Verse. 196 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

يَسْــَٔـلُوْنَكَ عَنِ الْاَہِلَّۃِ۝۰ۭ قُلْ ہِىَ مَوَاقِيْتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ۝۰ۭ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِاَنْ تَاْتُوا الْبُيُوْتَ مِنْ ظُہُوْرِھَا وَلٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقٰى۝۰ۚ وَاْتُوا الْبُيُوْتَ مِنْ اَبْوَابِہَا۝۰۠ وَاتَّقُوا اللہَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْنَ۝۱۸۹
Yasaloonaka AAani alahillati qul hiya mawaqeetu lilnnasi waalhajji walaysa albirru bian tatoo albuyoota min thuhooriha walakinna albirra mani ittaqa watoo albuyoota min abwabiha waittaqoo Allaha laAAallakum tuflihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يسألونك» يا محمد «عن الأهلة» جمع هلال لمَ تبدو دقيقة ثم تزيد حتى تمتلئ نورا ثم تعود كما بدت ولا تكون على حالة واحدة كالشمس «قل» لهم «هي مواقيت» جمع ميقات «للناس» يعلمون بها أوقات زرعهم ومتاجرهم وعُدد نسائهم وصيامهم وإفطارهم «والحج» عطف على الناس أي يعلم بها وقته فلو استمرت على حالة لم يعرف ذلك «وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها» في الإحرام كغيره بأن تنقبوا فيها نقبا تدخلون منه وتخرجون وتتركوا الباب وكانوا يفعلون ذلك ويزعمونه برّا «ولكنَّ البرَّ» أي ذا البِر «من اتقى» الله بترك مخالفته «وأتوا البيوت من أبوابها» في الإحرام «واتقوا الله لعلكم تفلحون» تفوزون.

189

Tafseer

الرازي

تفسير : الحكم التاسع في الآية مسائل: المسألة الأولى: نقل عن ابن عباس أنه قال: ما كان قوم أقل سؤالاً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم سألوا عن أربعة عشر حرفاً فأجيبوا. وأقول: ثمانية منها في سورة البقرة أولها: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } تفسير : [البقرة: 186] وثانيها: هذه الآية ثم الستة الباقية بعد في سورة البقرة، فالمجموع ثمانية في هذه السورة والتاسع: قوله تعالى في سورة المائدة: {أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } تفسير : [المائدة: 4] والعاشر: في سورة الأنفال {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ } تفسير : [الأنفال: 1] والحادي عشر: في بني إسرائيل {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ } تفسير : [الإسراء: 85] والثاني عشر: في الكهف {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ } تفسير : [الكهف: 83] والثالث عشر: في طه {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ } تفسير : [طه: 105] والرابع عشر: في النازعات {أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : [النازعات: 42] ولهذه الأسئلة ترتيب عجيب: اثنان منها في الأول في شرح المبدأ فالأول: قوله:{أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي } تفسير : [البقرة: 186] وهذا سؤال عن الذات والثاني: قوله: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ } وهذا سؤال عن صفة الخلاقية والحكمة في جعل الهلال على هذا الوجه، واثنان منها في الآخرة في شرح المعاد أحدهما: قوله: {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ } والثاني: قوله: {أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا } تفسير : [الأعراف: 187] ونظير هذا أنه ورد في القرآن سورتان أولهما: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } تفسير : [البقرة: 21] أحدهما: في النصف الأول: وهي السورة الرابعة من سورة النصف الأول، فإن أولاها الفاتحة وثانيتها البقرة وثالثها آل عمران ورابعتها النساء وثانيتهما: في النصف الثاني من القرآن وهي أيضاً السورة الرابعة من سور النصف الثاني أولاها مريم، وثانيتها طه، وثالثتها الأنبياء، ورابعتها الحج، ثم {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } التي في النصف الأول تشتمل على شرح المبدأ فقال {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } تفسير : [النساء: 1] و {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } التي في النصف الثاني تشتمل على شرح المعاد فقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ } تفسير : [الحج: 1] فسبحان من له في هذا القرآن أسرار خفية، وحكم مطوية لا يعرفها إلا الخواص من عبيده. المسألة الثانية: روي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم وكل واحد منهما كان من الأنصار قالا يا رسول الله: ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلىء ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا، لا يكون على حالة واحدة كالشمس، فنزلت هذه الآية ويروى أيضاً عن معاذ أن اليهود سألت عن الأهلة. واعلم أن قوله تعالى: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ } ليس فيه بيان إنهم عن أي شيء سألوا لكن الجواب كالدال على موضع السؤال، لأن قوله: {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ } يدل على أن سؤالهم كان على وجه الفائدة والحكمة في تغير حال الأهلة في النقصان والزيادة، فصار القرآن والخبر متطابقين في أن السؤال كان عن هذا المعنى. المسألة الثالثة: الأهلة جمع هلال وهو أول حال القمر حين يراه الناس، يقال له: هلال ليلتين من أول الشهر ثم يكون قمراً بعد ذلك، وقال أبو الهيثم: يسمى القمر ليلتين من أول الشهر هلالاً، وكذلك ليلتين من آخر الشهر، ثم يسمى ما بَين ذلك قمراً، قال الزجاج: فعال يجمع في أقل العدد على أفعلة، نحو مثال وأمثلة، وحمار وأحمرة، وفي أكثر العدد يجمع على فعل مثل حمر لأنهم كرهوا في التضعيف فعل، نحو هلل وخلل، فاقتصروا على جمع أدنى العدد. أما قوله تعالى: {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ } مسألتان: المسألة الأولى: المواقيت جمع الميقات بمعنى الوقت كالميعاد بمعنى الوعد، وقال بعضهم الميقات منتهى الوقت، قال الله تعالى: {أية : فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبّهِ } تفسير : [الأعراف: 142] والهلال ميقات الشهر، ومواضع الإحرام مواقيت الحج لأنها مواضع ينتهي إليها، ولا تصرف مواقيت لأنها غاية الجموع، فصار كأن الجمع يكرر فيها فإن قيل: لم صرفت قوارير؟ قيل: لأنها فاصلة وقعت في رأس آية، فنون ليجري على طريقة / الآيات، كما تنون القوافي، مثل قوله:شعر : أقـل اللـوم عـاذل والعتـابـن تفسير : المسألة الثانية: اعلم أنه سبحانه وتعالى جعل الزمان مقدراً من أربعة أوجه: السنة والشهر واليوم والساعة، أما السنة فهي عبارة عن الزمان الحاصل من حركة الشمس من نقطة معينة من الفلك بحركتها الحاصلة عن خلاف حركة الفلك إلى أن تعود إلى تلك النقطة بعينها، إلا أن القوم اصطلحوا على أن تلك النقطة نقطة الإعتدال الربيعي وهو أول الحمل، وأما الشهر فهو عبارة عن حركة القمر من نقطة معينة من فلكه الخاص به إلى أن يعود إلى تلك النقطة، ولما كان أشهر أحوال القمر وضعه مع الشمس، وأشهر أوضاعه من الشمس هو الهلال العربـي، مع أن القمر في هذا الوقت يشبه الموجود بعد العدم والمولود الخارج من الظلم لا جرم جعلوا هذا الوقت منتهى للشهر، وأما اليوم بليلته فهو عبارة عن مفارقة نقطة من دائرة معدل النهار نقطة من دائرة الأفق، أو نقطة من دائرة نصف النهار وعودها إليها، فالزمان المقدر عبارة عن اليوم بليلته، ثم أن المنجمين اصطلحوا على تعيين دائرة نصف النهار مبدأ لليوم بليلته، أما أكثر الأمم فإنهم جعلوا مبادىء الأيام بلياليها من مفارقة الشمس أفق المشرق وعودها إليه من الغداة، واحتج من نصر مذهبهم بأن الشمس عند طلوعها كالموجود بعد العدم فجعله أولا أولى، فزمان النهار عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأرض، وزمان الليل عبارة عن كونها تحت الأرض، وفي شريعة الإسلام يفتتحون النهار من أول وقت طلوع الفجر في وجوب الصلاة والصوم وغيرهما من الأحكام، وعند المنجمين مدة الصوم في الشرع هي زمان النهار كله مع زيادة من زمان الليل معلومة المقدار محدودة المبدأ، وأما الساعة فهي على قسمين: مستوية جزء من أربعة وعشرين من يوم وليلة، فهذا كلام مختصر في تعريف السنة والشهر واليوم والساعة. فنقول: أما السنة فهي عبارة عن دورة الشمس فتحدث بسببها الفصول الأربعة، وذلك لأن الشمس إذا حصلت في الحمل فإذا تركت من هذا الموضع إلى جانب الشمال، أخذ الهواء في جانب الشمال شيئاً من السخونة لقربها من مسامتة الرؤوس، ويتواتر الإسخان إلى أن تصل أول السرطان، وتشتد الحرارة ويزداد الحر ما دامت في السرطان والأسد لقربها من سمت الرؤوس، ويتواتر الإسخان، ثم ينعكس إلى أن يصل الميزان: وحينئذ يطيب الهواء ويعتدل، ثم يأخذ الحر في النقصان والبرد في الزيادة، ولا يزال يزداد البرد إلى أن تصل الشمس إلى أول الجدي، ويشتد البرد حينئذ لبعدها عن سمت الرؤوس، ويتواتر البرد ثم إن الشمس تأخذ في الصعود إلى ناحية الشمال، وما دامت في الجدي والدلو، فالبرد أشد ما يكون إلى أن تنتهي إلى الحمل، فحينئذ يطيب الهواء ويعتدل، وعادت الشمس إلى مبدأ حركتها وانتهى زمان السنة نهايته، وحصلت الفصول الأربعة التي هي الربيع والصيف والخريف والشتاء، ومنافع الفصول الأربعة وتعاقباً ظاهرة مشهورة في الكتب. وأما الشهر فهو عبارة عن دورة القمر في فلكه الخاص وزعموا أن نوره مستفاد من الشمس وأبداً يكون أحد نصفيه مضيئاً بالتمام إلا أنه عند الاجتماع يكون النصف المضيء هو النصف الفوقاني فلا جرم نحن لا نرى من نوره شيئاً وعند الاستقبال يكون نصفه المضيء مواجهاً لنا فلا جرم نراه مستنيراً بالتمام، وكلما كان القمر أقرب إلى الشمس، كان المرئي من نصفه المضيء أقل وكلما كان أبعد كان المرئي من نصفه المضيء أكثر، ثم أنه من وقت الإجتماع إلى وقت الإنفصال يكون كل ليلة أبعد من الشمس، ويرى كل ليلة ضوءه أكثر من وقت الإستقبال إلى وقت الاجتماع، ويكون كل ليلة أقرب إلى الشمس، فلا جرم يرى كل ليلة ضوءه أقل، ولا يزال يقل ويقل: {أية : حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ } تفسير : [يس: 39] فهذا ما قاله أصحاب الطبائع والنجوم. وأما الذي يقوله الأصوليون فهو أن القمر جسم، والأجسام كلها متساوية في الجسمية، والأشياء المتساوية في تمام الماهية يمتنع اختلافها في اللوازم، وهذه مقدمة يقينية فإذن حصول الضوء في جرم الشمس والقمر أمر جائز أن يحصل، وما كان كذلك امتنع رجحان وجوده على عدمه إلا بسبب الفاعل المختار، وكل ما كان فعلاً لفاعل مختار، فإن ذلك يكون قادراً على إيجاده وعلى إعدامه، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى إسناد هذه الإختلافات الحاصلة في نور القمر إلى قربها وبعدها من الشمس، بل عندنا أن حصول النور في جرم الشمس إنما كان بسبب إيجاد القادر المختار، وكذا الذي في جرم القمر. بقي ههنا أن يقال الفاعل المختار لم خصص القمر دون الشمس بهذه الإختلافات، فنقول لعلماء الإسلام في هذا المقام جوابان أحدهما: أن يقال: إن فاعلية الله تعالى لا يمكن تعليلها بغرض ومصلحة، ويدل عليه وجوه أحدها: أن من فعل فعلاً لغرض فإن قدر على تحصيل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة، فحينئذ يكون فعل تلك الواسطة عبثاً، وإن لم يقدر فهو عاجز وثانيها: أن كل من فعل فعلا لغرض، فإن كان وجود ذلك الغرض أولى له من لا وجوده فهو ناقص بذاته، مستكمل بغيره، وإن لم يكن أولى له لم يكن غرضا وثالثها: أنه لو كان فعله معللا بغرض فذلك الغرض إن كان محدثاً افتقر إحداثه إلى غرض آخر، وإن كان قديما لزم من قدمه قدم الفعل وهو محال، فلا جرم قالوا: كل شيء صنعه ولا علة لصنعه، ولا يجوز تعليل أفعاله وأحكامه ألبتة {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 23]. والجواب الثاني: قول من قال: لا بد في أفعال الله وأحكامه من رعاية المصالح والحكم، والقائلون بهذا المذهب سلموا أن العقول البشرية قاصرة في أكثر المواضع عن الوصول إلى أسرار حكم الله تعالى في ملكه وملكوته، وقد دللنا على أن القوم إنما سألوا عن الحكمة في اختلاف أحوال القمر فالله سبحانه وتعالى ذكر وجوه الحكمة فيه وهو قوله: {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ } وذكر هذا المعنى في آية أخرى وهو قوله: {أية : وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسّنِينَ وَٱلْحِسَابَ } تفسير : [يونس: 5] وقال في آية ثالثة {أية : فَمَحَوْنَا ءايَةَ ٱلَّيْلِ وَجَعَلْنَا ءايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ } تفسير : [الإسراء: 12] وتفصيل القول فيه أن تقدير الزمان بالشهور فيه منافع بعضها متصل بالدين وبعضها بالدنيا، أما ما يتصل منها بالدين فكثيرة منها الصوم، قال الله تعالى: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } تفسير : [البقرة: 185] وثانيها: الحج، قال الله تعالى: {أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ } تفسير : [البقرة: 197] وثالثها: عدة المتوفى عنها زوجها قال الله تعالى: {أية : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } تفسير : [البقرة: 234] ورابعها: النذور التي تتعلق بالأوقات، ولفضائل الصوم في أيام لا تعلم إلا بالأهلة. وأما ما يتصل منها بالدنيا فهو كالمداينات والإجارات والمواعيد ولمدة الحمل والرضاع كما قال {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً } تفسير : [الأحقاف: 15] وغيرها فكل ذلك مما لا يسهل ضبط أوقاتها إلا عند وقوع الإختلاف في شكل القمر. فإن قيل: لا نسلم أنا نحتاج في تقدير الأزمنة إلى حصول الشهر، وذلك لأنه يمكن تقديرها بالسنة التي هي عبارة عن دورة الشمس وبإجرائها مثل أن يقال: كلفتكم بالطاعة الفلانية في أول السنة، أو في سدسها، أو نصفها، وهكذا سائر الأجزاء، ويمكن تقديرها بالأيام مثل أن يقال: كلفتم بالطاعة الفلانية في اليوم الأول من السنة وبعد خمسين يوماً من أول السنة، وأيضاً بتقدير أن يساعد على أنه لا بد مع تقدير الزمان بالسنة وباليوم تقديره بالقمر لكن الشهر عبارة عن دورة من اجتماعه مع الشمس إلى أن يجتمع معها مرة أخرى هذا التقدير حاصل سواء حصل الإختلاف في أشكال نوره أو لم يحصل، ألا ترى أن تقدير السنة بحركة الشمس وإن لم يحصل في نور الشمس اختلافا، فكذا يمكن تقدير الشمس بحركة القمر، وإن لم يحصل في نور القمر إختلاف، وإذا لم يكن لنور القمر مخالفة بحال ولا أثر في هذا الباب لم يجز تقديره به. والجواب عن السؤال الأول: أن ما ذكرتم وإن كان ممكنا إلا أن إحصاء الأهلة أيسر من إحصاء الأيام لأن الأهلة اثنا عشر شهراً، والأيام كثيرة، ومن المعلوم أن تقسيم جملة الزمان إلى السنين، ثم تقسيم كل سنة إلى الشهور، ثم تقسيم الشهور إلى الأيام، ثم تقسيم كل يوم إلى الساعات، ثم تقسيم كل ساعة إلى الأنفاس أقرب إلى الضبط وأبعد عن الخبط، ولهذا قال سبحانه: {أية : إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً } تفسير : [التوبة: 36] وهذا كما أن المصنف الذي يراعي حسن الترتيب يقسم تصنيفه إلى الكتب، ثم كل كتاب إلى الأبواب، ثم كل باب إلى الفصول ثم كل فصل إلى المسائل فكذا ههنا الجواب عنه. / وأما السؤال الثاني: فجوابه ما ذكرتم، إلا أنه متى كان القمر مختلف الشكل، كان معرفة أوائل الشهور وأنصافها وأواخرها أسهل مما إذا لم يكن كذلك، وأخبر جل جلاله أنه دبر الأهلة هذا التدبير العجيب لمنافع عباده في قوام دنياهم مع ما يستدلون بهذه الأحوال المختلفة على وحدانية الله سبحانه وتعالى وكمال قدرته، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لاَيَـٰتٍ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } تفسير : [آل عمران: 190] وقال تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً } تفسير : [الفرقان: 61] وأيضاً لو لم يقع في جرم القمر هذا الاختلاف لتأكدت شبه الفلاسفة في قولهم: أن الأجرام الفلكية لا يمكن تطرق التغيير إلى أحوالها، فهو سبحانه وتعالى بحكمته القاهرة أبقى الشمس على حالة واحدة، وأظهر الإختلاف في أحوال القمر ليظهر للعاقل أن بقاء الشمس على أحوالها ليس إلا بإبقاء الله وتغير القمر في أشكاله ليس إلا بتغيير الله فيصير الكل بهذا الطريق شاهداً على افتقارها إلى مدبر حكيم قادر قاهر، كما قال:{أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }. تفسير : [الإسراء: 44] إذا عرفت هذه الجملة فنقول: أنه لما ظهر أن الإختلاف في أحوال القمر معونة عظيمة في تعيين الأوقات من الجهات التي ذكرناها نبه تعالى بقوله: {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ } على جميع هذه المنافع، لأن تعديد جميع هذه الأمور يقضي إلى الإطناب والاقتصار على البعض دون البعض ترجيح من غير مرجح فلم يبق إلا الاقتصار على كونه ميقاتاً فكان هذا الاقتصار دليلاً على الفصاحة العظيمة. أما قوله تعالى: {وَٱلْحَجّ } ففيه إضمار تقديره وللحج كقوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ } تفسير : [البقرة: 233] أي لأولادكم، واعلم أنا بينا أن الأهلة مواقيت لكثير من العبادات فإفراد الحج بالذكر لا بد فيه من فائدة ولا يمكن أن يقال تلك الفائدة هي أن مواقيت الحج لا تعرف إلا بالأهلة، قال تعالى: {أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ } تفسير : [البقرة: 197] وذلك لأن وقت الصوم لا يعرف إلا بالأهلة، قال تعالى: {أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } تفسير : [البقرة: 185] وقال عليه السلام: «حديث : صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته»تفسير : وأحسن الوجوه فيه ما ذكره القفال رحمه الله: وهو أن إفراد الحج بالذكر إنما كان لبيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرضه وأنه لا يجوز نقل الحج من تلك الأشهر إلى أشهر كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها أحدها: قال الحسن والأصم كان الرجل في الجاهلية إذا هم بشيء فتعسر عليه مطلوبه لم يدخل بيته من بابه بل يأتيه من خلفه ويبقى على هذه الحالة حولاً كاملاً، فنهاهم الله تعالى عن ذلك لأنهم كانوا يفعلونه تطيراً، وعلى هذا تأويل الآية ليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها على وجه التطير، لكن البر من يتقي الله ولم يتق غيره ولم يخف شيئاً كان يتطير به، بل توكل على الله تعالى واتقاه وحده، ثم قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي لتفوزوا بالخير في الدين والدنيا كقوله: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } تفسير : [الطلاق: 2 ـ 3] {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} تفسير : [الطلاق: 4] وتمام التحقيق في الآية أن من رجع خائباً يقال: ما أفلح وما أنجح، فيجوز أن يكون الفلاح المذكور في الآية هو أن الواجب عليكم أن تتقوا الله حتى تصيروا مفلحين منجحين وقد وردت الأخبار عن النبـي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن التطير، وقال: «حديث : لا عدوى ولا طيرة» تفسير : وقال من «حديث : رده عن سفره تطير فقد أشرك» تفسير : أو كما قال وأنه كان يكره الطيرة ويحب الفأل الحسن وقد عاب الله تعالى قوماً تطيروا بموسى ومن معه {أية : قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [النمل: 47]. الوجه الثاني: في سبب نزول هذه الآية، روي أنه في أول الإسلام كان إذا أحرم الرجل منهم فإن كان من أهل المدن نقب في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلماً يصعد منه سطح داره ثم ينحدر، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء، فقيل لهم: ليس البر بتحرجكم عن دخول الباب، ولكن البر من اتقى. الوجه الثالث: أن أهل الجاهلية إذا أحرم أحدهم نقب خلف بيته أو خيمته نقباً منه يدخل ويخرج إلا الحمس، وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخيثم وبنو عامر بن صعصعة وبنو نصر بن معاوية، وهؤلاء سموا حمساً لتشددهم في دينهم، الحماسة الشدة، وهؤلاء متى أحرموا لم يدخلوا بيوتهم ألبتة ولا يستظلون الوبر ولا يأكلون السمن والأقط، ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كام محرماً ورجل آخر كان محرماً، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حال كونه محرماً من باب بستان قد خرب فأبصره ذلك الرجل الذي كان محرماً فاتبعه، فقال عليه السلام: تنح عني، قال: ولم يا رسول الله؟ قال: دخلت الباب وأنت محرم فوقف ذلك الرجل فقال: إني رضيت بسنتك وهديك وقد رأيتك دخلت فدخلت فأنزل الله تعالى هذه الآية وأعلمهم أن تشديدهم في أمر الإحرام ليس ببر ولكن البر من اتقى مخالفة الله وأمرهم بترك سنة الجاهلية فقال: {وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰبِهَا } فهذا ما قيل في سبب نزول هذه الآية. المسألة الثانية: ذكروا في تفسير الآية ثلاثة أوجه الأول: وهو قول أكثر المفسرين حمل الآية على هذه الأحوال التي رويناها في سبب النزول، إلا أن على هذا التقدير صعب الكلام في نظم الآية، فإن القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحكمة في تغيير نور القمر، فذكر الله تعالى الحكمة في ذلك، وهي قوله: {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ } فأي تعلق بين بيان الحكمة في اختلاف نور القمر، وبين هذه القصة، ثم القائلون بهذا القول أجابوا عن هذا السؤال من وجوه أحدها: أن الله تعالى لما ذكر أن الحكمة في اختلاف أحوال الأهلة جعلها مواقيت للناس والحج، وكان هذا الأمر من الأشياء التي اعتبروها في الحج لا جرم تكلم الله تعالى فيه وثانيها: أنه تعالى إنما وصل قوله: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا } بقوله: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ } لأنه إنما اتفق وقوع القصتين في وقت واحد فنزلت الآية فيهما معاً في وقت واحد ووصل أحد الأمرين بالآخر وثالثها: كأنهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال الأهلة فقيل لهم: اتركوا السؤال عن هذا الأمر الذي لا يعنيكم وارجعوا إلى ما البحث عنه أهم لكم فإنكم تظنون أن إتيان البيوت من ظهورها بر وليس الأمر كذلك. القول الثاني: في تفسير الآية أن قوله تعالى: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا } مثل ضربه الله تعالى لهم، وليس المراد ظاهره، وتفسيره أن الطريق المستقيم المعلوم هو أن يستدل بالمعلوم على المظنون، فأما أن يستدل بالمظنون على المعلوم فذاك عكس الواجب وضد الحق وإذا عرفت هذا فنقول: إنه قد ثبت بالدلائل أن للعالم صانعاً مختاراً حكيماً، وثبت أن الحكيم لا يفعل إلا الصواب البريء عن العبث والسفه، ومتى عرفنا ذلك، وعرفنا أن اختلاف أحوال القمر في النور من فعله علمنا أن فيه حكمة ومصلحة، وذلك لأن علمنا بهذا الحكيم الذي لا يفعل إلا الحكمة يفيدنا القطع بأن فيه حكمة، لأنه استدلال بالمعلوم على المجهول، فأما أن يستدل بعدم علمنا بما فيه من الحكمة على أن فاعله ليس بالحكيم، فهذا الاستدلال باطل، لأنه استدلال بالمجهول على القدح في المعلوم إذا عرفت هذا فالمراد من قوله تعالى: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا } يعني أنكم لما لم تعلموا حكمته في اختلاف نور القمر صرتم شاكين في حكمة الخالق، فقد أتيتم الشيء لا من البر ولا من كمال العقل إنما البر بأن تأتوا البيوت من أبوابها فتستدلوا بالمعلوم المتيقن وهو حكمة خالقها على هذا المجهول فتقطعوا بأن فيه حكمة بالغة، وإن كنتم لا تعلمونها، فجعل إتيان البيوت من ظهورها كناية عن العدول عن الطريق الصحيح، وإتيانها من أبوابها كناية عن التمسك بالطريق المستقيم، وهذا طريق مشهور في الكناية فإن من أرشد غيره إلى الوجه الصواب يقول له: ينبغي أن تأتي الأمر من بابه وفي ضده يقال: إنه ذهب إلى الشيء من غير بابه قال تعالى: {أية : فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 187] وقال: {أية : وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ } تفسير : [هود: 92] فلما كان هذا طريقاً مشهوراً معتاداً في الكنايات، ذكره الله تعالى ههنا، وهذا تأويل المتكلمين ولا يصح تفسير هذه الآية فإن تفسيرها بالوجه الأول يطرق إلى الآية سوء الترتيب وكلام الله منزه عنه. القول الثالث: في تفسير الآية ما ذكره أبو مسلم، أن المراد من هذه الآية ما كانوا يعلمونه من النسيء، فإنهم كانوا يخرجون الحج عن وقته الذي عينه الله له فيحرمون الحلال ويحلون الحرام فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثل لمخالفة الواجب في الحج وشهوره. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ } تقديره: ولكن البر بر من اتقى فهو كقوله: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 177] وقد تقدم تقريره. المسألة الرابعة: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم، وقالون عن نافع البيوت: بكسر الباء لأنهم استثقلوا الخروج من ضمة باء إلى ياء، والباقون بالضم على الأصل وللقراء فيها وفي نظائرها نحو بيوت، وعيون، وجيوب: مذاهب واختلافات يطول تفصيلها. أما قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فقد بينا دخول كل واجب واجتناب كل محرم تحته {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } لكي تفلحوا، والفلاح هو الظفر بالبغية، قالت المعتزلة: وهذا يدل على إرادته تعالى الفلاح من جميعهم، لأنه لا تخصيص في الآية والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه ٱثنتا عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} هذا مما سأل عنه اليهود وٱعترضوا به على النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقال معاذ: يا رسول الله، إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهِلة، فما بال الهلال يبدو دقيقاً ثم يزيد حتى يستوي ويستدير، ثم ينتقص حتى يعود كما كان؟ فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إن سبب نزولها سؤالُ قوم من المسلمين النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الهلال وما سبب مِحاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس؛ قاله ٱبن عباس وقتادة والرّبيع وغيرهم. الثانية: قوله تعالى: {عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} الأهلة جمع الهلال، وجُمِع وهو واحد في الحقيقة من حيث كونه هلالاً واحداً في شهرٍ، غير كونه هلالاً في آخر؛ فإنما جمع أحواله من الأهلة. ويريد بالأهلة شهورها، وقد يعبّر بالهلال عن الشهر لحلوله فيه؛ كما قال:شعر : أخَوان من نَجْد على ثقة والشهرُ مثل قُلامة الظُّفر تفسير : وقيل: سُمّي شهراً لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية ويدلّون عليه. ويطلق لفظ الهلال لليلتين من آخر الشهر، وليلتين من أوّله. وقيل: لثلاث من أوّله. وقال الأصمعيّ: هو هلال حتى يحجِّر ويستدير كالخيط الرقيق. وقيل: بل هو هلال حتى يَبْهَر بضوئه السماء، وذلك ليلة سبع. قال أبو العباس: وإنما قيل له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه. ومنه ٱستَهَلّ الصبيّ إذا ظهرت حياته بصراخه. وٱستهَلّ وجهه فرحاً وتهلّل إذا ظهر فيه السرور. قال أبو كبير:شعر : وإذا نظرت إلى أسِرّة وجهه برقت كبرق العارض المتهلِّل تفسير : ويقال: أهللنا الهلال إذا دخلنا فيه. قال الجوهري: «وأُهِلّ الهلال وٱستُهِل على ما لم يُسَم فاعله. ويقال أيضاً: استَهلّ بمعنى تبيّن، ولا يقال: أهَلّ. ويقال: أهللنا عن ليلة كذا، ولا يقال: أهللناه فَهَلّ؛ كما يقال: أدخلناه فدخل؛ وهو قياسه»: قال أبو نصر عبد الرحيم القُشيري في تفسيره:: ويقال: أهل الهلال وٱستهلّ وأهللنا الهلال وٱستهللنا. الثالثة: قال علماؤنا: من حلف ليقضِيَنّ غرِيمه أو ليفعلنّ كذا في الهلال أو رأس الهلال أو عند الهلال؛ ففعل ذلك بعد رؤية الهلال بيوم أو يومين لم يحنَث. وجميع الشهور تصلح لجميع العبادات والمعاملات على ما يأتي. قوله تعالى: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} تبيين لوجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه، وهو زوال الإشكال في الآجال والمعاملات والأيمان والحج والعدد والصوم والفطر ومدّة الحمل والإجارات والأكرية، إلى غير ذلك من مصالح العباد. ونظيره قوله الحق: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} تفسير : [الإسراء: 12] على ما يأتي. وقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ}تفسير : [يونس: 5]. وإحصاء الأهلة أيسر من إحصاء الأيام. الرابعة: وبهذا الذي قرّرناه يردّ على أهل الظاهر ومن قال بقولهم: إن المساقاة تجوز إلى الأجل المجهول سنين غير معلومة؛ وٱحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل اليهود على شطر الزرع والنخل ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من غير توقيت. وهذا لا دليل فيه، لأنه عليه السلام «حديث : قال لليهود: «أقرّكم (فيها) ما أقرّكم الله»»تفسير : . وهذا أدلّ دليل وأوضح سبيل على أن ذلك خصوص له؛ فكان ينتظر في ذلك القضاء من ربّه، وليس كذلك غيره. وقد أحكمت الشريعة معاني الإجارات وسائر المعاملات؛ فلا يجوز شيء منها إلا على ما أحكمه الكتاب والسُّنّة، وقال به علماء الأمة. الخامسة: قوله تعالى: {مَوَاقِيتُ} المواقيت: جمع الميقات وهو الوقت. وقيل: الميقات منتهى الوقت. و «مواقيت» لا تنصرف، لأنه جمع لا نظير له في الآحاد، فهو جمع ونهايةُ جمع، إذ ليس يجمع فصار كأن الجمع تكرر فيها. وصُرفت «قوارير» في قوله: {أية : قَوَارِيرَاْ}تفسير : [الإنسان: 16] لأنها وقعت في رأس آية فنُوّنت كما تنوّن القوافي؛ فليس هو تنوين الصرف الذي يدل على تمكُّن الاسم. السادسة: قوله تعالى: {وَٱلْحَجِّ} بفتح الحاء قراءة الجمهور. وقرأ ٱبن أبي إسحٰق بالكسر في جميع القرآن، وفي قوله: {أية : حِجُّ البَيْتِ}تفسير : [آل عمران: 97]. في «آل عمران». سيبويه: الحَجّ كالردّ والشدّ، والحِّج كالذِّكر؛ فهما مصدران بمعنىً. وقيل: الفتح مصدر، والكسر الاسم. السابعة: أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، وأنه لا يجوز النَّسِيء فيه عن وقته، بخلاف ما رأته العرب؛ فإنها كانت تحج بالعدد وتبدّل الشهور، فأبطل الله قولهم وفعلهم، على ما يأتي بيانه في «بَرَآءَةٌ» إن شاء الله تعالى. الثامنة: استدل مالك رحمه الله وأبو حنيفة وأصحابهما في أن الإحرام بالحج يصح في غير أشهر الحج بهذه الآية؛ لأن الله تعالى جعل الأهلّة كلها ظرفاً لذلك، فصح أن يُحرِم في جميعها بالحج؛ وخالف في ذلك الشافعي؛ لقوله تعالى: {أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} تفسير : [البقرة: 197] على ما يأتي. وأن معنى هذه الآية أن بعضها مواقيت للناس، وبعضها مواقيت للحج؛ وهذا كما تقول: الجارية لزيد وعمر؛ وذلك يقضي أن يكون بعضها لزيد وبعضها لعمرو؛ ولا يجوز أن يقال: جميعها لزيد وجميعها لعمرو. والجواب أن يقال: إن ظاهر قوله: {هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} يقتضي كون جميعها مواقيت للناس وجميعها مواقيت للحج، ولو أراد التبعيض لقال: بعضها مواقيت للناس وبعضها مواقيت للحج. وهذا كما تقول: إن شهر رمضان ميقات لصوم زيد وعمرو. ولا خلاف أن المراد بذلك أن جميعه ميقات لصوم كل واحد منهما. وما ذكروه من الجارية فصحيح؛ لأن كونها جمعاء لزيد مع كونها جمعاء لعمرو مستحيل، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن الزمان يصح أن يكون ميقاتاً لزيد وميقاتاً لعمرو؛ فبطل ما قالوه. التاسعة: لا خلاف بين العلماء أن من باع معلوماً من السِّلع بثمن معلوم إلى أجل معلوم من شهور العرب أو إلى أيام معروفة العدد أن البيع جائز. وكذلك قالوا في السَّلَم إلى الأجل المعلوم. وٱختلفوا في من باع إلى الحصاد أو إلى الدّياس أو إلى العطاء وشبه ذلك؛ فقال مالك: ذلك جائز لأنه معروف؛ وبه قال أبو ثور. وقال أحمد: أرجو ألا يكون به بأس. وكذلك إلى قدوم الغزاة. وعن ٱبن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء. وقالت طائفة: ذلك غير جائز؛ لأن الله تعالى وقَّت المواقيت وجعلها عَلَما لآجالهم في بياعاتهم ومصالحهم. كذلك قال ٱبن عباس، وبه قال الشافعي والنعمان. قال ٱبن المنذر: قول ٱبن عباس صحيح. العاشرة: إذا رُؤي الهلال كبيراً فقال علماؤنا: لا يُعَوَّل على كبره ولا على صغره وإنما هو ٱبن ليلته. روى مسلم «حديث : عن أبي البَخْتَرِيّ قال: خرجنا للعُمْرة فلما نزلنا ببطن نَخْلة قال: تراءينا الهلال؛ فقال بعض القوم: هو ٱبن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ٱبن ليلتين. قال: فلقِينا ٱبنَ عباس فقلنا: إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم هو ٱبن ثلاث، وقال بعض القوم هو ٱبن ليلتين. فقال: أيّ ليلة رأيتموه؟ قال فقلنا: ليلة كذا وكذا. فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله مدّه للرؤية» فهو لِلَيْلةٍ رأيتموه»تفسير : الحادية عشرة: قوله تعالى: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} اتصل هذا بذكر مواقيت الحج لاتفاق وقوع القضيتين في وقت السؤال عن الأهلّة وعن دخول البيوت من ظهورها؛ فنزلت الآية فيهما جميعاً. وكان الأنصار إذا حجّوا وعادوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، فإنهم كانوا إذا أهلُّوا بالحج أو العمرة يلتزمون شرعاً ألا يحول بينهم وبين السماء حائل، فإذا خرج الرجل منهم بعد ذلك، أي من بعد إحرامه من بيته، فرجع لحاجة لا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السماء؛ فكان يتسنّم ظهر بيته على الجدران ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته فتخرج إليه من بيته. فكانوا يرون هذا من النسك والبِرّ، كما كانوا يعتقدون أشياء نسكاً؛ فردّ عليهم فيها؛ وبَيّن الربّ تعالى أن البِرّ في ٱمتثال أمره. وقال ٱبن عباس في رواية أبي صالح: كان الناس في الجاهلية وفي أوّل الإسلام إذا أحرم رجل منهم بالحج فإن كان من أهل المَدَر ـ يعني من أهل البيوت ـ نقب في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج، أو يضع سُلَّماً فيصعد منه وينحدر عليه. وإن كان من أهل الوَبَر ـ يعني أهل الخيام ـ يدخل من خلف الخيام الخيمةَ، إلا من كان من الحُمْسِ. وروى الزهريّ حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أهلّ زمن الحُدَيْبِيَة بالعُمْرة فدخل حجرته ودخل خلفه رجل أنصاريّ من بني سلمة، فدخل وخرق عادة قومه؛ فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لِمَ دخلت وأنت قد أحرمت». فقال: دخلتَ أنت فدخلتُ بدخولك. فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: إني أَحْمَس» أي من قوم لا يدينون بذلك. فقال له الرجل: وأنا ديني دينك؛ فنزلت الآيةتفسير : ، وقاله ٱبن عباس وعطاء وقتادة. وقيل: إن هذا الرجل هو قطبة بن عامر الأنصاري. والْحُمْسُ: قريش وكِنَانة وخُزاعة وثَقيف وحبشم وبنو عامر بن صعصعة وبنو نص ٱبن معاوية. وسُمُّوا حُمْساً لتشديدهم في دينهم. والحماسة الشدّة. قال العجاج:شعر : وكم قَطَعنا من قِفافٍ حُمْسِ تفسير : أي شداد. ثم ٱختلفوا في تأويلها؛ فقيل ما ذكرنا، وهو الصحيح. وقيل: إنه النَّسِيء وتأخير الحج به، حتى كانوا يجعلون الشهر الحلال حراماً بتأخير الحج إليه، والشهرَ الحرامَ حلالاً بتأخير الحج عنه؛ فيكون ذكر البيوت على هذا مثلاً لمخالفة الواجب في الحج وشهوره. وسيأتي بيان النَّسِيء في سورة «براءة» إن شاء الله تعالى. وقال أبو عبيدة: الآية ضَرْب مَثَل، المعنى ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن ٱتقوا الله وٱسألوا العلماء؛ فهذا كما تقول: أتيت هذا الأمر من بابه. وحكى المهدويّ ومكيّ عن ٱبن الأنباري، والماورديّ عن ٱبن زيد أن الآية مَثَل في جماع النساء، أمر بإتيانهن في القُبُل لا من الدُّبُر. وسُمي النساء بيوتاً للإيواء إليهن كالإيواء إلى البيوت. قال ٱبن عطية: وهذا بعيد مغيّر نَمَط الكلام. وقال الحسن: كانوا يتطيّرون، فمن سافر ولم تحصل حاجته كان يأتي بيته من وراء ظهره تطيُّراً من الخيبة؛ فقيل لهم: ليس في التّطير بِرٌّ، بل البِرّ أن تتّقوا الله وتتوكّلوا عليه. قلت: القول الأوّل أصح هذه الأقوال، لما رواه البَرَاء قال: كان الأنصار إذا حَجُّوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت من أبوابها؛ قال: فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه، فقيل له في ذلك؛ فنزلت هذه الآية: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} وهذا نصٌّ في البيوت حقيقة. خرّجه البخاريّ ومسلم. وأما تلك الأقوال فتؤخذ من موضع آخر لا من الآية، فتأمّله. وقد قيل: إن الآية خرجت مخرج التنبيه من الله تعالى على أن يأتوا البِرّ من وجهه، وهو الوجه الذي أمر الله تعالى به؛ فذكر إتيان البيوت من أبوابها مثلاً ليشير به إلى أن تأتي الأمور من مأتاها الذي ندبنا الله تعالى إليه. قلت: فعلى هذا يصح ما ذُكر من الأقوال. والبيوت جمع بيت، وقرىء بضم الباء وكسرها. وتقدّم معنى التقوى والفلاح ولعل، فلا معنى للإعادة. الثانية عشرة: في هذه الآية بيان أن ما لم يَشْرعه الله قُرْبة ولا نَدَب إليه لا يصير قربة بأن يتقرّب به متقرّب. قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: إذا أشكل ما هو بِرّ وقُرْبَةٌ بما ليس هو بِرّ وقُرْبة أن ينظر في ذلك العمل؛ فإن كان له نظير في الفرائض والسنن فيجوز أن يكون، وإن لم يكن فليس ببِرّ ولا قُرْبة. قال: وبذلك جاءت الآثار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وذكر حديث ٱبن عباس قال: «حديث : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه، فقالوا: هو أبو إسرائيل؛ نذر أن يقومَ ولا يقعدَ ولا يَسْتَظِلَّ ولا يَتكلَّم ويصوم. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «مُرُوه فلْيتكَلَّمْ ولْيستظِلَّ ولْيَقعد ولْيُتِّمّ صومَه»»تفسير : . فأبطل النبيّ صلى الله عليه وسلم ما كان غير قُرْبة مما لا أصل له في شريعته، وصحّح ما كان قُرْبة مما له نظير في الفرائض والسُّنَن.

البيضاوي

تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} سأله معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم فقالا: (ما بال الهلال يبدو دقيقاً كالخيط، ثم يزيد حتى يستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا) {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ} فإنهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال القمر وتبدل أمره، فأمره الله أن يجيب بأن الحكمة الظاهرة في ذلك أن تكون معالم للناس يؤقتون بها أمورهم، ومعالم للعبادات المؤقتة يعرف بها أوقاتها. وخصوصاً الحج فإن الوقت مراعي فيه أداء وقضاء. والمواقيت: جمع ميقات، من الوقت والفرق بينه وبين المدة والزمان: أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها. والزمان: مدة مقسومة، والوقت: الزمان المفروض لأمر. {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا } وقرأ أبو عمرو وورش وحفص بضم الباء، والباقون بالكسر. {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ } وقرأ نافع وابن عامر بتخفيف {وَلَـٰكِنِ}، ورفع {ٱلبر}. كانت الأنصار إذا أحرموا لم يدخلوا داراً ولا فسطاطاً من بابه، وإنما يدخلون من نقب أو فرجة وراءه، ويعدون ذلك براً، فبين لهم أنه ليس ببر وإنما البر من اتقى المحارم والشهوات، ووجه اتصاله بما قبله أنهم سألوا عن الأمرين. أو أنه لما ذكر أنها مواقيت الحج وهذا أيضاً من أفعالهم في الحج ذكره للاستطراد، أو أنهم لما سألوا عمّا لا يعنيهم ولا يتعلق بعلم النبوة وتركوا السؤال عما يعنيهم ويختص بعلم النبوة، عقب بذكره جواب ما سألوه تنبيهاً على أن اللائق بهم أن يسألوا أمثال ذلك ويهتموا بالعلم بها، أو أن المراد به التنبيه على تعكيسهم في السؤال بتمثيل حالهم بحال من ترك باب البيت ودخل من ورائه. والمعنى: وليس البر بأن تعكسوا مسائلكم ولكن البر بر من اتقى ذلك ولم يجسر على مثله. {وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰبِهَا } إذ ليس في العدول بر فباشروا الأمور من وجوهها. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في تغيير أحكامه والاعتراض على أفعاله. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } لكي تظفروا بالهدى والبر.

