٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
191
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى:الثقف وجوده على وجه الأخذ والغلبة ومنه رجل ثقيف سريع الأخذ لأقرانه، قال:شعر : فأما تثقفوني فاقتلوني فمن أثقف فليس إلى خلود تفسير : ثم نقول قوله تعالى: {اقتلوهم} الخطاب فيه واقع على النبـي صلى الله عليه وسلم ومن هاجر معه وإن كان الغرض به لازما لكل مؤمن، والضمير في قوله: {اقتلوهم} عائد إلى الذين أمر بقتلهم في الآية الأولى وهم الكفار من أهل مكة، فأمر الله تعالى بقتلهم حيث كانوا في الحل والحرم، وفي الشهر الحرام، وتحقيق القول أنه تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام الكفار على المقاتلة، وفي هذه زاد في التكليف فأمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا، واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام. المسألة الثانية: نقل عن مقاتل أنه قال: إن الآية المتقدمة على هذه الآية، وهي قوله: {أية : وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ } تفسير : [البقرة: 190] منسوخة بقوله تعالى: {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } ثم تلك الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } تفسير : [البقرة: 193] وهذا الكلام ضعيف. أما قوله: إن قوله تعالى: {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ } منسوخ بهذه الآية، فقد تقدم إبطاله، وأما قوله: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } فهذا من باب التخصيص لا من باب النسخ، وأما قوله: {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } منسوخ بقوله: {أية : وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } تفسير : [البقرة:193] فهو خطأ أيضاً لأنه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وهذا الحكم ما نسخ بل هو باقٍ فثبت أن قوله ضعيف ولأنه يبعد من الحكيم أن يجمع بين آيات متوالية تكون كل واحدة منها ناسخة للأخرى. أما قوله تعالى: {وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } ففيه بحثان: البحث الأول: أن الإخراج يحتمل وجهين أحدهما: أنهم كلفوهم الخروج قهراً والثاني: أنهم بالغوا في تخويفهم وتشديد الأمر عليهم، حتى صاروا مضطرين إلى الخروج. البحث الثاني: أن صيغة {حَيْثُ } تحتمل وجهين أحدهما: أخرجوهم من الموضع الذي أخرجوكم وهو مكة والثاني: أخرجوهم من منازلكم، إذا عرفت هذا فنقول: أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن يخرجوا أولئك الكفار من مكة إن أقاموا على شركهم إن تمكنوا منه، لكنه كان في المعلوم أنهم يتمكنون منه فيما بعد، ولهذا السبب أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مشرك من الحرم. ثم أجلاهم أيضاً من المدينة، وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا يجتمع دينان في جزيرة العرب»تفسير : . أما قوله تعالى: {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ } ففيه وجوه أحدها: وهو منقول عن ابن عباس: أن المراد من الفتنة الكفر بالله تعالى، وإنما سمي الكفر بالفتنة لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم والهرج، وفيه الفتنة، وإنما جعل الكفر أعظم من القتل، لأن الكفر ذنب يستحق صاحبه به العقاب الدائم، والقتل ليس كذلك، والكفر يخرج صاحبه به عن الأمة، والقتل ليس كذلك فكان الكفر أعظم من القتل، وروي في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة كان قتل رجلاً من الكفار في الشهر الحرام، فالمؤمنون عابوه على ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فكان المعنى ليس لكم أن تستعظموا الإقدام على القتل في الشهر الحرام، فإن إقدام الكفار على الكفر في الشهر الحرام أعظم من ذلك وثانيها: أن الفتنة أصلها عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغش، ثم صار إسماً لكل ما كان سبباً للامتحان تشبيهاً بهذا الأصل، والمعنى: أن إقدام الكفار على الكفر وعلى تخويف المؤمنين، وعلى تشديد الأمر عليهم بحيث صاروا ملجئين إلى ترك الأهل والوطن هرباً من إضلالهم في الدين، وتخليصاً للنفس مما يخافون ويحذرون، فتنة شديدة بل هي أشد من القتل الذي يقتضي