، وأن المعتكف لا يحل له مخالطة امرأته وهو معتكف حتى تنتهي مدة اعتكافه التي عزم أن يعتكفها. 5- استعمال الكناية بدل التصريح فيما يستحي من ذكره، حيث كنى بالمباشرة عن الوطء. 6- حرمة انتهاك حرمات الشرع وتعدي حدوده. 7- بيان الغاية من إنزال الشرائع ووضع الحدود وهي تقوى الله عز وجل. 8- ثبت بالسنة: سنة السحور واستحباب تأخيره ما لم يخش طلوع الفجر، واستحباب تعجيل الفطر.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٰ نِسَآئِكُمْ} {فَٱلآنَ} {بَاشِرُوهُنَّ} {ٱلَّليْلِ} {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ} {عَاكِفُونَ} {ٱلْمَسَاجِدِ} {آيَاتِهِ} (187) - (فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِ الإِسْلاَمِ كَانَ المُسْلِمُ إِذا أَفْطَرَ يَحِلُّ لَهُ الأَكْلُ والشُّربُ والجِمَاعُ حَتَّى صَلاةِ العِشَاءِ، أَوْ إِلَى أَنْ يَنَامَ قَبْلَ ذلِكَ. فَإِذا صَلَّى العِشَاءَ، أَوْ نَامَ قَبْلَ صَلاةِ العِشَاءِ حَرُمَ عَلِيهِ الطَّعَامُ وَالشَّرابُ وَالجِمَاعُ إِلَى اللَيْلَةِ القَابِلَةِ. فَوَجَدُوا فِي ذلِكَ مَشَقَّةً كَبيرةً بِسَبَبِ اخْتِلاطِهِمْ فِي المَبِيتِ وَالحيَاةِ، فَخَفَّفَ اللهُ عَنْهُمْ). وَفِي هذِهِ الآيةِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلمُؤْمِنينَ: أُحلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الجِمَاعُ (الرَّفَثُ)، أَنْتُمْ سَكَنٌ (لِبَاسٌ) لِنِسَائِكُمْ، وَهُنَّ سَكَنٌ لَكُمْ، فَقَدْ عَلِمَ اللهُ أَنَّ بَعْضَ المُؤْمِنينَ كَانَ يُخَالِفُ الأَمْرَ الدِّينِيَّ فَيَخْتَانُ نَفْسَهُ، إِذْ يَعْتَقِدُ شَيْئاً ثُمَّ لاَ يَلْتَزِمُ العَمَلَ بِهِ، فَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيُجَامِعُ بَعْدَ صَلاَةِ العِشَاءِ أَوْ بَعْدَ نَوْمِهِ إِنْ نَامَ قَبْلَ الصَّلاةِِ، فَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ، وَعَفَا عَنْكُمْ، وَتَجَاوَزَ عَنْ أَخْطَائِكُمْ. ثُمَّ أَعْلَمَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ سَمَحَ لَهُمْ بِالطَّعَامِ والشَّرابِ وَمُبَاشَرَةِ نِسَائِهِمْ حَتَّى الفَجْرِ (أَيْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ضِيَاءُ الصُّبْحِ مِنْ سَوادِ اللَيْلِ). فَمَتَى ظَهَرَ الفَجْرُ امْتَنَعَ عَلَى الصَّائِمِ مَا كَانَ مُبَاحاً لَهُ فِي اللَيْلِ، وَيَسْتَمِرُّ صَوْمُهُ حَتَّى مَغِيبِ الشَّمْسِ، وَظُهُورِ أَوَّلِ اللَيْلِ. وَكَانَ المُسْلِمُونَ يَعْتَكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ أَوْ غَيْرِهَا فِي رَمَضَان، أَوْ فِي غَيْرِهِ لِلنُّسْكِ وَالعِبَادَةِ، فَحَرَّمَ اللهُ عَلَيهِمْ مُبَاشَرَةَ النِّسَاءِ، مَا دَامُوا مُعْتَكِفِينَ، حَتَّى وَلَوْ أَتَوْا إِلى مَنَازِلِهِمْ لِقَضَاءِ بَعْضِ حَوَائِجِهِمْ لِيَعُودُوا بَعْدَها إِلى الاعْتِكَافِ فِي المَكَانِ الذِي يَعْتَكِفُونَ فِيهِ. وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّ مَا بَيَّنَهُ وَفَرَضَهُ وَحَدَّدَهُ مِنَ الصِّيَامِ، وَمَا أَبَاحَهُ وَمَا حَرَّمَهُ.. هِيَ الحُدُودُ التِي شَرَعَهَا اللهُ لِعِبَادِهِ، وَبَيَّنَهَا بِنَفْسِهِ، فَعَلَيْكُمْ يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ أَلاَّ تَتَعَدَّوْهَا، وَلاَ تَتَجَاوَزُهَا. وَكَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ، عَلَى