ابن كثير

تفسير : قال العوفي عن ابن عباس: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: {يَسْـأََلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} يعلمون بها حل دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم، وقال أبو جعفر عن الربيع، عن أبي العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله لم خلقت الأهلة؟ فأنزل الله: {يَسْـأََلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ} يقول: جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم وعدة نسائهم ومحل دينهم، كذا روي عن عطاء والضحاك وقتادة والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك؛ وقال عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً»تفسير : ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن أبي رواد به، وقال: كان ثقة عابداً مجتهداً شريف النسب، فهو صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : جعل الله الأهلة، فإذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمَّ عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين»تفسير : وكذا روي من حديث أبي هريرة ومن كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقوله: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا} قال البخاري: حدثنا عبيد الله ابن موسى عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية، أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا} وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كانت الأنصار إذا قدموا من سفرهم، لم يدخل الرجل من قبل بابه، فنزلت هذه الآية، وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بستان، إذ خرج من بابه، وخرج معه قطبة بن عامر من الأنصار، فقالوا: يا رسول الله إن قطبة بن عامر رجل تاجر، وإنه خرج معك من الباب، فقال له: «حديث : ما حملك على ما صنعت»تفسير : ؟ قال: رأيتك فعلته، ففعلت كما فعلت، فقال: «حديث : إني أحمس»تفسير : ، قال له: فإن ديني دينك. فأنزل الله: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا} رواه ابن أبي حاتم، ورواه العوفي عن ابن عباس بنحوه، وكذا روي عن مجاهد والزهري وقتادة وإبراهيم النخعي والسدي والربيع بن أنس، وقال الحسن البصري: كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفراً، وخرج من بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بعد خروجه أن يقيم ويدع سفره، لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوره من قبل ظهره، فقال الله تعالى: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} الآية، وقال محمد بن كعب: كان الرجل إذا اعتكف، لم يدخل منزله من باب البيت، فأنزل الله هذه الآية، وقال عطاء بن أبي رباح: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم، دخلوا منازلهم من ظهورها، ويرون أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} ولا يرون أن ذلك أدنى إلى البر. وقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي: اتقوا الله، فافعلوا ما أمركم به، واتركوا ما نهاكم عنه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} غداً إذا وقفتهم بين يديه، فيجازيكم على التمام والكمال.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ } يا محمد {عَنِ ٱلأَهِلَّةِ } جمع (هلال) لِم تبدو دقيقة ثم تزيد حتى تمتلىء نوراً ثم تعود كما بدت ولا تكون على حالة واحدة كالشمس؟{قُلْ } لهم {هِىَ مَوَاقِيتُ } جمع (ميقات) {لِلنَّاسِ } يعلمون بها أوقات زرعهم ومتاجرهم وعدد نسائهم وصيامهم وإفطارهم {وَٱلْحَجّ } عطف على (الناس) أي يعلم بها وقته فلو استمرت على حالة لم يعرف ذلك {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا } في الإحرام بأن تنقبوا فيها نقبا تدخلون منه وتخرجون وتتركوا الباب وكانوا يفعلون ذلك ويزعمونه براً {وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ } أي ذا البر {مَنِ ٱتَّقَىٰ } الله بترك مخالفته {وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰبِهَا } في الإحرام كغيره {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفوزون.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يَسْأَلُونَكَ } سيأتي بيان من هم السائلون له صلى الله عليه وسلم، و{الأهلة} جمع هلال، وجمعها باعتبار هلال كل شهر أو كل ليلة، تنزيلاً لاختلاف الأوقات منزلة اختلاف الذوات، والهلال: اسم لما يبدو في أوّل الشهر، وفي آخره. قال الأصمعي: هو هلال حتى يستدير، وقيل: هو: هلال حتى ينير بضوئه السماء، وذلك ليلة السابع. وإنما قيل له: هلال؛ لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه عند رؤيته، ومنه استهلّ الصبي: إذا صاح، واستهلّ وجهه، وتهلل إذا ظهر فيه السرور. قوله: {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ } فيه بيان وجه الحكمة في زيادة الهلال، ونقصانه، وأن ذلك لأجل بيان المواقيت التي يوقت الناس عباداتهم، ومعاملاتهم بها كالصوم، والفطر، والحج، ومدّة الحمل، والعدّة، والإجارات، والأيمان، وغير ذلك، ومثله قوله تعالى: {أية : لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسّنِينَ وَٱلْحِسَابَ } تفسير : [يونس: 5] والمواقيت جمع الميقات، وهو الوقت. وقراءة الجمهور: {والحج} بفتح الحاء. وقرأ ابن أبي إسحاق بكسرها في جميع القرآن. قال سيبويه: الحج بالفتح كالردّ والشدّ، وبالكسر كالذكر مصدران بمعنى، وقيل: بالفتح مصدر، وبالكسر الاسم. وإنما أفرد سبحانه الحج بالذكر؛ لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، ولا يجوز فيه النسيء، عن وقته، ولعظم المشقة على من التبس عليه وقت مناسكه، أو أخطأ وقتها، أو وقت بعضها. وقد جعل بعض علماء المعاني هذا الجواب، أعني قوله: {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ } من الأسلوب الحكيم، وهو: تلقي المخاطب بغير ما يترقب، تنبيهاً على أنه الأولى بالقصد، ووجه ذلك أنهم سألوا عن أجرام الأهلة باعتبار زيادتها، ونقصانها، فأجيبوا بالحكمة التي كانت تلك الزيادة، والنقصان لأجلها لكون ذلك أولى بأن يقصد السائل وأحق بأن يتطلع لعلمه. قوله: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا } وجه اتصال هذا بالسؤال عن الأهلة، والجواب بأنها مواقيت للناس، والحج أن الأنصار كانوا إذا حجوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم إذا رجع أحدهم إلى بيته بعد إحرامه قبل تمام حجه؛ لأنهم يعتقدون أن المحرم لا يجوز أن يحول بينه، وبين السماء حائل، وكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم. وقال أبو عبيدة: إن هذا من ضرب المثل، والمعنى: ليس البرّ أن تسألوا الجهال، ولكن البرّ التقوى، واسألوا العلماء كما تقول: أتيت هذا الأمر من بابه. وقيل: هو مثل في جماع النساء، وأنهم أمروا بإتيانهنّ في القبل لا في الدبر. وقيل: غير ذلك. والبيوت جمع بيت، وقرىء بضم الباء، وكسرها. وقد تقدّم تفسير التقوى والفلاح، وسبق أيضاً أن التقدير في مثل قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ } ولكن البرّ برّ من اتقى. وقد أخرج ابن عساكر بسند ضعيف، عن ابن عباس في قوله تعالى: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأهِلَّةِ } قال: نزلت في معاذ بن جبل، وثعلبة بن عثمة. وهما رجلان من الأنصار قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو، ويطلع دقيقاً مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم، ويستوي، ثم لا يزال ينقص، ويدقّ حتى يعود كما كان لا يكون على حال واحد؟ فنزلت: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ } في حلّ دَيْنهم، ولصومهم ولفطرهم، وعدد نسائهم، والشروط التي إلى أجل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال: سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، عن الأهلة لم جُعِلت؟ فأنزل الله: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأهِلَّةِ } الآية، فجعلها لصوم المسلمين، ولإفطارهم، ولمناسكهم، وحجهم، وعدد نسائهم، ومَحلِّ ديَنْهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية نحوه. وأخرج ابن جرير، عن الربيع بن أنس نحوه. وقد روى ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس نحوه. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم، فعدّوا ثلاثين يوماً»تفسير : وأخرج أحمد، والطبراني، وابن عدي، والدارقطني بسند ضعيف، عن طَلْق بن عليّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحو حديث ابن عمر. وأخرج البخاري، وغيره، عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيوت من ظهورها فنزلت: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن جابر قال: كانت قريش تدعي الحُمْس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار، وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينا رسول الله في بستان إذ خرج من بابه، وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله إن قطبة بن عامر رجل فاجر، وإنه خرج معك من الباب، فقال له: حديث : ما حملك على ما صنعت؟ تفسير : قال: رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت، فقال: إني رجل أحمسي، قال: فإن ديني دينك، فأنزل الله الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس نحوه. وقد ورد هذا المعنى عن جماعة من الصحابة، والتابعين.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَيِ الأَهِلَّةِ} سبب نزولها، أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غَنَمة، وهما من الأنصار، سألا النبي صلى الله عليه وسلم عن زيادة الأهلة ونشأتها، فنزلت هذه الآية، وأُخِذَ اسم الهلال من استهلال الناس برفع أصواتهم عند رؤيته، والمواقيت: مقادير الأوقات لديونهم وحجهم، ويريد بالأهلة وشهورها، وقد يعبّر عن الهلال بالشهر لحوله فيه، قال الشاعر: شعر : أخوان من نجدٍ على ثقةٍ والشهرُ مثلُ قلامةِ الظُّفرِ حتى تكامل في استدارته في أربع زادت على عشر تفسير : ثم قال تعالى: {وَلَيْسَ الْبِّرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} فيه ستة أقاويل: أحدها: أن سبب نزول ذلك، ما روى داود عن قيس بن جبير: أن الناس كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا حائطاً من بابه، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم داراً، وكان رجل من الأنصار يقال له رفاعة بن أيوب، فجاء فتسور الحائط على رسول الله، فلما خرج من باب الدار خرج رفاعة، فقال رسول الله: "حديث : مَا حَمَلَكَ عَلَى ذلِكَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْتُكَ خَرَجْتَ مِنْهُ فَخَرَجْتُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ: إنّي رَجُلٌ أَحْمَسُ فَقَالَ: إِنْ تَكُنْ أَحْمَسَ فَدِيْنُنَا وَاحِدٌ"، تفسير : فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ البِرُّ} الآية، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، وعطاء، وقوله: أحمس يعني من قريش، كانوا يُسَمَّونَ (الحُمْسَ) لأنهم تحمسوا في دينهم أي تشددوا، والحَمَاسَةُ الشدة، قال العجاج: شعر : وكمْ قَطَعْنا مِنْ قِفافٍ حُمْسِ تفسير : أي شداد. والقول الثاني: عنى بالبيوت النساء، سُمِّيَتْ بيوتاً للإيواء إليهن، كالإيواء إلى البيوت، ومعناه: لا تأتوا النساء من حيث لا يحل من ظهورهن، وأتوهن من حيث يحل من قُبُلهن، قاله ابن زيد. والثالث: أنه في النسيء وتأخير الحج به، حين كانوا يجعلون الشهر الحلال حراماً بتأخير الحج، والشهر الحرام حلالاً بتأخير الحج عنه، ويكون ذكر البيوت وإتيانها من ظهورها مثلاً لمخالفة الواجب في الحج وشهوره، والمخالفة إتيان الأمر من خلفه، والخلف والظهر في كلام العرب واحد، حكاه ابن بحر. والرابع: أن الرجل كان إذا خرج لحاجته، فعاد ولم ينجح لم يدخل من بابه، ودخل من ورائه، تطيراً من الخيبة، فأمرهم الله أن يأتوا بيوتهم من أبوابها. والخامس: معناه ليس البر أن تطلبوا الخير من غير أهله، وتأتوه من غير بابه، وهذا قول أبي عبيدة. والقول السادس: أنه مثلٌ ضَربه الله عز وجل لهم، بأن يأتوا البر من وجهه، ولا يأتوه من غير وجهه.

ابن عبد السلام

تفسير : {الأَهِلَّةِ} من الاستهلال برفع الصوت عند رؤيته. "وهو هلال إلى ليلتين، أو إلى ثلاث، أو إلى أن يحجر بخطة دقيقة، أو إلى أن يبهر ضوءه سواد الليل فيسمى حينئذٍ قمراً". {مَوَاقِيتُ} مقادير لأوقات الديون، والحج. {تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} كنى به عن إتيان النساء في أدبارهن، لأن المرأة يأوى إليها كما يأوى إلى البيت، أو هو مثل لإتيان البيوت من وجهها ولا يأتونها من غير وجهها، أو كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا حائطاً من بابه "حديث : فدخل الرسول صلى الله عليه وسلم دار رفاعة الأنصاري فجاء فتسور الحائط على الرسول صلى الله عليه وسلم فلما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من الباب خرج معه رفاعة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما حملك على هذا" فقال: "رأيتك خرجت منه"، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إني رجل أحمس"، فقال رفاعة: "إن تكن رجلاً أحمس فإن ديننا واحد فنزلت.....""تفسير : وقريش يُسمون الحمس لتحمسهم في دينهم، والحماسة: الشدة.

النسفي

تفسير : قال معاذ بن جبل: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلىء ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا لا يكون على حالة واحدة كالشمس؟ فنزل {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ } جـمع هلال سمي به لرفع الناس أصواتهم عند رؤيته {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} أي معالم يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدة نسائهم وأيام حيضهن ومدة حملهن وغير ذلك، ومعالم للحج يعرف بها وقته. كان ناس من الأنصار إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطاً ولا داراً ولا فسطاطاً من باب، فإن كان من أهل المدر نقب نقباً في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فنزل {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا } أي ليس البر بتحرجكم من دخول الباب، ولا خلاف في رفع البر هنا لأن الآية ثمة تحتمل الوجهين كما بينا فجاز الرفع والنصب ثمة، وهذه لا تحتمل إلا وجهاً واحداً وهو الرفع إذ الباء لا تدخل إلا على خبر «ليس» {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ } بر {مَنِ ٱتَّقَىٰ } ما حرم الله. «البيوت» وبابه مدني وبصري وحفص وهو الأصل مثل كعب وكعوب، ومن كسر الباء فلمكان الياء بعدها ولكن هي توجب الخروج من كسر إلى ضم وكأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها وتمامها. معلوم أن كل ما يفعله الله تعالى لا يكون إلا حكمة فدعوا السؤال عنه وانظروا في خصلة واحدة تفعلونها مما ليس من البر في شيء وأنتم تحسبونها براً، فهذا وجه اتصاله بما قبله. ويحتمل أن يكون ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت الحج لأنه كان من أفعالهم في الحج، ويحتمل أن يكون هذا تمثيلاً لتعكيسهم في سؤالهم وإن مثلهم فيه كمثل من يترك باب البيت ويدخل من ظهره، والمعنى ليس البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم، ولكن البر بر من اتقى ذلك وتجنبه ولم يجسر على مثله. {وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰبِهَا } وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا، أو المراد وجوب الاعتقاد بأن جميع أفعاله تعالى حكمة وصواب من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه لما في السؤال من الاتهام بمقارنة الشك {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ }تفسير : [الأنبياء: 23] {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فيم أمركم به ونهاكم عنه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } لتفوزوا بالنعيم السرمدي. {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } المقاتلة في سبيل الله الجهاد لإعلاء كلمة الله وإعزاز الدين {ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ } يناجزونكم القتال دون المحاجزين وعلى هذا يكون منسوخاً بقوله تعالى: {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً }تفسير : [التوبة: 36] وقيل: هي أول آية نزلت في القتال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتل ويكف عمن كف، أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء، أو الكفرة كلهم لأنهم قاصدون لمقاتلة المسلمين فهم في حكم المقاتلة {وَلاَ تَعْتَدُواْ } في ابتداء القتال أو بقتال من نهيتم عنه من النساء والشيوخ ونحوهما أو بالمثلة {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ * وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } وجدتموهم. والثقف الوجود على وجه الأخذ والغلبة {وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } أي من مكة وعدهم الله تعالى فتح مكة بهذه الآية وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن لم يسلم منهم يوم الفتح {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ } أي شركهم بالله أعظم من القتل الذي يحل بهم منكم. وقيل: الفتنة عذاب الآخرة. وقيل: المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان فيعذب به أشد عليه من القتل. وقيل لحكيم: ما أشد من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه الموت. فقد جعل الإخراج من الوطن من الفتن التي يتمنى عندها الموت. {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ } أي ولا تبدأوا بقتالهم في الحرم حتى يبدأوا فعندنا المسجد الحرم يقع على الحرم كله {فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ } في الحرم فعندنا يقتلون في الأشهر الحرم لا في الحرم إلا أن يبدأوا بالقتال معنا فحينئذ نقتلهم وإن كان ظاهر قوله «واقتلوهم حيث ثقفتموهم» يبيح القتل في الأمكنة كلها لكن لقوله «ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه» خص الحرم إلا عند البداءة منهم كذا في شرح التأويلات {كَذٰلِكَ جَزَاءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ } مبتدأ وخبر. «ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم»: حمزة وعلي {فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عن الشرك والقتال {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لما سلف من طغيانهم {رَّحِيمٌ } بقبول توبتهم وإيمانهم. {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } شرك و«كان» تامة و«حتى» بمعنى «كي» أو «إلى أن» {وَيَكُونَ ٱلدّينُ للَّهِ } خالصاً ليس للشيطان فيه نصيب أي لا يعبد دونه شيء {فَإِنِ ٱنتَهَواْ فَلاَ عُدْوٰنَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } فإن امتنعوا عن الكفر فلا تقاتلوهم فإنه لا عدوان إلا على الظالمين ولم يبقوا ظالمين، أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين، سمى جزاء الظالمين ظلماً للمشاكلة كقوله {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ }. قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال وذلك في ذي القعدة {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ } مبتدأ خبره {بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ } أي هذا الشهر بذلك الشهر وهتكه بهتكه يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم {وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ } أي وكل حرمة يجري فيها القصاص من هتك حرمة أي حرمة كانت اقتص منه بأن تهتك له حرمه، فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك ولا تبالوا وأكد ذلك بقوله {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } من شرطية والباء غير زائدة والتقدير بعقوبة مماثلة لعدوانهم، أو زائدة وتقديره عدواناً مثل عدوانهم {وَٱتَّقُواْ ٱللهَ} في حال كونكم منتصرين فمن اعتدى عليك فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ } بالنصر {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } تصدقوا في رضا الله وهو عام في الجهاد وغيره {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } أي أنفسكم والباء زائدة، أو ولا تقتلوا أنفسكم بأيديكم كما يقال «أهلك فلان نفسه بيده» إذا تسبب لهلاكها. والمعنى النهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله لأنه سبب الهلاك، أو عن الإسراف في النفقة حتى يفقر نفسه ويضيع عياله، أو عن الإخطار بالنفس، أو عن ترك الغزو الذي هو تقوية للعدو والتهلكة والهلاك والهلك واحدة {وَأَحْسِنُواْ } الظن بالله في الإخلاف {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } إلى المحتاجين. {وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وأدوهما تأمين بشرائطهما وفرائضهما لوجه الله تعالى بلا توان ولا نقصان. وقيل: الإتمام يكون بعد الشروع فهو دليل على أن من شرع فيهما لزمه إتمامهما وبه نقول: إن العمرة تلزم بالشروع. ولا تمسك للشافعي رحمه الله بالآية على لزوم العمرة لأنه أمر بإتمامها، وقد يؤمر بإتمام الواجب والتطوع أو إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك أو أن تفرد لكل واحد منهما سفراً أو أن تنفق فيهما حلالاً أو أن لا تتجر معهما {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } يقال أحصر فلان إذا منعه أمر من خوف أو مرض أو عجز، وحصر إذا حبسه عدو عن المضي. وعندنا الإحصار يثبت بكل منع من عدو أو مرض أو غيرهما لظاهر النص، وقد جاء في الحديث من كسر أو عرج فقد حل أي جاز له أن يحل وعليه الحج من قابل. وعند الشافعي رحمه الله: الإحصار بالعدو وحده. وظاهر النص يدل على أن الإحصار يتحقق في العمرة أيضاً لأنه ذكر عقبهما {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ } فما تيسر منه. يقال يسر الأمر واستيسر كما يقال صعب واستصعب. والهدي جمع هدية يعني فإن منعتم من المضي إلى البيت وأنتم محرمون بحج أو عمرة فعليكم إذا أردتم التحلل ما استيسر من الهدى من بعير أو بقرة أو شاة «فما» رفع بالابتداء أي فعليكم ما استيسر، أو نصب أي فأهدوا له ما استيسر {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ} الخطاب للمحصرين أي لا تحلوا بحلق الرأس حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ محله أي مكانه الذي يجب نحره فيه وهو الحرم، وهو حجة لنا في أن دم الإحصار لا يذبح إلا في الحرم على الشافعي رحمه الله إذ عنده يجوز في غير الحرم { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } فمن كان منكم به مرض يحوجه إلى الحلق {أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ } وهو القمل أو الجراحة {فَفِدْيَةٌ } فعليه إذا حلق فدية {مِّن صِيَامٍ } ثلاثة أيام {أَوْ صَدَقَةٍ } على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من بر {أَوْ نُسُكٍ } شاة وهو مصدر أو جمع نسيكة {فَإِذَا أَمِنتُمْ } الإحصار أي فإذا لم تحصروا وكنتم في حال أمن وسعة {فَمَن تَمَتَّعَ } استمتع {بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ} واستمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج انتفاعه بالتقرب بها إلى الله قبل انتفاعه بالتقرب بالحج. وقيل: إذا حل من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرماً عليه إلى أن يحرم بالحج {فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ } هو هدي المتعة، وهو نسك يؤكل منه ويذبح يوم النحر. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } الهدي {فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ} فعليه صيام ثلاثة أيام في وقت الحج وهو أشهره ما بين الإحرامين إحرام العمرة وإحرام الحج {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } إذا نفرتم وفرغتم من أفعال الحج {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } في وقوعها بدلاً من الهدي أو في الثواب، أو المراد رفع الإبهام فلا يتوهم في الواو أنها بمعنى الإباحة كما في «جالس الحسن وابن سيرين»، ألا ترى أنه لو جالسهما أو واحداً منهما كان ممتثلاً {ذٰلِكَ } إشارة إلى التمتع عندنا إذ لا تمتع ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندنا، وعند الشافعي رحمه الله إلى الحكم الذي هو وجوب الهدي أو الصيام ولم يوجب عليهم شيئاً {لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } هم أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فيما أمركم به ونهاكم عنه في الحج وغيره {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } لمن لم يتقه. {ٱلْحَجُّ } أي وقت الحج كقولك «البرد شهران» {أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ } معروفات عند الناس لا يشكلن عليهم وهي شوال وذو القعدة وعشر ذو الحجة. وفائدة توقيت الحج بهذه الأشهر أن شيئاً من أفعال الحج لا يصح إلا فيها وكذا الإحرام عند الشافعي رحمه الله، وعندنا وإن انعقد لكنه مكروه، وجمعت أي الأشهر لبعض الثالث، أو لأن اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد بدليل قوله تعالى: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا }تفسير : [التحريم: 4] {فَمَن فَرَضَ } ألزم نفسه بالإحرام {فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ } في هذه الأشهر {فَلاَ رَفَثَ } هو الجماع أو ذكره عند النساء أو الكلام الفاحش {وَلاَ فُسُوقَ } هو المعاصي أو السباب لقوله عليه السلام «حديث : سباب المؤمن فسوق»تفسير : أو التنابز بالألقاب لقوله تعالى: {أية : بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ } تفسير : [الحجرات: 11] {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجّ } ولامراء مع الرفقاء والخدم والمكارين. وإنما أمر باجتناب ذلك وهو واجب الاجتناب في كل حال لأنه مع الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة والتطريب في قراءة القرآن. والمراد بالنفي وجوب انتفائها وأنها حقيقة بأن لاتكون. وقرأ أبو عمرو ومكي الأولين بالرفع فحملاهما على معنى النهي كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، والثالث بالنصب على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج. ثم حث على الخير عقيب النهي عن الشر وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن، ومكان الفسوق البر والتقوى، ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة بقوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ } اعلم بأنه عالم به يجازيكم عليه ورد قول من نفى علمه بالجزئيات. كان أهل اليمن لا يتزودون ويقولون نحن متوكلون فيكونون كلاً على الناس فنزل فيهم {وَتَزَوَّدُواْ } أي تزودوا واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ } أي الإتقاء عن الإبرام والتثقيل عليهم، أو تزودوا للمعاد باتقاء المحظورات فإن خير الزاد اتقاؤها {وَٱتَّقُونِ } وخافوا عقابي وهو مثل {أية : دَعَانِ } تفسير : [البقرة: 186] {يأُوْلِي ٱلالْبَـٰبِ } يا ذوي العقول يعني أن قضية اللب تقوى الله ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لب له. ونزل في قوم زعموا أن لا حج لجمال وتاجر وقالوا هؤلاء الداجّ وليسوا بالحاج {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ } في أن تبتغوا في مواسم الحج {فَضْلاً مّن رَّبِّكُمْ } عطاء وتفضلاً وهو النفع والربح بالتجارة والكراء {فَإِذَا أَفَضْتُم } دفعتم بكثرة من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة، وأصله أفضتم أنفسكم فترك ذكر المفعول {مّنْ عَرَفَـٰتٍ } هي علم للموقف سمي بجمع كأذرعات. وإنما صرفت لأن التاء فيها ليست للتأنيث بل هي مع الألف قبلها علامة جمع المؤنث، وسميت بذلك لأنها وصفت لإبراهيم عليه السلام فلما رآها عرفها. وقيل: التقى فيها آدم وحواء فتعارفا، وفيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأن الإفاصة لا تكون إلا بعده {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات أو بصلاة المغرب والعشاء {عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ } هو قزح وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة. والمشعر المعلم لأنه معلم العبادة، ووصف بالحرام لحرمته. وقيل: المشعر الحرام مزدلفة، وسميت المزدلفة جمعاً لأن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها، أو لأنه يجمع فيها بين الصلاتين، أو لأن الناس يزدلفون إلى الله تعالى أي يتقربون بالوقوف فيها {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } «ما» مصدرية أوكافة اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة، أو اذكروه كما علمكم كيف تذكرونه ولا تعدلوا عنه {وَإِن كُنتُمْ مِّن قَبْلِهِ } من قبل الهدى {لَمِنَ ٱلضَّالِّينَ } الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه و«إن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ } ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس ولا تكن من المزدلفة. قالوا: هذا أمر لقريش بالإفاضة من عرفات إلى جمع وكانوا يقفون بجمع وسائر الناس بعرفات ويقولون: نحن قطان حرمه فلا نخرج منه. وقيل: الإفاضة من عرفات مذكورة فهي الإفاضة من جمع إلى منى. والمراد بالناس على هذا الجنس ويكون الخطاب للمؤمنين {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ } من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم أو من تقصيركم في أعمال الحج {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بكم {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ } فإذا فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحج ونفرتم {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ } أي فاذكروا الله ذكراً مثل ذكركم آباءكم. والمعنى فأكثروا من ذكر الله وبالغوا فيه كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم. وكانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنى وبين الجبل فيعددون فضائل آبائهم ويذكرون محاسن أيامهم {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } أي أكثر. وهو في موضع جر عطف على ما أضيف إليه الذكر في قوله «كذكركم» كما تقولون كذكر قريش آباءَهم أو قوم أشد منهم ذكراً و«ذكراً» تمييز. {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ } فمن الذين يشهدون الحج من يسأل الله حظوظ الدنيا فيقول {رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا } اجعل إيتاءنا أي إعطاءنا في الدنيا خاصة يعني الجاه والغنى {وَمَا لَهُ فِى ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ } نصيب لأن همه مقصور على الدنيا لكفره بالآخرة. والمعنى أكثروا ذكر الله ودعاءه لأن الناس من بين مقل لا يطلب بذكر الله إلا أغراض الدنيا، ومكثر يطلب خير الدارين فكونوا من المكثرين أي من الذين قيل فيهم {وَمِنْهُمُ } ومن الذين يشهدون الحج {مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً } نعمة وعافية، أو علماً وعبادة. {وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً } عفواً ومغفرة، أو المال والجنة، أو ثناء الخلق ورضا الحق، أو الإيمان والأمان، أو الإخلاص والخلاص، أو السنة والجنة، أو القناعة والشفاعة، أو المرأة الصالحة والحور العين، أو العيش على سعادة والبعث من القبور على بشارة. {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ } احفظنا من عذاب جهنم، أو عذاب النار امرأة السوء. {أُوْلَـٰئِكَ } أي الداعون بالحسنتين {لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ } من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة، أو من أجل ما كسبوا، أو سمى الدعاء كسباً لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب، ويجوز أن يكون أولئك للفريقين وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدل على كمال قدرته ووجوب الحذر من نقمته. وروي أنه يحاسب الخلق في قدر حلب شاة وروي في مقدار لمحة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يسألونك} أي يا محمد {عن الأهلة} نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاريين قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقاً ثم يزيد حتى يمتلئ نوراً، ثم يزال ينقص حتى يعود دقيقاً كما بدا ولا يكون على حال واحدة فأنزل الله: {يسألونك عن الأهلة} وكان هذا سؤالاً منهم على وجه الفائدة عن وجه الحكمة في تبيين حال الهلال في الزيادة والنقصان والأهلة جمع هلال وهو أول حال القمر حين يراه الناس أول ليلة من الشهر {قل هي مواقيت للناس} جمع ميقات، والمعنى أن فعلنا ذلك لمصالح دينية ودنيوية ليعلم الناس أوقات حجهم وصومهم وإفطارهم ومحل ديونهم وأجائرهم وعدد النساء وأوقات الحيض وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالأهلة ولهذا خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة {والحج} أي وللحج، وإنما أفراد الحج بالذكر وإن كان داخلاً في جملة العبادات لفائدة عظيمة وهي أن العرب في الجاهلية كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور فأبطل الله ذلك من فعلهم وأخبر أن الحج مقصورعلى الأشهر التي عينها لفرض الحج بالأهلة، وأنه لا يجوز نقل الحج عن تلك الأشهر التي عينها الله تعالى له كما كانت العرب تفعل بالنسيء {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} (ق) عن البراء قال: نزلت هذه الآية فينا فكانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا لم يدخلوا من قبل أبواب البيوت فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه فكأنه عير بذلك فنزلت: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها، وفي رواية كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيوت من ظهورها فأنزل الله هذه الآية وقيل كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم لم يدخل حائطاً ولا داراً ولا فسطاطاً من بابه، فإن كان من أهل المدر نقب نقباً في ظهر بيته منه يدخل ويخرج أو يتخذ سلماً يصعد منه، وإن كان من أهل الوبر دخل وخرج من خلف الخباء ولا يدخل ولا يخرج من الباب ويرون ذلك براً، وكانت الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة ومن دان بدينهم، سموا حمساً لتشددهم في دينهم والحماسة الشدة كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيتاً البتة ولم يستظلوا بظل، ثم حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حائطاً فدخل رجل من الأنصار معه وقيل كانت الحمس لا يبالون بذلك، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ذات يوم بيتاً فدخل على أثره رجل من الأنصار يقال له رفاعة بن التابوت من الباب وهو محرم فأنكروا عليه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لم دخلت من الباب وأنت محرم فقال: رأيتك دخلت فدخلت على أثرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أحمسي فقال الرجل إن كنت أحمسياً فأنا أحمسي رضيت بهديك وسمتك ودينك فأنزل الله تعالى هذه الآيةتفسير : . وقال الزهري كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يجعلوا بينهم وبين السماء شيئاً، وكان الرجل يخرج مهلاًّ بالعمرة فتبدو له الحاجة بعد ما خرج من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السماء فيفتح الجدار من ورائه ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته ثم بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَّ زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرة فدخل رجل من الأنصار من بني سلمة على أثره فقال النبي صلى الله عليه وسلم لم فعلت ذلك؟ قال: لأني رأيتك دخلت فقال عليه الصلاة والسلام: إني أحمسي فقال الأنصاري وأنا أحمسي يقول أنا على دينك فأنزل الله تعالى {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها} يعني في حال الإحرام وغيره {واتقوا الله لعلكم تفلحون}.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ...}. أي عن حال الأهلة. وجمع الأهلة إما لتعددها بتعدد الأشهر أو لاختلاف أحواله وإن كان واحدا فهو كالمتعدد. قال ابن عطية: الهلال ليلتان بلا خلاف، وقيل ثلاث. الأصمعي هو هلال حتى يحجّر، ويستدير له كالخيط الرقيق. وقيل: هو هلال حتى (يعم ضوؤه) السّماء وذلك ليلة سبع. وأنشد الآمدي شاهدا على ذلك لاختلاف أحواله. قال ابن عرفة: وجواب السؤال في القرآن كله بغير "فاء" مثل {أية : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى}.تفسير : ومثل {أية : يَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} {أية : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}تفسير : إلا قوله {أية : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً }. تفسير : قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأن الكل أمور دنيوية فالسؤال عنها ثابت واقع في الوجود/ وقوله "وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ" فأمر أخروي والكفار منكرون للبعث فالسؤال غير واقع لكنه مقدر الوقوع في المستقبل أي إِنْ "(يَسْأَلُوكَ) عَنِ الجِبَالِ"، فهو جواب لشرط مقدر فحسنت فيه الفاء. قال ابن عرفة: وهذا على سبيل الإعراض عن الشيء والإقبال على غيره، لأنهم سألوا عن سبب تغيير الهلال ونقصه وزيادته في أيام الشهور، فأجيبوا بالسبب عن ذلك ونتيجته. وأنّ فائدة ذلك معرفة أوقات الناس، وأوقات الحج، أي ذلك سؤال عما لا (يعني) فلا حاجة لكم بالجواب عنه، وإنما حقكم أن تسألوا عن نتيجته وهو كذا. قوله تعالى: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا...}. كانوا إذا حجوا واعتمروا يلتزمون أن لا يحول بينهم وبين السماء شيء فيدخلون بيوتهم من خلفها ينقبون الحائط أو من سقفها أو يطلعون بسلم على السطح فينزلون في وسط الدار، وهذا عند ابتداء الدخول فإذا تكرر ذلك تركوه.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالَى: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأهِلَّةِ}، قال ابنْ عَبَّاس وغيره: نَزلَتْ علَىٰ سؤالِ قَوْمٍ من المسلمين النبيَّ صلى الله عليه وسلم عنِ الهِلاَلِ، وما فائدةُ مُحَاقِهِ، وكمالِهِ، ومخالفته لحالِ الشمْسِ. و {مَوَاقِيتُ } أي: لمحَلِّ الدُّيون، وانقضاءِ العِدَدِ والأَكْرِيَةِ، وما أشبه، هذا من مصالحِ العبادِ، ومواقيت للحَجِّ أيضاً: يعرف بها وقته وأشهره. وقوله سبحانه: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ...} الآية: قال البَرَاء بن عَازِبٍ، والزهْريُّ، وقتادة: سببها أن الأنصار كانوا إِذا حَجُّوا، أو ٱعتمروا، يلتزمون تشرُّعاً ألاَّ يحول بينهم وبَيْن السماء حائلٌ، فكانوا يتسنَّمون ظهور بيوتِهِم على الجُدُرَاتِ، وقيل: كانوا يجعلون في ظهور بيوتهم فُتُوحاً يدخلُون منْها، ولا يدخلون من الأبواب، وقيل غير هذا ممَّا يشبهه. وقوله تعالى: {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...} الآيةُ هي أول آية نزلَتْ في الأمر بالقتالِ. قال ابن زَيْد، والربيعُ: قوله: {وَلاَ تَعْتَدُواْ } أي: في قتالِ مَنْ لم يقاتلْكم، وهذه الموادَعَةُ منسوخةٌ بقوله تعالى: {أية : وَقَٰتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً }تفسير : [التوبة:36] وقال ابن عَبَّاس وغيره: {وَلاَ تَعْتَدُواْ} في قتْلِ النساءِ، والصبيانِ، والرهبانِ، وشبههم؛ فهي مُحْكَمَةٌ. وقوله تعالى: {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ...} الآية: قال ابْنُ إِسحاق وغيره: نزَلَتْ هذه الآيةُ في شأنِ عَمْرو بن الحَضْرَمِيِّ، وواقدٍ، وهي سَرِيَّةُ عبد اللَّه بن جَحْش، و {ثَقِفْتُمُوهُمْ } معناه: أحكمتم غلبتهم، يقال: رَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ، إِذا كان محكِماً لما يتناوَلُهُ من الأمور. و {أَخْرِجُوهُم }: خطابٌ لجميع المؤمنين، والضميرُ لكفار قريش. و {ٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ }، أي: الفتنةُ التي حملوكم علَيْها، ورامُوكم بِهَا على الرُّجوع إِلى الكفر - أشدُّ من القتْل، ويحتمل أن يكون المعنَىٰ: والفتنةُ، أي: الكفر والضَّلال الذي هم فيه أَشَدُّ في الحَرَمِ، وأعظم جُرْماً من القتل الَّذي عيَّروكم به في شأن ابْنِ الحَضْرَمِيِّ. وقوله تعالى: {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ...} الآية. قال الجمهورُ: كان هذا ثُمَّ نُسِخَ، وقال مجاهد: الآية محكمةٌ، ولا يجوز قتال أحد، يعني: عند المسجد الحرام، إِلا بعد أن يقاتل. قلتُ: وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي»تفسير : يقوي قول مجاهد، وهذا هو الراجحُ عند الإِمام الفَخْر، وأنَّ الآية محكمةٌ، ولا يجوز الابتداء بالقتالِ في الحرم. انتهى. قال ابن العَرَبِيِّ في «أحكامه» وقد روى الأئمَّة عن ابن عَبَّاس؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال يَوْمَ فَتْح مكَّة: «حديث : إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَىٰ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَىٰ إِلَىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهَا لأَحَدٍ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ».تفسير : فقد ثبت النهْيُ عن القتالِ فيها قُرآناً وسُنَّة، فإِن لجأ إِليها كافرٌ، فلا سبيل إِلَيْه، وأما الزانِي والقاتلُ، فلا بُدَّ من إِقامة الحَدِّ عليه إِلا أنْ يبتدىء الكافر بالقتَال فيها، فيقتل بنصِّ القرآن. انتهى. وقرأ حمزة والكسائيّ: «وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّىٰ يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ»، أي: فإِن قتلوا منْكم، والانتهاء في هذه الآية هو الدخولُ في الإِسلام.