التخليص من غموم الدنيا وآفاتها، وقال بعض الحكماء: ما أشد من هذا القتل الذي أوجبه عليكم جزاء غير تلك الفتنة. الوجه الثالث: أن يكون المراد من الفتة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم، فكأنه قيل: اقتلوهم من حيث ثقفتموهم، واعلم أن وراء ذلك من عذاب الله ما هو أشد منه كقوله: {أية : وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ } تفسير : [التوبة: 52] وإطلاق اسم الفتنة على العذاب جائز، وذلك من باب إطلاق اسم السبب على المسبب، قال تعالى: {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ } تفسير : [الذاريات: 13] ثم قال عقيبه: {أية : ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ } تفسير : [الذاريات: 14] أي عذابكم، وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [البروج: 10] أي عذبوهم، وقال: {أية : فَإِذَا أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ } تفسير : [العنكبوت: 10] أي عذابهم كعذابه. الوجه الرابع: أن يكون المراد فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام، أشد من قتلكم إياهم في الحرم، لأنهم يسعون في المنع من العبودية والطاعة التي ما خلقت الجن والإنس إلا لها. الوجه الخامس:أن ارتداد المؤمن أشد عليه من أن يقتل محقاً والمعنى: وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فإنكم إن قتلتم وأنتم على الحق كان ذلك أولى بكم وأسهل عليكم من أن ترتدوا عن دينكم أو تتكاسلوا في طاعة ربكم. أما قوله: {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا بيان لبقاء هذا الشرط في قتالهم في هذه البقعة خاصة، وقد كان من قبل شرطاً في كل القتال وفي الأشهر الحرم. المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي: {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ } كله بغير ألف، والباقون جميع ذلك بالألف، وهو في المصحف بغير ألف، وإنما كتبت كذلك للإيجاز، كما كتب: الرحمن بغير ألف، وكذلك: صالح، وما أشبه ذلك من حروف المد واللين، قال القاضي رحمه الله: القراءتان المشهورتان إذا لم يتناف العمل وجب العمل بهما، كما يعمل بالآيتين إذا لم يتناف العمل بهما، وما يقتضيه هاتان القراءتان المشهورتان لا تنافي فيه، فيجب العمل بهما ما لم يقع النسخ فيه، يروى أن الأعمش قال لحمزة: أرأيت قراءتك إذا صار الرجل مقتولاً فبعد ذلك كيف يصير قاتلاً لغيره؟ فقال حمزة: إن العرب إذا قتل رجل منهم قالوا قتلنا، وإذا ضرب رجل منهم قالوا ضربنا. المسألة الثالثة: الحنفية تمسكوا بهذه الآية في مسألة الملتجيء إلى الحرم، وقالوا: لما لم يجز القتل عند المسجد الحرام بسبب جناية الكفر فلأن لا يجوز القتل في المسجد الحرام بسبب الذنب الذي هو دون الكفر كان أولى، وتمام الكلام فيه في كتب الخلاف. أما قوله تعالى: {فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فاعلم أنه تعالى أوجب عليهم القتال على ما تقدم ذكره، وكان يجوز أن يقدر أن ذلك القتال لا يزول وإن انتهوا وتابوا كما ثبت في كثير من الحدود أن التوبة لا تزيله، فقال تعالى بعدما أوجب القتل عليهم: {فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بين بهذا أنهم متى انتهوا عن ذلك سقط وجوب القتل عنهم، ونظيره قوله تعالى: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [الأنفال: 38] وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: فإن انتهوا عن القتال وقال الحسن: فإن انتهوا عن الشرك. حجة القول الأول: أن المقصود من الإذن في القتال منع الكفار عن المقاتلة فكان قوله: {فَإِنِ انْتَهَوْاْ } محمولاً على ترك المقاتلة. حجة القول الثاني: أن الكافر لا ينال غفران الله ورحمته بترك القتال، بل بترك الكفر. المسألة الثانية: الانتهاء عن الكفر لا يحصل في الحقيقة إلا بأمرين أحدهما: التوبة والآخر التمسك بالإسلام، وإن كان قد يقال في الظاهر لمن أظهر الشهادتين: إنه انتهى عن الكفر إلا أن ذلك إنما يؤثر في حقن الدم فقط. أما الذي يؤثر في استحقاق الثواب والغفران والحرمة فليس إلا ما ذكرنا. المسألة الثالثة: دلت الآية على أن التوبة من كل ذنب مقبولة، وقول من قال: التوبة عن القتل العمد غير مقبولة خطأ، لأن الشرك أشد من