لِسَانِ أَنْبِياَئِهِ وَرُسُلِهِ، آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لِيَعْرِفُوا كَيْفَ يََهْتَدُونَ، وَكَيْفَ يُطِيعُونَ (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ). الرَّفَثُ - الوِقَاعُ - أَوْ هُوَ كَلامٌ يَكُونُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَقْتَ الوِقَاعِ. هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ - هُنَّ سَكَنٌ أَو سِتْرٌ لَكُمْ عَنِ الحَرَامِ. حُدُودُ اللهِ - مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ وَحَرَّمَهُ عَلَيكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن أورد لنا الحق آداب الدعاء ومزجها وأدخلها في الصوم، يشرح لنا سبحانه آداب التعامل بين الزوجين في أثناء الصيام، ويأتي هذا التداخل والامتزاج بين الموضوعات المختلفة في القرآن لنفهم منه أن الدين وحدة متكاتفة تُخاطب كل الملكات الإنسانية، ولا يريد سبحانه أن تظهر أو تطغى ملكة على ملكة أبداً. يقول الحق: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} [البقرة: 187] وساعة تسمع "أحل لكم" فكأن ما يأتي بالتحليل كان محرماً من قبل. والذي أحله الله في هذا القول كان المحرم عينه في الصيام، لأن الصيام إمساك بالنهار عن شهوة البطن وشهوة الفرج، فكأنه قبل أن تنزل هذه الآية كان الرفث إلى النساء في ليل الصيام حراماً، فقد كان الصيام في بدايته إمساكاً عن الطعام من قبل الفجر إلى لحظة الغروب، ولا اقتراب بين الزوجين في الليل أو النهار. فكان الرفث في ليلة الصيام محرماً. وكان يحرم عليهم الطعام والشراب بعد صلاة العشاء وبعد النوم حتى يفطروا. وجاء رجل وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ذهبت فلم أجد أهلي قد أعدوا لي طعاماً، فنمت، فاستيقظت يا رسول الله فعلمت أني لا أقدر أن آكل ولذلك فأنا أعاني من التعب، فأحل الله مسألتين: المسألة الأولى هي: الرفث إلى النساء في الليل، والمسألة الثانية قوله الحق: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْر} [البقرة: 187] أي كلوا واشربوا إلى الفجر حتى ولو حصل منكم نوم، وهذه رخصة جديدة لكل المسلمين مثلها مثل الرخصة الأولى التي جاءت للمسافر أو المريض، كانت الرخصة الأولى بخصوص مشقة الصوم على المسافر أو المريض، أما الرخصة الجديدة فهي عامة لكل مسلم وهي تعميق لمفهوم الحكم. وقد ترك الحق هذا الترخيص مؤجلاً بعض الشيء لكي يدرك كل مسلم مدى التخفيف، لأنه قد سبق له أن تعرض إلى زلة المخالفة، ورفعها الله عنه، وانظر للآية القرآنية وهي تقول: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 187]. كلمة "تختانون أنفسكم" هذه تعلمنا أن الإنسان لم يقو على الصوم كل الوقت عن شهوة الفرج، فعندما تركك تختان نفسك، ثم أنزل لك الترخيص، هنا تشعر بفضل الله عليك. إذن فبعض الرخص التي يرخص الله لعباده في التكاليف: رخصة تأتي مع التشريع، ورخصة تخفيفية تأتي بعد أن يجيء التشريع، لينبه الحق أنه لو لم يفعل ذلك لتعرضتم للخيانة والحرج {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 187] وانظر الشجاعة في أن عمر رضي الله عنه، يذهب إلى النبي ويقول له: أنا يا رسول الله ذهبت كما يذهب الشاب، والذي جاع أيضاً يقول للرسول عليه الصلاة والسلام: إنه جاع، وجاء التشريع ليناسب كل المواقف، فنمسك نهاراً عن شهوتي البطن والفرج، وليلاً أحل الله لنا شهوتي البطن والفرج، وهذا التخفيف إنما جاء بعد وقوع الاختيان ليدلنا على رحمة الله في أنه قدر ظرف الإنسان، {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} [البقرة: 187]، و"الرفث" هو الاستمتاع بالمرأة، سواء كان مقدمات أو جماعاً .. {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187]. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا عملية التحام الرجل والمرأة بكلمة الله، و"اللباس" هو الذي يوضع على الجسم للستر، فكأن المرأة لباس للرجل والرجل لباس للمرأة واللباس أول مدلولاته ستر العورة. فكأن الرجل لباس للمرأة أي ستر عورتها، والمرأة تستر عورته، فكأنها عملية تبادلية، فهذا يحدث في الواقع فهما يلتفان في ثوب واحد، ولذلك يقول: "باشروهن" أي هات البشرة على البشرة. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يعلمنا أن المرأة لباس ساتر للرجل، والرجل لباس ساتر للمرأة، ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يظل هذا اللباس ستراً بحيث لا يفضح شيئاً من الزوجين عند الآخرين. ولذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام يحذرنا أن يحدث بين الرجل وأهله شيء بالليل وبعد ذلك تقول به المرأة نهاراً، أو يقول به الرجل، فهذا الشيء محكوم بقضية الستر المتبادل. {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187]. وما دام هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، فيكون من رحمة التشريع بالإنسان وقد ضَمَّ الرجل والمرأة لباس واحد وبعد ذلك نطلب منهما أن يمتنعا عن التواصل. إذن فقوله: "تختانون أنفسكم" كان مسألة حتمية طبيعية، ولذلك قال الحق بعدها: "فتاب عليكم" ومعنى "تاب عليكم" هو إخبار من الله بأنه تاب، وحين يخبر الله بأنه تاب، أي شرع لهم التوبة، والتوبة كما نعرف تأتي على ثلاث مراحل: يشرع الله التوبة أولاً، ثم تتوب أنت ثانياً، ثم يقبل الله التوبة ثالثاً، "وعفا عنكم" لأنه ما دام قد جعل هذه العملية لحكمة إبراز سمو التشريع في التخفيف، فيكون القصد أن تقع هنا وأن يكون العفو منه - سبحانه -. ويقول الحق: {فَٱلآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} [البقرة: 187] فلم يشأ أن يترك المباشرة على عنانها فقال: أنت في المباشرة لابد أن تتذكر ما كتبه الله، وما كتبه الله هو الإعفاف بهذا اللقاء والإنجاب، فالمرأة تقصد إعفاف الرجل حتى لا تمتد عينه إلى امرأة أخرى، وهو يقصد أيضاً بهذه العملية أن يعفها حتى لا تنظر إلى غيره، والله يريد الإعفاف في تلك المسألة لينشأ الطفل في هذا اللقاء على أرض صلبة من الطهر والنقاء. وحتى لا يتشكك الرجل في بضع منه هم أبناؤه، والحق سبحانه يريد طهارة الإنسان، فكل نسل يجب أن يكون محسوباً على من استمتع، وبعد الاستمتاع، عليه أن يتحمل كل أمر بحقه. {فَٱلآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} [البقرة: 187] أي ما كتب الله من أن الزواج للإعفاف والإنجاب. وفي ذلك طهارة لكل أفراد المجتمع. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ". تفسير : ويتابع الحق: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} [البقرة: 187] أي إلى أن يتضح لكم الفجر الصادق. وكان هناك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أذانان للفجر، كان بلال يؤذن بليل، أي ومازال الليل موجوداً، وكان ابن أم مكتوم يؤذن في اللحظة الأولى من الفجر، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فإن سمعتم أذان ابن أم مكتوم فأمسكوا".