ابن عادل

تفسير : نقل عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - قال: مَا كَانَ قَوْمٌ أَقَلَّ سُؤَالاً مِنْ أُمَّةِ محمَّدٍ - صلوات الله وسلامه عليه - دائماً وأبداً - سأَلُوهُ عَنْ أَرْبَعةَ عَشَرَ حَرْفاً، فَأْجِيبُوا. قال ابن الخَطِيبِ: ثمانيةٌ منها في سورة البقرة أولُها: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}تفسير : [البقرة: 186]. وثانيها: هذه الآية، ثم الباقية بعد في سورة البقرة. فالمجموع ثمانية في هذه السُّورة، والتَّاسع: في المائدة، قوله تبارك وتعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ}تفسير : [المائدة: 4] والعاشر: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ}تفسير : [الأنفال: 1] والحادي عشر: في بني إسرائيل {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ}تفسير : [الإسراء: 85] والثاني عشر في الكهف {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ}تفسير : [الكهف: 83] والثالث عشر في طه {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ}تفسير : [طه: 105] والرابع عشر في النَّازعات {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ}تفسير : [النازعات: 42]. ولهذه الأسئلة ترتيبٌ عجيبٌ: آيتان: الأول: منها في شرح المبدأ، وهو قول تعالى:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} وهذا سؤالٌ عن الذَّاتِ. والثاني: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} وهذا سؤالٌ عن حقيقة الخلاَّقيَّة، والحكمة في جعل الهلال على هذا الوجه. والآيتان الأخيرتان في شرح المعاد، وهو قوله {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ}تفسير : [طه: 105] و{أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ}تفسير : [النازعات: 42]. ونظير هذا أنَّه ورد في القرآن الكريم سورتان: أوّلهما "يَا أَيَهَا النَّاسُ" فالأولى: هي السُّورة الرابعة من النِّصْف الأوَّل؛ فإن الأولى هي "الفَاتِحَةُ" ثم "البَقَرَةُ" ثم "آلُ عِمْرَانَ" ثم "النِّسَاءُ" وهي مشتملةٌ على شرح المبدأ {أية : ٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}تفسير : [النساء: 1] والسُّورة الثَّانية: هي الرابعة أيضاً من النِّصف الثاني: فإن أوله "مَرْيَم" ثم "طَه" ثم "الأَنْبيَاء" ثم "الحَجُّ" وهذه مشتملةٌ على شرح الميعاد {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}تفسير : [الحج: 1] فسبحان من له في هذا القرآن أسرار خفيَّةٌ، وحِكَمٌ مطويَّة [لا يَعْرِفُها إلاَّ الخواصُّ مِن عَبِيدِه]. فصل في اختلافهم في السائل عن الأهلَّة روي عن معاذ بن جبلٍ، وثعلبة بن غنمٍ الأنصاريين قالا: يا رسول الله، ما بالُ الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيطِ، ثُمَّ يزيد؛ حتَّى يمتلىءَ ويَسْتَوِي، ثُمَّ لا يَزَالُ يَنْقُصُ حَتَّى يَعُودَ كَمَا بَدَأَ، لاَ يَكُونُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؛ كالشَّمْسِ، فَنَزِلَتْ هذه الآية. وروي أنَّ معاذ بن جبلٍ قال: إنَّ اليَهُودَ سَأَلُوهُ عَنِ الأهَلَّةِ. واعلم أنَّ قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} ليْسَ فيه بيان أنَّهم عن أيِّ شيءٍ سأَلُوا، إلاَّ أنَّ الجواب كالدَّالِّ على موضع السُّؤال؛ لأنَّه قوله: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} يدلُّ على أنَّ سؤالهم كان على وجه الفائدة والحكمة في تغيُّر حال الأهلَّة في الزيادة والنُّقصان. قوله تعالى: {عَنِ ٱلأَهِلَّةِ}: متعلِّقٌ بالسؤال قبله، يقال: "سَأَلَ بِهِ وَعَنْهُ" بمعنًى، والضمير في "يَسْأَلُونَكَ" ضمير جماعة. فإن كانت القصَّة كما روي عن معاذٍ: أنَّ اليهودَ سألُوهُ، فلا كلام، وإن كانت القصَّة أنَّ السائل اثنان؛ كما روي أن معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنمٍ، سألوا، فيحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أن يقال: إن أقلّ الجمع اثنان. والثاني: من نسبة الشيء إلى جمعٍ، وإن لم يصدر إلاَّ من واحدٍ منهم أو اثنين، وهو كثيرٌ في كلامهم. فصل قال الزَّجَّاج - رحمه الله-: "هلال" يُجمع في أقلِّ العدد على "أَفْعِلَةٍ" نحو: مثالٍ وأَمْثِلَةٍ، وحِمَارِ وأَحْمِرَةٍ، وفي أكثر العدد يجمع على "فُعُلٍ" نحو حُمُرٍ، لأنهم كرهوا في التضعيف "فُعُلٍ"، نحو هُلُل وخُلُل، فاقتصروا على جمع أدنى العدد. والجمهور على إظهار نون "عَنْ" قبل لام "الأَهِلَّة" وورشٌ على أصله من نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وقرئ شاذَاً: "عَلَّ هِلَّةِ"؛ وتوجيهها: أنه نقل حركة همزة "أَهِلَّة" إلى لام التَّعريف، وأدغم نون "عَنْ" في لام التعريف؛ لسقوط همزة الوصل في الدَّرج، وفي ذلك اعتدادٌ بحركة الهمزة المنقولة، وهي لغة من يقول: "لَحْمَرُ" من غير همزة وصلٍ. وإنما جُمِعَ الهلالُ، وإن كان مفرداً؛ اعتباراً باختلاف أَزمانه؛ قالوا من حيث كونه هلالاً في شهر غير كونه هلالاً في آخر، والهلال: هذا الكوكبُ المعروف. واختلف اللُّغَوِيُّون: إلى متى يُسَمَّى هِلاَلاً؟ فقال الجمهور: يُقَالُ له "هِلاَلٌ" لِلَيْلَتَيْنِ، وقيل: لِثَلاَثٍ، ثم يكون "قَمَراً" وقال أبو الهيثم: يُقال له: "هِلاَلٌ" لِلَيْلَتَيْن من أوَّل الشهر، ولَيْلَتَيْنِ من آخره، وما بينهما "قَمَرٌ". وقال الأصمعيُّ: يُقَالُ له "هِلاَلٌ" إلى أن يُحَجِّرُ، وتحجيره: أن يستدير له؛ كالخيط الرقيق"، ويقال له: "بَدْرٌ" من الثانية عشرة إلى الرابعة عشرة، وقيل: يُسَمَّى "هِلالاً" إلى أن يَبْهَرَ ضَوءُهُ سَوادَ اللَّيْلِ، وذلك إنما يكونُ في سَبْعِ لَيَالٍ". واعلم أنَّ الشَّهر ينقسم عشرة أقسامٍ، كلُّ قسمٍ: ثلاثُ ليالٍ، ولكلِّ ثلاثِ ليالٍ اسمٌ، فالثلاثة الأولى: تسمَّى غرر، والثانية نقل، والثالثة تسع، والرابعة عشر، والخامسة بيض والسادسة درع، والسابعة ظلم، والثامنة مسادس والتاسعة فرادى والعاشرة محاق. والهلال: يكون اسماً لهذا الكوكب، ويكون مصدراً؛ يقال: هلَّ الشَّهر هلالاً، ويقال: أُهِلَّ الهلالُ، واسْتُهِلَّ مبنيّاً للمفعول وأهْلَلْنَاه واسْتَهْلَلْنَاهُ، وقيل: يقال: أَهَلَّ واسْتَهَلَّ الهلالُ للفاعل؛ وأنْشَدَ: [الوافر] شعر : 964 - وَشَهْرٌ مُسْتَهِلٌّ بَعْدَ شَهْرٍ وَحَوْلٌ بَعْدَهُ حَوْلٌ جَدِيدٌ تفسير : وسُمِّي هذا الكوكب هلالاً؛ لارتفاع الأصوات عن رؤيته، وقيل: لأنه من البيان، والظهور، أي: لظهوره وقت رؤيته بعد خفائه، ولذلك يقال: تهلَّل وجهه: ظهر فيه بشرٌ وسُرُورٌ، وأنْ لم يكُنْ رفع صَوْتَهُ، ومنه قول تَأَبَّطَ شَرّاً: [الكامل] شعر : 965 - وَإِذَا نَظَرْتَ إلى أَسِرَّةِ وَجْهِهِ بَرَقَتْ كَبَرْقِ العَارِضِ المُتَهَلِّلِ تفسير : وقد تقدم أنَّ الإهْلاَلَ: الصُّرَاخُ عند قوله {أية : وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 172]. "وفِعَالٌ" المضعَّف يطَّرد في تكسيره "أَفْعِلَة" كأَهِلَّةٍ، وشذَّ فيه فِعَلٌّ؛ كقوله: عِنَنٌ، وحِجَجٌ، في عِنَان، وحِجَاج. وقدَّر بعضهم مضافاً قبل "الأَهِلَّة" أي: عن حكم اختلاف الأهلَّة، لأنَّ السؤال عن ذاتها غير مفيدٍ؛ ولذلك أُجيبوا بقوله: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} وقيل: إنهم لمَّا سألُوا عن شيء قليل الجدوى، أُجيبوا بما فيه فائدةٌ، وعدل عن سؤالهم، إذ لا فائدة فيه، وعلى هذا، فلا يحتاج إلى تقدير مضافٍ. و"لِلنَّاسِ" متعلِّقٌ بمحذوف؛ لأنه صفةٌ لـ"مَوَاقِيتُ" أي: مواقيتُ كائنةٌ للنَّاسِ. ولا يجوزُ تعلُّقُه بنَفْس المواقيتِ؛ لما فيها من معنى النقل؛ إذ لا معنى لذلك. والمَوَاقِيتُ: جمع ميقَاتٍ؛ رَجَعَتِ الواوُ إلى أصلها؛ إذ الأصل: موقاتٌ من الوَقْتِ، وإنَّما قلبت ياءً؛ لكسر ما قبلها، فلمَّا زال موجبه في الجمع، رُدَّت واواً، ولا ينصرف؛ لأنه بزنة منتهى الجموع. فإن قيل: لم صرفت قوارير؟ قيل لأنَّها فاصلةٌ وقعت في رأس الآية الكريمة فنوِّن، ليجري على طريقة الآيات كما تنوَّن القوافي في مثل قوله: [الوافر] شعر : 966 - أَقِلِّي اللَّوْمَ، عَاذِلَ، والعتَابَنْ ............................ تفسير : و"المِيقَات": منتهى الوقت؛ قال تبارك وتعالى: {أية : فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ}تفسير : [الأعراف: 142] والهلال: ميقات الشَّهر؛ أي: منتهاه، ومواضع الإحرام: مواقيت الحجِّ؛ لأنَّها مواضع ينتهى إليها، وقيل: الميقات: الوقت؛ كالميعاد بمعنى الوعد. فصل في تخصيص المواقيت بالهلال دون الشمس فإن قيل: لم خصَّ المواقيت بالأهلَّة وأشهرها دون الشمس وأشهرها؟ فالجواب: أنَّ الأهلَّة وأشهرها، إنَّما جعلت مواقيت للنَّاس، دون الشمس وأشهرها؛ لأنَّ الأشهر الهلاليَّة يعرفها كُلُّ أحدٍ من الخاصِّ والعامِّ برؤية الهلال ومحاقه؛ ولذلك عُلِّقت الأحكام الشَّرعيَّة بالشُّهور العربيَّة، كصوم رمضان، وأشهر الحجِّ، وهي شوَّال، وذُو القعدة وذو الحجَّة. والأشهر المنذورة، والكفَّارات، وحول الزَّكاة وأشهر الإجارات والمداينات والسلم، وأشهر الإيلاء، وأشهر العدد، ومدَّة الرَّضاع وما تتحمَّله العاقلة في ثلاث سنين، وغير ذلك؛ بخلاف الشَّمس، وأشهرها؛ فإن الشَّمس لا يتغيَّر شكلها بزيادةٍٍ، ولا نقصٍ، ولا يعرف أوَّله وآخره، ولا تختلِفُ رؤيتها، وكذلك أشهرها لا يعرف أوَّلها وآخرها، إلاَّ الخواصُّ من الحُسَّاب، وليس لها مواقيت غير الفصول الأربعة؛ وهي الصَّيف، والشِّتاء، والرَّبيع، والخريف؛ ولذلك لا يتعلَّق به حكم شرعيٌّ؛ فلذلك جعلت الأهلَّة وأشهرها مواقيت للنَّاس، دون الشَّمس. فصل اعلم أنَّ الله سبحانه ذكر وجه الحكمة في خلق الأهلَّة؛ فقال تعالى: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} وذكر هذا المعنى في آية أخرى، وهي قوله تعالى: {أية : وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ}تفسير : [يونس: 5] واعلم أنَّ تقدير الزمان بالشُّهور فيه منافع دينيةٌ، ودنيويةٌ. فالدينية: كالصَّوم، والحَجِّ، وعدَّة المتوفَّى عنها زوجها، والنذور المتعلِّقة بالأوقات، وقضاء الصَّوم في أيامٍ لا تُعْلَمُ إلاَّ بالأهلَّة. والدنيويَّة: كالمداينات، والإجارات، والمواعيد، ولمدَّة الحمل والرَّضاع. قوله: "والحَجِّ" عطفٌ على "النَّاس" قالوا: تقديره: ومواقيتُ الحَجِّ، فحذف الثاني؛ اكتفاءً بالأوَّل. وقيل: فيه إضمارٌ، تقديره: وللحَجَّ كقوله {أية : وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ}تفسير : [البقرة: 233] أي: لأولادكم. ولمَّا كان الحجُّ من أعظم ما تُطْلَبُ مواقيته وأشهره بالأهلَّة، أُفْرِدَ بالذِّكْرِ. قال تعالى: {أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}تفسير : [البقرة: 197]. فإن قيل: الصَّوم أيضاً يطلب هلاله؛ قال عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ " تفسير : قلنا: نعم، ولكنَّ الصوم قد يسقط فعله عن الحائض، والنُّفَسَاء، والمُسَافر، ويوقعون قضاءه في غيره من الأشهر؛ بخلاف الحجِّح فإنَّه إذا لم يصحَّ فعله في وقته، لا يقضى في غيره من الأشهر. واحتجَّ مالك - رحمه الله تعالى - وأبو حنيفة بهذا الآية على أنَّ الإحرام بالحجِّ في غير أشهر يصحُّ، فإن الله تعالى جعل الأهلَّة كلها ظرفاً لذلك. قال القَفَّال: إفراد الحجِّ بالذِّكر إنَّما كان لبيان أن الحجَّ مقصورٌ على الأشهر التي عيَّنها الله تعالى لفرضه؛ وأنه لا يجوز نقل الحجِّ من تلك الأشهر إلى شهر آخر؛ كما كانت العربُ تفعلُ ذلك في النسيء؛ فأفرد بالذِّكر، وكأنه تخصيص بعد تعميم؛ إذ قوله تعالى: مَوَاقِيتُ لِلنَّاس" ليس المعنى لذوات الناس، بل لا بُدَّ من مضافٍ، أي: مواقيتُ لمقاصد النَّاس المحتاج فيها للتأقيت، ففي الحقيقة ليس معطوفاً على الناس، بل على المضاف المحذوف الذي ناب "النَّاسِ" منابه في الإعراب. وقرأ الجمهور "الحَج" بالفتح في جميع القرآن الكريم إلا حمزة والكسائيَّ وحفصاً عن عاصم، فقرءوا {أية : حِجُّ ٱلْبَيْتِ}تفسير : [آل عمران:97] بالكسر، وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق بالكسر في جميع القرآن، وهل هما بمعنًى واحدٍ، أو مختلفان؟ قال سيبويه: "هما مَصْدَرَانِ"؛ فالمفتوح كالرَّدِّ والشَّدِّ، والمكسورُ كالذِّكر، وقيل: بالفتح: مصدرٌ، وبالكسر: اسمٌ. فصل في الرد على أهل الظَّاهر قال القرطبيُّ: هذه الآية الكريمة تَرُدُّ على أهل الظَّاهر، ومن وافقهم في أنَّ المساقاة تجوز إلى الأجل المجهول سنين غيرِ معلومة؛ واحتجُّوا بأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرَّف، وكرَّم، ومجَّد، وبجَّل، وعظَّم، عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى شَطْرِ الزَّرْعِ والنَّخْل بما بَدَا لرسُول الله - صلى الله عليه وسلم، وشرَّف، وكَرَّم، ومجَّد، وبَجَّل، وعَظَّم - من غير توقيت، وقال: وهذا لا دليل فيه؛ لأنَّه - عليه الصَّلاة والسَّلام - "حديث : قال لليهود: أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ " تفسير : وهذا يدلُّ على أنَّ ذلك مخصوصٌ به، وأنَّه كان في ذلك ينتظر القضاء من رِّبه، وليس كذلك غيره. قوله: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ} كقوله: {أية : لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ}تفسير : [البقرة:177] وقد تقدم؛ إلا أنه لم يختلف هنا في رفع "البِرِّ"؛ لأنَّ زيادة الباء في الثاني عيَّنت كونه خبراً، وقد تقدَّم لان أنَّها قد تزاد في الاسم. وقرأ أبو عمرو، وحفصٌ، وورشٌ" البُيُوت" و "بُيُوت" و"الغُيُوب" و"شُيُوخاً" بضمِّ أوَّلها؛ وهو الأصل، وقرأ الباقون بالكسر؛ لأجل الياء، وكذلك في تصغيره، ولا يبالى بالخروج من كسر إلى ضم؛ لأنَّ الضمة في الياء، والياء بمنزلة كسرتين؛ فكانت الكسرة التي في الباء كأنها وليت كسرةً، قاله أبو البقاء - رحمه الله -. و"مِنْ" قوله: "مِنْ ظُهُورِهَا" و"مِنْ أَبْوَابِهَا" متعلقةٌ بالإتيان، ومعناها ابتداءُ الغاية، والضميرُ في "ظُهُورِهَا" و "أَبْوَابِهَا" للبُيُوت، وجيء به كضمير المؤنثة الواحدة؛ لأنه يجوز فيه ذلك. وقوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ} كقوله - تبارك وتعالى -: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ}تفسير : [البقرة:177] يعني: تقديره: بِرُّ مَنْ آمَنَ كَمَا مَضَى؛ ولمَّا تقدَّم جملتان خبريتان، وهما: "وَلَيْسَ البِرُّ" "وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى" عطف عليهما جملتان أمريتان، الأولى للأولى، والثانية للثانية، وهما: "وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا" "واتَّقُوا اللَّهَ" وفي التصريح بالمفعول في قوله: "وَاتَّقُوا اللَّهَ" دلالةٌ على أنه محذوفٌ من اتَّقَى، أي اتَّقَى الله. فصل في سبب نزول الآية قال الحسن، والأصمُّ: كان الرَّجُلُ في الجاهليَّة، إذا همَّ بشيءٍ، فتعسَّر عليه مطلوبه، لم يدخل بيته من بابه، بل يأتيه من خلفه، ويبقى على هذه الحالة حولاً كاملاً فنهاهم الله؛ لأنَّهم كانوا يفعلونه تطيُّراً، وعلى هذا: تأويل الآية الكريمة {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} على وجه التطيُّر ولَكِنَّ البِرَّ من يتَّقِي اللَّهَ، ولَمْ يَتَّقِ غيْرَهُ، ولم يَخَفْ شَيْئاً مِمَّا كان يتطيَّر به، بل توكَّل على الله تعالى، واتَّقَاه" ثمَّ قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي: لِتَفُوزُوا بالخَيْر في الدِّين والدُّنيا؛ لقوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}تفسير : [الطلاق: 2 - 3]{أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً}تفسير : [الطلاق: 4] وتحقيقه: أن من رجع خائباً يقال: ما أفلح، فيجوز أن يكون الفلاح المذكور في الآية هو أنَّ الواجب عليكم أن تتَّقوا الله؛ حتَّى تصيروا مفلحين، وقد وردت الأخبار بالنَّهي عن التَّطَيُّر، قال: "حديث : لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ"تفسير : وقال: "حديث : مَنْ رَدَّهُ عَنْ سَفَرٍ تَطَيُّرٌ، فَقَدَ أَشْرَكَ"تفسير : و "حديث : كَانَ يَكْرَهُ الطِّيَرَةَ، ويُحِبُّ الفَأْلَ الحَسَنَ"تفسير : وقَدْ عَابَ الله قوماً تطيَّروا بموسى ومن معه، فقالوا: {أية : قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : [النمل: 47]. وقال المفسِّرون: سَبَبُ نُزُول الآية الكريمة: كان الناس في أوَّل الإسلام، إذا أحرم الرَّجُلُ منهم، فإن كان من أهل المدن، نقب نقباً في ظهر بيته يدخل منه، ويخرج، أو يتَّخِذ سُلَّماً يصعد منه إلى سطح داره، ثم ينحدر، وإن كان من أهل الوبر، خرج من خلف الخيمة والفسطاط، ولا يخرج ولا يدخل من الباب؛ حتى يحلَّ من إحرامه، ويرون ذلك برّاً إلا أن يكون من الحمس، وهم قريشٌ، وكنانة، وخزاعة، وخيثمٌ، وبنوا عامر بْنِ صَعْصَعَةَ، وبنو نَصْر بنِ معاويةَ، وهؤلاء سُمُّوا حمساً؛ لتشديدهم في دينهم، والحماسة الشِّدَّة. قال العجَّاجُ: [الرجز] شعر : 967 - وَكَمْ قَطَعْنَا مِنْ قِفَافٍ حُمْسِ تفسير : وهؤلاء متى أحرموا، لم يدخلوا بيوتهم ألبتَّة، ولا يستظلُّون الوبر، ولا يأكلون السمن، والأقط، ثم "حديث : إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرَّف، وكرَّم، ومجَّد، وبجَّل، وعظَّم، دخل، وهو محرمٌ، بيتاً لبعض الأنصار، فاتَّبَعَهُ رَجلٌ مُحْرِمٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يقال له رفاعةُ ابن تابُوتَ، فدخل على أثره من الباب، فقال - عليه الصلاة والسلام دائماً وابداً -: تَنَحَّ عَنَّي فقال: ولمَ، يا رسول الله؟ قال: دخلت الباب، وأنت مُحْرِمٌ، فقال: رَأَيْتُكَ دَخَلْتَ، فدَخَلْتُ على أُثَرِكَ، فقال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، شرَّف، وكرَّم، ومجَّد، وبجَّل، وعظَّم: إنِّي أحْمَسُ فقال الرَّجُلُ: "إن كنت أحمسياً، فإني أحمسي، رضيت بهديك، وسمتك، ودينك"تفسير : "، فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة. قال الزُّهريُّ: كان ناسٌ من الأنصار، إذا أهلُّوا بالعمرةِ، لم يحل بينهم وبين السَّمَاء شيءٌ، وكان الرَّجُل يخرجُ مُهِلاًّ بالعمرة، فتبدوا له الحاجة بعد ما يخرج من بيته؛ فيرجع، ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السَّماء، فيفتح الجدار من ورائه، ثُمَّ يقوم في حجرته فيأمر بحاجته؛ حتى "حديث : بلغنا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرَّف، وكرَّم، ومجَّد، وبجَّل، وعظَّم، أهلَّ زمن الحديبية بالعمرة، فدخل حجرة، فدخل رجل على أثره من الأنصار من بني سلمة، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم وشرَّف، وكرَّم، ومجَّد، وبجَّل، وعظَّم: لِمَ فَعلْتَ ذَلِكَ؟" قال: "لأنِّي رَأَيْتُكَ دَخَلْتَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وشرَّف، وكرَّم، ومجَّد، وبجَّل، وعظَّم: "إني أحمسي" فقال الأنصاريُّ: وأنا أحمسي، وأنا على دينكتفسير : ، فأنزل الله تعالى الآية الكريمة. فصل في اختلافهم في تفسير الآية ذكروا في تفسير الآية ثلاثة أوجه: أحدها:- وهو قول أكثر المفسرين - وهو حمل الآية الكريمة على ما قدَّمناه في سبب النُّزول، ويصعب نظم الآية الكريمة عليه؛ فإنَّ القوم سألوا عن الحكمة في تغيير لون القمر، فذكر الله تعالى الحكمة في ذلك، وهي قوله: {مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} فأيُّ تعلُّق بين بيان الحكمة في اختلاف نور القمر، وبين هذه القصَّة، فذكروا وجوهاً: أحدها: أنَّ الله - تبارك وتعالى - لمَّا ذكر أنَّ الحكمة في اختلاف أحوال الأهلَّة جَعْلُها مواقِيتَ للنَّاسِ والحَجِّ، وكان هذا الأمر من الأشياء التي اعتبرها في الحجِّ، لا جَرَمَ ذكرها الله تعالى. وثانيها: أنه تعالى إنَّما وصل قوله: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} بقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ}؛ لأنَّه إنما اتَّفَقَ وقوع القصَّتين في وقت واحدٍ، فنزلت الآية الكريمة فيهما معاً في وقت واحدٍ، ووصل أحد الأمرين بالآخر. وثالثها: كأنَّهم لمَّا سألوا عن الحكمة في اختلاف حال الأهلَّة، فقيل لهم: اتركوا السُّؤال عن هذا الأمر الذي لا يعنيكم، وارجعوا إلى البحث، عمَّا هو أهمُّ لكم، فإنَّكم تظنُّون أنَّ إتيان البيوت من ظُهُورها بِرٌّ؛ وليس الأمر كذلك. الوجه الثاني من تفسير الآية: أنَّ قوله تعالى: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} مثل ضربه الله تعالى، ولَيْسَ المرادُ ظاهره وتفسيرُ أنّ الطريقَ المستقيم هو الطريق المعلومُ، وهو أنْ يُستدلَّ بالمعلوم على المظنون، ولا ينعكس. وإذا عرف هذا، فنقولُ: ثبت بالدلائل أن للعالم صانعاً، مختاراً، حكيماً، وثبت أنَّ الحكيمَ لا يفعلُ إلاَّ الصَّواب البريء عن العبث والسَّفه. وإذا عرفنا ذلك، وعرفنا أنَّ اختلاف أحوال القَمَر في النُّور مِنْ فعله علمنا أنَّ فيه حكمةً ومصلحةً، لأنَّا علمنا أنَّ الحكيم لا يفعلُ إلاَّ الحكمة، واستدلَلْنَا بالمَعلُوم على المجهول، فأمَّا أن يُستدلَّ بعدم علمنا بالحكمة فيه على أنَّ فاعلهُ ليس بحكيم، فهو استدلالٌ باطلٌ؛ لأنَّه استدلالٌ بِالمجهول على القدح في المعلوم، وإذا عُرف هذا، فالمرادُ من قوله تعالى: {لَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} يعني: أنَّكم لَمَّا لم تعلمُوا الحكمةَ في اختلاف نُورِ القمرِ، صِرْتُم شاكِّينَ في حِكمة الخالِقِ، وقدأَتَيْتُمُ الشيءَ مِنْ غير طريقه "إنَّما البرُّ بأنْ تأتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا" وتستدلُّوا بالمعلوم المتيقَّن، وهو حكمةُ خالقِها على هذا المجهول، وتقطعُوا بأنَّ فيه حكمةً بالغةً، وإنْ كُنْتُم لا تعلمونَها. فجعل إتيانَ البُيُوت من ظُهُورها كنايةً عن العُدُول عن الطَّريق الصحيح؛ وإتيانَها من أبوابِها كنايةً عن التَّمَسُّك بالطَّريق المُستقيم، وهذا طريقٌ مشهورٌ في الكناية؛ فإنَّ مَنْ أرشد غيرهُ إلى الصَّواب، يقولُ له: ينبغِي أنْ تأتي الأمر مِنْ بابه، وفي ضِدَّه قالُوا: ذهب إلى الشيءِ من غير بابه، قال تعالى: {أية : فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ}تفسير : [آل عمراان: 187] وقال عزَّ مِنْ قَائل: {أية : وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً}تفسير : [هود: 92] وهذا تأويل المتكلِّمين. قال ابن الخطيب: ولا يصحُّ تفسير هذه الآية؛ لأنَّ الوجه الأوَّلَ يغيِّر نسقَ الترتيب، وكلام الله تعالى منزَّهٌ عن ذلك. الوجه الثالث: قال أبو مسلم: إن المراد مِنْ هذه الآية ما كَانُوا يعملونه من النسيء؛ فإنهم كانُوا يخرجون الحجَّ عن وقته الَّذي عينه الله تعالى لهم، فيحرِّمون الحلال، ويحلُّون الحرام، فذَكَرَ إتيانَ البُيُوت من ظُهُورها مثلاً لمخالفة الواجب في الحجِّ وشهوره.

البقاعي

تفسير : ولما أتم سبحانه وتعالى البيان لما أراده مما شرعه في شهر الصوم ليلاً ونهاراً وبعض ما تبع ذلك وكان كثير من الأحكام يدور على الهلال لا سيما أحد قواعد الإسلام الحج الذي هو أخو الصوم وكانت الأهلة كالحكام توجب أشياء وتنفي غيرها كالصيام والديون والزكوات وتؤكل بها الأموال حقاً أو باطلاً وكان ذكر الشهر وإكمال العدة قد حرك العزم للسؤال عنه بين ذلك بقوله تعالى: {يسئلونك} وجعل ذلك على طريق الاستئناف جواباً لمن كأنه قال: هل سألوا عن الأهلة؟ فقيل: نعم، وذلك لتقدم ما يثير العزم إلى السؤال عنها صريحاً فكان سبباً للسؤال عن السؤال عنها، وكذا ما يأتي من قوله {أية : يسئلونك ماذا ينفقون} تفسير : [البقرة: 215] {أية : يسئلونك عن الشهر الحرام} تفسير : [البقرة: 217] {أية : يسئلونك عن الخمر والميسر} تفسير : [البقرة: 219] بخلاف ما عطف على ما قبله بالواو كما يأتي، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الأنعام ما ينبغي من علم النجوم وما لا ينبغي {عن الأهلة} أي التي تقدم أنه ليس البر تولية الوجه قبل مشارقها ومغاربها: ما سبب زيادتها بعد كونها كالحظ أو الخيط حتى تتكامل وتستوي ونقصها بعد ذلك حتى تدق وتنمحق؟ قال الحرالي: وهي جمع هلال وهو ما يرفع الصوت عند رؤيته فغلب على رؤية الشهر الذي هو الهلال - انتهى. ولما كان كأنه قيل: ما جوابهم؟ قيل: {قل} معرضاً عنه لما لهم فيه من الفتنة لأنه ينبني على النظر في حركات الفلك وذلك يجر إلى علم تسيير النجوم وما يتبعه من الآثار التي تقود إلى الكلام في الأحكام المنسوبة إليها فتستدرج إلى الإلحاد وقد ضل بذلك كثير من الأمم السالفة والقرون الماضية فاعتقدوا تأثيرها بذواتها وقد قال عليه الصلاة والسلام ناهياً عن ذلك لذلك: "حديث : من اقتبس علماً من النجوم اقتبس باباً من السحر زاد ما زاد" تفسير : أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ وقال علي رضي الله تعالى عنه: "من طلب علم النجوم تكهن" مرشداً سبحانه وتعالى إلى ما فيه صلاحهم: {هي مواقيت} جمع ميقات من الوقت وهو الحد الواقع بين أمرين أحدهما معلوم سابق والآخر معلوم به لاحق. وقال الأصبهاني: والفرق بين الوقت والمدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى الزمان، والزمان مدة مقسومة، والوقت الزمان المفروض لأمر ما. {للناس} في صومهم كما تقدم ومعاملاتهم ليعلموا عدد السنين والحساب {والحج} صرح به لأنه من أعظم مداخلها. قال الحرالي: وهو حشر العباد إلى الموقف في شهور آخر السنة، فهو أمر ديني مشعر بختم الزمان وذهابه لما فيه من آية المعاد - انتهى. ولما كانوا قد اعتادوا في الحج فعلاً منكراً وكان ترك المألوفات أشق شيء على النفوس، ولذلك قال أهل الطريق وسادات أهل التحقيق: ملاك القصد إلى الله تعالى خلع العادات واستجداد قبول الأمور المنزلات من قيوم السماوات والأرض، وبذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم سادات أهل الإسلام، قال تعالى عاطفاً على {ليس البر} مقبحاً لذلك الفعل عليهم منبهاً على أنهم عكسوا في سؤالهم كما عكسوا في فعالهم، ويجوز أن يكون معطوفاً على حال دل عليها السياق تقديرها: والحال أنه ليس البر سؤالكم هذا عنها {وليس البر} وأكد النفي بزيادة الباء في قوله: {بأن تأتوا البيوت} أي لا الحسية ولا المعنوية {من ظهورها} عند القدوم من الحج أو غيره كما أنه ليس البر بأن تعكسوا في مقالكم بترك السؤال عما يعنيكم والسؤال عما لا يعنيكم بل يعنيكم. ولما نفي البر عن ذلك كما نفي في الأول استدرك على نهج الأول فقال: ولكن البر} قال الحرالي: بالرفع والتخفيف استدراكاً لما هو البر وإعراضاً عن الأول، وبالنصب والتشديد مع الالتفات إلى الأول لمقصد طرحه - انتهى. {من اتقى} فجعل المتقي نفس البر إلهاباً له إلى الإقبال على التقوى لما كانت التقوى حاملة على جميع ما مضى من خلال الإيمان الماضية اكتفى بها. ولما كان التقدير: فاتقوا فلا تسألوا عما لا يهمكم في دينكم عطف عليه: {وأتوا البيوت من أبوابها} حساً في العمل ومعنى في التلقي، والباب المدخل للشيء المحاط بحائط يحجزه ويحوطه - قاله الحرالي. وتقدم تعريفه له بغير هذا. ولما كان الأمر بالتقوى قد تقدم ضمناً وتلويحاً أتى به دالاً على عظيم جدواها ذكراً وتصريحاً دلالة على التأكيد في تركهم تلك العادة لاقتضاء الحال ذلك لأن من اعتاد شيئاً قلّ ما يتركه وإن تركه طرقه خاطره وقتاً ما فقال: {واتقوا الله} أي الملك الأعظم في كل ما تأتون وما تذرون ووطنوا النفوس واربطوا القلوب على أن جميع أفعاله تعالى حكة وصواب من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه لما في السؤال من الإيهام بمفارقة الشك، ثم علله بقوله: {لعلكم تفلحون *} أي لتكون حالكم حال من يرجى دوام التجدد لفلاحه وهو ظفره بجميع مطالبه من البر وغيره، فقد دل سياق لآية على كراهة هذا السؤال؛ وذكر الحرالي أن أكثر ما يقع فيه سؤال يكون مما ألبس فتنة أو شرب محنة أو أعقب بعقوبة ولذلك قال تعالى: {أية : لا تسألوا عن أشياء} تفسير : [المائدة: 101] وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها وقال: "حديث : دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم" تفسير : الحديث ومنه كره الرأي وتكلف توليد المسائل لأنه شغل عن علم التأصيل وتعرض لوقوعه كالذي سأل عن الرجل يبتلي في أهله فابتلى به، ويقال: كثرة توليد مسائل السهو أوقع فيه. وقال: وهذه الآية كالجامعة الموطئة لما ذكر بعدها من أمر توقيت القتال الذي كانوا عليه كما كان من أمر الجاهلية حكم التحرج من القتال في الأشهر الحرم والتساهل فيه في أشهر الحل مع كونه عدوى بغير حكم حق فكان فيه عمل بالفساد وسفك الدماء - انتهى وفيه تصرف. فمحا سبحانه ما أصلوه من ذلك بما شرعه من أمر القتال لكونه جهاداً فيه لحظ من حظوظ الدنيا. ولما ذكر سبحانه الحج في هذه السورة المدنية وكان سبيله إذ ذاك ممنوعاً عن أهل الإسلام بأهل الحرب الذين أخرجوهم من بلدهم ومنعوهم من المسجد الذي هم أحق به من غيرهم وكان الحج من الجهاد وكان كل من الصوم والجهاد تخلياً من الدنيا "حديث : سياحة أمتي الصوم، ورهبانية أمتي الجهاد"تفسير : وكانت أمهات العبادات موقتة وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير موقتة وهي الذكر والجهاد وهو قتال أهل الحرب خلافاً لما كان عند أهل الجاهلية من توقيته مكاناً بغير الحرم وزماناً بغير الأشهر الحرم وكان القتال في الأشهر الحرم وفي الحرم في غاية المنع فكيف عند المسجد وكان سبحانه قد ذكر العبادات الموقتة أتبعها بغير الموقتة وهي الجهاد الذي هو حظيرة الموقتة الذي لا سلامة لها بدونه التفاتاً إلى الظالمين بالمنع عن المسجد الحرام والإخراج منه فأمر بأن يفعل معهم مثل ما فعلوا من القتال والإخراج فعل الحكيم الذي يوصي بالشيء العظيم فهو يلقيه بالتدريج في أساليب البلاغة وأفانين البيان تشويقاً إليه وتحريضاً عليه بعد أن أشار لأهل هذا الدين أولاً بأنه يخزي ظالميهم وثانياً بأن المقتول منهم حي يرزق وثالثاً بمدحهم على الصبر في مواطن البأس بأنهم الذين صدقوا وأنهم المتقون فلما شوقهم إلى جهاد أهل البغي والعناد ألزمهم القتال بصيغة الأمر لتيسير باب الحج الذي افترضه وسبيله ممنوع بأهل الحرب فقال تعالى وقيل: إنها أول آية نزلت في القتال، قاله الأصبهاني: {وقاتلوا في سبيل الله} أي الذي لا كفوء له إشعاراً بذكره على سبيل الإطلاق بعد الموقت بالهلال إلى أنه غير موقت به. قال الحرالي: من حيث إنه حظيرة على دين الإسلام المقيد بالمواقيت من حيث إن الإسلام عمل يقيده الوقت، والدفع عنه أمر لا يقيده وقت بل أيان طرق الضر لبناء الإسلام دفع عنه كما هو حكم الدفع في الأمور الدينية، فكانت الصلاة لمواقيت اليوم والليلة، والصوم والحج لمواقيت الأهلة، والزكاة لميقات الشمس، والجهاد لمطلق الميقات حيث ما وقع من مكان وزمان ناظراً بوجه ما لما يقابله من عمود الإسلام الذي هو ذكر كلمة الإخلاص وهي لا إله إلا الله على الدوام {أية : يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً}تفسير : [الأحزاب: 41] {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [التوبة: 5] انتهى. وقال {الذين يقاتلونكم} أي من شأنهم قتالكم لا من ليس شأنه ذلك كالصبيان؛ وفيه إشعار بأن القتال عن سبب المقاتلة فهو مما يفعل عن سبب لا مما يفعل لوقت، وصيغة المضارع لم يقصد بها إلا صدور الفعل من غير نظر إلى زمان مخصوص كما قالوه في أمثاله. ولما كان الله سبحانه وتعالى قد أوجب العدل في كل شيء حتى في حق أعدائه قال: {ولا تعتدوا} فنظم ذلك ابتداء القتال لمن لم يبح له ابتداءه به إما بعهد أو بغير دعوة لمن لم يبلغه أمر الدين أو بغير ذلك من أنواع الخيانة والغدر وقتل النساء والصبيان والشيوخ الفانين الذين لا منعة فيهم ولا رأي لهم، ودوام القتال لمن ألقى السلم بعد الابتداء به، فحذف المتعلق اختصاراً فأفاد زيادة المعنى وهو من غريب أفانين البلاغة وكأنه أفهم بصيغة الافتعال التقييد بالتعمد، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي لما له من صفات الكمال {لا يحب المعتدين *} مطلقاً في هذا وغيره، أي لا يفعل بهم من الخير فعل المحب. ولما حرم الاعتداء صرح بإباحة أصل القتال فقال: {واقتلوهم} أي الذين يقاتلونكم {حيث ثقفتموهم} أي وجدتموهم وأنتم تطمعون في أن تغلبوا أو حيث تمكنتم من قتلهم - قاله الأصبهاني، لأنه من ثقف بالضم ثقافة إذا صلب وثقف أي بالكسر كذلك، وأيضاً صار حاذقاً فطناً، وثقفت الشيء ثقفاً إذا أخذته والشيء صادفته - قاله ابن القطاع. وقال الأصبهاني: والثقف وجوده على وجه الأخذ والغلبة، وأطلق الوجدان فشمل الحل والحرم من الزمان والمكان لأنهم كذلك يفعلون بالمسلمين، كانوا يؤذونهم ويفتنونهم عند البيت في كل وقت؛ وفي التعبير بالفعل ما يشعر بالنصر بحزب الله وبشرى بضعف العدو عن مداومة المقاومة للمجاهدين وقد ظهرت التجربة مثل ذلك وأقله أنهم إذا فروا لم يكروا. ولما كانت الآية ناظرة إلى قصاص قال: {وأخرجوهم} أي فإن لم يقاتلوكم {من حيث أخرجوكم} أي مكة التي هي موطن الحج والعمرة ومحل الشعائر المقصودة لأهل الإسلام. ولما كان هذا مشعراً بأنهم لم يكن منهم إليهم قتال في مكة لغير الأذى المحوج إلى الخروج من الديار على أن التقدير: فإن الإخراج من السكن أشد فتنة وقد فتنوكم به، فعطف عليه قوله: {والفتنة} أي العذاب بالإخراج أو غيره من أنواع الإخافة {أشد} تليينهم للإسلام {من القتل} أعم من أن يكون المراد من قتلكم إياهم في الحرم أو غيره أو قتلهم إياكم أو غير ذلك لما فيه من مواصلة الغم القابض للنفس عن مراداتها، فلذلك سوغنا لكم قتلهم قصاصاً بسبب إخراجكم، فكان المراد بالذات إخراجهم لتمكن الحج والاعتمار ولكنه لما لم يمكن إلا بقتالهم وقتلهم أذن فيهما وقد كشف الواقع في أمر: عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وعبد الله بن أبي ربيعة أن الإخراج من مكة لينهم للإسلام أكثر من تليين القتل فإنهم أسلموا لما أشرفوا على فراق مكة بظهور الإسلام فيها ولم يسلم أحد من قريش خوفاً من القتل، فلكون السياق لإخراجهم عبر هنا أشد. ولما كان الإذن في الإخراج مستلزماً في العادة للقتال وكان قد أذن في الابتداء به حيث ثقفوا خصص ذلك فقال ناظراً إلى المقاصّة أيضاً ومشيراً إلى ما سيقع في غزوة الفتح المشار إليها بقوله بعد {أية : وكفر به والمسجد الحرام}تفسير : [البقرة: 217] {ولا تقاتلوهم} أي هؤلاء الذين أذن لكم في إخراجهم {عند المسجد الحرام} أي الحرم إذا أردتم إخراجهم فمانعوكم {حتى يقاتلوكم فيه} أي في ذلك الموضع الذي هو عند المسجد، وكأنه عبر بفيه في الثاني وعند في الأول والمراد الحرم في كل منهما كفاً، عن القتال فيه مهما وجد إلى الكف سبيل تعظيماً له وإجلالاً لمحله لأنه موضع للصلاة التي أعظم مقاصدها السجود لا لغيره فضلاً عن القتال. {فإن قاتلوكم} أي في ذلك المكان {فاقتلوهم} أي لا تقصروا على مدافعتهم بل اصدقوهم في الضرب المجهز ولا حرج عليكم من جهة المسجد فإن الانتهاك لحرمته منسوب إلى البادىء، وفي التعبير بالفعل في جواب المفاعلة في قراءة الجمهور أو الفعل في قراءة حمزة والكسائي بشارة بنصرة المبغي عليه وقوة إدالته، ولما كان هذا مفهماً أنه خاص بهم عمم بقوله: {كذلك} أي مثل هذا الفعل العظيم الجدوى {جزاء الكافرين *} كلهم. ولما كان النزوع بعد الشروع لا سيما حالة الإشراف على الظفر عسراً على الأنفس الأبية والهمم العلية قال: {فإن انتهوا} أي عن القتال ومقدماته، وفيه إشعار بأن طائفة منهم تنتهي فإن العالم بكل شيء لا يعبر بأداة الشك إلا كذلك. ولما كان التقدير: فكفوا عنهم ولا تعرضوا لهم فإن الله قد غفر لهم علله بأمر عام فقال: {فإن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {غفور رحيم *} أي له هاتان الصفتان أزلاً وأبداً فكل من تاب فهذا شأنه معه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس في قوله {‏يسألونك عن الأهلة‏}‏ قال‏:‏ نزلت في معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنمة، وهما رجلان من الأنصار قالا‏:‏ يا رسول الله ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقاً مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان لا يكون على حال واحد‏؟‏ فنزلت ‏ {‏يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس‏}‏ في محل دينهم، ولصومهم، ولفطرهم، وعدة نسائهم، والشروط التي تنتهي إلى أجل معلوم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال ‏"‏سألوا النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لم جعلت الأهلة‏؟‏ فأنزل الله ‏{‏يسألونك عن الأهلة‏}‏ الآية‏.‏ فجعلها لصوم المسلمين، ولإِفطارهم، ولمناسكهم، وحجهم، ولعدة نسائهم، ومحل دينهم في أشياء، والله أعلم بما يصلح خلقه‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال ‏"‏ذكر لنا أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لم خلقت الأهلة‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏يسألونك عن الأهلة‏} ‏ الآية‏.‏ جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين، وإفطارهم، ولحجهم، ومناسكهم، ولعدة نسائهم، ومحل دينهم‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ‏"‏سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنزلت هذه الآية ‏ {‏يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس‏} يعلمون بها حل دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله ‏{‏يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس‏}‏ قال‏:‏ لحجكم، وصومكم، وقضاء ديونكم، وعدة نسائكم‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس‏.‏ أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله ‏{‏مواقيت للناس‏} قال‏:‏ في عدة نسائهم، ومحل دينهم، وشروط الناس، قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت قول الشاعر وهو يقول‏:‏ شعر : والشمس تجري على وقت مسخرة إذا قضت سفراً استقبلت سفرا تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏جعل الله الأهلة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته، وافطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والطبراني وابن عدي والدارقطني بسند ضعيف عن طلق بن علي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : جعل الله الأهلة مواقيت للناس فإذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين‏‏ "‏‏. تفسير : وأما قوله تعالى‏:‏ {‏وليس البر بأن تأتوا البيوت‏}‏ الآية‏.‏ أخرج وكيع والبخاري وابن جرير عن البراء قال‏:‏ كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله ‏{‏وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها‏}‏ ‏.‏ وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء‏.‏ كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن جابر قال ‏"‏حديث : كانت قريش تدعي الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإِحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإِحرام، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بستان إذ خرج من بابه، وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري فقالوا‏:‏ يا رسول الله إن قطبة بن عامر رجل فاجر، وإنه خرج معك من الباب فقال له‏:‏ ما حملك على ما صنعت‏؟‏ قال‏:‏ رأيتك فعلته ففعلته كما فعلت‏.‏ قال‏:‏ إني رجل أحمس‏.‏ قال له‏:‏ فإن ديني دينك‏.‏ فأنزل الله ‏{‏وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏"‏أن رجالاً من أهل المدينة كانوا إذا خاف أحدهم من عدوّه شيئاً آخر فأمن، فإذا أحرم لم يلج من باب بيته واتخذ نقباً من ظهر بيته، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كان بها رجل محرم كذلك، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بستاناً، فدخله من بابه ودخل معه ذلك المحرم، فناداه رجل من ورائه‏:‏ يا فلان إنك محرم وقد دخلت مع الناس‏.‏ فقال‏:‏ يا رسول الله إن كنت محرماً فأنا محرم، وإن كنت أحمس فأنا أحمس‏.‏ فأنزل الله ‏{‏وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها‏} ‏ إلى آخر الآية‏.‏ فأحل للمؤمنين أن يدخلوا من أبوابها‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قيس بن جبير النهشلي ‏"حديث : ‏أن الناس كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا حائطاً من بابه ولا داراً من بابها، وكانت الحمس يدخلون البيوت من أبوابها، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه داراً، وكان رجل من الأنصار يقال له رفاعة بن تابوت فتسوّر الحائط، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خرج من باب الدار خرج معه رفاعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما حملك على ذلك‏؟‏ قال‏:‏ يا رسول الله رأيتك خرجت منه فخرجت منه‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: إني رجل أحمس‏.‏ فقال‏:‏ إن تكن رجلاً أحمس فإن ديننا واحد، فأنزل الله ‏ {‏وليس البر‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن الزهري قال ‏"‏حديث : كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء يتحرجون من ذلك، وكان الرجل يخرج مهلاً بالعمرة فتبدو له الحاجة فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين السماء، فيفتح الجدار من ورائه، ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته فتخرج إليه من بيته، حتى بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة، فدخل حجرة، فدخل رجل على أثره من الأنصار من بني سلمة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إني أحمس‏. وكان الحمس لا يبالون ذلك، فقال الأنصاري‏:‏ وأنا أحمس‏.‏ يقول‏:‏ وأنا على دينك‏.‏ فأنزل الله ‏ {و‏ليس البر‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن السدي قال ‏"حديث : ‏إن ناساً من العرب كانوا إذا حجوا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها كانوا ينقبون في أدبارها، فلما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوادع أقبل يمشي ومعه رجل من أولئك وهو مسلم، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم باب البيت احتبس الرجل خلفه وأبى أن يدخل‏.‏ قال‏:‏ يا رسول الله إني أحمس‏.‏ وكان أولئك الذين يفعلون ذلك يسمون الحمس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: وأنا أيضاً أحمس فادخل، فدخل الرجل، فأنزل الله ‏ {‏وأتوا البيوت من أبوابها‏}‏ ‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي في الآية قال‏:‏ كان الرجل من أهل الجاهلية إذا أتى البيت من بيوت بعض أصحابه أو ابن عمه رفع البيت من خلفه أي بيوت الشعر ثم يدخل، فنهوا عن ذلك وأمروا أن يأتوا البيوت من أبوابها، ثم يسلموا‏. ‏وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت، فأنزل الله ‏ {‏وليس البر‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال‏:‏ كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم دخلوا البيوت من ظهورها، ويرون أن ذلك أدنى إلى البر، فأنزل الله الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية قال‏:‏ كان الرجل في الجاهلية يهم بالشيء يصنعه فيحبس عن ذلك، فكان لا يأتي بيته من قبل بابه حتى يأتي الذي كان هم به وأراده‏.‏

ابو السعود

تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} سألهُ معاذُ بنُ جبلٍ وثعلبةُ بنُ غنم فقالا: ما بالُ الهلالِ يبدو رقيقاً كالخيط ثم يزيد حتى يستويَ ثم لا يزال ينقُص حتى يعودَ كما بدأ؟ {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ} كانوا قد سألوه عليه الصلاة والسلام عن الحِكمة في اختلاف حالِ القمرِ وتبدُّل أمرِه فأمره الله العزيزُ الحكيمُ أن يُجيبهم بأن الحِكمةَ الظاهرةَ في ذلك أن تكون معالِمَ للناس في عبادتهم لا سيما الحجُّ فإن الوقتَ مراعىً فيه أداءً وقضاءً وكذا في معاملاتهم على حسب ما يتّفقون عليه، والمواقيتُ جمع ميقاتٍ من الوقت، والفرقُ بـينه وبـين المدة والزمان أن المدةَ المطلقةَ امتدادُ حركةِ الفلك من مبدَئها إلى منتهاها والزمانُ مدةٌ مقسومةٌ إلى الماضي والحالِ والمستقبل، والوقتُ الزمان المفروضُ لأمرٍ {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} كانت الأنصارُ إذا أحْرَموا لم يدخُلوا داراً، ولا فُسطاطاً من بابه، وإنما يدخُلون ويخرُجون من نَقْبٍ، أو فُرجةٍ وراءَها، ويعدّون ذلك بِرَّاً. فبـين لهم أنه ليس ببر فقيل: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ} أي بِرَّ من اتقى المحارمَ والشهواتِ، ووجهُ اتصالِه بما قبله أنهم سألوا عن الأمرين أو أنه لما ذكر أنها مواقيتُ للحج ذكر عَقيبه ما هو من أفعالهم في الحجِّ استطراداً أو أنهم لمّا سألوا عما لا يَعنيهم ولا يتعلَّق بعِلمِ النبوة فإنه عليه الصلاة والسلام مبعوثٌ لبـيان الشرائعِ لا لبـيان حقائِقِ الأشياءِ وتركوا السؤال عما يَعنيهم ويختصُّ بعلم الرسالةِ عقّبَ بذكره جوابَ ما سألوا عنه تنبـيهاً على أن اللائقَ بهم أن يسألوا عن أمثال ذلك ويهتموا بالعلم بها أو أريد به التنبـيهُ على تعكيسهم في السؤال وكونِه من قبـيل دخولِ البـيتِ من ورائه، والمعنى وليس البرُّ بأن تعكسوا في مسائِلكم ولكنّ البرَّ من اتقى ذلك ولم يجترِىءْ على مثله، {وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰبِهَا} إذ ليس في العُدول بِرٌّ أو باشروا الأمورَ من وجوهها {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في تغيـير أحكامِه أو في جميع أموركم. أمرَ بذلك صريحاً بعد بـيان أن البِرَّ برٌّ من اتقى إظهاراً لزيادة الاعتناءِ بشأن التقوى وتمهيداً لقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي لكي تظفَروا بالبرِّ والهدى. {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي جاهِدوا لإعزاز دينِه وإعلاءِ كلمتِه، وتقديمُ الظرفِ على المفعول الصريحِ لإبراز كمالِ العنايةِ بشأن المقدّم {ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ} قيل: كان ذلك قبل ما أُمِروا بقتال المشركين كافةَ المقاتلين منهم والمحاجزين وقيل: معناه الذين يناصبونكم القتالَ ويُتوقعُ منهم ذلك دون غيرهم من المشايخ والصبـيان والرُهبان والنساء أو الكفَرَةُ جميعاً، فإن الكلَّ بصدد قتالِ المسلمين ويؤيد الأولَ ما رُوي أن المشركين صدُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عامَ الحُديبـية وصالحوه على أن يرجِع من قابل فيُخَلّوا له مكةَ شرفها الله تعالى ثلاثةَ أيامٍ فرجَع لعمُرة القضاء فخاف المسلمون أن لا يفوا لهم وأن يقاتلوهم في الحَرم والشهرِ الحرام وكرِهوا ذلك فنزلت ويعضُده إيرادُه في أثناء بـيان أحكامِ الحج {وَلاَ تَعْتَدُواْ} بابتداء القتالِ أو بقتال المعاهَد والمفاجأة به من غير دعوةٍ أو بالمُثلة وقتلِ من نُهيتم عن قتلِه من النساء والصِّبـيان ومن يجري مَجراهم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} أي لا يريد بهم الخير وهو تعليل للنهي.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ}. الأهلة - جمعُ هلال - مواقيت للناس؛ لأشغالهم ومحاسباتهم. وهي مواقيت لأهل القصة في تفاوت أحوالهم؛ فللزاهدين مواقيت أورادهم، وأما أقوام مخصوصون فهي لهم مواقيت لحالاتهم، قال قائلهم: شعر : أعد الليالي ليلةً بعد ليلةٍ وقد كنت قدماً لا أعد اللياليا تفسير : وقال آخر: شعر : ثمانٍ قد مضَيْنَ بِلا تلاقٍ وما في الصبر فضل عن ثمانٍ تفسير : وقال آخر: شعر : شهورٌ يَنْقُضَين وما شعرنا بأنصافٍ لهن ولا سِرار تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. يعني ليس البر مراعاة الأمور الظاهرة، بل البر تصفية السرائر وتنقية الضمائر.

