٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
188
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكـم الثامن من الأحكام المذكورة في هذه السورة: حكم الأموال اعلم أنهم مثلوا قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُم } بقوله: {أية : وتلمزوا أَنفُسَكُـمْ } تفسير : [الحجرات: 11] وهذا مخالف لها، لأن أكله لمال نفسه بالباطل يصح كما يصح أكله مال غيره، قال الشيخ أبو حامد الغزالي في كتاب الإحياء: المال إنما يحرم لمعنى في عينه أو لحال في جهة اكتسابه. والقسم الأول: الحرام لصفة في عينه. واعلم أن الأموال إما أن تكون من المعادن أو من النبات، أو من الحيوانات، أما المعادن وهي أجزاء الأرض فلا يحرم شيء منه إلا من حيث يضر بالأكل، وهو ما يجري مجرى السم، وأما النبات فلا يحرم منه إلا ما يزيل الحياة والصحة أو العقل، فمزيل الحياة السموم، ومزيل الصحة الأدوية في غير وقتها، ومزيل العقل الخمر والبنج وسائر المسكرات. وأما الحيوانات فتنقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل، وما يحل إنما يحل إذا ذبح ذبحاً شرعياً ثم إذا ذبحت فلا تحل بجميع أجزائها بل يحرم منها الفرث والدم، وكل ذلك مذكور في كتب الفقه. القسم الثاني: ما يحرم لخلل من جهة إثبات اليد عليه، فنقول: أخذ المال إما أن يكون باختيار المتملك، أو بغير اختياره كالإرث، والذي باختياره إما أن يكون مأخوذاً من المالك كأخذ المعادن، وإما أن يكون مأخوذاً من مالك، وذلك إما أن يؤخذ قهراً أو بالتراضي، والمأخوذ قهراً إما أن لسقوط عصمة الملك كالغنائم أو لاستحقاق الأخذ كزكوات الممتنعين والنفقات الواجبة عليهم، والمأخوذ تراضياً إما أن يؤخذ بعوض كالبيع والصداق والأجرة، وإما أن يؤخذ بغير عوض كالهبة والوصية فيحصل من هذا التقسيم أقسام ستة الأول: ما يؤخذ من غير مالك كنيل المعادن، وإحياء الموت، والاصطياد، والاحتطاب، والاستقاء من الأنهار، والاحتشاش، فهذا حلال بشرط أن لا يكون المأخوذ مختصاً بذي حرمة من الآدميين الثاني: المأخوذ قهراً ممن لا حرمة له، وهو الفيء، والغنيمة، وسائر أموال الكفار المحاربين، وذلك حلال للمسلمين إذا أخرجوا منه الخمس، وقسموه بين المستحقين بالعدل، ولم يأخذوه من كافر له حرمة وأمان وعهد والثالث: ما يؤخذ قهراً باسحقاق عند امتناع من عليه فيؤخذ دون رضاه، وذلك حلال إذا تم سبب الاستحقاق، وتم وصف المستحق واقتصر على القدر المستحق الرابع: ما يؤخذ تراضياً بمعاوضة وذلك حلال إذا روعي شرط العوضين وشرط العاقدين وشرط اللفظين؛ أعني الإيجاب والقبول مما يعتد الشرع به من اجتناب الشرط المفسد الخامس: ما يؤخذ بالرضا من غير عوض كما في الهبة والوصية والصدقة إذا روعي شرط المعقود عليه، وشرط العاقدين، وشرط العقد، ولم يؤد إلى ضرر بوارث أو غيره السادس: ما يحصل بغير اختياره كالميراث، وهو حلال إذا كان الموروث قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس على وجه حلال، ثم كان ذلك بعد قضاء الدين، وتنفيذ الوصايا، وتعديل القسمة بين الورثة، وإخراج الزكاة والحج والكفارة إن كانت واجبة، فهذا مجامع مداخل الحلال، وكتب الفقه مشتملة على تفاصيلها فكل ما كان كذلك كان مالاً حلالاً، وكل ما كان بخلافه كان حراماً، إذا عرفت هذا فنقول: المال إما أن يكون لغيره أو له، فإن كان لغيره كانت حرمته لأجل الوجوه الستة المذكورة، وإن كان له فأكله بالحرام أن يصرف إلى شرب الخمر والزنا واللواط والقمار أو إلى السرف المحرم، وكل هذه الأقسام داخلة تحت قوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُم بِٱلْبَاطِلِ } واعلم أن سبحانه كرر هذا النهي في مواضع من كتابه فقال: {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً } تفسير : [النساء: 29] وقال: {أية : ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً } تفسير : [النساء: 10] وقال: {أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرّبَوٰاْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } تفسير : [البقرة: 278] ثم قال: {أية : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } تفسير : [البقرة: 279] ثم قال: {أية : وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رؤس أَمْوٰلَكُمْ } تفسير : [البقرة: 279] ثم قال: {أية : وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [البقرة: 275] جعل آكل الربا في أول الأمر مؤذناً بمحاربة الله، وفي آخره متعرضاً للنار. المسألة الثانية: قوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ } ليس المراد منه الأكل خاصة، لأن غير الأكل من التصرفات كالأكل في هذا الباب لكنه لما كان المقصود الأعظم من المال إنما هو الأكل وقع التعارف فيمن ينفق ماله أن يقال أنه أكله فلهذا السبب عبر الله تعالى عنه بالأكل. المسألة الثالثة: {ٱلْبَـٰطِلِ } في اللغة الزائل الذاهب، يقال: بطل الشيء بطولاً فهو باطل، وجمع الباطل بواطل، وأباطيل جمع أبطولة، ويقال: بطل الأجير يبطل بطالة إذا تعطل واتبع اللهو. أما قوله تعالى: {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الإدلاء مأخوذ من إدلاء الدلو، وهو إرسالك إياها في البئر للإستقاء يقال. أدليت دلوي أدليها إدلاء فإذا استخرجتها قلت دلوتها قال تعالى: {أية : فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ } تفسير : [يوسف: 19]، ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل أدلاء، ومنه يقال للمحتج: أدلى بحجته، كأنه يرسلها ليصير إلى مراده كإدلاء المستقي الولد ليصل إلى مطلوبه من الماء، وفلان يدلى إلى الميت بقرابة أو رحم، إذا كان منتسباً إليه فيطلب الميراث بتلك النسبة، طلب المستحق بالدلو الماء، إذا عرفت هذا فنقول: أنه داخل في حكم النهي، والتقدير: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، ولا تدلوا إلى الحكام، أي لا ترشوها إليهم لتأكلوا طائفة من أموال الناس بالباطل، وفي تشبيه الرشوة بالإدلاء وجهان أحدهما: أن الرشوة رشاء الحاجة، فكما أن الدلو المملوء من الماء يصل من البعيد إلى القريب بواسطة الرشاء فالمقصود البعيد يصير قريباً بسبب الرشوة والثاني: أن الحاكم بسبب أخذ الرشوة يمضي في ذلك الحكم من غير تثبت كمضي الدلو في الإرسال، ثم المفسرون ذكروا وجوهاً أحدها: قال ابن عباس والحسن وقتادة: المراد منه الودائع وما لا يقوم عليه بينة وثانيها: أن المراد هو مال اليتيم في الأوصياء يدفعون بعضه إلى الحاكم ليبقى عليهم بعضه وثالثها: أن المراد من الحاكم شهادة الزور، وهو قول الكلبـي ورابعها: قال الحسن: المراد هو أن يحلف ليذهب حقه وخامسها: هو أن يدفع إلى الحاكم رشوة، وهو أقرب إلى الظاهر، ولا يبعد أيضاً حمل اللفظ على الكل، لأنها بأسره أكل بالباطل. أما قوله تعالى: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } فالمعنى وأنتم تعلمون أنكم مبطلون، ولا شك أن الإقدام على القبيح مع العلم بقبحه أقبح، وصاحبه بالتوبيخ أحق، روي عن أبـي هريرة رضي الله عنه أنه قال، اختصم رجلان إلى النبـي صلى الله عليه وسلم: عالم بالخصومة وجاهل بها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للعالم، فقال من قضى عليه: يا رسول الله والذي لا إله إلا هو إني محق فقال: إن شئت أعاوده، فعاوده فقضى للعالم، فقال المقضى عليه مثل ما قال أولاً ثم عاوده ثالثاً، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من اقتطع حق امرىء مسلم بخصومته فإنما اقتطع قطعة من النار» تفسير : فقال العالم المقضي له: يا رسول الله إن الحق حقه، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من اقتطع بخصومته وجد له حق غيره فليتبوأ مقعده من النار».
القرطبي
تفسير : فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ} قيل: إنه نزل في عبدان بن أَشْوَع الحضرمي، ٱدّعى مالاً على ٱمرىء القيس الكندي وٱختصما إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فأنكر ٱمرؤ القيس وأراد أن يحلف فنزلت هذه الآية؛ فكفّ عن اليمين وحكّم عبدان في أرضه ولم يخاصمه. الثانية: الخطاب بهذه الآية يتضمّن جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق. فيدخل في هذا: القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق، ومالا تطيب به نفس مالكه، أو حرّمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه؛ كمهر البَغِيّ وحُلْوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك. ولا يدخل فيه الغَبْن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما باع لأن الغبن كأنه هبة، على ما يأتي بيانه في سورة «النساء». وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهيّ لما كان كل واحد منهما منهيًّا ومنهيًّا عنه؛ كما قال: {أية : تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [البقرة: 85]. وقال قوم: المراد بالآية {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} أي في الملاهي والقِيان والشرب والبطالة؛ فيجيء على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين. الثالثة: من أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشرع فقد أكله بالباطل، ومِن الأكل بالباطل أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل؛ فالحرام لا يصير حلالاً بقضاء القاضي؛ لأنه إنما يقضي بالظاهر. وهذا إجماع في الأموال، وإن كان عند أبي حنيفة قضاؤه ينفذ في الفروج باطناً، وإذا كان قضاء القاضي لا يغيّر حكم الباطن في الأموال فهو في الفروج أوْلى. ورَوى الأئمة عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنكم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم أن يكون أَلْحَنَ بحجّته من بعض فأقضي له على نحوٍ مما أسمع فمن قطعتُ له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار ـ في رواية ـ فلْيَحْمِلْها أو يَذَرْهَا»تفسير : . وعلى القول بهذا الحديث جمهور العلماء وأئمة الفقهاء. وهو نصٌّ في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يُغيّر حكم الباطن، وسواء كان ذلك في الأموال والدّماء والفروج؛ إلا ما حُكي عن أبي حنيفة في الفروج، وزعم أنه لو شهد شاهدَا زورٍ على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما لعدالتهما عنده فإن فرجها يحلّ لمتزوجها ـ ممن يعلم أن القضية باطل ـ بعد العدّة. وكذلك لو تزوّجها أحد الشاهدين جاز عنده؛ لأنه لما حلّت للأزواج في الظاهر كان الشاهد وغيره سواء؛ لأن قضاء القاضي قطع عصمتها، وأحدث في ذلك التحليل والتحريم في الظاهر والباطن جميعاً، ولولا ذلك ما حلّت للأزواج. وٱحتج بحكم اللِّعان وقال: معلوم أن الزوجة إنما وصلت إلى فراق زوجها باللّعان الكاذب، الذي لو علم الحاكم كذِبها فيه لحدّها وما فرّق بينهما؛ فلم يدخل هذا في عموم قوله عليه السلام: «حديث : فمن قضيتُ له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه»تفسير : الحديث. الرابعة: وهذه الآية متمسّك كل مؤالف ومخالف في كل حكم يدعونه لأنفسهم بأنه لا يجوز؛ فيستدلّ عليه بقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ}. فجوابه أن يقال له: لا نسلّم أنه باطل حتى تبيّنه بالدليل، وحينئذ يدخل في هذا العموم؛ فهي دليل على أن الباطل في المعاملات لا يجوز، وليس فيها تعيين الباطل. الخامسة: قوله تعالى: {بِٱلْبَاطِلِ} الباطل في اللغة: الذاهب الزائل؛ يقال: بَطَل يَبْطُل بُطولا وبُطْلانا، وجمع الباطل بواطل. والأباطيل جمع البطولة. وتَبَطّل أي ٱتبع اللهو. وأبطل فلان إذا جاء بالباطل. وقوله تعالى: {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ} تفسير : [فصلت:42] قال قتادة: هو إبليس، لا يزيد في القرآن ولا ينقص. وقوله: {أية : وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ}تفسير : [الشورى: 24] يعني الشرك. والبطلة: السَّحَرة. السادسة: قوله تعالى: {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ} الآية. قيل: يعني الوديعة وما لا تقوم فيه بيّنة؛ عن ٱبن عباس والحسن. وقيل: هو مال اليتيم الذي في أيدي الأوصياء، يرفعه إلى الحكام إذا طولب به ليقتطع بعضه وتقوم له في الظاهر حجة. وقال الزجاج: تعملون ما يوجبه ظاهر الأحكام وتتركون ما علمتم أنه الحق. يقال: أدْلَى الرجل بحجّته أو بالأمر الذي يرجو النجاح به؛ تشبيهاً بالذي يرسل الدَّلو في البئر؛ يقال: أدْلى دَلْوَه: أرسلها. ودَلاَها: أخرجها. وجمع الدَّلو والدِّلاء: أَدْلٍ ودِلاءٌ ودُليٌّ. والمعنى في الآية: لا تجمعوا بين أكل المال بالباطل وبين الإدلاء إلى الحكام بالحجج الباطلة؛ وهو كقوله: {أية : وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ}تفسير : [البقرة: 42]. وهو من قبيل قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. وقيل: المعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكامَ وتَرْشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها؛ فالباء إلزاق مجرّد. قال ٱبن عطية: وهذا القول يترجّح؛ لأن الحكَام مِظنَّة الرّشاء إلا من عصم وهو الأقل. وأيضاً فإن اللفظين متناسبان: تدلوا من إرسال الدّلو، والرشوة من الرّشاء؛ كأنه يمدّ بها ليقضي الحاجة. قلت: ويقوّى هذا قوله: {وَتُدْلُواْ بِهَا} تدلوا في موضع جزم عطفاً على تأكلوا كما ذكرنا. وفي مصحف أُبَيّ «ولا تدلوا» بتكرار حرف النهي، وهذه القراءة تؤيّد جزم «تُدْلُوا» في قراءة الجماعة. وقيل: «تدلوا» في موضع نصب على الظرف، والذي ينصب في مثل هذا عند سيبويه «أنْ» مضمرة. والهاء في قوله «بها» ترجع إلى الأموال، وعلى القول الأوّل إلى الحجة ولم يجر لها ذكر؛ فقوى القول الثاني لذكر الأموال، والله أعلم. في الصحاح: «والرِّشوة معروفة، والرُّشوة بالضم مثله، والجمع رُشىً ورِشىً، وقد رشاه يرشوه. وٱرتشى: أخذ الرّشوة. وٱسترشى في حكمه: طلب الرشوة عليه». قلت: فالحكام اليوم عين الرّشا لا مَظِنّته، ولا حول ولا قوّة إلا بالله! السابعة: قوله تعالى: {لِتَأْكُلُواْ} نصب بلام كي. {فَرِيقاً} أي قطعة وجزءا، فعبَّر عن الفريق بالقطعة والبعض. والفريق: القطعة من الغنم تشِذّ عن معظمها. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، التقدير لتأكلوا أموال فريق من الناس. {بِٱلإِثْمِ} معناه بالظلم والتعدّي؛ وسمي ذلك إثماً لما كان الإثم يتعلق بفاعله. {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي بطلان ذلك وإثمه، وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية. الثامنة: اتفق أهل السُّنة على أن من أخذ ما وقع عليه ٱسم مالٍ قلّ أو كَثُر أنه يُفَسَّق بذلك، وأنه محرّم عليه أخذه. خلافاً لبشر بن المعتمر ومن تابعه من المعتزلة حيث قالوا: إن المكلَّف لا يُفَسّق إلا بأخذ مائتي درهم ولا يُفَسَّق بدون ذلك. وخلافاً لابن الجُبّائي حيث قال: إنه يفسّق بأخذ عشرة دراهم ولا يفسّق بدونها. وخلافاً لابن الهذيل حيث قال: يفسّق بأخذ خمسة دراهم. وخلافاً لبعض قدرية البصرة حيث قال: يفسّق بأخذ درهم فما فوق، ولا يفسّق بما دون ذلك. وهذا كله مردود بالقرآن والسنّة وباتفاق علماء الأمة، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» تفسير : الحديث، متفَق على صحته.
البيضاوي
تفسير : {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُم بِٱلْبَاطِلِ} أي ولا يأكل بعضكم مال بعض بالوجه الذي لم يبحه الله تعالى. وبين نصب على الظرف، أو الحال من الأموال. {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ} عطف على المنهي، أو نصب بإضمار أن والإدلاء الإلقاء، أي ولا تلقوا حكومتها إلى الحكام. {لِتَأْكُلُواْ} بالتحاكم. {فَرِيقاً} طائفة. {مّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلإثْمِ} بما يوجب إثماً، كشهادة الزور واليمين الكاذبة، أو ملتبسين بالإثم. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنكم مبطلون، فإن ارتكاب المعصية مع العلم بها أقبح. روي أن عبدان الحضرمي ادعى على امرىء القيس الكندي قطعة من أرض ولم يكن له بينة، فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحلف امرؤ القيس، فهم به فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا } تفسير : [آل عمران: 77] الآية. فارتدع عن اليمين، وسلم الأرض إلى عبدان، فنزلت. وفيه دليل على أن حكم القاضي لا ينفذ باطناً، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلي. ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقضي له قطعة من نار».
ابن كثير
تفسير : قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، ويخاصم إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم آكل الحرام، وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم، وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألا إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار، فليحملها أو ليذرها»تفسير : فدلت هذه الاية الكريمة وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حراماً هو حرام، ولا يحرم حلالاً هو حلال، وإنما هو ملزم في الظاهر، فإن طابق في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجره، وعلى المحتال وزره، ولهذا قال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُم بِٱلْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه في كلامكم، قال قتادة: اعلم يا بن آدم أن قضاء القاضي لا يحل لك حراماً، ولا يحق لك باطلاً، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود، والقاضي بشر يخطىء ويصيب، واعلموا أن من قضي له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضي به للمبطل على المحق في الدنيا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُم } أي يأكل بعضكم مال بعض {بِٱلْبَٰطِلِ } الحرام شرعاً كالسرقة والغصب {وَ} لا {تُدْلُوا} تلقوا {بِهَا } أي بحكومتها أو بالأموال رشوة {إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ } بالتحاكم {فَرِيقاً } طائفة {مّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ } متلبسين {بِٱلإثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنكم مبطلون.
الشوكاني
تفسير : هذا يعم جميع الأمة، وجميع الأموال، لا يخرج عن ذلك إلا ماورد دليل الشرع بأنه يجوز أخذه، فإنه مأخوذ بالحق لا بالباطل، ومأكول بالحل لا بالإثم، وإن كان صاحبه كارهاً كقضاء الدين إذا امتنع منه مَنْ هو عليه، وتسليم ما أوجبه الله من الزكاة ونحوها، ونفقة من أوجب الشرع نفقته. والحاصل أن ما لم يبح الشرع أخذه من مالكه، فهو مأكول بالباطل، وإن طابت به نفس مالكه: كمهر البغيّ، وحلوان الكاهن، وثمن الخمر. والباطل في اللغة: الذاهب الزائل. وقوله: {وَتُدْلُواْ } مجزوم عطفاً على تأكلوا، فهو من جملة المنهي عنه، يقال أدلى الرجل بحجته، أو بالأمر الذي يرجو النجاح به تشبيهاً بالذي يرسل الدلو في البئر، يقال أدلى دلوه: أرسلها، والمعنى أنكم لا تجمعوا بين أكل الأموال بالباطل، وبين الإدلاء بها إلى الحكام بالحجج الباطلة، وفي هذه الآية دليل أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام، ولا يحرم الحلال من غير فرق بين الأموال والفروج، فمن حكم له القاضي بشيء مستنداً في حكمه إلى شهادة زور أو يمين فجور، فلا يحلّ له أكله، فإن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، وهكذا إذا أرشى الحاكم، فحكم له بغير الحق، فإنه من أكل أموال الناس بالباطل. ولا خلاف بين أهل العلم ان حكم الحاكم لا يحلل الحرام، ولا يحرم الحلال. وقد روى عن أبي حنيفة ما يخالف ذلك، وهو مردود لكتاب الله تعالى، ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» تفسير : وهو في الصحيحين، وغيرهما. وقوله: {فَرِيقاً } أي: قطعة أو جزءاً أو طائفة، فعبر بالفريق عن ذلك، وأصل الفريق: القطة من الغنم تشذ عن معظمها. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: لتأكلوا أموال فريق من الناس بالإثم، وسمي الظلم، والعدوان إثماً باعتبار تعلقه بفاعله. وقوله: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي: حال كونكم عالمين أن ذلك باطل ليس من الحق في شيء، وهذا أشدّ لعقابهم. وأعظم لجرمهم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ } الآية، قال: هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه بينة، فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه. وروى سعيد بن منصور وعبد بن حميد، عن مجاهد قال: معناها: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم. وأخرج ابن المنذر، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير؛ أن امْرَأ القيس بن عابس، وعيدان بن أشوع الحضرمي اختصما في أرض، وأراد امرؤ القيس أن يحلف، فنزلت: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ } الآية.