تفسير : لكن أحد الصحابة وهو عدي بن حاتم قال: أنا جعلت بجواري خيطاً أبيض وخيطاً أسود، وأظل آكل حتى أتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. فقال له: إنك لعريض القفا (أي قليل الفطنة) فالمراد هنا بياض النهار وسواد الليل. ويتابع الحق: {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]. لقد كانوا يفهمون أن المباشرة في الليل حسب ما شرع الله لا تفسد الصوم. ولكن كان لابد من وضع آداب للسلوك داخل المسجد أو لآداب سنة الاعتكاف التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان لهذا أوضح الحق أن حلال المباشرة بين الرجل وزوجته هو لغير المعتكف وفي غير ليل رمضان. أما المعتكف في المسجد فذلك الأمر لا يحل له، ومعنى الاعتكاف هو أن تحصر حركتك في زمن ما على وجودك في مكان ما، ولذلك يقولون: "فلان معتكف هذه الأيام" أي حبس حركته في زمن ما في مكان ما، وليس معنى ذلك أن الاعتكاف مقصور على العشر الأواخر من رمضان فقط، ولكن للمسلم أن يعتكف في بيت الله في أي وقت. واختلف العلماء في الاعتكاف، بعضهم اشترط أن يكون المرء صائماً حين يعتكف، واشترطوا أيضا أن يكون الاعتكاف لمدة معينة، وأن يكون بالمسجد، وقالوا: إن أردت الاعتكاف، فاحصر حركتك في مكان هو بيت الله. وكثير من العلماء يقولون: إنك إذا دخلت المسجد تأخذ ثواب الاعتكاف ما دمت قد نويت سنة الاعتكاف؛ بشرط ألا تتكلم في أي أمر من أمور الدنيا؛ لأنك جئت من حركتك المطلقة في الأرض إلى بيت الله في تلك اللحظة، فاجعل لحظاتك لله. ولذلكحديث : حينما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً ينشد ضالَّته في المسجد - أي شيئاً قد ضاع منه - فقال له: "لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا" ". تفسير : لماذا؟ لأن المسجد مكان للعبادة، ولذلك أقول لمن يحدثني في المسجد بأي شيء يتعلق بحركة الحياة: "أبشر بأنها لن تنفع"؛ لأنك دخلت المسجد للعبادة فقط، إن لحظة دخولك المسجد هي لحظة جئت فيها لتقترب من ربك وتناجيه، وتعيش في حضن عنايته، فلماذا تأتي بالدنيا معك؟ وليكن لنا في أحد الصحابة قدوة حسنة؛ كان يقول: كنا نخلع أمر الدنيا مع نعالنا. وزاد صحابي آخر فقال له: وزد يا أخي أننا نترك أقدارنا مع نعالنا. انظر إلى الدقة، إن الصحابي المتبع لا يخلع الدنيا مع نعله فقط على باب المسجد، ولكن يخلع أيضاً قدره في الدنيا. فيمكن أن تأخذك الدنيا ساعات اليوم الكثيرة، والمسجد لن يأخذ منك إلا الوقت القليل، فضع قدرك مع نعلك خارج المسجد، وادخل بلا قدر إلا قدر إيمانك بالله. واجلس في المكان الذي تجده خالياً. فلا تتخط الرقاب لتصل إلى مكان معين في المسجد. فأنت تدخل بعبودية لله وقد يأتي مجلسك بجانب من يخدمك، والصغير يقعد بجانب الكبير، ولا تلحظ لك قدراً إلا قدرك عند الله. إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس حيث ينتهي به المجلس. أي عندما يجد مكاناً له، وهذا خلاف زماننا حيث يحجز إنسان مكاناً لإنسان آخر بالسجادة، وقد يدخل إنسان ليتخطى الرقاب، ويجلس في الصف الأول وهو لا يعلم أن الله قد صف الصفوف قبل أن يأتي هو إلى المسجد. وما دمنا سنترك أقدارنا فلا تقل أين سأجلس وبجوار مَنْ؟ بل اجلس حيث ينتهي بك المجلس ولا تتخط الرقاب. وانو الاعتكاف ولا تتكلم في أي أمر من أمور الدنيا حتى لا تدخل في دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بألا يبارك الله لك في الضالة التي تنشدها وتطلبها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فهل معنى ذلك أن الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد؟ لا؛ إن الاعتكاف يصح في أي مكان، ولكن الاعتكاف بالمسجد هو الاعتكاف الكامل؛ لأنك تأخذ فيه بالزمان والمكان معاً. {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] ومعنى "الحد" هو الفاصل المانع من اختلاط شيء بشيء، وحدود الله هي محارمه. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : .. ومَنْ وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا إن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه ". تفسير : إذن فالمحارم هي التي يضع الله لها حداً فلا نتعداه. ولنا أن نلحظ أنه ساعة ينهى الله عن شيء فهو يقول: "فلا تقربوها" وساعة يأمر بأمر يقول سبحانه: فلا تعتدوها". وفي ذلك رحمة من الله بك أيّها المكلف. فلا تجعل امرأتك تأتيك وأنت في معتكفك، فقد تكون جميلة، صحيح أنك لا تنوى أن تفعل أي شيء، لكن عليك ألا تقرب أسباب النواهي، ومثال ذلك تحريم الخمر لقد أمر الحق باجتنابها أي ألا تقرب حتى مكان الخمر؛ لأن الاقتراب قد يُزين لك أمر احتسائها، إذن فلكي تمنع نفسك من تلك المحرمات فعليك ألا تقرب النواهي. وفي الأوامر عليك ألا تتعداها. ويذيل الحق الآية بقوله: {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187]. والآيات هي العجائب، وكل آية هي شيء عجيب لافت، لذلك نقول: هذه آية في الحسن، وتلك آية في الجمال، وقد تُطلق الآية أيضاً على السمة؛ لأن السمة أو العلامة هي التي تلفتنا إلى الشيء، فيكون ما جاء بالآية داخلاً في معنى قوله الحق: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187]. ولقد أوضحت هذه الآية والآيات السابقة عليها، تشريعات الصيام والاستثناء من التشريع. رفعاً للحظر ودفعاً للمشقة بعد أن تقع، وكل ذلك ليستوفي التشريع كل مطلوبات الله من المُشَرَّع له. وحين يأخذ كل إنسان ذلك البيان الوافي من ربه ويسيطر به على حركة حياته في ضوء منهج الله يكون قد اتقى. والتقوى - كما نعلم - ليست للنار فقط، ولكنها اتقاء لكل مشاكل الحياة؛ فالذي يجعل الحياة مليئة بالمشاكل هو أننا نأخذ بالقوانين التي نسنها لأنفسنا ونعمل بها، ولكن إذا أخذنا تقنين الله لنا فمعنى ذلك أننا نتقي المشاكل. ولذلك يقول الحق: {أية : وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ..}تفسير : [طه: 124]. أي أن حياته تمتلئ بالهموم والمشاكل، لأنه يخالف منهج الله. وإذا لم تنشأ المشاكل مع المخالفات لقال الناس: خالفنا منهج الله وفلحنا، لذلك كان لابد أن توجد المشاكل لتنبهنا أن منهج الله يجب أن يسيطر. وحين يتمسك الناس بمنهج الله، لن تأتي لهم المشاكل بإذن الله. وانظر إلى دقة الأداء القرآني في ترتيب الأحكام بعضها على بعض، فالإنسان المخلوق لله في الأرض المسخرة له بكل ما فيها، له حياة يجب أن يحافظ عليها. وتبقى الحياة ببقاء الرزق في الاقتيات من مأكل ومشرب، وكذلك يبقى النوع الإنساني بالتزاوج .. وتكلم الله في رزق الاقتيات، فجعله للناس جميعاً عندما قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً ..}تفسير : [البقرة: 168]. وتكلم سبحانه مخاطباً المؤمنين في شأن هذا الرزق، فقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ..}تفسير : [البقرة: 172]. وبعد ذلك شاء الله أن يديم على المؤمنين به قضية التكليف فحرَّم عليهم الطعام والشراب والنكاح في أيام رمضان، وهي حلال في غير رمضان، وأحلها الله في ليل رمضان. وإذا كان قد أرشد أن كل حركة في الحياة هدفها بقاء الحياة، وإذا كان بناء الحياة يتوقف على الطعام؛ وهو أمر ضروري لكل إنسان، وإذا كانت الحياة تمتد وتتوالى باستبقاء النوع، فيبلغ الرجل وينضج ويصير أهلاً للإخصاب، وتبلغ المرأة وتنضج وتصير أهلاً للحمل، فإذا كانت كل المسائل السابقة لازمة للجميع، فلابد من تشريع ينظم كل ذلك. إن التشريع يسمح لك أن تأكل مما تملك، أو تأكل مما لا مالك له، كنبات الأرض غير المملوكة لأحد، إلا أنك قبل أن تأكل لابد أن تنظر في الطعام لتعرف هل هو مما أحل الله أم لا؟ والتشريع لا يسمح لك أن تأكل من نبات الأرض المملوك لغيرك، ويحرم عليك أن تصطاد حيوانات مملوكة لغيرك، فالتشريع يحترم الجهد الذي تحرك به مالك الأرض ليزرع النبات أو ليُربَى الحيوان، فلا تقل: إن ذلك النبات في الأرض وأنا آكل منه، أو أن ذلك حيوان موجود أمامي وأنا اصطدته. إن الحق يضع التشريع لينظم الحركة في المال المملوك للغير بعد أن نظم الحركة في المال غير المملوك والطعام غير المملوك، فإذا سبقك إلى المال غير المملوك أو الطعام غير المملوك إنسان، أو تحرك إنسان بحركة في الوجود فاستنبط مالاً صارت هناك قضية أخرى لا تتعلق بذات المأكول، ولكن بملكية المأكول، فقد بيّن الله سبحانه: أن كل عمليات اقتياتك في الحياة عملية لا يمكن أن تستقل بها أنت، فلابد من اختلاط حركة الآخرين معك، فأنت لا تأكل إلا مما يكون في أيديهم، وهم لا يأكلون إلا مما يكون في يدك. فالفلاح مثلاً يبذر البذر، ولكنّه يحتاج إلى الصانع الذي يصنع له الفأس، ويصنع له المحراث، ويصنع له الساقية، والذي يصنع ذلك يحتاج إلى من يعلمه، ويحضر له المواد الخام، إذن فلو سلسلت الأشياء التي توصلك إلى الطعام لوجدت حركات الكون كلها تخدم هذه المسألة. وهكذا نجد أن الآكل من المال المتداول أمر شائع بين البشر، ويريد الله أن يضبطه بنظام فقال سبحانه: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} قَالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: الرَّفَثُ: الجماعُ، والرَّفَثُ: التَعْرِيضُ بِذِكرِ الجماعِ وَهو الإِعْرَابُ. ومثلُ قَولهِ تعالى: {أية : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ} تفسير : [البقرة: 197] والفُسُوقُ: المَعاصي. والجِدَالُ: المِراءُ: أَنْ تُماري صَاحِبَكَ حتَّى تَغِيظَهُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ} ويقالُ لامْرأةِ الرَّجلِ: هي لِباسٌ، وفِراشٌ وإِزارهُ، [وأمُ] أَولادِهِ، ومَحلُ إِزَارِهِ. تفسير : وقولهُ تعالى: {ٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} معناه اطْلِبُوا الوَلَدَ. وقالَ: بَعْضُهُمْ: لَيْلَةُ القَدْرِ. ويقالُ: الرّخصةُ التي كَتَبَ الله لَكُمْ. تفسير : وقولهُ تعالى: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: فالخَيْطُ: اللّونُ. والأَبيضُ مِنهُ. والأَسوَدُ مِنْهُ: هو سَوادُ اللّيلِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : كان في أول فرض الصيام، يحرم على المسلمين في الليل بعد النوم الأكل والشرب والجماع، فحصلت المشقة لبعضهم، فخفف الله تعالى عنهم ذلك، وأباح في ليالي الصيام كلها الأكل والشرب والجماع، سواء نام أو لم ينم، لكونهم يختانون