البقلي

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} اى يسالونك وطور البكر بساتين الغيب عن نقصان هلال المشاهدة عند الفترة وزيادتها عند الكشوف بنعت تجلى الاسرا لانهم اذا غابوا في اوصاف احكام العبودية احتجبوها عن رؤية مشهود الغيب واذا خرجوا من وطنات ازمة الابتلاء رأو فى سماء اليقين نودار انوار اقمار الصفات فتاهوا عند ذهاب عقولهم في مجلس الخاص تحت حضيض سوانح الكبراء وطاشوا فى لهوب البليات من تراكم سحاب الوجد عند تديرها مزن الشرق فتحيروا بين المنزلتين واستفتوا من اشرف خلق الله حسام حكم الله رئيس البرية محمد صلى الله عليه وسلم من مرسوم هذه الاوصاف كى تخلصوا عن ركان الشواهد بعد جميع الجمع فى قلوبهم فامر الله تعالى نبيه عليه السلام وقال {هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} اى هذه الاحوال المشتتة فى كشوف عز السهدية وذات الابدية عيانا وغيابا لمواقيت الارواح في طيرانها الى اعلى المقامات على تزينتها وظهور اوقات المواجيد وقصورها الى عالم الصفات لشق الله تعالى كشف القربة على قدر شوق الشايقين حتى على احكام العبودية فى الربوبية والربوبية فى العبودية على قدر بدو الاحوال وكشف الصفات لان العارق محتاج الى حقيقة علم الاحوال والاداب فيها ليستعملها بقدر وجدان انوار القربة وصفات المشاهدة.

اسماعيل حقي

تفسير : {يسألونك عن الأهلة} روى ان معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الانصاريين قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوى ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا اولا ولا يكون على حالة واحدة فأنزل الله تعالى {يسألونك عن الأهلة} وهى جمع هلال والهلال اول ما يظهر لك من نور القمر الى ثلاث ليال وسمى هلالا لان الناس يرفعون اصواتهم بالذكر عند رؤيته من قولهم استهل الصبى اذا صرخ حين يولد واهل القوم بالحج اذا رفعوا اصواتهم بالتلبية {قل} يا محمد {هى} الاهلة {مواقيت} جمع ميقات من الوقت والفرق بينه وبين المدة والزمان ان المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها الى منتهاها والزمان مدة مقسومة الى الماضى والحال والمستقبل والوقت الزمان المفروض لامر {للناس} اى لم يتعلق بهم من امور معاملاتهم ومصالحهم {والحج} واموره المتعلقة باوقات مخصوصة. فان قلت لما كانت الاهلة مواقيت يوقت بها الناس عامة مصالحهم علم منه كونها ميقاتا للحج لانه من جملة المصالح المتوقفة على الوقت فلم خصه بالذكر. قلت الخاص قد يذكر بعد العام للتنبيه على مزيته فالحج من حيث انه يراعى فى ادائه وقضائه الوقت المعلوم بخلاف سائر العبادات التى لا يعتبر فى قضائها وقت معين وحاصل الخطاب ان الهلال يبدو دائما ويظهر لكم على حسب مصلحتكم لقربه وبعده من الشمس كما بين فى فن الهيئة. قال فى التيسير ثم الشمس على حالة واحدة لانها ضياء للعام وقوام لمصالح الناس والقمر يتغير لان الله علق به ما قلنا من المواقيت وذلك يعرف بهذه الاختلافات ودبر عز وجل هذا التدبير لحاجة الناس الى ذلك انتهى {وليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها} كان الانصار اذا احرم الرجل منهم بالحج او العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه فان كان من اهل المدر نقب نقبا فى ظهر بيته يدخل منه ويخرج او يتخذ سلما فيصعد منه وان كان من اهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل ولا يخرج من الباب حتى يحل من احرامه ويرون ذلك برا الا ان يكون من الحمس وهم قريش وسببه انهم ظنوا انه لا بد فى الاحرام من تغيير جميع العادات فغيروا عادتهم فى الدخول كما غيروا فى اللباس والتطيب وقالوا لا ندخل بيوتا من الابواب حتى ندخل بيت الله تعالى وكان منهم من لا يستظل بسقف بعد احرامه ولا يأقط الاقط ولا يجز الوبر وهذه اشياء وضعوها من عند نفوسهم من غير شرع فعرفهم الله تعالى ان هذا التشديد ليس ببر ولا قربة {ولكن البر} بر {من اتقى} المحارم والشهوات دون دخول البيت من ظهر. وفى الكشاف فان قلت ما وجه اتصاله بما قبله قلت كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الاهلة وعن الحكمة فى نقصانها وتمامها معلوم ان كل ما يفعله الله تعالى لا يكون الا حكمة بالغة ومصلحة لعباده فدعوا السؤال عنه وانظروا فى واحدة تفعلونها انتم مما ليس من البر فى شىء وانتم تحسبونها برا {وائتوا البيوت من ابوابها} حال الاحرام اذ ليس فى العدول بر {واتقوا الله} فى تغيير احكامه والاعتراض على افعاله {لعلكم تفلحون} اى لكى تظرفوا بالبر والهدى. وللآية تأويل آخر قاله الحسن قال كان فى الجاهلية من هم بسفر او امر يصنعه فمنع عن ذلك لم يدخل داره من الباب حتى يحصل له ذلك وكان قريش وقبائل العرب من خرج لسفر او حاجة ثم رجع ولم يظفر بذلك كان ذلك طيرة فنهاهم الله عن ذلك واخبر ان الطيرة ليس ببر والبر بر من لم يخف غيره وتوكل عليه ـ حكى الجاحظ ـ قال تحاورت انا وابراهيم بن سيار المعروف بالنظام حديث الطيرة فقال اخبرك انى جعت حتى اكلت الطين وما صبرت على ذلك حتى قلبت قلبى أتذكر هل ثمة رجل اصيب عنده غداء او عشاء فقصدت الاهواز وهى من بلدان فارس وما اعرف بها واحدا وما كان ذلك الا شيأ امر به الضجر فوافيت الفرضة فلم اجد بها سفينة فتطيرت من ذلك ثم انى رأيت سفينة فى صدرها خرق وهشم فتطيرت ايضا فقلت للملاح ما اسمك قال "ديوزاده" بالفارسى وهو اسم الشيطان فتطيرت وركبت معه فلما قربنا من الفرضة صحت يا حمال ومعى لحاف سمل وبعض ما لا بد لى منه فكان اول حمال اجابنى اعور فازددت طيرة وقلت فى نفسى الرجوع اسلم ثم ذكرت حاجتى الى اكل الطين وقلت من لى بالموت فلما صرت الى الخان وانا حائر ما اصنع سمعت قرع باب البيت الذى انا فيه فقلت من هذا قال رجل يريدك فقلت من انا قال ابراهيم بن سيار النظام فقلت فى نفسى هذا عدو أو رسول سلطان ثم انى تحاملت وفتحت الباب فقال ارسلنى اليه ابراهيم بن عبد العزيز ويقول لك وان كنا اختلفنا فى المقالة فانا نرجع بعد ذلك الى حقوق الاخلاق والحرية وقد رأيتك حيث مررت على حال كرهتها وينبغى ان يكون برحت بك حاجة فان شئت فاقم مكانك مدة شهر أو شهرين فعسى نبعث لك ببعض ما يكفيك زمينا من دهرك وان اشتهيت الرجوع فهذه ثلاثون دينارا فخذها وانصرف وانت احق من عذر قال فورد على امور اذهلتنى اما واحدها فانى لم اكن ملك قط ثلاثة دنانير والثانى انه لم يطل مقامى وغيبتى عن اهلى والثالث ما تبين لى من الطيرة انها باطلة كذا فى شرح رسالة الوزير ابن زيدون فظهر انه قد يكون ما تكرهه النفس خيرا كما حكى انه وقع قحط فى زمن شيخ فعين لكل من طلبته على طريق التفاؤل مكسبا فجاء فى فال واحد منهم قطع الطريق فانتقل ذلك الرجل فلقى بعض الحرامية واجتمع بهم فنهبوا جماعة من التجار فبعد اخذ أموالهم ربطوا ايديهم وامروا هذا الرجل ان يذبحهم بعيدا عنهم فتفكر الرجل فخطر بباله ان يطلقهم ويعطيهم السلاح ويطهروا الطريق من القطاع ففعلوا وهم غافلون ثم سألوا عن هذا الرجل فحكى حاله فجاؤا الى شيخه وسلموا الاموال وصاروا من جملة احبائه فعليك بالتسليم والقبول لكى تنال المأمول: قال الصائب شعر : جون سرودر مقام رضا استاده ام آسوده خاطرم زبهار وخزال خويش تفسير : ثم فى قوله {وليس البر} الآية اشارة الى ان لكل شىء سببا ومدخلا لا يمكن الوصول اليه ولا الدخول الا باتباع ذلك السبب والمدخل كقوله تعالى {أية : وآتيناه من كل شىء سببا فأتبع سببا} تفسير : [الكهف: 84-85]. فسبب الوصول الى حضرة الربوبية والمدخل فيها هو التقوى وهى اسم جامع لكل بر من اعمال الظاهر واحوال الباطن والقيام باتباع الموافقات واجتناب المخالفات وتصفية الضمائر ومراقبة السرائر فبقدر السلوك فى مراتب التقوى يكون الوصول الى حضرة المولى كقوله تعالى {أية : إن أكرمكم عند الله أتقاكم} تفسير : [الحجرات: 13]. وقال عليه السلام "حديث : عليكم بتقوى الله فانه جماع كل خيرbr>". تفسير : فقوله {وليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها} اى غر مدخلها بمحافضة ظواهر الاعمال من غير رعاية حقوق بواطنها بتقوى الاحوال {ولكن البر من اتقى} اى حق التقوى كقوله تعالى {أية : اتقوا الله حق تقاته} تفسير : [آل عمران: 102]. قيل فى معناه ان يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر {وائتوا البيوت من ابوابها} اى ادخلوا الامور من مداخلها ثم ذكر مدخل الوصول وقال {واتقوا الله} اى اتقوا بالله عما سواه يقال فلان اتقى بترسه يعنى اجعلوا الله محرزكم ومتقاكم ومفركم ومفزعكم ومرجعكم منه اليه كما كان حال النبى عليه السلام يقول "حديث : اعوذ بك منكbr>". تفسير : {لعلكم تفلحون} لكى تنجوا وتتخلصوا من مهالك النفوس باعانة الملك القدوس كذا فى التأويلات النجمية.

ابن عجيبة

تفسير : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ...} قلت: الذي سأله معاذُ بن جبل وثعلبةُ بن غنمة، فقالا: يا رسول الله: ما بال الهلال يبدو رقيقاً كالخيط، ثم لا يزال يزيد حتى يستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يرجع كالخيط؟ فقال الحقّ جلّ جلاله: {يسألونك عن الأهلة} أي: عن حكمة اختلاف الأهلة بالزياة والنقص {قل} لهم يا محمد: {هي مواقيت للناس} يُوقِّتُون بها دُيونهم، ويعرفون بها أوقات زَرْعهم، وعِدَدَ نسائهم وصيامهم، وهي أيضاً مواقيتُ للحج، يعرفون بذلك وقت دخوله وخروجه، فيعرفون الأداء من القضاء، فلو كانت على حالة واحدة لم يعرفوا ذلك. أجابهم الحق تعالى بغير ما ينتظرون؛ أشارة إلى أن السؤال عن سر الاختلاف، ليس فيه منفعة شرعية، وإنما ينبغي الاهتمام بما فيه منفعة دينية. قال أهل الهيئة: إن نورة من نُور الشمس، وجِرْمه أَطْلَس، فكلما بعد من مُسَامته الشمس قابَله نورُها، فإذا قرب منها لميقابله من نورها إلا بعض جِرمه، فإذا دخل تحتها في الفلك كان ظَهره كله إليها، فلم يقابله شيء من نورها، فإذا خرج مِنح تحتِها قابله بقدر ذلك، والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا ظهر هلال السعادة في أفق الإرادة، وهبَّت ريح الهداية من ناحية سابق العناية، دخل وقت حج القلوب إلى حضرة علام الغيوب، فهلال الهداية للسائرين، وهم أرباب الأحوال أهل التلوين، يزداد نوره بزيادة اليقين، وينقص بنقصانه، على حسب ضعف حاله وقته، حتى يتحقق الوصال، ويُرزق صف الكمال. وأنشدوا: شعر : كُلَّ يومٍ تَتَلَوَّنْ غيرُ هذا بِكَ أَجْمَلْ تفسير : فصاحب التلوين بين الزيادة والنقصان، إلى أن تطلع عليه شمس العرفان، فإذا طلعت شمس العرفان فليس بعدها زيادة ولا نقصان، وأنشدوا: شعر : طَلَعَتْ شمسُ من أُحِبُّ بلَيْلٍ واستضاءتْ فما تَلاها غُروبُ إنَّ شَمْسَ النَّهارِ تَغْربُ بالليــ ـل وشَمْسَ القُلوب لَيْسَتْ تَغيبُ تفسير : بخلاف صاحب التمكين؛ فإنه أبدا في ضياء معرفته، متكنٌ في بُرج سعادته، لا يلحق شمسَه كسوف ولا حجابٌ، ولا يستر نورَها ظلمةٌ ولا سحاب، فلو طلب الحجاب لم يُجَبْ. قال بعض العارفين: (لو كُلتُ أنْ أَرى غيره لم أستطع، فإنه لا غير معه حتى أشهده). ثم حذَّر الحق تعالى مما اتبدعه المشركون في الحج، فقال: {... وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)} قلت: كانت الأنصار إذا حَجُّوا أو اعتمروا، يقولون: لا يَحُول بيننا وبين السماء سَقْفٌ، حتى يدخلوا بيوتهم، فإذا رجعوا تسوَّرُوا الجُدْران، أو نَقَبُوا في ظهور بيوتهم، فجاء رجالٌ منهم فدخل من الباب، فَعُيِّر بذلك، فأنزل الحقّ جلّ جلاله: {وليس البر} أي: الطاعة، {بأن تأتوا البيوت من ظهورها} فتتسوروها، أو تنقُبوا من أعلاها، {ولكن البر من اتقى} المحارم وخالف الشهوات. أو: ليس البر بأن تعكسوا مسائلكم بأن تسألوا عما لا نفع لكم فيه، وتتركوا مسائل العلم التي تنفعكم في العاجل والآجل. {ولكن البر من اتقى} ذلك، {وأتوا} بيوت العلم من أبوابها، فتُحسنون السؤال وتتأدبون في المقال، وتقدمون الأهم فالأهم، والأنفع فالأنفع. {واتقوا الله} فلا تُغيروا أحكامه، ولا تعترضوا على أفعاله {لعلكم تفلحون} بتوفيقه وهدايته. الإشارة: اعلم أن البيوت التي يدخلها المريد ثلاثة: بيت الشريعة وبيت الطريقة وبيت الحقيقة، ولكل واحد أبواب فمن أتى البيت من بابه دخل. ومن أتاه من غيره طُرد. فبيت الشريعة له ثلاثة أبواب: الباب الأول: التوبة، فإذا دخل هذا الباب، وحقَّق التوبة بأركانها وشروطها، استقبله باب الاستقامة، وهي: متابعة الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله، فإذا دخله، وحقق الاستقامة، استقبله باب التقوى بأقسامها. فإذا حقق التقوى ظاهراً وباطناً، دخل بيت الشريعة المطهرة، وتنزه في محاسنه ومعانيه، ثم يروم دخول بيت الطريقة، وله ثلاثة أبواب: الباب الأول: الإخلاص وهو: إفراد العمل لله نم غير حرف ولا حظ، فإذا حقق الإخلاص استقبله باب التخلية وهي التظهير من العيوب الباطنة، وهي لا تنحصر، لكن من ظفر بالشيخ أطلعه عليها، وعلَّمه أودتيها، فإذا حقق التخلية استقبله باب التحلية، وهي: الاتصاف بأنواع الفضائل كالصبر والحلم والصدق والطمأنينة والسخاء والإيثار، وغير ذلك من أنواع الكمالات. فإذا حقق الإخلاص والتخلية والتحلية فقد حقق بيت الطريقة، ثم يستقبله بيت الحقيقة. فأول ما يقرع باب المراقبة، وهي: حفظ القلب والسر من الخواطر الردية، فإذا تطهر القلب من الخواطر الساكنة، استشرف على باب المشاهدة، وهي: محو الرسول في مشاهدة أنوار الحيّ القيّوم، أو تلطيف الأواني عند ظهور المعاني، فإذا دخل باب المشاهدة، وسكن فيها، استقبله باب المعرفة، وهي محلّ الرسوخ والتمكين، وهي الغاية والمنتهى، فبيت الحقيقة وهو مسجد الحضرة الربانية. وما بقي بعدها إلا الترقي في المقامات، وزيادة المعارف والكشوفات أبداً سرمداً، منحنا الله من ذلك حظّاً وافراً بمنّه وكرمه.

الطوسي

تفسير : القراءة: البيوت والسيوح والغيوب والجيوب - بكسر أولها - شامي والكسائي، والأعشى لا يكسرون، الغيوب، ويكسرها حمزة، ويحيى إلا الجيوب. ويكسرها ابن كثير إلا الجيوب والغيوب. وابن فليح يكسرها كلها. وقالون يكسر منها البيوت فقط. وأبو عمرو يضمها كلها. اللغة: الأهلة جمع هلال وسمي الهلال، لرفع الصوت بذكره عند رؤيته، ومنه أهل بالحج: اذا رفع الصوت بالتلبية. واختلف أهل العلم إلى كم يسمى هلالا، فقال قوم: يسمى ليلتين هلالا من الشهر. ومنهم من قال: يسمى هلالا ثلاث ليال، ثم يسمى قمراً. وقال الأصمعي: يسمى هلالا حتى يحّجر. وتحجيره: أن يستدير بخطة دقيقة. ومنهم من قال: يسمى هلالا حين يبهر ضوءه سواد الليل، فاذا غلب ضوءه، سمي قمراً. وذلك لا يكون إلا في الليلة السابعة. وقال الزجاج: يسمى هلالا لليلتين. واسم القمر الزبرقان، واسم دارته الهالة. والفخت اسم ضوءه، أو ظلمته على خلاف فيه. واسم ظله السمر. ومنه قيل: سمار الذين يتحدثون بالليل. وإنما اقتصر في جمعه على أهلة، وهو لأدنى العدد، دون الفعل الذي هو للجمع الكثير، استثقالا له في التضعيف، كما قالوا، فيما ليس بمضعّف: حمار وأحمرة وحمر. المعنى: فان قيل عما كان وقع السؤال من حال الأهلة قيل عن زيادتها ونقصانها، وما وجه الحكمة في ذلك، فاجيب بأن مقاديرها تحتاج إليه الناس في صومهم، وفطرهم، وحجهم وعدد نسائهم، ومحلّ ذنوبهم، وغير ذلك. وفيها دلالة واضحة على أن الصوم لا يثبت بالعدد، وأنه يثبت بالهلال، لأن العدد لو كان مراعى، لما أحيل في مواقيت الناس في الحج على ذلك بل أحيل على العدد. اللغة: وقوله تعالى: {قل هي مواقيت} والميقات: هو مقدار من الزمان، جعل علماً لما يقدر من العمل، ومنه قوله تعالى: {أية : إلى يوم الوقت المعلوم}تفسير : والتوقيت: تقدير الوقت. وقت توقيتاً، ومنه قوله تعالى: {أية : واذا الرسل أقتت}تفسير : وكلما قدرت غاية، فهو موقت. والميقات: منتهى الوقت، ومنه قوله تعالى: {أية : فتم ميقات ربه}تفسير : فالآخرة ميقات الخلق. والاهلال: ميقات الشهر. وإنما لم يصرف مواقيت، وصرف قوارير، لان قوارير فاصلة في رأس آية، فصرفت لتجري على طريقة واحدة في الآيات، كالقوافي، وليس ذلك تنوين الصرف. المعنى: وقوله تعالى {وليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البرّ من اتقى} قيل في معناه وجهان: أحدهما - {ولكن البرّ من اتقى} كما قلنا في قوله {ولكن البرّ من آمن بالله}. والثاني - على وقوع المصدر موقع الصفة، كأنه قال: ولكن البار {من آمن بالله}. وقيل في معنى الآية قولان: أحدهما - أنه كان قوم من الجاهلية إذا أحرموا، نقبوا في ظهر بيوتهم نقباً، يدخلون منه، ويخرجون، فنهوا عن التدين بذلك، وأمروا أن يأتوا البيوت من أبوابها. في قول ابن عباس، والبراء، وقتادة، وعطا. و [الثاني] - قال قوم، واختاره الجبائي: إنه مثل ضربه الله لهم. {وأتوا البيوت من أبوابها} أي أتوا البر من وجهه الذي أمر الله به، ورغب فيه، وهذا الوجه حسن. وروى جابر عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) في قوله: {وليس البرّ بأن تأتوا البيوت} الآية، قال: يعني أن يأتي الأمر من وجهه أي الأمور. وروى أبو الجارود عن أبي جعفر (ع) مثل قول ابن عباس سواء. وقال قوم: أراد بالبيوت النساء، لأن المرأة تسمى بيتاً على ما بيناه فيما مضى، فكأنه نهى عن إتيان النساء في أدبارها، وأباح في قبلهنّ. والأولان أقوى وأجود. والباب: هو المدخل، تقول منه: بوب تبويباً إذا جعله أبواباً. والبوّاب: الحاجب، لأنه يلزم الباب. والبابة القطعة من الشىء كالباب من الجملة. فان قيل أي تعلق لقوله: {وليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها} بسؤال القوم عن الأهلة؟ قلنا: لأنه لما بين ما فيه من وجه الحكمة، اقتضى لتعلموا على أمور مقدره، ولتجري أموركم على استقامة فانما البرّ أن تطيعوا أمر الله. ومن كسر (الباء) من البيوت، فلاستثقال الخروج من الضم الى الياء. ومن ضم غيوب وكسر البيوت، فلأن الغين لما كان مستعلياً، منع الكسر، كما منع الامالة. وأما الحج، فهو قصد البيت الحرام، لاداء مناسك مخصوصة بها في وقت مخصوص. والبرّ: النفع الحسن. والظهر: الصفيحة المقابلة لصفيحة الوجه. وقوله: {واتقوا الله لعلكم تفلحون} يعني واتقوا ما نهاكم الله عنه، وزهدكم فيه، لكي تفلحوا بالوصول الى ثوابه الذي ضمنه للمتقين.

الجنابذي

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} مستأنفٌ مقطوع عن سابقه ولذلك لم يأت بأداة الوصل، والقمر فى اوّل الشّهر الى ليلتين هلال، وقيل: الى ثلاثة، وقيل: الى سبعةٍ، وكانوا يسألون عن الهلال ما باله يبدو فى اوّل الشّهر ضعيفاً ثمّ يتزايد حتّى يصير بدراً ثمّ يتناقص حتّى يصير ضعيفاً ومختفياً الى ان يظهر فى اوّل الشّهر الآخر هلالاً، وكان مقصودهم الاستفسار عن سبب ذلك ولمّا لم يكونوا اهل نظرٍ ولم يقتدروا على ادراك دقائق اسباب ذلك ولم يكن علم ذلك نافعاً لهم فى دنياهم ولا فى آخرتهم أعرض تعالى شأنه عن الجواب المطابق للسؤال وامر نبيّه (ص) ان يجيب بالحكم والغايات المترتّبة عليه فقال: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ} جمع الميقات وهو ما يقدّر به الوقت ويعلم يعنى أنّ الاهلّة واختلافها سبب لمعرفة الاوقات ومعرفة ما يعرف بالاوقات من الزّراعات والتّجارات والدّيون وعُدد النّساء والحجّ والصّوم والفطر {لِلنَّاسِ} اى لانتفاع النّاس {وَٱلْحَجِّ} اى لمناسكه خصّ هذا بالذّكر للاهتمام به لانّ اكثر مناسكه موقّت من الشّهر، ويعرف هذه الغايات المترتّبة على اختلاف الاهلّة بادنى تذكّرٍ، وفى معرفتها فوائد كثيرة من معرفة فاعلٍ حكيمٍ مدبّرٍ عليمٍ قديرٍ معتنٍ بخلقه ولا سيّما بالانسان ومعرفة انعامه واحسانه المستلزم لتعظيمه وشكره والتوجّه اليه والتضرّع عليه فى الجليل واليسير والقليل والكثير بخلاف ما سألوا عنه. تحقيق اتيان البيوت من الابواب ومنع الاتيان من الظّهور {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ} عطف على {هى مواقيت} او على {يسألونك} بطريق الالتفات من الغيبة الى الخطاب ووجه المناسبة بينهما حتّى أتى بأداة الوصل انّ السّؤال عن اختلاف الاهلّة من غير اطّلاع على هيئة الافلاك ومناطقها ومقادير حركاتها وحقيقة القمر واكتسابه الضّوء من الشّمس دخول في بيت طلب هذا العلم او فى هذا العلم من ظهره لا من بابه فانّ باب العلم بما ذكر {بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ} لا اختصاص للبيوت بما يسمّيه العرف بيوتاً كما عرفت {مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ} الاتيان من الظّهور وقد مضى فى مثل الآية انّ حمل الذّات على المعنى امّا بتصرّفٍ فى الاوّل او فى الثّانى او فى النّسبة {وَأْتُواْ} عطف على محذوفٍ مستفادٍ من قوله تعالى: {لَيْسَ ٱلْبِرُّ} (الى آخرها) اى فلا تأتوها من ظهورها وَأْتوا {ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} كان الظّاهر ان يقول: وأْتِها من ابوابها لكنّه عدل الى صيغة الامر ووضع الظّاهر موضع المضمر للاشعار بأنّ اتيان البيوت اى امور المعاش والمعاد مأمورٌ به ومنظورٌ اليه فى نفسه ولو قال: وأْتها من ابوابها لتوهّم انّ المنظور اليه فى النّفى والايجاب كليهما هو القيد وانّ المعنى لو أردتم اتيان البيوت فأتوها من أبوابها لا من ظهورها يعنى انّ المقصود النّهى عن الدّخول من الظّهور لا الامر بالدّخول فى البيوت، وباب الامور وجهة الاشياء كلّها هو الولاية، نسب الى الباقر (ع) انّه قال: يعنى ان يأتى الامر من وجهه اىّ الامور كان، فهو أمرٌ باتيان الامور الدّنيويّة والاخرويّة جميعاً من وجوهها مثل ان يأتى الحرف والصّناعات من وجوهها الّتى هى اخذ علمها من علمها وتحصيل الاقتدار على عملها بالممارسة والتّكرار عند عاملها، ومثل ان يأتى الصّناعات العلميّة من وجوهها الّتى هى الاخذ من عالمها والمدارسة عنده، ومثل ان يأتى العلوم والاعمال الالهيّة من وجوهها الّتى هى الاخذ من عالمٍ الهىٍّ والمدارسة والممارسة عنده وباذنه وتعليمه فالعمدة فى طلب الامور طلب الوجوه المذكورة، والعمدة فى طلب الآخرة والعلوم الالهيّة طلب عالمٍ الهىٍّ منصوبٍ مجازٍ من الله بلا واسطة او بواسطة او بوسائط وبعد معرفته التّسليم والانقياد له لا الاخذ من الاباء والاقران والمشاهدات والعمل بالرّسوم والعادات، فقد ورد فى الاخبار والآيات ذمّ من قال: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف:22] فمن لم يتأمّل فى علمه وعمله وفيمن أخذهما منه ولم يميّز العالم الالهىّ بأدنى مرتبة التّمييز وهو كون فعله موافقاً لقوله كان مذموماً مطروداً مبغوضاً سواء عدّ عالماً مفتياً مقتدىً او جاهلاً معدوداً من السّواقط، نسب الى الباقر (ع) انّه قال فى نزول الآية: انّهم كانوا اذا أحرموا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها ولكنّهم كانوا ينقبون فى ظهور بيوتهم اى فى مؤخّرها نقباً يدخلون ويخرجون منه فنهوا عن التّديّن بها {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فى الانحراف عن الأبواب والدّخول من الظّهور {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وسبيل الله هو الولاية، وجميع الاعمال الشّرعيّة من حيث صدورها عن الولاية او ايصالها الى الولاية سبيل الله لأنّها سبل سبيل الله، وطريق الكعبة لكونها بالمناسك المشروعة فيها سبيل الله ولكونها مظهراً للقلب الّذى هو سبيل الله حقيقةً سبيل الله فقوله: {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ظرف لقاتلوا حقيقةً او مجازاً او حال عن فاعل قاتلوا ظرفاً حقيقياً او مجازيّاً والمعنى: قاتلوا فى حفظ سبل الله او فى ترويجه واعلائه او فى ارتكابه والاتّصاف به او فى طريق الكعبة {ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} هذه الآية منسوخة بحسب مفهوم قيده الّذى هو عدم تجاوز المقاتلة عن المقاتلين بقوله: {أية : وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم}تفسير : [البقرة: 191]، وناسخة بحسب الأمر بالمقاتلة لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ}تفسير : [الأحزاب: 48] ولقوه كفّوا أيديكم كما روى، وكان النّبىّ (ص) قبل ذلك لا يقاتل احداً، ونقل انّه نزل هذه الآية بعد صلح الحديبية وذلك انّ رسول الله (ص) لمّا خرج هو واصحابه فى العام الّذى أرادوا فيه العمرة فساروا حتّى نزلوا الحديبية صدّهم المشركون عن البيت الحرام فنحروا الهدى بالحديبية ثمّ صالحهم المشركون على ان يرجع فى عامه ويعود فى العام القابل ويخلوا مكّة ثلاثة ايّامٍ فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء فيرجع الى المدينة من فوره، فلمّا كان العام المقبل تجهّز النّبىّ (ص) واصحابه لعمرة القضاء وخافوا ان لا يفى لهم قريش بذلك وان يقاتلوهم وكره رسول الله (ص) قتالهم فى الشّهر الحرام وفى الحرم فأنزل الله تعالى هذه الآية {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} بابتداء القتال وبالتّجاوز عمّن أمرتم بقتاله وبالتّعدّى عن القتل الى قطع الاطراف والتمثيل {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} نفى الحبّ وان كان أعمّ من البغض لكنّه فى أمثال المقام يستعمل فى البغض.

فرات الكوفي

تفسير : {ولَيْسَ البِرّ بِأنْ تَأْتوا البُيوت مِنْ ظُهورِها وَلَكِنَّ البِرّ مَنِ اتّقى وأتوا البُيوت مِنْ أبْوابها189} فرات قال: حدثني علي بن محمد الزهري قال: حدثني أحمد [يعني. أ، ب] ابن الفضل بن عمرو القرشي، عن الحسن - يعني ابن علي بن سالم الأنصاري- عن أبيه وعاصم والحسين بن أبي العلاء: عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى: {ليس البر أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب. أ، ر} وقوله: {وليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البرّ من اتقى واتوا البيوت من أبوابها} قال: مطروا بالمدينة فلما تقشعت السماء وخرجت الشمس خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أناسٍ من المهاجرين والأنصار فجلس وجلسوا حوله إذ أقبل علي بن أبي طالب عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمن حوله: حديث : هذا عليّ قد أتاكم نقيّ (تقى. ر) القلب نقيّ الكفين، هذا علي بن أبي طالب كمالا ويقول صواباً‍! تزول الجبال ولا يزول عن دينه . تفسير : قال: فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجلسه بين يديه فقال: حديث : يا علي أنا مدينة الحكمة [أ: العلم] وأنت بابها فمن أتى المدينة من الباب وصل. يا علي أنت بابي الذي أوتى منه وأنا باب الله فمن أتاني من سواك لم يصل ومن أتى [الله من. أ] سواى لم يصل . تفسير : فقال القوم بعضهم لبعض: ما يعني بهذا؟ إسألوا به علينا قرآناً، قال: فأنزل الله به قرآناً: {ليس البر} إلى آخر الآية.

اطفيش

تفسير : {يَسْأَلُونَك}: يا محمد. {عَن الأهِلَّة}: جمع هلال وهو القمر أول حاله إلى ثلاث ليال: وقيل أول ليلة، بأل معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصارى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما بال الهلال يبدو دقيقاً كالخيط ثم يزيد حتى يمتلئ نوراً ثم لا يزال ينقص حتى يعود دقيقاً كما بدأ، ولا يكون على حالة واحدة؟ يعنيان كما تكون الشمس على حالة واحدة، ثم رأيت التصريح بهذا فى كلام ابن عباس وغيره. نزلت الآية على سؤال قوم النبى - صلى الله عليه وسلم - عن الهلال، وما فائدة محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس، والحمد لله والله أعلم. وذلك سؤال استفادة لا سؤال تعنت، وذكر بعض السلف أن قوماً من الصحابة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم خلقت هذه الأهلة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. ويجمع بينه وبين ما مر عن معاذ بأنهم سألوه - صلى الله عليه وسلم - عن ذات الهلال وعن حاله فى الزيادة أو النقص، كما اجتمع ذلك كله فى الرواية السابقة عن ابن عباس. {قُلُ}: لَهُم. {هى مَوَاقِيتُ للنَّاسِ والْحَجّ}: أى حدود للناس فى أمورهم، وللحج، وهذا جواب على غير ما سألوه فيما قيل، لأنهم سألوه عن سبب زيادة الأهلة ونقصها، فالجواب المطابق أن يقال ذلك لبعد القمر عن الشمس وقربه منها، ولكن أجيبوا بأنها مواقيت للناس والحج، إيذان لهم بأن الأولى أن يسألوا عن أمور دينهم، وما لا بد لهم منه من أمر معاشهم، والحج. وقد مر أنهم سألوا عن الأهلة لم خلقت. فعليه يكون هذا جواباً مطابقاً للسؤال، أى: خلقت لتكون مواقيت للناس والحج، وتقدم الجمع بأنهم سألوا عن ذلك كله، وعليه فيكون هذا جواباً مطابقاً لما كان مهمّاً من السؤال ملقياً ما لم يكن مهمّاً إيذاناً بأن الأولى ألا يسألوا عما ليس مهما، فهو جواب عن بعض السؤال، وهو قولهم لم خلقت دون البعض الآخر؟ وهو قولهم لم تزيد وتنقص؟ هذا ما ظهر لى فى تقرير المقام، ثم تلمحت أنه يجوز هذا جواباً أيضاً للسؤال عن الزيادة والنقص، لكن بطريق غير القرب من الشمس والبعد، بل بطريق أنها تزيد وتنقص، ليكون تمام زيادتها ونقصها مدة تسمى شهرا، يكون ميقاتا للناس والحج والله أعلم. فالمواقيت للناس مواقيت زكاتهم وصومهم: الواجب والمسنون والنفل والعيدين والشهور المعظمة والأيام المعظمة كيوم عاشوراء، ورمضان وليلة القدر. ومحال ديونهم وأجرتهم وزرعهم وأكريتهم، وعدات النساء وحيضهن وطهرهن وحملهن، والحج وأيامه وأشهره، وغير ذلك من مصالح دينهم ودنياهم. وخص الحج بالذكر مع أنه يعلم مما قبله، لأن الوقت مراعى فيه أداء وقضاء، فمن لزمه الحج لاستطاعته أو لوجه ما من الوجوه لم يصح له إلا فى أشهره ووقته، ومن لزمه ودخل فيه ففسد عنه، فإنما يقضيه فى أشهر الحج ووقته لا فى أى وقت شاء، ولأن العرب كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور بالنسئ، فأبطل الله جل وعلا ذلك. والمواقيت جمع ميقات، والميقات الحد فى الزمان كما هنا، والمكان كميقات الإحرام وهو فى الآية: بمعنى المصدر الميمى مبالغة، أو يقدر مضاف، أى قل هى ذوات توقيتات للناس والحج، أى اسم زمان، أى هى صواحب أزمنة تكون حدوداً للناس، أو يقدر مضاف فى قوله: هى أى أزمنتها مواقيت للناس، فمواقيت اسم زمان، والمدة المطلقة حين امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها، والزمان مدة مقسومة إلى الماضى، والحال والاستقبال والوقت الزمان المفروض الأمر، ومنه أخذ الميقات فى غير المكان، وقال ابن السبكى والمحلى والصبَّان: الزمان قيل جوهر ليس جسماً مركباً، أذ لو كان جسما لكان قريباً من جسم بعيداً من آخر، وبديهة العقل تشهد بأن نسبته إلى جميع الأشياء على السواء، وليس داخلاً فى جسم، فإذا كان جوهرا فهو قائم بنفسه، فإذا كان جوهراً غير مركب ولا داخل فى جسم فهو مجرد عن المادة، وقيل الزمان فلك حركة معدل النهار والليل وفلك معدل النهار جسم سميت منطقة البروج منه معدل النهار، لتعادل الليل والنهار فى جميع البقاع عند كون الشمس عليها، وقيل: الزمان عرض واختلف قائلوه فقيل: هو حركة فلك معدل النهار والليل، وقيل: مقدار الحركة المذكورة، وقيل: حركة الفلك ومقدارها. والمختار أن الزمان مقارنة متحدد مجهول، متوهم التجدد معلوم إزالة الإيهام من الأول بمقارنته للثانى، كما فى: أتيتك عند طلوع الشمس، وهذا قول المتكلمين فهو من الأمور النسبية التى لا وجود لها خارجاً. والأقوال السابقة للحكماء وأصحها عند الحكماء: الأخير منها، انتهى. والمذهب أنه عرض. {وَلَيْسَ البِرُّ}: يرفع البر بالإجماع. {بأنْ تأتُوا البيُوتَ}: بضم الباء عند ورش وأبى عمرو وحفص حيث وقع لفظ بيوت، وبسكرها كذلك عند الباقين. {مِنْ ظُهُورِهَا}: فى إحرامكم بأن تنقبوا نقباً تدخلون منه وتخرجون وتتركون الباب، أو بأن تتسوروا البيوت بسلالم أو غيرها، أو بأن تدخلوا الخيمة والفسطاط والخباء ونحوها من خلفها وتخرجوا، كذلك روى البخارى ومسلم والشيخ هود واللفظ للأولين عن البراء بن عازب: نزلت هذه الآية فينا. كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا، لم يدخلوا من قبل أبواب البيوت، فجاء رجل من الأنصار، فدخل من قبل بابه، فكأنه عير بذلك، فنزلت الآية، وفى رواية كانوا إذا أحرموا أتوا البيوت من ظهورها بنحو سلم، وقيل: كان الناس فى الجاهلية وفى أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم لم يدخل حائطاً ولا داراً ولا فسطاطاً، فإن كان من أهل المدر نقب نقباً من ظهر بيت منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلماً يصعد منه، وإن كان من اهل الوبر دخل وخرج من خلف الخباء، ولا يدخل ويخرج من الباب، ويرون ذلك برابرا. قال الكلبى: إلا أن يكون من الحمس، والحمس قريش وكنانة وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة ومن دان بدينهم، فإنه يدخل من الباب ويخرج منه أحلوا لأنفسهم ما حرم غيرهم على نفسه وشددوا على أنفسهم، يدل ذلك أنهم لا يأكلون الإقط فى أيام حجهم ولا السمن، ولا يفتلون الوبر والشعر، وقيل: إن الحمس إذا أحرموا لم يدخلوا بيتاً لا من بابه ولا من غيره، ولم يستظلوا بظل، وقد سموا حمساً لتشددهم فى دينهم أو لشدتهم فى أنفسهم، والحماسة الشدة، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حائطاً فدخل رجل من الأنصار معه، وقيل: إن الحمس لا يبالون بذلك، وحديث : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بيتاً فدخل على إثره رجل من الأنصار يقال له رفاعة بن التابوت من الباب وهو محرم، فأنكروا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنى أحمسى" فقال الرجل: إن كنت أحمسياً فأنا أحمسى رضيت بهديك وسمتكتفسير : ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعن البراء بن عازب والزهرى وقتادة: سبب الآية أن الأنصار إذا حجوا واعتمروا يلتزمون تشرعاً ألا يحول بينهم وبين السماء حائل، وكانوا يصعدون إلى سقوف بيوتهم من الجدران، وقيل: كانوا يجعلون فى ظهور بيوتهم فتوحاً يدخلون منها كما مر، قال الزهرى: كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شئ، وكان الرجل يخرج مهلا بالعمرة فتبدوا له الحاجة بعد ما خرج من بيته، فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين السماء فيفتح الجدار من ورائه ثم يقوم فى حجرته فيأمر بحاجته حتى حديث : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَّ عام الحديبية بالعمرة، فدخل حجرة فدخل رجل من الأنصار من بنى سلمة على إثره، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: (لما فعلت ذلك؟) قال: لأنى رأيتك دخلت. فقال صلى الله عليه وسلم: "لأنى أحمسى"تفسير : . فقال الأنصارى: وأنا أحمسى، يقول أنا على دينك، فنزلت الآية. وعن الحسن: كانوا فى الجاهلية إذا أراد أحدهم سفراً فلم يتم له سفره. لم يأت بيته من الباب الذى خرج منه، ولكن يغلق الباب فيأتى البيت من قبل ظهره، وكانوا يتقربون بذلك لأنهم زعموا أن ذلك فى دينهم وهو مما أدخل عليهم الشيطان، فنزلت الآية. وإن قلت: كيف تتصل هذه الآية بقوله جل وعلا {يسألونك عن الأهلة}؟ قلت: لا يشترط الاتصال بالمناسبة فى جميع القرآن، بل فى البعض، بل إذا تم حكم أو قصة جئ بآخر، ويحتمل أن يكون للاتصال وجه هو أنهم سألوا عن الأهلة وزيدها ونقصها، فأجابهم بأنها مواقيت فعلموا الحكمة فى ذلك، فشرع فى أمر يفعلونه لا حكمة فيه ينهاهم عنه، كأنه قيل هذه حكمة الأهلة والزيد والنقص، فما الحكمة الصحيحة فى اجتيابكم أبواب البيوت؟ وكأنهُ قيل: معلوم أن أفعاله تعالى حكم فدعوا السؤال عنها وانظروا فى اجتيابكم الأبواب ما حكمته؟ ويحتمل أن ذلك مستلحق بما قبله، لأنهما معاً فى الحج، وهذا الاحتمال لا يثبت فى القول بأن الآية فى مَنْ يترك السفر بعد خروجه إليه أو يعود ليرجع إليه، ويحتمل أن يكون وجه ذكر اجتبابهم الباب إلى غيره من نقب ينقبونهُ أو تسور تلويحاً بأنهم عسكوا فى سؤالهم عن الأهلة وزيادتها ونقصها، كمن عكس من يجتنب الباب ويدخل ويخرج من غيره، فإنما ينبغى أن تسألوا عن أمر الدين، والمهم من أمر المعاش أو عن هذا الذى يفعلونه من هجران الباب، هل وافق الحق؟ فإن الذى هو من علم النبوة هو أمر الحج والحلال والحرام لا الأهلة وزيادتها ونقصها، فإنها ليست من موضوع علم النبوة. {ولكنَّ البِرَّ}: بكسر النون مخففة ورفع البر عند نافع وابن عامر، وقرأ الباقون بفتح النون مشددة ونصب البر. {مَنِ اتَّقَى}: أى لكن البر مَن اتَّقى على حد ما مر من الأوجه فى قوله تعالى: {أية : ولكن البرّ مَنْ آمن} تفسير : والمعنى: ولكن البر من اتقى غضب الله فيما أمر ونهى، أو عقابه على ذلك، أو اتقى المعاصى أو خاف الله وعظّمه فيما أمر ونهى، أو اتقى الجراءة على مثل ذلك السؤال عن الأهلة وأمرها لا من اجتنب الباب واجترأ على مثل ذلك السؤال. {وأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أبْوَابِها}: هذا كلام مستأنف من الله جل وعلا أمرهم فيه بأن يأتوا البيوت من أبوابها إذا أحرموا أو بدا لهم فى السفر بعد ما خرجوا، لما فى نقب البيت من إفساد المال والتعب والتعرض للسرقة، ولما فى التسور من الجدار من التعب والتعرض لها بلا فائدة، أو أمرهم بأن يأتوا الأمور كلها من الوجه اللائق. {واتَّقُوا الله}: خافوه إجلالا، أو اجتنبوا معاصيه، أو احذروا عقابه وغضبه، أو احذروا التحليل والتحريم، فإن الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرمه واحذروا التعرض لأفعاله كالأهلة وحالها. {لَعلَّكُم تُفْلحونَ}: راجِينَ الإفلاح أو لتفلحوا، والإفلاح النجاة من الضلالة بالحق ومن المهالك.