الماوردي
تفسير : {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} فيه تأويلان: أحدهما: بالغصب والظلم. والثاني: بالقمار والملاهي. {وَتُدْلُواْ بِهَآ إِلَى الْحُكَّامِ} مأخوذ من إدلاء الدلو إذا أرسلته. ويحتمل وجهاً ثانياً معناه: وتقيموا الحجة بها عند الحاكم، من قولهم: قد أدلى بحجته إذا قام بها. وفي هذا المال قولان: أحدهما: أنه الودائع وما لا تقوم به بينة من سائر الأموال التي إذا جحدها، حكم بجحوده فيها. والثاني: أنها أموال اليتامى التي هو مؤتمي عليها. {لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِاْلإِثْمِ} يحتمل وجهين: أحدهما: لتأكلوا بعض أموال الناس بالإثم، فعبر عن البعض بالفريق. والثاني: على التقديم والتأخير، وتقديره: لتأكلوا أموال فريق من الناس بالإثم. وفي (أكله) ثلاثة أوجه: أحدها: بالجحود. والثاني: بشهادة الزور. والثالث: برشوة الحكام. {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: وأنتم تعلمون أنها للناس. والثاني: وأنتم تعلمون أنها إثم. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في امرئ القيس الكندي، وعبدان بن ربيعة الحضرمي، وقد اختصما في أرض كان عبدان فيها ظالماً وامرؤ القيس مظلوماً، فأراد أن يحلف، فنزلت هذه الآية، فكفّ عن اليمين.
ابن عطية
تفسير : الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض، فأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهياً عنه، وكما قال {أية : تقتلون أنفسكم} تفسير : [البقرة: 85]، ويدخل في هذه الآية القمار والخداع والغصوب وجحد الحقائق وغير ذلك، ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما يبيع لأن الغبن كأنه هبه. وقال قوم: المراد بالآية {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} أي في الملاهي والقيان والشراب والبطالة، فتجيء على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين. وقوله تعالى: {وتدلوا بها} الآية، يقال أدلى الرجل بالحجة أو بالأمر الذي يرجو النجاح به تشبيهاً بالذي يرسل الدلو في البئر يرجو بها الماء. قال قوم: معنى الآية تسارعون في الأموال إلى المخاصمة إذا علمتم أن الحجة تقوم لكم، إما بأن لا تكون على الجاحد بينة، أو يكون مال أمانة كاليتيم ونحوه مما يكون القول فيه قوله، فالباء في {بها} باء السبب، وقيل: معنى الآية ترشوا بها على أكل أكثر منها، فالباء إلزاق مجرد، وهذا القول يترجح لأن الحكام مظنة الرشا إلا من عصم وهو الأقل، وأيضاً فإن اللفظين متناسبتان، {تدلوا} من أرسل الدلو والرشوة من الرشا، كأنها يمد بها لتقضي الحاجة، و {تدلوا} في موضع جزم عطفاً على {تأكلوا}، وفي مصحف أبيّ "ولا تدلوا" بتكرار حرف النهي، وهذ القراءة تؤيد جزم {تدلوا} في قراءة الجماعة، وقيل: {تدلوا} في موضع نصب على الظرف، وهذا مذهب كوفي أن معنى الظرف هو الناصب، والذي ينصب في مثل هذا عند سيبويه "أن" مضمرة، والفريق: القطعة والجزء، و {بالإثم} معناه بالظلم والتعدي، وسمي ذلك إثماً لما كان الإثم معنى يتعلق بفاعله، و {أنتم تعلمون} أي إنكم مبطلون آثمون، وهذه مبالغة في المعصية والجرأة. وقوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة} الآية، قال ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم: نزلت على سؤال قوم من المسلمين النبي صلى الله عليه وسلم عن الهلال وما فائدة محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس؟، وجمع {الأهلّة} وهو واحد في الحقيقة من حيث كونه هلالاً في شهر غير كونه هلالاً في الآخر، فإنما جمع أحواله من الهلالية، والهلال ليلتان بلا خلاف ثم يقمر، وقيل ثلاث. وقال الأصمعي: هو هلال حتى يحجر ويستدير له كالخيط الرقيق، وقيل هو هلال حتى يبهر بضوئه السماء وذلك ليلة سبع. وقوله: {مواقيت} معناه لمحل الديون وانقضاء العدد والأكرية وما أشبه هذا من مصالح العباد، ومواقيت الحج أيضاً يعرف بها وقته وأشهره، و {مواقيت} لا ينصرف لأنه جمع لا نظير له في الآحاد، فهو جمع ونهاية إذ ليس يجمع، وقرأ ابن أبي إسحاق "والحِج" بكسر الحاء في جميع القرآن، وفي قوله "حج البيت" في آل عمران. قال سيبويه: الحج كالرد والشد، والحج كالذكر، فهما مصدران بمعنى، وقيل: الفتح مصدر والكسر الاسم. وقوله تعالى: {وليس البر} الآية، قال البراء بن عازب والزهري وقتادة: سببها أن الأنصار كانوا إذا حجوا أو اعتمروا يلتزمون تشرعاً أن لا يحول بينهم وبين السماء حائل، فكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم على الجدرات، وقيل: كانوا يجعلون في ظهور بيوتهم فتوحاً يدخلون منها ولا يدخلون من الأبواب، وقيل غير هذا مما يشبهه فاختصرته، فجاء رجل منهم فدخل من باب بيته فعيّر بذلك، فنزلت الآية فيه. وقال إبراهيم: "كان يفعل ما ذكر قوم من أهل الحجاز". وقال السدي: ناس من العرب، وهم الذين يسمون الحمس، قال:حديث : فدخل النبي صلى الله عليه وسلم باباً ومعه رجل منهم، فوقف ذلك الرجل وقال إني أحمس، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أحمس، ونزلت الآية . تفسير : وروى الربيعحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل وخلفه رجل أنصاري فدخل وخرق عادة قومه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لم دخلت وانت قد أحرمت؟، قال: دخلت أنت فدخلت بدخولك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إني أحمس، أي من قوم لا يدينون بذلك، فقال الرجل: وأنا ديني دينك، فنزلت الآية . تفسير : قال أبو عبيدة: الآية ضرب مثل، المعنى: ليس البر أن تسألوا الجهَّال ولكن اتقوا واسألوا العلماء، فهذا كما يقال أتيت هذا الأمر من بابه. وقال غير أبي عبيدة: "المعنى ليس البر أن تشذوا في الأسئلة عن الأهلّة وغيرها فتأتون الأمور على غير ما يجب". قال القاضي أبو محمد: وهذا يحتمل والأول أسدُّ، وأما ما حكاه المهدوي ومكي عن ابن الأنباري من أن الآية مثل في جماع النساء فبعيد مغير نمط الكلام، وقرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي ونافع بخلاف عنه "البِيوت" بكسر الباء، وقرأ بعض القراء "ولكنَّ البرَّ" بتشديد نون "لكنَّ" ونصب "البرَّ"، وقد تقدم القول على {من} في قوله {أية : من آمن بالله} تفسير : [البقرة: 177] {واتقوا} معناه اجعلوا بينكم وبين عقابه وقاية، و {لعلكم} ترجٍّ في حق البشر، والفلاح درك البغية. وقوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله} الآية، هي أول آية نزلت في الأمر بالقتال. قال ابن زيد والربيع: معناها قاتلوا من قاتلكم وكفوا عمن كف عنكم، ولا تعتدوا في قتال من لم يقاتلوكم، وهذه الموادعة منسوخة بآية براءة، وبقوله: {أية : قاتلوا المشركين كافة} تفسير : [التوبة: 36]. وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد: معنى الآية قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم، فهي محكمة على هذا القول، وقال قوم: المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله كالحمية وكسب الذكر.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالْبَاطِلِ} بالغصب والظلم، أو القمار والملاهي. {وَتُدْلُواْ} تصيروا، أدليت الدلو أرسلته. {أَمْوَالَكُم} أموال اليتامى، أو الأمانات والحقوق التي إذا جحدها قُبِلَ قوله فيها.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} نزلت في امرئ القيس بن عابس الكندي ادّعى عليه ربيعة بن عبدان الحضرمي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة قال لا قال فلك يمينه فانطلق ليحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن حلف على ماله ليأكله ظلماً ليلقين الله وهو عنه معرض فأنزل الله هذه الآية. والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل أي من غير الوجه الذي أباحه الله له. وأصل الباطل الشيء الذاهب. فصل أما حكم الآية فأكل المال بالباطل على وجوه: الأول: أن يأكله بطريق التعدي والنهب والغصب. الثاني: أن يأكله بطريق اللهو كالقمار وأجرة المغنى وثمن الخمر والملاهي ونحو ذلك. الثالث: أن يأكله بطريق الرشوة في الحكم وشهادة الزور. الرابع: الخيانة وذلك في الوديعة والأمانة ونحو ذلك. وإنما عبر عن أخذ المال بالأكل لأنه المقصود الأعظم، ولهذا وقع في التعارف فلان يأكل أموال الناس بمعنى يأخذها بغير حلها {وتدلوا بها إلى الحكام}أي وتلقوا أمور تلك الأموال التي فيها الحكومة إلى الحكام. قال ابن عباس هذا في الرجل يكون عليه المال وليس عليه بينة فيجحد ويخاصم إلى الحكام وهو يعلم أن الحق عليه وهو آثم بمعنى وقيل: هو أن يقيم شهادة الزورعند الحاكم وهو يعلم ذلك. وقيل معناه ولا تأكلوا المال بالباطل وتنسبوه إلى الحكام، وقيل: لا تدل بمال أخيك إلى الحاكم وأنت تعلم أنك ظالم فإن قضاءه لا يحل حراماً وكان شريح القاضي يقول إني لأقضي لك وإني لأظنك ظالماً ولكن لا يسعني إلاّ أن أقضي بما يحضرني من البينة وإن قضائي لا يحل لك حراماً (ق) عن أم سلمة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته فخرج إليهم فقال: "حديث : إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض" تفسير : وفي رواية "حديث : ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو يذرها" تفسير : قوله سمع جلبة خصم يعني أصوات خصم قوله ألحن بحجته، يقال: فلان ألحن بحجته من فلان أي أقوم بها منه وأقدر عليها، من اللحن بفتح الحاء وهو الفطنة {لتأكلوا فريقاً} أي طائفة وقطعة {من أموال الناس بالإثم} يعني بالظلم وقال ابن عباس باليمين الكاذبة وقيل بشهادة الزور {وأنتم تعلمون} يعني أنكم على الباطل.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ...}. قيل لابن عرفة: إن المازري حكى في تعليقه عن الشعبي أنّ الفقيه إذا علم من نفسه أنه ما في بلده من يصلح للفضل غيره فلا بأس أن يتسبب في الولاية ويعطي عليها الأجرة والرّشوة لولاة الأمر؟ فأنكره ابن عرفة وقال: هذا من أكل المال بالباطل والمشاركة فيه على الخطأ والّذي أدركت القضاة عليه أن بعضهم كان يتسبب في ذلك بالكلام فقط. وقد قسّم المازري في شرح التلقين القضاء على أربعة أقسام: مندوب ومكروه وحرام وواجب، ولم يذكر هذا بوجه ولو كان جائزا لذكره. قيل لابن عرفة: وقال المازري في تعليقه: إنّه كان ببلدهم مفتيان أحدهما يطلب الأجر على الفتوى، والآخر لا يأخذ أجرة فأجاز ذلك (شيخنا) عبد الحميد الصائغ ومنع ذلك الشيخ أبو الحسن علي اللخمي. فقال ابن عرفة: وكان بتونس الفقيه أبو علي ابن علوان يأخذ الأجرة على الفتوى ممن يستفتيه. وحكى الشيخ أبو الحسن محمد البصريني قال: أخبرني أبو العباس سيدي أحمد بن فرحون اليقربي أنّ رجلا من أصحابه كان يهدي إليه كل عام خروفين وزنبيلين فولا، وزيرين لبنا فيعطي لسيدي الشيخ الصالح أبي محمد المرجاني نصف ذلك ويأخذ هو نصفه، فجرت على الرجل مظلمة فتسبّب له الشيخ المرجاني في زوالها فأهدى ذلك العام للشيخ ابن فرحون مثله ما عادته يهدي له فبعث نصفه للمرجاني كعادته فأمره أن يقبل منه مقدار العادة ويرد له الزائد على ذلك. قوله تعالى: {بِٱلإِثْمِ...}. إما مصاحبين للإثم أو بسبب اقتراف الإثم، أو بسبب الإثم. وجعل الإثم على هذا كأنه السبب في ذلك الفعل تقبيحا له وتنفيرا منه. قوله تعالى: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}. تنبيها على أنّ الجاهل لايناله ذلك (أو) أنّ ذلك لايقع إلا على هذه الصفة فلا يقع من الجاهل بوجه.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {البيوت} بضم الباء: أبو جعفر ونافع غير قالون وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والبرجمي وهشام غير الحلواني. الباقون: بكسر الباء. الوقوف: {تعلموا} ه {عن الأهلة} ط لابتداء حكم آخر مع النفي {من اتقى} ج و {الحج} ط ج لعطف الجملتين المختلفتين {أبوابها} ص لعطف المتفقتين {تفلحون} ه. التفسير: لما كان الصوم منتهياً إلى الإفطار والإفطار يتضمن الأكل، ناسب أن يردف حكم الصيام بحكم ما يصلح للأكل وما لا يصلح له. ولما كان الصوم والفطر منوطين برؤية الهلال عقباً بذكر السؤال عن حال الأهلة. قال الإمام الغزالي في الإحياء: المال يحرم إما لمعنى في عينه أو لخلل في جهة اكتسابه، والأول إما أن يكون من المعادن أو من النبات أو من الحيوان، أما المعادن والنبات فلا يحرم شيء منهما إلا ما يزيل الحياة وهي السموم، أو الصحة وهي الأدوية في غير وقتها، أو العقل كالخمر والبنج وسائر المسكرات. وأما حدثنا الحيوان فينقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل. وما يحل فإنما يحل إذا ذبح ذبحاً شرعياً، وإذا ذبح فلا يحل جميع أجزائه بل يحرم منه الدم والفرث وكل ذلك مذكور في كتب الفقه. والثاني وهو ما يحرم لخلل في جهة إثبات اليد عليه نقول فيه أخذ المال إما أن يكون باختيار المتملك أو بغير اختياره كالإرث. والذي باختياره إما أن لا يكون مأخوذاً من مالك كالمعادن، وإما أن يكون مأخوذاً من مالك وذلك إما أن يؤخذ قهراً أو بالتراضي. والمأخوذ قهراً إما أن يكون لسقوط عصمة المالك كالغنائم، أولاً لاستحقاق الأخذ كزكوات الممتنعين والنفقات الواجبة عليهم. والمأخوذ تراضياً إما أن يؤخذ بعوض كالبيع والصداق والأجرة، وإما أن يؤخذ بغير عوض كالهبة والوصية، فهذه أقسام ستة: الأول: ما لا يؤخذ من مالك كنيل المعادن وإحياء الموات والاصطياد والاحتطاب والاستقاء من الأنهار والاحتشاش، فهذا حلال بشرط أن لا يكون المأخوذ مختصاً بذي حرمة من الآدميين. الثاني: المأخوذ قهراً ممن لا حرمة له وهو الفيء والغنيمة وسائر أموال الكفار المحاربين وذلك حلال للمسلمين إذا أخرجوا منه الخمس فقسموه بين المستحقين بالعدل ولم يأخذوه من كافر له حرمة وأمان وعهده. الثالث: المأخوذ قهراً بالاستحقاق عند امتناع من عليه فيؤخذ دون رضاه وذلك حلال إذا تم سبب الاستحقاق وتم وصف المستحق واقتصر على المستحق. الرابع: ما يؤخذ تراضياً بمعاوضة وذلك حلال إذا روعي شرط العوضين وشرط العاقدين وشرط لفظي الإيجاب والقبول مع ما يعتد الشرع به من اجتناب الشروط المفسدة. الخامس: ما يؤخذ بالرضا من غير عوض كما في الهبة والوصية والصدقة إذا روعي شرط المعقود عليه وشرط العاقدين وشرط العقد ولم يؤد إلى ضرر بوارث أو غيره. السادس: ما يحصل بغير اختياره كالميراث وهو حلال إذا كان المورث قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس على وجه حلال، ثم كان ذلك بعد قضاء الدين وتنفيذ الوصايا وتعديل القسمة بين الورثة وإفراز الزكاة والحج والكفارة إن كانت واجبة. فهذه مجامع مداخل الحلال وما سوى ذلك فحرام لا يجوز أكله. وكذا إن كان من هذه الجهات وصرفه إلى غير المصارف الشرعية كالخمر والزمر والزنا واللواط والميسر والسرف المحرم، وكل هذه الوجوه داخلة تحت قوله سبحانه {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} أي بالوجه الذي لم يبحه الله تعالى ولم يشرعه {بينكم} أي في المعاملات الجارية بينكم والتصرفات الواقعة بينكم. وليس المراد منه الأكل خاصة بل غير الأكل من التصرف كالأكل في هذا الباب إلا أنه خص الأكل بالذكر لأنه المقصود الأعظم من المال. وقد يقال لمن أنفق ماله إنه أكله. والإدلاء أصله من أدليت دلوي أرسلتها في البئر للاستقاء، فإذا استخرجتها قلت دلوتها. ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاء. ومنه يقال للمحتج أدلى بحجته كأنه يرسلها ليصير إلى مراده. وفلان يدلي إلى الميت بقرابة ورحم إذا كان منتسباً إليه فيطلب الميراث بتلك النسبة طلب المستقي الماء بالدلو. قوله {وتدلوا} داخل في حكم النهي أي ولا تدلوا بها إلى الحكام أي لا ترشوها إليهم، أو لا تلقوا أمرها والحكومة فيها إليهم لتأكلوا طائفة من أموال الناس بالإثم بشهادة الزور أو باليمين الكاذبة أو بالصلح مع العلم بأن المقضى له ظالم. والفرق بين الوجهين أن الحكام على الأول حكام السوء الذين يقبلون الرشا التي هي رشا الحاجة، فبها يصير المقصود البعيد قريباً، وإذا أخذها حاكم السوء مضى في الحكم من غير ثبت كمضي الدلو في الإرسال. وعلى الثاني قد يكون الحاكم عادلاً ولكن قد يشتبه عليه الحق كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للخصمين: "حديث : إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه. فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئاً فإنما أقضي له قطعة من نار"تفسير : فبكيا وقال كل واحد منهما: حقي لصاحبي. فقال: اذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه. "فتوخيا" أي اقصدا الحق فميا تصنعانه من القسمة واقترعا وليأخذ كل منكما ما تخرجه القسمة بالقرعة ثم تحاللا: {وأنتم تعلمون} أنكم على الباطل وارتكاب المعاصي مع العلم بقبحها أقبح وصاحبه بالتوبيخ أحق. روي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاري قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ ألا يكون على حالة واحدة؟ {يسئلونك عن الأهلة} وقيل: إن السائلين هم اليهود. ثم إن الله تعالى لم يجبهم بأنه إنما يرى كذلك لأنه يستفيد النور من الشمس وأنه مظلم في ذاته ويفصل أبداً بين المضيء والمظلم منه دائرة لاستداره المنير والمستنير، ويفصل بين المرئي وغير المرئي من القمر أيضاً دائرة. والدائرتان تتطابقان في الاجتماع بحيث لا يظهر شيء من المستنير وتكون القطعة المظلمة مما يلي البصر وهذه الحالة هي المحاق. وكذا في الاستقبال لكن القطعة المضيئة هي التي تلي البصر والقمر في هذه الحالة يسمى بدراً. وفي سائر الأوضاع يتقاطعان. أما في التربيعين فعلى زوايا قوائم تقريباً، وفي غير التربيعين على زوايا حادة ومنفرجة، وعلى التقديرين تنقسم كرة القمر بهما إلى أربع قطع: اثنتان مضيئتان وهما اللتان تليان الشمس، والباقيتان مظلمتان. ويقع في مخروط البصر إحدى الأوليين وإحدى الأخريين، لكنه يحس بالمضيئة دون المظلمة. والقطع الأربع في التربيعين متساويات تقريباً، وفي غيرهما تختلف المتجاورتان وتتساوى المتقابلتان. والقطعة المرئية من المتجاورتين الواقعتين في مخروط البصر في الربعين الأول والأخير من الشهر أصغرهما، لأن زاوية تلك القطعة أصغر اللتين يليان الإبصار أعني أنها حادة وتسمى القطعة المرئية الصغيرة أول ما يبدو إلى ليلتين هلالاً ويجمع على أهلة، لأنه يتعدد اعتباراً. وفي الربعين الباقيين من الشهر القطعة المضيئة المرئية أعظم المتجاورتين الموصوفتين لأن زاويتها أعظم المذكورتين أعني أنها منفرجة، وإنما لم يجابوا بذلك لأن المكلف لا يهمه معرفة هذه التصورات في باب العمل، وإنما الذي يعود عليه من فوائده وحكمه في باب التكليف معرفة المواقيت وهي المعالم التي يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدد نسائهم وأيام حيضهن ومدد حملهن ومعالم للحج يعرف بها وقته. والميقات من الوقت كالميزان من الوزن، ولعمري إنه لو منع مانع من أن ضبط هذه الأمور لا يتسهل ولا يتسنى إلا بوقوع الاختلاف في تشكلات القمر حيث سمى عوده من كل تشكل إلى مثله ولا سيما من الهلالية إلى مثلها شهراً وبذلك قدر السنون، وضبطت الأوقات والفصول فلن يمكنه جحود فائدته على تقدير وجود، ولو لم يكن في الإظهار رسمة الحدوث والإمكان والزوال والنقصان في الفلكيات حتى لا يظن بها وجوب الوجود، أو الاشتراك في القدم مع مفيض الخير والجود، أو امتناع الخرق والالتئام كما ذهب إلى كل من ذلك طائفة من اللئام لكفى به تنبيهاً وعناية وإرشاداً وهداية إلى افتقار الفلكيات إلى فاعل مختار ومدبر قهار جاعل الظلم والأنوار، ومصير الأهلة والأقمار، وفي إفراد الحج بالذكر مع أن الأهلة مواقيت عبادات أخر كالصوم والزكاة إشارة إلى أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى له، وأنه لا يجوز نقل الحج عن تلك الأشهر إلى شهر آخر كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء. ويمكن أن يقال: توقف الصوم على الهلال قد علم من قوله {أية : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} تفسير : [البقرة: 184] والزكاة تتعلق بالحول. والأصل في تقدير السنين لعودة الشمس من نقطة كأول الحمل مثلاً إلى مثلها بحركتها الخاصة، والأيمان والجهاد لا يتعلقان بوقت معين، والصلاة تتعلق باليوم بليلته، فلم يبق من الأركان المتعلقة بالشهر سوى الحج فتعين ذكره في هذه الآية والله أعلم. قوله تعالى عز من قائل {وليس البر بأن تأتوا البيوت} عن البراء قال: نزلت هذه الآية فينا. كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤا لم يدخلوا من قبل أبواب البيوت فجاء رجل من الأنصارفدخل من قبل بابه فكأنه عُير بذلك فنزلت وفي رواية كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل الله الآية. والحاصل أن ناساً من الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطاً ولا داراً ولا فسطاطاً من باب فإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء. فقيل لهم: ليس البر بتحرجكم من دخول الباب تشديداً لأمر الإحرام {ولكن البر من اتقى} ولكن ذا البر من اتقى مخالفة الله. وقيل: إن الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو عامر مبن صعصعة سموا حمساً لتشددهم في دينهم والحماسة الشدة. كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيوتهم ألبتة، ولم يجلسوا تحت سقف البيت، ولم يستظلوا الوبر، ولم يأكلوا السمن والأقط. وعن الحسن والأصم: كان الرجل في الجاهلية إذا هم فتعسر عليه مطلوبه لم يدخل بيته من بابه بل يِأتيه من خلفه، ويبقى على هذه الحالة حولاً كاملاً فنهاهم الله تعالى عن ذلك لأنهم كانوا يفعلونه تطيراً. وأما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله بناء على الأسباب المروية في نزوله وعليه أكثر المفسرين، فهو أنهم لما سألوا عن الحكمة في اختلاف حال الأهلة قيل لهم: اتركوا السؤال عن هذا الأمر الذي لا يعنيكم وارجعوا إلى ما البحث عنه أهم، ولا تعتقدوا أن جميع ما سنح لكم هو على شاكلة الصواب: وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم تحسبونها براً وليست من البر في شيء، أو أنه تعالى لما ذكر الحكمة في الأهلة وهي جعلها مواقيت الناس والحج وكان هذا الأمر من الأشياء التي اعتبروها في الحج، فلا جرم تكلم الله تعالى فيه استطراداً، أو اتفق وقوع القصتين في وقت واحد فنزلت الآية فيهما معاً في وقت واحد. وقيل: إنه تمثيل لتعكيسهم في سؤالهم، فإن الطريق المستقيم هو الاستدلال بالمعلوم على المظنون، فأما أن يستدل بالمظنون على المعلوم فذاك عكس الواجب، ولما ثبت بالدلائل أن للعالم صانعاً مختاراً حكيماً، وثبت أن الحكيم لا يفعل إلا الصواب البريء عن العبث والسفه، فإذا رأينا اختلاف حال القمر وجب أن نعلم أن فيه حكمة ومصلحة، وهذا استدلال بالمعلوم على المجهول. فأما أن يستدل بعدم علمنا بما فيه من الحكمة على أن فاعله غير حكيم فهو استدلال بالمجهول على المعلوم، فكأنه تعالى يقول: لما لم تعلموا حكمته في اختلاف نور القمر صرتم شاكين في حكمة الخالق أو قاربتم الشك، فقد أتيتم الأمر من ورائه وهذا ليس من البر ولا من كمال العقل، إنما البر أن تأتوا الأمور من وجوهها التي يجب أن تؤتى منها، وهذا باب مشهور في الكناية قال الأعشى: شعر : وكأس شربت على رغبة وأخرى تداويت منها بها لكي يعلم الناس أني أمرؤ أتيت المعيشة من بابها تفسير : وعن أبي مسلم: أن هذا إشارة إلى ما كانوا يفعلونه من النسيء وكان يقع الحج في غير وقته، فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثلاً لمخالفتهم الواجب في الحج وشهوره. ثم إنه تعالى أمرهم بالتقوى التي تتضمن الإتيان بجميع الواجبات والاجتناب عن الفواحش والمنكرات إرادة أن يظفروا بالمطالب الدينية والدنيوية والله ولي التوفيق. التأويل: {بالباطل} أي بهوى النفس والحرص والإسراف {وتدلوا بها إلى الحكام} يعني النفوس الأمارة بالسوء {من أموال الناس} من الأموال التي خلقت للاستعانة بها على العبودية. الأهلة للزاهدين مواقيت أورادهم وللصديقين مواقيت مراقباتهم. والحج إشارة إلى ما يرد بحكم الوقت عليهم من غير اختيارهم، فمن كان وقته الصحو كان قيامه بالشريعة، ومن كان وقته المحو فالغالب عليه أحكام الحقيقة، فإن تجلى لهم بوصف الجلال طاشوا، وإن تجلى لهم بوصف الجمال عاشوا، فليس للمحبين وقت إلا أوقات محبوبهم كما ليس لهم وصف إلا أوصاف محبوبهم والله تعالى أعلم.