أنفسهم بترك بعض ما أمروا به. { فتاب } الله { عليكم } بأن وسع لكم أمرا كان - لولا توسعته - موجبا للإثم { وعفا عنكم } ما سلف من التخون. { فالآن } بعد هذه الرخصة والسعة من الله { باشروهن } وطأ وقبلة ولمسا وغير ذلك. { وابتغوا ما كتب الله لكم } أي: انووا في مباشرتكم لزوجاتكم التقرب إلى الله تعالى والمقصود الأعظم من الوطء، وهو حصول الذرية وإعفاف فرجه وفرج زوجته، وحصول مقاصد النكاح. ومما كتب الله لكم ليلة القدر، الموافقة لليالي صيام رمضان، فلا ينبغي لكم أن تشتغلوا بهذه اللذة عنها وتضيعوها، فاللذة مدركة، وليلة القدر إذا فاتت لم تدرك. { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } هذا غاية للأكل والشرب والجماع، وفيه أنه إذا أكل ونحوه شاكا في طلوع الفجر فلا بأس عليه. وفيه: دليل على استحباب السحور للأمر، وأنه يستحب تأخيره أخذا من معنى رخصة الله وتسهيله على العباد. وفيه أيضا دليل على أنه يجوز أن يدركه الفجر وهو جنب من الجماع قبل أن يغتسل، ويصح صيامه، لأن لازم إباحة الجماع إلى طلوع الفجر، أن يدركه الفجر وهو جنب، ولازم الحق حق. { ثم } إذا طلع الفجر { أتموا الصيام } أي: الإمساك عن المفطرات { إلى الليل } وهو غروب الشمس ولما كان إباحة الوطء في ليالي الصيام ليست إباحته عامة لكل أحد، فإن المعتكف لا يحل له ذلك، استثناه بقوله: { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } أي: وأنتم متصفون بذلك، ودلت الآية على مشروعية الاعتكاف، وهو لزوم المسجد لطاعة الله [تعالى]، وانقطاعا إليه، وأن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد. ويستفاد من تعريف المساجد، أنها المساجد المعروفة عندهم، وهي التي تقام فيها الصلوات الخمس. وفيه أن الوطء من مفسدات الاعتكاف. { تلك } المذكورات - وهو تحريم الأكل والشرب والجماع ونحوه من المفطرات في الصيام، وتحريم الفطر على غير المعذور، وتحريم الوطء على المعتكف، ونحو ذلك من المحرمات { حدود الله } التي حدها لعباده، ونهاهم عنها، فقال: { فلا تقربوها } أبلغ من قوله: "فلا تفعلوها "لأن القربان، يشمل النهي عن فعل المحرم بنفسه، والنهي عن وسائله الموصلة إليه. والعبد مأمور بترك المحرمات، والبعد منها غاية ما يمكنه، وترك كل سبب يدعو إليها، وأما الأوامر فيقول الله فيها: {أية : تلك حدود الله فلا تعتدوها } تفسير : فينهى عن مجاوزتها. { كذلك } أي: بيَّن [الله] لعباده الأحكام السابقة أتم تبيين، وأوضحها لهم أكمل إيضاح. { يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } فإنهم إذا بان لهم الحق اتبعوه، وإذا تبين لهم الباطل اجتنبوه، فإن الإنسان قد يفعل المحرم على وجه الجهل بأنه محرم، ولو علم تحريمه لم يفعله، فإذا بين الله للناس آياته، لم يبق لهم عذر ولا حجة، فكان ذلك سببا للتقوى.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 64 : 100 - قال سفين، كانوا إذا ناموا لم يأكلوا ولم يقربوا النساء، فنزلت في عمر رضي الله عنه {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} تظلمون أنفسكم. [الآية 187]. 65 : 43 - سفين عن رجل عن مجاهد في قوله جل وعز {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} قال، الولد. [الآية 187]. 66 : 97 - سفين في قول الله جل وعز {وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ} قال، فان خرجت فلا تباشرْ. [الآية 187].