اطفيش

تفسير : {يَسْئَلُونَكَ} يا محمد {عَنِ الأَهِلَّةِ} السائل معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم، فالجمع لأن أقل الجمع اثنان، أو لأنهما فى قوم رضوا هذا السؤال، أو حكم على المجموع، قالا يا رسول الله يطلع دقيقا، ثم ينمو حق يكمل، ثم ينقص حتى يكون على حال طلوعه أولا، ويذهب لِمَ لم يكن كالشمس بحال واحدة، وسمى هلالا، لأنه يرفع الصوت عند طلوعه أولا، ورفع الصوت إهلال، وهو هلال فى الأولى، أو فى الثانية أيضاً، أو فى الثالثة معهما أو هو هلال حتى يحجر بخط دقيق كما قال الأصمعى، أو حتى يبهر ضوؤه سواد الليل وعنى بعضهم ذلك بسبع ليال، قيل وكذا فى آخره هو هلال، ولا يصح، وبين ذلك قمر، والمراد هنا مطلق هذا الكوكب كما رأيت فى السؤال يسمى قمراً مطلقاً مجازاً، أو اشتراكاً، وأما جمع الهلال مع أنه واحد فباعتبار ليالى طلوعه، والسؤال لم يختص بهلال دون آخر، والمضارع لإمكان تكرير السؤال أو لتنزيل الماضى منزلة الحاضر، أو الماضى منزلة المستقبل، أو تنزيل حالة النزول منزلة ما قبل السؤال، وقيل إن السؤال من اليهود للصحابة يعتبر أن سؤال الصحابة سؤال للنبى صلى الله عليه وسلم لأنهم مستفيدون منه وسائلون له فى كل ما أرادوا {قُلْ} لهم {هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ} لأمورهم الدنيوية والدينية كأجل الدين والإجارة والعدة والحيض والصوم والحج وقد ذكره الله، وليس من ذلك المزارع لأنها يسير الشمس وشهورها، وهذا جواب على مقتضى الظاهر، سألوا عن الحكمة فى اختلاف تشكل القمر، فقال حكمته أنه مواقيت للناس، إذ لو بقى على شكل واحد لم تتعدد الأشهر، وإن كان سؤالهم عن السبب فى ذاته كان الجواب على خلاف مقتضى الظاهر، إرشاداً لهم بأن الأليق أن يسألوا عن الحكمة، والنبى صلى الله عليه وسلم لم يبعثه الله لدقائق علم الهيئة بل للشرعيات، ولو أجابهم بالسبب لقال ذلك لقربه من الشمس وبعده، ولا بأس به لظهوره ولا تأباه الشريعة إلا أن تقول الشريعة: لا تجزوا بذلك بل قولوه على الظن، بأن الله جعله سبباً لتولد ما يتولد، والله هو الخالق كما يخلق النبات بالماء، لكن لا دليل على هذا وإنما ظهر بعضه فى الشمس، والميقات آلة الحد قياساً، وذلك آلة ما يعرف به الوقت أو مكانه شذوذاً {وَالْحَجِّ} عطف على الناس باعتبار مضاف، أى لأغراض الناس وللحد، فذكر الحج بعد تعميم لمزيته فى التوقيت إذ الوقت أشد لزوما له، إذ لا يقضى إلا فى وقت أدائه من قابل أو بعده، وسائر العبادات تقضى فى كل وقت حتى سائر الأوقات تقضى إذا فات وقتها بحسب الإمكان واللياقة ولا يلزم إبقاؤها إلى وقتها من قابل، واستدل بعض بالآية على جواز الإحرام بالحج فى كل السنة، وفيه بعد، ومخالفة للسنة، بل هى دليل على أنه مخصوص بأشهر يحتاج إلى تمييزها وإلا لم يتحتج الكلام إلى ذكر الهلال مع الحج، ولما ذكر علمنا أنه احتاج إلى جنس الشهر فبينته السنة. {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تُأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} بعد إحرامكم بحج أو عمرة بأن تنقبوا البناء ونحوه أو ترفعوا خلفا مخالفة لحالكم قبل، أو تدخلوا بسلم لئلا يستركم شىء عن السماء وإذا دخلتم بذلك لحاجة وقفتم لا يظلمكم شىء عن السماء وترجعوا من ذلك، ذكلم بدعة مخالفة للشرع، والنقب إسراف {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} مر مثله، وهو قوله ولكن البر من آمن، أى من اتقى عقاب الله بترك مخالفته وبترك هذه البدعة لما بعد، وسائر المعاصى، وذكر ذلك لأنهم سألوه أيضا عن إتيان البيوت ولم يذكره فى السؤال استغناء بالجواب، مع أنه مما لا ينبغى السؤال عنه لظهور بطلانه، وإن لم يسألوا عنه فإنه ذكر لذكر الحج، أو شبه سؤالهم عما لا يهم وهو الأهلة وترك السؤال عما يهم من الأحكام بحال من ترك الدخول من الباب وعالجه من غيره {وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَاْ} بعد الإحرام كما قبله أو باشروا الأمور بوجوهها {وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفوزون بالهداية إلى كل بر وبغية، وإلى علم أن فى كل أفعاله حكمة بالغة، وعن جابر بن عبدالله: حديث : كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب فى الإحرام، وكانت العرب والأنصار لا يدخلون من باب فى الإحرام، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بستان إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصارى وفى رواية رفاعة بن تالوت، فقالوا يا رسول الله إن قطبة بن عامر وَرفاعة بن تالوت رجل فاجر وأنه خرج معك من الباب، فقال له: ما حملك على ما فعلت؟ قال رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت، قال إنى رجل أحمس أى متصلب فى الدين، قال فإن دينى دينك فنزلت، وليس البر بأن تأتوا الآيةتفسير : ، وعن البراء كانت الأنصار إذا قدموا من سفر لم يدخل الرجل من الباب فنزلت الآية، والمراد اتقوا الله فى شرع ما لم يشرعه وَفى تغيير أحكامه.

الالوسي

تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} أخرج ابن عساكر بسند ضعيف ـ أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان لا يكون على حال واحد؟ فنزلت، وفي رواية أن معاذاً قال: يا رسول الله إن اليهود يكثرون مسألتنا عن الأهلة فأنزل الله تعالى هذه الآية، فيراد بالجمع على الرواية الأولى ما فوق الواحد أو ينزل الحاضرون المترقبون للجواب منزلة السائل وظاهره المتبادر على الرواية الثانية بناءاً على أن سؤال اليهود من بعض أصحابه بمنزلة السؤال منه صلى الله عليه وسلم إذ هو طريق علمهم ومستمد فيضهم، والأهلة جمع هلال واشتقاقه من استهل الصبـي إذا بكى وصاح حين يولد ومنه أهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية، وسمي به القمر في ليلتين من أول الشهر، أو في ثلاث أو حتى يحجر وتحجيره أن يستدير بخط دقيق ـ وإليه ذهب الأصمعي ـ أو حتى يبهر ضوءه سواد الليل، وغيا ذلك بعضهم بسبع ليال ـ وسمي بذلك لأنه حين يرى يهل الناس بذكره ـ أو بالتكبير؛ ولهذا يقال: أهلّ الهلال واستهل ولا يقال هلّ، والسؤال يحتمل أن يكون عن الغاية والحكمة وأن يكون عن السبب والعلة، ولا نص في الآية والخبر على أحدهما أما الملفوظ من الآية فظاهر، وأما المحذوف فيحتمل أن يقدر ما سبب اختلافها وأن يقدر ما حكمته، وهي وإن كانت في الظاهر سؤالاً عن التعدد إلا أنها في الحقيقة متضمنة للسؤال عن اختلاف التشكلات النورية لأن التعدد يتبع اختلافها إذ لو كان الهلال على شكل واحد لا يحصل التعدد كما لا يخفى، وأما الخبر فلأن ما فيه يسأل بها عن الجنس وحقيقته فالمسؤول حينئذ حقيقة أمر الهلال وشأنه حال اختلاف تشكلاته النورية، ثم عوده إلى مكان عليه وذلك الأمر المسؤول عن حقيقته يحتمل ذينك الأمرين بلا ريب فعلى الأول: يكون الجواب بقوله تعالى: {قُلْ هِى مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ} مطابقاً مبيناً للحكمة الظاهرة اللائقة بشأن التبليغ العام المذكرة لنعمة الله تعالى ومزيد رأفته سبحانه وهي أن يكون معالم للناس يوقتون بها أمورهم الدنيوية ويعلمون أوقات زروعهم ومتاجرهم ومعالم للعبادات الموقتة يعرف بها أوقاتها كالصيام والإفطار وخصوصاً الحج، فإن الوقت مراعى فيه أداءاً وقضاءاً ولو كان الهلال مدوراً كالشمس أو ملازماً حالة واحدة لم يكد يتيسر التوقيت به، ولم يذكر صلى الله عليه وسلم الحكمة الباطنة لذلك مثل كون اختلاف تشكلاته سبباً عادياً أو جعلياً لاختلاف أحوال المواليد العنصرية كما بين في محله لأنه مما لم يطلع عليه كل أحد، وعلى الثاني: يكون من الأسلوب الحكيم، ويسمى القول بالموجب وهو تلقي السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيهاً على أنه الأولى بحاله ـ واختاره السكاكي وجماعة ـ فيكون في هذا الجواب إشارة إلى أن الأولى على تقدير وقوع السؤال أن يسألوا عن الحكمة لا عن السبب لأنه لا يتعلق به صلاح معاشهم ومعادهم، والنبـي إنما بعث لبيان ذلك لا لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ليسوا ممن يطلع على دقائق علم الهيئة الموقوفة على الأرصاد والأدلة الفلسفية كما وهم لأن ذلك على فرض تسليمه في حق أولئك المشائين في ركاب النبوة، والمرتاضين في رواق الفتوة، والفائزين بإشراق الأنوار، والمطلعين بأرصاد قلوبهم على دقائق الأسرار، وإن لم يكن نقصاً من قدرهم إلا أنه يدل على أن سبب الاختلاف ما بين في علم الهيئة من بعد القمر عن الشمس وقربه إليها وهو باطل عند أهل الشريعة فإنه مبني على أمور لم يثبت جزماً شيء منها غاية الأمر أن الفلاسفة الأول تخيلوها موافقة لما أبدعه الحكيم المطلق كما يشير إليه كلام مولانا الشيخ الأكبر قدس سره في «فتوحاته»، ومما ينادي على أن ما ذهبوا إليه مجرد تخيل/ لا تأباه الحكمة وليس مطابقاً لما في نفس الأمر أن المتأخرين مما انتظم في سلك الفلاسفة كهرشل الحكيم وأتباعه أصحاب الرصد والزيج الجديد تخيلوا خلاف ما ذهب إليه الأولون في أمر الهيئة، وقالوا: بأن الشمس مركز والأرض وكذا النجوم دائرة حولها وبنوا حكم الكسوف والخسوف ونحوه على ذلك وبرهنوا عليه وردوا مخالفيه ولم يتخلف شيء من أحكامهم في هذا الباب بل يقع حسبما يقع ما يقوله الأولون مبنياً على زعمهم فحيث اتفقت الأحكام مع اختلاف المبنيين وتضاد المشائين، ورد أحد الزعمين بالآخر ارتفع الوثوق بكلا المذهبين ووجب الرجوع إلى العلم المقتبس من مشكاة الرسالة والمنقدح من أنوار شمس السيادة والبسالة، والاعتماد على ما قاله الشارع الأعظم صلى الله عليه وسلم بعد إمعان النظر فيه وحمله على أحسن معانيه وإذا أمكن الجمع بين ما يقوله الفلاسفة كيف كانوا مما يقبله العقل وبين ما يقوله سيد الحكماء ونور أهل الأرض والسماء فلا بأس به بل هو الأليق الأحرى في دفع الشكوك التي كثيراً ما تعرض لضعفاء المؤمنين وإذا لم يمكن ذلك فعليك بما دارت عليه أفلاك الشرع وتنزلت به أملاك الحق.شعر : إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام تفسير : وسيأتي تتمة لهذا المبحث إن شاء الله تعالى. والمواقيت جمع ميقات صيغة آلة أي ما يعرف به الوقت، والفرق بينه وبين المدة والزمان ـ على ما يفهم من كلام الراغب ـ أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك في الظاهر من مبدئها إلى منتهاها، والزمان مدة مقسومة إلى السنين والشهور والأيام والساعات، والوقت الزمان المقدر والمعين، وقرىء بإدغام نون (عن) في (الأهلة) بعد النقل والحذف، واستدل بالآية على جواز الإحرام بالحج في كل السنة، وفيه بعد بل ربما يستدل بها على خلاف ذلك لأنه لو صح لم يحتج إلى الهلال في الحج، وإنما احتيج إليه لكونه خاصاً بأشهر معلومة محتاجة في تمييزها عن غيرها إليه، وإلى هذا ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه، ومناسبة الآية لما قبلها ظاهرة لأنه في بيان حكم الصيام، وذكر شهر رمضان وبحث الأهلة يلائم ذلك لأن الصوم مقرون برؤية الهلال وكذا الإفطار، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته»تفسير : . هذا ومن باب الإشارة في الآيات: أنه سبحانه ذكر قوانين جليلة من قوانين العدالة، فمنها القصاص الذي فرض لإزالة عدوان القوة السبعية، وهو ظل من ظلال عدله فإذا تصرف في عبده بإفنائه وقتله بسيف حبه عوضه عن حر روحه روحاً، وعن عبد قلبه قلباً، وعن أنثى نفسه نفساً فإنه كما كتب القصاص في قتلاكم ـ كتب على نفسه الرحمة في قتلاه ـ ففي بعض الآثار من طرق القوم أنه سبحانه يقول: "من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته" ولكن في مقاصة الله تعالى إياكم بما ذكر حياة عظيمة لا موت بعدها يا أولي العقول الخالصة عن قشر الأوهام وغواشي التعينات والأجرام لكي تتقوا تركه أو شرك وجودكم، ومنها الوصية التي هي قانون آخر فرض لإزالة نقصان القوة الملكية وقصورها عما تقتضي الحكمة من التصرفات ووصية أهل الله تعالى قدس الله تعالى أسرارهم المحافظة على عهد الأزل بترك ما سوى الحق، ومنها الصيام، وهو قانون فرض لإزالة تسلط القوى البهيمية، وهو عند أهل الحقيقة الإمساك عن كل قول وفعل وحركة ليس بالحق للحق والأيام المعدودة هي أيام الدنيا التي ستنقرض عن قريب فاجعلها كلها أيام صومك، واجعل فطرك في عيد لقاء الله تعالى، وشهر رمضان هو وقت احتراق النفس واضمحلالها بأنوار تجليات القرب الذي أنزل فيه القرآن، وهو العلم الإجمالي الجامع هداية للناس إلى الوحدة باعتبار الجمع، ودلائل مفصلة من الجمع، والفرق ـ فمن حضر منكم ذلك الوقت/ وبلغ مقام الشهود فليمسك عن كل شيء إلا له، وبه، وفيه، ومنه، وإليه، ومن كان مبتلى بأمراض القلب والحجب النفسانية المانعة عن الشهود؛ أو على سفر وتوجه إلى ذلك المقام فعليه مراتب أخر يقطعها حتى يصل إليه {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ} والوصول إلى مقام التوحيد، والاقتدار بقدرته {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} وتكلف الأفعال بالنفس الضعيفة {ولتكلموا} عدة المراتب ولتعظموا الله تعالى على هدايته لكم إلى مقام الجمع {أية : وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [البقرة: 185] بالاستقامة {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي}تفسير : [البقرة: 186] المختصون بـي المنقطعون إليَّ عن معرفتي {فَإِنّي قَرِيبٌ} منهم بلا أين ولا بين ولا إجماع ولا افتراق {أُجِيبُ} من يدعوني بلسان الحال، والاستعداد بإعطائه ما اقتضى حاله واستعداده {أية : فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} تفسير : [البقرة: 186] بتصفية استعدادهم وليشاهدوني عند التصفية حين أتجلى في مرايا قلوبهم لكي يستقيموا في مقام الطمأنينة وحقائق التمكين. ولما كان للإنسان تلونات بحسب اختلاف الأسماء فتارة يكون بحكم غلبات الصفات الروحانية في نهار الواردات الربانية وحينئذ يصوم عن الحظوظ الإنسانية، وتارة يكون بحكم الدواعي والحاجات البشرية مردوداً بمقتضى الحكمة إلى ظلمات الصفات الحيوانية وهذا وقت الغفلة الذي يتخلل ذلك الإمساك أباح له التنزل بعض الأحايين إلى مقارنة النفوس وهو الرفث إلى النساء وعلله بقوله سبحانه: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} أي لا صبر لكم عنها بمقتضى الطبيعة لكونها تلابسكم وكونكم تلابسونهن بالتعلق الضروري {عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ} وتنقصونها حظوظها الباقية باستراق تلك الحظوظ الفانية في أزمنة السلوك والرياضة {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَٱلآنَ} أي وقت الاستقامة والتمكين حال البقاء بعد الفناء {بَـٰشِرُوهُنَّ} بقدر الحاجة الضرورية {وَٱبْتَغُواْ} بقوة هذه المباشرة {مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} من التقوى والتمكن على توفير حقوق الاستقامة والوصول إلى المقامات العقلية {أية : وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } تفسير : [البقرة: 187] في ليالي الصحو حتى يظهر لكم بوادر الحضور ولوامعه وتغلب آثاره وأنواره على سواد الغفلة وظلمتها ثم كونوا على الإمساك الحقيقي بالحضور مع الحق حتى يأتي زمان الغفلة الأخرى فإن لكل حاضر سهماً منها ولولا ذلك لتعطلت مصالح المعاش، وإليه الإشارة بخبر «حديث : لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبـي مرسل، ولي وقت مع حفصة وزينب»تفسير : ، ولا تقاربوهن حال اعتكافكم وحضوركم في مقامات القربة والأنس ومساجد القلوب {وَلاَ تَأْكُلُواْ} أموال معارفكم {بَيْنِكُمْ} بباطل شهوات النفس، وترسلوا بها إلى حكام النفوس الأمارة بالسوء {لِتَأْكُلُواْ} الطائفة {مّنْ أَمْوَالِ} القوى الروحانية بالظلم لصرفكم إياها في ملاذ القوى النفسانية {أية : وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }تفسير : [البقرة: 188] أن ذلك إثم ووضع للشيء في غير موضعه {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} وهي الطوالع القلبية عند إشراق نور الروح عليها {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ} للسالكين يعرف بها أوقات وجوب المعاملة في سبيل الله وعزيمة السلوك وطواف بيت القلب، والوقوف في عرفة العرفان، والسعي من صفوة الصفا ومروة المروة، وقيل: الأهلة للزاهدين مواقيت أورادهم، وللصديقين مواقيت مراقباتهم، والغالب على الأولين القيام بظواهر الشريعة، وعلى الآخرين القيام بأحكام الحقيقة، فإن تجلى عليهم بوصف الجلال طاشوا، وإن تجلى عليهم بوصف الجمال عاشوا، فهو بين جلال، وجمال، وخضوع، ودلال، نفعنا الله تعالى بهم، وأفاض علينا من بركاتهم. {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} أخرج ابن جرير، والبخاري، عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل الله {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ} الآية، وكأنهم كانوا يتحرجون من الدخول من الباب من أجل سقف الباب أن يحول بينهم وبين السماء كما صرح به الزهري في رواية ابن جرير/ عنه ـ ويعدون فعلهم ذلك براً ـ فبين لهم أنه ليس ببر {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ} أي ـ بر من اتقى ـ المحارم والشهوات، أو لكن ذا البر أو البار من اتقى والظاهر أن جملة النفي معطوفة على مقول ـ قل ـ فلا بد من الجامع بينهما فأما أن يقال: إنهم سألوا عن الأمرين كيف ما اتفق، فجمع بينهما في الجواب بناءاً على الاجتماع الاتفاقي في السؤال، والأمر الثاني: مقدر إلا أنه ترك ذكره إيجازاً واكتفاءاً بدلالة الجواب عليه، وإيذاناً بأن هذا الأمر مما لا ينبغي أن يقع فيحتاج إلى السؤال عنه، أو يقال: إن السؤال واقع عن الأهلة فقط وهذا مستعمل إما على الحقيقة مذكور للاستطراد حيث ذكر ـ مواقيت الحج ـ والمذكور أيضاً من أفعالهم فيه إلا الخمس، أو للتنبيه على أن اللائق بحالهم أن يسألوا عن أمثال هذا الأمر، ولا يتعرضوا بما لا يهمهم عن أمر الأهلة وإما على سبيل الاستعارة التمثيلية بأن يكون قد شبه حالهم في سؤالهم عما لا يهم، وترك المهم بحال من ترك الباب وأتى من غير الطريق للتنبيه على تعكيسهم الأمر في هذا السؤال، فالمعنى: وليس البر بأن تعكسوا مسائلكم ولكن البر من اتقى ذلك ولم يجترئ على مثله، وجوز أن يكون العطف على قوله سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ} والجامع بينهما أن الأول: قول لا ينبغي، والثاني: فعل لا ينبغي وقعا من الأنصار على ما تحكيه بعض الروايات. {وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰبِهَا} إذ ليس في العدول براً وباشروا الأمور عن وجوهها، والجملة عطف على {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ} إما لأنه في تأويل ـ لا تأتوا البيوت من ظهورها ـ أو لكونه مقول القول، وعطف الإنشاء على الإخبار جائز فيما له محل من الإعراب سيما بعد القول، وقرأ ابن كثير وكثير بكسر باء البيوت حيثما وقع {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في تغيير أحكامه ـ كإتيان البيوت من أبوابها ـ والسؤال عما لا يعني، ومن الحكم والمصالح المودعة في مصنوعاته تعالى بعد العلم بأنه أتقن كل شيء، أو في جميع أموركم. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي لكي تفوزوا بالمطلوب من الهدى والبر، فإن من اتقى الله تعالى تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه؛ وانكشفت له دقائق الأسرار حسب تقواه.