ابن عادل
تفسير : قوله: {بَيْنَكُم}: في هذا الظرف وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بـ"تَأْكُلُوا" بمعنى: لا تَتَنَاقَلُوهَا فيما بينكم بالأكل. والثاني: أنه متعلِّق بمحذوفٍ؛ لأنه حالٌ من "أمْوَالِكُمْ" أي: لا تأْكُلُوهَا كائنةً بينكم، وقدَّره أبو البقاء أيضاً بكائنةٍ بينكم، أو دائرةً بينكم؛ وهو في المعنى كقوله:{أية : إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ}تفسير : [البقرة: 282]، وفي تقدير "دَائِرَةً" - وهو كونٌ مقيَّدٌ - نظرٌ، إلاَّ أن يقال: دلَّت الحال عليه. قوله: "بالبَاطِلِ" فيه وجهان: أحدهما: تعلُّقه بالفعل، أي: لا تأخذوها بالسبب الباطل. الثاني: أن يكون حالاً؛ فيتعلَّق بمحذوفٍ، ولكن في صاحبها احتمالان: أحدهما: أنه المال؛ كأنَّ المعنى: لا تَأْكُلُوهَا ملتبسَةً بالباطِل. والثاني: أن يكون الضمير في "تَأْكُلُوا" كأنَّ المعنى: لا تَأْكُلُوها مُبْطِلِينَ، أي: مُلْتَبِسينَ بالبَاطِلِ. فصل في سبب نزول الآية قيل: نزلت هذه الآية في "حديث : امرئ القيس بن عابس الكندي، ادعى عليه ربيعة بن عَبْدَان الحَضْرَميُّ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضاً، فقال: إنه غلبني عليها، فقال النَّبيُّ - صلوات الله وسلامه عليه دائماً أبداً - للحضرميِّ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قال: لا؛ قال: فَلَكَ يَمِينُهُ فانطلق ليحلف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أَمَا إنْ يَحْلِفْ عَلَى مَالِهِ، ليَأْكُلَهُ ظُلْماً، ليَلْقَيَنَّ اللَّهَ، وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ فأنزل الله {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ}"تفسير : أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، أي: من غير الوجه الذي أباحه الله، و"البَاطِلُ" في اللغة الذَّاهِبُ الزائل، يقال: بَطَل الشَّيْءُ بُطُولاً وبُطْلاناً، فهو باطلٌ، وجمع الباطل: بَوَاطِلُ، وأَبَاطِيلُ جمع أُبْطُولَة، يقال: بَطَل الأجير يَبْطُل بطالةً، إذا تعطَّل، وتَبَطَّل: اتَّبع اللَّهو، وأبْطَلَ فلانٌ، إذا جاء بالبَاطِل، وقوله تعالى:{أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ}تفسير : [فصلت: 42] قال قتادة: هو إبليسُ؛ لا يزيد في القرآن، ولا ينقص، وقوله عزَّ وجلَّ {أية : وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ}تفسير : [الشورى: 24] يعني: الشِّرك، والبَطَلَةُ: السَّحَرةُ. قوله: "لاَ تَأْكُلُوا" ليس المراد منه الأكل خاصَّة؛ لأنَّ غير الأكل من التصرّفات؛ كالأكل في هذا الباب، لكنَّه لمَّا كان المقصود الأعظم من المال، إنَّما هو الأكل، وصار العرف فيمن أنفق ماله، أن يقال: أكله؛ فلهذا عبَّر عنه بالأكل. فصل فيما يحل ويحرم من الأموال قال الغزاليُّ - رحمه الله تعالى - في كتاب "الإحياء": المال إنَّما يحرم إما لمعنًى في عينه، أو لخللٍ في جهة اكتسابه. فالقسم الأول: الحرام لمعنىً في عينه. اعلم أنَ الأموال: إمَّا أن تكون من المعادن، أو من النبات، أو من الحيوانات. أما المعادن وهي أجزاء الأرض فلا يحرم شيءٌ منها، إلاَّ من حيث يضر بالأكل وبعضها ما يجري مجرى السَّمِّ. وأما النباتُ: فلا يحرم منه إلاَّ ما يزيل الحياة، أو الصِّحَّة، أو العقل. فمزيل الحياة: كالسُّموم، ومزيل الصِّحَّة: الأدوية في غير وقتها، ومزيل العقل: الخمر، والبنج، وسائر المسكرات. وأما الحيوانات: فتقسم إلى ما يؤكل، وإلى ما لا يؤكل. وما يؤكل: إنَّما يحلُّ، إذا ذكِّي ذكاته الشَّرعيَّة، ثم إذا ذُكِّيت، فلا تحلُّ جميع أجزائها، بل يحرمُ منها الدَّم، والفَرْثُ. القسم الثاني: ما يحرم لخللٍ في جهة إثبات اليد عليه، فنقول: أخذ المال: إما أن يكون باختيار المالك أو بغير اختياره؛ كالإرث، والذي باخيتاره: إما أن يكون مأخوذاً بأمر مالكه، وإمَّا أن يكون قهراً، أو بالتَّراضي. والمأخوذ قهراً: إما أن يكون لسقوط عصمة المالك؛ كالغنائم، أو باستحقاق الأخذ؛ كزكاة الممتنعين، والنفقات الواجبة عليهم. والمأخوذ تراضياً: إما أن يؤخذ بعوضٍ، كالبيع، والصَّداق، والأُجرة، وإما أن يؤخذ بغير عوض؛ كالهبة، والوصيَّة. فحصل من هذا التَّقسيم أقسامٌ ستةٌ: الأول: ما يؤخذ من غير ملكٍ؛ كنيل المعادن، وإحياء الموات، والاصطياد، والاحتطاب، والاستقاء من الأنهار، والاحتشاش؛ فهذا حلالٌ، لا يكون المأخوذ مختصَّاً بذي حرمة من الآدميِّين. الثاني: المأخوذ قهراً ممَّن لا حرمة له، وهو الفيءُ والغنيمة وسائر أموال الكُفَّار والمحاربين، فذلك حلالٌ للمسلمين، إذا أخرجوا منه الخمس، وقسّموه بين المستحقِّين بالعدل، ولم يأخذوه ممَّن كان له حرمةٌ بأمانٍ، أو عهدٍ. الثالث: ما يؤخذ قهراً باستحقاق عند امتناع من هو عليه فيؤخذ دون عطائه؛ وذلك حلالٌ؛ إذا تَمَّ سبب الاستحقاق، وتَمَّ وصف المستحقِّ، واقتصر على قدر المستحقِّ. الرابع: ما يؤخذ تراضياً بمعاوضة، فهو حلالٌ، إذا روعِيَ شرط العوضين، وشرط العاقدين، وشرط اللَّفظين، أعني: الإيجاب والقبول عند من يشترطهما، مع ما قيَّد الشَّرع به من اجتناب الشُّروط المفسدة. الخامس: ما يؤخذ بالرِّضَا من غير عوضٍ؛ كما في الهبة، والوصيَّة، والصَّدقة، إذا روعيَ شرط المعقود عليه، وشرط العاقدين، ولم يؤدِّ إلى ضرر. السادس: ما يحصل بغير اختياره؛ كالميراث، وهو حلالٌ، إذا كان المورِّث قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس على وجه الحلال، ثم كان ذلك بعد قضاء الدَّين، وتنفيذ الوصايا، وتعديل القسمة من الورثة، وإخراج الزَّكاة، والحجِّ والكفَّارة الواجبة، فهذه مجامع مداخل الحلال، وكُلُّ ما كان بخلاف ذلك كان حراماً. إذا عرفت ذلك، فنقول: المال: إما أن يكون له، أو لغيره. فإن كان لغيره: كان حرمته لأجل الوجوه السِّتَّة المذكورة، وإن كان له، فأكله بالحرام: إما بأن يصرفه في شرب الخمر، أو الزِّنا، أو اللِّواط، أو القمار، أو الشُّرب المحرَّم؛ وكلُّ هذه الأقسام داخلةٌ تحت قوله {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا}. قوله: وَتُدْلُوا بِهَا" في "تُدْلُوا" ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مجزومٌ عطفاً على ما قبله؛ ويؤيِّده قراءة أُبيٍّ: "وَلاَ تُدْلُوا" بإعادة لا الناهية. والثاني: أنه منصوبٌ على الصَّرف، وقد تقدَّم معنى ذلك، وأنه مذهب الكوفِيِّين، وأنه لم يثبت بدليل. والثالث: أنه منصوبٌ بإضمار "أنْ" في جواب النهي، وهذا مذهب الأخفش، وجوَّزه ابن عطيَّة والزَّمخشريُّ، ومَكِّيٌّ، وأبو البقاء، قال أبو حيَّان: "وأمَّا إعراب الأَخْفَشِ، وتجويزُ الزمخشريِّ ذلك هنا، فتلك مسألة: "لاَ تَأْكُلِ السَّمَكَ، وتَشْرَب اللَّبَنَ" قال النحويُّون: إذا نصب، كان الكلام نهياً عن الجمع بينهما، وهذا المعنى: لا يصحُّ في الآية لوجهين: أحدهما: أنَّ النهي عن الجمع لا يستلزم النَّهي عن كلِّ واحدٍ منهما على انفراده، والنَّهي عن كلِّ واحدٍ منهما يستلزم النَّهي عن الجمع بينهما؛ لأن الجمع بينهما حصول كلِّ واحدٍ منهما، وكلُّ واحدٍ منهما منهيٌّ عنه ضرورةً؛ إلا ترى أنَّ أكل المال بالباطل حرامٌ سواءٌ أفرد أم جمع مغ غيره من المحرَّمات؟ والثاني - وهو أقوى-: أنَّ قوله "لِتَأْكُلُوا" علَّةٌ لما قبلها، فلو كان النهيُ عن الجمع، لم تصحَّ العلّةُ له؛ لأنَّه مركَّبٌ من شيئين، لا تصحُّ العلَّة أن تترتَّب على وجودهما، بل إنما تترتَّب على وجود أحدهما: وهو الإدلاء بالأموال إلى الحكام". والإدلاء مأخوذٌ من إدلاء الدَّلو، وهو إرساله إلى البئر؛ للاستقاء؛ يقال: "أدْلَى دَلْوَهُ" إذا أرسلها، ودَلاَهَا: إذا أخْرَجَها، ثم جُعِلَ كُلُّ إلقاء قول أو فعل إدلاء؛ ومنه يقال للمحتجِّ أدْلَى بِحُجَّتِهِ، كأنه يرسلها، ليصل إلى مراده؛ كإدلاء المستقي الدلو؛ ليصل إلى مطلوبه من الماء، وفلانٌ يدلي إلى الميِّت بقرابة، أو رحم؛ إذا كان منتسباً، فيطلب الميراث بتلك النِّسبة. و"بِهَا" متعلِّقٌ بـ"تُدْلُوا" وفي الباء قولان: أحدهما: أنها للتعدية، أي لترسلوا بها إلى الحكَّام. والثاني: أنَّها للسبب؛ بمعنى أن المراد بالإدلاء الإسراع بالخصومة في الأموال؛ إمَّا لعدم بيِّنةٍ عليها، أو بكونها أمانةً؛ كمال الأيتام، والضمير في "بِهَا": الظاهر أنه للأموال: وقيل: إنه لشهادة الزُّور؛ لدلالة السِّياق عليها، وليس بشيء. و"مِنْ أَمْوَال" في محلّ نصبٍ صفةً لـ"فَرِيقاً" أي: فريقاً كائناً من أمْوَالِ النَّاس. قوله: "بالإِثْم" تحتمل هذه الباء: أن تكون للسَّبب، فتتعلَّق بقوله: "لِتَأْكُلُوا" وأن تكون للمصاحبة، فتكون حالاً من الفاعل في "لتَأْكُلُوا وتتعلق بمحذوفٍ أي: لِتَأْكُلُوا ملتبسين بالإثم. فصل في سبب تسمية الرشوة بالإدلاء في تسمية الرَّشوة بالإدلاء وجهان: أحدهما: أن الرَّشوة تقرِّب البعيد من الحاجة؛ كما أنَّ الدَّلو المملوء يصل من البعيد إلى القريب بواسطة الرِّشاء، فالمقصود البعيد يصير قريباً، بسبب الرَّشوة. والثاني: أن الحاكم بسبب أخذ الرّشوة يمضي في ذلك الحكم من غير تثبُّت؛ كمضيِّ الدَّلو في الرِّشاء، ثم المفسِّرون ذكروا وجوهاً؟ أحدها: قال ابن عبَّاس، والحسن - رضي الله عنهما - وقتادة: المراد منه الودائعُ، وما لا يقوم عليه البيِّنة. وثانيها: أن المراد هو مال اليتيم في يد الأوصياء يدفعون بعضه إلى الحاكم، ليبقى لهم بعضه. وثالثها: قال الكلبيُّ: المراد بالإدلاء إلى الحكَّام: هو شهادة الزُّور ورابعها: قال الحسن: هو أن يحلف؛ ليذهب حقَّه؛ كما تقدَّم في سبب النُّزول. وخامسها: وهو أن يدفع إلى الحاكم رشوة، وهذا أقرب إلى الظاهر، ولا يبعد حمل اللفظ على الكُلِّ؛ لأنها بأسرها أكلٌ للمال بالباطل. وقوله "فَريقاً" أي: طائفةً من أموال النَّاس، والمراد "بالإثْمِ" الظلمُ، وقال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - "الإثْمُ" هنا هو اليمين الكاذبة فصل في الفسق بأخذ ما يطلق عليه اسم مال قال القرطبيُّ: اتَّفق أهل السُّنَّة على أنَّ من أخذ ما وقع عليه اسم مالٍ، قلَّ أو كثر، فإنَّه يفسَّق بذلك، وأنه يحرم عليه أخذه؛ خلافاً لبشر من المعتمر، ومن تابعه من المعتزلة؛ حيث قالوا: إنَّ المكلَّف لا يفسَّق إلاَّ بأخذ مائتي درهمٍ، ولا يفسَّق بدون ذلك. وقال ابن الجُبَّائيِّ: لا يفسَّق إلاَّ بأخذ عشرة دراهم، ولا يفسَّق بما دونها. وقال أبو الهُذَيْلِ: يفسَّق بأخذ خمسة دراهم، فما فوقه، ولا يفسَّق بما دونها، وهذا كلّه مردودٌ بالقرآن، والسُّنَّة، وباتفاق علماء الأمَّة بقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام -:"حديث : إنَّ دمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ " تفسير : وقوله تعالى: "وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" جملةٌ في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل "لِتَأْكُلُوا" وذلك على رأي من يجيز تعدُّد الحال، وأمَّا من لا يجيز ذلك، فيجعل "بالإثْمِ" غير حالٍ. والمعنى: وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّكُمْ مُبْطِلُون، ولا شكَّ أن الإقدامَ على القبيح، مع العلم بقبحه أقبح، وصاحبه بالتَّوبيخ أحقُّ، وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: حديث : اختصَمَ رَجُلاَن إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، عالمٌ بالخُصُومة، وجاهلٌ بها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للعالم، فقال مَنْ قَضِيَ عليه: يَا رَسُولَ اللَّهِ، والَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ، إنِّي مُحِقٌّ بحَقٍّ فقال: إن شِئْتَ أُعَاوِدُهُ، فَعَاوَدَهُ، فَقَضَى لِلعَالِم، فقال المَقْضِيُّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا قَالَ أَوَّلاً، ثُمَ عَاوَدَهُ ثَالِثاً، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امرئ مُسْلِم بخصومته، فإنَّما اقتطع قطعةً من النَّارِ "فقال العالمُ المقضِيُّ له: يا رَسُولَ الله، إنَّ الحقَّ حقُّه، فقال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "مَنِ اقْتَطَعَ بِخُصُومَتِهِ وجَدَلِهِ حَقَّ غَيْرِهِ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " تفسير : وعن أمِّ سلمة زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وشرَّف، وكرَّم، وبجَّل، ومجَّد، وعظَّم: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إنَّما أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إليَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْو مَا أَسْمَع مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلاَ يَأْخُذَنَّهُ؛ فإنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} قال: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال ويخاصمهم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه، وقد علم أنه إثم أكل حرام. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} قال: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم. وأخرج ابن المنذر عن قتادة في الآية قال: لا تدل بمال أخيك إلى الحكام وأنت تعلم أنك ظالم، فإن قضاءه لا يحل لك شيئاً كان حراماً عليك. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} يعني بالظلم، وذلك أن امرأ القيس بن عابس وعبدان بن أشوع الحضرمي اختصما في أرض وأراد امرؤ القيس أن يحلف، ففيه نزلت {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وفي قوله {لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإِثم} يعني طائفة {وأنتم تعلمون} يعني تعلمون أنكم تدعون الباطل. وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه، فإنما أقطع له قطعة من النار ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي حميد الساعدي "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لامرىء أن يأخذ مال أخيه بغير حقه، وذلك لما حرم الله مال المسلم على المسلم ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس "أنه كان يكره أن يبيع الرجل الثوب ويقول لصاحبه: إن كرهته فرد معه ديناراً"، فهذا مما قال الله {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} . وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: قلت لعبد الله بن عمرو: هذا ابن عمك يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، وأن نقتل أنفسنا وقد قال الله {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} إلى آخر الآية. فجمع يديه فوضعهما على جبهته ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله.