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ} [187] 41- قال: أنا علي بن حُجر، أنا جرير، عن مُطَرف، عن الشَّعبي، عن عدي بن حاتم أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخيط الأبيض من الخيط الأسود، هذا هو سواد الليل وبياض النهار ". تفسير : 42- أنا أبو بكر بن إسحاق، نا سعيد بن أبي مريم، أنا أبو غسان، حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: نزلت هذه الآية {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} ولم ينزل {مِنَ ٱلْفَجْرِ} فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض، والخيط الأسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك{مِنَ ٱلْفَجْرِ} فعلموا أنما يعني بذلك الليل والنهار. 43- أنا هلال بن العلاء، نا حسين بن عيَّاش، نا زهير، نا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب، أن أحدهم كان إذا نام قبل أن يتعشى، لم يحل له أن يأكل شيئا ولا يشرب ليلته ويومه من الغد حتى تغرب الشمس، حتى نزلت هذه الآية {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} إلى {;لْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} وأنزلت في أبي قيس بن عمرو، أتى أهله وهو صائم بعد المغرب، فقال: هل من شيء، فقالت امرأته: ما عندنا شيء، ولكن أَخرُج أَلْتمس لك عشاء، فخرجت، ووضع رأسه فنام، فرجعت إليه فوجدته نائما، وأيقظته فلم يطعم شيئا، وبات صائما وأصبح صائما حتى انتصف النهار، فغُشي عليه، وذلك قبل أن تنزل الآية، فأنزل الله فيه.

همام الصنعاني

تفسير : 185- عبد الرزاق، قال: حدَّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ}: [الآية: 187]، قال: كان الناسُ قبل هذه الآية إذا رقَدَ أحدُهم مِنَ اللَّيْلِ رَقْدةً، لم يِحِلّ له طعام ولا شراب، ولا أَنْ يأتي امرأته إلى الليلة المقبلة، فوَقَعَ بذلك بعض المسلمين، فمنهم من أكَل بعد هجعة وشربَ ومنهم من وقع على أهْلِه، فرخَّص الله تعالى لهم. 186- عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة: {ٱلرَّفَثُ}: [الآية: 187]، غشيان النّساء. 187- عبد الرزاق قال: حدثنا معمر، وأخبرني إسماعيل بن شروس، عن عِكرْرِمة مولى ابن عباس: أنَّ رجُلاً قد سمَّاه لي فنسيته من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصارِ، جاء ليلة وهو صائم، فقالت له امرأته: لا تنم حتى أصنع لك طعاماً، فنام، فجاءَتْ فقَالتْ: نمت والله، قال: لا والله ما نمت! قالت: بَلى والله، فلم يأكل تلك اللَّيْلة شيئاً، وأصْبَحَ صائماً يغشى عليه، فأنْزِلَت الرّخصة فيه. 188- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عمن سمع الحسن في قوله تعالى: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ}: [الآية: 187]. قال: هو الولد. 189- عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ}: [الآية: 187]، الرخصة التي كتبت لكم. 190- عبد الرزاق، قال: حدثنا عُيَيْنة، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح قال: قلت لابن عبَّاس: كيف تقرأ هذه الآية: {وَٱبْتَغُواْ}: [الآية: 187]، أو (اتبعوا)؟ قال: أيهما شئت! عليك بالقراءة الأولى. 191- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوْله تعالى: {وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ}: [الآية: 187]، قال: كان الناس إذا اعتكفوا خرج الرجل فيباشر أهْله، ثم يرجع إلى المسجد، فنهاهم الله تعالى عن ذَلِكَ.