٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
190
Tafseer
الرازي
تفسير : الحكـم العاشر ما يتعلق بالقتال وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى أمر بالإستقامة في الآية المتقدمة بالتقوى في طريق معرفة الله تعالى فقال: {أية : وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰبِهَا } تفسير : [البقرة: 189] وأمر بالتقوى في طريق طاعة الله، وهو عبارة عن ترك المحظورات وفعل الواجبات فالإستقامة علم، والتقوى عمل، وليس التكليف إلا في هذين، ثم لما أمر في هذه الآية بأشد أقسام التقوى وأشقها على النفس، وهو قتل أعداء الله فقال: {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ }. المسألة الثانية: في سبب النزول قولان الأول: قال الربيع وابن زيد: هذه الآية أول آية نزلت في القتال، فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتل، ويكف عن قتال من تركه، وبقي على هذه الحالة إلى أن نزل قوله تعالى: {أية : ٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 5]. والقول الثاني: أنه عليه الصلاة والسلام خرج بأصحابه لإرادة الحج ونزل الحديبية وهو موضع كثير الشجر والماء فصدهم المشركون عن دخول البيت فأقام شهراً لا يقدر على ذلك ثم صالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في العام القابل، ويتركون له مكة ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدي ويفعل ما شاء، فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وصالحهم عليه، ثم عاد إلى المدينة وتجهز في السنة القابلة، ثم خاف أصحابه من قريش أن لا يفوا بالوعد ويصدوهم عن المسجد الحرام وأن يقاتلوهم، وكانوا كارهين لمقاتلتهم في الشهر الحرام وفي الحرم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، وبين لهم كيفية المقاتلة إن احتاجوا إليها، فقال: {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ }. المسألة الثالثة: {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي في طاعته وطلب رضوانه، روى أبو موسى أن النبـي صلى الله عليه وسلم سئل عمن يقاتل في سبيل الله، فقال: [حديث : هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يقاتل رياء ولا سمعة]تفسير : . المسألة الرابعة: اختلفوا في المراد بقوله: {ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ } على وجوه أحدها: وهو قول ابن عباس، المراد منه: قاتلوا الذين يقاتلونكم إما على وجه الدفع عن الحج، أو على وجه المقاتلة ابتداء، وهذا الوجه موافق لما رويناه عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية وثانيها: قاتلوا كل من له قدرة وأهلية على القتال وثالثها: قاتلوا كل من له قدرة على القتال وأهلية كذلك سوى من جنح للسلم، قال تعالى: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا } تفسير : [الأنفال: 61] واعلم أن القول الأول أقرب إلى الظاهر لأن ظاهر قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ } يقتضي كونهم فاعلين للقتال، فأما المستعد للقتال والمتأهل له قبل إقدامه عليه، فإنه لا يوصف بكونه مقاتلاً إلا على سبيل المجاز. المسألة الخامسة: من الناس من قال: هذه الآية منسوخة، وذلك لأن هذه الآية دلت على أن الله تعالى أوجب قتال المقاتلين، ونهى عن قتال غير المقاتلين، بدليل أنه قال: {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ } ثم بعده: ولا تعتدوا هذا القدر، ولا تقاتلوا من لا يقاتلكم فثبت أن هذه الآية مانعة من قتال غير المقاتلين، ثم قال تعالى بعد ذلك: {أية : وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } تفسير : [البقرة: 191] فاقتضي هذا حصول الأول في قتال من لم يقاتل، فدل على أن هذه الآية منسوخة، ولقائل أن يقول: نسلم أن هذه الآية دالة على الأمر بقتال من لم يقاتلنا، لكن هذا الحكم ما صار منسوخاً. أما قوله: إنها دالة على المنع من قتال من لم يقاتلنا، فهذا غير مسلم، وأما قوله تعالى: {وَلاَ تَعْتَدُواْ } فهذا يحتمل وجوها أخر سوى ما ذكرتم، منها أن يكون المعنى: ولا تبدؤا في الحرم بقتال، ومنها أن يكون المراد: ولا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله من الذين بينكم وبينهم عهد، أو بالحيلة أو بالمفاجأة من غير تقديم دعوة، أو بقتل النساء والصبيان والشيخ الفاني، وعلى جميع هذه التقديرات لا تكون الآية منسوخة. فإن قيل: هب أنه لا نسخ في الآية، ولكن ما السبب في أن الله تعالى أمر أولا بقتال من يقاتل، ثم في آخر الأمر أذن في قتالهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا. قلنا: لأن في أول الأمر كان المسلمون قليلين، فكان الصلاح استعمال الرفق واللين والمجاملة، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع، وأقام من أقام منهم على الشرك، بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حالا بعد حال، حصل اليأس من إسلامهم، فلا جرم أمر الله تعالى بقتالهم على الإطلاق. المسألة السادسة: المعتزلة احتجوا بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } قالوا: لو كان الإعتداء بإرادة الله تعالى وبتخليقه لما صح هذا الكلام، وجوابه قد تقدم والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ} هذه الآية أوّل آية نزلت في الأمر بالقتال؛ ولا خلاف في أن القتال كان محظوراً قبل الهجرة بقوله: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [فصلت: 34] وقوله: {أية : فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ} تفسير : [المائدة: 13] وقوله: {أية : وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} تفسير : [المزمل: 10] وقولِه: {أية : لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمصَيْطِرٍ} تفسير : [الغاسية: 22] وما كان مثله مما نزل بمكة. فلما هاجر إلى المدينة أُمِر بالقتال فنزل: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} قاله الربيع بن أنس وغيره. وروي عن أبي بكر الصدّيق أن أوّل آية نزلت في القتال: {أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ}تفسير : [الحج: 39]. والأوّل أكثر، وأن آية الإذن إنما نزلت في القتال عامّةً لمن قاتل ولمن لم يقاتل من المشركين؛ وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه إلى مكة للعُمْرة، فلما نزل الحُدَيْبِيَة بقُرب مكة ـ والحُدَيْبِيَةُ ٱسم بئر، فسُميَ ذلك الموضع بٱسم تلك البئر ـ فصدّه المشركون عن البيت، وأقام بالحُدَيْبِيَة شهراً، فصالحوه على أن يرجع من عامه ذلك كما جاء؛ على أن تُخْلَى له مكة في العام المستقبل ثلاثة أيام، وصالحوه على ألا يكون بينهم قتال عشر سنين، ورجع إلى المدينة. فلما كان من قابل تجهّز لعُمْرة القضاء، وخاف المسلمون غدر الكفار وكرهوا القتال في الحَرَم وفي الشهر الحرام، فنزلت هذه الآية؛ أي يحلّ لكم القتال إن قاتلكم الكفار. فالآية متصلة بما سبق من ذكر الحج وإتيان البيوت من ظهورها، فكان عليه السلام يقاتل من قاتله ويَكُفّ عمن كَفّ عنه، حتى نزل {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [التوبة: 5] فنسخت هذه الآية؛ قاله جماعة من العلماء. وقال ٱبن زيد والربيع: نسخها {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً}تفسير : [التوبة: 36] فأمر بالقتال لجميع الكفار. وقال ٱبن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد: هي مُحْكَمة؛ أي قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرُّهبان وشبههم؛ على ما يأتي بيانه. قال أبو جعفر النحاس: وهذا أصح القولين في السُّنة والنَّظر؛ فأما السُّنة فحديث ٱبن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه ٱمرأة مقتولة فكرِه ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان؛ رواه الأئمة. وأمّا النَّظر فإن «فاعل» لا يكون في الغالب إلا من ٱثنين، كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة؛ والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم، كالرُّهبان والزَّمْنَى والشيوخ والأجراء فلا يُقتلون. وبهذا أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام؛ إلا أن يكون لهؤلاء إذاية؛ أخرجه مالك وغيره، وللعلماء فيهم صُوَر ستّ: الأولى: النساء إن قاتلن قُتِلْن؛ قال سُحْنون: في حالة المقاتلة وبعدها، لعموم قوله: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}، {أية : وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم}تفسير : [البقرة: 191]. وللمرأة آثار عظيمة في القتال، منها الإمداد بالأموال، ومنها التحريض على القتال، وقد يخرجن ناشرات شعورهن نادبات مثيرات معيِّرات بالفرار، وذلك يبيح قتلهن؛ غير أنهن إذا حصلن في الأسر فالاسترقاق أنفع لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن أديانهن، وتعذّر فرارهن إلى أوطانهن بخلاف الرجال. الثانية: الصبيان فلا يُقتلون للنّهي الثابت عن قتل الذرّية، ولأنه لا تكليف عليهم؛ فإن قاتل (الصبيُّ) قُتل. الثالثة: الرُّهبان لا يُقتلون ولا يُسترقّون، بل يُترك لهم ما يعيشون به من أموالهم، وهذا إذا ٱنفردوا عن أهل الكفر، لقول أبي بكر ليزيد: «وستَجِد أقواماً زعموا أنهم حَبَسوا أنفسهم لله، فذرْهم وما زعموا أنهم حَبَسُوا أنفسهم له» فإن كانوا مع الكفار في الكنائس قُتلوا. ولو ترّهبت المرأة فروَى أشهب أنها لا تُهاج. وقال سُحْنون: لا يغيّر الترهُّب حكمها. قال القاضي أبو بكر بن العربي: «والصحيح عندي رواية أشهب، لأنها داخلة تحت قوله: فذرهم وما حَبَسُوا أنفسهم له». الرابعة: الزَّمْنَى. قال سُحْنون: يُقتلون. وقال ٱبن حبيب: لا يُقتلون. والصحيح أن تُعتبر أحوالهم؛ فإن كانت فيهم إذاية قُتلوا، وإلا تُركوا وما هم بسبيله من الزَّمانة وصاروا مالا على حالهم وحشوة. الخامسة: الشيوخ. قال مالك في كتاب محمد: لا يُقتلون. والذي عليه جمهور الفقهاء: إن كان شيخاً كبيراً هرِماً لا يُطيق القتال، ولا يُنتفع به في رأيٍ ولا مدافعة فإنه لا يُقتل؛ وبه قال مالك وأبو حنيفة. وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قول الجماعة. والثاني: يُقتل هو والراهب. والصحيح الأوّل لقول أبي بكر ليزيد؛ ولا مخالف له فثبت أنه إجماع. وأيضاً فإنه ممن لا يُقاتِل ولا يعين العدوّ فلا يجوز قتله كالمرأة، وأمّا إن كان ممن تخشى مضرته بالحرب أو الرأي أو المال فهذا إذا أُسِر يكون الإمام فيه مخيَّراً بين خمسة أشياء: القتل أو المنّ أو الفداء أو الاسترقاق أو عَقْد الذمة على أداء الجِزية. السادسة: العُسَفاء، وهم الأُجراء والفلاّحون؛ فقال مالك في كتاب محمد: لا يُقتلون. وقال الشافعي: يُقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار إلا أن يُسلموا أو يؤدّوا الجِزْية. والأوّل أصحّ، لقوله عليه السلام في حديث رَباح بن الربيع: «حديث : الحقْ بخالد بن الوليد فلا يقتلنّ ذرّية ولا عَسيفاً»تفسير : . وقال عمر بن الخطاب: ٱتقوا الله في الذرّية والفلاّحين الذين لا يَنْصُبون لكم الحرب. وكان عمر بن عبد العزيز لا يَقتل حرّاثاً؛ ذكره ٱبن المنذر. الثانية: روى أشهب عن مالك أن المراد بقوله: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} أهلُ الحُدَيْبِيَة أمروا بقتال من قاتلهم. والصحيح أنه خطاب لجميع المسلمين؛ أمر كلّ أحد أن يقاتل من قاتله إذ لا يمكن سواه. ألا تراه كيف بيّنها في سورة «براءة» بقوله: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ}تفسير : [التوبة: 123] وذلك أن المقصود أوّلاً كان أهل مكة فتعيّنت البداءة بهم؛ فلما فتح الله مكة كان القتال لمن يلي ممن كان يؤذي حتى تعمّ الدعوة وتبلغ الكلمة جميع الآفاق ولا يبقى أحد من الكفرة، وذلك باقٍ متمادٍ إلى يوم القيامة، ممتدٌّ إلى غايةٍ هي قوله عليه السلام: «حديث : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأَجْرُ والمَغْنَم»تفسير : . وقيل: غايته نزول عيسى بن مريم عليه السلام، وهو موافق للحديث الذي قبله؛ لأن نزوله من أشراط الساعة. الثالثة: قوله تعالى: {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} قيل في تأويله ما قدّمناه، فهي مُحْكَمة. فأما المرتدّون فليس إلا القتل أو التّوبة، وكذلك أهل الزّيغ والضلال ليس إلا السيف أو التوبة. ومن أَسَرّ الاعتقاد بالباطل ثم ظهر عليه فهو كالزّنديق يُقتل ولا يُستتاب. وأما الخوارج على أئمة العدل فيجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق. وقال قوم: المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله، كالحمِيّة وكسب الذِّكر، بل قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم؛ يعني دِيناً وإظهاراً للكلمة. وقيل: «لا تعتدوا» أي لا تقاتلوا من لم يقاتل. فعلى هذا تكون الآية منسوخة بالأمر بالقتال لجميع الكفار، والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} جاهدوا لإعلاء كلمته وإعزاز دينه. {ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ} قيل: كان ذلك قبل أن أمروا بقتال المشركين كافة المقاتلين منهم والمحاجزين. وقيل معناه الذين يناصبونكم القتال ويتوقع منهم ذلك دون غيرهم من المشايخ والصبيان والرهبان والنساء، أو الكفرة كلهم فإنهم بصدد قتال المسلمين وعلى قصده. ويؤيد الأول ما روى: أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وصالحوه على أن يرجع من قابل فيخلوا له مكة ـ شرفها الله ـ ثلاثة أيام، فرجع لعمرة القضاء وخاف المسلمون أن لا يوفوا لهم ويقاتلوهم في الحرم. أو الشهر الحرام وكرهوا ذلك فنزلت {وَلاَ تَعْتَدُواْ} بابتداء القتال، أو بقتال المعاهد، أو المفاجأة به من غير دعوة، أو المثلة، أو قتل من نهيتم عن قتله. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} لا يريد بهم الخير.
ابن كثير
تفسير : قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ} قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت سورة براءة، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، حتى قال: هذه منسوخة بقوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة: 5] وفي هذا نظر؛ لأن قوله {ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ} إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم، فاقتلوهم أنتم، كما قال: {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةً}تفسير : [التوبة: 36] ولهذا قال في الآية: {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} أي: لتكون همتكم منبعثة على قتالهم، كما همتهم منبعثة على قتالكم، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصاً. وقوله: {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} أي: قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي، كما قاله الحسن البصري؛ من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ، الذين لا رأي لهم، ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان وغيرهم، ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : اغزوا في سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الوليد، ولا أصحاب الصوامع»تفسير : رواه الإمام أحمد. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: «حديث : اخرجوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، لا تعتدوا ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع»تفسير : رواه الإمام أحمد، ولأبي داود عن أنس مرفوعاً نحوه، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان. وقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح عن قيس بن أبي مسلم، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثالاً: واحداً وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة، وأحد عشر، فضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها مثلاً، وترك سائرها، قال: «حديث : إن قوماً كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداوة، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا إلى عدوهم، فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم القيامة»تفسير : هذا حديث حسن الإسناد، ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء، فاعتدوا عليهم، فاستعملوهم فيما لا يليق بهم، أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جداً. ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال، نبه تعالى على أن ماهم مشتملون عليه من الكفر بالله، والشرك به، والصد عن سبيله، أبلغ وأشد وأعظم وأطم من القتل، ولهذا قال: {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ} قال أبو مالك: أي: ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل. وقال أبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس في قوله: {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ}، يقول: الشرك أشد من القتل، وقوله: {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} كما جاء في الصحيحين: «حديث : إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ولم يحل إلا ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه، حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم»تفسير : ، يعني بذلك صلوات الله وسلامه عليه قتاله أهله يوم فتح مكة، فإنه فتحها عنوة، وقتلت رجال منهم عند الخندمة، وقيل: صلحاً؛ لقوله: «حديث : من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن»تفسير : وقوله: {حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ} يقول تعالى: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدؤوكم بالقتال فيه، فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعاً للصائل، كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ}تفسير : [الفتح: 24] وقال: {أية : وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيمًا}تفسير : [الفتح: 25] وقوله: { فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: فإن تركوا القتال في الحرم، وأنابوا إلى الإسلام والتوبة، فإن الله يغفر ذنوبهم، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله؛ فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه، ثم أمر الله بقتال الكفار {حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}، أي: شرك. قاله ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع ومقاتل بن حيان والسدي وزيد بن أسلم {وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ} أي: يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «حديث : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»تفسير : وفي الصحيحين: «حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله».تفسير : وقوله: {فَإِنِ ٱنتَهَواْ فَلاَ عُدْوَٰنَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} يقول تعالى: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك وقتال المؤمنين، فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك، فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد: أن لا يقاتل إلا من قاتل. أو يكون تقديره: فإن انتهوا: تخلصوا من الظلم، وهو الشرك، فلا عدوان عليهم بعد ذلك، والمراد بالعدوان ههنا المعاقبة والمقاتلة كقوله: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة: 194]وقوله: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى: 40] {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}تفسير : [النحل: 126] ولهذا قال عكرمة وقتادة: الظالم: الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله، وقال البخاري: قوله: {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} الآية، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب حدثنا عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير، فقالا: إن الناس ضيعوا، وأنت ابن عمر، وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي، قالا: ألم يقل الله: {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، وحتى يكون الدين لغير الله، وزاد عثمان بن صالح عن ابن وهب، أخبرني فلان وحيوة بن شريح عن بكر بن عمر المعافري، أن بكير بن عبد الله حدثه عن نافع: أن رجلاً أتى ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عاماً، وتقيم عاماً، وتترك الجهاد في سبيل الله عز وجل، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ فقال: يا بن أخي بني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت. قالوا: يا أبا عبد الرحمن ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ}تفسير : [الحجرات: 9] {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}؟ قال: فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الإسلام قليلاً، فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه أو عذبوه، حتى كثر الإسلام، فلم تكن فتنة، قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان فكأن الله عفا عنه، وأما أنتم، فكرهتم أن يعفو عنه، وأما علي فابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، وأشار بيده، فقال: هذا بيته حيث ترون.