سيد قطب

تفسير : هذا الدرس - كسابقه - استطراد في بيان فرائض هذه الأمة وتكاليفها، ونظم حياتها، وأحكام شريعتها فيما بينها، وشريعتها مع غيرها من الأمم حولها. ويتضمن هذا الدرس بياناً عن الأهلة - جمع هلال - كما يتضمن تصحيحاً لعادة جاهلية وهي إتيان البيوت من ظهورها بدلاً من أبوابها في مناسبات معينة، ثم بياناً عن أحكام القتال عامة، وأحكام القتال في الأشهر الحرم، وعند المسجد الحرام خاصة. وفي النهاية بياناً لشعائر الحج والعمرة كما أقرها الإسلام وهذبها، وعدل فيها كل ما يمت إلى التصورات الجاهلية. وهكذا نرى هنا - كما رأينا في الدرس السابق - أحكاماً تتعلق بالتصور والاعتقاد، وأحكاماً تتعلق بالشعائر التعبدية، وأحكاماً تتعلق بالقتال.. كلها تتجمع في نطاق واحد، وكلها يعقب عليها تعقيبات تذكر بالله وتقواه. في موضوع إتيان البيوت من ظهورها يجيء تعقيب يصحح معنى البر، وأنه ليس في الحركة الظاهرة إنما هو في التقوى: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها، ولكنَّ البر من اتقى، وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون}.. وفي القتال بصفة عامة يوجههم إلى عدم الاعتداء، ويربط هذا بحب الله وكرهه. {إن الله لا يحب المعتدين}.. وفي القتال في الشهر الحرام يعقب بتقوى الله: {واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين}.. وفي الإنفاق يعقب بحب الله للمحسنين: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}.. وفي التعقيب على بعض شعائر الحج يقول: {واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب}.. وفي التعقيب الآخر على بيان مواقيت الحج والنهي عن الرفث فيه والفسوق والجدال يقول: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب}.. وحتى في توجيه الناس لذكر الله بعد الحج يجيء التعقيب: {واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون}.. وهكذا نجد هذه الأمور المتعددة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً، ناشئاً من طبيعة هذا الدين، الذي لا تنفصل فيه الشعائر التعبدية، عن المشاعر القلبية، عن التشريعات التنظيمية، ولا يستقيم إلا بأن يشمل أمور الدنيا وأمور الآخرة، وشؤون القلب وشؤون العلاقات الاجتماعية والدولية، وإلا أن يشرف على الحياة كلها، فيصرفها وفق تصور واحد متكامل، ومنهج واحد متناسق، ونظام واحد شامل، وأداة واحدة هي هذا النظام الخاص الذي يقوم على شريعة الله في كافة الشؤون. وهناك ظاهرة في هذه السورة تطالعنا منذ هذا القطاع. تطالعنا في صورة مواقف يسأل فيها المسلمون نبيهم - صلى الله عليه وسلم - عن شؤون شتى، هي الشؤون التي تصادفهم في حياتهم الجديدة، ويريدون أن يعرفوا كيف يسلكون فيها وفق تصورهم الجديد، ووفق نظامهم الجديد. وعن الظواهر التي تلفت حسهم الذي استيقظ تجاه الكون الذي يعيشون فيه.. فهم يسألون عن الأهلة.. ما شأنها؟ ما بال القمر يبدو هلالاً، ثم يكبر حتى يستدير بدراً، ثم يأخذ في التناقص حتى يرتد هلالاً، ثم يختفي ليظهر هلالاً من جديد؟ ويسألون ماذا ينفقون؟ من أي نوع من مالهم ينفقون؟ وأي قدر وأية نسبة مما يملكون؟ ويسألون عن القتال في الشهر الحرام وعند المسجد الحرام. هل يجوز؟ ويسألون عن الخمر والميسر ما حكمهما؟ وقد كانوا أهل خمر في الجاهلية وأهل ميسر! ويسألون عن المحيض؟ وعلاقتهم بنسائهم في فترته. ثم يسألون عن أشياء في أخص علاقاتهم بأزواجهم، وأحيانا تسأل فيها الزوجات أنفسهن. وقد وردت أسئلة أخرى في موضوعات متنوعة في سور أخرى من القرآن أيضاً.. وهذه الأسئلة ذات دلالات شتى: فهي أولاً دليل على تفتح وحيوية ونمو في صور الحياة وعلاقاتها، وبروز أوضاع جديدة في المجتمع الذي جعل يأخذ شخصيته الخاصة، ويتعلق به الأفراد تعلقاً وثيقاً؛ فلم يعودوا أولئك الأفراد المبعثرين، ولا تلك القبائل المتناثرة. إنما عادوا أمة لها كيان، ولها نظام، ولها وضع يشد الجميع إليه؛ ويهم كل فرد فيه أن يعرف خطوطه وارتباطاته.. وهي حالة جديدة أنشأها الإسلام بتصوره ونظامه وقيادته على السواء.. حالة نمو اجتماعي وفكري وشعوري وإنساني بوجه عام. وهي ثانياً دليل على يقظة الحس الديني، وتغلغل العقيدة الجديدة وسيطرتها على النفوس، مما يجعل كل أحد يتحرج أن يأتي أمراً في حياته اليومية قبل أن يستوثق من رأي العقيدة الجديدة فيه، فلم تعد لهم مقررات سابقة في الحياة يرجعون إليها، وقد انخلعت قلوبهم من كل مألوفاتهم في الجاهلية، وفقدوا ثقتهم بها؛ ووقفوا ينتظرون التعليمات الجديدة في كل أمر من أمور الحياة.. وهذه الحالة الشعورية هي الحالة التي ينشئها الإيمان الحق. عندئذ تتجرد النفس من كل مقرراتها السابقة وكل مألوفاتها، وتقف موقف الحذر من كل ما كانت تأتيه في جاهليتها، وتقوم على قدم الاستعداد لتلقي كل توجيه من العقيدة الجديدة، لتصوغ حياتها الجديدة على أساسها، مبرأة من كل شائبة. فإذا تلقت من العقيدة الجديدة توجيهاً يقر بعض جزئيات من مألوفها القديم تلقته جديداً مرتبطاً بالتصور الجديد. إذ ليس من الحتم أن يبطل النظام الجديد، كل جزئية في النظام القديم؛ ولكن من المهم أن ترتبط هذه الجزئيات بأصل التصور الجديد، فتصبح جزءاً منه، داخلاً في كيانه، متناسقاً مع بقية أجزائه.. كما صنع الإسلام بشعائر الحج التي استبقاها. فقد أصبحت تنبثق من التصور الإسلامي، وتقوم على قواعده، وأنبتت علاقتها بالتصورات الجاهلية نهائياً. والدلالة الثالثة تؤخذ من تاريخ هذه الفترة؛ وقيام اليهود في المدينة والمشركين في مكة بين الحين والحين بمحاولة التشكيك في قيمة النظم الإسلامية، وانتهاز كل فرصة للقيام بحملة مضللة على بعض التصرفات والأحداث - كما وقع في سرية عبد الله بن جحش وما قيل من اشتباكها في قتال مع المشركين في الأشهر الحرم - مما كان يستدعي بروز بعض الاستفهامات والإجابة عليها، بما يقطع الطريق على تلك المحاولات؛ ويسكب الطمأنينة واليقين في قلوب المسلمين.. ومعنى هذه الدلالة أن القرآن كان دائماً في المعركة. سواء تلك المعركة الناشئة في القلوب بين تصورات الجاهلية وتصورات الإسلام؛ والمعركة الناشئة في الجو الخارجي بين الجماعة المسلمة وأعدائها الذين يتربصون بها من كل جانب. هذه المعركة كتلك ما تزال قائمة. فالنفس البشرية هي النفس البشرية؛ وأعداء الأمة المسلمة هم أعداؤها.. والقرآن حاضر ولا نجاة للنفس البشرية ولا للأمة المسلمة إلا بإدخال هذا القرآن في المعركة، ليخوضها حية كاملة كما خاضها أول مرة.. وما لم يستيقن المسلمون من هذه الحقيقة فلا فلاح لهم ولا نجاح! وأقل ما تنشئه هذه الحقيقة في النفس.. أن تقبل على هذا القرآن بهذا الفهم وهذا الإدراك وهذا التصور. أن تواجهه وهو يتحرك ويعمل وينشىء التصور الجديد، ويقاوم تصورات الجاهلية، ويدفع عن هذه الأمة، ويقيها العثرات. لا كما يواجهه الناس اليوم نغمات حلوة ترتل، وكلاما جميلا يتلى، وينتهي الأمر.. إنه لأمر غير هذا نزل الله القرآن.. لقد نزله لينشىء حياة كاملة، ويحركها، ويقودها إلى شاطىء الأمان بين الأشواك والعثرات، ومشقات الطريق؛ التي تتناثر فيها الشهوات كما تتناثر فيها العقبات. والله المستعان.. والأن نواجه النصوص القرآنية في هذا الدرس بالتفصيل: {يسألونك عن الأهلة. قل هي مواقيت للناس والحج. وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها، ولكن البر من اتقى. وأتوا البيوت من أبوابها، واتقوا الله لعلكم تفلحون}.. تقول بعض الروايات: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل ذلك السؤال الذي أسلفناه عن الأهلة: ظهورها ونموها وتناقصها.. ما بالها تصنع هذا؟ وتقول بعض الروايات: إنهم قالوا: يا رسول الله لم خلقت الأهلة؟ وقد يكون هذا السؤال في صيغته الأخيرة أقرب إلى طبيعة الجواب. فقال الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {قل: هي مواقيت للناس والحج}.. مواقيت للناس في حلهم وإحرامهم، وفي صومهم وفطرهم، وفي نكاحهم وطلاقهم وعدتهم، وفي معاملاتهم وتجاراتهم وديونهم.. وفي أمور دينهم وأمور دنياهم على سواء. وسواء كان هذا الجواب ردا على السؤال الأول أو على السؤال الثاني، فهو في كلتا الحالتين اتجه إلى واقع حياتهم العملي لا إلى مجرد العلم النظري؛ وحدثهم عن وظيفة الأهلة في واقعهم وفي حياتهم ولم يحدثهم عن الدورة الفلكية للقمر وكيف تتم وهي داخلة في مدلول السؤال: ما بال القمر يبدو هلالاً... إلخ. كذلك لم يحدثهم عن وظيفة القمر في المجموعة الشمسية أو في توازن حركة الأجرام السماوية. وهي داخلة في مضمون السؤال: لماذا خلق الله الأهلة؟ فما هو الإيحاء الذي ينشئه هذا الاتجاه في الإجابة؟ لقد كان القرآن بصدد إنشاء تصور خاص، ونظام خاص، ومجتمع خاص.. كان بصدد إنشاء أمة جديدة في الأرض، ذات دور خاص في قيادة البشرية، لتنشئ نموذجاً معيناً من المجتمعات غير مسبوق؛ ولتعيش حياة نموذجية خاصة غير مسبوقة؛ ولتقر قواعد هذه الحياة في الأرض؛ وتقود إليها الناس. والإجابة "العلمية" عن هذا السؤال ربما كانت تمنح السائلين علماً نظرياً في الفلك؛ إذا هم استطاعوا، بما كان لديهم من معلومات قليلة في ذلك الحين، أن يستوعبوا هذا العلم، ولقد كان ذلك مشكوكا فيه كل الشك، لأن العلم النظري من هذا الطراز في حاجة إلى مقدمات طويلة، كانت تعد بالقياس إلى عقلية العالم كله في ذلك الزمان معضلات. من هنا عدل عن الإجابة التي لم تتهيأ لها البشرية، ولا تفيدها كثيراً في المهمة الأولى التي جاء القرآن من أجلها. وليس مجالها على أية حال هو القرآن. إذ القرآن قد جاء لما هو أكبر من تلك المعلومات الجزئية. ولم يجيء ليكون كتاب علم فلكي أو كيماوي أو طبي.. كما يحاول بعض المتحمسين له أن يلتمسوا فيه هذه العلوم، أو كما يحاول بعض الطاعنين فيه أن يتلمسوا مخالفاته لهذه العلوم! إن كلتا المحاولتين دليل على سوء الإدراك لطبيعة هذا الكتاب ووظيفته ومجال عمله. إن مجاله هو النفس الإنسانية والحياة الإنسانية. وإن وظيفته أن ينشئ تصوراً عاماً للوجود وارتباطه بخالقه، ولوضع الإنسان في هذا الوجود وارتباطه بربه؛ وأن يقيم على أساس هذا التصور نظاما للحياة يسمح للإنسان أن يستخدم كل طاقاته.. ومن بينها طاقته العقلية، التي تقوم هي بعد تنشئتها على استقامة، وإطلاق المجال لها لتعمل - بالبحث العلمي - في الحدود المتاحة للإنسان - وبالتجريب والتطبيق، وتصل إلى ما تصل إليه من نتائج، ليست نهائية ولا مطلقة بطبيعة الحال. إن مادة القرآن التي يعمل فيها هي الإنسان ذاته: تصوره واعتقاده، ومشاعره ومفهوماته، وسلوكه وأعماله، وروابطه وعلاقاته.. أما العلوم المادية، والإبداع في عالم المادة بشتى وسائله وصنوفه، فهي موكولة إلى عقل الإنسان وتجاربه وكشوفه وفروضه ونظرياته. بما أنها أساس خلافته في الأرض، وبما أنه مهيأ لها بطبيعة تكوينه.. والقرآن يصحح له فطرته كي لا تنحرف ولا تفسد، ويصحح له النظام الذي يعيش فيه كي يسمح له باستخدام طاقاته الموهوبة له؛ ويزوده بالتصور العام لطبيعة الكون وارتباطه بخالقه، وتناسق تكوينه، وطبيعة العلاقة القائمة بين أجزائه - وهو أي الإنسان أحد أجزائه - ثم يدع له أن يعمل في إدراك الجزئيات والانتفاع بها في خلافته.. ولا يعطيه تفصيلات لأن معرفة هذه التفصيلات جزء من عمله الذاتي. وإني لأعجب لسذاجة المتحمسين لهذا القرآن، الذين يحاولون أن يضيفوا إليه ما ليس منه، وأن يحملوا عليه ما لم يقصد إليه وأن يستخرجوا منه جزئيات في علوم الطب والكيمياء والفلك وما إليها.. كأنما ليعظموه بهذا ويكبروه! إن القرآن كتاب كامل في موضوعه، وموضوعه أضخم من تلك العلوم كلها.. لأنه هو الإنسان ذاته الذي يكشف هذه المعلومات وينتفع بها.. والبحث والتجريب والتطبيق من خواص العقل في الإنسان. والقرآن يعالج بناء هذا الإنسان نفسه. بناء شخصيته وضميره وعقله وتفكيره. كما يعالج بناء المجتمع الإنساني الذي يسمح لهذا الإنسان بأن يحسن استخدام هذه الطاقات المذخورة فيه. وبعد أن يوجد الإنسان السليم التصور والتفكير والشعور، ويوجد المجتمع الذي يسمح له بالنشاط، يتركه القرآن يبحث ويجرب، ويخطىء ويصيب، في مجال العلم والبحث والتجريب. وقد ضمن له موازين التصور والتدبر والتفكير الصحيح. كذلك لا يجوز أن نعلق الحقائق النهائية التي يذكرها القرآن أحياناً عن الكون في طريقه لإنشاء التصور الصحيح لطبيعة الوجود وارتباطه بخالقه، وطبيعة التناسق بين أجزائه.. لا يجوز أن نعلق هذه الحقائق النهائية التي يذكرها القرآن، بفروض العقل البشري ونظرياته، ولا حتى بما يسميه "حقائق علمية" مما ينتهي إليه بطريق التجربة القاطعة في نظره. إن الحقائق القرآنية حقائق نهائية قاطعة مطلقة. أما ما يصل إليه البحث الإنساني - أياً كانت الأدوات المتاحة له - فهي حقائق غير نهائية ولا قاطعة؛ وهي مقيدة بحدود تجاربه وظروف هذه التجارب وأدواتها.. فمن الخطأ المنهجي - بحكم المنهج العلمي الإنساني ذاته - أن نعلق الحقائق النهائية القرآنية بحقائق غير نهائية. وهي كل ما يصل إليه العلم البشري! هذا بالقياس إلى "الحقائق العلمية".. والأمر أوضح بالقياس إلى النظريات والفروض التي تسمى "علمية". ومن هذه النظريات والفروض كل النظريات الفلكية؛ وكل النظريات الخاصة بنشأة الإنسان وأطواره؛ وكل النظريات الخاصة بنفس الإنسان وسلوكه.. وكل النظريات الخاصة بنشأة المجتمعات وأطوارها.. فهذه كلها ليست "حقائق علمية" حتى بالقياس الإنساني. وإنما هي نظريات وفروض. كل قيمتها أنها تصلح لتفسير أكبر قدر من الظواهر الكونية أو الحيوية أو النفسية أو الاجتماعية. إلى أن يظهر فرض آخر يفسر قدراً أكبر من الظواهر، أو يفسر تلك الظواهر تفسيراً أدق! ومن ثم فهي قابلة دائماً للتغيير والتعديل والنقص والإضافة؛ بل قابلة لأن تنقلب رأساً على عقب، بظهور أداة كشف جديدة، أو بتفسير جديد لمجموعة الملاحظات القديمة! وكل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيرة - أو حتى بحقائق علمية ليست مطلقة كما أسلفنا - تحتوي أولاً على خطأ منهجي أساسي. كما أنها تنطوي على معان ثلاثة كلها لا يليق بجلال القرآن الكريم.. الأولى: هي الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع. ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم. أو الاستدلال له من العلم. على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه، ونهائي في حقائقه. والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس، وكل ما يصل إليه غير نهائي ولا مطلق، لأنه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته، وكلها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة. والثانية: سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته. وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان بناء يتفق - بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبية - مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهي. حتى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله؛ بل يصادقه ويعرف بعض أسراره، ويستخدم بعض نواميسه في خلافته. نواميسه التي تكشف له بالنظر والبحث والتجريب والتطبيق، وفق ما يهديه إليه عقله الموهوب له ليعمل لا ليتسلم المعلومات المادية جاهزة! والثالثة: هي التأويل المستمر - مع التمحل والتكلف - لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر. وكل يوم يجد فيها جديد. وكل أولئك لا يتفق وجلال القرآن، كما أنه يحتوي على خطأ منهجي كما أسلفنا.. ولكن هذا لا يعني ألا ننتفع بما يكشفه العلم من نظريات - ومن حقائق - عن الكون والحياة والإنسان في فهم القرآن.. كلا! إن هذا ليس هو الذي عنينا بذلك البيان. ولقد قال الله سبحانه: {أية : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}.. تفسير : ومن مقتضى هذه الإشارة أن نظل نتدبر كل ما يكشفه العلم في الآفاق وفي الأنفس من آيات الله. وأن نوسع بما يكشفه مدى المدلولات القرآنية في تصورنا. فكيف؟ ودون أن نعلق النصوص القرآنية النهائية المطلقة بمدلولات ليست نهائية ولا مطلقة؟ هنا ينفع المثال: يقول القرآن الكريم مثلاً: {أية : وخلق كل شيء فقدره تقديراً}.. تفسير : ثم تكشف الملاحظات العلمية أن هناك موافقات دقيقة وتناسقات ملحوظة بدقة في هذا الكون.. الأرض بهيئتها هذه وببعد الشمس عنها هذا البعد، وبعد القمر عنها هذا البعد، وحجم الشمس والقمر بالنسبة لحجمها، وبسرعة حركتها هذه، وبميل محورها هذا، وبتكوين سطحها هذا.. وبآلاف من الخصائص.. هي التي تصلح للحياة وتوائمها.. فليس شيء من هذا كله فلتة عارضة ولا مصادفة غير مقصودة.. هذه الملاحظات تفيدنا في توسيع مدلول: {أية : وخلق كل شيء فقدره تقديراً} تفسير : وتعميقه في تصورنا.. فلا بأس من تتبع مثل هذه الملاحظات لتوسيع هذا المدلول وتعميقه.. وهكذا.. هذا جائز ومطلوب.. ولكن الذي لا يجوز ولا يصح علمياً، هذه الأمثلة الأخرى: يقول القرآن الكريم: {أية : خلق الإنسان من سلالة من طين}.. تفسير : ثم توجد نظرية في النشوء والارتقاء لوالاس ودارون تفترض أن الحياة بدأت خلية واحدة، وأن هذه الخلية نشأت في الماء، وأنها تطورت حتى انتهت إلى خلق الإنسان.. فنحمل نحن هذا النص القرآني ونلهث وراء النظرية. لنقول: هذا هو الذي عناه القرآن!! لا.. إن هذه النظرية أولاً ليست نهائية. فقد دخل عليها من التعديل في أقل من قرن من الزمان ما يكاد يغيرها نهائياً. وقد ظهر فيها من النقص المبني على معلومات ناقصة عن وحدات الوراثة التي تحتفظ لكل نوع بخصائصه ولا تسمح بانتقال نوع إلى نوع آخر، ما يكاد يبطلها. وهي معرضة غدا للنقض والبطلان.. بينما الحقيقة القرآنية نهائية. وليس من الضروري أن يكون هذا معناها. فهي تثبت فقط أصل نشأة الإنسان ولا تذكر تفصيلات هذه النشأة. وهي نهائية في النقطة التي تستهدفها وهي أصل النشأة الإنسانية.. وكفى.. ولا زيادة.. ويقول القرآن الكريم: {أية : والشمس تجري لمستقر لها}.. تفسير : فيثبت حقيقة نهائية عن الشمس وهي أنها تجري.. ويقول العلم: إن الشمس تجري بالنسبة لما حولها من النجوم بسرعة قدرت بنحو 12 ميلاً في الثانية. ولكنها في دورانها مع المجرة التي هي واحدة من نجومها تجري جميعاً بسرعة 170 ميلاً في الثانية.. ولكن هذه الملاحظات الفلكية ليست هي عين مدلول الآية القرآنية. إن هذه تعطينا حقيقة نسبية غير نهائية قابلة للتعديل أو البطلان.. أما الآية القرآنية فتعطينا حقيقة نهائية - في أن الشمس تجري - وكفى فلا نعلق هذه بتلك أبداً. ويقول القرآن الكريم: {أية : أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما}.. تفسير : ثم تظهر نظرية تقول: إن الأرض كانت قطعة من الشمس فانفصلت عنها.. فنحمل النص القرآني ونلهث لندرك هذه النظرية العلمية. ونقول هذا ما تعنيه الآية القرآنية! لا.. ليس هذا هو الذي تعنيه! فهذه نظرية ليست نهائية. وهناك عدة نظريات عن نشأة الأرض في مثل مستواها من ناحية الإثبات العلمي! أما الحقيقة القرآنية فهي نهائية ومطلقة. وهي تحدد فقط أن الأرض فصلت عن السماء.. كيف؟ ما هي السماء التي فصلت عنها؟ هذا ما لا تتعرض له الآية.. ومن ثم لا يجوز أن يقال عن أي فرض من الفروض العلمية في هذا الموضوع: إنه المدلول النهائي المطابق للآية! وحسبنا هذا الاستطراد بهذه المناسبة، فقد أردنا به إيضاح المنهج الصحيح في الانتفاع بالكشوف العلمية في توسيع مدلول الآيات القرآنية وتعميقها، دون تعليقها بنظرية خاصة أو بحقيقة علمية خاصة تعليق تطابق وتصديق.. وفرق بين هذا وذاك. ثم نعود إلى النص القرآني: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها. ولكن البر من اتقى، وأتوا البيوت من أبوابها، واتقوا الله لعلكم تفلحون}.. والارتباط بين شطري الآية يبدو أنه هو المناسبة بين أن الأهلة هي مواقيت للناس والحج، وبين عادة جاهلية خاصة بالحج هي التي يشير إليها شطر الآية الثاني.. في الصحيحين - بإسناده - عن البراء - رضي الله عنه - قال: كان الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب البيوت، فجاء رجل منهم فدخل من قبل بابه، فكأنه عير بذلك. فنزلت: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها؛ ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها}.. ورواه أبو داود عن شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال: كانت الأنصار إذا قدموا من سفرهم لم يدخل الرجل من قبل بابه.. فنزلت هذه الآية. وسواء كانت هذه عادتهم في السفر بصفة عامة، أو في الحج بصفة خاصة وهو الأظهر في السياق، فقد كانوا يعتقدون أن هذا هو البر - أي الخير أو الإيمان - فجاء القرآن ليبطل هذا التصور الباطل، وهذا العمل المتكلف الذي لا يستند إلى أصل، ولا يؤدي إلى شيء. وجاء يصحح التصور الإيماني للبر.. فالبر هو التقوى. هو الشعور بالله ورقابته في السر والعلن. وليس شكلية من الشكليات التي لا ترمز إلى شيء من حقيقة الإيمان. ولا تعني أكثر من عادة جاهلية. كذلك أمرهم بأن يأتوا البيوت من أبوابها. وكرر الإشارة إلى التقوى، بوصفها سبيل الفلاح: {وأتوا البيوت من أبوابها، واتقوا الله لعلكم تفلحون}.. وبهذا ربط القلوب بحقيقة إيمانية أصيلة - هي التقوى - وربط هذه الحقيقة برجاء الفلاح المطلق في الدنيا والآخرة؛ وأبطل العادة الجاهلية الفارغة من الرصيد الإيماني، ووجه المؤمنين إلى إدراك نعمة الله عليهم في الأهلة التي جعلها الله مواقيت للناس والحج.. كل ذلك في آية واحدة قصيرة.. بعد ذلك يجيء بيان عن القتال بصفة عامة، وعن القتال عند المسجد الحرام وفي الأشهر الحرم بصفة خاصة، كما تجيء الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله، وهي مرتبطة بالجهاد كل الارتباط: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين، واقتلوهم حيث ثقفتموهم، وأخرجوهم من حيث أخرجوكم. والفتنة أشد من القتل. ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم، كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله؛ فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين. الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص. فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين. وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}.. ورد في بعض الروايات أن هذه الآيات هي أول ما نزل في القتال. نزل قبلها الإذن من الله للمؤمنين الذين يقاتلهم الكفار بأنهم ظلموا. وأحس المؤمنون بأن هذا الإذن هو مقدمة لفرض الجهاد عليهم، وللتمكين لهم في الأرض، كما وعدهم الله في آيات سورة الحج: {أية : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله. ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً. ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور }.. تفسير : ومن ثم كانوا يعرفون لم أُذن لهم بأنهم ظلموا، وأعطيت لهم إشارة الانتصاف من هذا الظلم، بعد أن كانوا مكفوفين عن دفعه وهم في مكة، وقيل لهم: {أية : كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}.. تفسير : وكان هذا الكف لحكمة قدرها الله.. نستطيع أن نحدس بعض أسبابها على سبيل التقدير البشري الذي لا يحصى ولا يستقصى. وأول ما نراه من أسباب هذا الكف، أنه كان يراد أولا تطويع نفوس المؤمنين من العرب للصبر امتثالاً للأمر، وخضوعا للقيادة، وانتظاراً للإذن. وقد كانوا في الجاهلية شديدي الحماسة، يستجيبون لأول ناعق، ولا يصبرون على الضيم.. وبناء الأمة المسلمة التي تنهض بالدور العظيم الذي نيطت به هذه الأمة يقتضي ضبط هذه الصفات النفسية، وتطويعها لقيادة تقدر وتدبر، وتطاع فيما تقدر وتدبر، حتى لو كانت هذه الطاعة على حساب الأعصاب التي تعودت الاندفاع والحماسة والخفة للهيجاء عند أول داع.. ومن ثم استطاع رجال من طراز عمر بن الخطاب في حميته، وحمزة بن عبد المطلب في فتوته، وأمثالهما من أشداء المؤمنين الأوائل أن يصبروا للضيم يصيب الفئة المسلمة؛ وأن يربطوا على أعصابهم في انتظار أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن يخضعوا لأمر القيادة العليا وهي تقول لهم: {أية : كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}.. تفسير : ومن ثم وقع التوازن بين الاندفاع والتروي، والحماسة والتدبر، والحمية والطاعة.. في هذه النفوس التي كانت تعد لأمر عظيم.. والأمر الثاني الذي يلوح لنا من وراء الكف عن القتال في مكة.. هو أن البيئة العربية، كانت بيئة نخوة ونجدة. وقد كان صبر المسلمين على الأذى، وفيهم من يملك رد الصاع صاعين، مما يثير النخوة ويحرك القلوب نحو الإسلام؛ وقد حدث بالفعل عندما أجمعت قريش على مقاطعة بني هاشم في شعب أبي طالب، كي يتخلوا عن حماية الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه عندما اشتد الاضطهاد لبني هاشم، ثارت نفوس نجدة ونخوةً، ومزقت الصحيفة التي تعاهدوا فيها على المقاطعة. وانتهى هذا الحصار تحت تأثير هذا الشعور الذي كانت القيادة الإسلامية في مكة تراعيه في خطة الكف عن المقاومة، فيما يبدو لنا من خلال دراسة السيرة كحركة. ومما يتعلق بهذا الجانب أن القيادة الإسلامية لم تشأ أن تثير حرباً دموية داخل البيوت. فقد كان المسلمون حينذاك فروعاً من البيوت. وكانت هذه البيوت هي التي تؤذي أبناءها وتفتنهم عن دينهم؛ ولم تكن هناك سلطة موحدة هي التي تتولى الإيذاء العام. ولو أذن للمسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم يومذاك، لكان معنى هذا الإذن أن تقوم معركة في كل بيت، وأن يقع دم في كل أسرة.. مما كان يجعل الإسلام - في نظر البيئة العربية - يبدو دعوة تفتت البيوت، وتشعل النار فيها من داخلها.. فأما بعد الهجرة فقد انعزلت الجماعة المسلمة كوحدة مستقلة تواجه سلطة أخرى في مكة، تجند الجيوش وتقود الحملات ضدها.. وهذا وضع متغير عما كان عليه الوضع الفردي في مكة بالنسبة لكل مسلم في داخل أسرته. هذه بعض الأسباب التي تلوح للنظرة البشرية من وراء الحكمة في كف المسلمين في مكة عن دفع الفتنة والأذى. وقد يضاف إليها أن المسلمين إذ ذاك كانوا قلة، وهم محصورون في مكة، وقد يأتي القتل عليهم لو تعرضوا لقتال المشركين، في صورة جماعة ذات قيادة حربية ظاهرة. فشاء الله أن يكثروا، وأن يتحيزوا في قاعدة آمنة، ثم أذن لهم بعد هذا في القتال.. وعلى أية حال فقد سارت أحكام القتال بعد ذلك متدرجة وفق مقتضيات الحركة الإسلامية في الجزيرة (ثم خارج الجزيرة). وهذه الآيات المبكرة في النزول قد تضمنت بعض الأحكام الموافقة لمقتضيات الموقف في بدء المناجزة بين المعسكرين الأساسيين. معسكر الإسلام ومعسكر الشرك. وهي في الوقت ذاته تمثل بعض الأحكام الثابتة في القتال بوجه عام، ولم تعدل من ناحية المبدأ إلا تعديلاً يسيراً في سورة براءة. ولعله يحسن أن نقول كلمة مجملة عن الجهاد في الإسلام، تصلح أساساً لتفسير آيات القتال هنا، وفي المواضع القرآنية الأخرى، قبل مواجهة النصوص القرآنية في هذا الموضع بصفة خاصة: لقد جاءت هذه العقيدة في صورتها الأخيرة التي جاء بها الإسلام؛ لتكون قاعدة للحياة البشرية في الأرض من بعدها، ولتكون منهجاً عاماً للبشرية جميعها؛ ولتقوم الأمة المسلمة بقيادة البشرية في طريق الله وفق هذا المنهج، المنبثق من التصور الكامل الشامل لغاية الوجود كله ولغاية الوجود الإنساني، كما أوضحهما القرآن الكريم، المنزل من عند الله قيادتها إلى هذا الخير الذي لا خير غيره في مناهج الجاهلية جميعاً، ورفعها إلى هذا المستوى الذي لا تبلغه إلا في ظل هذا المنهج، وتمتيعها بهذه النعمة التي لا تعدلها نعمة، والتي تفقد البشرية كل نجاح وكل فلاح حين تحرم منها، ولا يعتدي عليها معتد بأكثر من حرمانها من هذا الخير، والحيلولة بينها وبين ما أراده لها خالقها من الرفعة والنظافة والسعادة والكمال. ومن ثم كان من حق البشرية أن تبلغ إليها الدعوة إلى هذا المنهج الإلهي الشامل، وألا تقف عقبة أو سلطة في وجه التبليغ بأي حال من الأحوال. ثم كان من حق البشرية كذلك أن يترك الناس بعد وصول الدعوة إليهم أحراراً في اعتناق هذا الدين؛ لا تصدهم عن اعتناقه عقبة أو سلطة. فإذا أبى فريق منهم أن يعتنقه بعد البيان، لم يكن له أن يصد الدعوة عن المضي في طريقها. وكان عليه أن يعطي من العهود ما يكفل لها الحرية والاطمئنان؛ وما يضمن للجماعة المسلمة المضي في طريق التبليغ بلا عدوان.. فإذا اعتنقها من هداهم الله إليها كان من حقهم ألا يفتنوا عنها بأي وسيلة من وسائل الفتنة. لا بالأذى ولا بالإغراء. ولا بإقامة أوضاع من شأنها صد الناس عن الهدى وتعويقهم عن الاستجابة. وكان من واجب الجماعة المسلمة أن تدفع عنهم بالقوة من يتعرض لهم بالأذى والفتنة. ضماناً لحرية العقيدة، وكفالة لأمن الذين هداهم الله، وإقراراً لمنهج الله في الحياة، وحماية للبشرية من الحرمان من ذلك الخير العام. وينشأ عن تلك الحقوق الثلاثة واجب آخر على الجماعة المسلمة؛ وهو أن تحطم كل قوة تعترض طريق الدعوة وإبلاغها للناس في حرية، أو تهدد حرية اعتناق العقيدة وتفتن الناس عنها. وأن تظل تجاهد حتى تصبح الفتنة للمؤمنين بالله غير ممكنة لقوة في الأرض، ويكون الدين لله.. لا بمعنى إكراه الناس على الإيمان. ولكن بمعنى استعلاء دين الله في الأرض، بحيث لا يخشى أن يدخل فيه من يريد الدخول؛ ولا يخاف قوة في الأرض تصده عن دين الله أن يبلغه، وأن يستجيب له، وأن يبقى عليه. وبحيث لا يكون في الأرض وضع أو نظام يحجب نور الله وهداه عن أهله ويضلهم عن سبيل الله. بأية وسيلة وبأية أداة. وفي حدود هذه المبادئ العامة كان الجهاد في الإسلام. وكان لهذه الأهداف العليا وحدها، غير متلبسة بأي هدف آخر، ولا بأي شارة أخرى. إنه الجهاد للعقيدة. لحمايتها من الحصار؛ وحمايتها من الفتنة؛ وحماية منهجها وشريعتها في الحياة؛ وإقرار رايتها في الأرض بحيث يرهبها من يهم بالاعتداء عليها قبل الاعتداء؛ وبحيث يلجأ إليها كل راغب فيها لا يخشى قوة أخرى في الأرض تتعرض له أو تمنعه أو تفتنه. وهذا هو الجهاد الوحيد الذي يأمر به الإسلام، ويقره ويثيب عليه؛ ويعتبر الذين يقتلون فيه شهداء؛ والذين يحتملون أعباءه أولياء. وهذه الآيات من سورة البقرة في هذا الدرس كانت تواجه وضع الجماعة المسلمة في المدينة مع مشركي قريش الذين أخرجوا المؤمنين من ديارهم، وآذوهم في دينهم، وفتنوهم في عقيدتهم، وهي - مع هذا - تمثل قاعدة أحكام الجهاد في الإسلام: وتبدأ الآيات بأمر المسلمين بقتال هؤلاء الذين قاتلوهم وما يزالون يقاتلونهم، وبقتال من يقاتلهم في أي وقت وفي أي مكان، ولكن دون اعتداء: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين}.. وفي أول آية من آيات القتال نجد التحديد الحاسم لهدف القتال، والراية التي تخاض تحتها المعركة في وضوح وجلاء: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم}.. إنه القتال لله، لا لأي هدف آخر من الأهداف التي عرفتها البشرية في حروبها الطويلة. القتال في سبيل الله. لا في سبيل الأمجاد والاستعلاء في الأرض، ولا في سبيل المغانم والمكاسب؛ ولا في سبيل الأسواق والخامات؛ ولا في سبيل تسويد طبقة على طبقة أو جنس على جنس.. إنما هو القتال لتلك الأهداف المحددة التي من أجلها شرع الجهاد في الإسلام، القتال لإعلاء كلمة الله في الأرض، وإقرار منهجه في الحياة، وحماية المؤمنين به أن يفتنوا عن دينهم، أو أن يجرفهم الضلال والفساد، وما عدا هذه فهي حرب غير مشروعة في حكم الإسلام، وليس لمن يخوضها أجر عند الله ولا مقام. ومع تحديد الهدف، تحديد المدى.. {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}.. والعدوان يكون بتجاوز المحاربين المعتدين إلى غير المحاربين من الآمنين المسالمين الذين لا يشكلون خطراً على الدعوة الإسلامية ولا على الجماعة المسلمة، كالنساء والأطفال والشيوخ والعباد المنقطعين للعبادة من أهل كل ملة ودين.. كما يكون بتجاوز آداب القتال التي شرعها الإسلام، ووضع بها حداً للشناعات التي عرفتها حروب الجاهليات الغابرة والحاضرة على السواء.. تلك الشناعات التي ينفر منها حس الإسلام، وتأباها تقوى الإسلام. وهذه طائفة من أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ووصايا أصحابه، تكشف عن طبيعة هذه الآداب، التي عرفتها البشرية أول مرة على يد الإسلام: عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "حديث : وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والصبيان"تفسير : .. (أخرجه مالك والشيخان وأبو داود والترمذي). وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه" تفسير : ..(أخرجه الشيخان). وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "حديث : بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن وجدتم فلاناً وفلاناً (رجلين من قريش) فأحرقوهما بالنار فلما أردنا الخروج قال: كنت أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لا يعذب بها إلا الله تعالى فإن وجدتموهما فاقتلوهما"تفسير : ..(أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي). وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : أعفّ الناس قِتلهً أهل الإيمان" تفسير : ..(أخرجه أبو داود). وعن عبد الله بن يزيد الأنصاري - رضي الله عنه - قال: "حديث : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النُّهْبَى والمثلة"تفسير : .. (أخرجه البخاري). وعن ابن يعلى قال غزونا مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فأتى بأربعة أعلاج من العدو، فأمر بهم فقتلوا صبراً بالنبل. فبلغ ذلك أبا أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - فقال: "حديث : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن قتل الصبر. فوالذي نفسي بيده، لو كانت دجاجة ما صَبَرْتُهَا. فبلغ ذلك عبد الرحمن، فأعتق أربع رقاب"تفسير : .. (أخرجه أبو داود). وعن الحارث بن مسلم بن الحارث عن أبيه - رضي الله عنه - "حديث : قال بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سرية؛ فلما بلغنا المغار استحثثت فرسي فسبقت أصحابي؛ فتلقاني أهل الحي بالرنين. فقلت لهم: قولوا: لا إله إلا الله تُحَرَزُوا. فقالوها. فلامني أصحابي، وقالوا حرمتنا الغنيمة! فلما قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبروه بالذي صنعت. فدعاني فحسن لي ما صنعت. ثم قال لي: إن الله تعالى قد كتب لك بكل إنسان منهم كذا وكذا من الأجر"تفسير : ..(أخرجه أبو داود) وعن بريدة قال: "حديث : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر الأمير على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى، وبمن معه من المسلمين خيراً. ثم قال له: اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً" تفسير : ..(أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي). وروى مالك عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال في وصيته لجنده: "ستجدون قوماً زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له، ولا تقتلن امرأة ولا صبياً ولا كبيراً هرماً".. فهذه هي الحرب التي يخوضها الإسلام؛ وهذه هي آدابه فيها؛ وهذه هي أهدافه منها.. وهي تنبثق من ذلك التوجيه القرآني الجليل: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين}.. وقد كان المسلمون يعلمون أنهم لا ينصرون بعددهم - فعددهم قليل - ولا ينصرون بعدتهم وعتادهم - فما معهم منه أقل مما مع أعدائهم - إنما هم ينصرون بإيمانهم وطاعتهم وعون الله لهم. فإذا هم تخلوا عن توجيه الله لهم وتوجيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد تخلوا عن سبب النصر الوحيد الذي يرتكنون إليه. ومن ثم كانت تلك الآداب مرعية حتى مع أعدائهم الذين فتنوهم ومثلوا ببعضهم أشنع التمثيل.. ولما فار الغضب برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بحرق فلان وفلان (رجلين من قريش) عاد فنهى عن حرقهما، لأنه لا يحرق بالنار إلا الله. ثم يمعن السياق في توكيد القتال لهؤلاء الذين قاتلوا المسلمين وفتنوهم في دينهم، وأخرجوهم من ديارهم، والمضي في القتال حتى يقتلوهم على أية حالة، وفي أي مكان وجدوهم. باستثناء المسجد الحرام. إلا أن يبدأ الكفار فيه بالقتال. وإلا أن يدخلوا في دين الله فتكف أيدي المسلمين عنهم، مهما كانوا قد آذوهم من قبل وقاتلوهم وفتنوهم: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم، وأخرجوهم من حيث أخرجوكم - والفتنة أشد من القتل. ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه. فإن قاتلوكم فاقتلوهم. كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم}.. إن الفتنة عن الدين اعتداء على أقدس ما في الحياة الإنسانية. ومن ثم فهي أشد من القتل. أشد من قتل النفس وإزهاق الروح وإعدام الحياة. ويستوي أن تكون هذه الفتنة بالتهديد والأذى الفعلي، أو بإقامة أوضاع فاسدة من شأنها أن تضل الناس وتفسدهم وتبعدهم عن منهج الله، وتزين لهم الكفر به أو الإعراض عنه. وأقرب الأمثلة على هذا هو النظام الشيوعي الذي يحرم تعليم الدين ويبيح تعليم الإلحاد، ويسن تشريعات تبيح المحرمات كالزنا والخمر، ويحسنها للناس بوسائل التوجيه؛ بينما يقبح لهم اتباع الفضائل المشروعة في منهج الله. ويجعل من هذه الأوضاع فروضاً حتمية لا يملك الناس التفلت منها. وهذه النظرة الإسلامية لحرية العقيدة، وإعطاؤها هذه القيمة الكبرى في حياة البشرية.. هي التي تتفق مع طبيعة الإسلام، ونظرته إلى غاية الوجود الإنساني. فغاية الوجود الإنساني هي العبادة (ويدخل في نطاقها كل نشاط خير يتجه به صاحبه إلى الله). وأكرم ما في الإنسان حرية الاعتقاد. فالذي يسلبه هذه الحرية، ويفتنه عن دينه فتنة مباشرة أو بالواسطة، يجني عليه ما لا يجني عليه قاتل حياته. ومن ثم يدفعه بالقتل.. لذلك لم يقل: وقاتلوهم. إنما قال: {واقتلوهم}.. {واقتلوهم حيث ثقفتموهم}.. أي حيث وجدتموهم. في أية حالة كانوا عليها؛ وبأية وسيلة تملكونها - مع مراعاة أدب الإسلام في عدم المثلة أو الحرق بالنار. ولا قتال عند المسجد الحرام، الذي كتب الله له الأمن، وجعل جواره آمناً استجابة لدعوة خليله إبراهيم (عليه السلام) وجعله مثابة يثوب إليها الناس فينالون فيه الأمن والحرمة والسلام.. لا قتال عند المسجد الحرام إلا للكافرين الذين لا يرعون حرمته، فيبدأون بقتال المسلمين عنده. وعند ذلك يقاتلهم المسلمون ولا يكفون عنهم حتى يقتلوهم.. فذلك هو الجزاء اللائق بالكافرين، الذين يفتنون الناس عن دينهم، ولا يرعون حرمة للمسجد الحرام، الذي عاشوا في جواره آمنين. {فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم}.. والانتهاء الذي يستأهل غفران الله ورحمته، هو الانتهاء عن الكفر، لا مجرد الانتهاء عن قتال المسلمين أو فتنتهم عن الدين. فالانتهاء عن قتال المسلمين وفتنتهم قصاراه أن يهادنهم المسلمون. ولكنه لا يؤهل لمغفرة الله ورحمته. فالتلويح بالمغفرة والرحمة هنا يقصد به إطماع الكفار في الإيمان، لينالوا المغفرة والرحمة بعد الكفر والعدوان. وما أعظم الإسلام، وهو يلوح للكفار بالمغفرة والرحمة، ويسقط عنهم القصاص والدية بمجرد دخولهم في الصف المسلم، الذي قتلوا منه وفتنوا، وفعلوا بأهله الأفاعيل!!! وغاية القتال هي ضمانة ألا يفتن الناس عن دين الله، وألا يصرفوا عنه بالقوة أو ما يشبهها كقوة الوضع الذي يعيشون فيه بوجه عام، وتسلط عليهم فيه المغريات والمضللات والمفسدات. وذلك بأن يعز دين الله ويقوى جانبه، ويهابه أعداؤه، فلا يجرؤوا على التعرض للناس بالأذى والفتنة، ولا يخشى أحد يريد الإيمان أن تصده عنه قوة أو أن تلحق به الأذى والفتنة.. والجماعة المسلمة مكلفة إذن أن تظل تقاتل حتى تقضي على هذه القوى المعتدية الظالمة؛ وحتى تصبح الغلبة لدين الله والمنعة: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله. فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين}.. وإذا كان النص - عند نزوله - يواجه قوة المشركين في شبه الجزيرة، وهي التي كانت تفتن الناس، وتمنع أن يكون الدين لله، فإن النص عام الدلالة، مستمر التوجيه. والجهاد ماض إلى يوم القيامة. ففي كل يوم تقوم قوة ظالمة تصد الناس عن الدين، وتحول بينهم وبين سماع الدعوة إلى الله، والاستجابة لها عند الاقتناع، والاحتفاظ بها في أمان. والجماعة المسلمة مكلفة في كل حين أن تحطم هذه القوة الظالمة؛ وتطلق الناس أحراراً من قهرها، يستمعون ويختارون ويهتدون إلى الله. وهذا التكرار في الحديث عن منع الفتنة، بعد تفظيعها واعتبارها أشد من القتل.. هذا التكرار يوحي بأهمية الأمر في اعتبار الإسلام؛ وينشىء مبدأ عظيماً يعني في حقيقته ميلاداً جديداً للإنسان على يد الإسلام. ميلاداً تتقرر فيه قيمة الإنسان بقيمة عقيدته، وتوضع حياته في كفة وعقيدته في كفة، فترجح كفة العقيدة. كذلك يتقرر في هذا المبدأ من هم أعداء "الإنسان".. إنهم أولئك الذين يفتنون مؤمناً عن دينه، ويؤذون مسلماً بسبب إسلامه. أولئك الذين يحرمون البشرية أكبر عنصر للخير ويحولون بينها وبين منهج الله.. وهؤلاء على الجماعة المسلمة أن تقاتلهم، وأن تقتلهم حيث وجدتهم {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}.. وهذا المبدأ العظيم الذي سنه الإسلام في أوائل ما نزل من القرآن عن القتال ما يزال قائماً. وما تزال العقيدة تواجه من يعتدون عليها وعلى أهلها في شتى الصور.. وما يزال الأذي والفتنة تلم بالمؤمنين أفراداً وجماعات وشعوباً كاملة في بعض الأحيان.. وكل من يتعرض للفتنة في دينه والأذى في عقيدته في أية صورة من الصور، وفي أي شكل من الأشكال، مفروض عليه أن يقاتل وأن يقتل؛ وأن يحقق المبدأ العظيم الذي سنه الإسلام، فكان ميلاداً جديداً للإنسان.. فإذا انتهى الظالمون عن ظلمهم؛ وكفوا عن الحيلولة بين الناس وربهم؛ فلا عدوان عليهم - أي لا مناجزة لهم - لأن الجهاد إنما يوجه إلى الظلم والظالمين: {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين}. ويسمى دفع الظالمين ومناجزتهم عدواناً من باب المشاكلة اللفظية. وإلا فهو العدل والقسط ودفع العدوان عن المظلومين. ثم يبين حكم القتال في الأشهر الحرم كما بين حكمه عند المسجد الحرام: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص. فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله، واعلموا أن الله مع المتقين}.. فالذي ينتهك حرمة الشهر الحرام جزاؤه أن يحرم الضمانات التي يكفلها له الشهر الحرام. وقد جعل الله البيت الحرام واحة للأمن والسلام في المكان؛ كما جعل الأشهر الحرم واحة للأمن والسلام في الزمان. تصان فيها الدماء. والحرمات والأموال، ولا يمس فيها حي بسوء. فمن أبى أن يستظل بهذه الواحة وأراد أن يحرم المسلمين منها، فجزاؤه أن يحرم هو منها. والذي ينتهك الحرمات لا تصان حرماته، فالحرمات قصاص.. ومع هذا فإن إباحة الرد والقصاص للمسلمين توضع في حدود لا يعتدونها. فما تباح هذه المقدسات إلا للضرورة وبقدرها: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}.. بلا تجاوز ولا مغالاة.. والمسلمون موكولون في هذا إلى تقواهم. وقد كانوا يعلمون - كما تقدم - أنهم إنما ينصرون بعون الله. فيذكرهم هنا بأن الله مع المتقين. بعد أمرهم بالتقوى.. وفي هذا الضمان كل الضمان.. والجهاد كما يحتاج للرجال يحتاج للمال. ولقد كان المجاهد المسلم يجهز نفسه بعدة القتال، ومركب القتال، وزاد القتال.. لم تكن هناك رواتب يتناولها القادة والجند. إنما كان هناك تطوع بالنفس وتطوع بالمال. وهذا ما تصنعه العقيدة حين تقوم عليها النظم. إنها لا تحتاج حينئذ أن تنفق لتحمي نفسها من أهلها أو من أعدائها، إنما يتقدم الجند ويتقدم القادة متطوعين ينفقون هم عليها! ولكن كثيراً من فقراء المسلمين الراغبين في الجهاد، والذود عن منهج الله وراية العقيدة، لم يكونوا يجدون ما يزودون به أنفسهم، ولا ما يتجهزون به من عدة الحرب ومركب الحرب. وكانوا يجيئون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلبون أن يحملهم إلى ميدان المعركة البعيد، الذي لا يبلغ على الأقدام. فإذا لم يجد ما يحملهم عليه {أية : تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون}.. تفسير : كما حكى عنهم القرآن الكريم. من أجل هذا كثرت التوجيهات القرآنية والنبوية إلى الإنفاق في سبيل الله. الإنفاق لتجهيز الغزاة. وصاحبت الدعوة إلى الجهاد دعوة إلى الإنفاق في معظم المواضع.. وهنا يعد عدم الإنفاق تهلكة ينهى عنها المسلمون: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}.. والإمساك عن الإنفاق في سبيل الله تهلكة للنفس بالشح، وتهلكة للجماعة بالعجز والضعف. وبخاصة في نظام يقوم على التطوع، كما كان يقوم الإسلام. ثم يرتقي بهم من مرتبة الجهاد والإنفاق إلى مرتبة الإحسان: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}.. ومرتبة الإحسان هي عليا المراتب في الإسلام. وهي كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". تفسير : وحين تصل النفس إلى هذه المرتبة، فإنها تفعل الطاعات كلها، وتنتهي عن المعاصي كلها، وتراقب الله في الصغيرة والكبيرة، وفي السر والعلن على السواء. وهذا هو التعقيب الذي ينهي آيات القتال والإنفاق، فيكل النفس في أمر الجهاد إلى الإحسان. أعلى مراتب الإيمان.. بعد ذلك يجيء الحديث عن الحج والعمرة وشعائرهما. والتسلسل في السياق واضح بين الحديث عن الأهلة وأنها مواقيت للناس والحج؛ والحديث عن القتال في الأشهر الحرم وعن المسجد الحرام ; والحديث عن الحج والعمرة وشعائرهما في نهاية الدرس نفسه. {وأتموا الحج والعمرة لله. فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي. ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله. فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك. فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة، ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب.. الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج. وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقون يا أولي الألباب.. ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم. فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين. ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله، إن الله غفور رحيم.. فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً. فمن الناس من يقول: ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق. ومنهم من يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. وقنا عذاب النار. أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب.. واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى، واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون}.. وليس لدينا تاريخ محدد لنزول آيات الحج هذه إلا رواية تذكر أن قوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} نزلت في الحديبية سنة ست من الهجرة. كذلك ليس لدينا تاريخ مقطوع به لفرضية الحج في الإسلام. سواء على الرأي الذي يقول بأنه فرض بآية: {وأتموا الحج والعمرة لله}.. أو بآية {أية : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً}تفسير : .. الواردة في سورة آل عمران. فهذه كتلك ليس لدينا عن وقت نزولها رواية قطعية الثبوت. وقد ذكر الإمام ابن قيم الجوزية في كتاب: "زاد المعاد" أن الحج فرض في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة؛ ارتكاناً منه إلى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حج حجة الوداع في السنة العاشرة؛ وأنه أدى الفريضة عقب فرضها إما في السنة التاسعة أو العاشرة.. ولكن هذا لا يصلح سنداً. فقد تكون هناك اعتبارات أخرى هي التي جعلت الرسول - صلى الله عليه وسلم - يؤخر حجه إلى السنة العاشرة. وبخاصة إذا لاحظنا أنه أرسل أبا بكر - رضي الله عنه - أميراً على الحج في السنة التاسعة. وقد ورد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من غزوة تبوك هم بالحج؛ ثم تذكر أن المشركين يحضرون موسم الحج على عادتهم، وأن بعضهم يطوفون بالبيت عراة، فكره مخالطتهم.. ثم نزلت براءة، فأرسل - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - يبلغ مطلع براءة للناس، وينهي بها عهود المشركين، ويعلن يوم النحر إذا اجتمع الناس بمنى: "أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن كان له عهد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو إلى مدته".. ومن ثم لم يحج - صلى الله عليه وسلم - حتى تطهر البيت من المشركين ومن العرايا.. وهناك ما يستأنس به على أن فريضة الحج وشعائره قد أقرها الإسلام قبل هذا. وقد ورد أن الفريضة كتبت في مكة قبل الهجرة. ولكن هذا القول قد لا يجد سنداً قوياً. إلا أن آيات سورة الحج المكية - على الأرجح - ذكرت معظم شعائر الحج، بوصفها الشعائر التي أمر الله إبراهيم بها. وقد ورد فيها: {أية : وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً، وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود، وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. ثم ليقضوا تفثهم، وليوفوا نذورهم، وليطوفوا بالبيت العتيق}.. {أية : ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، لكم فيها منافع إلى أجل مسمى، ثم محلها إلى البيت العتيق}.. {أية : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صوافّ. فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها، وأطعموا القانع والمعتر. كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون. لن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم، وبشر المحسنين }.. تفسير : وقد ذكر في هذه الآيات أو أشير إلى الهدي والنحر والطواف والإحلال من الإحرام وذكر اسم الله. وهي شعائر الحج الأساسية. وكان الخطاب موجهاً إلى الأمة المسلمة موصولة بسيرة أبيهم إبراهيم. مما يشير إلى فرضية الحج في وقت مبكر، باعتباره شعيرة إبراهيم الذي إليه ينتسب المسلمون. فإذا كانت قد وجدت عقبات من الصراع بين المسلمين والمشركين - وهم سدنة الكعبة إذ ذاك - جعلت أداء الفريضة متعذراً بعض الوقت، فذلك اعتبار آخر. وقد رجحنا في أوائل هذا الجزء أن بعض المسلمين كانوا يؤدون الفريضة أفراداً في وقت مبكر؛ بعد تحويل القبلة في السنة الثانية من الهجرة. وعلى أية حال فحسبنا هذا عن تاريخ فرض الحج، لنواجه الآيات الواردة هنا عن شعائره، وعن التوجيهات الكثيرة في ثناياها. {وأتموا الحج والعمرة لله - فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي - ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله. فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك. فإذا أمنتم: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم - تلك عشرة كاملة. ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب}.. وأول ما يلاحظ في بناء الآية هو تلك الدقة التعبيرية في معرض التشريع، وتقسيم الفقرات في الآية لتستقل كل فقرة ببيان الحكم الذي تستهدفه. ومجيء الاستدراكات على كل حكم قبل الانتقال إلى الحكم التالي.. ثم ربط هذا كله في النهاية بالتقوى ومخافة الله.. والفقرة الأولى في الآية تتضمن الأمر بإتمام أعمال الحج والعمرة إطلاقاً متى بدأ الحاج أو المعتمر فأهلّ بعمرة أو بحج أو بهما معاً؛ وتجريد التوجه بهما لله: {وأتموا الحج والعمرة لله}.. وقد فهم بعض المفسرين من هذا الأمر أنه إنشاء لفريضة الحج. وفهم بعضهم أنه الأمر بإتمامه متى بدىء - وهذا هو الأظهر - فالعمرة ليست فريضة عند الجميع ومع هذا ورد الأمر هنا بإتمامها كالحج. مما يدل على أن المقصود هو الأمر بالإتمام لا إنشاء الفريضة بهذا النص. ويؤخذ من هذا الأمر كذلك أن العمرة - ولو أنها ابتداء ليست واجبة - إلا أنه متى أهل بها المعتمر فإن إتمامها يصبح واجباً. والعمرة كالحج في شعائرها ما عدا الوقوف بعرفة. والأشهر أنها تؤدى على مدار العام. وليست موقوتة بأشهر معلومات كالحج. ويستدرك من هذا الأمر العام بإتمام الحج والعمرة حالة الإحصار. من عدو يمنع الحاج والمعتمر من إكمال الشعائر - وهذا متفق عليه - أو من مرض ونحوه يمنع من إتمام أعمال الحج والعمرة - واختلفوا في تفسير الإحصار بالمرض والراجح صحته -: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي}.. وفي هذه الحالة ينحر الحاج أو المعتمر ما تيسر له من الهدي ويحل من إحرامه في موضعه الذي بلغه. ولو كان لم يصل بعد إلى المسجد الحرام ولم يفعل من شعائر الحج والعمرة إلا الإحرام عند الميقات (وهو المكان الذي يهل منه الحاج أو المعتمر بالحج أو العمرة أو بهما معاً، ويترك لبس المخيط من الثياب، ويحرم عليه حلق شعره أو تقصيره أو قص أظافره كما يحرم عليه صيد البر وأكله...) وهذا ما حدث في الحديبية عندما حال المشركون بين النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المسلمين دون الوصول إلى المسجد الحرام، سنة ست من الهجرة؛ ثم عقدوا معه صلح الحديبية، على أن يعتمر في العام القادم. فقد ورد أن هذه الآية نزلت؛ وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر المسلمين الذين معه أن ينحروا في الموضع الذي بلغوا إليه ويحلوا من إحرامهم فتلبثوا في تنفيذ الأمر، وشق على نفوسهم أن يحلوا قبل أن يبلغ الهدي محله - أي مكانه الذي ينحر فيه عادة - حتى نحر النبي - صلى الله عليه وسلم - هديه أمامهم وأحل من إحرامه.. ففعلوا.. وما استيسر من الهدي، أي ما تيسر، والهدي من النعم، وهي الإبل والبقر والغنم والمعز، ويجوز أن يشترك عدد من الحجاج في بدنة أي ناقة أو بقرة، كما اشترك كل سبعة في بدنة في عمرة الحديبية، فيكون هذا هو ما استيسر؛ ويجوز أن يهدي الواحد واحدة من الضأن أو المعز فتجزىء. والحكمة من هذا الاستدراك في حالة الإحصار بالعدو كما وقع في عام الحديبية، أو الإحصار بالمرض، هي التيسير، فالغرض الأول من الشعائر هو استجاشة مشاعر التقوى والقرب من الله، والقيام بالطاعات المفروضة. فإذا تم هذا، ثم وقف العدو أو المرض أو ما يشبهه في الطريق فلا يحرم الحاج أو المعتمر أجر حجته أو عمرته. ويعتبر كأنه قد أتم. فينحر ما معه من الهدى ويحل. وهذا التيسير هو الذي يتفق مع روح الإسلام وغاية الشعائر وهدف العبادة. وبعد هذا الاستدراك من الأمر الأول العام، يعود السياق فينشىء حكماً جديداً عاماً من أحكام الحج والعمرة. {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله}.. وهذا في حالة الإتمام وعدم وجود الإحصار. فلا يجوز حلق الرؤوس - وهو إشارة إلى الإحلال من الإحرام بالحج أو العمرة أو منهما معاً - إلا بعد أن يبلغ الهدي محله. وهو مكان نحره. بعد الوقوف بعرفة، والإفاضة منها. والنحر يكون في منى في اليوم العاشر من ذي الحجة، وعندئذ يحل المحرم. أما قبل بلوغ الهدي محله فلا حلق ولا تقصير ولا إحلال. واستدراكاً من هذا الحكم العام يجيء هذا الاستثناء: {فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}.. ففي حالة ما إذا كان هناك مرض يقتضي حلق الرأس، أو كان به أذى من الهوام التي تتكون في الشعر حين يطول ولا يمشط، فالإسلام دين اليسر والواقع يبيح للمحرم أن يحلق شعره، - قبل أن يبلغ الهدي الذي ساقه عند الإحرام محله، وقبل أن يكمل أفعال الحج - وذلك في مقابل فدية: صيام ثلاثة أيام، أو صدقة بإطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة والتصدق بها. وهذا التحديد لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - قال البخاري - بإسناده إلى كعب بن عجرة - قال: "حديث : حملت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والقمل يتناثر على وجهي. فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا. أما تجد شاة؟ قلت: لا. قال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام، وأحلق رأسك ".. تفسير : ثم يعود إلى حكم جديد عام في الحج والعمرة: {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي}.. أي فإذا لم تحصروا، وتمكنتم من أداء الشعائر، فمن أراد التمتع بالعمرة إلى الحج فلينحر ما استيسر من الهدي.. وتفصيل هذا الحكم: أن المسلم قد يخرج للعمرة فيهل محرماً عند الميقات. حتى إذا فرغ من العمرة - وهي تتم بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة - أحرم للحج وانتظر أيامه. وهذا إذا كان في أشهر الحج، وهي شوال وذو القعدة والعشرة الأولى من ذي الحجة.. هذه صورة من صور التمتع بالحج إلى العمرة. والصورة الثانية هي أن يحرم من الميقات بعمرة وحج معاً. فإذا قضى مناسك العمرة انتظر حتى يأتي موعد الحج. وهذه هي الصورة الثانية للتمتع - وفي أي من الحالتين على المعتمر المتمتع أن ينحر ما استيسر من الهدي بعد العمرة ليحل منها؛ ويتمتع بالإحلال ما بين قضائه للعمرة وقضائه للحج. وما استيسر يشمل المستطاع من الأنعام سواء الإبل والبقر أو الغنم والمعز. فإذا لم يجد ما استيسر من الهدي فهناك فدية: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم. تلك عشرة كاملة}.. والأولى أن يصوم الأيام الثلاثة الأولى قبل الوقوف بعرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة. أما الأيام السبعة الباقية فيصومها بعد عودته من الحج إلى بلده.. {تلك عشرة كاملة}.. ينص عليها نصاً للتوكيد وزيادة البيان.. ولعل حكمة الهدي أو الصوم هي استمرار صلة القلب بالله، فيما بين العمرة والحج، فلا يكون الإحلال بينهما مخرجاً للشعور عن جو الحج، وجو الرقابة، وجو التحرج، الذي يلازم القلوب في هذه الفريضة.. ولما كان أهل الحرم عماره المقيمين فيه لا عمرة لهم.. إنما هو الحج وحده.. لم يكن لهم تمتع، ولا إحلال بين العمرة والحج. ومن ثم فليس عليهم فدية ولا صوم بطبيعة الحال: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام}.. وعند هذا المقطع من بيان أحكام الحج والعمرة يقف السياق ليعقب تعقيباً قرآنياً، يشد به القلوب إلى الله وتقواه: {واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب}.. وهذه الأحكام ضمان القيام بها هو هذه التقوى، وهي مخافة الله، وخشية عقابه. والإحرام بصاحبه تحرج. فإذا أباح لهم الإحلال فترة أقام تقوى الله وخشيته في الضمير، تستجيش فيه هذا التحرج، وتقوم بالحراسة في انتباه! ثم يمضي في بيان أحكام الحج خاصة؛ فيبين مواعيده، وآدابه، وينتهي في هذا المقطع الجديد إلى التقوى كما انتهى إليها في المقطع الأول سواء: {الحج أشهر معلومات. فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج. وما تفعلوا من خير يعلمه الله. وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقون يا أولي الألباب}.. وظاهر النص أن للحج وقتاً معلوماً، وأن وقته أشهر معلومات.. هي شوال وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة.. وعلى هذا لا يصح الإحرام بالحج إلا في هذه الأشهر المعلومات وإن كان بعض المذاهب يعتبر الإحرام به صحيحاً على مدار السنة، ويخصص هذه الأشهر المعلومات لأداء شعائر الحج في مواعيدها المعروفة. وقد ذهب إلى هذا الرأي الأئمة: مالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل. وهو مروي عن إبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد وذهب إلى الرأي الأول الإمام الشافعي وهو مروي عن بن عباس وجابر وعطاء وطاووس ومجاهد. وهو الأظهر. فمن فرض الحج في هذه الأشهر المعلومات - أي أوجب على نفسه إتمامه بالإحرام - {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}.. والرفث هنا ذكر الجماع ودواعيه إما إطلاقاً وإما في حضرة النساء. والجدال: المناقشة والمشادة حتى يغضب الرجل صاحبه. والفسوق: إتيان المعاصي كبرت أم صغرت.. والنهي عنها ينتهي إلى ترك كل ما ينافي حالة التحرج والتجرد لله في هذه الفترة، والارتفاع على دواعي الأرض، والرياضة الروحية على التعلق بالله دون سواه، والتأدب الواجب في بيته الحرام لمن قصد إليه متجرداً حتى من مخيط الثياب! وبعد النهي عن فعل القبيح يحبب إليهم فعل الجميل: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله}.. ويكفي في حس المؤمن أن يتذكر أن الله يعلم ما يفعله من خير ويطلع عليه، ليكون هذا حافزا على فعل الخير، ليراه الله منه ويعلمه.. وهذا وحده جزاء.. قبل الجزاء.. ثم يدعوهم إلى التزود في رحلة الحج.. زاد الجسد وزاد الروح.. فقد ورد أن جماعة من أهل اليمن كانوا يخرجون من ديارهم للحج ليس معهم زاد، يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا! وهذا القول - فوق مخالفته لطبيعة الإسلام التي تأمر باتخاذ العدة الواقعية في الوقت الذي يتوجه فيه القلب إلى الله ويعتمد عليه كل الاعتماد - يحمل كذلك رائحة عدم التحرج في جانب الحديث عن الله، ورائحة الامتنان على الله بأنهم يحجون بيته فعليه أن يطعمهم!! ومن ثم جاء التوجيه إلى الزاد بنوعيه، مع الإيحاء بالتقوى في تعبير عام دائم الإيحاء: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى. واتقون يا أولي الألباب}.. والتقوى زاد القلوب والأرواح. منه تقتات. وبه تتقوى وترف وتشرق. وعليه تستند في الوصول والنجاة. وأولوا الألباب هم أول من يدرك التوجيه إلى التقوى، وخير من ينتفع بهذا الزاد. ثم يمضي في بيان أحكام الحج وشعائره، فيبين حكم مزاولة التجارة أو العمل بأجر بالنسبة للحاج. وحكم الإفاضة ومكانها. وما يجب من الذكر والاستغفار بعدها: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم. فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين. ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله، إن الله غفور رحيم}.. قال البخاري - بإسناده - عن ابن عباس. قال كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية. فتأثموا أن يتجروا في الموسم. فنزلت: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} في مواسم الحج. وروى أبو داود - بإسناده من طريق آخر - إلى ابن عباس. قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، يقولون: أيام ذكر. فأنزل الله: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم}.. وفي رواية عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا نُكري. فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون بالمعروف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قال: قلنا: بلى. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم}. وفي رواية عن أبي صالح مولى عمر (رواها ابن جرير) قال: قلت: يا أمير المؤمنين. كنتم تتجرون في الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج؟ وهذا التحرج الذي تذكره الروايتان الأوليان من التجارة، والتحرج الذي تذكره الرواية الثالثة عن الكراء أو العمل بأجر في الحج.. هو طرف من ذلك التحرج الذي أنشأه الإسلام في النفوس من كل ما كان سائغاً في الجاهلية، وانتظار رأي الإسلام فيه قبل الإقدام عليه. وهي الحالة التي تحدثنا عنها في أوائل هذا الجزء، عند الكلام عن التحرج من الطواف بالصفا والمروة. وقد نزلت إباحة البيع والشراء والكراء في الحج، وسماها القرآن ابتغاء من فضل الله: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم}.. ليشعر من يزاولها أنه يبتغي من فضل الله حين يتجر وحين يعمل بأجر وحين يطلب أسباب الرزق: إنه لا يرزق نفسه بعمله. إنما هو يطلب من فضل الله، فيعطيه الله. فأحرى ألا ينسى هذه الحقيقة؛ وهي أنه يبتغي من فضل الله، وأنه ينال من هذا الفضل حين يكسب وحين يقبض وحين يحصل على رزقه من وراء الأسباب التي يتخذها للارتزاق. ومتى استقر هذا الإحساس في قلبه، وهو يبتغي الرزق، فهو إذن في حالة عبادة لله، لا تتنافى مع عبادة الحج، في الاتجاه إلى الله.. ومتى ضمن الإسلام هذه المشاعر في قلب المؤمن أطلقه يعمل وينشط كما يشاء.. وكل حركة منه عبادة في هذا المقام. لهذا يجعل الحديث عن طلب الرزق جزءاً من آية تتحدث عن بقية شعائر الحج، فتذكر الإفاضة والذكر عند المشعر الحرام: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام. واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين}.. والوقوف بعرفة عمدة أفعال الحج.. روى أصحاب السنن بإسناد صحيح عن الثوري عن بكير، عن عطاء، عن عبد الرحمن بن معمر الديلمي. قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"حديث : الحج عرفات - ثلاثاً - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك. وأيام منى ثلاثة. فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه ".. تفسير : ووقت الوقوف بعرفة من الزوال (الظهر) يوم عرفة - وهو اليوم التاسع من ذي الحجة - إلى طلوع الفجر من يوم النحر.. وهناك قول ذهب إليه الإمام أحمد، وهو أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة. استناداً إلى حديث رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي. عن الشعبي عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبل طيء. أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه. فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : من شهد صلاتنا هذه فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه ". تفسير : وقد سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للوقوف هذا الوقت - على أي القولين - ومد وقت الوقوف بعرفة إلى فجر يوم النحر - وهو العاشر من ذي الحجة - ليخالف هدي المشركين في وقوفهم بها.. روى ابن مردويه والحاكم في المستدرك كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي - بإسناده - عن المسور ابن مخرمة قال: "حديث : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بعرفات. فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد - وكان إذا خطب خطبة قال أما بعد - فإن هذا اليوم الحج الأكبر. ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس، إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس، مخالفاً هدينا هدي أهل الشرك ".. تفسير : والذي ورد عن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه دفع بعد غروب شمس يوم عرفة، وقد جاء في حديث جابر بن عبد الله - في صحيح مسلم - "حديث : فلم يزل واقفاً - يعني بعرفة - حتى غربت الشمس وبدت الصفرة قليلاً، حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس، السكينة السكينة كلما اتى جبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد. حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً. ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام. فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع قبل أن تطلع الشمس ".. تفسير : وهذا الذي فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي تشير إليه الآية: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام. واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين}.. والمشعر الحرام هو المزدلفة. والقرآن هنا يأمر بذكر الله عنده بعد الإفاضة من عرفات. ثم يذكر المسلمين بأن هذا الذكر من هداية الله لهم؛ وهو مظهر الشكر على هذه الهداية. ويذكرهم بما كان من أمرهم قبل أن يهديهم: {وإن كنتم من قبله لمن الضالين}.. والجماعة المسلمة الأولى كانت تدرك حق الإدراك مدى وعمق هذه الحقيقة في حياتها.. لقد كانت قريبة عهد بما كان العرب فيه من ضلال.. ضلال في التصور، مظهره عبادة الأصنام والجن والملائكة، ونسبة بنوة الملائكة إلى الله، ونسبة الصهر إلى الله مع الجن.. إلى آخر هذه التصورات السخيفة المتهافتة المضطربة، التي كانت تنشئ بدورها اضطراباً في العبادات والشعائر والسلوك: من تحريم بعض الأنعام ظهورها أو لحومها بلا مبرر إلا تصور علاقات بينها وبين شتى الآلهة. ومن نذر بعض أولادهم للآلهة وإشراك الجن فيها. ومن عادات جاهلية شتى لا سند لها إلا هذا الركام من التصورات الاعتقادية المضطربة.. وضلال في الحياة الاجتماعية والأخلاقية.. تمثله تلك الفوارق الطبقية التي تشير الآية التالية في السياق: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس}. إلى إزالتها كما سيجيء. وتمثله تلك الحروب والمشاحنات القبلية التي لم تكن تجعل من العرب أمة يحسب لها حساب في العالم الدولي. وتمثله تلك الفوضى الخلقية في العلاقات الجنسية، والعلاقات الزوجية، وعلاقات الأسرة بصفة عامة. وتمثله تلك المظالم التي يزاولها الأقوياء ضد الضعاف في المجتمع بلا ميزان ثابت يفيء إليه الجميع.. وتمثلها حياة العرب بصفة عامة ووضعهم الإنساني المتخلف الذي لم يرفعهم منه إلا الإسلام. وحين كانوا يسمعون: { واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين}.. كانت ولا شك تتواكب على خيالهم وذاكرتهم ومشاعرهم صور حياتهم الضالة الزرية الهابطة التي كانت تطبع تاريخهم كله؛ ثم يتلفتون على أنفسهم ليروا مكانهم الجديد الذي رفعهم إليه الإسلام، والذي هداهم الله إليه بهذا الدين، فيدركون عمق هذه الحقيقة وأصالتها في وجودهم كله بلا جدال.. وهذه الحقيقة ما تزال قائمة بالقياس إلى المسلمين من كل أمة ومن كل جيل.. من هم بغير الإسلام؟ وما هم بغير هذه العقيدة؟ إنهم حين يهتدون إلى الإسلام، وحين يصبح المنهج الإسلامي حقيقة في حياتهم ينتقلون من طور وضيع صغير ضال مضطرب إلى طور آخر رفيع عظيم مهتد مستقيم. ولا يدركون هذه النقلة إلا حين يصبحون مسلمين حقاً، أي حين يقيمون حياتهم كلها على النهج الإسلامي.. وإن البشرية كلها لتتيه في جاهلية عمياء ما لم تهتد إلى هذا النهج المهتدي.. لا يدرك هذه الحقيقة إلا من يعيش في الجاهلية البشرية التي تعج بها الأرض في كل مكان، ثم يحيا بعد ذلك بالتصور الإسلامي الرفيع للحياة، ويدرك حقيقة المنهج الإسلامي الشامخة على كل ما حولها من مقاذر ومستنقعات وأوحال! وحين يطل الإنسان من قمة التصور الإسلامي، والمنهج الإسلامي على البشرية كلها في جميع تصوراتها، وجميع مناهجها، وجميع نظمها - بما في ذلك تصورات أكبر فلاسفتها قديماً وحديثاً، ومذاهب أكبر مفكريها قديماً وحديثاً - حين يطل الإنسان من تلك القمة الشامخة يدركه العجب من انشغال هذه البشرية بما هي فيه من عبث، ومن عنت، ومن شقوة، ومن ضآلة، ومن اضطراب لا يصنعه بنفسه عاقل يدعي - فيما يدعي - أنه لم يعد في حاجة إلى إله! أو لم يعد على الأقل - كما يزعم - في حاجة لاتباع شريعة إله ومنهج إله! فهذا هو الذي يذكر الله به المسلمين، وهو يمتن عليهم بنعمته الكبرى: {واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين}.. والحج هو مؤتمر المسلمين الجامع، الذي يتلاقون فيه مجردين من كل آصرة سوى آصرة الإسلام، متجردين من كل سمة إلا سمة الإسلام، عرايا من كل شيء إلا من ثوب غير مخيط يستر العورة، ولا يميز فرداً عن فرد، ولا قبيلة عن قبيلة، ولا جنساً عن جنس.. إن عقدة الإسلام هي وحدها العقدة، ونسب الإسلام هو وحده النسب، وصبغة الإسلام هي وحدها الصبغة. وقد كانت قريش في الجاهلية تسمي نفسها "الحمس" جمع أحمس، ويتخذون لأنفسهم امتيازات تفرقهم عن سائر العرب. ومن هذه الامتيازات أنهم لا يقفون مع سائر الناس في عرفات، ولا يفيضون - أي يرجعون - من حيث يفيض الناس. فجاءهم هذا الأمر ليردهم إلى المساواة التي أرادها الإسلام، وإلى الاندماج الذي يلغي هذه الفوارق المصطنعة بين الناس: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله، إن الله غفور رحيم}.. قال البخاري: حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: "كان قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وسائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها. فذلك قوله: من حيث أفاض الناس".. قفوا معهم حيث وقفوا، وانصرفوا معهم حيث انصرفوا.. إن الإسلام لا يعرف نسباً، ولا يعرف طبقة. إن الناس كلهم أمة واحدة. سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى. ولقد كلفهم الإسلام أن يتجردوا في الحج من كل ما يميزهم من الثياب، ليلتقوا في بيت الله إخوانا متساوين. فلا يتجردوا من الثياب، ليتخايلوا بالأنساب.. ودعوا عنكم عصبية الجاهلية، وادخلوا في صبغة الإسلام.. واستغفروا الله.. استغفروه من تلك الكبرة الجاهلية. واستغفروه من كل ما مس الحج من مخالفات ولو يسيرة هجست في النفس، أو نطق بها اللسان. مما نهى عنه من الرفث والفسوق والجدال. وهكذا يقيم الإسلام سلوك المسلمين في الحج، على أساس من التصور الذي هدى البشرية إليه. أساس المساواة، وأساس الأمة الواحدة التي لا تفرقها طبقة، ولا يفرقها جنس، ولا تفرقها لغة، ولا تفرقها سمة من سمات الأرض جميعاً.. وهكذا يردهم إلى استغفار الله من كل ما يخالف عن هذا التصور النظيف الرفيع.. {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً. فمن الناس من يقول: ربنا آتنا في الدنيا، وماله في الآخرة من خلاق. ومنهم من يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. أولئك لهم نصيب مما كسبوا، والله سريع الحساب}.. ولقد سبق أنهم كانوا يأتون أسواق عكاظ ومجنة وذي المجاز.. وهذه الأسواق لم تكن أسواق بيع وشراء فحسب؛ إنما كانت كذلك أسواق كلام ومفاخرات بالآباء، ومعاظمات بالأنساب.. ذلك حين لم يكن للعرب من الإهتمامات الكبيرة ما يشغلهم عن هذه المفاخرات والمعاظمات! لم تكن لهم رسالة إنسانية بعد ينفقون فيها طاقة القول وطاقة العمل. فرسالتهم الإنسانية الوحيدة هي التي ناطهم بها الإسلام. فأما قبل الإسلام وبدون الإسلام فلا رسالة لهم في الأرض، ولا ذكر لهم في السماء.. ومن ثم كانوا ينفقون أيام عكاظ ومجنة وذي المجاز في تلك الاهتمامات الفارغة. في المفاخرة بالأنساب وفي التعاظم بالآباء.. فأما الآن وقد أصبحت لهم بالإسلام رسالة ضخمة، وأنشأ لهم الإسلام تصوراً جديداً، بعد أن أنشأهم نشأة جديدة.. أما الآن فيوجههم القرآن لما هو خير، يوجههم إلى ذكر الله بعد قضاء مناسك الحج، بدلاً من ذكر الآباء: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً}.. وقوله لهم: {كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً}.. لا يفيد أن يذكروا الآباء مع الله، ولكنه يحمل طابع التنديد، ويوحي بالتوجيه إلى الأجدر والأولى.. يقول لهم: إنكم تذكرون آباءكم حيث لا يجوز أن تذكروا إلا الله. فاستبدلوا هذا بذاك. بل كونوا أشد ذكراً لله وأنتم خرجتم إليه متجردين من الثياب، فتجردوا كذلك من الأنساب.. ويقول لهم: إن ذكر الله هو الذي يرفع العباد حقاً وليس هو التفاخر بالآباء. فالميزان الجديد للقيم البشرية هو ميزان التقوى. ميزان الاتصال بالله وذكره وتقواه. ثم يزن لهم بهذا الميزان، ويريهم مقادير الناس ومآلاتهم بهذا الميزان: {فمن الناس من يقول: ربنا آتنا في الدنيا، وما له في الآخرة من خلاق، ومنهم من يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.. أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب}.. إن هناك فريقين. فريقاً همه الدنيا، فهو حريص عليها، مشغول بها. وقد كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف في الحج فيقولون: اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولادٍ حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئاً.. وورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن الآية نزلت في هذا الفريق من الناس.. ولكن مدلول الآية أعم وأدوم.. فهذا نموذج من الناس مكرور في الأجيال والبقاع. النموذج الذي همه الدنيا وحدها. يذكرها حتى حين يتوجه إلى الله بالدعاء؛ لأنها هي التي تشغله، وتملأ فراغ نفسه، وتحيط عالمه وتغلقه عليه.. هؤلاء قد يعطيهم الله نصيبهم في الدنيا - إذا قدر العطاء - ولا نصيب لهم في الآخرة على الإطلاق! وفريقا أفسح أفقاً، وأكبر نفساً، لأنه موصول بالله، يريد الحسنة في الدنيا ولكنه لا ينسى نصيبه في الآخرة فهو يقول: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}.. إنهم يطلبون من الله الحسنة في الدارين. ولا يحددون نوع الحسنة - بل يدعون اختيارها لله، والله يختار لهم ما يراه حسنة وهم باختياره لهم راضون.. وهؤلاء لهم نصيب مضمون لا يبطئ عليهم. فالله سريع الحساب. إن هذا التعليم الإلهي يحدد: لمن يكون الاتجاه. ويقرر أنه من اتجه إلى الله وأسلم له أمره، وترك لله الخيرة، ورضي بما يختاره له الله، فلن تفوته حسنات الدنيا ولا حسنات الآخرة. ومن جعل همه الدنيا فقد خسر في الآخرة كل نصيب. والأول رابح حتى بالحساب الظاهر. وهو في ميزان الله أربح وأرجح. وقد تضمن دعاؤه خير الدارين في اعتدال، وفي استقامة على التصور الهادئ المتزن الذي ينشئه الإسلام. إن الإسلام لا يريد من المؤمنين أن يدعوا أمر الدنيا. فهم خلقوا للخلافة في هذه الدنيا. ولكنه يريد منهم أن يتجهوا إلى الله في أمرها؛ وألا يضيقوا من آفاقهم، فيجعلوا من الدنيا سوراً يحصرهم فيها.. إنه يريد أن يطلق "الإنسان" من أسوار هذه الأرض الصغيرة؛ فيعمل فيها وهو أكبر منها؛ ويزاول الخلافة وهو متصل بالأفق الأعلى.. ومن ثم تبدو الاهتمامات القاصرة على هذه الأرض ضئيلة هزيلة وحدها حين ينظر إليها الإنسان من قمة التصور الإسلامي.. ثم تنتهي أيام الحج وشعائره ومناسكه بالتوجيه إلى ذكر الله، وإلى تقواه: {واذكروا الله في أيام معدودات. فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى. واتقوا الله، واعلموا أنكم إليه تحشرون}.. أيام الذكر هي في الأرجح يوم عرفة ويوم النحر والتشريق بعده.. قال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق.. وقال عكرمة: {واذكروا الله في أيام معدودات} يعني التكبير في أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات: الله أكبر. الله أكبر. وفي الحديث المتقدم عن عبد الرحمن بن معمر الديلمي: "حديث : وأيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه"تفسير : .. وأيام عرفة والنحر والتشريق. كلها صالحة للذكر. اليومين الأولين منها أو اليومين الأخيرين. بشرط التقوى: ذلك {لمن اتقى}.. ثم يذكرهم بمشهد الحشر بمناسبة مشهد الحج؛ وهو يستجيش في قلوبهم مشاعر التقوى أمام ذلك المشهد المخيف: {واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون}.. وهكذا نجد في هذه الآيات كيف جعل الإسلام الحج فريضة إسلامية؛ وكيف خلعها من جذورها الجاهلية؛ وربطها بعروة الإسلام؛ وشدها إلى محوره؛ وظللها بالتصورات الإسلامية؛ ونقاها من الشوائب والرواسب.. وهذه هي طريقة الإسلام في كل ما رأى أن يستبقيه من عادة أو شعيرة.. إنها لم تعد هي التي كانت في الجاهلية؛ إنما عادت قطعة جديدة متناسقة في الثوب الجديد.. إنها لم تعد تقليداً عربياً إنما عادت عبادة إسلامية. فالإسلام، والإسلام وحده، هو الذي يبقى وهو الذي يُرعى..