ابو السعود
تفسير : {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُم بِٱلْبَاطِلِ} نهيٌ عن أكل بعضِهم أموالَ بعضٍ على خلاف حُكم الله تعالى بعد النهيِ عن أكل أموالِ أنفسِهم في نهار رمضانَ أي لا يأكل بعضكم أموال بعض بالوجه الذي لم يُبِحْه الله تعالى و(بـيْن) نصبٌ على الظرفية أو الحالية من أموالكم {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ} عطفٌ على المنهيِّ عنه أو نُصِبَ بإضمار أن، والإدلاءُ الإلقاءُ أي ولا تُلقوا حكومتَها إلى الحكام {لِتَأْكُلُواْ} بالتحاكم إليهم {فَرِيقًا مّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلإثْمِ} بما يوجبُ إثماً كشهادة الزورِ واليمينِ الفاجرةِ أو ملتبسين بالإثم {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنكم مُبْطلون فإن ارتكابَ المعاصي مع العلم بها أقبحُ. رُوي أن عبدانَ الحضْرمي ادَّعى على امرىءِ القيسِ الكنديِّ قطعةَ أرضٍ ولم يكن له بـينةٌ فحَكَم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحلِفَ امرُؤُ القيسِ فهمّ به فقرأ عليه الصلاة والسلام: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا } تفسير : [آل عمران، الآية 77] الآية، فارتدَعَ عن اليمين فسلّم الأرضَ إلى عبدان فنزلت. «حديث : ورُوي أنه اختصم إليه خصمان فقال عليه السلام: "إنما أنا بشرٌ مثلُكم وأنتم تختصِمون إلي، ولعل بعضَكم ألحنُ بحجَّته من بعضٍ فأقضِيَ له على نحو ما أسمَع منه، فمن قضَيْتُ له بشيءٍ من حقِّ أخيه فإنما أقضي له قطعة من نار" فبَكَيا فقال كلُّ واحدٍ منهما: حقي لصاحبـي فقال: "اذهبا فتآخَيا ثم ليُحِلَّ كلُّ واحدٍ منكما صاحبَه"
القشيري
تفسير : إذا تحاكمتم إلى المخلوقين فاعلموا أن الله مطلع عليكم، وعِلْمه محيط بكم، فراقبوا موضع الاستحياء من الحق سبحانه، ولئن كان المخلوقون عالمين بالظواهر فالحق - سبحانه وتعالى - متولي بالسرائر.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} اى لا يأكل بعضكم مال بعض بالوجه الذى لم يبحه الله تعالى ولم يشرعه كالغصب والنهب والسرقة واليمين الكاذبة وكالاكساب الخبيثة كالقمار والرشى وحلوان الكاهن والمغنى والنائحة وكالحيلة ووجوه الخيانة. قوله {بينكم} نصب على الظرفية فيتعلق بقوله {تأكلوا} ومعنى كون الاكل بينهم وقوع التداول والتناول لاجل الاكل بينهم وليس المراد بالاكل المنهى عنه نفس الاكل خاصة لان جميع التصرفات المتفرعة على الاسباب الباطلة حرام الا انه شاع فى العرف ان يعبر عن انفاق المال بأى وجه كان بالاكل لان الاكل معظم المقصود من المال وقوله {بالباطل} متعلق بالفعل المذكور اى لا تأكلوها بالسبب الباطل. حديث : نزلت فى رجلين تخاصما فى ارض بينهما فاراد احدهما ان يحلف على ارض اخيه بالكذب فقال النبى عليه السلام "انما انا بشر مثلكم يوحى الى وانتم تختصمون الى ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما اسمع منه فمن قضيت له شيأ من حق اخيه فانما اقضى له قطعة من نار" فبكيا وقال كل واحد منهما انا حل لصاحبى فقال "اذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه ". تفسير : قوله ألحن بحجته اى اقوم بها واقدر عليها من صاحبه والتوخى قصد الحق والاستهام الاقتراع وفيه دلالة ظاهرة على ان حكم القاضى لا ينفذ باطنا كما عند الشافعى وحمله ابو حنيفة على الاموال والاملاك دون عقود النكاح وفسخها وموضع بيانه مشبعا كتاب القضاء فى الفقه {وتدلوا بها الى الحكام} عطف على المنهى عنه فيكون مجزوما بلا الناهية المذكورة بواسطة العاطف والادلاء الالقاء وضمير بها للاموال بتقدير المضاف والباء فيه مثلها فى قوله تعالى {أية : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} تفسير : [البقرة: 195]. والمعنى ولا تلقوا امر الاموال والحكومة فيها الى الحكام {لتأكلوا} بالتحاكم اليهم {فريقا} اى طائفة وبعضا {من اموال الناس بالاثم} الباء سببية متعلقة بقوله لتأكلوا اى بما يوجب اثما كشهادة الزور واليمين الكاذبة والصلح مع العلم بان المقضى له ظالم والمقضى به حق المقضى عليه وقيل ولا تلقوا بعضها الى امراء الظلم وقضاة السوء على وجه الرشوة {وانتم تعلمون} انكم على الباطل وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها اقبح وصاحبها احق بالتوبيخ ويقال الدنيا ثلاثة اشياء حلال وحرام وشبهة فالحرام يوجب العقاب والشبهة توجب العتاب والحلال يوجب الحساب: قال الحكيم السنايى شعر : اين جهان برمشال مردار ست كر كسان اندرون هزار هزار اين مرانرا همى زند مخلب وان مرين را همى زند منقار آخر الامر بكذرند همه و ز همه باز ماند اين مردار تفسير : فعلى العاقل ان يجتنب عن حقوق العباد والمظالم ـ حكى ـ انه لما مات انوشروان كان يطاف بتابوته فى جميع مملكته وينادى مناد من له علينا حق فليأت فلم يوجد احد فى ولايته له عليه حق من درهم ـ روى ـ ان ابا حنيفة كان له على بعض المجوس مال فذهب الى داره ليطالبه به فلما وصل الى باب داره وقع نعله على نجاسة فنفض نعله فانقلعت النجاسة عن نعله ووقعت على حائط دار المجوسى فتحير ابو حنيفة رحمه الله وقال ان تركتها كان ذلك شيأ يقبح جدار ذلك المجوسى وان حككتها احفر التراب من الحائط فدق الباب فخرجت الجارية فقال لها قولى لمولاك ان ابا حنيفة بالباب فخرج اليه وظن انه يطالبه بالمال واخذ يعتذر فقال ابو حنيفة رحمه الله ههنا ما هو اولى بالاعتذار وذكر قصة الجدار وانه كيف السبيل الى التطهير فقال المجوسى فانا ابدأ بتطهير نفسى فأسلم فى الحال والنكتة ان ابا حنيفة لما احترز عن ظلم ذلك المجوسى فى ذلك القدر القليل فلأجل بركة ذلك اسلم المجوسى ونجا من شقاوة الابد فمن احترز عن الظلم نال سعادة الدارين وإلا فقد وقع فى الخذلان ـ حكى ـ ان نصرانيا كان يحمل امرأته على حمار فأتى بعض قرى المسلمين فقطع واحد من الرنود ذنب حماره فوثب الحمار وسقطت المرأة وانكسرت يداها والقت حملها ايضا فذهب النصراني الى قاضى تلك القرية شاكيا فقال القاضى لذلك الرند خذ هذا الحمار وامسكه حتى ينبت ذنبه والمرأة حتى تحمل حملا وتصح عندك يداها فقال النصرانى أهكذا حكم شريعتكم ثم رفع رأسه الى السماء وقال آلهى انت حليم ولا صبر لى على هذا فاحكم يا ناظر الملهوفين ويا ناصر المظلومين فمسخ الله ذلك القاضى فصار حجرا من ساعته ففى هذه الحكاية شيئان. الاول ان هذا القاضى بظلمه وقع فيما وقع من البلاء العظيم. والثانى انه يجب الاحتراز عن الظلم وان كان المظلوم كافرا فان دعاء الكافر يسمع. والاشارة فى الآية ان الاموال خلقت لمصالح قوام النفس وان النفس خلقت للقيام بمراسم العبودية لقوله {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} تفسير : [الذاريات: 56] ليعلموا ان الاموال والانفس لله فلا يتصرفون فيهما الا بامر الله {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} بهوى النفس والحرص والشهوة والاسراف على الغفلة وكلوا بالحق والقناعة والتقوية على الطاعة والقيام بالعبودية {و} لا {تدلوا بها إلى الحكام} وهى النفس الامارة بالسوء {لتأكلوا فريقا من أموال الناس} من الاموال التى خلقت للاستعانة بها على العبودية {بالإثم} اى بالقطيعة والغفلة مستعينين بها على المعصية كالحيوانات والبهائم فيكون حاصلكم ومرجعكم ومثواكم النار ويأكلون كما تأكل الانعام والنار مثوى لهم {وأنتم تعلمون} حاصل الامر ولا تعملون به كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: أصل الإدلاء: إرسالُ الدَّلْو في الماء ليتوصل به إلى أخذ الماء من البئر، ثم أُطلق في كل ما يتوسل به إلى شيء، يقال: أدلَى بمالِه إلى الحكام، أي: دفعه رِشْوة، ليتوصل بذلك إلى أخذ أكثر منه، وهو المراد هنا، وفي القاموس: أدلى برَحمِه: توسَّل، وبحُجَّتِه: أحضرَها، وإليه بمالهِ: دفَعه. ومنه: {وتُدْلوا بها إلى الحكام}. هـ. و {تدلوا} معطوف على {تأكلوا}، مَنْهِي عنهما معاً. يقوله الحقّ جلّ جلاله: {ولا تأكلوا} يا معشر المسلمين {أموالكم} أي: أموال بعضكم بعضاً، {بالباطل} أي: بغير حقّ شرعي؛ إما بغير حق أصلاً كالغضْب والسرقة والخيانة والخَدْع والتطفيف والغش وغير ذلك. أو بحق باطل كما يؤخذ في السحر والكهانة والفأل والقِمار والجاه، وهَدِية المِدْيان، وهدية القرض، والضمان، والرشوة، والربا، وغير ذلك مما نهى الشارعُ عنه. ولا يدخل في ذلك التمائم والعزائم إذا كان بالقرآن أو السنّة وغلَب الشفاء، وكذلك لا يدخل أيضاً الغَبْن، إذا كان البائعُ عالماً بالمَبِيع. أو {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} بأن تُنفقوها في المَلاهي والزنا والشرب واللواط، وغير ذلك من المحرمات، ولا {تدلوا} أي: تتوسلوا بها، أي: بدفعها {إلى الحكام} رشوة {لتأكلوا فريقاً من أموال الناس} بأن يحكم لكم بها القاضي، تأخذونها متلبسين {بالإثم} أي: بالمعصية {وأنتم تعلمون} أنها لغيركم؛ فإنَّ حُكْمَ الحاكِم لا يُحِلُّ حراماً. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إنَّما أنا بَشرٌ مثلُكُم، ولعلَّ بعضَكُمْ أن يكون الْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعضٍ فأقضي لهُ، فمن قَضَيتُ له بشيء من مال أخِيهِ فإنَّما لهُ قِطعةٌ من النارِ ". تفسير : الإشارة: الباطلُ كلُّ ما سوى الحقّ، فكل من كان يأخذ من يد الخلق ولا يشاهد فيهم الحقّ فإنما يأخذ أموال الناس بالباطل. قال في الحِكَم: "لا تَمُدَّن يديك إلى الأخذ من الخلائق إلا أن تَرى أن المعطيَ فيهم مولاك، فإذا كنت كذلك فخُذْ ما وافقك العلم". ويحتاج العامل بهذا إلى عَسةٍ كبيرةٍ، وشُهودٍ قَوِي، حتى يَفْنَى عَنْ نظرهِ مشاهدةُ الخلق في شهود الملك الحق. وكان بعضهم يطلب مَنْ هذا وصْفُه فيعطي للفقير العطاء، ويقول: خذ، لا لك، فلا يسمع من أحد شيئاً، حتى أعطَى لبعض الفقراء، وقال: خذ، لا لك، فقال: أقبضُ لا منك. هـ. قلت: الوصول إلى الحكام على شأن الدنيا أو للانتصار للنفس حرام في طريق الخصوص، بل يصبر حتى يحكم الله بينه وبين خصمه، وهو خير الحاكمين، فإن اضطُرَّ إلى شيء ولم يجد بُدّاً منه فليُوكِّلْ، وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : المعنى: قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} قيل في معناه قولان: أحدهما - أن يكون ذلك على جهة الظلم، نحو الخيانة، والسرقة، والغصب، ويكون التقدير لا يأكل بعضكم أموال بعض بالباطل كأكل مال نفسة بالباطل، ومثله {أية : ولا تلمزوا أنفسكم} تفسير : ومعناه لا يلمز بعضكم بعضاً. وقوله:{أية : ولا تقتلوا أنفسكم} تفسير : والمعنى لا يقتل بعضكم بعضا. الثاني - لا تأكلوه على وجه الهزء واللعب، مثل ما يوجد في القمار والملاهي ونحوها، لأن كل ذلك من أكل المال بالباطل. وقال أبو جعفر (ع) {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} يعني باليمين الكاذبة يقتطعون بها الأموال، وقال أبو عبد الله (ع): علم الله أنه سيكون في هذه الأمة حكام يحكمون بخلاف الحق، فنهى الله المؤمنين أن يتحاكموا إليهم، وهم يعلمون أنهم لا يحكمون بالحق. وقوله تعالى: {وتدلوا بها إلى الحكام} فالحكم هو الخبر الذي يفصل به بين الخصمين يمنع كل واحد من منازعة الآخر. وقيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس. والحسن، وقتادة: إنه الوديعة وما تقوم به بيّنة. الثاني - قال الجبائي: في مال اليتيم الذي في يد الاوصياء، لأنه يدفعه إلى الحاكم إذا طولب به، ليقتطع بعضه، ويقوم له في الظاهر حجة. اللغة: يقال أدلى فلان بالمال الى الحاكم إذا دفعه إليه. وأدلى فلان بحقه وحجته: اذا هو احتج بها وأحضرها، ودلوت الدلو في البئر أدلوها: إذا أرسلتها في البئر، وأدليتها إدلاء: اذا انتزعتها من البئر، ومنه قوله تعالى: {أية : فأدلى دلوه}تفسير : أي انتزعها. وقال صاحب العين: أدليتها اذا أرسلتها أيضاً. وأدلى الانسان شيئاً في مهوى، ويتدلى هو بنفسه. والدالية معروفة. الاعراب: وموضع "تدلو" يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون جزماً على النهى، وعطفاً على قوله: {لا تأكلوا}. والثاني - أن يكون نصباً على الظرف، ويكون نصبها باضمار أن كقول الشاعر: شعر : لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم تفسير : لا تجمع بينهما. والأول أجود. المعنى: وقيل في اشتقاق "تدلو" قولان: أحدهما - أن التعلق بسبب الحكم كتعلق الدلو بالسبب الذي هو الحبل. والثاني - أنه يمضي فيه من غير تثبت، كمضى الدلو في الارسال من غير تثبت. والباطل هو ما تعلق بالشيء على خلاف ما هو به، خبراً كان أو اعتقاداً أو تخيلا أو ظنّاً. والفريق: القطعة المعزولة من الشىء. والاثم الفعل الذي يستحق به الذم. وقوله: {وأنتم تعلمون} معناه إنكم تعلمون أن ذلك التفريق من المال ليس بحق لكم لأنه أشد في الزجر. وفي الآية دلالة على أن تفرقة الحاكم بشهادة الزور غير جائزة، ولا يستباح به النكاح لأحد الشاهدين كما لا يحلّ ذلك في المال.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ} عطفٌ على السّابق وابداءٌ لحكم آخر حال كونها {بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} يعنى لا تأكلوا الأموال الّتى جعلها الله بينكم سواءً لا اختصاص بشيءٍ منها بشخص منكم بذاته بل الاختصاص ليس الاّ بالاعتبار وكلّ وجه اعتبره الشّارع للاختصاص فهو حقّ وكلّ وجه لم يعتبره الشّارع فهو باطل ضائع لعدم استناده الى اعتبار معتبر حقّ، فأخذ الاموال وأكلها بوجهٍ لم يعتبره الشّارع منهىّ عنه، اولا تأكلوا الاموال المشتركة بينكم بالوجوه الحقّة بداعٍ باطلٍ وباعثٍ غير حقٍّ بان تبتغوا التصرّف فيها بما لم يأذن به الشّارع ويدخل فى الاموال المشتركة المائدة والقصعة والخبز والمياه والفواكه والمجالس المشتركة والوجه الرّاجح فى التصرّف فيها الايثار والمباح المواساة والمرجوح التّفاضل مع علم الشّريك ورضاه والمنهىّ الخدعة فى التّفاضل وهكذا الحال فى سائر الاموال المشتركة، او لا تأكلوا أموالكم بنيّةٍ باطلة وداعٍ شيطانىٍّ بأن تأكلوا أموال أنفسكم لان تتقوّوا على اضرار النّاس او لمحض تشهّى النّفس او لا تأكلوا أموال أنفسكم متلبّسين بالباطل الّذى هو ولاية غير ولىّ الامر او لا تأكلوها متلبّسين بالغفلة عن التذكّر أيّها المؤمنون، او لا تأكلوها غافلين عن الولاية أيّها المسلمون؛ او لا تأكلوها غافلين عن اتّباع النبوّة ايّها النّاس {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ} عطفٌ على المنهىّ او منصوب بتقدير ان وهذا من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ فانّ الادلاء بمعنى الالقاء ادلى بماله الى فلانٍ دفعه والقاه اليه؛ والمراد لا تلقوا امر الاموال الى الحكّام الالهيّة او الغير الالهيّة لتدلّسوا على الحكّام الالهيّة وتستظهروا بسبب الرّشوة بالحكّام الغير الالهيّة؛ فانّ الاخذ بالتّدليس على الحكّام الالهيّة اشدّ حرمة من السّرقة حيث جعل آلة الدّين شركاً للدّنيا، والاستظهار بالحكّام الغير الالهيّة تحاكم الى الطّاغوت ومن تحاكم اليهم فأخذ بحقٍّ فقد أخذ سحتاً فكيف حال من أخذ بباطلٍ {لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلإِثْمِ} الّذى هو التّدليس والرّشوة {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} اى انتم العلماء او تعلمون قبح الباطل والاثم ولا فرق بين كونه قيداً للنّهى او المنهىّ وقد أشير فى الاخبار الى الوجوه الّتى ذكرت فى الآية.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ} قال الحسن: هو الرجل يأكل مال الرجل، يظلمه ويجحده، ثم يأتي به إلى الحكام. فالحكام إنما يحكمون بالظاهر، وإذا حكم له استحلَّه بحكمه. وقال الكلبي: هي اليمين الكاذبة يقطع بها الرجل مال أخيه. ذكروا عن بعض السلف أنه قال: من مشى مع خصمه وهو له ظالم، فهو آثم حتى يرجع إلى الحق. ذكر: بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إنه قد يُدلَى إلي بالخصومة؛ فلعل أحد الرجلين أن يكون ألحن بحجته من صاحبه فأقضي له. فمن قضيت له من مال أخيه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من النار . تفسير : ذكر الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيبة نفس فلا تظلموا . تفسير : قوله: {لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه ليس لكم بحق. قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} أي: وللحج. كقوله: (أية : وَإِنْ أَرَدْتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ)تفسير : أي: لأولادكم [البقرة:233]. ذكر بعض المفسرين قال: ذكر لنا أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم خلقت هذه الأهلة؟ فأنزل الله هذه الآية: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ}؛ أي لصومهم ولإِفطارهم ولحجهم، ولعدة نسائهم ولمَحِلّ دَيْنهم. قوله: {وَلَيْسَ البِرُّ بِأَن تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ} ولا تعصوه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. ذكر البراء بن عازب قال: كان المشركون إذا أحرموا لم يدخل أحدهم بيتاً من بابه إلا أن يتسوّر من الحائط، فأنزل الله هذه الآية. وقال الحسن: كانوا في الجاهلية إذا أراد أحدهم سفراً فلم يتمَّ له سفره، لم يأت بيته من الباب الذي خرج منه، ولكن يغلق الباب، فيأتي الباب من قِبَلِ ظهره. وكانوا يتقرّبون بذلك، لأنهم زعموا أن ذلك في دينهم، وهو مما أدخل عليهم الشيطان. فأنزل الله: {وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. وقال الكلبي: كانوا في الإِحرام لا يدخلون البيوت من أبوابها، إلا أن ينقب أحدهم نقباً في ظهر بيته فيدخل منه أو يخرج، أو يتخذ سلماً فيصعد فيه وينحدر، إلا أن يكون من الحُمْس. والحُمْس قريش وكنانة وخُزاعة وبنو عامر بن صعصعة الذين لا يلتقطون الأقط ولا يسلأون السمن ولا يفتلون الوبر، ولا الشعر في أيام حجهم، حرم عليهم عندهم في هذا ما أحل للناس، وأحل لهم ما حرم على الناس في أشياء كانوا يفعلونها، فنزلت هذه الآية. وقال بعضهم: كان هذا الحي من الأنصار إذا أهلَّ أحدهم لم يدخل بيتاً ولا داراً من بابه، إلا أن يتسوَّر حائطاً تسوّراً، وأسلموا على ذلك حتى نهاهم الله.