المحلي و السيوطي
تفسير : ولما صُدّ صلى الله عليه وسلم عن البيت عام الحديبية وصالح الكفار على أن يعود العام القابل ويُخلوا له مكة ثلاثة أيام وتجهز لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي قريش ويقاتلوهم وكره المسلمون قتالهم في الحرم والإحرام والشهر الحرام نزل: {وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي لإعلاء دينه {ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ } الكفار {وَلاَ تَعْتَدُواْ } عليهم بالابتداء بالقتال {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } المتجاوزين ما حدّ لهم وهذا منسوخ بآية (براءة)وبقوله:
الشوكاني
تفسير : لا خلاف بين أهل العلم أن القتال كان ممنوعاً قبل الهجرة لقوله تعالى: {أية : فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ }تفسير : [المائدة: 13] وقوله: {أية : وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً } تفسير : [المزمل: 10] وقوله: {أية : لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ }تفسير : [الغاشية: 22] وقوله: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [المؤمنون: 96] ونحو ذلك مما نزل بمكة؛ فلما هاجر إلى المدينة أمره الله سبحانه بالقتال، ونزلت هذه الآية، وقيل: إن أوّل ما نزل قوله تعالى: {أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } تفسير : [الحج: 39] فلما نزلت الآية كان صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله، ويكفّ عمن كفّ عنه حتى نزل قوله تعالى: {أية : ٱفاقتلوا المشركين} تفسير : [التوبة: 5] وقوله تعالى: {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } تفسير : [التوبة: 36]. وقال جماعة من السلف: إن المراد بقوله: {الذين يقاتلونكم} من عدا النساء، والصبيان، والرهبان، ونحوهم، وجعلوا هذه الآية محكمة غير منسوخة، والمراد بالاعتداء عند أهل القول الأوّل هو: مقاتلة من يقاتل من الطوائف الكفرية. والمراد به على القول الثاني: مجاوزة قتل من يستحق القتل إلى قتل من لا يستحقه ممن تقدّم ذكره. قوله: {حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} يقال ثقف يثقف ثقفاً، ورجل ثقيف: إذا كان محكماً لما يتناوله من الأمور. قال في الكشاف: والثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجل ثقف: سريع الأخذ لأقرانه. انتهى. ومنه قول حسان:شعر : فإما يثقفنّ بني لؤى جذيمة إنّ قتلهم دواء تفسير : قوله: {وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } أي: مكة. قال ابن جرير: الخطاب للمهاجرين، والضمير لكفار قريش. انتهى. وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ربه، فأخرج من مكة مَن لم يُسلم عند أن فتحها الله عليه. قوله: {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ } أي: الفتنة التي أرادوا أن يفتنوكم، وهي: رجوعكم إلى الكفر أشدّ من القتل. وقيل: المراد بالفتنة: المحنة التي تنزل بالإنسان في نفسه، أو ماله، أو اهله، أو عرضه، وقيل: إن المراد بالفتنة: الشرك الذي عليه المشركون؛ لأنهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم، فأخبرهم الله أن الشرك الذي هم عليه أشدّ مما يستعظمونه، وقيل: المراد فتنتهم إياكم بصدّكم عن المسجد الحرام اشدّ من قتلكم إياهم في الحرم، أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم. والظاهر أن المراد: الفتنة في الدين بأيّ سبب كان، وعلى أيّ صورة اتفقت، فإنها أشدّ من القتل. قوله: {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } الآية. اختلف أهل العلم في ذلك، فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، وأنه لا يجوز القتال في الحرم، إلا بعد أن يتعدّى بالقتال فيه، فإنه يجوز دفعه بالمقاتلة له، وهذا هو الحق. وقالت طائفة: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }تفسير : [التوبة: 36] ويجاب عن هذا الاستدلال بأن الجمع ممكن ببناء العام على الخاص، فيقتل المشرك حيث وجد إلا بالحرم، ومما يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنها لم تحلّ لأحد قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار» تفسير : وهو في الصحيح. وقد احتجَ القائلون بالنسخ بقتله صلى الله عليه وسلم لابن خَطَل، وهو متعلق بأستار الكعبة: ويجاب عنه، بأنه وقع في تلك الساعة التي أحلّ الله لرسوله صلى الله عليه وسلم. قوله: {فَإِنِ انْتَهَوْاْ } أي: عن قتالكم، ودخلوا في الإسلام. قوله: {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } فيه الأمر بمقاتلة المشركين إلى غاية هي أن لا تكون فتنة، وأن يكون الدين لله، وهو الدخول في الإسلام، والخروج عن سائر الأديان المخالفة له، فمن دخل في الإسلام، وأقلع عن الشرك لم يحلّ قتاله. قيل: المراد بالفتنة هنا: الشرك، والظاهر أنها الفتنة في الدين على عمومها كما سلف. قوله: {فَلاَ عُدْوٰنَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي: لا تعتدوا إلا على من ظلم، وهو من لم ينته عن الفتنة، ولم يدخل في الإسلام، وإنما سمي جزاء الظالمين عدواناً مشاكلة كقوله تعالى: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }تفسير : [الشورى: 4]. وقوله: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ }تفسير : [البقرة: 194]. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية قوله تعالى: {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } الآية أنها أوّل آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله يقاتل من قاتله، ويكفّ عمن كفّ عنه، حتى نزلت سورة براءة. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في هذه الآية قال: إن أصحاب محمد أمروا بقتال الكفار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَعْتَدُواْ } يقول لا تقتلوا النساء، والصبيان، والشيخ الكبير، ولا من ألقى السلم وكفّ يده، فإن فعلتم، فقد اعتديتم. وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز؛ أنه قال: إن هذه الآية في النساء، والذرية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ } يقول: الشرك أشدّ من القتل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في الآية قال: ارتداد المؤمن إلى الوثن أشدّ عليه من أن يقتل محقاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ } قال: حتى يبدءوا بالقتال، ثم نسخ بعد ذلك فقال: {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ }. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه عن قتادة أن قوله: {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } وقوله: {أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ }تفسير : [البقرة: 217] فكان كذلك حتى نسخ هاتين الآيتين جميعاً في براءة قوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }تفسير : [التوبة: 5] {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَافَّةً }تفسير : [التوبة: 36] وأخرج ابن جرير، عن مجاهد في قوله: {فَإِنِ انْتَهَوْاْ } قال: فإن تابوا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس في قوله: {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } يقول: شرك بالله: {وَيَكُونَ الدّينُ } ويخلص التوحيد لله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في الآية، قال: الشرك. وقوله: {فَإِنِ ٱنتَهَواْ فَلاَ عُدْوٰنَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } قال: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم. وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله: {وَيَكُونَ ٱلدّينُ للَّهِ } يقول: حتى لا تعبدوا إلا الله. وأخرج أيضاً عن عكرمة في قوله: {فَلاَ عُدْوٰنَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } قال: هم من أبى يقول لا إله إلا الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة نحوه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} فيها قولان: أحدهما: أنها أول آية نزلت بالمدينة في قتال المشركين، أُمِرَ المسلمون فيها بقتال مَنْ قاتلهم من المشركين، والكف عمن كف عنهم، ثم نُسِخَتْ بسورة براءة، وهذا قول الربيع، وابن زيد. والثاني: أنها ثابتة في الحكم، أُمِرَ فيها بقتال المشركين كافة، والاعتداء الذي نهوا عنه: قتل النساء والولدان، وهذا قول ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد. وفي قوله تعالى: {وَلاَ تَعْتَدُوا} ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الاعتداء قتال من لم يقاتل. والثاني: أنه قتل النساء والولدان. والثالث: أنه القتال على غير الدِّين. قوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} يعني حيث ظفرتم بهم، {وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} يعني من مكة. {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} يعني بالفتنة الكفر في قول الجميع، وإنما سمي الكفر فتنة، لأنه يؤدي إلى الهلاك كالفتنة. {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} فيه قولان: أحدهما: أن ذلك منسوخ لأن الله تعالى قد نَهَى عن قتال أهل الحرم إلا أن يبدؤا بالقتال، ثم نُسِخَ ذلك بقوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}، وهذا قول قتادة. والقول الثاني: أنها محكمة وأنه لا يجوز أن نبدأ بقتال أهل الحرم إلا أن يبدأوا بالقتال، وهذا قول مجاهد.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} هذه أول آية نزلت بالمدينة في قتال من قاتل خاصة {وَلا تَعْتَدُوَاْ} بقتال من لم يقاتل. ثم نسخت بـ {بَرَآءَةٌ} أو نزلت في قتال المشركين كافة {وَلا تَعْتَدُواْ} بقتل النساء والصبيان، أو لا تعتدوا بالقتل على غير الدين.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وقاتلوا في سبيل الله} أي في طاعة الله وطلب رضوانه (ق) عن أبي موسى الأشعري قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله تفسير : {الذين يقاتلونكم} كان في ابتداء الإسلام أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالكف عن قتال المشركين ثم لما هاجر إلى المدينة أمر بقتال من قاتله منهم بهذه الآية. قال الربيع بن أنس: هذه أول آية نزلت في القتال ثم أمر الله بقتال المشركين كافة قاتلوا أو لم يقاتلوا بقوله تعالى: {أية : وقاتلوا المشركين كافة}. تفسير : [التوبة: 36] وبقوله: {أية : اقتلوهم حيث ثقفتموهم} تفسير : [البقرة: 191] فصارت آية السيف ناسخة لهذه الآية وقيل إنها محكمة ومعناها على هذا القول وقاتلوا في سبيل الله الذين أعدوا أنفسهم للقتال، فأما من لم يعدَّ نفسه للقتال كالرهبان والشيوخ والزمنى والمكافيف والمجانين فلا تقاتلوهم لأنهم لم يقاتلوكم، وهو قوله تعالى: {ولا تعتدوا} وقال ابن عباس ولا تقتلوا النساء والصبيان والشيوخ والرهبان ولا من ألقى إليكم السلام (م) عن بريدة قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تعتدوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداًتفسير : . قوله:{أية : لا تغلوا} تفسير : [المائدة: 77] الغلول الخيانة وهو ما يخفيه أحد الغزاة من الغنيمة وقوله: {ولا تعتدوا} أي ولا تنقضوا العهد وقيل في معنى الآية: لا تعتدوا أي لا تبدؤوهم بالقتال فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة بآية القتال قال ابن عباس: لما صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قابل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف بالبيت، فلما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القضاء خافوا أن لا تفي قريش بما قالوا ويصدُّهم عن البيت وكره المسلمون قتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم، فأنزل الله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} فأطلق لهم قتال الذين يقاتلونهم في الشهر الحرام وفي الحرم ورفع عنهم الحرج والجناح في ذلك وقال لا تعتدوا بابتداء القتال {إن الله لا يجب المعتدين}
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ...}. قلت لابن عرفة في الختمة الأخرى: قاتل مفاعلة لا يكون إلا من الجانبين فما الفائدة في قوله "ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ" ومعلوم أنّه لا يقاتل إلاّ من قتله؟ فأجاب بوجهين: الأول أنهم لا يقاتلون إلا من بدأهم بالقتال. الثاني: قول الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} هذا (النفي) يحتمل أن يكون على الكراهة لأن عدم محبة الشيء لا يقتضي تحريمه لأن المحبّ هذا إما مباح أو مكروه) وإنّما يدل على التحريم الذّم على الفعل وعلى الوجوب الذم على الترك. ويحتمل أن يكون هذا النهي (على) التحريم لأن النحاة قالوا: إذا أردت مدح زيد قلت: حبذا زيد، وإن أردت ذمه قلت: لا حبذا زيد (فسمُّوا) نفي المحبة (ذما).
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم} حمزة وعلي وخلف. الباقون: من باب المفاعلة. وقيل: إنه من جملة ما يكتب في المصحف بغير ألف كالرحمن. الوقوف: {ولا تعتدوا} ط {المعتدين} ه {من القتل} ج للعارض بين الجملتين المتفقتين {فيه} ج للابتداء بالشرط مع الفاء {فاقتلوهم} ط {الكافرين} ه {رحيم} ه {الدين لله} ط لتبدل الحكم {الظالمين} ه {قصاص} ط لأن الاعتداء خارج عن أصل الموجب وفرعه {ما اعتدى عليكم} ص لعطف الجملتين المتفقتين {المتقين} ه {التهلكة} ج لاختلاف المعنى أي لا تقتحموا في الحرب فوق ما يطاق {وأحسنوا} ج لاحتمال تقدير الفاء واللام {المحسنين} ه. التفسير: لما أمر في الآية المتقدمة بالتقوى، أمر في هذه الآية بأشق أقسامها على النفس وهو المقاتلة في سبيل الله. عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن يقاتل في سبيل الله فقال: "حديث : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ولا يقاتل رياء ولا سمعة"تفسير : {الذين يقاتلونكم} الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين أعني الذين هم بصدد القتال بالفعل دون التاركين. قيل: وعلى هذا يكون منسوخاً بقوله: {أية : وقاتلوا المشركين كافة} تفسير : [التوبة: 36] ومنع بأن الأمر بقتال من يقاتل لا يدل على المنع من قتال من لا يقاتل. وكذا ما روي عن الربيع بن أنس: هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتل ويكف عمن كف. أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء أي المستعدين للقتال سوى من جنح للسلم، أو الكفرة كلهم لأنهم جميعاً مضادون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم مستحلون لها فهم في حكم المقاتلة قاتلوا أو لم يقاتلوا. وقيل في سبب نزول الآية إنه صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه لإرادة الحج، فلما نزل بالحديبية وهو موضع كثير الشجر والماء صدهم المشركون عن دخول البيت فأقام شهراً لا يقدر على ذلك، فصالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في العام القابل ويتركوا له مكة ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدى ويفعل ما يشاء، فرضي صلى الله عليه وسلم بذلك وصالحهم عليه وعاد إلى المدينة. وتجهز في السنة القابلة ثم خاف أصحابه من قريش أن لا يفوا بالوعد ويصدوهم عن المسجد الحرام وأن يقاتلوهم. وكانوا كارهين لقتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم. فأنزل الله هذه الآيات وبيّن له كيفية المقاتلة إن احتاجوا إليها فقال: {وقاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا} بابتداء القتال. وإنما كان ذلك في أول الأمر لقلة المسلمين ولكون الصلاح في استعمال الرفق واللين، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع وأقام من أقام منهم على الشرك بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حصل اليأس من إسلامهم، فأمروا بالقتال على الإطلاق. أو لا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله من غير المستعدين كالنساء والشيوخ والصبيان والذين بينكم وبينهم عهد، أو بالمثلة، أو المفاجأة من غير دعوة إلى الإسلام. وهذه المعاني الثلاثة بإزاء التفاسير الثلاثة في {الذين يقاتلونكم}. {إن الله لا يحب المعتدين} المتجاوزين عما شرع الله لهم. في الصحاح: ثقفته أي صادفته. وفي الكشاف، الثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجل ثقف أي سريع الأخذ لأقرانه قال: شعر : فـإمـا تثقفـونـي فـاقتلـونـي فمـن أثقـف فليـس إلـى خلـود تفسير : أمر في الآية الأولى بالجهاد بشرط إقدام الكفار على القتال، وفي هذه الآية زاد في التكليف فأمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا. واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام، وسمي حراماً لأنه ممنوع أن يفعل فيه ما منع من فعله وأصل الحرمة المنع {من حيث أخرجوكم} أي من الموضع الذي أخرجوكم وهو مكة، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن لم يسلم منهم يوم الفتح. أو أخرجوهم من منازلهم كما أخرجوكم من منازلكم، وقد أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين من المدينة بل قال: "حديث : لا يجمع دينان في جزيرة العرب" تفسير : والمراد بالإخراج تكليفهم الخروج قهراً أو تخويفهم وتشديد الأمر عليهم حتى اضطروا إلى الخروج {والفتنة} عن ابن عباس أنها الكفر بالله لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم والهرج وفيه الفتنة. وأيضاً الكفر ذنب يستحق العقاب الدائم بالاتفاق والقتل ليس كذلك والكفر يخرج به صاحبه عن الأمة دون القتل. روي أن صحابياً قتل رجلاً من الكفار في الشهر الحرام فعابه المؤمنون على ذلك فنزلت. أن لا تستعظموا الإقدام على القتل في الشهر الحرام، فإن إقدام الكفار على الكفر في الشهر الحرام أعظم من ذلك. وقيل الفتنة أصلها عرض الذهب على النار للخلاص من الغش، ثم صار اسماً لكل محنة. والمعنى إن إقدام الكفار على تخويف المؤمنين وعلى تشديد الأمر عليهم حتى صاروا ملجئين إلى ترك الأهل والأوطان هرباً من إضلالهم في الدين وإبقاء على مهجهم وحرمهم، أشد من القتل الذي أوجبته عليكم جزاء عن تلك الفتنة لأنه يقتضي التخلص، من غموم الدنيا وآفاتها. شعر : لقتل بحد السيف أهون موقعاً على النفس من قتل بحد فراق تفسير : وقيل: الفتنة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم، فكأنه قيل: اقتلوهم حيث ثقفتموهم، واعلموا أن وراء ذلك من عذاب الله ما هو أشد منه قال عز من قائل: {أية : يوم هم على النار يفتنون} تفسير : [الذاريات: 13] وقيل: فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام لأنه سعي في المنع عن الطاعة التي ما خلق الجن والإنس إلا لها، أشد من قتلكم إياهم في الحرم. وقيل: ارتداد المؤمن أشد من أن يقتل محقاً. فالمعنى وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فإنكم إن قتلتم وأنتم على الحق كان ذلك أولى بكم من أن ترتدوا على أدباركم أو تتكاسلوا عن طاعة معبودكم. يروى أن الأعمش قال لحمزة: أرأيت قراءتك إذا صار الرجل مقتولاً فبعد ذلك كيف يصير قاتلاً لغيره؟ فقال حمزة: إن العرب إذا قتل منهم رجل قالوا قتلنا، وإذا ضرب منهم واحد قالوا ضربنا، وذلك أن وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم. {فإن انتهوا} قيل: أي عن القتال لأن المقصود من الإذن في القتال منع المقاتلة عن ابن عباس. وقيل: أي عن الشرك بدليل قوله: {فإن الله غفور رحيم} الدال على أنه يغفر لهم ويرحهم والكافر لا ينال غفران الله ورحمته بترك القتال بل بترك الكفر، عن الحسن. قلت: إن أريد بالقتال استحلالهم قتل المسلمين تلازم القولان، والانتهاء عن الكفر ظاهره التلفظ بكلمة الإسلام وأنه مؤثر في حقن الدم وعصمة المال، وباطنه هو التشبث بأركان الإسلام جميعاً ويؤثر في استحقاق الرحمة والغفران. وقد يستدل بقوله: {والفتنة أشد من القتل} على أن التوبة عن قتل العمد بل من كل ذنب. مقبولة لأن الشرك أعظم الذنوب، فإذا قبل الله تعالى توبة الكافر فقبول توبة القاتل أولى. وأيضاً الكافر القاتل مقبول التوبة بالاتفاق إذا أسلم، فالقاتل غير الكافر أولى. ويمكن أن يجاب بأن حق الله تعالى مبني على المساهلة فظهر الفرق. وأيضاً الإيمان يجب ما قبله، فلا يلزم من عدم مؤاخذة الكافر بقتله إذا أسلم أن لا يؤاخذ المسلم بقتله، ولهذا يجب قضاء الصلوات الفائتة على المسلم إذا تاب عن ترك الصلاة، ولا يجب على الكافر إذا أسلم. قوله تعالى: {وقاتلوهم} وقيل: إنه ناسخ لقوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} وهو وهم لأن البداءة بالمقاتلة عند المسجد الحرام نفت حرمته. غاية ما في الباب أن هذه الآية عامة وما قبلها مخصصة إياها وهذا جائز، فإن القرآن ليس على ترتيب النزول، ولو كان على الترتيب أيضاً فلا يضرنا لجواز نزول الخاص قبل العام عندنا وذلك أن الخاص قاطع في دلالته تقدم أو تأخر، والعام دلالته على ما يدل عليه الخاص غير مقطوع بها فلا بد من التخصيص جمعاً بينهما {حتى لا تكون فتنة} قيل: أي شرك وكفر. وعلى هذا فالآية محمولة على الأغلب. فإن قتالهم لا يزيل الكفر رأساً، وإنما الغالب الإزالة لأن من قتل منهم فقد زال كفره ومن لم يقتل كان خائفاً من الثبات على كفره. والحاصل قاتلوهم حتى تكون كلمة الله هي العليا وهو المراد أيضاً من قوله: {ويكون الدين لله} أي ليس للشيطان فيه نصيب لوضوح شأنه وسطوع برهانه كما قال تعالى: {أية : ليظهره على الدين كله} تفسير : [الصف: 9] ولا يعبأ بالمخالف لقلة شوكته وسقوطه عن درجة الاعتداد به، أو محمولة على قصد إزالة الكفر فترتب هذا العزم على القتال كلي لا يتخلف عنه. وقيل: فتنتهم أنهم كانوا يضربون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويؤذونهم حتى ذهب بعضهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة، أي قاتلوهم حتى تظهروا عليهم ولا يفتنوكم عن دينكم. وعن أبي مسلم: معناه قاتلوهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدأوا به كان فتنة على المؤمنين لما يخافون عنده من أنواع المضار. ولا يخفى أن قوله: {ويكون الدين لله} يرجح القول الأول ليكون المعنى: وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويظهر الإسلام {فإن انتهوا} عن الأمر الذي وجب قتالهم لأجله وهو إما الكفر أو القتال {فلا عدوان إلاّ على الظالمين} أي فلا تعدوا على المنتهين فيكون مجموع قوله {إلاّ على الظالمين} قائماً مقام على المنتهين. لأن مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فنهوا عنه بدليل انحصاره في غير المنتهين. أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين. وعلى الوجهين سمي جزاء الظلم ظلماً للمشاكلة كما يجيء في قوله تعالى: {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} أو أريد إنكم إن تعرضتم لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيتسلط عليكم من يعدو عليكم. قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة سنة ست من الهجرة وصدّوهم عن البيت. فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال وذاك في ذي القعدة سنة سبع {الشهر الحرام بالشهر الحرام} أي هذا الشهر بذاك الشهر، وهتكه بهتكه. فلما لم تمنعكم حرمته عن الكفر والأفعال القبيحة فكيف تمنعنا عن القتال معكم دفعاً لشروركم وإصلاحاً لفسادكم؟ والحرمة ما لا يحل انتهاكه، والقصاص المساواة أي وكل حرمة يجري فيها القصاص من هتك حرمة أيّ حرمة كانت، اقتص منه بأن يهتك له حرمة. والحرمات الشهر الحرام والبيت الحرام والإحرام، فلما أضاعوا هذه الحرمات في سنة ست فقد وفقتكم حتى قضيتموها على رغمهم في سنة سبع، وإن أقدموا على مقاتلتكم فقد أذنت لكم في قتالهم فافعلوا بهم مثل ما فعلوا ولا تبالوا. ثم أكد ذلك بقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله} حين تنتصرون ممن اعتدى عليكم حتى لا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم {واعلموا أن الله مع المتقين} بالنصر والتأييد والتقوية والتسديد، فإن الاستصحاب بالعلم أو بالمكان إن جاز شامل للمتقين وغيرهم. قوله عز من قائل {وأنفقوا} وجه اتصاله بما قبله أنه تعالى لما أمر بالقتال وأنه يفتقر إلى العدد والعدد قد يكون ذو المال عاجزاً عن القتال، وقد يكون القوي على القتال عديم المال فلهذا أمر الله الأغنياء بالإنفاق في سبيله إعداداً للرجال وتجهيزاً للأبطال ويروى أنه لما نزل {الشهر الحرام بالشهر الحرام} قال رجل من الحاضرين: والله يا رسول الله ما لنا زاد وليس أحد يطعمنا. فأمر صلى الله عليه وسلم أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن لا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة ولو بمشقص يحمل في سبيل الله فيهلكوا فنزلت هذه الآية على وفق قول الرسول صلى الله عليه وسلم. والإنفاق صرف المال في وجوه المصالح. فلا يقال للمضيع: إنه منفق وإنما يقال: مبذر. وسبيل الله دينه فيشمل الإنفاق فيه الإنفاق في الحج والعمرة والجهاد والتجهيز والإنفاق في صلة الرحم وفي الصدقات أو على العيال أو في الزكاة والكفارات أو في عمارة بقاع الخير وغير ذلك. الأقرب في هذه الآية. وقد تقدم ذكر القتال. أن يراد به الإنفاق في الجهاد، ولكنه تعالى عبر عنه بقوله {في سبيل الله} ليكون كالتنبيه على السبب في وجوب هذا الإنفاق. فالمال مال الله فيجب إنفاقه في سبيل الله، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز نفسه ونشط وهان عليه ما دعي إليه. والباء في {بأيديكم} مزيدة مثلها في "أعطى بيده للمنقاد" والمعنى: ولا تقبضوا التهلكة أيديكم أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم. وقيل: الأيدي الأنفس كقوله: {أية : فبما كسبت أيديكم} تفسير : [الشورى: 30] {أية : بما قدمت يداك} تفسير : [الأنفال: 51] أي لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة. وقيل: بل ههنا حذف أي لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة كما يقال "أهلك فلان نفسه بيده" إذا تسبب لهلاكها. عن أبي عبيدة والزجاج: إن التهلكة والهلاك والهلك واحد. لم يوجد مصدر على تفعلة بضم العين سوى هذا، إلا ما حكاه سيبويه من قولهم "التضرة" "والتسرة" ونحوها في الأعيان "التنضبة" لشجر و "التتفلة" لولد الثعلب. ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة بالكسر كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر من هلك مشدد العين، فأبدلت من الكسرة ضمة كما جاء الجوار في الجوار. وليس الغرض من هذا التكلف على ما ظن تصحيح لفظ القرآن كيلا تنخرم فصاحته فإنه أجل من أن يحتاج في تصحيحه إلى الاستشهاد بكلام الفصحاء من البشر، وكيف لا وهو حجة على غيره وليس لغيره أن يكون حجة عليه. وإنما الغرض الضبط والتسهيل ما أمكن فتنبه. وللمفسرين في هذا الإلقاء خلاف فمنهم من قال إنه راجع إلى الإنفاق. وروى البخاري في صحيحه عن حذيفة قال: نزلت هذه الآية في النفقة. وذلك أن لا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم فيستولي العدو عليهم ويهلكهم، أو ينفقوا كل مالهم فيحتاجوا ويجتاحوا فيكون نهياً عن التقتير والإسراف وعنهما جميعاً {أية : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً} تفسير : [الفرقان: 67] أو المعنى: أنفقوا في سبيل الله ولا تقولوا إن أنفقنا نهلك ذلاً وفقراً. نهوا عن أن يحكموا على أنفسهم بالهلاك للإنفاق، أو أنفقوا ولا تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة والإحباط منا أو أذى أو رياء وسمعة مثل {أية : ولا تبطلوا أعمالكم} تفسير : [محمد: 33] ومنهم من قال: إنه راجع إلى غير الإنفاق أي لا تخلوا بالجهاد فتتعرضوا للهلاك الذي هو سخط الله وعذاب النار، أو لا تقحموا في الحرب حيث لا ترجون النفع ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل كما روي عن البراء بن عازب أنه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقتل بين الصفين. وإنما يجب أن يتقحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل.حديث : روى الشافعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة فقال له رجل من الأنصار: أرأيت يا رسول الله إن قُتلتُ صابراً محتسباً؟ قال: لك الجنة.تفسير : فانغمس في جماعة العدو فقتلوه. وأن رجلاً من الأنصار ألقى درعاً كان عليه حين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الجنة. ثم انغمس في العدو فقتلوه بين يدي الرسول. وروي أن رجلاً من الأنصار تخلف من أصحاب بئر معونة فرأى الطير عكوفاً على من قتل من أصحابه. فقال لبعض من معه: سأتقدم إلى العدو فيقتلونني ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي ففعل ذلك. فذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولاً حسناً. وروى أسلم أبو عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا لنا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة! فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: أيها الناس، إنكم تؤوّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سراً دون النبي صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه. فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله تعالى على نبيه يرد علينا ما قلنا، فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. وقيل: إن الآية من تمام ما قبلها أي إن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فإن الحرمات قصاص، ولا تحملنكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن قاتلكم فتهلكوا بترككم القتال. وعن النعمان بن بشير: كان الرجل يذنب فيقول: لا يغفر لي فأنزل الله تعالى هذه الآية. وذلك أنه يرى أنه لا ينفعه معه عمل فيترك العبودية ويصر على الذنب فنهى عن القنوط من رحمة الله {وأحسنوا} في الإنفاق بأن يكون مقروناً بطلاقة الوجه أو على قضية العدالة بين التقتير والإسراف أو في فرائض الله عن الحسن {إن الله يحب المحسنين} إذ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وهذا مقام القرب، والقرب يقتضي الإرادة الذاتية وهذا رمز والله ولي كل خير. التأويل: {وقاتلوا} من يمنعكم عن السير في سبيل الله أو أراد أن يقطع عليكم طريقة من شياطين الإنس والجن حتى نفوسكم التي هي أعدى عدوكم {ولا تعتدوا} لا تتجاوزوا عن حد الشرع فتجاهدوا بالطبع، ولكن كونوا ثابتين على قدم الاستقامة بقدر الاستطاعة من غير إفراط وتفريط، {واقتلوا} كفار النفس بسيف الرياضة حيث ظفرتم بهم، ومجاهدتها مخالفة هواها. {وأخرجوهم} من صفات النفس {كما أخرجوكم} من جمعية القلب وحضوره {والفتنة} أي المحنة التي ترد على القلب من طوارق صفات النفس الحاجبة عن الله {أشد من} قتل النفس بمخالفة هواها {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} لا تلتفتوا إلى النفس وصفاتها إذا كنتم آمنين مطمئنين في مقامات القلب والروح حتى يزاحموكم في الحضور وداعية الهوى؛ فإن نازعوكم في الجمعية والحضور {فاقتلوهم} بسيف الصدق واقطعوا مادة تلك الدواعي عن نفوسكم بكل ما أمكن لئلا يبقى لكم علاقة تصدكم عن الله {فإن انتهوا} بأن قنعت بما لا بد لها فلا تغلوا في مجاهدتها. {الشهر الحرام} أي ما يفوتكم من الأوقات والأوراد بتواني النفس ونزاعها وغلبات صفاتها فتداركوه الشهر بالشهر واليوم باليوم {فمن اعتدى} فكل صفة غلبت واستولت فعالجوها بضدها البخل بالسخاء، والغضب بالحلم، والحرص بالزهد، والشهوة بالعفة، {واتقوا الله} في الإفراط والتفريط {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} بالتفريط في الحقوق والإفراط في الحظوظ أو بموافقة النفوس ومخالفة النصوص، أو بالركوب إلى الفتور بالحسبان والغرور والله المستعان على ما يصفون.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} متعلَّقٌ بـ"قاتلوا" على أحد معنيين: إمَّا أن تقدِّر مضافاً، أي: في نصرةِ سبيلِ الله تعالى، والمرادُ بالسبيلِ: دينُ الله، لأنَّ السبيلَ في الأصل هو الطريقُ، فُتُجوِّزَ به عن الدِّين، لمَّا كان طريقاً إلى الله تعالى روى أبو موسى: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، ومجَّد، وكَرَّم، وبَجَّل، وعَظَّم - سُئِلَ عمَّن يُقاتِلُ في سبيل الله تعالى، فقال: حديث : مَنْ قاتل؛ لتكون كلمةُ الله هي العُليا، ولا يُقاتل رياءً ولا سمعةً؛ وهو في سبيل الله تفسير : وإمَّا أن تُضَمِّن "قَاتِلُوا" معنى بالِغوا في القتالِ في نصرةِ دِينِ اللِه تعالى، "والَّذِيِنَ يُقَاتِلُونَكُم" مفعول "قاتلوا". فصل في سياق الآيات اعلم، أنَّه لمَّا أمر بالتقوى في الآية المتقدِّمة أمر في هذه الآية الكريمة بأشدِّ أقسامِ التقوى، وأشقها على النَّفس، وهو قتلُ أعداء الله تعالى. قال الربيع بن أنس: هذه أوَّل آية نزلت في القتال، وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وشرَّف، وكَرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل، وعظَّم - يُقاتلُ مَنْ قاتلهُ، ويَكُفُّ عن قتال منْ لمْ يقاتله إلى أن نزل قوله تعالى: أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [التوبة: 5] قاتلوا، أو لم يقاتلوا فصارت الآية منسوخةً بها. وقيل: نُسخَ بقوله: {ٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِين} قريبٌ من سبعين آيةً، وعلى هذا، فقوله: "وَلاَ تَعْتَدُوا" أي: لا تَبْدُءوهم بالقتال، وروي عن أبي بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنه - أنَّ أوَّل آيةٍ نزلت في القتال قوله تعالى: {أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ}تفسير : الحج: 39] والأوَّل أكثر. وقال ابن عبَّاس وعمر بن عبد العزيز، ومجاهدٌ - رضي الله عنهم - هذه الآية محكمةٌ غير منسوخة؛ أُمِر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكَرَّم، وبَجَّل،ومَجَّد، وعَظَّم - بقتال المُقاتلين. ومعنى قوله: "وَلاَ تَعْتَدُوا" أي: لا تقتُلُوا النِّسَاء والصِّبيانَ، والشيخَ الكبير والرُّهبان، ولا من ألقى إليكم السَّلَمَ؛ قاله ابن عبَّاس ومجاهد وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبَّاس: نزلت هذه الآية في صلح الحديبية؛ وذلك أنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - خرج مع أصحابه - رضي الله عنهم - إلى العُمرة وكانوا ألفاً وأربعمائة، فنزَلُوا الحُديبية، وهو موضعٌ كثيرُ الشَّجر، والماء، فصدَّهم المُشركون عن دخول البيت الحرام، فأقامَ شهراً، لا يقدرعلى ذلك، ثم صالَحُوهُ على أنْ يَرجع ذلك العام، ويرجع إليهم في العام الثَّاني، ويَتْرُكون له مكَّة ثلاثَ أيامٍ، حتَّى يَطوفَ، وَينْحَرَ الهَدْي، ويَفْعَل مَا يَشَاءُ، فرضي الرَّسُولُ - صلواتُ الله وسلامُهُ عليه دائماً أبداً - بذلك، فلمَّا كان العامُ المقبل، تجهَّز رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكَرَّم، وبَجَّل، ومَجَّد، وعَظَّم - وأصحابه لُعْمرة القضاء، وخافوا ألاَّ تَفِي قريشٌ بما قالوا، وأن يَصُدُّوهم عن البيت، وكره أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتالَهُمْ في الشهر الحرام، وفي الحرَم، فأنزل الله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} يعنى محرمين {ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} يعني قُرَيْشاً "وَلاَ تَعْتَدُوا" فتَبْدَءوا بالقتالِ في الحَرَمِ محرمين. فصل في اختلافهم في المراد من قوله {ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} اختلفُوا في المراد بقوله: {ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}: إمَّا على وجه الدَّفع عن الحجِّ، أو على وجه المقاتلة ابتداءً. وقيل: قاتلوا كُلَّ مَنْ فيه أهليةٌ للقتالِ سوى جُنحٍ للسَّلم؛ قال تعالى: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا}تفسير : [الأنفال: 61]. فإن قيل: هب أنه لا نسخ في الآية؛ فما السَّبب في أنَّ الله تبارك وتعالى أمر أوَّلاً بقتال من يقاتل، ثُمَّ في آخر الأمر، أذن في قتالهم، سواءٌ قاتلوا، أو لم يقاتلوا؟ فالجواب: أنَّ في أوَّل الأمر كان المسلمون قليلين، وكانت المصحلة تقتضي استعمال الرِّفق، والمجاملة، فلمَّا قوي الإسلام، وكَثُر الجمع، وأقام مَنْ أقام منهم على الشِّرك بعد ظهور المعجزات، وتكرُّرها عليهم، وحصل اليأس من إسلامهم، فلا جرم أمر الله تعالى بقتالهم على الإطلاق. قوله تعالى:{أية : حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم}تفسير : [البقرة: 191] "حيث" منصوبٌ بقوله: "اقْتُلُوهُم" و "ثِقِفْتُمُوهُم" في محلِّ خفضٍ بالظرف، و"ثَقِفْتُمُوهُمْ" أي: ظَفِرْتُمْ بهم، ومنه: "رَجُلٌ ثَقِيفٌ": أي سريعُ الأخذ لأقرانه، قال [الوافر] شعر : 968 - فَإِمَّا تَثْقَفُونِي فَاقْتُلُونِي فَمَنْ أَثْقَفْ فَلَيْسَ إِلَى خُلُودِ تفسير : وثَقِفَ الشَّيْء ثقافةً، إذا حذقهُ، ومنه الثَّقافةُ بالسَّيف، وثَقِفْتُ الشَّيْء قومَّتُه، ومنه الرماحُ المثقَّفة؛ قال القائلُ: [الطويل] شعر : 969 - ذَكَرْتُكِ وَالْخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنَا وَقَدْ نَهِلَتْ مِنَّا الْمُثَقَّفَةُ السُّمْرُ تفسير : ويقالُ: ثَقِف يَثْقَفُ ثَقْفاً وثَقَفاً ورجلٌ ثَقِف لَقفٌ، إذا كان محكِماً لما يتناوله من الأمور. قال القرطبي: وفي هذا دليلٌ على قتل الأسير. قوله: "مِنْ حَيْثُ" متعلِّقٌ بما قبله، وقد تُصُرِّفَ في "حَيْثُ" بجَرِّها بـ"مِنْ" كما جُرَّت بـ"اليَاءِ" و"في" وبإضافة "لَدَى" إليها، و"أَخْرَجُوكُمْ" في محلِّ جرٍّ بإضافتها إليه، ولم يذكر "لِلْفِتْنَة" ولا "لِلْقَتْلِ" - وهُما مصدران - فاعلاً ولا مفعولاً؛ إذ المرادُ إذا وُجِدَ هذان، من أيِّ شخص كان بأَيِّ شخصٍ كان، وقد تقدَّم أنه يجوز حذف الفاعل مع المصدر. فصل فيما قيل في النسخ بهذه الآية هذا الخطابُ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم وشرَّف، وكَرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل، وعَظَّم - وأصحابه يعني اقتلوهم، حيثُ أبصَرْتُم مقاتِلَتَهُمْ وتمكَّنْتُم منْ قتلهم، حيث كانوا في الحلِّ، أو الحرم، وفي الشَّهر الحرام {وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} وذلك أنَّهم أخرجوا المسلمين من مكّة؛ فقال: أخرجوهم مِنْ ديارهم كما أخرجوكم من دياركم، ويحتمل أنَّه أراد كما أخرجوكم مِنْ مَنَازِلكُم، ففي الآية الأولى: أمرٌ بقتالهم؛ بشرط إقدامهم على المقاتلة، وفي هذه الآية: زاد في التكليف، وأَمَرَ بقتالهم، سواءٌ قاتَلُوا، أو لم يُقَاتِلُوا، واستثنى [عنه] المقاتلة عند المَسْجد الحَرَام، ونقل عن مقاتل أنه قال: إنَّ قولهُ {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} منسوخٌ بقوله {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] قال ابن الخطيب وهذا ضعيفٌ، فإنَّ الآية الأولى دالَّةٌ على الأمر بقتال مَنْ يقاتلنا، وهذا الحُكمُ لم ينسخ، وأمَّا أنَّها دالَّةٌ على المَنْع من قتال مَنْ لم يقاتل، فهذا غير مسلَّم، مع ما نقل عن الرَّبيع بن أنس. وأما قوله: إنَّ هذه الآية، هي قوله تبارك وتعالى {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} منسوخة بقوله تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} فهو خطأ أيضاً؛ لأنَّه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وهذا الحكمُ غير منسوخ. قوله {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ} فيه وجوه: أحدها: نقل ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - أنّ الفتنة هي الكُفر. وروي أنَّ بعض الصحابة قتل رجُلاً من الكُفَّار في الشَّهر الحَرَام، فعابه المؤمِنُون على ذلك، فنزلت هذه الآية الكريمة، والمعنى: أنَّ كفرهم أشدُّ من قتلهم في الحرم والإحرام. وثانيها: أن الفتنة أصلها عرض الذَّهب على النَّار؛ لاستخلاصه من الغِشِّ، ثُمَّ صار اسماً لكُلِّ ما كان سبَباً للامتحان؛ تشبيهاً بهذا الأصل، والمعنى: أنَّ إقْدَامَ الكُفَّار على الكُفْر، وعلى تخويف المؤمنين، وإلجائهم إلى ترك الأهلِ، والوَطن؛ هرباً من إضلال الكُفَّار، فإنَّ هذه الفتنة الَّتي جُعِلت للمؤمنين أشَدُّ من القتل الذي يقتضي التَّخليص من غموم الدُّنيا وآفاتها. وثالثها: أنَّ الفتنة هي العذاب الدَّائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم، فكأنه قيل: اقتُلُوهُم حيثُ ثَقِفْتُمُوهم، واعلَمُوا أن وراءَ ذلك مِنَ العذابِ ما هو أشدُّ منه وإطلاقُ اسم الفتنة على العذاب جائزٌ؛ وذلك من باب إطلاق اسم السَّبب على المُسَبَّب، قال تبارك وتعالى: {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ}تفسير : [الذاريات: 13] ثم قال عقيبه {أية : ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ}تفسير : [الذاريات: 14] أي عذابكم {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}تفسير : [البروج: 10] أي عذّبوهم وقال {أية : فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ}تفسير : [العنكبوت: 10] أي: عذابهم كعذابه. ورابعها: أنَّ المراد: "فتنتهم إيَّاكُمْ بَصدِّكُمْ عن المسجد الحرام أشدُّ من قتلِكُمْ إيَّاهُمْ في الحرم". وخامسها: أن الردَّة أشدُ من أن يُقْتَلُوا بحقٍّ، والمعنى: أخروجهم منْ حيثُ أخرجوكُمْ، ولَو قُتِلْتُمْ، فإنَّكم إن قُتِلْتُم، وأنتم على الحقِّ، كان ذلك أسهل عليكُم من أنْ ترتدُّوا عن دِينكُمْ، أو تتكاسلوا عن طاعة ربِّكم. قوله: "وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ" قرأ الجمهورُ الأفعالَ الثلاثة: "ولا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ، فإنْ قَاتَلُوكُمْ" بالألف من القتال، وقرأها حمزة، والكسائيُّ من غير ألف من القَتل وهو المُصحف بغير ألف، وإنما كُتِبَت كذلك؛ للإيجاز؛ كما كَتَبُوا الرَّحمن بغير ألف، وما أشبه ذلك مِنْ حروف المَدِّ واللِّين. فأما قراءة الجمْهُور فواضحةٌ؛ لأنها نَهْيٌ عن مقدِّمات القتل؛ فدلالتها على النَّهي عن القَتْل بطريقِ الأَولى، وأمَّا قراءةُ الأخوين، ففيها تأويلان: أحدهما: أن يكون المجازُ في الفعل، أي: ولا تَقْتلُوا بَعْضَهُمْ؛ حَتَّى يَقْتُلُوا بَعْضَكُمْ؛ ومنه {أية : قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ}تفسير : [آل عمران: 146] ثم قال "فَمَا وَهَنُوا" أي ما وَهَن مَنْ بَقِيَ منْهُمْ، وقال الشاعر: [المتقارب] شعر : 970 - فَإِنْ تَقْتُلُونَا نُقَتِّلْكُمُ وإن تَقْصِدُوا لِدَمٍ نَقْصِدِ تفسير : أي: فإنْ تَقْتُلُوا بعضنا. يروى أن الأعمش قال لحمزة، أرأيت قراءتك، إذا صار الرجُلُ مَقْتُولاً، فبعد ذلك كيف يصير قاتلاً لغيره؟! قال حمزة: إنَّ العَرَبَ، إذا قُتِلَ منهُم رجلٌ قالوا: قتلنا، وإذا ضَرِبَ منهُم رجلٌ، قالُوا ضُرِبنا وأجمعوا على "فَاقْتُلُوهُمْ" أنَّه من القتل، وفيه بشارةٌ بأنَّهم، إذا فعلوا ذلك، فإنهم مُتَمَكِّنون منهُمْ بحيثُ إنكم أُمِرْتُم بقتلهم، لا بقتالهم؛ لنُصْرتِكُمْ عليهم، وخذْلانِهِمْ؛ وهي تؤيِّدُ قراءةَ الأخوينِ، ويؤيِّدُ قراءة الجمهور: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}. و"عِنْدَ" منصوبٌ بالفعل قبله، و"حَتَّى" متعلقةٌ به أيضاً غايةٌ له، بمعنى "إلى" والفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمار "أَنْ" والضميرُ في "فِيهِ" يعودُ على "عِنْدَ" إذ ضميرُ الظرفِ لا يتعدَّى إليه الفعلُ إلاَّ بـ"فِي"؛ لأنَّ الضميرَ يَرُدُّ الأشياءَ إلى أصولها، وأصلُ الظرفِ على إضمارِ "في" اللهم إلا أَنْ يُتَوَسَّعَ في الظرفِ، فيتعدَّى الفعلُ إلى ضميره مِنْ غير "في" ولا يُقالُ: "الظَّرْف غيْرُ المُتَصرِّف لا يتوسَّع فيه"، فيتعدَّى إليه الفعلُ، فضميرُهُ بطريق الأولى؛ لأنَّ ضمير الظَّرف ليس حكمه حكمَ ظاهره؛ ألا ترى أنَّ ضميره يُجَرُّ بـ"في" وإن كان ظاهرُه لا يجوزُ ذلك فيه، ولا بدَّ مِنْ حذفٍ في قوله: {فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ} أي: فإنْ قاتلُوكُم فيه، فاقتلوهم فيه، فَحَذَفَ لدلالةِ السِّيَاق عليه. فصل وهذا بيان بشرط كيفيَّة قتالهم في هذه البقعة خاصَّة، وكان مِنْ قبلُ شرطاً في كلِّ قتالٍ وفي الأشهر الحرم؛ وقد تمسَّك به الحنفيَّةُ في قتل الملتجئ إلى الحرم، وقالوا: لمَّا لم يجز القتل عند المسجد الحرام؛ بسبب جناية الكفر فبأن لا يجوز القتلُ في المسجد الحرام بسبب الذَّنب الذي هو دون الكُفر أولى. قوله: "كَذَلِكَ جَزَاءُ" فيه وجهان: أحدهما: أنَّ الكافر في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، و"جَزَاءُ الكَافِرِينَ" خبرُه، أي: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزَاءِ جَزَاؤُهُمْ، وهذا عند مَنْ يرى أن الكاف اسمٌ مطلقاً، وهو مذهبُ الأخفش. والثاني: أن يكونَ "كَذَلَكَ" خبراً مقدَّماً، و"جَزَاءٌ" مبتدأً مؤخَّراً، والمعنى: جزاءُ الكافرين مثلُ ذلك الجَزَاءِ، وهو القتلُ، و"جَزَاءُ" مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، أي: جزاءُ اللَّهِ الكافرين، وأجاز أبو البقاء أان يكونَ "الكَافِرِينَ" مرفوع المحلِّ على أن المصدر مقدَّرٌ من فِعْل مبنيٍّ للمفعول، تقديرُه: كذلك يُجْزَى الكافِرُون، وقد تقدَّم لنا الخلافُ في ذلك. قوله تعالى: {فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: لهم. ومتعلق الانتهاء محذوفٌ أي: عن القتال، و"انْتَهَى" "افْتَعَلَ" من النَّهي، وأصلُ "انْتَهَوا" "انْتَهَيُوا" فاسْتُثْقِلَت الضَّمةُ على الياء؛ فحُذِفَتْ فالتقى ساكنان؛ فَحُذِفت الياءُ؛ لالتقاء الساكنين، أو تقول: تَحَرَّكَتِ الياء، وانفتحَ ما قبلها؛ فَقُلِبَتْ ألفاً؛ فالتقى ساكنان؛ فَحُذِفَتِ الألفُ، وبقِيت الفتحة تَدُلُّ عليها. فصل في اختلافهم في متعلِّق الانتهاء هذا البيانُ لبقاء هذا الشَّرط في قتالهم قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - فإن انتهوا عن القتال؛ لأنَّ المقصُود من الإذن في القتال منعُ الكُفّار عن المُقاتلة. وقال الحسنُ: فإن انتهوا عن الشِّرك؛ لأنَّ الكَافِرَ لا يَنَالُ المغفرة والرَّحمة بترك القتال، بل بترك الكُفرِ. فصل في دلالة الآية على قبول التَّوبة من كلِّ ذنب دلَّت الآية على أنَّ التوبة مِنْ كُلِّ ذنبٍ مقبولةٌ ومَنْ قال: إنَّ التوبة عن قتل العَمْد غيرُ مقبولةٍ، فقد أخطأ؛ لأنَّ الشركَ أشدُّ من القتل، فإذا قَبِلَ الله توبة الكافِرِ، فقبُولُ توبة القاتل أولى، وأيضاً فقد يكُونُ الكافِرُ قاتلاً، فقد انضمَّ إلى كُفره قَتْلُ العَمْد والآيَةُ دلَّت على قبُول توبة كلِّ كافِرٍ، فدلَّ على أنَّ توبتَهُ، إذا كان قاتِلاً مقبولةٌ؛ قال تعالى: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ}تفسير : [الأنفال: 38]. قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} يجوزُ في "حَتَّى" أن تكونَ بمعنى "كَيْ" وهو الظاهرُ، وأن تكونَ بمعنى "إِلَى" و "أَنْ" مضمرةٌ بعدَها في الحالين، و"تَكُونَ" هنا تامةٌ، و"فِتْنَةٌ" فاعلٌ بها، وأمَّا {وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ} فيجوزُ أن تكون تامَّةً أيضاً، وهو الظاهرُ، ويتعلَّقُ "اللَّهِ" بها، وأن تكونَ ناقصةً و"لِلَّهِ" الخبَر؛ فيتعلَّق بمحذوف أي: كائناً لله تعالى فصل في المراد بالفتنة قيل: المراد بالفتنة الشِّرك والكُفر؛ قالوا: كانت فتنتهُم أنَّهُم كانوا يُرهِبُون أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكَرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل، وعَظَّم - بمكة، حتى ذهبوا إلى الحبشة، ثم واظبوا على ذلك الإيذاء؛ حتى ذهبوا إلى المدينة، وكان غرضَهُمُ من إثارة تلك الفتنة أن يتركوا دينهُم، ويرجِعُوا كُفَّاراً، فإنزل الله - تبارك وتعالى - هذه الآية، والمعنى: قاتِلُوهُم حتَّى تَظهروا عليهم؛ فلا يفتِنُوكُم عن دِينِكُمْ، ولا تَقَعوا في الشِّرك {وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ} أي: الطَّاعة، والعبادةُ للَّه وحده؛ لا يُعبدُ شيءٌ دونه ونظيره قوله تعالى: {أية : تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ}تفسير : [الفتح: 16] قال نافع: جاء رجلٌ إلى ابن عُمَرَ في فتنةِ ابن الزُّبير فقال ما يمنعُكَ أنْ تخرج؟ فقال: يَمنعُني أنَّ اللَّهَ حرَّمَ دم أخِي؛ ألاَّ تَسْمَعُ ما ذكر اللَّهُ تعالى: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ}تفسير : [الحجرات: 9] قال: يا ابن أخي ولأن أعتبر بهذه الآية، ولا أقاتل أحبُّ لي من أن أعتبر بالآية الأخرى الَّتي يقُولُ الله - عزَّ وجلَّ - فيها {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً}تفسير : [النساء: 93] قال ألم يقُل الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}؟ قال: قَدْ فعلنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم وشَرَّف، وكَرَّم، وبَجَّل، ومَجَّد، وعَظَّم - إذْ كان الإسلامُ قليلاً، وكان الرَّجُلُ يُفْتَنُ عن دينه، إما يقتُلُونه، أو يُعَذِّبونه، حتى كثُر الإسلام، فلن تكُن فتنة وكان الدِّينُ للَّه، وأنُتُم تُرِيدُون أنْ تُقَاتِلُوهم، حتَّى تكُون فتنَة، ويَكُونُ الدِّين لغيْرِ الله. وعن سعيد بن جبير، قال: قال رجلٌ لابن عمر كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: هل تدري ما الفتنة؟! كان محمَّدٌ صلواتُ الله وسلامُهُ عَلْيهِ يُقاتل المُشرِكين، وكانَ الدُّخُولُ عليهم فِتْنَةً، وليس قتالكُم كقتالهم على المُلكِ. فصل في معاني الفتنة في القرآن قال أبو العبَّاس المُقِري: ورد لفظ الفتنَة في القرآن بإزاء سبعة معانٍ: الأول: الفتنة: الكُفر؛ قال تعالى: {أية : فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ}تفسير : [آل عمران: 7] يعني:طلب الكُفْر. الثاني: الفتنة الصرف قال تعالى: {أية : وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ}تفسير : [المائدة: 49]. الثالث: الفتنة: البلاء؛ قال تعالى {أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}تفسير : [العنكبوت: 3]. الرابع: الفتنةُ: الإحْرَاقُ؛ قال تعالى {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [البروج: 10]، أي: حَرَّقُوهم؛ ومثله {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ}تفسير : [الذاريات: 13]. الخامس: الفتنة الاعتذارُ قال تعالى: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ}تفسير : [الأنعام: 23]. السادس: الفتنة: القَتل، قال تعالى: {أية : إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ}تفسير : [النساء: 101]، أي: يَقْتُلُوكم. السابع: الفتنَة: العذَابُ؛ قال تعالى: {أية : جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ}تفسير : [العنكبوت: 10]. قوله "فَإِن انْتَهوا"، أي: عن الكُفر وأسلَمُوا، "فَلاَ عُدوَانَ" أي: فلا سبيل {إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} قاله ابن عبَّاس، ويدلُّ عليه قوله تعالى: {أية : قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}تفسير : [القصص: 28]، أي: فلا سبيل عليَّ، وقال أهلُ المعاني العدوان: الظُّلم، أي: فإنْ أسْلَمُوا، فلا نهب، ولا أسر، ولا قتْل إلاَّ على الظالمين الَّذين بَقُوا على الشِّرك؛ قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13] وسَمَّى قتل الكُفَّار عُدواناً، وهو في نفسه حقٌّ، لأنَّه جزاءٌ عن العُدْوان؛ على طريق المجاز، والمقابلة؛ لقوله {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ}تفسير : [البقرة: 194]، و{أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى: 40] {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 54]{أية : فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ}تفسير : [التوبة: 79]. وقيل: معنى الآية الكريمة إن تَعَرَّضْتم لهُمْ بعد انتهائهم عن الشِّرك والقتال، كنتم أنْتُم ظالمينَ، فنسلِّط عليكم مَنْ يَعتدِي عليْكُم. قوله: {إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} في محلِّ رفع خبر "لا" التبرئة، ويجوزُ أن يكون خبرُها محذوفاً، تقديرُه: لا عُدْوَانَ على أحد؛ فيكونُ {إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} بدلاً على إعادةِ العامل، وهذا الجملةُ، وإنْ كانَت بصورة النَّفي، فهي في معنى النَّهي؛ لئلا يلزَم الخُلْفُ في خبره تعالى والعربُ إذا بالَغَتْ في النهي عن الشيء، أبْرَزَتْهُ في صورةِ النفي المَحْضِ؛ كأنه ينبغي ألاَّ يوجدَ البتة؛ فَدَلُّوا على هذا المعنى بما ذكرْتُ لك، وعكسُه في الإِثبات، إذا بَالَغُوا في الأمرِ بالشَّيْء، أبرزُوهُ في صُورة الخَبَر؛ نحو: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ}تفسير : [البقرة: 233] على ما سيأتي - إن شاء الله تعالى -.
السيوطي
تفسير : أخرج آدم بن أبي أياس في تفسيره وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} قال: لأصحاب محمد أمروا بقتال الكفار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ولا تعتدوا} يقول: لا تقتلوا النساء والصبيان، ولا الشيخ الكبير، ولا من ألقى السلم وكف يده، فإن فعلتم فقد اعتديتم. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن عمر قال "وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان". وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال "حديث : كنا إذا استنفرنا نزلنا بظهر المدينة حتى يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول انطلقوا بسم الله وفي سبيل الله تقاتلون أعداء الله، لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأة، ولا تغلوا ". تفسير : وأخرج وكيع وابن أبي شيبة عن يحيى بن يحيى الغساني قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أسأله عن هذه الآية {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} فكتب إلي أن ذلك في النساء والذرية من لم ينصب لك الحرب منهم.
القشيري
تفسير : لتكن نفوسُكم عندكم ودائعَ الحق؛ إنْ أَمَر بإِمساكها أَمْسِكُوها وصونوها، وإنْ أَمَرَ بتسليمها إلى القتل فلا تدَّخروها عن أمره، وهذا معنى قوله: {وَلاَ تَعْتَدُوا} وهو أن تقف حيثما أُوقِفْتَ، وتفعل ما به أُمِرْتَ.