ابن عاشور

تفسير : اعتراض بين شرائع الأحكام الراجعة إلى إصلاح النظام، دعا إليه ما حدث من السؤال، فقد روى الواحدي أنها نزلت بسبب أن أحد اليهود سأل أنصارياً عن الأهلة وأحوالها في الدقة إلى أن تصير بدراً ثم تتناقص حتى تختفي فسأل الأنصاري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية، ويظهر أن نزولها متأخر عن نزول آيات فرض الصيام ببضع سنين؛ لأن آية: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها متصلة بها. وسيأتي أن تلك الآية نزلت في عام الحديبية أو عام عمرة القضية. فمناسبة وضعها في هذا الموضع هي توقيت الصيام بحلول شهر رمضان، فكان من المناسبة ذكر المواقيت لإقامة نظام الجامعة الإسلامية على أكمل وجه، ومن كمال النظام ضبط الأوقات، ويظهر أن هذه الآية أيضاً نزلت بعد أن شرع الحج أي بعد فتح مكة، لقوله تعالى: {قل هي مواقيت للناس والحج}. وابتدئت الآية بــــ {يسألونك} لأن هنالك سؤالاً واقعاً عن أمر الأهلة. وجميع الآيات التي افتتحت بــــ {يسألونك} هي متضمنة لأحكام وقع السؤال عنها فيكون موقعها في القرآن مع آيات تناسبها نزلت في وقتها أو قرنت بها. وروي أن الذي سأله عن ذلك معاذ بن جبل وثعلبة بن غنمة الأنصاري فقالا: ما بال الهلال يبدو دقيقاً ثم يزيد حتى يمتلىء ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ، قال العراقي لم أقف لهذا السبب على إسناد. وجمع الضمير في قوله: {يسألونك} مع أن المروي أن الذي سأله رجلان ــــ نظراً لأن المسؤول عنه يهم جميع السامعين أثناء تشريع الأحكام؛ ولأن من تمام ضبط النظام أن يكون المسؤول عنه قد شاع بين الناس واستشرف كثير منهم لمعرفته سواء في ذلك من سأل بالقول ومن سأل في نفسه. وذكر فوائد خلق الأهلة في هذا المقام للإيماء إلى أن الله جعل للحج وقتاً من الأشهر لا يقبل التبديل وذلك تمهيداً لإبطال ما كان في الجاهلية من النسىء في أشهر الحج في بعض السنين. والسؤال: طلب أحدٍ من آخر بذلَ شيء أو إخباراً بخبر، فإذا كان طلب بذل عُدّي فعل السؤال بنفسه وإذا كان طلب إخبار عدي الفعل بحرف «عن» أو ما ينوب منابه. وقد تكررت في هذه السورة آيات مفتتحة بــــ {يسألونك} وهي سبع آيات غير بعيد بعضها عن بعض، جاء بعضها غير معطوف بحرف العطف وهي أربع وبعضها معطوفاً به وهي الثلاث الأواخر منها، وأما غير المفتتحة بحرف العطف فلا حاجة إلى تبيين تجردها عن العاطف؛ لأنها في استئناف أحكام لا مقارنة بينها وبين مضمون الجمل التي قبلها فكانت جديرة بالفصل دون عطف، ولا يتطلب لها سوى المناسبة لمواقعها. وأما الجمل الثلاث الأواخر المفتتحة بالعاطف فكل واحدة منها مشتملة على أحكام لها مزيد اتصال بمضمون ما قبلها فكان السؤال المحكي فيها مما شأنه أن ينشأ عن التي قبلها فكانت حقيقةً بالوصل بحرف العطف كما سيتضح في مواقعها. والسؤال عن الأهلة لا يتعلق بذواتها إذ الذوات لا يسأل إلا عن أحوالها، فيُعلم هنا تقدير وحذف أي عن أحوال الأهلة، فعلى تقدير كون السؤال واقعاً بها غير مفروض فهو يحتمل السؤال عن الحكمة ويحتمل السؤال عن السبب، فإن كان عن الحكمة فالجواب بقوله: {قل هي مواقيت للناس} جار على وفق السؤال، وإلى هذا ذهب صاحب «الكشاف»، ولعل المقصود من السؤال حينئذٍ استثبات كون المراد الشرعي منها موافقاً لما اصطلحوا عليه؛ لأن كونها مواقيت ليس مما يخفى حتى يسأل عنه، فإنه متعارف لهم، فيتعين كون المراد من سؤالهم إن كان واقعاً هو تحقق الموافقة للمقصد الشرعي. وإن كان السؤال عن السبب فالجواب بقوله: {قل هي مواقيت} غير مطابق للسؤال، فيكون إخراجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر بصرف السائل إلى غير ما يتطلب، تنبيهاً على أن ما صرف إليه هو المهم له، لأنهم في مبدأ تشريع جديد والمسؤول هو الرسول عليه الصلاة والسلام وكان المهم لهم أن يسألوه عما ينفعهم في صلاح دنياهم وأخراهم، وهو معرفة كون الأهلة ترتبت عليها آجال المعاملات والعبادات كالحج والصيام والعدة، ولذلك صرفهم عن بيان مسؤولهم إلى بيان فائدة أخرى، لا سيما والرسول لم يجيء مبيناً لعلل اختلاف أحوال الأجرام السماوية، والسائلون ليس لهم من أصول معرفة الهيئة ما يهيئهم إلى فهم ما أرادوا علمه بمجرد البيان اللفظي بل ذلك يستدعى تعليمهم مقدمات لذلك العلم، على أنه لو تعرض صاحب الشريعة لبيانه لبين أشياء من حقائق العلم لم تكن معروفة عندهم ولا تقبلها عقولهم يومئذٍ، ولكان ذلك ذريعة إلى طعن المشركين والمنافقين بتكذيبه، فإنهم قد أسرعوا إلى التكذيب فيما لم يطلعوا على ظواهره كقولهم: { أية : هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذباً أم به جنة } تفسير : [سبأ: 7، 8] وقولهم: { أية : ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلاّ اختلاق } تفسير : [ص: 7] وعليه فيكون هذا الجواب بقوله: {هي مواقيت للناس والحج} تخريجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر كقول الشاعر. أنشده في «المفتاح» ولم ينسبه ولم أقف على قائله ولم أره في غيره: شعر : أتت تشتكي منّي مزاولة القرى وقد رأت الأضياف يَنْحَوْن منزلي فقلت لها لمّا سمعت كلامها هم الضيف جِدِّي في قراهم وعجِّلي تفسير : وإلى هذا نحا صاحب «المفتاح» وكأنه بناه على أنهم لا يظن بهم السؤال عن الحكمة في خلق الأهلة لظهورها، وعلى أن الوارد في قصة معاذ وثعلبة يشعر بأنهما سألا عن السبب إذ قالا: ما بال الهلال يبدو دقيقاً الخ. والأهلة: جمع هلال وهو القمر في أول استقباله الشمس كل شهر قمري في الليلة الأولى والثانية، قيل والثالثة، ومن قال إلى سبع فإنما أراد المجاز، لأنه يشبه الهلال، ويطلق الهلال على القمر ليلة ست وعشرين وسبع وعشرين لأنه في قدر الهلال في أول الشهر، وإنما سمي الهلال هلالاً لأن الناس إذا رأوه رفعوا أصواتهم بالإخبار عنه ينادي بعضهم بعْضاً لذلك، وإن هَلَّ وأهَلَّ بمعنى رفع صوته كما تقدم في قوله تعالى: { أية : وما أهل به لغير الله } تفسير : [البقرة: 173]. وقوله: {مواقيت للناس} أي مواقيت لما يُوقَّت من أعمالهم فاللام للعلة أي لفائدة الناس وهو على تقدير مضاف أي لأعمال الناس، ولم تذكر الأعمال الموقَّتة بالأهلة ليشمل الكلام كل عمل محتاج إلى التوقيت، وعطف الحج على الناس مع اعتبار المضاف المحذوف من عطف الخاص على العام للاهتمام به واحتياج الحج للتوقيت ضروري؛ إذ لو لم يوقّت لجاء الناس للحج متخالفين فلم يحصل المقصود من اجتماعهم ولم يجدوا ما يحتاجون إليه في أسفارهم وحلولهم بمكة وأسواقها؛ بخلاف الصلاة فليست موقتة بالأهلة، وبخلاف الصوم فإن توقيته بالهلال تكميلي له؛ لأنه عبادة مقصورة على الذات فلو جاء بها المنفرد لحصل المقصد الشرعي ولكن شُرع فيه توحيد الوقت ليكون أخف على المكلفين، فإن الصعب يخف بالاجتماع وليكون حالهم في تلك المدة متماثلاً فلا يشق أحد على آخر في اختلاف أوقات الأكل والنوم ونحوهما. والمواقيت جمع ميقات والميقات جاء بوزن اسم الآلة من وقَّت وسمى العرب به الوقت، وكذلك سُمي الشهر شهراً مشتقاً من الشهرة، لأن الذي يرى هلال الشهر يشهره لدى الناس. وسمى العرب الوقت المعيَّن ميقاتاً كأنه مبالغة وإلاّ فهو الوقت عينه. وقيل: الميقات أخص من الوقت، لأنه وقت قُدّر فيه عمل من الأعمال، قلت: فعليه يكون صوغه بصيغة اسم الآلة اعتباراً بأن ذلك العمل المعيَّن يكون وسيلة لتحديد الوقت فكأنه آلة للضبط والاقتصار على الحج دون العمرة لأن العمرة لا وقت لها فلا تكون للأهلة فائدة في فعلها. ومجيء ذكر الحج في هاته الآية، وهي من أول ما نزل بالمدينة، ولم يكن المسلمون يستطيعون الحج حينئذٍ لأن المشركين يمنعونهم ــــ إشارة إلى أن وجوب الحج ثابت ولكن المشركين حالوا دون المسلمين ودونه. وسيأتي عند قوله تعالى: { أية : ولله على الناس حج البيت } تفسير : في [سورة آل عمران: 97] وعند قوله: { أية : الحج أشهر معلومات } تفسير : [البقرة: 197] في هذه السورة. معطوفة على {يسألونك} وليست معطوفة على جملة {هي مواقيت} لأنّه لم يكن مما سألوا عنه حتى يكون مقولاً للمجيب. ومناسبة هذه الجملة للتي قبلها أن سبب نزولها كان موالياً أو مقارناً لسبب نزول الآية التي قبلها وأن مضمون كلتا الجملتين كان مثار تردد وإشكال عليهم من شأنه أن يسأل عنه، فكانوا إذا أحرموا بالحج أو العمرة من بلادهم جعلوا من أحكام الإحرام ألا يدخل المحرم بيته من بابه أو لا يدخل تحت سقف يحول بينه وبين السماء، وكان المحرمون إذا أرادوا أخذ شيء من بيوتهم تسنَّموا على ظهور البيوت أو اتخذوا نقباً في ظهور البيوت إن كانوا من أهل المدر، وإن كانوا من أهل الخيام دخلوا من خلف الخيمة، وكان الأنصار يدينون بذلك، وأما الحُمس فلم يكونوا يفعلون هذا، والحمس جمع أحمس والأحمس المتشدد بأمر الدين لا يخالفه، وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجُشم وبنو نصر ابن معاوية ومدلج وعَدوان وعَضْل وبنو الحارث بن عبد مناة، وبنو عامر بن صعصعة وكلهم من سكان مكة وحرمها ما عدا بني عامر بن صعصعة فإنهم تحمسوا لأن أمهم قرشية. ومعنى نفي البر عن هذا نفي أن يكون مشروعاً أو من الحنيفية، وإنما لم يكن مشروعاً لأنه غلو في أفعال الحج، فإن الحج وإن اشتمل على أفعال راجعة إلى ترك الترفه عن البدن كترك المخيط وترك تغطية الرأس إلاّ أنه لم يكن المقصد من تشريعه إعنات الناس بل إظهار التجرد وترك الترفه، ولهذا لم يكن الحمس يفعلون، ذلك لأنهم أقرب إلى دين إبراهيم، فالنفي في قوله: {وليس البر} نفي جنس البر عن هذا الفعل بخلاف قوله المتقدم { أية : ليس البر أن تولوا وجوهكم } تفسير : [البقرة: 177] والقرينة هنا هي قوله: {وأتوا البيوت من أبوابها} ولم يقل هنالك: واستقبلوا أية جهة شئتم، والمقصود من الآيتين إظهار البر العظيم وهو ما ذكر بعد حرف الاستدراك في الآيتين بقطع النظر عما نفي عنه البر، وهذا هو مناط الشبه والافتراق بين الآيتين. روى الواحدي في «أسباب النزول» حديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ عام الحديبية من المدينة وأنه دخل بيتاً وأن أحداً من الأنصار، قيل: اسمه قطبة بن عامر وقيل: رفاعة بن تابوت. كان دخل ذلك البيت من بابه اقتداء برسول الله فقاله له النبي - صلى الله عليه وسلم - لم دخلت وأنْتَ قد أحرمت؟ فقال له الأنصاري: دخلت أنت فدخلت بدخولك فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - إني أحمس فقال له الأنصاري: وأنا ديني دينك رضيت بهديك تفسير : فنزلت الآية، فظاهر هذه الروايات أن الرسول نهى غير الحُمس عن ترك ما كانوا يفعلونه حتى نزلت الآية في إبطاله، وفي «تفسير ابن جرير وابن عطية» عن السدي ما يخالف ذلك وهوحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل باباً وهو محرم وكان معه رجل من أهل الحجاز فوقف الرجل وقال: إني أحمس فقال له الرسول - عليه الصلاة والسلام -: وأنا أحمستفسير : فنزلت الآية، فهذه الرواية تقتضي أن النبي أعلن إبطال دخول البيوت من ظهورها. وأن الحمس هم الذين كانوا يدخلون البيوت من ظهورها، وأقول: الصحيح من ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال: كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها فجاء رجل فدخل من بابه فكأنَّه عبّر بذلك فنزلت هذه الآية، ورواية السدي وهَم، وليس في الصحيح ما يقتضي أن رسول الله أمر بذلك ولا يظن أن يكون ذلك منه، وسياق الآية ينافيه. وقوله: {ولكن البر من اتقى} القول فيه كالقول في قوله تعالى: { أية : ولكن البر من ءامن بالله واليوم الآخر } تفسير : [البقرة: 177]. و{اتقى} فعل منزل منزلة اللازم؛ لأن المراد به من اتصف بالتقوى الشرعية بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات. وُجر {بأن تأتوا} بالباء الزائدة لتأكيد النفي بلَيْس، ومقتضى تأكيد النفي أنهم كانوا يظنون أن هذا المنفي من البر ظناً قوياً فلذلك كانَ مقتضى حالهم أن يؤكَّد نفيُ هذا الظن. وقوله: {وأْتوا البيوت من أبوابها} معطوف على جملة {وليس البر} عطف الإنشاء على الخبر الذي هو في معنى الإنشاء؛ لأن قوله: {ليس البر} في معنى النهي عن ذلك فكان كعطف أمر على نهي. وهذه الآية يتعين أن تكون نزلت في سنة خمس حين أزمع النبي - صلى الله عليه وسلم - الخروج إلى العمرة في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة والظاهر أن رسول الله نوى أن يحج بالمسلمين إن لم يصده المشركون، فيحتمل أنها نزلت في ذي القعدة أو قبله بقليل. وقرأ الجمهور «البيوت» في الموضعين في الآية بكسر الباء على خلاف صيغة جمع فَعْل على فُعول فهي كسرةٌ لمناسبة وقوع الياء التحتية بعد حركة الضم للتخفيف كما قرأوا { أية : عيون } تفسير : [الحجر: 45]. وقرأه أبو عمرو وورش عن نافع وحفص عن عاصم وأبو جعفر بضم الباء على أصل صيغة الجمع مع عدم الاعتداد ببعض الثقل؛ لأنه لا يبلغ مبلغ الثقل الموجب لتغيير الحركة، قال ابن العربي في «العواصم»: والذي أَختاره لنفسي إذا قرأتُ أكسر الحروف المنسوبة إلى قالون إلاّ الهمزة فإني أتركه أصلاً إلاّ فيما يحيل المعنى أو يلبسه ولا أكسر باء بيوت ولا عَين عيون، وأطال بما في بعضه نظر، وهذا اختيار لنفسه بترجيح بعض القراءات المشهورة على بعض. وقد تقدم خلاف القراء في نصب {البر} من قوله: { أية : ليس البر } تفسير : [البقرة: 177] وفي تشديد نون {لكن} من قوله: {ولكن البر}. وقوله واتقوا الله لعلكم تفلحون} أي تظفَرون بمطلبكم من البر: فإن البر في اتباع الشرع فلا تفعلوا شيئاً إلا إذا كان فيه مرضاة الله ولا تتبعوا خطوات المبتدعين الذين زادوا في الحج ما ليس من شرع إبراهيم. وقد قيل في تفسير الآية وجوه واحتمالات أخرى كلها بعيدة: فقيل إن قوله {وليس البر} مثل ضربه الله لما كانوا يأتونه من النسيء قاله أبو مسلم وفيه بعد حقيقة ومجازاً ومعنى؛ لأن الآيات خطاب للمسلمين وهم الذين سألوا عن الأهلة، والنسيء من أحوال أهل الجاهلية، ولأنه يئول إلى استعارة غير رشيقة، وقيل: مثل ضرب لسؤالهم عن الأهلة من لا يعلم وأمرهم بتفويض العلم إلى الله وهو بعيد جداً لحصول الجواب من قبل، وقيل: كانوا ينذرون إذا تعسر عليهم مطلوبهم ألاّ يدخلوا بيوتهم من أبوابها فنهوا عن ذلك وهذا بعيدٌ معنى، لأن الكلام مع المسلمين وهم لا يفعلون ذلك، وسَنَداً، إذ لم يروِ أحد أن هذا سبب النزول.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ}. لم يصرح هنا بالمراد بمن اتقى، ولكنه بينه بقوله: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} تفسير : [البقرة: 177]، والكلام في الآية على حذف مضاف، أي ولكن ذا البر من اتقى، وقيل: ولكن البر بر من اتقى، ونظير الآية في ذلك من كلام العرب قول الخنساء: شعر : لا تسأم الدهر منه كلما ذكرت فإنما هي إقبال وإدبار تفسير : أي ذات إقبالٍ، وقول الشاعر: شعر : وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب تفسير : أي كخلالة أبي مرحب، وقول الآخر: شعر : لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ولكنما الفتيان كل فتى ندى تفسير : أي ليس الفتيان فتيان نبات اللحى.

الواحدي

تفسير : {يسألونك عن الأهلَّة} يسأل معاذ بن جبلٍ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن زيادة القمر ونقصانه، فأنزل الله تعالى: {يسألونك عن الأهلة} وهي جمع هلال {قل هي مواقيت للناس والحج} أخبر الله عنه أنَّ الحكمة في زيادته ونقصانه زوال الالتباس عن أوقات النَّاس في حجِّهم ومَحِلِّ دُيونِهم، وعِدَدِ نسائهم، وأجور أُجرائهم، ومُدَد حواملهم، وغير ذلك {وليس البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها} كان الرَّجل في الجاهليَّة إذا أحرم نقب من بيته نقباً من مؤخره يدخل فيه ويخرج، فأمرهم الله بترك سنَّة الجاهليَّة، وأعلمهم أنَّ ذلك ليس ببرٍّ {ولكن البرَّ} برُّ {من اتقى} مخالفةَ الله {وأتوا البيوت من أبوابها...} الآية. {وقاتلوا في سبيل الله...} الآية. نزلت هذه الآية في صلح الحديبية، وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا انصرف من الحديبية إلى المدينة المنورة حين صدَّه المشركون عن البيت، صالحهم على أن يرجع عامة القابل ويُخَلُّوا له مكَّة ثلاثة أيَّام، فلمَّا كان العام القابل تجهزَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريشٌ وأن يصدُّوهم عن البيت ويقاتلوهم، وكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم في الشَّهر الحرام في الحرم، فأنزل الله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله} أَيْ: في دين الله وطاعته {الذين يقاتلونكم} يعني: قريشاً {ولا تعتدوا} ولا تظلموا فتبدؤوا في الحرم بالقتال. {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} وجدتموهم وأخذتموهم {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} يعني: من مكَّة {والفتنة أشدّ من القتل} يعني: وشركُهم بالله تعالى أعظمُ من قتلكم إيَّاهم في الحرم {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} نُهوا عن ابتدائهم بقتلٍ أو قتالٍ حتى يبتدىء المشركون {فإن قاتلوكم فاقتلوهم} أَيْ: إن ابتدؤوا بقتالكم عند المسجد الحرام فلكم القتال على سبيل المكافأة، ثم بيَّن أنهم إن انتهوا، أَيْ: كفُّوا عن الشِّرك والكفر والقتال وأسلموا {فإنَّ الله غفور رحيم} أَيْ: يغفر لهم كفرهم وقتالهم من قبل، وهو منعمٌ عليهم بقبول توبتهم وإيمانهم بعد كفرهم وقتالهم. {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} أَيْ: شركٌ. يعني: قاتلوهم حتى يُسلموا، وليس يُقبل من المشرك الوثنيِّ جزيةٌ {ويكون الدين} أَيْ: الطَّاعة والعبادة {لله} وحده فلا يُعبد دونه شيءٌ {فإن انتهوا} عن الكفر {فلا عدوان} أَيْ: فلا قتل ولا نهب {إلاَّ على الظالمين} والكافرين. {الشهر الحرام بالشهر الحرام} أَيْ: إن قاتلوكم في الشَّهر الحرام فقاتلوهم في مثله {والحرمات قصاص} أَي: إن انتهكوا لكم حرمةً فانتهكوا منهم مثل ذلك، أَعلمَ الله سبحانه أنَّه لا يكون للمسلمين أنْ ينتهكوها على سبيل الابتداء، ولكن على سبيل القصاص، وهو معنى قوله: {فمن اعتدى عليكم...} الآية. {وأنفقوا في سبيل الله} في طاعة الله تعالى من الجهاد وغيره {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ولا تُمسكوا عن الإِنفاق في الجهاد {وأحسنوا} أَيْ: الظنَّ بالله تعالى في الثَّواب والإِخلاف عليكم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 189- ويسألك قوم عن الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يكتمل ويستوى، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ، ولا يكون على حالة واحدة كالشمس. فما وراء هذا التغير، حتى صار فى كل شهر هلال وصارت هناك أهلة؟. فقل لهم: إن لتكرار هذه الأهلة واختلاف نموها حِكَماً ومصالح دينية ودنيوية، فهى أمارات تحدد أوقات المعاملات فى معاشكم، وتعيِّن أوقات الحج الذى هو من أركان دينكم، ولو استقر الهلال على حاله كالشمس ما استقام لكم توقيت معاشكم وحجكم، وليس جهلكم بحكمة اختلاف الهلال مدعاة للشك فى حكمة الخالق، وليس من البر أن تأتوا البيوت من ظهورها، متميزين بذلك عن الناس، ولكن البر هو تقوى القلوب وإخلاصها وأن تأتوا البيوت من أبوابها كما يأتى كل الناس، وأن تطلبوا الحق والدليل المستقيم، فاطلبوا رضا الله، واتقوا عذابه، وارجوا بذلك فَلاَحَكُمْ وفوزكم ونجاتكم من عذاب النار. 190- ومن تقوى الله تحمل المشاق فى طاعته، وأشد المشاق على النفس هو قتال أعداء الله ولكن إذا اعتدى عليكم فقاتلوا المعتدين، وقد أذن لكم برد اعتداءاتهم، ولكن لا تعتدوا بمبادأتهم أو بقتل من لا يقاتل ولا رأى له فى القتال فإن الله لا يحب المعتدين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الأهلة: جمع هلال وهو القمر في بداية ظهوره في الثلاثة الأيام الأولى من الشهر لأن الناس إذا رأوه رفعوا أصواتهم الهلال الهلال. المواقيت: جمع ميقات: الوقت المحدد المعلوم للناس. إتيان البيوت من ظهورها: أن يتسور الجدار ويدخل البيت تحاشياً أن يدخل من الباب. ولكن البرّ من اتقى: البر الموصل إلى رضوان الله برّ عبد اتقى الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه فليس البر دخول البيوت من ظهورها. الفلاح: الفوز وهو النجاة من النار ودخول الجنة. معنى الآية الكريمة: روي أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلين: ما بال الهلال يبدو دقيقاً، ثم يزيد حتى يعظم ويصبح بدراً، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما كان أول بدئه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: هي مواقيت للناس وعلّة بدءها صغيرة ثم تتكامل ثم تنقص حتى المحاق هي أن يعرف الناس بها مواقيتهم التي يؤقتونها لأعمالهم فبوجود القمر على هذه الأحوال تعرف عدة النساء ونعرف الشهور فنعرف رمضان ونعرف شهر الحج ووقته، كما نعرف آجال العقود في البيع والإِيجار، وسداد الديون وما إلى ذلك. وكان الأنصار في الجاهلية إذا أحرم أحدهم بحج أو عمرة وخرج من بيته وأراد أن يدخل لغرض خاص لا يدخل من الباب حتى لا يظله نجف الباب فيتسور الجدار ويدخل من ظهر البيت لا من بابه وكانوا يرون هذا طاعة وبراً فأبطل الله تعالى هذا التعبد الجاهلي بقوله عز وجل: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ}. بر أهل التقوى والصلاح. وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها فقال: {وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}، وأمرهم بتقواه عز وجل ليفلحوا في الدنيا والآخرة. فقال {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. هداية الآية الكريمة: من هداية الآية: 1- أن يسأل المرء عما ينفعه ويترك السؤال عما لا يعنيه. 2- فائدة الشهور القمرية عظيمة إذ بها تعرف كثير من العبادات. 3- حرمة الابتداع في الدين ولو كان برغبة في طاعة الله تعالى وحصول الأجر. 4- الأمر بالتقوى المفضية إلى فلاح العبد ونجاته في الدارين.