اطفيش
تفسير : {ولا تأكُلُوا أمْوَالَكُم}: لا يذهب بعضكم مال بعض بإفساده أو بأخذه لنفسه أو لغيره، أو بأكله أو شربه أو بلبسه، أو بغير ذلك من وجوه الانتفاع ووجوه إتلاف المال عن صاحبه بذاته أو منفعته، وعبر بالأكل عن ذلك كله لأنه الجزء الأعظم من الإتلاف، وهو أعظم رغبة، وقد تعارف بين الناس [أنّ] فلاناً يأكل أموال الناس بمعنى يأخذها بغير حقها، وذلك استعمال للفظ الخاص وهو الأكل فى العام، وهو مطلق الإتلاف عبر عنه بالأكل الذى هو إتلاف مخصوص، وذلك مجاز مرسل تبعى فى تأكلوا أصلى فى الأكل، فالمراد بالأكل الإتلاف المطلق الشامل للأكل وغيره ويجوز أن يكون استعارة تبعية فى تأكلوا، أصلية فى الأصل شبه الاتلاف بغير الأكل بالإتلاف بالأكل، فسماه باسم الأكل، فالمراد على هذا الوجه بالأكل سائر الإتلافات بغير الأكل، ويقاس عليها الإتلاف بالأكل، وقال {أموالكم} إيذاناً بأن المسلمين كنفس واحدة، وأن من آذى مسلماً كمن آذى نفسه. {بيْنكُم}: حال من الأموال أو متعلق بتأكلوا. {بالبَاطِلِ}: أى بالأمر الذاهب الذى لا يثبت بحجة الحق لآخذه، ويجوز أن يكون المراد بالباطل ما حرم الله كالسرقة والغصب وسائر الإتلافات على أنه حقيقة شرعية فى خصوص ذلك، وإنما صدق واحد والباء للآلة وللمصاحبة أو للسببية. {وتُدْلُوا بِها إلى الحُكَامِ}: عطف على تأكلوا، فهو فى حيز النهى، أى لا تدلوا بها إلى الحكام، فهو مجزوم، ويجوز أن تكون الواو مفيدة مفهوم مع، واقعة فى سياق النهى، وتدل منصوب بأن مضمرة وجوباً والعطف على مصدر مقدر بالمعنى، أى لا يكن منكم أكل أموالكم بالباطل مع إدلائكم بها إلى الحكام، فيكون المراد خصوص الإتلاف الواقع بالأداء، والوجه الأول أولى لعمومه، فإن يعم الإتلاف بغير الإدلال، والإتلاف بالإدلاء الإلقاء أى لا تلقوا بحكومتها إلى الحكام، أعنى بحكومة الأموال أو لا تلقوا بأموال إلى الحكام رشوة. شبه ذلك بإرسال الدلو فى البئر رجاء للماء فسماه باسم إرساله وهو الإدلاء. {لِتأْكُلُوا فَريقاً مِنْ أمْوالِ النَّاسِ بالإثْمِ}: هذا مما يدل على ألا تدلو معطوف على تأكلوا، لأن هذا تعليل لتدلوا، فجعل تدلوا منصوباً بعد واو المعية، مع كون هذا تعليلا له مرجوع، والمعنى لتأكلوا ما ليس لكم بالتحاكم للتحيل فى الكلام، أو للرشوة، أو لشهادة الزور، أو لكتمان الشهادة، أو للجحود حيث لا يبيت، فيحلف فيأخذ أو نحو ذلك، والفريق من أموال الناس هو القطعة منها، والتاء سببية متعلقة بتأكلوا الثانى، أو للمصاحبة متعلقة بمحذوف حال من واو تأكلوا الثانى، والإثم الذنب، قال ابن عباس: نزل قوله تعالى: {وتُدلُوا بها إلى الحُكَّام لتأْكُلوا فَريقًا مِنْ أمْوالِ النَّاسِ بالإثْم} إلخ، فى الرجل يكون عليه المال وليس عليه ببنة، فيجحد ويخاصم إلى الحكام، وهو يعلم أن الحق عليه، وأنه أثم بمنعه، وعنه الإثم هنا اليمين الكاذبة، وقيل الشهادة الزور، والتحقيق أن الباطل خلاف الحق، وأن الإثم الذنب وهو ظلم وكلاهما يتصور بوجوده الإتلاف كلها بالقول والفعل والسكوت، فدخل فى ذلك النهب والغصب والتعدى، والأخذ بنحو القمار والغناء والخمر واللهو والرشوة والزور، والأخذ بالصلح مع علمه بأنه لا حق له، والخيانة فى الوديعة والأمانة ومال اليتيم ونحوه مما يكون القول فيه قوله، وقد قال قوم معنى {تُدْلُوا بِهَا إلى الحكَّامِ} تسارعون فى الأموال الخصامية إذا علمتم أن الحجة تقوم لكم، إما بأن تكون على الجاحد بينة، أو يكون مال أمانة كاليتيم ونحوه مما القول فيه قوله، فالباء ظرفية أو سببية، وقيل المعنى ترشوا بالأموال لتأكلوا أموالا أخرى بغير حق، قيل فالباء إلزاق مجرد، ورجحه بعض أن الحكام مظنة الرشا إلا من عصم وهو الأقل. {وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ}: أنكم مبطلون آثمون، وارتكاب الذنب مع العلم أقبح من ارتكابه مع الجهل، والجاهل غير معذور. روى حديث : أن ربيعة بن عثمان الحضرمى ادعى على امرئ القيس بن عباس الكندى قطعة أرض عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - للحضرمى: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمين؟ فانطلق ليحلف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما إن حلف على ماله ليأكله ظلماً ليلقين الله وهو عنه معرض". فقرأ عليه قوله تبارك وتعالى: {إنَّ الّذِينَ يَشْتَرُون بعَهْدِ اللّهِ وأيمْانِهِم ثَمَنَاً قليلا}، فارتدع عن اليمين، وسلم الأرض إلى عبدانتفسير : ، فنزل قوله تعالى: {ولا تَأكُلُوا أمْوالكُم بينكم بالبَاطِل} حديث : عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لرجلين اختصما عنده: "إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلى ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضى له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئاً فإنما أقضى له قطعة من نار"، فبكيا، وقال: كل واحد منهما حقى لصاحبى، فقال: اذهبا فتواخيا ثم استهما، ثم ليحلل كل منكما صاحبهتفسير : . وروى البخارى ومسلم عنه - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث بلفظه، ولم يذكروا ما زاده الراوى من بيان قصة الخصمين بقوله: فبكيا.. إلخ. وكذلك رواه الربيع بن حبيب عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ولم يحك تلك الزيادة، ومعنى ألحن: أفطن وأقدر على إقامة حجته، وهو من اللحن بفتح اللام والحاء، بمعنى الفطنة. قال الربيع رحمه الله: ألحْق أقَطع وأبلغ. وروى الربيع أقطع له بدل أقضى له، ورواه الشيخ هود بلفظ "حديث : قد يدل لى إلىّ بالخصومة فلعل أحد الرجلين أن يكون"تفسير : الحديث.وفى البخارى ومسلم عن أم سلمة، حديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع جلبة، أى صوت خصام، بباب حجرتها فخرج إليهم فقال: "إنما أنا بشر وأنا يأتينى الخصم، فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض"تفسير : ، وفى رواية" حديث : ألحن بحجته من بعض، فأحسب أنه صادق فأقضى له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هى قطعة من نار فليحملها أو يذرها"تفسير : ، فالآية وهذه الأحاديث ونحوها تدل على أن الحكم أمر ظاهرى لا يحل للظالم فى خصامه ما ليس له وإلا لما وصف بالإثم، ونسبت إليه قطعة نار، وكان شريح القاضى يقول: إنى لأقضى لك وإنى لأظنك ظالما، ولكن لا ينبغى إلا أن أقضى بما يحضرنى من البينة، وأن قضائى لا يحل لك حراماً، وعن الحسن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس فلا تظلموا"تفسير : يعنى أنهُ لا يحل الحرام بالحكم. وعن بعض السلف من مشى مع خصمه وهو ظالم فهو أثم حتى يرجع إلى الحق.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ} أى لا يأكل بعضكم مال بعض، لقوله أموالكم، إذ لا ينهى الإنسان عن أكل ماله: ولقوله {بَيْنَكُمْ} ثابتة بينكم معتبرة، بأخذك منه وبأخذه منك {بِالْبَٰطِلِ} الوجه الباطل، وهذا الطريق الى يبطل، أى لا يجيز العقل الصحيح استعماله ولا الشرع، أو يجيزه، ولا يجيزه الشرع، كالرشوة والربا وما يؤخذ على الزنى والكهانة كالسرقة والقمار الغصب التطفيف وأجرة الغناء وثمن الخمر والملاهى وشهادة الزور والخيانة فى الأمانة، والمراد بالأكل الأخذ ولو بلا إتلاف لأن حبس المال عن مالكه بلا حق حرام، فيدخل الإتلاف بالأكل فى البطن وإعطائها وإفسادها بالأولى، وإذا أكل بعضهم مال الآخر ولم يأكل الآخر ماله فقد دخل فى الآية، لأن كل واحد نهى عن أن يأكل مال الآخر، وهذا معنى الآية، وإن قلنا معناها جمع الأكلين أن تأكل ماله وأن يأكل مالك، فأكل أحدهما مال الآخر دون أن يأكل الآخر ماله مستفاد من النص {وَتُدْلُواْ بِهَآ} تلقوها، والباء صلة للتأكيد أو للسببية أى تتوصلو بها إلى الحكام أو الآلة والعطف على تأكلوا، أى ولا تدلوا، أو الفعل منصوب والواو للمعية، والأول أولى لأنه صريح فى النهى عن كل من الأكل والإدلاء {إِلَى الْحُكَّامِ} أى ولا تدلوا بحكومتها بظاهر الأمر أو بحكم الجور، فحذف المضاف ويدل لذلك قوله إلى الحكام، إذ لا معنى لإلقائها إليهم، وإنما المراد الترافع بها إليهم بخصام الفجور ليأخذها أو بعضها أو يثقل الخصام على صاحبها فيتركها، أو لا تلقوها رشوة إليهم، وأصل الإدلاء إرسال الدلو فى البئر، ثم استعمل لمطلق التوصل إلى الشىء {لِتَأْكُلُوا} لتأخذوا {فَرِيقاً} طائفة، هى كل ما خاصم فيه أو بعضه، وعلى كل حال هى من أموال الناس كما قال {مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ} بسبب الإثم، فيتعلق بتأكلوا أو معه، فيتعلق بمحذوف حال من الواو، والإثم هو نفس شهادة الزور واليمين الكاذبة فإن شهادة الزور إثم لشاهدها، ولا يحل للمشهود له الأكل بها {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه لا حق لكم فى ذلك ودعوا كم باطلة، وارتكاب الشىء مع عدم العلم بأنه معصية قبيح، ومع العلم أقبح، وفى الآية أن حكم الحاكم لا يحل باطلا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إلىَّ ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع منه. فمن قضيت له بشىء من حق أخيه فلا يأخذنه فإنما أقطع له قطعة من نار"تفسير : ، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حكمت له بحق صاحبه فإنما أجذو له جذوة من نار"تفسير : ، نزلت الآية فى شأن أرض فى يد امرىء القيس الكندى من كندة من ثور، قبيلة من اليمن يدعيها عبدان الحضرمى، وفى رواية ربيعة بن عبدان الحضرمى، لا بينة له فحكم صلى الله عليه وسلم على امرىء القيس باليمين، فأراد أن يحلف، فقرأ صلى الله عليه وسلم، إن الذين يشترون بعهد ا لله الآية فترك اليمن، فسلم الأرض إلى عبدان، وأرضا أخرى مكان ما أكل من غلتها، وذلك هو الحق، وعن أبى حنيفة حكم الحاكم نافذ ظاهراً وباطناً، فهو كعقد عقده، ولعله لا يصح عنده ذلك إلا حيث لا يصل المحكوم له إلى إدراك ذلك، وإلا كان ذلك منه تحنفاً عن الحق إلى الضلال، وأما ما روى عن علىّ أن رجلا خطب امرأة هو دونها فأبت، فأقام شاهدين فقال: قد زوجك الشاهدان، فمعناه إنك زوجه فى الحكم لشهادة الشاهدين، والغيب لله سبحانه.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ} والمراد من ـ الأكل ـ ما يعم الأخذ والاستيلاء، وعبر به/ لأنه أهم الحوائج ـ وبه يحصل إتلاف المال غالباً ـ والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض، فهو على حد {أية : ولا تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ }تفسير : [الحجرات: 11] وليس من تقسيم الجمع على الجمع، كما في ـ ركبوا دوابهم ـ حتى يكون معناه لا يأكل كل واحد منكم مال نفسه، بدليل قوله سبحانه: {بَيْنِكُمْ} فإنه ـ بمعنى الواسطة ـ يقتضي أن يكون ما يضاف إليه منقسماً إلى طرفين بكون الأكل والمال حال الأكل متوسطاً بينهما ـ وذلك ظاهر على المعنى المذكور ـ والظرف متعلق بـ {تَأْكُلُواْ} كالجار والمجرور بعده، أو بمحذوف حال من الأموال ـ والباء ـ للسببية والمراد من الباطل الحرام، كالسرقة والغصب، وكل ما لم يأذن بأخذه الشرع. {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ} عطف على {تَأْكُلُواْ} فهو منهي عنه مثله مجزوم بما جزم به وجوز نصبه بأن مضمرة ومثل هذا التركيب وإن كان للنهي عن الجمع إلا أنه لا ينافي أن يكون كل من الأمرين منهياً عنه والإدلاء في الأصل إرسال الحبل في البئر ثم استعير للتوصل إلى الشيء أو الإلقاء ـ والباء ـ صلة الإدلاء وجوز أن تكون سببية والضمير المجرور للأموال أي لا تتوصلوا، أو لا تلقوا بحكومتها والخصومة فيها إلى ـ الحكام ـ وقيل: لا تلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة، وقرأ أبـيّ {وَلاَ تدلوا}. {لِتَأْكُلُواْ} بالتحاكم والرفع إليهم {فَرِيقاً} قطعة وجملة. {مِنْ أَمْوٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلإثْمِ} أي بسبب ما يوجب إثماً كشهادة الزور واليمين الفاجرة، ويحتمل أن تكون ـ الباء ـ للمصاحبة أي متلبسين ـ بالإثم ـ والجار والمجرور على الأول: متعلق بتأكلوا وعلى الثاني: حال من فاعله وكذلك {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} ومفعول العلم محذوف أي ـ تعلمون ـ أنكم مبطلون، وفيه دلالة على أن من لا يعلم أنه مبطل، وحكم له الحاكم بأخذ مال فإنه يجوز له أخذه، أخرج ابن أبـي حاتم عن سعيد بن جبير مرسلاً أن عبدان بن أشوع الحضرمي، وامرؤ القيس بن عابس اختصما في أرض ولم تكن بينة فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحلف امرؤ القيس فهم به فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا }تفسير : [آل عمران: 77] فارتدع عن اليمين وسلم الأرض فنزلت. واستدل بها على أن حكم القاضي لا ينفذ باطناً فلا يحل به الأخذ في الواقع، وإلى ذلك ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وأبو يوسف ومحمد، ويؤيده ما أخرجه البخاري ومسلم عن أم سلمة زوج النبـي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه فإنما أقطع له قطعة من النار»تفسير : . وذهب الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه إلى أن الحاكم إذا حكم ببينة بعقد أو فسخ عقد مما يصح أن يبتدأ فهو نافذ ظاهراً وباطناً ويكون كعقد عقداه بينهما، وإن كان الشهود زوراً كما روي أن رجلاً خطب امرأة هو دونها فأبت فادعى عند علي كرم الله تعالى وجهه أنه تزوجها وأقام شاهدين فقالت المرأة: لم أتزوجه وطلبت عقد النكاح فقال علي كرم الله تعالى وجهه: قد زوجك الشاهدان، وذهب فيمن ادعى حقاً في يدي رجل وأقام بينة تقتضي أنه له وحكم بذلك الحاكم أنه لا يباح له أخذه وإن حكم الحاكم لا يبيح له ما كان قبل محظوراً عليه وحمل الحديث على ذلك، والآية ليست نصاً في مدعى مخالفيه لأنهم إن أرادوا أنها دليل على عدم النفوذ مطلقاً فممنوع وإن أرادوا أنها دليل على عدم النفوذ في الجملة فمسلم ولا نزاع فيه لأن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه يقول بذلك، ولكن فيما سمعت والمسألة معروفة في الفروع والأصول ولها تفصيل في «أدب القاضي» فارجع إليه.