البقلي
تفسير : {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} امر الله تعالى اهل عرفان الحقيقة بقتال النفس على السر مدية وقطع بنية دواعى البشرية سلامة صدورهم عند اجتماع هو مهم بين يدي وترك تجاوز الحد باهمالها والوقوف على حظوظها.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقاتلوا} جاهدوا {فى} نصرة {سبيل الله} واعزازه والمراد بسبيل الله دينه لانه طريق الى الله ومرضاته {الذين يقاتلونكم} يعنى قريشا وكان ذلك قبل ان امروا بقتال المشركين كافة المقاتلين منهم والمحاجزين لان هذه الآية اول اية نزلت فى القتال بالمدينة فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه اى يقاتل من واجهه للقتال وناجزه ويكف عن قتال من لم يناجز وان كان بينه وبينهم محاجزة وممانعة ويؤيده ما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ان هذه الآية نزلت فى صلح الحديبية وذلك ان النبى عليه السلام خرج مع اصحابه للعمرة فى ذى القعدة سنة ست من الهجرة وكانوا الفا واربعمائة فنزل فى الحديبية وهو موضع فى قرب مكة كثير المياه والاشجار وصدهم المشركون عن البيت الحرام فاقام شهرا وصالحه المشركون على ان يرجع ذلك العام ويأتى مكة فى العام المقبل ويعتمر فرضى بما قالوا وان يصدوهم عن البيت وكره الاصحاب قتالهم فى الشهر الحرام وفى الحرم فانزل الله تعالى {وقاتلوا} الآية {ولا تعتدوا} بابتداء القتال فى الحرم محرمين {إن الله لا يحب المعتدين} اى لا يريد بهم الخير.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {التهلكة}: مصدر هلك - بتشديد اللام - قاله ابن عطية. وضمن {تُلْقُوا} معنى تفضوا، أو تنتهوا، فعدَّاه بإلى، أي: ولا تفضوا بأنفسكم إلى التهلكة. ولا يحتاج إلى زيادة الباء. وسبب نزول الآية: أن المشركين صَدُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وصالحوه على أن يرجع في قابل، فيخلوا له البيت ثلاثة أيام، فرجع لعمرة القضاء، وخاف المسلمون ألا يفوا لهم، فيقاتِلُوا في الحرم والشهر الحرام، وكرهوا ذلك، فنزلت الآية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقاتلوا في سبيل الله} وإعلاء كلمته {الذين يقاتلونكم} أي: يبدءونكم بالقتال، {ولا تعتدوا} فتقاتلوهم قبل أن يبدءوكم، {إن الله لا يحب المعتدين} لا ينصرهم ولا يؤيدهم. ثم نسخ هذا بقوله:{أية : وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً...}تفسير : [التوبة: 36] الآية. {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي: وجدتموهم، ولا تتحرجوا من قتالهم في الحرم، فإنهم هم الذين صدوكم وبدأوكم بالإذاية، {وأخرجوهم} من مكة {حيث أخرجوكم} منها، {والفتنة} أي: الكفر الذي هم فيه، {أشد من القتل} لهم في الحرم، {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} ابتداءً {حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم} فيه {فاقتلوهم} فيه، وفي غيره، {كذلك جزاء الكافرين} يفعل بهم ما فعلوا بغيرهم، {فإن انتهوا} عن الشرك وأسلموا {فإن الله غفور} لهم {رحيم} بهم. {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} أي: شرك {ويكون الدين} خالصاً {لله} بحيث لا يبقى في جزيرة العرب إلا دين واحد، {فإن انتهوا} عن قتالكم، فلا تعتدوا؛ فإن {لا عدوان إلا على الظالمين} إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم. القتال الصدر منكم لهم في {الشهر الحرام} في مقابلة الصد الذي صدر منهم لكم في الشهر الحرام، {والحرمات قصاص} يقتص بعضها من بعض، فكما انتهكوا حرمة الشهر الحرام، بمنعكم من اليبت، فانتهكوا حرمتهم بالقتل فيه. {فمن اعتدى عليكم} بالقتال في الأشهر الحُرُم، أو في الحرَم {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله} فلا تنتصروا لنفوسكم، {واعلموا أن الله مع المتقين} بالحفظ والتأييد. {وأنفقوا في سبيل الله} في جهاد عدوكم، ولا تمسكوا عن الإنفاق فيه فتلقوا {بإيديكم} أي: بأنفسكم {إلى التهلكة} أي: الهلكة فيستولي عليكم عدوكم. رُوِيَ عن أبي أيوب الأنصاري (أنه كان على القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إن هذه الآية نزلت في الأنصار، قالوا - لما أعز الله الإسلام وكثرب أهله -: لو رجعنا إلى أهلينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها، فأنزل الله فينا {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، وأما هذا فهو الذي قال فيه الله تعالى:{أية : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ}تفسير : [البقرة: 207]) أو: ولا تنفقوا كل أموالكم فتتعرضوا للهلكة، أو الطمع في الخلق، ولكن القصد، وهو الوسط. {وأحسنوا} بالتفضل على المحاويج والمجاهدين: {إن الله يحب المحسنين} فيحفظهم، ويحفظ عقبهم إلى يوم القيامة. الإشارة: أعلم أن أعداء الإنسان التي تقطعه عن حضرة ربه أربعة: النفس والشيطان والدنيا والناس. فمجاهدة النفس: بمخالفة هواها، وتحميلها ما يَثقُل عليها حتى ترتاض، ومجاهدة الشيطان: بعصيانه، والاشتغال بالله عنه، فإنه يذوب بذكر الله، ومجاهدة الدنيا: بالزهد فيها، والقناعة بما تيسر منها، ومجاهدة الناس: بالغيبة عنهم والإعراض عنهم في الإقبال والإدبار. فيقول الحقّ جلّ جلاله للمتوجهين إليه: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} ويصدونكم عن حضرته، ولا تعتدوا فتشتغلوا بهم عن ذكري، والإقبال عليّ، {إن الله لا يحب المعتدين}. بل اقتلوهم حيث تعرضوا لكم فقط، فإذا ظهرت صورة النفس أدبها، ثم غاب في الله عنها، وكذلك بقية القواطع. وكان شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه يقول: (عداوة العدو حقّاً هي اشتغالك بمحبة الحبيب حقّاً، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو فاتتك محبة الحبيب، ونال العدو مراده منك). هـ. وأخرجوهم من قلوبكم من حيث أخرجوكم من حضرة ربكم، يعني: كما أخرجوكم من الحضرة في أيام الغفلة، أخرجوهم من قلوبكم في أيام اليقظة. والفتنة بالاشتغال بهم أشد من القتل لهم، ولا تقاتلوهم عند مسجد الحضرة وحال الغيبة في الله، فإن ذلك التفات إلى غير الله، كمن كان مقبلاً عليه حبيبه فجعل يلتفت إلى مَن يكلمه ويشغله عنه. وذلك في غاية الجفاء، حتى يقاتلوكم فيه، ويريدون أن يخرجوكم منه بوسوستهم، فإن قاتلوكم، وخطر على بالكم شيء من وسوستهم، فاقتلوهم بذكر الله، والتعوّذ منهم، فإن الله يكفيكم أمرهم، وينهزمون عنكم، كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا عنكم، وانقطع عنكم خواطرهم، فغيبوا عنهم فإن الله يستركم عنهم، وقاتلوهم على الدوام حتى لا تكون في قلوبكم فتنة منهم، ويكون التوجه كله لله، لا ينازعه شيء مما سواه، فإن انتهوا عنكم فلا تتعرضوا لهم؛ فإن ذلك عدوان وظلم،{أية : فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 193]. فإن جَنَحَتْ نفسُك إلى حرمة الطاعة الظاهرة؛ كتدريس علم أو جهاد أو غيرها، وأرادت أن تخرجك من حرمة الحضرة القدسية؛ وهي الفكرة والشهود والمعاينة، فقاتلها وأخرجها من حرمة تلك الطاعة، فالحرمات قصاص. فكما أخرجتك من حضرة ربك القدسية أخرِجْها من حضرة الطاعة الحسية إلى الطاعة القلبية. فإن الذَّرَّةَ من أعمال القلوب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. فمَن اعتدى عليكم، في زمن البطالة، فاعتدوا عليه في زمن اليقظة بمثل ما اعتدى عليكم. وكان شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول: جوروا على نفوسكم بقدر ما جارت عليكم هـ. أي: اقتلوها بقدر ما قتلتكم بالبعد عن ربكم. وكان أيضاً يقول: (جوروا على الوهم قل أن يجور عليكم). هـ. واتقوا الله فإن الله يعينكم عليها، {واعلموا أن الله مع المتقين}. وأنفقوا أنفسكم ومهجكم في سبيل الله، بأن تطرحوها في يد الله يفعل بها ما يشاء. {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} فتدبروا لها، وتختاروا لها، وتعتنوا بشؤونها، فإن ذلك غفلة عن ربكم. {وأحسنوا} أي: ادخلوا في مقام الإحسان؛ بأن تعبدوا لله كأنكم ترونه {إن الله يحب المحسنين} أي: يقربهم إلى حضرته، ويصطفيهم إلى محبته ومعرفته، خرطنا الله في سلكهم بمنِّه وكرمه.
الطوسي
تفسير : المعنى: القتال هو المقاتلة، وهو محاولة الفاعل لقتل من يحاول قتله، والتقاتل محاولة كلّ واحد من المتعاديين قتل الآخر. والخطاب بقوله {وقاتلوا} متوجه إلى المؤمنين. ولو قال: {تقاتلوا} لكان أمراً للفريقين. وذهب الحسن، وابن زيد، والربيع، والجبائي: إلى أن هذه الآية منسوخة، لأنه قد وجب علينا قتال المشركين وإن لم يقاتلونا بقوله {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : وقوله: {أية : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}. تفسير : وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز: أنها غير منسوخة. وقال بعضهم: أمروا بقتال المقاتلين دون النساء. وقيل: إنهم أمروا بقتال أهل مكة. والأولى حمل الآية على عمومها إلا من أخرجه الدليل. وقوله {تعتدوا} قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - لا تعتدوا بالقتال بقتال من لم تؤمروا بقتاله. الثاني - لا تعتدوا الى النساء، والصبيان، ومن قد أعطيتموه الأمان. الثالث - لا تعتدوا بالقتال على غير الدين. فان قيل: إذا كان الاعتداء في قتال من لم يقاتلهم فكيف يجوز أن يؤمروا به فيما بعد؟ قيل: إنما كان اعتداء من أجل أنه مجاوزة لما حده الله لهم مما فيه الصلاح للعباد، ولم يكن فيما بعد على ذلك، فجاز الأمر به. وقوله: {في سبيل الله} يعنى دين الله، وهو الطريق الذي بيّنه للعباد، ليسلكوه على ما أمرهم به ودعاهم إليه. وقوله: {لا يحب المعتدين} معناه لا يريد ثوابهم، ولا مدحهم، كما يحب ثواب المؤمنين. وقد بينا فيما مضى أن المحبة هي الارادة. وإنما قلنا إنها من جنس الارادة، لأن الكراهة تنافيها، ولا يصح إجتماعهما، ولأنها تتعلق بما يصح حدوثه لا كالارادة، فلا يصح أن يكون محباً للايمان كارهاً له، كما بينا في أن يكون مريداً له وكارها. وتعلق المحبة بأن يؤمن، كتعلق الارادة بأن يؤمن. وإنما اعتيد في المحبة الحذف، ولم يعتد ذلك في الاراده، فيقال: الله يحب المؤمن، ولا يقال: الله يريد المؤمن. وقوله: {لا يحب المعتدين} ظاهره يقتضي أنه يسخط عليهم، لأنه على وجه الذم لهم إذ لا يجوز أن يطلق على من لا ذنب له من الاطفال، والمجانين. والاعتداء مجاوزة الحق. وأصله المجاوزة، يقال: عدا اذا جاوز حّده في الاسراع. وروي عن أئمتنا (ع) أن قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله} ناسخ لقوله: {أية : كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}تفسير : وكذلك قوله: {أية : واقتلوهم حيث ثقفتموهم}تفسير : ناسخ لقوله {أية : ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم}.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله} قيل: هي اول آية نزلت في القتال {ولا تعتدوا} فتبدأوا بالقتال، وقيل: لا تقتلوا النساء والصبيان، وقيل: الآية منسوخة بما في براءة، وقيل: بالآية الثانية وهي قوله تعالى: {واقتلوهم}، {والفتنة أشدّ من القتل} قيل: البلاء والمحن التي تنزل بالإنسان أشد عليه من القتل، وقيل: الشرك أعظم من القتل في الحرم {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} الآية تدل على المنع من الابتداء بالقتال في الحرم وانهم اذا بدأُوا جاز بعد ذلك، وقيل: الآية منسوخة بقوله تعالى: {وقاتلوهم} وهي غير منسوخة {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} اي شرك {ويكون الدين لله} خالصاً ليس للشيطان فيه نصيب {فان انتهوا} من الشرك فلا تعتدوا على المنتهيين {الشهر الحرام بالشهر الحرام} أي هذا الشهر الحرام بذلك الشهر وهتكه بهتكه يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم وهو ذو القعدة قبائلهم المشركون عام الحديبيَّة وهو ذو القعدة {والحرمات قصاص} يعني كل حرمة اي حرمة كانت اقتص منه، وقيل: القتال بالشهر الحرام بالقتال في الشهر الحرام، وقيل: حرمة الشهر وحرمة البلد وحرمة الاحرام قصاص يعني قضاء عما فات واكد ذلك بقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم} الآية {ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة} قيل: بالبخل، وقيل: بارتكاب المعاصي، وقيل: بترك الانفاق في سبيل الله ولهذا عقبه بقوله تعالى: {واحسنوا ان الله يحب المحسنين واتموا الحج والعمرة لله} أَتَوا بهما تامَّين كاملين بمناسكهما وشرائطهما لوجه الله تعالى {ولا تحلقوا رؤوسكم} خطاب للمحضرين اي لا تحلقوا حتى تعلموا ان الهَدي الذي بعثتموه الى الحرم قد بلغ الى محله أي مكانه الذي نحر فيه {فمن كان منكم مريضاً} أي فمن كان به مرض يحوجه الى الحلق {او به اذى من رأسه} وهو القتل أو الجراحة فعليه اذا حلق {فدية من صيام ثلاثة ايام {او صدقة} على ستة مساكين كل مسكين نصف صاع {او نسك} وهو شاة {فاذا أمنتم} الاحصار يعني فاذا لم تحصروا وكنتم في حال سعة {فمن تمتع} اي استمتع {بالعمرة الى وقت الحج} انتفاعه بالتقرب بها الى الله تعالى {فما استيسر من الهدي} هو هَدي المتعة وهو نسك {فمن لم يجد} الهدي فعليه {صيام ثلاثة ايام في الحج وسبعة اذا رجعتم} بمعنى اذا قدمتم وفرغتم من اعمال الحج، عند أبي حنيفة وعند الشافعي هو الرجوع الى اهاليهم ذلك اشارة الى التمتع عند أبي حَنيفَة واصحابه المتعة ولا قران لـ {حاضري المسجد الحرام} وعند الشافعي اشارة الى الحكم الذي هو وجوب الهدي والصوم.
الهواري
تفسير : قوله: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} وذلك قبل أن يؤمروا بقتال المشركين كافة، فكانوا لا يقاتلون إلا من قاتلهم. قوله: {وَلاَ تَعْتَدُوا} أي في حربكم فتقتلوا من لا يقاتلونكم، وتقتلوا من قد آمنتموه وتَحرَّم بحرمتكم {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، ثم أمر بقتالهم في سورة براءة فقال: (أية : فَاقَْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) تفسير : [التوبة:5]. قوله: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} يعني من مكة {والفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} والفتنة هاهنا الشرك. وقال مجاهد: ارتداد المؤمن عن الدين أشد عليه من أن يقتل مُحِقّاً. قال: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}. قال بعض المفسِّرين: كانوا لا يبدأون في الحرم بقتال إلا أن يقاتلوهم فيه. ثم أنزل الله: (أية : فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) تفسير : [التوبة:5] فأمروا أن يقاتلوهم في الحلّ والحرم. وعند البيت حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله. وقوله: {فَإِن انتَهَوْا} أي عن قتالكم ودخلوا في دينكم {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي شرك {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِن انتَهَوْا} عن شركهم {فَلاَ عُدْوَانَ} أي: فلا سبيل {إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} أي الظالم الذي يأبى أن يقول لا إله إلا الله. قوله: {الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ}. ذكروا عن مجاهد أنه قال: كان المشركون صدُّوا النبي عليه السلام عام الحديبية، وفخروا عليه بذلك؛ فصالحهم على أن يرجع من العام المقبل في ذلك الشهر، فيدخل مكة، فيقيم فيها ثلاثة أيام. وكان ذلك في ذي القعدة. فأدخله الله من العام المقبل مكة واقتصّ له منهم. وهو قوله: {الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ}. وقال الحسن: إن استحللتم منا القتال في الشهر الحرام استحللناه منكم، فإن الحرمات قصاص. وكان ذلك قبل أن يؤمر بقتالهم كافة. قال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} فاستحلَّ منكم القتال {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} أي: فاستحلوا منه. وتأويل الاعتداء هنا هو المجاوزة. يقول: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}. أي جاوز إليكم ما كان يحرمه منكم {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}. أي فجاوزوا ما كنتم تحرّمون منه. وقال الكلبي: قوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة من العام المقبل لما كان صالحهم عليه من دخولها ويقيم فيها ثلاثة أيام، فقدم مكة وخرجت قريش كهيئة البزاء، فخاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يفي لهم المشركون، فقال الله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} يقول: إن قاتلوكم دون البيت فقاتلوهم. وقال السدي: إن اعتدوا عليكم فقاتلوكم في ذلك العهد فقاتلوهم. وقال بعضهم: أقبل نبي الله وأصحابه فاعتمروا في ذي القعدة ومعهم الهدي حتى إذا كانوا بالحديبية صدّهم المشركون. فصالحهم نبي الله أن يرجع عامه ذلك حتى يرجع من العام المقبل، فيكون بمكة ثلاثة أيام وثلاث ليال، ولا يدخلها إلا بسلاح الراكب، ولا يخرج بأحد من مكة. فنحروا الهدي بالحديبية، وحلقوا وقصّروا. فأقصّه الله منهم، فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كان ردوه فيه في ذي القعدة، فقال: {الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ}... إلى آخر الآية. قال: {وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}.