القطان

تفسير : استقر المؤمنون في المدينة، وبدأ الناس يسألون عن أمور شتى تهمّهم في دينهم ودنياهم، وهذا سؤال من هذه الأسئلة، يرد في مجتمع جديد متطلع الى المعرفة. وكان من جملة السائلين معاذ بن جبل وثعلبة بن غنيم، وكان سؤالهم: ما بال الهلال يبدو دقيقا كالخيط ثم يزيد حتى يستوي ويعظم ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدِق حتى يعود كما بدأ؟ فأجابهم الله تعالى اجابة مختصرة مفيدة لهم في حياتهم وتعاملهم: ان الأهلة أمارات وتوقيت يعرف بها الناس الشهور والسنين، ويعلمون أوقات زراعتهم وتجارتهم وعباداتهم كالحج، والصيام. لقد اكتفى بهذا الجواب المختصر لأنه أقرب الى فهمهم وهم اذ ذاك أمة أمية لا دراية لها بعلم الفلك ولا الفضاء. ثم أردف ذلك بقوله تعالى: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا}. وهذه اشارة الى أن الأنصار كانوا إذا حجّوا فجاؤوا لم يدخلوا بيوتهم من قبل ابوابها بل من ظهورها. فجاء رجل منهم وخالف العادة فعُيِّر بذلك. فأبطل الله هذه العادة، وأمرهم ان يدخلوا البيوت من أبوابها دائما وفي كل الأحوال. ثم بين لهم ان البر الحقيقي هو الابتعاد عن المعاصي والتحلي بالفضائل واتّباع الحق وعمل الخير. القراءات: قرأ ابو عمرو وورش وحفص "ليس البر" بضم الباء، وقرأ الباقون "البر" بكسر الباء، وقرأ نافع وابن عامر "ولكن البر" بتخفيف لكن ورفع البر.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ} {مَوَاقِيتُ} {أَبْوَابِهَا} (189) - سَأَلَ بَعْضُ المُسْلِمينَ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم عَنِ اخْتِلافِ الهِلاَلِ: يَكُونُ صَغِيراً فَيَكْبُرُ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَصْغُرُ. فَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ. وَفِيهَا يُجِيبُهُمُ اللهُ تَعَالَى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الحِكْمَةِ فِي اخْتِلافِ الأَهِلَّةِ وَفَائِدَتِهِ، فَأَجِبْهُمْ: بِأَنَّهَا مَعَالِمُ للنَّاسِ، يُوَقِّتُونَ بِهَا أُمُورَ دُنْيَاهُمْ، فَيَعْلَمُونَ أَوْقَاتَ زُرُوعِهِمْ، وَأَجَلَ عُقُودِهِمْ، وَهِيَ مَعَالِمُ لِلْعِبَادَاتِ المُوَقَّتَةِ، فَيَعْرِفُونَ بِهَا أَوْقَاتَها كَالصِّيَامِ، وَالإِفْطَارِ وَالحَجِّ .. وَلَوْ كَانَ الهِلاَلُ مُلاَزِماً حَالاً وَاحِداً لَمَا تَيَسَّرَ التَّوْقِيتُ بِهِ. وَكَانَ العَرَبُ إِذَا أَحْرَمُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ أَتَوا البَيْتَ مِنْ ظَهْرِهِ، وَقِيلَ أيْضاً إِنَّ أَحَدَهُمْ إِذا أَرَادَ سَفَراً وَخَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ لِسَفَرِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ أَنْ يُقيمَ وَيَدَعَ السَّفَرَ، لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ مِنْ بَابِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَسَوَّرُهُ مِنْ ظَهْرِهِ. فَأَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِدُخُولِ البُيُوتِ مِنْ أَبْوابَها. وَيَقُولُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنينَ إِنَّ البِرَّ هُوَ التَّقْوَى، وَلَيسَ فِي إِتْيانِ البُيُوتِ مِنْ ظُهُورِها بِرٌّ، وَلاَ تَقْوَى. فَاتَّقُوا اللهَ، وَافْعَلُوا مَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَاتْرُكُوا مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِذا وَقَفْتُمْ فِي الآخِرَةِ بَيْنَ يَدَيهِ لِلْحِسَابِ. الأَهِلَّةِ - جَمْعُ هِلالٍ، وَهُوَ القَمَرُ يَكُونُ لِلَيْلَتَينِ أَوْ ثَلاثاً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ لأَِنَّ النَّاسَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتهُمْ بِالذِّكْرِ حِينَ رُؤْيَتِهِ. وَأَهَلَّ القَوْمُ بِالحَجِّ إِذا رَفَعُوا أَصْواتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الأهلة جمع هلال، وسمي هلالاً لأن الإنسان ساعة يراه يهل، أي يرفع صوته بالتهليل، ويجيب الحق سبحانه وتعالى الجواب الذي يحمل كل التفاصيل عن القمر، وهو الكوكب الذي خضع لنشاطات العقل حتى يكتشفه، والعرب القدامى لم يكونوا يعلمون شيئاً عن ذلك القمر، ولكنهم كانوا يؤرخون به، وعلمهم به لم يزد على حدود انتفاعهم به. ولم يصلوا إلى الترف العقلي الذي يتأملون به آيات الله في الكون، فكل آيات الكون يُنتفع بها ثم ينشط العقل بعد ذلك، فنعرف السبب، وقد لا ينشط العقل فتظل الفائدة هي الفائدة. وأراد الحق سبحانه أن يلفتنا لمبدأ هام، وهو أن يعلمنا كيف نستفيد من الآيات الكونية مثل القمر، لا يكفي ظهوره واختفاؤه، وتغير حجمه، لأن هذه لن يتسع لها العقل، بل نستفيد منه كميقات، ونستخدمه لقياس الزمن. فإذا كنا ونحن نعيش في القرن العشرين، لم يعرف العلماء سبباً لظواهر القمر، فكيف كان حال الذين سألوا عنها منذ أربعة عشر قرناً؟ قال العلماء المعاصرون في تفسيراتهم مثلاً: إن الشمس مثل حجم الأرض مليونا وربع مليون مرة، والقمر أصغر من الأرض، وعندما تأتي الأرض بين الشمس والقمر برغم حجم الشمس الهائل فإن الأرض تحجب جزءاً من القمر، هذا الجزء المحجوب بقدر تدوير القوس المحجوب من الأرض ويصبح هذا الجزء من القمر مظلماً. إن القمر وجوده ثابت لكن الأرض عندما توجد بينه وبين الشمس فهي التي تحجب عنه ضوء الشمس، ويكبر حجم نوره كلما تزحزحت الأرض بعيداً عنه. وعندما تنزاح الأرض بعيداً عنه كلية يظهر في السماء بدراً كاملاً، ثم تعود الأرض بعد ذلك لتحجب عنه جزءاً من الشمس، ويزداد ذلك يوماً بعد يوم، فينقص ضوء الشمس المنعكس عليه تبعاً لذلك، فيقل تدريجياً حتى تأتي الأرض بينه وبين الشمس فلا يظهر منه شيء. ونقول نحن: إننا عندما لا نرى القمر لا في الليل ولا في النهار برغم أنه موجود في مكانه، نقول: إنه مستور في ظل الأرض، لذلك لا نراه. وهذه الظاهرة لا تحدث للشمس لأن جرم الشمس كبير جداً. وعندما يحدث فإن الأثر يكون قليلاً، ويسمى بالكسوف. وعندما التفت العرب للكون قالوا: ما بال الهلال يصبح هكذا ثم يكبر حتى يصير بدراً، فقال الحق عز وجل: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} [البقرة: 189] إنهم هم يسألون عن الأهلة ودورتها، فقطع الله عليهم خيط تفكيرهم وأعطاهم الخلاصة والنتيجة، فقال: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ} [البقرة: 189]. إن هذا الأمر هو الذي يستطيع العقل في ذلك الزمان أن يعرفه، أما ما وراء ذلك فانتظروا حتى يكشف الزمن عنه، وجهلكم به لا يقلل من نفعكم. لقد كانت كل إجابة لأي سؤال في ذلك الزمان تحتوي على ما يتسع العقل لإدراكه ساعة التشريع، أما بقية الإجابة فالحق يتركها للزمن. ولا يعطينا إلا ما يفيد التشريع، مثال ذلك: كانوا قديماً يقولون: الأرض كرة وأثبت لنا العلم أنها كذلك، ورأيناها بالأقمار الصناعية وانتهت القضية. وعندما سأل العرب عن الأهلة أخبرنا الحق بأنها مواقيت، والمواقيت جمع ميقات، والميقات من الوقت، والوقت هو الزمن، ونعرف أن كل حدث من الأحداث يحتاج إلى زمن وإلى مكان. إذن فالزمان والمكان مرتبطان بالحدث، فلا يوجد زمان ولا مكان إلا إذا وجد حدث. والذي يقول: كيف كان الزمن قبل أن يخلق الله الخلق؟. نقول له: الزمن وُجد للحادث وهو المخلوقات والله قديم، وما دام الله قديماً وليس حادثاً فلا زمان ولا مكان، لا تقل متى ولا أين؛ لأن متى وأين مخلوقة. وكيف نعرف الوقت؟ نحن نعرف الوقت بأنه مقدار من الزمن، لمقدار من الحركة ولمقدار من الفعل. وأين المكان في هذا التعريف؟ إن الزمان يتحكم أحياناً في المكان، فيكون الزمان هو الأصل، والمكان طارئ عليه، ومرة أخرى يكون المكان هو الأصل، والزمان هو الطارئ عليه، ومرة ثالثة يتلازم الاثنان الزمان والمكان. ونحن في مصر إذا أردنا الحج فإننا نبدأ الإحرام عند رابغ، ونُسمي رابغ ميقات أهل مصر أي هي المكان الذي لا يتجاوزه من مر عليه إلا وهو محرم. إذن فالميقات قد أطلق على مكان هو رابغ، ومن فور وصول الإنسان المصري إلى رابغ بغية الحج يحرم، سواء كان الوقت صباحاً أو ظهراً أو عصراً أو مغرباً. ولكن عندما نبدأ في الصوم فإن الزمن يصبح هو الأصل في صومك في أي مكان تذهب إليه، إن الزمان هو الذي يحدد مواعيد الصوم: في طنطا أو لندن أو في طوكيو، وهكذا نعرف كيف يكون الزمن ميقاتاً. إذن فمرة يكون الزمن هو المتحكم في الميقات والمكان طارئ عليه، ومرة يكون المكان هو الذي يتحكم في الميقات، والزمن طارئ عليه، ومرة يتحكم الزمان والمكان معاً في الفعل مثل يوم عرفة. وهكذا نعرف معنى "مواقيت للناس"، فنحن بالهلال نعرف بدء شهر رمضان، ونعرف به عيد الفطر، وكذلك موسم الحج وعدة المرأة، والأشهر الحرم، إن كل هذه الأمور إنما نعرفها بالمواقيت. وشاء الحق أن يجعل الهلال هو أسلوب تعريفنا تلك الأمور وجعل الشمس لتدلنا على اليوم فقط، وإن كان لها عمل آخر في البروج التي يتعلق بها حالة الطقس والجو، والزراعة، ولذلك قال:{أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً ..}تفسير : [يونس: 5]. وانظر إلى الدقة في الأداء وكيف يشرح الحق للإنسان ماهية النور، وماهية الضوء. إن الشمس مضيئة بذاتها، أما القمر فهو منير؛ لأن ضوءه من غيره؛ فهو مثل قطعة الحجر اللامعة التي تنعكس عليها أشعة الشمس فتعطينا نوراً. إن القمر منير بضوء غيره، ولذلك يقول الحق في آية أخرى:{أية : وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً}تفسير : [الفرقان: 61]. والسراج في هذه الآية هو الشمس التي فيها حرارة، وجعلها الحق ذات بروج، أما القمر فله منازل وهو منير بضوء غيره؛ وفي ذلك يقول الحق:{أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ..}تفسير : [يونس: 5]. إذن فعدد السنين وحسابها يأتي من القمر، وفي زماننا إذا أرادوا أن يضبطوا المعايير الزمنية فهم يقيمونها بحساب القمر؛ فقد وجدوا أن الحساب بالقمر أضبط من الحساب بالشمس؛ فالحساب بالشمس يختل يوماً كل عدد من السنين. ولنفهم الفرق بين منازل القمر وبروج الشمس. إن البروج هي أسماء من اللغة السريانية، وهو: برج الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والعذراء، والأسد، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، وعددها اثنا عشر برجاً هذه هي أبراج الشمس، ويتعلق بها مواعيد الزرع والطقس والجو، ويجب أن نفهم أن لله في البروج أسراراً، بدليل أن الحق سبحانه وتعالى جعلها قسَماً حين يقول: {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} تفسير : [البروج: 1]. ولذلك تجد أن التوقيت في الشمس لا يختلف؛ فالشهور التي تأتي في البرد، والتي تأتي في الحر هي هي، وكذلك التي تأتي في الخريف، والربيع، وبين السنة الشمسية والسنة القمرية أحد عشر يوماً، والسنة القمرية هي التي تستخدم في التحديد التاريخي للشهور العربية ونعرف بداية كل شهر بالهلال: {أية : إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً ..}تفسير : [التوبة: 36]. ولذلك كانت تكاليف العبادة محسوبة بالقمر حتى تسيح المنازل القمرية في البروج الشمسية، فيأتي التكليف في كل جو وطقس من أجواء السنة، فلا تصوم رمضان في صيف دائم، ولا في شتاء دائم، ولكن يُقَلِّبُ الله مواعيد العبادات على سائر أيام السنة، والذين يعيشون في المناطق الباردة مثلاً لو كان الحج ثابتاً في موسم الصيف لما استطاعوا أن يؤدوا الفريضة، ولكن يدور موسم الحج في سائر الشهور فعندما يأتي الحج في الشتاء ييسر لهم مهمة أداء الفريضة في مناخ قريب من مناخ بلادهم. وهكذا نجد أن حكمة الله اقتضت أن تدور مواقيت العبادات على سائر أيام السنة حتى يستطيع كل الناس حسب ظروفهم المناخية أن يؤدوا العبادات بلا مشقة. إذن فالمنازل شائعة في البروج، وهذا سبب قول بعض العلماء: إن ليلة القدر تمر دائرة في كل ليالي السنة، وذلك حسب سياحة المنازل في البروج. إذن فهناك بروج للشمس، ومنازل للقمر، ومواقع للنجوم، ومواقع النجوم التي يقسم بها الله سبحانه في قوله: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}تفسير : [الواقعة: 75-76]. ولعل وقتا يأتي يكشف الله فيها للبشرية أثر مواقع النجوم على حياة الخلق وذلك عندما تتهيأ النفوس لذلك وتقدر العقول على استيعابه. إذن كل شيء في الكون له نظام: للشمس بروج، وللقمر منازل، وللنجوم مواقع. وكل أسرار الكون ونواميسه ونظامه في هذه المخلوقات، وقد أعطانا الله من أسرار الأهلة أنها مواقيت للناس والحج. وعندما تكلم سبحانه عن الحج أراد أن يعطينا حكماً متعلقاً به؛ فقد كانت هناك قبائل من العرب تعرف بالحمس، هؤلاء الحمس كانوا متشددين في دينهم ومتحمسين له، ومنهم كانت قريش، وكنانة، وخثعم، وجشم، وبنو صعصاع بن عامر. وكان إذا حج الفرد من هؤلاء لا يدخل بيته من الباب؛ لأنه أشعث أغبر من أداء مناسك الحج. ويحاول أن يدخل بيته على غير عادته، لذلك كان يدخل من ظهر البيت، وكان ذلك تشدداً منهم، لم يرد الله أن يُشرَعه. حتى لا يطلع على شيء يكرهه في زوجه أو أهله. وأراد سبحانه عندما ذكر مناسك الحج في القرآن أن ينقي المناسك من هذه العادة المألوفة عند العرب فقال: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: 189] أي لا تجعلوا المسائل شكلية، فنحن نريد أصل البر وهو الشيء الحسن النافع. والملاحظ أن كلمة "البر" في هذه الآية جاءت مرفوعة، لأن موقعها من الإعراب هو "اسم ليس" وهي تختلف عن كلمة "البر" التي جاءت من قبل في قوله تعالى: {أية : لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِب} تفسير : [البقرة: 177] التي جاءت منصوبة؛ لأن موقعها من الإعراب هو "خبر مقدم لليس". حاول المستشرقون أن يأخذوا هذا الاختلاف في الرفع والنصب على القرآن الكريم. ونقول لهم: أنتم قليلو الفطنة والمعرفة باللغة العربية، فماذا نفعل لكم؟. يصح أن نجعل الخبر مبتدأ فنقول: "زيد مجتهد"، هذا إذا كنا نعلم زيداً ونجهل صفته، فجعلنا زيداً مبتدأ، ومجتهداً خبراً. لكن إذا كنا نعرف إنساناً مجتهداً ولا نعرف من هو؛ فإننا نقول: "المجتهد زيد". إذن فمرة يكون الاسم معروفاً لك فتلحق به الصفة، ومرة تجهل الاسم وتعرف الوصف فتلحق الاسم بالوصف. وهذا سر اختلاف الرفع والنصب في كلمة "البر" في كل من الآيتين. ونقول للمستشرقين: إن لكل كلمة في القرآن ترتيباً ومعنى، فلا تتناولوا القرآن بالجهل، ثم تثيروا الإشكالات التي لا تقلل من قيمة الكتاب ولكنها تكشف جهلكم. ثم ما هو "البر"؟ قلنا: إن البر هو الشيء الحسن النافع. ولو ترك الله لنا تحديد "البر" لاختلفت قدرة كل منا على فهم الحسن والنافع باختلاف عقولنا؛ فأنت ترى هذا "حسناً"؛ وذاك يرى شيئاً آخر، وثالث يرى عكس ما تراه، لذلك يخلع الله يدنا من بيان معنى البر، ويحدد لنا سبحانه مواصفات الحسن النافع، فما من واحد ينحرف ويميل إلى شيء إلا وهو يعتقد أنه هو الحسن النافع، ولذلك يقول الحق: {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: 189]. إن هذا يدلنا على أن كل غاية لها طريق يوصل إليها، فاذهب إلى الغاية من الطريق الذي يوصل إليها. ويتبع الحق قوله عن البر: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: 189]. لا تزال كلمة التقوى هي الشائعة في هذه السورة، وكل حكم يعقبه السبب من تشريعه وهو التقوى. ونعرف أن معنى التقوى هو أن تتقي معضلات الحياة، ومشكلاتها بأن تلتزم منهج الله. وساعة ترى منهج الله وتطبقه فأنت اتقيت المشكلات، أما من يعرض عن تقوى الله فإن الحق يقول عن مصيره: {أية : فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً}تفسير : [طه: 124]. ولا يظن أحد أن التقوى هي اتقاء النار، لا، إنها أعم من ذلك، إنها اتقاء المشكلات والمخاطر التي تنشأ من مخالفة منهج الله، وليعلم الإنسان أن كل مخالفة ارتكبها لابد أن يمر عليها يوم تُرتكب فيه هذه المخالفة كما ارتكبها في غيره، فمن لا يحب أن تُجرى فيه المخالفات فعليه ألا يرتكب المخالفات في غيره. وبعد ذلك ينتقل الحق إلى قضية أخرى، وهذه القضية الأخرى هي التي تميز الأمة الإسلامية بخصوص فريدة؛ لأنه سبحانه قد أوجد وفطر هذه الأمة على منهاج قويم لم تظفر به أمة من قبل، وهذه الخصوصية هي أن الله قد أمن أمة محمد على أن تؤدب الخارجين على منهج الله؛ فقديماً كانت السماء هي التي تُؤدب هؤلاء الخارجين عن المنهج. كان الرسول يشرح ويبلغ المنهج، فإن خالفه الناس تتدخل السماء وتعاقبهم، إما بصاعقة، وإما بعذاب، وإما بفيضان، وإما بأي وسيلة. ولم يكن الرسل مكلفين بحمل وقسر الناس على المنهج. وحين سأل بنو إسرائيل ربهم أن يقاتلوا، لم يكن قتالهم من أجل الدين مصداقاً للآية الكريمة: {أية : قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا ..}تفسير : [البقرة: 246]. علة القتال - إذن - أنهم أُخرجوا من بيوتهم وأُجبروا على ترك أولادهم، فهم عندما سألوا القتال لم يسألوه للدفاع عن العقيدة، وإنما لأنهم أخرجوا من ديارهم وأولادهم. أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهي التي أمنها الله على أن يكون في يدها الميزان، وليس هذا الميزان ميزان تسلط، وإنما هو ميزان يحمي كرامة الإنسان بأن يصون له حرية اختياره بالعقل الذي خلقه الله، فلا إكراه في الإيمان بالله. وقد شرع الله القتال لأمة محمد لا ليفرض به ديناً، ولكن ليحمي اختيارك في أن تختار الدين الذي ترتضيه. وهو يمنع سدود الطغيان التي تحول دونك ودون أن تكون حراً مختاراً في أن تقبل التكليف. ولذلك فالذين يحاولون أن يلصقوا بالإسلام تهمة أنه انتشر بالسيف نقول لهم: إن حججهم ساقطة واهية، وكذلك قولهم: إن الإسلام عندما يفرض الجزية فكأنه جاء لجباية الأموال، نقول لهؤلاء: جزية على مَنْ؟ جزية على غير المؤمن، وما دام قد فُرضت عليه جزية فمعنى ذلك أنه أباح له أن يكون غير مؤمن، لو كان الإسلام يُكره الناس على اعتناقه لما كان هناك مَنْ نأخذ عليه جزية. إذن فالإسلام لم يُكرهه، وإنما حماه من القوة التي تسيطر عليه حتى لا يُكرهه أحد على ترك دينه، وهو حر بعد ذلك في أن يسلم أو لا يسلم. وكأن الذين ينتقدون الإسلام يدافعون عنه؛ فسهامهم قد ارتدت إليهم. وهنا تساؤل قد يثور: إذا كان الأمر كذلك فلماذا كانت حروب المسلمين؟ نقول: إن حروب الإسلام كانت لمواجهة الذين يفرضون العقائد الباطلة على غيرهم، وجاء الإسلام ليقول لهؤلاء: ارفعوا أيديكم عن الناس واجعلوهم أحراراً في أن يختاروا الدين المناسب. ولماذا تركهم الإسلام أحراراً؟ لأنه واثق أن الإنسان ما دام على حريته في أن يختار فلا يمكن أن يجد إلا الحق واضحاً في الإسلام. ولذلك فكثير من الناس الذين يقرأون قوله تعالى: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ..}تفسير : [البقرة: 256]. لا يفطنون إلى أن العلة واضحة في قوله ـ سبحانه ـ من الآية نفسها {أية : قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} تفسير : [البقرة: 256]. إذن فالمسألة واضحة لماذا نُكره الناس وقد وضح أمامهم الحق والباطل؟ نحن فقط نمنع الذين يفرضون عقائدهم الباطلة على الناس؛ فأنت تستطيع أن تُكره القالب، لكن لا تستطيع أن تُكره القلب. ونحن نريد أن ينبع الإيمان من القلب، ولهذا يقول الحق لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}تفسير : [الشعراء: 3-4]. إن الله لا يريد أعناقاً، لو كان يريد أعناقاً لما استطاع أحد أن يخرج عن قدره ـ سبحانه ـ من يُريد الله أن يبتليه بمرض أو موت فلن ينجو من قدره. إن الحق يريد إيمان قلوب لا رضوخ قوالب. فالذي يجبر الآخرين على الإيمان بالكرباج لن يتبعه أحد، وهو نفسه غير مؤمن بما يفرضه على الناس. ولو كان مؤمناً به لما فرضه على الناس بالقسر؛ إنهم سيقبلونه عن طواعية واختيار عندما يتبيّن لهم أنه الحق المناسب لصلاح حياتهم. ونحن نلتفت حولنا فنجد أن النظم والحكومات التي تفرض مبادئها بالسوط والقهر تتساقط تباعاً، فعندما تتخلى هذه الحكومات عن السوط والبطش فإن الشعوب تتخلى عن تلك الأفكار. والقرآن هنا يعالج هذه المسألة عندما يتحدث عن القتال وتشريع القتال، الأمر الذي اختص به الحق أمة الإسلام. وهو سبحانه لم يأذن بالقتال خلال فترة الدعوة المكية التي استمرت ثلاثة عشر عاماً، ثم أذن به بعد الهجرة إلى المدينة. وقد كان من الضروري أن يتأخر أمر القتال؛ لأن الحق أراد أولاً أن يلتفت المسلمون إلى اتباع المنهج حتى يكونوا لغيرهم قدوة، ويروا فيهم أسوة حسنة، لذلك قال الحق: {أية : فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ ..}تفسير : [البقرة: 109]. وقال سبحانه أيضاً:{أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ ..}تفسير : [الأحزاب: 48]. لماذا كل هذا التدرج؟ لأن الحق سبحانه وتعالى علم أن الدعوة للإسلام ستدخل البيوت العربية، فسيضم البيت الواحد كافراً بالله ومؤمناً بالله، ولو أنه سبحانه وتعالى شرع القتال من البداية لصار في كل بيت معركة. ثم إن الحق سبحانه وتعالى يعلم أن تلك القبائل العربية بها كثير من خفة وطيش وسفه؛ وكانوا يقتتلون لأتفه الأسباب؛ فمن أجل ناقة ضربها كليب بسهم في ضرعها فماتت اشتعلت الحرب أربعين سنة. وفي ذلك يقول الشاعر عند الحفيظة والغضب: شعر : قـوم إذا الشـر أبـدى - ناجـذيـه لـهـم - طـاروا إلـيـه زرافـات ووحـدانـا تفسير : والثاني يقول: شعر : لا يسـألـون أخـاهـم حـين يندبهـم في النـائبـات عـلى مـا قـال بـرهـانا تفسير : أي أنهم لا يسألون أخاهم: "لماذا نحارب؟"، وإنما يحاربون بلا سبب ولأي سبب، فالحمية الرعناء تدفعهم للقتال بلا سبب. وفي مقابل ذلك كانت عندهم نخوة للحق، فعندما يرون شخصاً قد ظلمه غيره؛ تأخذهم النخوة، ويأخذون على يد الظالم، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يهيج فيهم النخوة حين يرون الضعاف من المسلمين مستضعفين، وقد عزلهم بعض من القوم في شعب أبي طالب وجوعوهم وقاطعوهم حتى اجتمع الخمسة العظام في مكة وقالوا: "كيف نقبل أن نأكل ونشرب ونأتي نساءنا وبنو هاشم وبنو المطلب محصورون في الشعب لا يأكلون ولا يشربون ولا يتبايعون". لقد كانوا كفاراً، وبرغم ذلك وقفوا موقفاً عظيماً وقالوا: هاتوا الصحيفة التي تعاهدنا فيها على أن نقاطع بني هاشم وبني المطلب ونقطعها؛ واتفقوا على ذلك. وكانوا خمسة من سادات مكة هم: هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، وأبو البحتري بن هاشم، وزمعة ابن الأسود، والمطعم بن عدي. وكانوا قادة النخوة التي أنهت مقاطعة المسلمين. هكذا نرى أن العرب كانوا يتسمون بالحمية الرعناء وتقابلها النخوة في الحق. ويعلم الحق سبحانه وتعالى أن نقل أمة العرب مما اعتادته ليس أمراً سهلاً، لذلك أخذهم برفق الهَوَادة. والذين يقولون: لماذا لم يحارب المسلمون أعداءهم من أول وهلة ولماذا لم يقتلوا صناديد الكفر في مكة؟ نقول لهم: إن كثيراً من الذين كنتم ترون قتالهم في بداية الدعوة الإسلامية هم الذين نشروا راية الإسلام من بعد ذلك، ومثال ذلك خالد بن الوليد، الذي كان قائداً مغواراً في صفوف المشركين، وقاتل المسلمين في أول حياته، ثم هداه الله للإسلام وأصبح سيف الله المسلول، ماذا لو قتل هذا القائد الفذ على أيدي المسلمين؟ كان مثل هذا الفعل سيتسبب في حرمان المسلمين من موهبته، تلك الموهبة التي أسهمت في معظم الفتوحات الإسلامية في الشام والعراق. إذن شاءت حكمة الله أن يستبقي أمثال خالد وهم خصوم للإسلام في بدء الدعوة لأن الله قد أعد لهم دوراً يخدمون به الإسلام. والذين نالوا من الإسلام أولا هم الذين ستبقى عندهم الحرارة حتى يعملوا عملاً يغفر الله لهم به ما قد سبق. انظر إلى عكرمة بن أبي جهل كان شوكة في ظهر المسلمين في بداية الدعوة، ثم أسلم وأبلى بلاء حسناً، ولما أصيب في موقعة اليرموك وأوشكت روحه أن تصعد إلى خالقها نظر إلى قائده خالد بن الوليد وقال: أهذه ميتة تُرضى عني رسول الله؟. كأنه كان يعلم أن رسول الله كان قد غضب عليه قبل أن يسلم. وعمرو بن العاص داهية المسلمين الذي لولاه ما فُتحت مصر. فقد كسب بدهائه أهل مصر فامتنعوا عن قتاله، وناظرهم بعد ذلك حتى استل حقدهم على المسلمين، وأبان لهم أن رسول الله قال موصيا بهم"حديث : استوصوا بالقبطيين خيراً لأن لهم رحما وذمة"تفسير : وفوق هذا فقد أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض العرب يستنفرهم إلى الإسلام. إذن فمن رحمة الله أنه لم يشأ تشريع القتال من البداية، وإلا لكنا فقدنا كثيراً من قادة الإسلام العظام الذين حملوا لواء الدعوة الإسلامية فيما بعد، وكل إنسان استبقاه الإسلام وهو خصم وعدو للإسلام، قدر الله له بعد الإسلام دوراً يخدم به الدين الخاتم. من هنا نفهم الحكمة من تأخير القتال في الإسلام، لأن الله أراد أن يمحص ويختبر، وألا يدخل هذا الدين إلا مَنْ يتحمل متاعب هذا الدين، ومشاقه لأنه سيكون مأموناً على مجد أمة، وعلى منهج سماء، وتلك أمور لا يصلح لها أي واحد من الناس. وقد كان من الممكن أن ينصر الله دينه من أول وهلة دون تدخل من المسلمين، وكان معنى ذلك أن الناس سيتساوون في الإيمان أولهم وآخرهم، ولكن شاءت إرادته سبحانه وتعالى أن يجعل لهذا الدين رجالاً يفدونه بأرواحهم وأموالهم لينالوا الشهادة ويرتفعوا إلى مصاف النبيين؛ لذلك جاء الأمر بالقتال متأخراً وبالتدريج. لقد جاء الأمر بالقتال في أول مرحلة بقول الله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ ...}.

الأندلسي

تفسير : {ٱلأَهِلَّةِ} جمع هلال وأفعلة مقيس في أفعال المضعف نحو عنان وأعنة وشذ فيه فعل قالوا: عنان وعنن. وذكر صاحب شجر الدران الهلال مشترك بين معان كثيرة ويسمى الذي في السماء هلال لليلتين وقيل: لثلاث. "والمواقيت" جمع ميقات، وهو منتهى الوقت. {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} نزلت على سؤال قوم من المسلمين النبي صلى الله عليه وسلم عن الهلال. وما: فائدة محاقة وكماله ومخالفته لمحالّ الشمس. وسأل: يتعدى بعن وبالباء بمعنى واحد، وهو على حذف أي عن حكمة اختلاف الأهلة والهلال واحد وجمع لاختلاف أزمانه. و {مَوَٰقِيتُ} أي في الآجال والمعاملات والايمان والعدد والصوم والفطر ومدة الحمل والرضاع وغير ذلك من المعلق بالأوقات. {وَٱلْحَجِّ} هو معطوف على الناس أي ومواقيت للحج ليعرفوا بها أشهره ومواقيته، ولما كان الحج من أعظم ما يطلب ميقاته وأشهره بالأهلة أفرد بالذكر وكأنه تخصيص بعد تعميم إذ المعنى مواقيت لمقاصد الناس المحتاج فيها للتأقيت ديناً ودنيا. وقرىء والحج بفتح الحاء وكسرها وكان الأنصار إذا حجوا واعتمروا يلتزمون تشرعاً أن لا يحول بينهم وبين السماء حائل فكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم على الجدران فنزل: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ} رداً على من جعل إتيان البيوت براً وأمر بإِتيان البيوت من أبوابها وأسباب النزول تدل على أن المراد بالبيوت وظهورها وأبوابها الحقيقة وحملها على المجاز مع إمكان الحقيقة وترجيحها باطنية نعوذ بالله منها. {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ} فيه الاحتمالات التي في: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ}تفسير : [البقرة: 177] وقرىء بكسر الباء من البيوت كيف ما وقع وضمها وتقدمت جملتان خبريتان فعطف عليهما جملتان أمريتان الأولى راجعة للأولى والثانية للثانية، ولما صدر المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قابل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام فرجع بعمرة القضاء وخاف المسلمون أن لا تفي لهم قريش ويصدوهم ويقاتلوهم في الحرم وفي الشهر الحرام وكرهوا ذلك. نزلت: {وَقَاتِلُواْ} فأطلق لهم فقال الذين يقاتلونهم وبذكر هذا السبب ظهرت مناسبة هذه الآية لما قبلها والمقاتلة هي جهاد الكفار لإِظهار دين الله وأكثر علماء التفسير على أنها أول آية نزلت في الأمر بالقتال. {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} استعير السبيل وهو الطريق لدين الله. لأن به يتوصل المؤمن إلى مرضاة ربه، وهو على حذف أي في نصرة دين الله وفي سبيل ظرف مجازي. {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} أي لا تتجاوزوا ما حد الله في القتال وغيره. {وَٱقْتُلُوهُمْ} أي واقتلوا الذين يقاتلونكم. {حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم} أي حيث ظفرتم بهم وهو عام في كل مكان حل أو حرم. {وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} أي من المكان الذي أخرجوكم وهي مكة وهو أمر تمكين فكأنه وعد من الله بفتح مكة وقد أنجز سبحانه وتعالى ما وعد وفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن لم يسلم منهم. {وَٱلْفِتْنَةُ} عن دين الله. {أَشَدُّ} من أن يقتل المؤمن وكانوا قد عذبوا نفراً من المؤمنين ليرجعوا إلى الكفر فعصمهم الله. ثم نهى تعالى المؤمنين أن يبدأ بالقتال في هذا الموطن الشريف حتى يكونوا هم الذين يبدؤن والضمير في فيه عائد على عند. {فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ} بشارة بالغلية عليهم أي هم من الخذلان وعدم النصرة بحيث أمرتم بقتلهم. وقرىء ولا تقتلوهم وكذلك حتى يقتلوكم فإِن قاتلوكم أي حتى يهموا بقتلكم فاقتلوهم فإِن هموا بقتلكم فاقتلوهم. {كَذَلِكَ} أي مثل ذلك الجزاء وهو القتل. {جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} مبتدأ وكذلك الخبر.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن سير الأخيار وسير الأبرار بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} [البقرة: 189]، والإشارة فيها أن الأهلة {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 189]؛ أي: للناس فيها اختيار كاشتغال كل طائفة بما هو أهله في تلك المواقيت على تفاوت أعمالهم، ومواقيت هذا القوم في تفاوت أهوالهم، فللزاهدين مواقيت أورادهم، وللصادقين مواقيت مراقباتهم، {وَٱلْحَجِّ} [البقرة: 189]، إشارة إلى ما يرد بحكم الوقت على الصديقين من غير أخيارهم، ومن المحبوب على المحبين من غير اختيارهم بل باضطرارهم، فللصديقين مواقيت أوقاتهم، فمن كان وقته الصحو كان قياماً بالشريعة، ومن كان وقته المحو، فالغالب أحكام الحقيقة، وللمحبين مواقيت أوصاف محبوبة، فإن خرجوا عن وصف وجودهم ودخلوا في حكم وصف محبوبهم والله غالب على أمرهم؛ فهو من إحساس أحكام البشرية واستيلاء سلطان الحقيقة، فإن تجلى لهم بوصف الجلال طاشوا، وإن تجلى لهم بوصف الجمال عاشوا. {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} [البقرة: 189]، فيه إشارة إلى أن لكل شيء سبباً ومدخلاً لا يمكن الوصول إليه ولا الدخول إلا باتباع ذلك السبب والدخول؛ لقوله تعالى: {أية : وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً}تفسير : [الكهف: 84-85]، نسب الوصول إلى حضرة الربوبية، والمدخل فيها هو التقوى اسم جامع لكل بر من أعمال الظاهر وأحوال الباطن، والقيام باتباع الموافقات واجتناب المخالفات وتصفية الضمائر ومراقبة السرائر، فبقدر السلوك في مراتب القوى يكون الوصول إلى حضرة المولى كقوله تعالى: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ}تفسير : [الحجرات: 13]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : عليكم بتقوى الله فإنه جامع كل خير ". تفسير : وقوله تعالى: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا} [البقرة: 189]؛ أي: غير مدخلها بمحافظة ظواهر الأعمال من رعاية حقوق بواطنها بتقوى الأحوال، {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ} [البقرة: 189]؛ أي: حق التقوى؛ لقوله تعالى: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}تفسير : [آل عمران: 102]، وقيل في معناه أن يطاع فلا يحصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، {وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: 189]؛ أي: ادخلوا الأمور من مداخلها. ثم ذكر مدخل القبول وقال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 189]؛ أي: اتقوا بالله عما سواه، يقال: فلان اتقى بربه؛ يعني: اجعلوا نحوركم ومتقاكم مفركم ومفزعكم ومرجعكم منه إليه، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أعوذ بك منك"،تفسير : {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: 189]؛ لكي تنجو وتتخلصوا من مهالك النفوس بإعانة الملك القدوس. ثم أخبر عن النجاة وطريق نيل الدرجات بقوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190]، والإشارة في تحقيق الآية أن قاتلوا من يمنعكم عن السير في سبيل الله، أو أراد أن يقطع عليكم طريقه من شياطين الأنس والجن حتى نفوسكم، وإن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا رجع من جهاد: "حديث : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"،تفسير : {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} [البقرة: 190]؛ أي: لا تجاوزوا عن حد الشرع، فتجاهدوا بالطبع ولكن كونوا قانتين على قدم الاستقامة بقدر الاستطاعة، وهو أن تقفوا حيث ما توقفون، وتفعلوا ما به تؤمرون، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، فلا تجمعون طرفي الإفراط والتفريط.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ } جمع - هلال - ما فائدتها وحكمتها؟ أو عن ذاتها، { قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ } أي: جعلها الله تعالى بلطفه ورحمته على هذا التدبير يبدو الهلال ضعيفا في أول الشهر، ثم يتزايد إلى نصفه، ثم يشرع في النقص إلى كماله، وهكذا، ليعرف الناس بذلك، مواقيت عباداتهم من الصيام، وأوقات الزكاة، والكفارات، وأوقات الحج. ولما كان الحج يقع في أشهر معلومات، ويستغرق أوقاتا كثيرة قال: { وَالْحَجِّ } وكذلك تعرف بذلك، أوقات الديون المؤجلات، ومدة الإجارات، ومدة العدد والحمل، وغير ذلك مما هو من حاجات الخلق، فجعله تعالى، حسابا، يعرفه كل أحد، من صغير، وكبير، وعالم، وجاهل، فلو كان الحساب بالسنة الشمسية، لم يعرفه إلا النادر من الناس. { وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا } وهذا كما كان الأنصار وغيرهم من العرب، إذا أحرموا، لم يدخلوا البيوت من أبوابها، تعبدا بذلك، وظنا أنه بر. فأخبر الله أنه ليس ببر لأن الله تعالى، لم يشرعه لهم، وكل من تعبد بعبادة لم يشرعها الله ولا رسوله، فهو متعبد ببدعة، وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها لما فيه من السهولة عليهم، التي هي قاعدة من قواعد الشرع. ويستفاد من إشارة الآية أنه ينبغي في كل أمر من الأمور، أن يأتيه الإنسان من الطريق السهل القريب، الذي قد جعل له موصلا فالآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، ينبغي أن ينظر في حالة المأمور، ويستعمل معه الرفق والسياسة، التي بها يحصل المقصود أو بعضه، والمتعلم والمعلم، ينبغي أن يسلك أقرب طريق وأسهله، يحصل به مقصوده، وهكذا كل من حاول أمرا من الأمور وأتاه من أبوابه وثابر عليه، فلا بد أن يحصل له المقصود بعون الملك المعبود. { وَاتَّقُوا اللَّهَ } هذا هو البر الذي أمر الله به، وهو لزوم تقواه على الدوام، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإنه سبب للفلاح، الذي هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، فمن لم يتق الله تعالى، لم يكن له سبيل إلى الفلاح، ومن اتقاه، فاز بالفلاح والنجاح.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 67 : 98 - سفين في قوله تبارك وتعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} قال. هي مواقيت للناس في حجهم وديونهم وفطرهم ونحرهم وعدة نسائهم. [الآية 189].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ/ مِن ظُهُورِهَا} [189] 44- أنا علي بن الحسين، نا أُميَّة، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء: كانت الأنصار إذا حجت لم تدخل من أبوابها، ودخلت من ظهورها، فأنزل الله تبارك وتعالى {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ/ مِن ظُهُورِهَا}. 45- أنا محمد بن حاتم بن نعيم، أنا حِبان، أنا عبد الله، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا } قال: كان ناس من أهل الجاهلية إذا أحرموا، لم يدخلوا البيوت من أبوابها، ودخلوها من ظهورها من الحيطان، فأنزل الله جل ثناؤه {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}.

همام الصنعاني

تفسير : 193- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ}: [الآية: 189]، قال: هي مواقيت لهم في حَجِّهم، وصومهم، وفطرهم ونُسُكِهم. 194- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، قال: كان أناس من الأنصار إذا أهلُّوا بالعمرة لم يحُل بينهم وبين السماء شيء فيخرجون من ذلك، فكان الرجل مُهِلاًّ بالعمرة فتبدو له الحاجة بعدما يخرج من بيته، فيرجع فلا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت لا يحول بينه وبين السَّماءِ، فيقتحم الجدار من ورائه ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته. تفخرج إليه من بيته، حتى بلغنا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أهَلَّ زمان الحديبية بالعمرة فدخل إلى حجرته، فدخل على أثرِه رجلٌ من الأنصارِ من بني سلمة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إني أحمس. 195- عبد الرزاق، قال معمر، وقال الزهري: كانت قريش وحلفاؤها الحمس لا يبالون ذلك، فقال الأنصار وأنا أحمس، يقول: وأنا عَلى دينك. فأنزل الله تعالى: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا}: [الآية: 189].