ابن عاشور
تفسير : عطف جملة على جملة، والمناسبة أن قوله: { أية : تلك حدود الله فلا تقربوها }تفسير : [البقرة: 187] تحذير من الجُرأَة على مخالفة حكم الصيام بالإفطار غير المأذون فيه وهو ضرب من الأكل الحرام فعطف عليه أكل آخر محرم وهو أكل المال بالباطل، والمشاكلة زادت المناسبةَ قوة، وهذا من جملة عداد الأحكام المشروعة لإصلاح ما اختل من أحوالهم في الجاهلية، ولذلك عطف على نظائره وهو مع ذلك أصل تشريع عظيم للأموال في الإسلام. كان أكل المال بالباطل شنشنة معروفة لأهل الجاهلية بل كان أكثر أحوالهم المالية فإن اكتسابهم كان من الإغارة ومن الميسِر، ومن غصب القوي مال الضعيف، ومن أكل الأولياء أموال الأيتام واليتامى، ومن الغرر والمقامرة، ومن المراباة ونحو ذلك، وكل ذلك من الباطل الذي ليس عن طيب نفس. والأكل حقيقته إدخال الطعام إلى المعدة من الفم وهو هنا استعارة للأخذ بقصد الانتفاع دون إرجاع؛ لأن ذلك الأخذ يشبه الأَكل من جميع جهاته، ولذلك لا يطلق على إحراق مال الغير اسم الأكل ولا يطلق على القرض والوديعة اسم الأكل، وليس الأكل هنا استعارة تمثيلية؛ إذ لا مناسبة بين هيئة آخذ مال غيره لنفسه بقصد عدم إرجاعه وهيئة الأكل كما لا يخفى. والأموال جمع مال ونُعرِّفه بأنه «ما بقدره يكون قدر إقامة نظام معاش أفراد الناس في تناول الضروريات والحاجيات والتحسينيَّات بحسب مبلغ حضارتهم حاصلاً بكدح»، فلا يعد الهواء مالاً، ولا ماء المطر والأودية والبحار مالاً، ولا التراب مالاً، ولا كهوف الجبال وظلال الأشجار مالاً، ويعد الماء المحتفر بالآبار مالاً، وتراب المقاطع مالاً، والحشيش والحطب مالاً، وما ينحته المرء لنفسه في جبلٍ مالاً. والمالُ ثلاثة أنواع: النوع الأول ما تحصل تلك الإقامة بذاته دون توقف على شيء وهو الأطعمة كالحبوب، والثمار، والحيوان لأكله وللانتفاع بصوفه وشعره ولبنه وجلوده ولركوبه قال تعالى: { أية : وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين } تفسير : [النحل: 80] وقال: { أية : لتركبوا منها ومنها تأكلون } تفسير : [غافر: 79] وقد سمت العرب الإبل مالاً قال زهير: شعر : صَحِيحَاتِ مَالٍ طَالِعَاتٍ بمَخْرَم تفسير : وقال عمر: « حديث : لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حَمَيْتُ عليهم من بلادهم شبراً » تفسير : ، وهذا النوع هو أعلى أنواع الأموال وأثبتها، لأن المنفعة حاصلة به من غير توقف على أحوال المتعاملين ولا على اصطلاحات المنظمين، فصاحبه ينتفع به زمن السلم وزمن الحرب وفي وقت الثقة ووقت الخوف وعند رضا الناس عليه وعدمه وعند احتياج الناس وعدمه، وفي الحديث «حديث : يقول ابن آدَمَ مَالِي مَالِي وإنما مالك ما أكلت فأَمريت أو أَعطيتَ فأغنيت»تفسير : فالحصر هنا للكمال في الاعتبار من حيث النفع المادي والنفع العرضي. النوع الثاني: ما تحصل تلك الإقامة به وبما يكمله مما يتوقف نفعه عليه كالأرض للزرع وللبناء عليها، والنار للطبخ والإذابة، والماء لسقي الأشجار، وآلات الصناعات لصنع الأشياء من الحطب والصوف ونحو ذلك، وهذا النوع دون النوع الثاني لتوقفه على أشياء ربما كانت في أيدي الناس فضنت بها وربما حالت دون نوالها موانع من حرب أو خوف أو وعورة طريق. النوع الثالث: ما تحصل الإقامةُ بعوضه مما اصطلح البشر على جعله عوضاً لما يراد تحصيله من الأشياء، وهذا هو المعبَّر عنه بالنَّقد أو بالعُمْلة، وأكثر اصطلاح البشر في هذا النوع على معدني الذهب والفضة وما اصطلح عليه بعض البشر من التعامل بالنحاس والوَدَع والخرزات وما اصطلح عليه المتأخرون من التعامل بالحديد الأبيض وبالأوراق المالية وهي أوراق المصارف المالية المعروفة وهي حجج التزام من المصرف بدفع مقدار ما بالورقة الصادرة منه، وهذا لا يتم اعتباره إلاّ في أزمنة السلم والأَمن وهو مع ذلك متقارب الأفراد، والأوراق التي تروجها الحكومات بمقادير مالية يتعامل بها رعايا تلك الحكومات. وقولي في التعريف: حاصلاً بكدح، أردت به أن شأنه أن يكون حاصلاً بسعي فيه كلفة ولذلك عبرت عنه بالكدح وذلك للإشارة إلى أن المال يشترط فيه أن يكون مكتسباً والاكتساب له ثلاثة طرق: الطريق الأول: طريق التناول من الأرض قال تعالى: { أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً } تفسير : [البقرة: 29] وقال: { أية : هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه } تفسير : [الملك: 15] وهذا كالحطب والحشيش والصيد البري والبحري وثمر شجر البادية والعسل، وهذا قدْ يكون بلا مزاحمة وقد يكون بمزاحمة فيكون تحصيله بالسبق كسكنى الجبال والتقاط الكمأة. الطريق الثاني: الاستنتاج وذلك بالولادة والزرع والغرس والحلب، وبالصنعة كصنع الحديد والأواني واللباس والسلاح. الطريق الثالث: التناول من يد الغير فيما لا حاجة له به إما بتعامل بأن يعطيَ المرء ما زاد على حاجته مما يحتاج إليه غيره ويأخذَ من الغير ما زاد على حاجته مما يحتاج إليه هو، أو بإعطاء ما جعله الناس علامة على أن مالكه جدير بأن يأخذ به ما قُدِّر بمقداره كدينار ودرهم في شيء مقوَّم بهما، وإما بقوة وغلبة كالقتال على الأراضي وعلى المياه. والباطل اسم فاعل من بطل إذا ذهب ضياعاً وخسراً أي بدون وجه، ولا شك أن الوجه هو ما يرضي صاحب المال أعني العِوض في البيوعات وحب المحمدة في التبرعات. والضمائر في مثل: {ولا تأكلوا أموالكم} إلى آخر الآية عامة لجميع المسلمين، وفعل: {ولا تأكلوا} وقع في حَيز النهي فهو عام، فأفاد ذلك نهياً لِجميع المسلمين عن كُل أَكل وفي جميع الأَمْوال، قلنا هنا جمعان جمع الآكلين وجمع الأموال المأكولة، وإذا تقابل جمعان في كلام العرب احتمل أن يكون من مقابلة كل فردٍ من أفراد الجمع بكل فردٍ من أفراد الجمع الآخَر على التوزيع نحو ركب القوم دوابهم وقوله تعالى: { أية : وخذوا حذركم } تفسير : [النساء: 102] ــــ { أية : قوا أنفسكم } تفسير : [التحريم: 6]، واحتمل أن يكون كذلك لكن على معنى أن كل فرد يقابل بفرد غيره لا بفرد نفسه نحو قوله: { أية : ولا تلمزوا أنفسكم } تفسير : [الحجرات: 11] وقوله { أية : فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم } تفسير : [النور: 61]، واحتمل أن يكون من مقابلة كل فرد بجميع الأفراد نحو قوله: { أية : وقِهم السيئات } تفسير : [غافر: 9]، والتعويل في ذلك على القرائن. وقد علم أن هذين الجمعين هنا من النوع الثاني أي لا يأكل بعضهم مال بعض آخر بالباطل؛ بقرينة قوله: {بينكم}؛ لأن بين تقتضي توسطاً خلال طرفين، فعُلم أن الطرفين آكل ومأكول منه والمال بينهما، فلزم أن يكون الآكل غيرَ المأكول وإلاّ لما كانت فائدة لقوله: {بينكم}. ومعنى أكلها بالباطل أكلُها بدون وجه، وهذا الأكل مراتب: المرتبة الأولى: ما علمه جميع السامعين مما هو صريح في كونه باطلاً كالغصب والسرقة والحيلة. المرتبة الثانية: ما ألحقه الشرع بالباطل فبيَّن أنه من الباطل وقد كان خفياً عنهم وهذا مثل الربا؛ فإنهم قالوا: { أية : إنَّما البيع مثل الربا } تفسير : [البقرة: 275]، ومثل رشوة الحكام، ومثل بيع الثمرة قبل بدو صلاحها؛ ففي الحديث: « حديث : أرَأَيْتَ إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه » تفسير : ، والأحاديث في ذلك كثيرة قال ابن العربي: هي خمسون حديثاً. المرتبة الثالثة: ما استنبطه العلماء من ذلك، فما يتحقق فيه وصف الباطل بالنظر وهذا مجال للاجتهاد في تحقيق معنى الباطل، والعلماءُ فيه بين موسع ومضيق مثل ابن القاسم وأشهب مِن المالكية وتفصيله في الفقه. وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في قضية عبدان الحضرمي وامرىء القيس الكِنْدي اختصما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أرض فنزلت هذه الآية والقصة مذكورة في «صحيح مسلم» ولم يذكر فيها أن هذه الآية نزلت فيهما وإنما ذكر ذلك ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: {وتدلوا بها إلى الحكام} عطف على {تأكلوا} أي لا تدلوا بها إلى الحكام لتتوسلوا بذلك إلى أكل المال بالباطل. وخص هذه الصورة بالنهي بعد ذكر ما يشملها وهو أَكل الأموال بالباطل؛ لأن هذه شديدة الشناعة جامعة لمحرمات كثيرة، وللدلالة على أن معطي الرشوة آثم مع أنه لم يأكل مالاً بل آكلَ غيره، وجُوز أن تكون الواو للمعية و{تدلوا} منصوباً بأن مضمرة بعدها في جواب النهي فيكون النهي عن مجموع الأمرين أي لا تأكلوها بينكم مُدلين بها إلى الحكام لتأكلوا وهو يفضي إلى أن المنهي عنه في هذه الآية هو الرشوة خاصة فيكون المراد الاعتناء بالنهي عن هذا النوع من أكل الأموال بالباطل. والإدلاء في الأصل إرسال الدلو في البئر وهو هنا مجاز في التوسل والدفع. فالمعنى على الاحتمال الأول، لا تدفعوا أموالكم للحكام لتأكلوا بها فريقاً من أموال الناس بالإثم؛ فالإدلاء بها هو دفعها لإرشاء الحكام ليقضوا للدافع بمال غيره فهي تحريم للرشوة وللقضاء بغير الحق، ولأَكل المقضي له مالاً بالباطل بسبب القضاء بالباطل. والمعنى على الاحتمال الثاني لا تأكلوا أموالكم بالباطل في حال انتشاب الخصومات بالأموال لدى الحكام لتتوسلوا بقضاء الحكام، إلى أكل الأموال بالباطل حين لا تستطيعون أكلها بالغَلب، وكأنَّ الذي دعاهم إلى فرض هذا الاحتمال هو مراعاة القصة التي ذكرت في سبب النزول، ولا يخفى أن التقيد بتلك القصة لا وجه له في تفسير الآية، لأنه لو صح سندها لكان حمل الآية على تحريم الرشوة لأجل أكل المال دليلاً على تحريم أكل المال بدون رشوة بدلالة تنقيح المناط. وعلى ما اخترناه فالآية دلت على تحريم أكل الأموال بالباطل، وعلى تحريم إرشاء الحكام لأكل الأموال بالباطل، وعلى أن قضاء القاضي لاَ يغير صفة أكل المال بالباطل، وعلى تحريم الجور في الحكم بالباطل ولو بدون إرشاء، لأن تحريم الرشوة إنما كان لما فيه من تغيير الحق، ولا جَرم أن هاته الأشياء من أهم ما تصدَّى الإسلام لتأسيسه تغييراً لما كانوا عليه في الجاهلية فإنهم كانوا يستحلون أموال الذين لم يستطيعوا منع أموالهم من الأكل فكانوا يأكلون أموال الضعفاء قال صَنَّان اليَشْكُري: شعر : لَوْ كَانَ حَوْضَ حِمَارٍ ما شَرِبْتَ به إِلاَّ بإذن حِمارٍ آخِرَ الأَبَدِ لكِنَّه حَوْضُ مَنْ أوْدَى بإخوته ريبُ المَنُونِ فأمسى بَيْضَةَ البَلَدِ تفسير : وأما إرشاء الحكام فقد كان أهل الجاهلية يبذلون الرُّشا للحكام، ولمَّا تنافر عامر بن الطفيل وعَلْقَمة بن علاثة إلى هرم بن قطبة الفزاري بذل كل واحد منهما مائة من الإبل إن حكم له بالتفضيل على الآخر فلم يقض لواحد منهما بل قضى بينهما بأنهما كركبتي البعير الأَدْرَم الفَحْل تستويان في الوقوع على الأرض فقال الأعشى في ذلك من أبيات: شعر : حَكَّمتُموه فقضى بينَكُم أَزْهَرُ مثلُ القَمر البَاهِرِ لاَ يَقْبَل الرَّشْوَةَ في حُكمه ولاَ يُبالِي غَبن الخاسر تفسير : ويقال إن أول من ارتشى من حكام الجاهلية هو ضَمرة بن ضمرة النَهْشلي بمائة من الإبل دفعها إليه عباد بن أنف الكلب في منافرة بينه وبين معبد بن نضلة الفقعسي لينفِّره عليه ففعل، ويقال إن أول من ارتشى في الإسلام يَرَفَأُ غلامُ عمر بن الخطاب رشاه المغيرة بن شعبة ليقدمه في الإذن بالدخول إلى عمر؛ لأن يرفأ لما كان هو الواسطة في الإذن للناس وكان الحق في التقديم في الإذن للأسبق، إذ لم يكن مضطراً غيرُه إلى التقديم كان تقديم غير الأسبق اعتداء على حق الأسبق فكان جوراً وكان بذل المال لأجل تحصيله إرشاءً ولا أحسب هذا إلاّ من أكاذيب أصحاب الأهواء للغض من عدالة بعض الصحابة فإنْ صح ولا إِخاله: فالمغيرة لم ير في ذلك بأساً؛ لأن الضر اللاحق بالغير غير معتد به، أو لعله رآه إحساناً ولم يقصد التقديم ففعله يرفأ إكراماً له لأجل نواله، أمَّا يرفأ فلعله لم يهتد إلى دقيق هذا الحكم. فالرشوة حرمها الله تعالى بنص هاته الآية؛ لأنها إن كانت للقضاء بالجور فهي لأَكل مال بالباطل وليست هي أكل مال بالباطل فلذلك عطف على النهي الأول؛ لأن الحاكم موكِّلٌ المال لا آكل، وإن كانت للقضاء بالحق فهي أكل مال بالباطل؛ لأن القضاء بالحق واجب، ومثلها كل مال يأخذه الحاكم على القضاء من الخصوم إلاّ إذا لم يجعل له شيء من بيت المال ولم يكن له مال فقد أباحوا له أخذ شيء معيَّن على القضاء سواء فيه كلا الخصمين. ودلالة هذه الآية على أن قضاء القاضي لا يؤثرُ في تغيير حرمة أكل المال من قوله: {وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم} فجعل المال الذي يأكله أحد بواسطة الحكم إثماً وهو صريح في أن القضاء لا يُحل حراماً ولا ينفذُ إلاّ ظاهراً، وهذا مما لا شبهة فيه لولا خلاف وقع في المسألة، فإن أبا حنيفة خالف جمهور الفقهاء فقال بأن قضاء القاضي يُحِل الحرام وينفذ باطناً وظاهراً إذا كان بحل أو حِرمة وادَّعاه المحكوم له بسبب معين أي كان القضاء بعقد أو فسخ وكان مستنداً لشهادة شهود وكان المقضي به مما يصح أن يبتدأ، هذا الذي حكاه عنه غالب فقهاء مذهبه وبعضهم يخصه بالنكاح. واحتج على ذلك بما روي أن رجلاً خطب امرأة هُودونها فأبت إجابته فادعى عليها، عند عليّ أنه تزوجها وأقام شاهدين زوراً فقضى عليٌّ بشهادتهما فقالت المرأة لما قضى عليها، إن كان ولا بد فزوجني منه فقال لها عليٌّ شاهداك زوجاك، وهذا الدليل بعد تسليم صحة سنده لا يزيد على كونه مذهب صحابي وهو لا يعارض الأحوال الشرعية ولا الأحاديث المروية نحو حديث « حديث : فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخُذْه فإنما أقتطع له قِطعة من نار » تفسير : ، على أن تأويله ظاهر وهو أن علياً اتهمها بأنها تريد بإحداث العقد بعد الحكم إظهار الوهن في الحكم والإعلانَ بتكذيب المحكوم له ولعلها إذا طلب منها العقد أن تمتنع فيصبح الحكم معلقاً. والظاهر أن مراد أبي حنيفة أن القضاء فيما يقع صحيحاً وفاسداً شرعاً من كل ما ليس فيه حق العبد أن قضاء القاضي بصحته يتنزل منزلة استكمال شروطه توسعة على الناس، فلا يخفى ضعف هذا ولذلك لم يتابعه عليه أحد من أصحابه. وقوله: {وأنتم تعلمون} حال مؤكدة لأن المدلي بالأموال للحكام ليأكل أموال الناس عالم لا محالة بصنعه، فالمراد من هذه الحال تشنيع الأمر وتفظيعه إعلاناً بأن أكل المال بهذه الكيفية هو من الذين أكلوا أموال الناس عن عِلم وعمد فجرمه أشد.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الباطل: خلاف الحق. تدلوا: الإِدلاء بالشيء إلقاؤه، والمراد هنا إعطاء القضاة والحكام الرشوة ليحكموا لهم بالباطل حتى يتوصلوا إلى أموال غيرهم. فريقاً: أي طائفة وقطعة من المال. بالإِثم: المراد به هنا بالرشوة وشهادة الزور، واليمين الفاجرة أي الحلف بالكذب ليقضي القاضي لكم بالباطل في صورة حق. معنى الآية الكريمة: لما أخبر تعالى في الآية السابقة أنه يبيّن للناس أحكام دينه ليتقوه بفعل المأمور وترك المنهي بيّن في هذه الآية حكم أكل أموال المسلمين بالباطل، وأنه حرام فلا يحل لمسلم أن يأكل مال أخيه بغير طيب نفسه منه. وذكر نوعاً هو شر أنواع أكل المال بالباطل، وهو دفع الرشوة إلى القضاة والحاكمين ليحكموا لهم بغير الحق فيورطوا القضاة في الحكم بغير الحق ويأكلوا أموال إخوانهم بشهادة الزور واليمين الغموس الفاجرة وهي التي يحلف فيها المرء كاذباً. وقال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي وأنتم تعلمون حرمة ذلك. هداية الآية: من هداية الآية: 1- حرمة أكل مال المسلم بغير حق سواء كان بسرقة أو بغصب أو غش، أو احتيال ومغالطة. 2- حرمة الرشوة تدفع للحاكم ليحكم بغير الحق. 3- مال الكافر غير المحارب كمال المسلم في الحرمة إلا أن مال المسلم أشد حرمة لحديث "حديث : كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه، وماله"تفسير : . ولقوله تعالى في هذه الآية {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ} وهو يخاطب المسلمين.
القطان
تفسير : الأكل: الأخذ والاستيلاء. والادلاء: الالقاء، يقال: ادلى دلوه في البئر أرسلها. وأدلى اليه بمالٍ دفعه اليه. وأدلى بحجته أحضرها واحتج بها. فريقا: طائفة أو قسما. يقصد الله تعالى ان لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، فجعل تعالى اكْل المرء مالَ أخيه بالباطل كأكل مال نفسه بالباطل، وكثيرا ما يرد في القرآن هذا التعبير حتى يشعرنا الله بأن الناس كلهم اخوان. وذلك كقوله: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ}. لقد جعل الله المؤمنين إخوة، وعلى الاخوة ان يحفظوا مال بعضهم. وهو بذلك يؤدبنا بأرفع الآداب، ويحضنا على ان نكون امناء فيما بيننا، فلا يعتدي بعضنا على بعض، ولا يظلم أحد منا غيره. {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ}: تلقوا بأموالكم الى الحكام ليُحكَم لكم بمال حرام وتنتزعوا مال اخوانكم بشهادة باطلة أو بينة كاذبة، أو رشوة خبيثة، وأنتم تعلمون ان هذا ليس بمالكم، وأنكم انما ترتكبون معصية بشعة. ويدخل تحت قوله تعالى "بالباطل" كل كسب حرام.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمْوَالَكُمْ} {بِٱلْبَاطِلِ} {أَمْوَالِ} (188) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَلاَّ يَأْكُلَ بَعْضُهُمْ مَالَ بَعْضٍ بِالبَاطِلِ، وَبِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ: كَالسَّرِقَةِ، وَالغِشِّ، وَالتَّعَدِّي عَلَى النَّاسِ، وَالكَسْبِ عَنْ طَريقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ .. وَبِأَلاَّ يُلْقُوا بِأَمْوَالِهِمْ رَشْوَةً إِلى الحُكَّامِ لِيَحْصُلُوا عَلَى أَحْكَامٍ لِمَصْلَحَتِهِمْ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ يَقِيناً أَنَّهُمْ لاَ حَقَّ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ آثِمُونَ آكِلُو حَرَامٍ. وَحُكْمُ الحَاكِمِ لاَ يُحِلُّ حَراماً، وَلا يُحرِّمُ ُحَلاَلاً، وَإِنَّمَا هُوَ مُلْزِمٌ فِي الظَّاهِرِ. أَمَّا مَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ، وَأَنَّهُ يَأْكُلُ مَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ حَراماً، وَإِنْ قَضَى بِهِ حَاكِمٌ. وَهُوَ قِطْعَةٌ مِنْ نَارٍ فَليَحْمِلْها أَوْ لِيَذَرْهَا - كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ-. تُدْلُوا بِهَا - تُلْقُوا بِالخُصُومَةِ فِيهَا ظُلْماً وَبَاطِلاً.