اطفيش
تفسير : {وقَاتِلوُا فى سَبيلِ اللهِ}: أى قاتلوا فى شأن الله، أو قاتلوا لأجل دين الله، سماه سبيلا لأنه طريق إلى رضاه وجنته، والقتال فى سبيل الله أن يجاهدوا لإعلاء دينه وكلمته وإعزازهما، وامتثالا واحتساباً لرضاه، روى البخارى ومسلم عن أبى موسى الأشعرى: حديث : سئل رسول الله - صلى الله عليهِ وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياءً، أى ذلك فى سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله"تفسير : ، أى لا لمجرد دعاء الشجاعة إلى القتال ولا للحمية الدنيوية ولا للرياء، وهذه أول آية نزلت فى الأمر بالقتال. {الَّذينَ يُقَاتِلونَكُم}: من المشركين، ولا تقاتلوا من لم يقاتلكم منهم، وهذا قبل أن يؤمروا بقتال المشركين كافة، فكانوا لا يقاتلون إلا من قاتلهم. قال الربيع بن أنس: لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمر بقتال من قاتله من المشركين، وكانت هذه أول آية نزلت فى القتال. وقيل أول ما نزل فيه قوله تعالى:{أية : أذِنَ لِلذينَ يُقَاتلونَ}تفسير : ثم أمر بقتال المشركين كافة، قاتلوا أم لم يقاتلوا بقوله تعالى:{أية : وقَاتلُوا المشْركِينَ كَافْة كما يُقاتِلونُكم كافة}،تفسير : وبقوله:{أية : فاقْتُلوُهُمْ حيث ثقفْتموُهُمْ} {أية : واقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : فهذه الآية منسوخة بقوله: {أية : وقَاتِلوا المشركين كافة}،تفسير : وقوله:{أية : واقتلُوهم حيث ثقفتموهم} {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : هذا قول ابن زيد والربيع بن أنس. {ولا تَعْتدُوا}: أى لا تجاوزوا الحد بقتال من لم يقاتلكم، ولا بقتال المعاهدين ولا بنقض العهد ولا بمثلةٍ، فيمن قاتلكم ولا بقتال بلا دعوة إلى دين الإسلام، فالدعوة باقية إلى يوم القيامة، ولا بقتل الصبيان والشيوخ الذين لا يرجع إليهم أمر القتال والمشاورة، ولا يقاتلون. ولا بقتل المرأة إلا إن قاتلت، وكذا العبد، ولا بقتل الرهبان والزمنى والأعمى والمجنون، ولا من ألقى إليكم السلم. روى مسلم عن بريدة: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه على خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: "اغزوا بالله فى سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله ولا تغلوا ولا تعتدوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً"تفسير : والغلول والإخفاء من الغنمة، وقيل إن الآية لا نسخ فيها، بل المعنى قاتلوا الذين تأهلوا للقتال دون من عاهد ودون الصبيان ومن ذكر بعدهم، ولا تعتدوا بمثله، أو قتال بلا دعوة. وقال ابن عباس: قاتلوا من تأهل للقتال ولا تعتدوا بقتال من لم يتأهل كالنساء والصبيان والشيوخ، ومن ألقى إليكم السلم. وروى عنه رضى الله عنه أنه لما صدّ المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قابل، فيخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف بالبيت، فلما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة الضاء خافوا ألا تفئ قريش بما قالوا ويصدوهم عن البيت، وكرهوا أن يقاتلوهم فى الإحرام والشهر الحرام فأنزل الله: {وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم} يقول يقاتلونكم فى الشهر الحرام والحرام والإحرام ولا تعتدوا بقول ولا تبدأوا بالقتال، وهذا يؤيد القول بأن الآية نزلت قبل أن يؤمروا بقتال المشركين كافة. {إنَّ الله لا يُحبُّ المعْتدِينَ}: المتجاوزين ما حد لهم أى لا يريد لهم الخير ولا يرضى عنهم، فإن حب الله عبده رضاه عنه وإرادته الخير له.
اطفيش
تفسير : {وَقَٰتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ} رد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت عام الحديبية من الحديبية، وهى موضع فيه ماء وشجر أقاموا فيه ثلاثين يوما وصالحوه على أن يرجع من قابل، وكانوا معتمرين فى ذى القعدة ومعهم الهدى، فلما كان العام القابل تجهزوا بعمرة القضاء فى ذى القعدة، وخافوا أن لا يفى المشركون بذلك وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكرهوا القتال فى الشهر الحرام، فنزلت الآية، ودخلوا مكة معتمرين فأقاموا بها ثلاث ليال، وقد فخروا حين ردوه فأقصه الله منهم فأدخله مكة فى الشهر الذى ردوه فيه، سميت عمرة القضاء لأنهم وعدوه بها فوفوا له بها، وذلك فى العام السابع وعدوه بها فى العام السادس يوم الحديبية، وفيها وقع قتال خفيف بحجارة وسهام، والمسلمون ألف وأربعمائة، وقدم فى سبيل الله ترغيباً فى الإخلاص لإعلاء الدين، والآية تدل على أنه لا يجوز لهم قتال من لم يقاتلهم، وهذا المفهوم منسوخ بما نزل بعده، وهو قوله تعالى "أية : فاقتلوا المشركين"تفسير : [التوبة: 5] وقوله "أية : واقتلوهم حيث ثقفتموهم" تفسير : [البقرة: 191] فتكون الآيتان على ما زعموا ناسخة سبعين آية نهى فيها عن القتال، وأما قوله تعالى "أية : أذن للذين يقاتلون" تفسير : [الحج: 39] فأول آية نزلت فى الإذن بالقتال نزلت قبل هذه، وهى مثلها فى أنه، يقاتلون من يقاتلهم ونسخ المفهوم بناء على أنه حكم شرعى، ومعنى يقاتلونكم تتوقعون منهم القتال، بأن أخذوا فى أهبته {وَلاَ تَعْتَدُواْ} تجاوزوا ما حد لكم بابتداء القتال، أو بقتل من لا يقاتل كالنساء والصبيان والرهبان والشيوخ والمعاهد وكل من كف يده، وبالقتال بلا دعوة والمثلة {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} عموما وهو لعموم السلب والمعنى لا أحد منهم يحب الله له الخير.
الالوسي
تفسير : {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي جاهدوا لإعزاز دين الله تعالى وإعلاء كلمته ـ فالسبيل ـ بمعنى الطريق مستعار لدين الله تعالى وكلمته لأنه يتوصل المؤمن به إلى مرضاته تعالى، والظرفية التي هي مدلولة في ترشيح للاستعارة {ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ} أي يناجزونكم القتال من الكفار، وكان هذا ـ على ما روي عن أبـي العالية ـ قبل أن أمروا بقتال المشركين كافة ـ المناجزين والمحاجزين ـ فيكون ذلك حينئذ تعميماً بعد التخصيص المستفاد من هذا الأمر مقرراً لمنطوقه ناسخاً لمفهومه ـ أي لا تقاتلوا المحاجزين ـ وكذا المنطوق في النهي الآتي فإنه على هذا الوجه مشتمل على النهي عن قتالهم أيضاً. وقيل: معناه الذين يناصبونكم القتال، ويتوقع منهم ذلك دون غيرهم عن المشايخ والصبيان والنساء والرهبان فتكون الآية مخصصة لعموم ذلك الأمر مخرجة لمن لم يتوقع منهم وقيل: المراد ما يعم سائر الكفار فإنهم بصدد قتال المسلمين وقصده فهم في حكم المقاتلة قاتلوا أو لم يقاتلوا، ويؤيد الأول ما أخرجه أبو صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القصاء وخافوا أن لا تفي/ لهم قريش بذلك وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام في الحرم فأنزل الله تعالى الآية، وجعل ما يفهم من الأثر ـ وجهاً رابعاً في المراد بالموصول بأن يقال المراد به من يتصدى ـ من المشركين للقتال في الحرم وفي الشهر الحرام كما فعل البعض ـ بعيد لأنه تخصيص من غير دليل وخصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم. {وَلاَ تَعْتَدُواْ} أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السلم وكف يده فإن فعلتم فقد اعتديتم رواه ابن أبـي حاتم عن ابن عباس ـ أو لا تعتدوا ـ بوجه من الوجوه كابتداء القتال أو قتال المعاهد أو المفاجأة به من غير دعوة أو قتل من نهيتم عن قتله قاله بعضهم، وأيد بأن الفعل المنفي يفيد العموم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} أي المتجاوزين ما حد لهم وهو كالتعليل لما قبله ومحبته تعالى لعباده في المشهور عبارة عن إرادة الخير والثواب لهم ولا واسطة بين المحبة والبغض بالنسبة إليه عز شأنه وذلك بخلاف محبة الإنسان وبغضه فإن بينهما واسطة وهي عدمهما.
ابن عاشور
تفسير : جملة {وقاتلوا} معطوفة على جملة { أية : وليس البر } تفسير : [البقرة: 189] الخ، وهو استطراد دعا إليه استعداد النبي - صلى الله عليه وسلم - لعُمرة القضاء سنة ست وتوقعُ المسلمين غدر المشركين بالعهد، وهو قتال متوقع لقَصْد الدفاع لقوله: {الذين يقاتلونكم}، وهذه الآية أول آية نزلت في القتال وعن أبي بكر الصديق أول آية نزلت في الأمر بالقتال قوله تعالى: { أية : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } تفسير : في [سورة الحج: 39] ورجحه ابن العربي بأنها مكية وآية سورة البقرة مدنية. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله أرسل عثمان بن عفان إلى أهل مكة فأرجف بأنهم قتلوه فبايع الناس والرسولَ على الموت في قتال العدو ثم انكشف الأمر عن سلامة عثمان. ونزول هذه الآيات عقب الآيات التي أشارت إلى الإحرام بالعمرة والتي نراها نزلت في شأن الخروج إلى الحديبية ينبىء بأن المشركين كانوا قد أضمروا ضد النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين ثم أعرضوا عن ذلك لما رأوا تهيؤ المسلمين لقتالهم، فقوله تعالى: { أية : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } تفسير : [البقرة: 191] إرشاد للمسلمين بما فيه صلاح لهم يومئذٍ، ألا ترى أنه لما انقضت الآيات المتكلمة عن القتال عاد الكلام إلى الغرض الذي فارقته وذلك قوله: { أية : وأتموا الحج والعمرة لله } تفسير : [البقرة: 196]، الآيات على أنه قد وقع في صلح الحديبية ضرب مدة بين المسلمين والمشركين لا يقاتل فريق منهم الآخر فخاف المسلمون عام عمرة القضاء أن يغدر بهم المشركون إذا حلوا ببلدهم وألاّ يفوا لهم فيصدوهم عن العمرة فأمروا بقتالهم إن هم فعلوا ذلك. وهذا إذن في قتال الدفاع لدفع هجوم العدو ثم نزلت بعدها آية براءة: { أية : وقاتلوا المشركين كافة } تفسير : [التوبة: 36] ناسخة لمفهوم هذه الآية عند من يرى نسخ المفهوم ولا يرى الزيادة على النص نسخاً، وهي أيضاً ناسخة لها عند من يرى الزيادة على النص نسخاً ولا يرى نسخ المفهوم، وهي وإن نزلت لسبب خاص فهي عامة في كل حال يبادىء المشركون فيه المسلمين بالقتال، لأن السبب لا يخصص. وعن ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد أن هاته الآية محكمة لم تنسخ، لأن المراد بالذين يقاتلوكم الذين هم متهيئون لقتالكم أي لا تقاتِلوا الشيوخ والنساء والصبيان، أي القيد لإخراج طائفة من المقاتلين لا لإخراج المحاجزين، وقيل: المراد الكفار كلهم، فإنهم بصدد أن يقاتلوا. ذكره في «الكشاف»، أي ففعل {يقاتلونكم} مستعمل في مقارنة الفعل والتهيؤ له كما تقدم في قوله تعالى: { أية : إن ترك خيراً } تفسير : [البقرة: 180]. والمقاتلة مفاعلة وهي حصول الفعل من جانبين، ولما كان فعلها وهو القتل لا يمكن حصوله من جانبين؛ لأن أحد الجانبين إذا قتل لم يستطع أن يَقْتل كانت المفاعلة في هذه المادة بمعنى مفاعلة أسباب القتل أي المحاربة، فقوله {وقاتلوا} بمعنى وحاربوا والقتال الحرب بجميع أحوالها من هجوم ومنع سبل وحصار وإغارة واستيلاء على بلاد أو حصون. وإذا أسندت المفاعلة إلى أحد فاعلَيْها فالمقصود أنه هو المبتدىء بالفعل، ولهذا قال تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله} فجعل فاعل المفاعلة المسلمين ثم قال: {الذين يقاتلونكم} فجعل فاعله ضمير عدوهم، فلزم أن يكون المراد دافعوا الذين يبتدئونكم. والمراد بالمبادأة دلائل القصد للحرب بحيث يتبين المسلمون أن الأعداء خرجوا لحربهم وليس المراد حتى يضربوا ويهجموا؛ لأن تلك الحالة يفوت على المسلمين تداركها، وهذا الحكم عام في الأشخاص لا محالة، وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأمكنة والأزمنة على رأي المحققين، أو هو مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع، ولهذا قال تعالى بعد ذلك: { أية : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلونكم فيه } تفسير : [البقرة: 191] تخصيصاً أو تقييداً ببعض البقاع. فقوله: {ولا تعتدوا أي لا تبتدئوا بالقتال وقوله: إن الله لا يحب المعتدين} تحذير من الاعتداء؛ وذلك مسالمة للعدو واستبقاء لهم وإمهال حتى يجيئوا مؤمنين، وقيل: أراد ولا تعتدوا في القتال إن قاتلتم ففسر الاعتداء بوجوه كثيرة ترجع إلى تجاوز أحكام الحرب والاعتداء الابتداء بالظلم وتقدم عند قوله تعالى: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} آنفاً.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}. فيه ثلاثة أوجه للعلماء: الأول: أن المراد بالذين يقاتلونكم من شأنهم القتال، أي دون غيرهم، كالنساء، والصبيان، والشيوخ الفانية، وأصحاب الصوامع. الثاني: أنها منسوخة بآيات السيف الدالة على قتالهم مطلقاً. الثالث: أن المراد بالآية تهييج المسلمين وتحريضهم على قتال الكفار، فكأنه يقول لهم: هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم، وأعداؤكم الذين يقاتلونكم، وأظهرها الأول. وعلى القول الثالث فالمعنى يبينه ويشهد له قوله تعالى: {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} تفسير : [التوبة: 36].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: سبيل الله: الطريق الموصل إلى رضوانه وهو الإِسلام والمراد إعلاء كلمة الله. الذين يقاتلونكم: المشركون الذين يبدؤونكم بالقتال. ولا تعتدوا: لا تجاوزوا الحد فتقتلوا النساء والأطفال ومن اعتزال القتال. ثقفتموهم: تمكنتم من قتالهم. الفتنة: الشرك. المسجد الحرام: المراد به مكة والحرم من حولها. ويكون الدين لله: بأن لم يبق من يعبد غير الله تعالى. فلا عدوان: أي لا إعتداء بالقتل والمحاربة إلا على الظالمين. أما من أسلم فلا يقاتل. معنى الآيات: هذه الآيات الثلاث: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} من أوائل ما نزل في شأن قتال المشركين وهي متضمنة الأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بقتال من يقاتلهم والكف عمن يكف عنهم، وقال تعالى، وقاتلوا في سبيل الله أي في سبيل إعلاء كلمة الله ليعبد وحده. الذين يقاتلونكم، واقتلوهم حيث تمكنتم منهم، وأخرجوهم من ديارهم كما أخرجوكم أيها المهاجرون من دياركم، ولا تتحرجوا من القتل، فإن فتنتهم للمؤمنين لحملهم على الكفر بالاضطهاد والتعذيب أشد من القتل. {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} فلا تكونوا البادئين فإن قاتلوكم فاقتلوهم. كذلك القتل والإِخراج الواقع منكم لهم يكون جزاء كل كافر يعتدي ويظلم. فإن انتهوا عن الشرك والكفر وأسلموا فإن الله يغفر لهم ويرحمهم لأن الله تعالى غفور رحيم. أما الآية الرابعة [193] وهي قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} فهي مقررة لحكم سابقاتها إذ فيها بقتال المشركين الذين قاتلوهم قتالاً يستمر حتى لا يبقى في مكة من يضطهد في دينه ويفتن فيه ويكون الدين كله لله فلا يعبد غيره، وقوله فإن انتهوا من الشرك بأن أسلموا ووحدوا فكفوا عنهم ولا تقاتلوهم، إذ لا عدوان إلا على الظالمين وهم بعد إسلامهم ما أصبحوا ظالمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب قتال من يقاتل المسلمين، والكف عمن يكف عن قتالهم وهذا قبل نسخ هذه الآية. 2- حرمة الاعتداء في القتال بقتل الأطفال والشيوخ والنساء إلا أن يقاتلن. 3- حرمة القتال عند المسجد الحرام أي مكة والحرم إلا أن يبدأ العدو بالقتال فيه فيقاتل. 4- الإِسلام يجب ما قبله لقوله تعالى: {فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. 5- وجوب الجهاد وهو فرض كفاية ما وجد مؤمن يضطهد لإِسلامه أو يفتن في دنيه.
القطان
تفسير : سبيل الله: دينه. ثقفه: ظفِر به. الفتنة: الابتلاء والشرك. هذا أول أمر نزل للمؤمنين بالقتال، وهو كما نراه واضح محدد، فهو ان يقاتلوا الذين يعتدون عليهم، ولذلك قال: ولا تعتدوا بمبادأتهم، أو بقتل من لا يقاتل ولا رأي له في القتال، ان الله لا يحب المعتدين. واذا نشب القتال، فاقتلوا أولئك الذين بدأوكم بالقتال حيث وجدتموهم، وأخرجوهم من مكة، وطنكم التي أخرجوكم منها. ولا تتحرجوا من ذلك فقط فعلوا ما هو أشد من القتل في المسجد الحرام، لقد فتنوا المؤمنين في مكة عن دينهم، بالتعذيب، حتى فروا من وطنهم. ولكن، ان للمسجد الحرام حرمته فلا تنتهكوها الا اذا انتهكوها هم، فان قاتلوكم فيه فاقتلوهم وأنتم الغالبون باذن الله. فان انتهوا ورجعوا عن الكفر بأن انقادوا الى الاسلام، فان الله يقبل منهم ويغفر لهم ما سلف من كفرهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَقَاتِلُواْ} {يُقَاتِلُونَكُمْ} (190) - هذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي القِتَالِ فِي المَدِينَةِ. قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَبِثَ بَعْدَ هذِهِ الآيَةِ يُقَاتِلُ مَنْ قَاتَلَهُ، وَيَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ، حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ التَّوْبَةِ، وَجَاءَ فِيها: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : وَهذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي صُلْحِ الحُدَيْبِيَّةِ، فقدْ خَافَ المُسْلِمُونَ أَنْ لا تَفِيَ لَهُمْ قُرَيْشٌ بِمَا اتَّفَقَتْ عَلَيهِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَتَصُدَّهُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ بِالقُوَّةِ وَتُقَاتِلَهُمْ، وَكَرِهَ المُسْلِمُونَ القِتَالَ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، وَفِي البَلَدِ الحَرَامِ. وَفِي هذِهِ الآيَةِ يَأْذَنُ اللهُ لِلْمُؤْمِنينَ فِي قِتَالِ المُشْرِكِينَ إِعْزَازاً لِدِينِ اللهِ، وَإِعلاءً لِكَلِمَتِهِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِأَلاَّ يَعْتَدُوا فِي ذلِكَ، وَأَنْ لا يَبْدَؤُوهُمْ بِالقِتَالِ. (وَيَدْخُلُ فِي الاعْتِدَاءِ ارْتِكَابُ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ كَالمُثْلَةِ فِي القَتْلِى، وَالغُلُولِ (وَهُوَ إِخْفَاءُ شَيءٍ مِنَ المَغْنَمِ)، وَقَتْلِ النِّسِاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالشُّيُوخِ، وَأَصْحَابِ الصَّوامِعِ، وَتَحْرِيقِ الأَشْجَارِ، وَقَتْلِ الحَيَوانِ لِغَيرِ مَصْلَحَةٍ).