الثعلبي
تفسير : {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} الآية. قال ابن حيان وابن السايب: نزلت هذه في أمرؤ القيس بن عابس الكندي وفي عبدان بن أشرح الحضرمي، وذلك إنهما إختصما إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في أرض فأراد أمرؤ القيس أن يحلف فأنزل الله {أية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 77] فقرأها النبيّ صلى الله عليه وسلم فأبى أن يحلف وحكم عبدان في أرضه ولا يخاصمه. فقرأها النبيّ صلى الله عليه وسلم وكان أمرؤ القيس المطلوب وعبدان الطالب فأنزل الله عزّ وجلّ {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} الآية أيّ لا يأكل بعضكم مال بعض، (بالباطل) أي من غير الوجه الذي أباحه الله تعالى له، وأصل الباطل الشيء الذاهب الزائل يقال: بطل يبطل بطولاً وبطلاناً إذا ذهب. {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ} أي تلقون أمور تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى الحكام، وأصل الادلاء إرسال الدلو وإلقاءه في البئر، يقال أدلى دلوه إذا أرسلها. قال الله تعالى {أية : فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ} تفسير : [يوسف: 19] ودلاها إذا أخرجها ثمّ جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاء، ومنه قيل للمحتج بدعواه: أدلى بحجته إذا كانت سبباً له يتعلق به في خصومته كتعلق المسقي بدلو قد أرسلها هو سبب وصوله إلى الماء، ويقال: أدلى فلان إلى فلان إذا تناول منه وأنشد يعقوب: شعر : فقد جعلت إذا حاجة عرضت بباب دارك أدلوها أيا قوم تفسير : ومنه يقال أيضاً: دلا ركابه يدلوها إذا ساقها سوقاً رفقاً قال الراجز: شعر : يا ذا الذي يدلوا المطيّ دلوا ويمنع العين الرقادا المرا تفسير : واختلف النحاة في محل قوله {وَتُدْلُواْ}. فقال بعضهم: جزم بتكرير حرف النهي المعني ولا تأكلوا ولا تدلوا وكذلك هي في حرف أُبي بإثبات لا. وقيل: وهو نصب على الصرف. كقول الشاعر: شعر : لا تنه عن خُلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم تفسير : وقيل: نصب باضمارين الخفيّفة. قال الأخفش: نصب على الجواب بالواو. {لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلإِثْمِ} بالباطل. وقال المفضل: أصل الإثمّ التقصير في الأمر. قال الأعشى: شعر : جمالية تعتلي بالرّداف إذا كذب الاثمان الهجيرا تفسير : أي المقصرات يصف [ناقته] ثمّ جعل التقصير في أمر الله عزّ وجلّ والذنب إثماً. {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} إنكم مبطلون. قال ابن عبّاس: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس له فيه بينة فيجحد ويخاصمهم فيه إلى الحكام وهو يعرف ان الحق عليه ويعلم إنه آثمّ أكل حرام. قال مجاهد: في هذه الآية لا يخاصم وليست ظالم. الحسن: هو أن يكون على الرجل لصاحبه حق فإذا طالبه به دعاه إلى الحكام فيحلف له ويذهب بحقه. الكلبي: هو أن يقيم شهادة الزور. قتادة: لا تدل بمال أخيك إلى الحاكم وأنت تعلم إنك ظالم فإن قضاءه لا يحل حرامه ومن قضى له بالباطل فإن خصومته لم ينقض حتّى يجمع الله عزّ وجلّ يوم القيامة بينه وبين خصيمه فيقضي بينهما بالحق. وقال شريح: إني لأقضي لك، وإني لأظنك ظالماً، ولكن لا يسعني إلاّ أن أقضي بما يحضرني من البيّنة، وإن قضائي لا يحل لك حراماً. محمّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار ". تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنمة الانصاريين قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدوا دقيقاً مثل الخيط ثمّ يزيد حتّى يمتلىء ويستوي ثمّ لا يزال ينقص حتّى يعود كما بدأ لا يكون على حالة واحدة فأنزل الله تعالى {يَسْأَلُونَكَ} يا محمّد {عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} وهي جمع هلال مثل رداء وأردية واشتقاق الهلال من قولهم استهل الصبي إذا صرخ حين يولد. وأهَل القوم بالحج والعمرة إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية. قال الشاعر: شعر : يهل بالفرقد ركبانها كما يهل الراكب المعتمر تفسير : فسمّي هلالاً لأنه حين يري يهل الناس بذكر الله ويذكره. {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ} وهو الزمان المحدود للشيء {لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} أخبر الله عن الحكمة في زيادة القمر ونقصانه واختلاف أحواله، إعلم إنه فعل ذلك: ليعلم الناس أوقاتهم في حُجتهم وعمرتهم وحلّ ديونهم وَوعِدو حلفائهم وأجور أُجرائهم ومحيض الحائض ومدة الحامل ووقت الصوم والافطار وغير ذلك، فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة. {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} قال المفسّرون:" حديث : كان الناس في الجاهلية وفي أوّل الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطاً ولا بيتاً ولا داراً من بابه فإن كان من أهل المدن نقب نقباً في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلماً فيصعد منه وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل من الباب ولا يخرج منه حتّى يحل من إحرامه، ويرون ذلك براً إلاّ أن يكون من الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو عامر بن صعصعة وبنو النضر بن معاوية، سمّوا حمساً لتشددهم في دينهم والحماسة والشدة والصلابة قالوا: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بيتاً لبعض الأنصار فدخل من الأنصار رجل يقال له زعامة بن أيوب، وقال الكلبي: قطبة بن عامر بن حذيفة أحد بني سلمة فدخل على أثره من الباب وهو محرم فأنكروا عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمَ دخلت من الباب وأنت محرّم؟ قال: رأيتك دخلت فدخلت على أثرك، فقال رسول الله: إنيَّ أحمس، قال الرجل: إن كنت أحمس: فإنّ أحمس ديننا واحد، رضيت بهديك وهمتك ودينكتفسير : ، فأنزل الله هذه الآية. الزهري:" حديث : كان ناس من الأنصار إذا أهلّوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء ويتحرجون من ذلك وكان الرجل يخرج مهلاً بالعمرة فتبدوا له الحاجة بعد ما يخرج من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين السماء فيفتح الجدار من ثمّ يقوم في حجرته فيأمر بحاجته فيخرج إليه من بيته، حتّى بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَّ زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرة ودخل رجل على أثره من الأنصار من بني سلمة، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم لِمَ فعلت ذلك؟ قال: لأني رأيتك دخلت، فقال: لأني أحمس. [قال الزهري: ] وكانت الحمس لا يبالون بذلك. فقال الأنصاري: وأنا أحمس. يقول: وأنا على دينك فأنزل الله تعالى {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} ". تفسير : قرأ حمزة الكسائي وعاصم في رواية أبي بكر ونافع برواية [تأتوا البيوت] بكسر الباء في جميع القرآن لمكان الياء. وقرأ الباقون: بالضم على الأصل. {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ} أيّ نرَّ من إتقى كقوله {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ} وقد مرَّ ذكره {وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} في حال الإحرام {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وما دامت أموالي فلماذا لا آكلها؟ إن الأمر هنا للجميع، والأموال مضافة للجميع، فالمال ساعة يكون ملكاً لي، فهو في الوقت نفسه يكون مالاً ينتفع به الغير. إذن، فهو أمر شائع عند الجميع، لكن ما الذي يحكم حركة تداوله؟ إن الذي يحكم حركة تداوله هو الحق الثابت الذي لا يتغير، ولا يحكمه الباطل. وما معنى الباطل، والحق؟ إن الباطل هو الزائل، وهو الذي لا يدوم، وهو الذاهب. والحق هو الثابت الذي لا يتغير فلا تأكل بالباطل، أي لا تأكل مما يملكه غيرك إلا بحق أثبته الله بحكم: فلا تسرق، ولا تغتصب، ولا تخطف، ولا ترتش، ولا تكن خائناً في الأمانة التي أنت موكل بها، فكل ذلك إن حدث تكن قد أكلت المال بالباطل. وحين تأكل بالباطل فلن تستطيع أنت شخصياً أن تعفي غيرك مما أبحته لنفسك، وسيأكل غيرك بالباطل أيضاً. ومادمت تأكل بالباطل وغيرك يأكل بالباطل، هنا يصير الناس جميعاً نهباً للناس جميعاً. لكن حين يُحكَم الإنسان بقضية الحق، فأنت لا تأخذ إلا بالحق، ويجب على الغير ألا يعطيك إلا بالحق، وبذلك تخضع حركة الحياة كلها لقانون ينظم الحق الثابت الذي لا يتغير، لماذا؟ لأن الباطل قد يكون له علو، لكن ليس له استقرار، فالحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ}تفسير : [الرعد: 17]. وساعة ترى مطراً ينزل في مسيلٍ ووادٍ، فأنت تجد هذا المطر قد كنس كل القش والقاذورات وجرفها فطفت فوق الماء ولها رغوة، وكذلك، فأنت عندما تدخل الحديد في النار تجده يسيل ويخرج منه الخبث، ويطفو الخبث فوق السطح، وهكذا نجد أن طفو الشيء وعلوه على السطح لا يعني أنه حق، إنه سبحانه يعطينا من الأمور المُحسة ما نستطيع أن نميز من خلاله الأمور المعنوية، وهكذا ترى أن الباطل قد يطفو ويعلو إلا أنه لا يدوم، بل ينتهي، والمثل العامي يقول: "يفور ويغور". إن الله يريد أن تكون حركة حياتنا نظيفة شريفة، حركة كريمة فلا يدخل في بطنك إلا ما عرقت من أجله، ويأخذ كل إنسان حقه. وقبل أن يفكر الإنسان في أن يأكل عليه أن يتحرك ليأكل، لا أن ينتظر ثمرة حركة الآخرين، لماذا؟ لأن هذا الكسل يشيع الفوضى في الحياة. وحين نرى إنساناً لا يعمل ويعيش في راحة ويأكل من عمل غيره فإن هذا الإنسان يصبح مثلاً يحتذي به الآخرون فيقنع الناس جميعاً بالسكون عن الحركة ويعيشون عالة على الآخرون. ويترتب على ذلك توقف حركة الحياة، وهذا باطل زائل، وبه تنتهي ثمار حركة المتحرك، وهنا يجوع الكل. إن الحق يريد للإنسان أن يتحرك ليشبع حاجته من طعام وشراب ومأوى، وبذلك تستمر دورة الحياة. إنه سبحانه يريد أن يضمن لنا شرف الحركة في الحياة بمعنى أن تكون لك حركة في كل شيء تنتفع به؛ لأن حركتك لن يقتصر نفعها عليك، ولكنها سلسلة متدافعة من الحركات المختلفة، وحين تشيع أنت شرف الحركة فالكل سيتحرك نحو هذا الشرف، لكن الباطل يتحقق بعكس ذلك، فأنت حين تأكل من حركة الآخرين تشيع الفوضى في الكون. وعلى هذا فالحركة الحلال لا يكفي فيها أن تتحرك فقط، ولكن يجب أن تنظر إلى شرف الحركة بألا تكون في الباطل، لأن الذي يسرق إنما يتحرك في سرقته، ولكن حركته في غير شرف وهي حركة حرام. إذن كل مسروق في الوجود نتيجة حركة باطلة، وكذلك الغصب، والتدليس، والغش، وعدم الأمانة في العمل، والخيانة في الوديعة، وإنكار الأمانة، كل ذلك باطل، وكل حركة في غير ما شرع الله باطل، حتى المعونة على حركة في غير ما شرع الله، كل ذلك باطل. ويقول لنا الحق سبحانه: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} [البقرة: 188] أي إياكم أن تأكلوها بالباطل ثم تدلوا بها إلى الحاكم ليبرروا لكم أن هذا الباطل هو حق لكم. فهناك أناس كثيرون يرون في فعل الحاكم مبرراً لأن يفعلوا مثله، وهذا أمر خاطئ؛ لأن كل إنسان مسئول عن حركته. لا تقل إن الحاكم قد شرع أعمالاً وتُلقي عليه تبعة أفعالك؛ ومثال ذلك تلك الأشياء التي نقول عليها إنّها فنون جميلة من رقص وغناء وخلاعة، هل إباحة الحكومات لها وعدم منعها لها هل ذلك يجعلها حلالاً؟ لا؛ لأن هناك فرقاً بين الديانة المدنية والديانة الربانية. ولذلك تجد أن الفساد إنما ينشأ في الحياة من مثل هذا السلوك. إن الذين يشتغلون بعمل لا يقره الله فهم يأكلون أموالهم بالباطل، ويُدخلون في بطون أولادهم الأبرياء مالاً باطلاً، وعلى الذين يأكلون من مثل هذه الأشياء أن ينتبهوا جيداً إلى أن الذي يعولهم، إنما أدخل عليهم أشياء من هذا الحرام والباطل، وعليهم أن يذكروا ربهم وأن يقولوا: لا لن نأكل من هذا المصدر؛ لأنه مصدر حرام وباطل، ونحن قد خلقنا الله وهو سبحانه متكفل برزقنا. وأنا اسمع كثيراً ممن يقولون: إن هذه الأعمال الباطلة أصبحت مسائل حياة، ترتبت الحياة عليها ولم نعد نستطيع الاستغناء عنها. وأقول لهم: لا، إن عليكم أن ترتبوا حياتكم من جديد على عمل حلال، وإذا أصر واحد على أن يعمل عملاً غير حلال ليعول من هو تحته، فعلى المُعال أن يقف منه موقفاً يرده، ويصر على ألا يأكل من باطل. وتصوروا ماذا يحدث عندما يرفض ابن أن يأكل من عمل أمه التي ترقص مثلاً أو تغني، أو عمل والده إذا علم أنه يعمل بالباطل؟ المسألة ستكون قاسية على الأب أو الأم نفسيهما. إن الذين يقولون: إن هذا رزقنا ولا رزق لنا سواه، أقول لهم: إن الله سبحانه وتعالى يرزق من يشاء بغير حساب، ولا يظن إنسان أن عمله هو الذي سيرزقه، إنما يرزقه الله بسبب هذا العمل: فإن انتقل من عمل باطل إلى عمل آخر حلال فلن يضن الله عليه بعمل حق ورزق حلال ليقتات منه. وقد عالج الحق سبحانه وتعالى هذه القضية حينما أراد أن يُحَرِّمَ بيت الله في مكة على المشركين، لقد كان هناك أناس يعيشون على ما يأتي به المشركون في موسم الحج، وكان أهل مكة يبيعون في هذا الموسم الاقتصادي كل شيء للمشركين الذين يأتون للبيت، وحين يُحَرِّم الله على المشرك أن يذهب إلى البيت الحرام، فماذا يكون موقف هؤلاء؟ إن أول ما يخطر على البال هو الظن القائل: "من أين يعيشون"؟ ولنتأمل القضية التي يريد الله أن ترسخ في نفس كل مؤمن. قال الحق: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ..}تفسير : [التوبة: 28]. ثم يأتي للقضية التي تشغل بال الناس فيقول: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ ..}تفسير : [التوبة: 28]. وهكذا نرى أن هذه القضية لم تخف على الله فلا يقولن أحدٌ إن العمل الباطل الحرام هو مصدر رزقي، ولن أستطيع العيش لو تركته سواء كان تلحيناً أو عزفاً أو تأليفاً للأغاني الخليعة، أو الرقص، أو نحت تماثيل. نقول له: لا، لا تجعل هذا مصدراً لرزقك والله يقول لك: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [التوبة: 28]. وأنت عندما تتقي الله، فهو سبحانه يجعل لك مخرجاً. {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} تفسير : [الطلاق: 2-3]، وعليك أن تترك كل عمل فيه معصية لله وانظر إلى يد الله الممدودة لك بخيره. إذن، فقول الله: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} [البقرة: 188] تنبيه للناس ألا يُدخلوا في بطونهم وبطون من يعُولون إلا مالاً من حق، ومالاً بحركة شريفة؛ نظيفة، وليكن سند المؤمن دائماً قول الحق: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}تفسير : [الطلاق: 2-3]. ولنا أن نعرف أن مَنْ أكل بباطل جاع بحق، أي أن الله يبتليه بمرض يجعله لا يأكل من الحلال الطيب، فتجد إنساناً يمتلك أموالاً ويستطيع أن يأكل من كل ما في الكون من مطعم ومشرب، ولكن الأطباء يحرمون عليه الأكل من أطعمة متعددة لأن أكلها وبال وخطر على صحته، وتكون النعمة أمامه وملك يديه، ولكنه لا يستطيع أن يأكل منها بحق. وفي الوقت نفسه يتمتع بالنعمة أولاده وخدمه وحاشيته وكل مَنْ يعولهم، مثل هذا الإنسان نقول له: لابد أنك أخذت شيئاً بالباطل فحرمك الله من الحق. ومن هنا نقول: "مَنْ أكل بباطل جاع بحق". وكذلك نقول: "مَنْ استغل وسيلة في باطل أراه الله قبحها بحق"، فالذي ظلم الناس بقوته وبعضلاته المفتولة لابد أن يأتي عليه يوم يصبح ضعيفاً. والمرأة التي تهز وسطها برشاقة لابد أن يأتي عليها يوم يتيبس وسطها فلا تصبح قادرة على الحركة، والتي تخايل الناس بجمال عيونها في اليمين والشمال لابد أن يأتيها يوم وتعمى فلا ترى أحداً، وينفر الناس من دمامتها. إن كل مَنْ أكل بباطل سيجوع بحق، وكل مَنْ استغل وسيلة بباطل أراه الله قبحها بحق، واكتب قائمة أمامك لمَنْ تعرفهم، واستعرض حياة كل مَنْ استغل شيئاً مما خلقه الله في إشاعة انحراف ما أو جعله وسيلة لباطل لابد أن يُريه الله باطلاً فيه. وأنا أريد الناس أن يعملوا قائمة لكل المنحرفين عن منهج الله، ويتأملوا مسيرة حياتهم، وكل منا يعرف جيرانه وزملاءه من أين يأكلون؟ ومن أين يكتسبون؟ ليتأمل حياتهم ويعرف أعمال الحلال والحرام ويجعل حياتهم عبرة له ولأولاده، كيف كانوا؟ وإلي أي شيء أصبحوا؟ ثم ينظر خواتيم هؤلاء كيف وصلت. ومن حبنا لهؤلاء الناس نقول لهم: تداركوا أمر أنفسكم فلن تخدعوا الله في أنكم تجمعون المال الحرام، وبعد ذلك تخرجون منه الصدقات، إن الله لن يقبل منكم عملكم هذا؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا الطيب. ونحن نسمع عن كثير من المنحرفين في الحياة يذهبون للحج، ويقيمون مساجد ويتصدقون، وكل ذلك بأموال مصدرها حرام، ولهؤلاء نقول: إن الله غني عن عبادتكم، وعن صدقاتكم الحرام، وننصحهم بأن الله لا ينتظر منكم بناء بيوت له من حرام أو التصدق على عباده من مال مكتسب بغير حلال، لكنه سبحانه يريد منكم استقامة على المنهج. وحين نتأمل الآية نجد فيها عجباً، يقول الله عز وجل: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ} [البقرة: 188] لقد ذكر الحق الحكام في الآية؛ لأن الحاكم هو الذي يقنن ويعطي مشروعية للمال ولو كان باطلاً، وقوله سبحانه: {تُدْلُواْ} مأخوذة من "أدلى"، ونحن ندلي الدلو لرفع الماء من البئر و"دَلاَه": أي أخرج الدلو، أما "أدلى": فمعناها "أنزل الدلو". ولذلك في قصة الشيطان الذي يغوي الإنسان قال الحق: {أية : فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا ..}تفسير : [الأعراف: 22]. {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ} [البقرة: 188] أي ترشوا الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالباطل، ومن العجيب أن هذا النص بعينه هو نص الرشوة. والرشوة مأخوذة من الرِّشاء، والرِّشاء هو الحبل الذي يعلق فيه الدَّلو، فأدلى ودَلاَ في الرشوة. ولماذا يدلون بها إلى الحكام؟ إنهم يفعلون ذلك حتى يعطيهم الحكام التشريع التقنيني لأكل أموال الناس بالباطل، وذلك عندما نكون محكومين بقوانين البشر، لكن حينما نكون محكومين بقوانين الله فالحاكم لا يبيح مثل هذا الفعل. ولذلك وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ فقال:"حديث : إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحب أنه صادق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها". تفسير : إن الذين يقول ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المعصوم، إنه يحذر من أن يحاول أحد أن يبالغ في قوة الحجة ليأخذ بها حقاً ليس له. إذن فحين يُقنن الفساد فذلك نتيجة أن الحاكم يقر ذلك، ويأخذ الإنسان حكم الحاكم كأمر نهائي، مثال ذلك: بعض من الحكام لم يحرموا الربا، ويتعامل به الناس بدعوى أن الحكومات تحلله، فلا حرج عليهم. ومثل هذا الفهم غير صحيح؛ لأن الحكومات لا يصح أن تحلل ما حرمه الله، وإن حللت ذلك فعلى المؤمن أن يحتاط وأن يعرف أنه والحكام محكومون بقانون إلهي، وإن لم تقنن الحكومات الحلال من أجل سلطتها الزمنية فعلى المؤمن ألا يخرج من تعاليم دينه. وإذا نظرنا إلى أي فساد في الكون، في أي مظهر من مظاهر الفساد فسنجد أن سببه هو أكل المال بالباطل، ولذلك لم يترك الحق سبحانه وتعالى تلك المسائل غائبة، وإنما جعلها من الأشياء المشاهدة. وأنت إن أردت أن تعرف خلق أي عصر، واستقامته الدينية وأمانته في تصريف الحركة فانظر إلى المعمار في أي عصر من العصور، انظر إلى المباني ومن خلالها تستطيع أن تُقَيم أخلاق العصر. إنك إن نظرت إلى عملية البناء الآن تجد فيها استغلال المال، وعدم أمانة المنفذ، وخيانة العامل، وكل هذه الجوانب تراها في المعمار. لننظر مثلاً إلى مجمع التحرير ولنسترجع تاريخ بنائه، ولنقرنه بمبنى هيئة البريد أو دار القضاء العالي وما بني في عهدهما. ولننظر إلى المباني والإنشاءات التي نسمع عنها وتنهار فوق سكانها ولنقارنها بمبنى هيئة البريد أو دار القضاء العالي، سنجد أن المباني القديمة قامت على الذمة والأمانة، أما المباني التي تنهار على سكانها في زماننا أو تعاني من تلف وصلات الصرف الصحي فيها، تلك المباني قامت على غش الممول الشره الطامع، والمهندس المدلس الذي صمم أو أشرف على البناء أو الذي تسلم المبنى وأقر صلاحيته، ومروراً بالعامل الخائن، وتكون النتيجة ضحايا أبرياء لا ذنب لهم، ينهار عليهم المبنى ويخرجون جثثا من تحت الأنقاض، إن كل ذلك سببه أكل المال بالباطل. ولقد نظر الشاعر أحمد شوقي في هذه المسألة، وجعل الأخلاق والدين من المبادئ فقال: شعر : ولـيـس بعـامـر بـنـيان قوم إذا أخـلاقـهـم كانـت خـرابا تفسير : وأنا أقترح على الدولة أن تعد سجلاً محفوظاً لكل عمارة يتم بناؤها، ويُحفظ في هذا السجل اسم ممولها، والمهندس الذي أشرف على بنائها، وكذلك أسماء عمال البناء، وعمال التشطيب، والأعمال الصحية والكهربائية وكافة العمال الذين شاركوا في بنائها. ويُحفظ كل ذلك في ملف خاص بالعمارة، وعندما يحدث أي شيء يأتون بهؤلاء، كل في تخصصه ويحاسبونهم على ما قصروا فيه من عمل، وإلا فإن أرواح الناس ستذهب سدى؛ فكل إنسان منا له فرصة في هذه الحياة وعليه ألا يطغى على نصيب غيره. وهب أننا نأخذ سلعة "بطابور" حتى لا يتقدم أحد على دور الآخر، وقد جاء الأول في "الطابور" من الساعة السابعة صباحاً وأخذ دوره، وجاء آخر متأخراً بعد أن نام واستراح ثم قضى جميع مصالحه وذهب للجمعية ووجد الصف طويلاً، فنظر حوله إلى شخص يتخطى هذا "الطابور"؛ وأعطاه مبلغاً من المال سهل له قضاء حاجته، مثل هذا الإنسان تعدى على حقوق كل الواقفين في "الطابور". وقد يقول: أنا أخذت مثلما يأخذون، نقول له: لا؛ لقد أخذت زمن غيرك، ولا يصح أن تأتي آخر الناس وتأخذ حق الشخص الذي وقف في "الطابور" من السابعة صباحاً. إن حقك مرتبط بزمنك، فلا تعتد على وقت الآخرين الذي هم أضعف منك قدرة أو مالاً. إن الحق يقول: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188]. والفريق هو الجماعة المعزولة من جماعة أكثر عدداً، فإذا ما انفصلت جماعة صغيرة عن أناس بهذه الجماعة تُسمى فريقاً. والإثم الأصيل فيه - ولو لم يكن هناك دين - أن تفعل ما تُعاب عليه وتُذم، وكذلك تُعاب عليه وتُذم من ناحية الدين، وفوق ذلك تعاقب في الآخرة. وما هو مقياس الحق والباطل؟ إن المقياس الذي ينجيك من الباطل هو أن تقبل لنفسك ما تقبله للطرف الآخر في أية صفقة أو معاملة؛ لأنك لا ترضى لنفسك إلا ما تعلم أن فيه نفعاً لك. ثم ينتقل الحق سبحانه وتعالى إلى قضية يعالج فيها أمراً واجه الدعوة الإسلامية، والدعوة الإسلامية إنما جاءت لتخلع المؤمنين بالله من واقع في الحياة كان كله أو أغلبه باطلاً، ولكنهم اعتادوه وألفوه أو استفاد أناس من ذلك الباطل، ذلك أن الباطل لا يستمر إلا إذا كان هناك مَنْ يستفيدون منه. وجاء الإسلام ليخلص الناس من هذه الأشياء الباطلة. فالحق لم يشأ أن يعلمنا أن كل أحوال الناس غارقة في الشرور، بل كانت هناك أمور أقرها الإسلام كما هي، فالإسلام لم يغير لمجرد التغيير، ولكنه واجه الأمور الضارة بالحياة التي لا يستفيد منها إلا أهل الباطل. مثال ذلك كان العرف السائد في الدية أنها مائة من الإبل يدفعها أهل القاتل، وقد أبقاها الإسلام كما هي. وحينما استقبل المسلمون الإيمان بالله، فهم قد استقبلوا أحكامه وأرادوا أن يبنوا حياتهم على نظام إسلامي جديد طاهر، حتى الشيء الذي كانوا يعملونه في الجاهلية كانوا يسألون عن حكمه؛ لأنهم لا يريدون أن يصنعوه على عادة ما كان يُصنع، بل على نية القربى إلى الله بالامتثال، إذن فهم عشقوا التكليف، وعلموا أن الله لم يكلفهم إلا بالنافع، وعندما نقرأ "يسألونك" في القرآن فاعلم أنها من هذا النوع، مثل ذلك قوله تعالى:{أية : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ..}تفسير : [البقرة: 219]. وقوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ..}تفسير : [البقرة: 222]. وقوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ ..}تفسير : [البقرة: 220]. وقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ ..}تفسير : [البقرة: 215]. وقوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ..}تفسير : [الكهف: 83]. وقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ ..}تفسير : [الأنفال: 1]. إذن فكل سؤال معناه أنهم أرادوا أن يبنوا حياتهم على نظام إسلامي، حتى الشيء الذي لم يغيره الإسلام أرادوا أن يعرفوه ويصنعوه على أنه حكم الإسلام لا على حكم العادة. والسؤال الذي نحن بصدده يعالج قضية كونية. وعندما يسأل المسلمُون عن قضية كونية فذلك دليل على أنهم التفتوا إلى كون الله التفاتاً دينياً آخر، لقد وجدوا الشمس تشرق كل يوم ولا تتغير، أما القمر الذي يطلع في الليل فهو الذي يتغير، إنه يبدأ في أول الشهر صغيراً ثم يكبر حتى يصبح بدراً، وبعد ذلك يبدأ في التناقص حتى يعود إلى ما كان عليه، لقد لفت نظرهم ما يحدث للقمر ولا يحدث من الشمس، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن بعضاً من اليهود أرادوا إحراج المسلمين فقالوا لهم: "اسألوا رسولكم عن الهلال كيف يبدأ صغيراً ثم يكبر حتى يصير بدراً ثم يعود لدورته مرة أخرى حتى يغرب ليلتين لا نراه فيهما"، وهذا السؤال سجله القرآن في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ} [الآية: 188]. يقول: لا تخاصم وأَنت ظالم. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ} [الآية: 191]. قال: يقول ارتداد المؤمن إِلى الوثن، أَشد من أَن يقتل محقاً. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [الآية: 193]. يقول: لا يكون شرك {وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ فَإِنِ ٱنْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} [الآية: 193]. يقول: لا تقاتلوا إِلا من قاتلكم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: فخرت قريش بردها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الحديبية محرما في ذي القعدة، عن البلد الحرام. فادخله الله مكة من العام المقبل في ذي القعدة، فقضى عمرته. قضاها بيوم الحديبية، فقال: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [الآية: 194].