الثعلبي
تفسير : {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} دين الله وطاعته {ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}. قال الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه أوّل آية نزلت في القتال فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من يقاتله ويكف عمن كفَّ عنه حتّى نزلت: (اقتلوا المشركين) فنسخت هذه الآية {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من أُلقي إليكم السلم وكف يده فإن فعلتم ذلك فقد اعتديتم وهو قول ابن عبّاس ومجاهد. وقال يحيى بن عامر: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أسأله عن قوله {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ}. فكتب إليَّ: إن ذلك في النساء والذرية والرهبان ومن لم ينصب الحرب منهم. وقال الحسن: لا يعتدوا أي لا تأتوا مانهيتم عنه. وقال بعضهم: الاعتداء ترك قتالهم. علقمة بن مرثد عن سليمان بن يزيد عن أبيه قال:" حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أوصى في خاصة نفسه بتقوى الله وممن معه من المسلمين خيراً وقال: إغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إغزوا ولا تغلّوا ولا تعدروا ولا تقتلوا وليداً ". تفسير : وعن عطاء بن أبي رباح قال: لما استعمل أبو بكر يزيد بن أبي سفيان على الشام خرج معه يشيعهُ أبو بكر ماشياً وهو راكب فقال له يزيد: يا خليفة رسول الله إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال أبو بكر: ما أنت بنازل ولا أنا براكب إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله، إني أوصيّك وصية إن أَنت حفظتها ستمر على قوم قد حبسوا أنفسهم في الصوامع زعموا لله فزعهم وما حبسوا له أنفسهم، وستمر على قوم قد فحصوا عن أوساط رؤسهم وتركوا من شعورهم أمثال العصائب، فاضرب ما فحصوا منه بالسيف. ثمّ قال: "لا تقتلوا إمرأة ولا صبياً ولا شيخاً فانياً ولا تعقروا شجراً مثمراً ولا تغرقوا نخلاً ولا تحرقوه ولا تذبحوا بقرة ولا شاة إلاّ لمأكل ولا تخربوا عامراً". الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في صلح الحديبية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج هو وأصحابه في العام الذي أرادوا فيه العمرة وكانوا ألفاً وأربعمائة فساروا حتّى نزلوا الحديبية فصدهم المشركون عن البيت الحرام فنحروا الهدي بالحديبية ثمّ صالحه المشركون على أن يرجع عامه ذلك على أن يخلى له بكل عام قابل ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء، فصالحهم رسول الله ثمّ رجع من فوره ذلك إلى المدينة فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا يفي لهم قريش وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قتالهم في الشهر الحرام في الحرم فأنزل الله {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} محرمين {ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} يعني قريشاً {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} ولا تظلموا فتبدؤا في الحرم بالقتال محرمين. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} ثمّ قال {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم} وجدتموهم وأصل يثقف بحذف والبصر بالأمر، يقال: رجل ثقف لقف إذا كان حاذقاً في الحرب بصيراً بمواضعها جيد الحذر فيه، فمعنى الآية: واقتلوهم حيث أبصرتم مقابلتهم وتمكنتم من قتلهم. {وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} يعني مكّة {وَٱلْفِتْنَةُ} يعني الشرك {أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ} يعني وشركهم بالله عزّ وجلّ أعظم من قتلكم إياهم في الحرم والحرم الإحرام، قاله عامّة المفسّرين. وقال الكسائي: الفتنة هاهنا العذاب وكانوا يعذبون من أسلم. {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ}. قرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرف ويحيى بن رئاب والأعمش وحمزة والكسائي: {يُقَاتِلُوكُمْ} بغير ألف من القتل على معنى لا تقتلوا بعضهم. تقول العرب: قتلنا بني فلان وإنّما قتلوا بعضهم، لفظه عام ومعناه خاص. وقرأ الباقون: كلها بالألف من القتال، واختلفوا في حكم هذه الآيات. فقال قوم: هي منسوخة ونهوا عن الابتداء بالقتال، ثمّ نسخ ذلك بقوله {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} هذا قول قتادة والربيع. مقاتل بن حيان: {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم} أي حيث أدركتم في الحل والحرم، لما نزلت هذه الآية نسخها قوله {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} ثمّ نسختها آية السيف في [براءة] فهي ناسخة ومنسوخة. وقال آخرون: هذه الآية محكمة ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وهو قول مجاهد وأكثر المفسرين. {كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ * فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ} عن القتال والكفر {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} لما سلف {رَّحِيمٌ} بعباده، نظيرها في الأنفال {وَقَاتِلُوهُمْ} يعني المشركين {حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} شرك يعني قاتلوهم حتّى يسلموا فليس يقبل من المشرك الوثني جزية ولا يرضى منه إلاّ بالإسلام وليسوا كأهل الكتاب بالذين يؤخذ منهم الجزية والحكمة فيه على ما قال المفضل بن سلمة إن مع أهل الكتاب كتباً منزلة فيها الحقّ وإن كانوا قد حرفوها فأمهلهم الله تعالى بحرمة تلك الكتب من القتل [واهواء] صغارهم بالجزية، ولينظروا في كتبهم ويتدبرونها فيقفوا على الحق منها ويمنعوه كفعل مؤمني أهل الكتاب ولم يكن لأهل الأوثان من يرشدهم إلى الحقّ وكان إمهالهم زائداً في اشراكهم فإنّ الله تعالى لن يرضى منهم إلاّ بالإسلام أو القتل عليه. {وَيَكُونَ ٱلدِّينُ} الإسلام {للَّهِ} وحده فلا يعبد دونه شيء، قال المقداد بن الأسود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يبقى على ظهر الأرض بيت (معد) ولا وبر إلاّ أدخله الله عزّ وجلّ كلمة الإسلام، إما بعزّ عزيز أو بذل ذليل، إما أن يعزهم فيجعلهم الله من أهله فيعزوا به، وإما أن يذلهم فيدينون لها ". تفسير : {فَإِنِ ٱنْتَهَواْ} عن الكفر والقتال {فَلاَ عُدْوَانَ} فلا سبيل ولا حجة {إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ}. قال ابن عباس: يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ {أية : قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ} تفسير : [القصص: 28] أي فلا سبيل عليَّ وقال أهل المعاني: العدوان الظلم، دليله قوله تعالى {أية : وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} تفسير : [المائدة: 2] ولم يرد الله تعالى بهذا أمراً بالظلم أو إباحة له وإنما حمله على اللفظ الأوّل على ظهر (المجادلة) فسمى الجزاء على الفعل فعلاً كقوله تعالى {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40] وقوله {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}. وقال عمرو بن كلثوم: شعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : قتادة وعكرمة: في هذه الآية، الظالم الذي يأبى أن يقول لا إله إلاّ الله، وإنّما سمي الكافر ظالماً، لوضعه العبادة في غير موضعها.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وسبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتاق هو وصحابته إلى البيت الحرام، وأرادوا أن يعتمروا، فجاءوا في ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة. وأرادوا أن يؤدوا العمرة. فلما ذهبوا وكانوا في مكان اسمه الحديبية، ووقفت أمامهم قريش وقالت: لا يمكن أن يدخل محمدٌ وأصحابه مكة. وقامت مفاوضات بين الطرفين، ورضي رسول الله بعدها أن يرجع هذا العام على أن يأتي في العام القادم، وتُخلى لهم مكة ثلاثة أيام في شهر ذي القعدة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بشر أصحابه بأنهم سيدخلون المسجد الحرام محلقين ومقصرين، وشاع ذلك الخبر، وفرح به المسلمون وسعدوا، ثم فوجئوا بمفاوضات رسول الله ورجوعه على بعد نحو عشرين كيلو متراً من مكة وحزن الصحابة. حتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه غضب وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألست رسول الله؟ ألست على الحق؟ فرد عليه سيدنا أبو بكر قائلاً: الزم غرزك يا عمر إنه لرسول الله. وقد أظهرت هذه الواقعة موقفاً لأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وهو موقف يعبر عن الحنان والرحمة والمشورة اللينة الهينة. فحينما دخل عليها رسول الله وقال لها: هلك المسلمون يا أم سلمة، أمرتهم فلم يمتثلوا. فانظر إلى مهمة الزوجة عندما يعود إليها زوجها مهموماً، هنا تتجلى وظيفتها في السكن، قالت أم سلمة: اعذرهم يا رسول الله؛ إنهم مكروبون. كانت نفوسهم مشتاقة لأن يدخلوا بيت الله الحرام محلقين ومقصرين، ثم حرموا منها وهم على بعد أميال منها، اعمد إلى ما أمرك الله فافعله ولا تُكلم أحداً، فإن رأوك فعلت، علموا أن ذلك عزيمة. وأخذ رسول الله بنصيحة أم سلمة، وصنع ما أمره به الله، وتبعه كل المسلمين، وانتهت المسألة. وقبل أن يرجعوا للمدينة لم يشأ الله أن يطيل على الذين انتقدوا الموقف حتى لا يظل الشرخ في نفوس المؤمنين، وتلك عملية نفسية شاقة، لذلك لم يُطل الله عليهم السبب، وجاء بالعلة قائلاً لهم: ما يحزنكم في أن ترجعوا إلى المدينة؛ أنتم لكم إخوان مؤمنون في مكة وقد أخفوا إيمانهم وهم مندسون بين الكفار، فلو أنكم دخلتم، وقاتلوكم، ستقاتلون الجميع مؤمنين وكافرين، فتقتلون إخواناً لكم، فلو كان هؤلاء الإخوان المؤمنون متميزين في جانب من مكة لأذنت لكم بقتال المشركين؛ كما تريدون. واقرأ قول الله تعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}تفسير : [الفتح: 25]. بعد نزول الآية عرف المسلمون أن الامتناع كان لعلة ولحكمة، فلما جاءوا في العام التالي قال الله لهم:{أية : ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ..}تفسير : [البقرة:194]. وكان الحق يطمئنهم، فالذين صدوكم في ذي القعدة من ذلك العام ستقابلونهم وستدخلون في ذي القعدة من العام القادم. وخاف المسلمون إن جاءوا في العام المقبل أن تنقض قريش العهد وتقاتلهم، ونزل قول الحق: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]. وعندما نتأمل قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [البقرة: 190] فإننا نجد أن الحق سبحانه يؤكد على كلمة {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [البقرة: 190] لأنه يريد أن يضع حداً لجبروت البشر، ولابد أن تكون نية القتال في سبيل الله لا أن يكون القتال بنية الاستعلاء والجبروت والطغيان فلا قتال من أجل الجاه، أو المال أو لضمان سوق اقتصادي، وإنما القتال لإعلاء كلمة الله، ونصرة دين الله، هذا هو غرض القتال في الإسلام. {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] والحق ينهى عن الاعتداء، أي لا يقاتل مسلم مَنْ لم يقاتله ولا يعتدي. وهب أن قريشاً هي التي قاتلت، ولكن أناساً كالنساء والصبيان والعجزة لم يقاتلوا المسلمين مع أنهم في جانب مَنْ قاتل، لذلك لا يجوز قتالهم، نعم على قدر الفعل يكون رد الفعل. لماذا؟ لأن في قتال النساء والعجزة اعتداء، وهو سبحانه لا يحب المعتدين. لكن قتال المؤمنين إنما يكون لرد العدوان، لا بداية عدوان. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ...}.
الصابوني
تفسير : [9] مشروعية القتال في الإسلام {ثَقِفْتُمُوهُم}: الثّقْفُ: الأخذ، والإدراك، والظفر يقال: ثقفه وجده أو ظفر به. قال في اللسان: ثَقِف الرجلَ: ظفر به قال تعالى: {أية : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ} تفسير : [الأنفال: 57] ورجل ثقيف إذا كان محكماً لما يتناوله من الأمور. قال الراغب: الثقفُ: الحِذقُ في إدراك الشيء وفعله، ومنه استعير المثاقفة ويقال: ثقفتُ كذا إذا أدركته ببصرك لحذقٍ في النظر. وفي "الكشاف": الثقفُ وجودٌ على وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجلٌ ثقف، سريع الأخذ لأقرانه، قال الشاعر: شعر : فإمّا تثقفوني فاقتلوني فمن أثقفْ فليس إلى خلود تفسير : والمعنى: اقتلوا الكفار حيث وجدتموهم وظفرتم بهم في حِلّ أو حرم. {وَٱلْفِتْنَةُ}: الفتنة: الابتلاء والاختبار، وأصلها من الفتن وهو إدخالُ الذهب النارَ لتظهر جودته من رداءته. قال الأزهري: جماع معنى الفتنة: الابتلاء والامتحان، والاختبار، مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميزّ الرديء من الجيد. والمعنى: إيذاء المؤمن بالتعذيب والتشريد، بقصد أن يتركوا دينهم ويرجعوا كفاراً، أعظم جرماً عند الله من القتل. وقال ابن عباس: الشرك أعظم من القتل في الحرم. {وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ}: الحُرُمات جمع حُرْمة، كالظُلمات جمع ظلمة، والحُرْمة كل ما منع الشرع من انتهاكه، وإنما جمعت لأنه أراد حرمة الشهر الحرام، وحرمة البلد الحرام، وحرمة الإحرام، والقصاصُ: المساواة والمماثلة وقد تقدم. والمعنى: إذا انتهكوا حرمة الشهر فقاتلوكم فيه فقاتلوهم أنتم أيضاًَ ولا تتحرجوا. قال الزجاج: أعلم الله المسلمين أنه ليس لهم أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء، بل على سبيل القصاص. {ٱلتَّهْلُكَةِ}: التهلُكة بضم اللام بمعنى الهلاك، يقال: هلكَ يهلك هلاكاً وتهلُكةً. قال أبو عبيدة: التهلكةُ، والهَلاَك، والهُلْك واحد، مصدر هلك. وفي اللسان: التهلكةُ: الهلاكُ، وقيل: كلّ شيء تصير عاقبته إلى الهلاك. {ٱلْمُحْسِنِينَ}: جمع محسن وهو الذي ينفع غيره بنفعٍ حسنٍ، أو يحسن عمله بفعل ما يرضي الله تعالى. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: قاتلوا - أيها المؤمنون - في سبيل إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه الذين يقاتلونكم من الكفار، ولا تعتدوا بقتل الأطفال، والنساء، والشيوخ، ممن لا قدرة لهم على القتال، فإن الله يكره البغي والعدوان أيّاً كان مصدره. واقتلوهم أينما أدركتموهم وصادفتموهم، ولا يصدّنكم عنهم أنكم في أرض الحرم، وأخرجوهم من المكان الذي أخرجوكم منه وهو مكة بلدكم الأصلي، الذي أخرجوكم منه ظلماً وعدواناً، والفتنة للمؤمنين وإيذاؤهم بالتعذيب والتشريد، والإخراج من الوطن، والمصادرة للمال، أشد قبحاً من القتل ولا تقاتلوهم - أيها المؤمنون - عند المسجد الحرام، حتى يبدؤوكم بالقتال، فإن قاتلوكم فاقتلوهم ولا تستسلموا لهم، فالبادئ هو الظالم، والمدافع غير آثم كذلك جزاء الكافرين، فإن انتهوا عن عدوانهم فإن الله غفور رحيم. ثمّ أكد تعالى الأمر بقتال الكفار، وبيّن الغاية منه وهي ألاّ يوجد شيء من الفتنة في الدين، فقال: قاتلوهم حتى تظهروا عليهم فلا يفتنوكم عن دينكم، ويكون الدين خالصاً لله، فلا يعبدون دونه أحد، وتكون العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان، فإذا انتهوا عن قتالكم، ودخلوا في دينكم فاتركوا قتالهم لأنه لا ينبغي أن يعتدي إلا على الظالمين. ثم أخبر تعالى أنّ المشركين بإصرارهم على الفتنة وإيذائهم للمؤمنين، فعلوا ما هو أشد قبحاً من القتل، فقال مخاطباً المؤمنين: الشهر الحرام يقابل بالشهر الحرام، وهتك حرمته تقابل بهتك حرمته، فلا تبالوا - أيها المؤمنون - بالقتال فيه إذا اضطررتم للدفاع عن دينكم، وإعلاء كلمة الله، فمن تعرّض لقتالكم واعتدى عليكم فقاتلوه، وردّوا عدوانه بلا ضعفٍ ولا تقصير، بمثل ما يعتدي عليكم، واتقوا الله فلا تبغوا وتظلموا في القصاص، إن الله يحب المتقين. ثم أمر تعالى بالجهاد بالمال بعد الأمر بالجهاد بالأنفس فقال: وأنفقوا في سبيل الله أي ابذلوا المال في سبيل الله لنصرة دينه، والدفاع عن الحق، ولا تبخلوا فتشحوا بالمال، فإن ذلك يضعفكم، ويمكّن الأعداء من نواصيكم فتهلكون، وأحسنوا فإن الله يحب المحسنين. سبب النزول أولاً: روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صُدّ عن البيت، ونحر هديه بالحديبية، وصالحه المشركون على ان يرجع من العام المقبل رجع، فلما تجهز في العام المقبل خاف أصحابه أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم ويقاتلوهم، وكره أصحابه القتال في الشهر الحرام فنزلت هذه الآية {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} قاله ابن عباس. ثانياً: وروي أن المشركين قالوا للنبي عليه السلام: أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام؟ قال: نعم، وأرادوا أن يفتروه في الشهر الحرام فيقاتلوه فيه فنزلت هذه الآية {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} قاله الحسن. ثالثاً: وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت في عمرة القضاء وعام الحديبية في ذي القعدة سنة ست، فصدّه كفار قريش عن البيت فانصرف، ووعده الله سبحانه أنه سيدخله، فدخله سنة سبع وقضى نسكه فنزلت هذه الآية {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ}. رابعاً: وروى ابن جرير الطبري: عن (أسلم أبي عمران) قال: "كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر (عقبة بن عامر) وعلى أهل الشام (فضالة بن عُبيد) فخرج صفٌ عظيم من الروم فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة، فقام (أبو أيوب الأنصاري) صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار، إنّا لما أعزّ الله دينه، وكثّر ناصريه، قال بعضنا لبعضٍ سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعزّ الإسلام، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله في كتابه يرد علينا ما هممنا به {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} فكانت التهلكة الإقامة في الأموال، وإصلاحها، وتركنا الغزو". فما زال (أبو أيوب) غازياً في سبيل الله، حتى قبضه الله ودفن بالقسطنطينية. وجوه القراءات قرأ الجمهور (ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه، فإن قتلوكم فاقتلوهم) بالألف في (تقاتلوهم) و(يقاتلوكم) و(قاتلوكم) وقرأ حمزة والكسائي، وخلف بحذف الألف فيهن (ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه، فإن قتلوكم). قال الطبري: "وأولى هاتين القراءتين بالصواب قراءة من قرأ (ولا تقاتلوهم) لأن الله تعالى ذكره لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حال إذا قاتلهم المشركون بالاستسلام لهم". وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ}. قال العكبري: (كذلك) مبتدأ، و(جزاء) خبره، والجزاء مصدر مضاف إلى المفعول، ويجوز أن يكون في معنى المنصوب ويكون التقدير: كذلك جزاء الله الكافرين. ثانياً: قوله تعالى: {حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} حتّى بمعنى (كي) ويجوز أن تكون بمعنى إلى أن، وكان تامة، والمعنى: وقاتلوهم إلى أن لا توجد فتنة. ثالثاً: قوله تعالى: {فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} عدوان: اسم (لا) والجملة (إلا على الظالمين) في موضع رفع خبر (لا) قال العكبري: ففي الإثبات يقول: العدوان على الظالمين، فإذا جئت بالنفي وإلاّ بقي الإعراب على ما كان عليه. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: لا يذكر في القرآن الكريم لفظ (القتال) أو (الجهاد) إلا وهو مقرون بعبارة (سبيل الله) وذلك يدل على أن الغاية من القتال غاية مقدسة نبيلة هي (إعلاء كلمة الله) لا السيطرة أو المغنم، أو إظهار الشجاعة، أو الاستعلاء في الأرض، وقد وضّح هذه الغاية النبيلة قوله عليه السلام: "حديث : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ". تفسير : اللطيفة الثانية: قال الزمخشري عند قول الله تعالى: {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ} أي المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان يتعذب به أشد عليه من القتل، وقيل لبعض الحكماء: ما أشدّ من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه الموت.. جعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن التي يتمنى عندها الموت، ومنه قول القائل: شعر : لقتلٌ بحدّ السيف أهون موقعاً على النفس من قتلٍ بحد فِراق تفسير : اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ}. قال الإمام الفخر: فإن قيل: لم سمّى ذلك القتل عدواناً مع أنه حقٌ وصواب؟ قلنا: لأن ذلك القتل جزاء العدوان، فصحّ إطلاق اسم العدوان عليه كقوله تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40]. قال الزجاج: والعرب تقول: ظلمني فلان فظلمته أي جازيته بظلمه. وجهل فلان عليّ فجهلت عليه. وعليه قول الشاعر: شعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ..} الآية. الدفاع عن النفس مشروع ولا يعدّ اعتداءً، وإنما سمي في الآية اعتداءً (فاعتدوا عليه) من باب (المشاكلة) وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى كقول القائل: شعر : قالوا اقترح شيئاً نُجِدْ لك طبخه قلت اطبخوا لي جبة وقميصاً تفسير : والأصل فيها (فمن اعتدى عليكم) فقابلوه وجازوه بمثل ما اعتدى عليكم، وباب المشاكلة وردت فيه آيات عديدة كقوله تعالى: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 54] وقوله: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40] وقوله: {أية : فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} تفسير : [التوبة: 79]. اللطيفة الخامسة: قال بعض العلماء: (لا أعلم مصدراً جاء في لغة العرب على وزن (تفعُلة) بضم العين إلا في هذه الآية {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ}، وقال صاحب "الكشاف": ويجوز أن يقال: أصله التهلِكة، كالتجربة، والتبصرة على أنها مصدر من هلك فأبدلت من الكسرة ضمة كما جاء الجوار في الجوار. قال الإمام الفخر: "إني لأتعجب كثيراً من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع، وذلك أنهم لو وجدوا شعراً مجهولاً يشهد لما أرادوه فرحوا به، واتخذوه حجة قوية، فورود هذا اللفظ في كلام الله تعالى، المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة أولى بأن يدل على صحة هذه اللفظة واستقامتها". أقول: ما ذكره الإمام الفخر هو الحق والصواب، فالقرآن الكريم حجة على اللغة، وليست اللغة حجة على القرآن، ورضي الله عن الإمام الفخر فقد أجاد في هذا وأفاد. اللطيفة السادسة: الجهاد في سبيل الله أفضل القربات عند الله، ولا يعدله شيء من العبادات لقوله عليه السلام: "حديث : مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم، القانت بآيات الله، لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله ". تفسير : كتب (عبد الله بن المبارك) إلى (الفُضيل بن عياض) بهذه الأبيات: شعر : يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمتَ أنك في العبادة تلعب من كان يخضُب خدّه بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضّب أو كان يتُعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا وهجُ السنابل والغبار الأطيب تفسير : فلما قرأها الفضيل ذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمٰن ونصحني. الأحكام الشرعية الحكم الأول: متى فرض الجهاد على المسلمين؟ لم يختلف العلماء في أن القتال قبل الهجرة كان محظوراً على المسلمين، بنصوص كثيرة في كتاب الله تعالى، منها قوله تعالى: {أية : فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ} تفسير : [المائدة: 13] وقوله: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [المؤمنون: 96] وقوله: {أية : وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ} تفسير : [آل عمران: 20] وقوله: {أية : قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} تفسير : [الجاثية: 14] وقوله: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان: 63] وأمثال هذه الآيات كثير تدل على أن المؤمنين كانوا منهيّين عن قتال أعدائهم، وهناك نص صريح بالكف عن القتال وهو قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ..} تفسير : [النساء: 77] الآية. روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس أنه قال: حديث : إن عبد الرحمٰن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله كنّا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة! فقال عليه السلام: إني أُمرتُ بالعفو فلا تقاتلواتفسير : ، فلما حوّله الله إلى المدينة، أمر بالقتال فكفوا فأنزل الله تبارك وتعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ..} تفسير : [النساء: 77] الآية. والحكمة في الكف عن القتال: في بدء الدعوة يمكن أن نلخِّص أسبابها فيما يلي: أ - إن المسلمين كانوا في مكة قلة، وهم محصورون فيها لا حول لهم ولا طول، ولو وقع بينهم وبين المشركين حرب أو قتال لأبادوهم عن بكرة أبيهم، فشاء الله أن يكثروا وأن يكون لهم أنصار وأعوان، وأن يرتكزوا على قاعدة آمنه تحميها الدولة، فلمّا هاجروا إلى المدينة المنورة أذن لهم بالقتال بعد أن قويت شوكتهم وكثر عددهم. ب - كانت الغاية تدريب نفوس المؤمنين على الصبر امتثالاً للأمر، وخضوعاً للقيادة، وانتظاراً للإذن، وقد كان العرب في الجاهلية شديدي الحماسة، لا يصبرون على الضيم، وقد تعودوا الاندفاع والحماسة، والخفة للقتال عند أول داع، فكان لا بدّ من تمرينهم على تحمل الأذى، والصبر على المكاره والخضوع لأمر القيادة العليا، حتى يقع التوازن بين الاندفاع والتروي، والحميّة والطاعة، في جماعةٍ هيأتهم إرادة الله لأمر عظيم. جـ - البيئة العربية كانت بيئة نخوة ونجدة، وكان صبر المسلمين على الأذى - وفيهم الأبطال والشجعان الذين يستطيعون أن يردوا الصاع صاعين - مما يثير النخوة، ويحرك القلوب نحو الإسلام، حصل هذا بالفعل في (المحاصرة في الشعب) عندما أجمعت قريش على مقاطعة بني هاشم، كي يتخلوا عن حماية الرسول صلى الله عليه وسلم واشتد الاضطهاد على بني هاشم، ثارت نفوس لم تؤمن بالإسلام، أخذتها النخوة والنجدة حتى مزّقوا الصحيفة التي تعاهد فيها المشركون على المقاطعة، وانتهى ذلك الحصار المشؤوم. د - كان المسلمون في مكة يعيشون مع آبائهم وأهليهم في بيوت، وكان أهلوهم المشركون يعذبونهم ليفتنوهم عن دينهم، ويردوهم إلى الشرك والضلال، فلو أذن للمسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم يومذاك، لكان معنى هذا أن تقوم معركة في كل بيت، وأن يقع دم في كل أسرة، وليس من مصلحة الدعوة أن تثار حرب دموية داخل البيوت، فلما أحدثت الهجرة وانعزلت الجماعة أبيح لهم القتال. الحكم الثاني: ما هي أول الآيات في تشريع القتال؟ اختلف السلف: في أول آية نزلت في القتال، فروي عن الربيع بن أنس وغيره أن أول آية نزلت هي قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190] نزلت بالمدينة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله ويكف عمن كفّ عنه. وروي عن جماعة من الصحابة: منهم أبو بكر الصديق وابن عباس وسعيد بن جبير أن أول آيةٍ نزلت في القتال هي قوله تعالى: {أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} تفسير : من سورة [الحج: 39]. قال أبو بكر بن العربي: "والصحيح أن أول آية نزلت آية الحج {أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} تفسير : [الحج: 39] ثم نزل {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} فكان القتال إذناً ثم أصبح بعد ذلك فرضاً، لأن آية الإذن في القتال مكية، وهذه الآية مدنية متأخرة". الحكم الثالث: هل يباح القتال في الحرم؟ دل قوله تعالى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} على حرمة القتال في الحرم، إلا إذا بدأ المشركون بالعدوان، فيباح لنا قتالهم دفعاً لشرهم وإجرامهم، ولا يجوز لنا أن نبدأهم بالقتال عملاً بالآية الكريمة وعلى هذا تكون الآية محكمة غير منسوخة. وقد روي عن مجاهد: في قوله تعالى: {فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ} أنه قال: "لا تقاتل في الحرم أحداً أبداً، فمن عدا عليك فقاتلك فقاتله كما يقاتلك". وروي عن قتادة أنه قال: الآية منسوخة نسختها آية براءة {أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5]. قال العلامة القرطبي: وللعلماء في هذه الآية قولان: أحدهما أنها منسوخة، والثاني أنها محكمة. قال مجاهد: الآية محكمة، ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام بعد أن يقاتل، وبه قال طاووس، وهو الذي يقتضيه نص الآية، وهو الصحيح من القولين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. ويدل عليه ما روي في الصحيح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال: "حديث : يا أيها الناس! إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، ولم تحلّ لأحدٍ قبلي، ولا تحل لأحدٍ بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من النهار، ثم عادت حراماً إلى يوم القيامة ". تفسير : مناظرة لطيفة قال القاضي أبو بكر ابن العربي: "حضرتُ في بيت المقدس طهّره الله بمدرسة (أبي عقبة) الحنفي والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم الجمعة، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهيّ المنظر على ظهره أطمار، فسلّم سلام العلماء وتصدّر في صدر المجلس، فقال له الزنجاني: من السيد؟ فقال: رجل سلبة الشُطّار أمس، وكان مقصدي هذا الحرم المقدس، وأنا رجلٌ من صاغان من طلبة العلم، فقال القاضي مبادراً: سلوه - على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم - ووقعت القرعة على مسألة "الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل فيه أم لا؟" فأفتى بأنه لا يقتل، فسئل عن الدليل فقال قوله تعالى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} قرئ: (ولا تقتلوهم) وقرئ (ولا تقاتلوهم) فإن قرئ: ولا تقتلوهم فالمسألة نصّ، وإن قرئ ولا تقاتلوهم فهو تنبيه لأنه إذا أُنهي عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلاً بيناً ظاهراً على النهي عن القتل. فاعترض عليه القاضي الزنجاني منتصراً للشافعي ومالك - وإن لم ير مذهبهما على العادة - فقال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5] فقال له الصاغاني: هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه، فإن هذه الآية التي اعترضت بها عليّ (عامة) في الأماكن، والآي التي احتججتُ بها (خاصة)، ولا يجوز لأحد أن يقول: إن العام ينسخ الخاص، فأبْهَتَ القاضي الزنجاني، وهذا من بديع الكلام". قال ابن العربي: "فثبت النهي عن القتال فيها قرآناً وسنة، فإن لجأ إليها كافر فلا سبيل إليه، وأما الزاني والقاتل فلا بدّ من إقامة الحد عليه، إلا أن يبتدئ الكافر بالقتال فيها فيُقْتل بنصّ القرآن". الحكم الرابع: ما المراد بالعدوان في الآية الكريمة؟ حرّم الباري جل وعلا الاعتداء في قوله: {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ}. 1 - ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي - كما قاله الحسن البصري - من المُثْلة، والغلول، وقتل النساء والصبيان والشيوخ، الذين لا قدرة لهم على القتال، ويدخل فيها قتل الرهبان، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة. فكل هذا داخل في النهي {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ}. ويدل عليه ما رواه مسلم عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اغزوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا الوليد، ولا أصحاب الصوامع ". تفسير : وفي "الصحيحين" عن ابن عمر أنه قال: "حديث : وُجدت امرأةٌ في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولةً فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان ". تفسير : ب - وقيل المراد بقوله {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} النهيُ عن البدء بالقتال، وهو مروي عن مقاتل. جـ - وقيل المراد به النهي عن قتال من لم يقاتل، وهو قول سعيد بن جبير، وأبي العالية. قال القرطبي: "ويدل عليه من النظر أن قاتل (فَاعَلَ) لا يكون في الغالب إلا من اثنين، كالمقاتلة والمشاتمة، والمخاصمة، والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم، كالرهبان، والزّمْنَى، والشيوخ فلا يقتلون، وبهذا أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه (يزيد ابن أبي سفيان) حين أرسله إلى الشام، إلاّ أن يكون لهؤلاء إذاية، وللعلماء فيهم صور ست: الأولى - النساء إن قاتلن قُتلن لعموم قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}. الثانية - الصبيان فلا يقتلون للنهي الثابت عن قتل الذرية، ولأنه لا تكليف عليهم. الثالثة - الرهبان لا يُقتلون ولا يُسترقون لقول أبي بكر (فذرهم وما حبسوا أنفسهم له). الرابعة - الزّمني إن كانت فيهم إذاية قتلوا، وإلا تركوا وما هم بسبيله من الزمانة. الخامسة - الشيوخ قال مالك: لا يقتلون وهو قول جمهور الفقهاء إذا كان لا ينتفع بهم في رأي ولا مدافعة. السادسة - العسفاء وهم الأجراء والفلاحون لقول عمر (اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب). ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - القتال ينبغي أن يكون لإعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز دينه. 2 - الله جل وعلا يكره العدوان والظلم والطغيان أياً كان مصدره. 3 - فتنة المؤمنين بالاضطهاد والتعذيب والتشريد مثل القتل. 4 - لا يعتدى على النساء والضعفاء والصبيان ممن لا قدرة لهم على القتال. 5 - الجهاد لدفع أذى المشركين، وقبر الفتنة، وتأمين سير الدعوة. 6 - ترك الانفاق والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس سبب للهلاك. خاتمة البحث: حكمة التشريع الصراع بين الحق والباطل قديم قدم هذه الحياة، لا يهدأ ولا ينتهي ولا يزول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وإليه يرجعون!! ولا بد لكل أمة من أمم الأرض، تريد أن تحيا حياة العزة والكرامة، من أن تستعد الاستعداد الكامل لمجابهة عدوها بكل ما تملك من قوة، وأن تأخذ بأسباب النصر، فتهيئ شبابها للجهاد والقتال، لأنه لا عيش في هذه الدنيا إلا للأقوياء، ولا منطق إلا للقوة، وقديماً قال شاعرنا العربي: شعر : ومن لم يذُدْ عن حوصَه بسلاحة يُهدّمْ ومن لا يظلم الناس يظلم تفسير : والإسلام دين الله إلى الإنسانية، يهتم بدعوة الناس إلى الدخول في هدايته، والانضواء تحت رايته، لينعموا بحياة الأمن والاستقرار، ويعيشوا العيشة الكريمة التي أرادها الله لنبي الإنسان وإن الأمة الإسلامية. هي الأمة التي اختارها الله لإعلاء دينه، وتبليغ وحيه، وايصال هذا الهدى والنور إلى أمم الأرض. فإذا وقف أحد في طريق الدعوة، وأراد أن يصدها عن المضي في طريقها، فلا بدّ من دحره، وتطهير الأرض من شره، لتصل هداية الله إلى النفوس، وتعلو كلمة الحق، ويأمن الناس على حريتهم الدينية، في الإيمان بالله الواحد القهار. ولذلك شرع القتال لدفع عدوان الظالمين، ولتحطيم كل قوة تعترض طريق الدعوة، وإيصالها للناس في حرية واطمئنان. وصدق الله {أية : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ} تفسير : [البقرة: 193]. ولا يُقاتل إلا الباغي المعتدي، الذي يريد أن يفرض إرادته على الأمة بالقهر والسلطان، وأن يصد عن دين الله بقوة الحديد والنار، ويفتن المؤمن بوسائل الفتنة والإغراء. {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه الآيات، تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله، وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة، لما قوي المسلمون للقتال، أمرهم الله به، بعد ما كانوا مأمورين بكف أيديهم، وفي تخصيص القتال { فِي سَبِيلِ اللَّهِ } حث على الإخلاص، ونهي عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين. { الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } أي: الذين هم مستعدون لقتالكم، وهم المكلفون الرجال، غير الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال. والنهي عن الاعتداء، يشمل أنواع الاعتداء كلها، من قتل من لا يقاتل، من النساء، والمجانين والأطفال، والرهبان ونحوهم والتمثيل بالقتلى، وقتل الحيوانات، وقطع الأشجار [ونحوها]، لغير مصلحة تعود للمسلمين. ومن الاعتداء، مقاتلة من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها، فإن ذلك لا يجوز. { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } هذا أمر بقتالهم، أينما وجدوا في كل وقت، وفي كل زمان قتال مدافعة، وقتال مهاجمة ثم استثنى من هذا العموم قتالهم { عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } وأنه لا يجوز إلا أن يبدأوا بالقتال، فإنهم يقاتلون جزاء لهم على اعتدائهم، وهذا مستمر في كل وقت، حتى ينتهوا عن كفرهم فيسلموا، فإن الله يتوب عليهم، ولو حصل منهم ما حصل من الكفر بالله والشرك في المسجد الحرام، وصد الرسول والمؤمنين عنه وهذا من رحمته وكرمه بعباده. ولما كان القتال عند المسجد الحرام، يتوهم أنه مفسدة في هذا البلد الحرام، أخبر تعالى أن المفسدة بالفتنة عنده بالشرك، والصد عن دينه، أشد من مفسدة القتل، فليس عليكم - أيها المسلمون - حرج في قتالهم. ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة، وهي: أنه يرتكب أخف المفسدتين، لدفع أعلاهما. ثم ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله، وأنه ليس المقصود به، سفك دماء الكفار، وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن { يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ } تعالى، فيظهر دين الله [تعالى]، على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه، من الشرك وغيره، وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل هذا المقصود، فلا قتل ولا قتال، { فَإِنِ انْتَهَوْا } عن قتالكم عند المسجد الحرام { فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ } أي: فليس عليهم منكم اعتداء، إلا من ظلم منهم، فإنه يستحق المعاقبة، بقدر ظلمه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):