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما بيّن تعالى في الآيات السابقة أحكام الصيام وأباح للمؤمنين الاستمتاع بالطعام والشراب والنكاح في ليالي رمضان عقّبه بالنهي عن أكل الأموال بغير حق لأن المسلم لا يصح له أن يستمتع بالمال الحرام لا في ليالي رمضان ولا غيره، ولما كان حديث الصيام يتصل برؤية الهلال وهذا ما يحرك في النفوس خاطر السؤال عن الأهلة جاءت الآيات الكريمة تبيّن أن الأهلة مواقيت لعبادات الناس في الصيام وسائر أنواع القربات. اللغَة: {ٱلْبَاطِلِ} في اللغة: الزائل الذاهب يقال: بطل الشيء بطولاً فهو باطل وفي الشرع هو المال الحرام كالغصب والسرقة والقمار والربا {وَتُدْلُواْ} الإِدلاء في الأصل: إِرسال الدلو في البئر ثم جعل كل إِلقاء أو دفع لقول أو فعل إِدلاءً يقال: أدلى بحجته أي أرسلها والمراد بالإِدلاء هنا الدفع إِلى الحاكم بطريق الرشوة {ٱلأَهِلَّةِ} جمع هلال وهو أول حال القمر حين يراه الناس ثم يصبح قمراً ثم بدراً حين يتكامل نوره {مَوَاقِيتُ} جمع ميقات وهو الوقت كالميعاد بمعنى الوعد وقيل: الميقات منتهى الوقت {ثَقِفْتُمُوهُم} ثقِفَ الشيءَ إذا ظفر به ووجده على جهة الأخذ والغلبة، ورجل ثَقِفٌ سريع الأخذ لأقرانه قال الشاعر: شعر : فإِمّا تثقفوني فاقتلوني فمنْ أَثْقفْ فليس إِلى خلود تفسير : {ٱلتَّهْلُكَةِ} الهلاكُ يقال هَلَك يهلِكُ هَلاكاً وتَهْلُكةً. سَبَبُ النّزول: روي أن بعض الصحابة قالوا يا رسول الله: ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا لا يكون على حالة واحدة كالشمس فنزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ...} الآية. ثانياً: روي أن الأنصار كانوا إذا أحرم الرجل منهم في الجاهلية لم يدخل بيتاً من بابه بل كان يدخل من نقبٍ في ظهره، أو يتخذ سُلّماً يصعد فيه فنزل قوله تعالى {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا}. التفسِير: {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} أي لا يأكل بعضكم أموال بعض بالوجه الذي لم يبحه الله {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ} أي تدفعوها إِلى الحكام رشوة {لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلإِثْمِ} أي ليعينوكم على أخذ طائفة من أموال الناس بالباطل {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنكم مبطلون تأكلون الحرام {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} أي يسألونك يا محمد عن الهلال لم يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يعظم ويستدير ثم ينقص ويدق حتى يعود كما كان؟ {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} أي فقل لهم إِنها أوقات لعباداتكم ومعالم تعرفون بها مواعيد الصوم والحج والزكاة {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} أي ليس البر بدخولكم المنازل من ظهورها كما كنتم تفعلون في الجاهلية {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ} أي ولكنَّ العمل الصالح الذي يقرّبكم من الله في اجتناب محارم الله {وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} ادخلوها كعادة الناس من الأبواب {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي اتقوا الله لتسعدوا وتظفروا برضاه {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} أي قاتلوا لإِعلاء دين الله من قاتلكم من الكفار {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} أي لا تبدءوا بقتالهم فإِنه تعالى لا يحب من ظلم أو اعتدى، وكان هذا في بدء أمر الدعوة ثم نسخ بآية براءة {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً}تفسير : [الآية: 36] وقيل نسخ بالآية التي بعدها وهي قوله {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم} أي اقتلوهم حيث وجدتموهم في حلّ أو حرم {وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} أي شرّدوهم من أوطانهم وأخرجوهم منها كما أخرجوكم من مكة {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ} أي فتنة المؤمن عن دينه أشدُّ من قتله، أو كفر الكفار أشد وأبلغ من قتلكم لهم في الحرم، فإِذا استعظموا القتال فيه فكفرهم أعظم {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} أي لا نبدءوهم بالقتال في الحرم حتى يبدءوا هم بقتالكم فيه {فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ} أي إِن بدءوكم بالقتال فلكم حينئذٍ قتالهم لأنهم انتهكوا حرمته والبادي بالشر أظلم {كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} أي هذا الحكم جزاء كل من كفر بالله {فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي فإِن انتهوا عن الشرك وأسلموا فكفّوا عنهم فإِن الله يغفر لمن تاب وأناب {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ} أي قاتلوا المحاربين حتى تكسروا شوكتهم ولا يبقى شرك على وجه الأرض ويصبح دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان {فَإِنِ ٱنْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} أي فإِن انتهوا عن قتالكم فكفوا عن قتلهم فمن قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم ولا عدوان إِلا على الظالمين، أو فإِن انتهوا عن الشرك فلا تعتدوا عليهم ثم بيّن تعالى أن قتال المشركين في الشهر الحرام يبيح للمؤمنين دفع العدوان فيه فقال {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} أي إِذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام، فكما هتكوا حرمة الشهر واستحلوا دماءكم فافعلوا بهم مثله {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} أي ردوا عن أنفسكم العدوان فمن قاتلكم في الحرم أو في الشهر الحرام فقابلوه وجازوه بالمثل {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} أي راقبوا الله في جميع أعمالكم وأفعالكم واعلموا أن الله مع المتقين بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} أي أنفقوا في الجهاد وفي سائر وجوه القربات ولا تبخلوا في الانفاق فيصيبكم الهلاك ويتقوى عليكم الأعداء وقيل معناه: لا تتركوا الجهاد في سبيل الله وتشتغلوا بالأموال والأولاد فتهلكوا {وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي أحسنوا في جميع أعمالكم حتى يحبكم الله وتكونوا من أوليائه المقربين. البَلاَغَة: 1- {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} هذا النوع من البديع يسمى "الأسلوب الحكيم" فقد سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الهلال لمَ يبدو صغيراً ثم يزداد حتى يتكامل نوره؟ فصرفهم إِلى بيان الحكمة من الأهلة وكأنه يقول: كان الأولى بكم أن تسألوا عن حكمة خلق الأهلة لا عن سبب تزايدها في أول الشهر وتناقصها في آخره، وهذا ما يسميه علماء البلاغة "الأسلوب الحكيم". 2- {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} فيه إِيجاز بالحذف تقديره: هتكُ حرمة الشهر الحرام تقابل بهتك حرمة الشهر الحرام ويسمى حذف الإِيجاز. 3- {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ} سمّي جزاء العدوان عدواناً من قبيل "المشاكلة" وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى كقوله {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40] قال الزجاج: العرب تقول ظلمني فلان فظلمته أي جازيته بظلمه. فَائِدَة: لا يذكر في القرآن الكريم لفظ القتال أو الجهاد إِلا ويقرن بكلمة "سبيل الله" وفي ذلك دلالة واضحة على أن الغاية من القتال غاية شريفة نبيلة هي إِعلاء كلمة الله لا السيطرة أو المغنم أَو الاستعلاء في الأرض أو غيرها من الغايات الدنيئة. تنبيه: كل ما ورد في القرآن بصيغة السؤال أجيب عنه بـ "قل" بلا فاء إلا في طه {أية : فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} تفسير : [الآية: 105] فقد وردت بالفاء، والحكمة أن الجواب في الجميع كان بعد وقوع السؤال وفي طه كان قبله إذ تقديره إن سئلت عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً. فَائِدَة: روي أن رجلاً من المسلمين حمل على جيش الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس: سبحان الله ألقى بيديه إِلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري إِنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار حين أعز الله الإِسلام وكثر ناصروه فقلنا: لو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فنزلت {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} فكانت التهلكة الإِقامة على الأموال وإِصلاحها وترك الجهاد في سبيل الله فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى استشهد ودفن بأرض الروم.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ} معناهُ طَائفةٌ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} من جملة الأحكام الموضوعة فيكم لإصلاح حالكم أن {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ} أي: لا يأكل كل منكم مال الآخر {بِٱلْبَاطِلِ} أي: بالسبب الباطل الغير المبيح له أكل مال الغير، من السرقة والغصب والربا والرشوة، والحيل المنسوبة إلى الشرع افتراء، وغير ذلك مما ابتدعه الفقهاء في الوقائع من الحيل والشبه، ونسبوها إلى السمحة الحنيفية البيضاء المحمدية، المنبئة عن الحكمة الإلهية، المنزهة عن أمثال تلك المزخرفات الباطلة {وَ} أيضاً من جملة الأحكام الموضوعة ألاَّ {تُدْلُواْ بِهَا} أي: لا يحاول بعضكم مال بعض {إِلَى ٱلْحُكَّامِ} المسلطين عليكم؛ أي: لا يفتري بعضكم بعضاً افتراءً يوقع بينكم العداوة والحكومة والبغضاء المفضية إلى المصادرة المستلزمة لأخذ المال من الجانبين، ومن أحد الجانبين {لِتَأْكُلُواْ} أي: الحكام {فَرِيقاً} بعضاً أو كلاً {مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ} المظلومين {بِٱلإِثْمِ} الصادر عن المدلي والمغري {وَأَنْتُمْ} أيها المدلون {تَعْلَمُونَ} البقرة: 188] أنكم آثمون مفترون. بك نعتصم عن أمثاله يا ذا القوة المتين. ثم لما قدر سبحانه في سابق علمه الحضوري سؤال أولئك السائلين عن كمية ازدياد القمر وانتقاصه وبدوه رقيقاً واستكماله، ورجوعه على ما كان عليه، أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم عما سألوه امتناناً عليه فقال: {يَسْأَلُونَكَ} أيها الداعي إلى الحق {عَنِ} كيمة تغير {ٱلأَهِلَّةِ قُلْ} واختلافها كمالاً ونقصاناً، قل لهم في جوابهم كلاماً ناشئاً عن لسان الحكمة مطابقاً لأسلوب الحكيم مقتضى حالكم وإدراككم: إن تسألوا عن الحكم والمصالح المودعة فيها لا عن كمية أمر القمر، فإنها خارجة عن طوق البشر، ونهاية مدارك العقلاء من أمر القمر ليس إلا أن نوره مستفاد من الشمس، وإنه مظلم في ذاته، وإن استفادته النور بحسب مقابلته بالشمس، وعدم ممانعة الأرض منها. وإمَّا أن الشمس ما هي في ذته والقمر ما هو؟ والارتباط بينهما على أي وجه فسر؟ لا يحوم حوله عقول أحد من خلقه، بل مما استأثر الله به في علمه، فلا يسأل عنه أحد، بل {هِيَ} أي: الاختلافات الواقعة في القمر زيادة ونقصاناً، ترقياً وتنزيلاً لأجل أنه {مَوَاقِيتُ} معينة {لِلنَّاسِ} في أمور معاشهم من الآجال المقدرة؛ لقضاء الديون والعدة وتعليقات المتعلقة بها، وغير ذلك من التقديرات الجارية في المعاملات بين الناس في العادات والعبادات {وَ} خصوصاً في {ٱلْحَجِّ} والصوم والنذر المعينة، فإنها كلها تضبط باختلافات إلى غير ذلك من العبادات المؤقتة {وَ} كما أن سؤالكم هذا ليس من الأمور المبرورة المتعلقة لدينكم وتوحيدكم كذلك {لَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} لا من أبوابها. الأنصار كانوا إذا أحرموا للحج لم يدخلوا من أبواب البيوت، بل يثقبون ظهورها ويدخلون منها يعدون هذه الفعلة من الأمور المبرورة ويعتقدونها كذلك، لذلك نبه سبحانة على خطئهم، وأرشدهم إلى البر الحقيقي بقوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ} المقبول عند الله بر {مَنِ ٱتَّقَىٰ} عن محارم الله مطلقاً حين لبس الإحرام؛ إذ الإحرام للموت الإرادي المعبر عنه بلسان الشرع بالحج بمنزلة الكفن للموت الطبيعي، فكا أن لابس الكفن محفوظ عن جميع المحارم اضطراراً، كذلك لابس الإحرام لا بد أن يتقي نفسه عن جميع المحارم إرادة واختياراً {وَ} إذا لم يكن الدخول من ظهور البيوت وثيقة من البر {أْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} مغمضين عيونكم عن محارم الله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} مخلصين له خائفين منه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: 189] رجاء أن تفوزوا بالفلاح من عند الله بسبب تقواكم. {وَ} من جملة الحدود الموضوعة فيكم: القتال مع أعداء دينكم {قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} مع المشركين المعرضين عن طريق الحق، المائلين عنه تعنتاً واستكباراً وخصوصاً مع {ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} ويقصدون استئصالكم بادين للقتال مجترئين عليها {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} ولا تتجاوزوا أيها المؤمنون عما نهيتم عنه من قتل المعاهد، والفجر والاقتحام فجأة، والمقاتلة في الحرم وفي الشهور المحرمة، والابتداء بالمقاتلة وغير ذلك {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] المتجاوزين عن الحدود والعهود.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ولا تأخذوا أموالكم أي: أموال غيركم، أضافها إليهم، لأنه ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحترم ماله كما يحترم ماله؛ ولأن أكله لمال غيره يجرئ غيره على أكل ماله عند القدرة. ولما كان أكلها نوعين: نوعا بحق، ونوعا بباطل، وكان المحرم إنما هو أكلها بالباطل، قيده تعالى بذلك، ويدخل في ذلك أكلها على وجه الغصب والسرقة والخيانة في وديعة أو عارية، أو نحو ذلك، ويدخل فيه أيضا، أخذها على وجه المعاوضة، بمعاوضة محرمة، كعقود الربا، والقمار كلها، فإنها من أكل المال بالباطل، لأنه ليس في مقابلة عوض مباح، ويدخل في ذلك أخذها بسبب غش في البيع والشراء والإجارة، ونحوها، ويدخل في ذلك استعمال الأجراء وأكل أجرتهم، وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه، ويدخل في ذلك أخذ الأجرة على العبادات والقربات التي لا تصح حتى يقصد بها وجه الله تعالى، ويدخل في ذلك الأخذ من الزكوات والصدقات، والأوقاف، والوصايا، لمن ليس له حق منها، أو فوق حقه. فكل هذا ونحوه، من أكل المال بالباطل، فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه، حتى ولو حصل فيه النزاع وحصل الارتفاع إلى حاكم الشرع، وأدلى من يريد أكلها بالباطل بحجة، غلبت حجة المحق، وحكم له الحاكم بذلك، فإن حكم الحاكم، لا يبيح محرما، ولا يحلل حراما، إنما يحكم على نحو مما يسمع، وإلا فحقائق الأمور باقية، فليس في حكم الحاكم للمبطل راحة، ولا شبهة، ولا استراحة. فمن أدلى إلى الحاكم بحجة باطلة، وحكم له بذلك، فإنه لا يحل له، ويكون آكلا لمال غيره، بالباطل والإثم، وهو عالم بذلك. فيكون أبلغ في عقوبته، وأشد في نكاله. وعلى هذا فالوكيل إذا علم أن موكله مبطل في دعواه، لم يحل له أن يخاصم عن الخائن كما قال تعالى: {أية : وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } .
همام الصنعاني
تفسير : 192- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ}: [الآية: 188]، قال: لا تُدْلِ بمال أخيك إلى الحاكم، وأنْت تعلم أنك ظالم، فإنَّ قضاءه، لا يُحلّ لك شيئاً كان حراماً عليك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):