القتل، فإذا قبل الله توبة الكافر فقبول توبة القاتل أولى، وأيضاً فالكافر قد يكون بحيث جمع مع كونه كافراً كونه قاتلاً. فلما دلت الآية على قبول توبة كل كافر دل على أن توبته إذا كان قاتلاً مقبولاً والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ثَقِفْتُمُوهُم} يقال: ثَقِفُ يَثْقُفُ ثَقْفاً وثَقفاً، ورجل ثَقْفٌ لَقْفٌ: إذا كان مُحْكِماً لما يتناوله من الأمور. وفي هذا دليل على قتل الأسير، وسيأتي بيان هذا في «الأنفال» إن شاء الله تعالى. {وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ}أي مكة. قال الطبري: الخطاب للمهاجرين، والضمير لكفار قريش. الثانية: قوله تعالى: {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ} أي الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشدّ من القتل. قال مجاهد: أي مِن أن يقتل المؤمن؛ فالقتل أخفّ عليه من الفتنة. وقال غيره: أي شركهم بالله وكفرهم به أعظم جُرْماً وأشدّ من القتل الذي عيرّوكم به. وهذا دليل على أن الآية نزلت في شأن عمرو بن الحَضْرمِيّ حين قتله واقد بن عبد اللَّه التميمي في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، حسب ما هو مذكور في سَرِيّة عبد اللَّه بن جَحْش، على ما يأتي بيانه؛ قاله الطبري وغيره. الثالثة: قوله تعالى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} الآية. للعلماء في هذه الآية قولان: أحدهما: أنها منسوخة، والثاني: أنها مُحْكمة. قال مجاهد: الآية مُحْكَمة، ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يُقاتِل؛ وبه قال طاوس، وهو الذي يقتضيه نصّ الآية، وهو الصحيح من القولين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. وفي الصحيح عن ٱبن عباس قال «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حَرّمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحُرْمة الله تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يَحِلّ القتالُ فيه لأحد قبلي ولم يَحِلّ لي إلا ساعةً من نهار فهو حرام بحُرْمة الله إلى يوم القيامة»»تفسير : . وقال قتادة: الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة: 5]. وقال مُقاتل: نسخها قوله تعالى: {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم} ثم نسخ هذا قولُه: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}. فيجوز الابتداء بالقتال في الحَرَم. ومما ٱحتجّوا به أن «براءة» نزلت بعد سورة «البقرة» بسنتين، حديث : وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم: دخل مكة وعليه الْمِغْفَر؛ فقيل: إن ٱبن خَطَل متعلّق بأستار الكعبة؛ فقال: «اقتلوه».تفسير : وقال ٱبن خُوَيْزِ مَنْداد: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} منسوخة؛ لأن الإجماع قد تقرّر بأن عَدُواًّ لو ٱستولى على مكة وقال: لأقاتلكم، وأمنعكم من الحج ولا أبرح من مكة لوجب قتاله وإن لم يبدأ بالقتال؛ فمكة وغيرها من البلاد سواء. وإنما قيل فيها: هي حرام. تعظيماً لها؛ ألا ترى «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد يوم الفتح وقال: «احصدهم بالسيف حتى تلقاني على الصَّفَا»»تفسير : حتى جاء العباس فقال: يا رسول الله، ذهبت قريش، فلا قريش بعد اليوم. ألا ترى أنه قال في تعظيمها: «حديث : وَلاَ يَلْتَقِط لُقَطَتَها إلاّ مُنْشِد» تفسير : واللُّقَطة بها وبغيرها سواء. ويجوز أن تكون منسوخة بقوله: {أية : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} تفسير : [البقرة: 193]. قال ٱبن العربي: «حضرتُ في بيت المقدس ـ طهّره الله ـ بمدرسة أبي عُقْبة الحنفي، والقاضي الزّنجاني يلقي علينا الدرس في يوم جمعة، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بَهِيّ المَنْظَر على ظهره أطمار، فسلّم سلام العلماء وتصدّر في صدر المجلس بمدارع الرّعاء؛ فقال القاضي الزّنجاني: مَن السيد؟ فقال: رجل سلبه الشُّطار أمس، وكان مقصدي هذا الحَرَم المقدّس؛ وأنا رجل من أهل صاغان من طلبه العلم. فقال القاضي مبادراً: سَلُوه ـ على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم ـ ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحَرَم هل يُقتل أم لا؟ فأفتى بأنه لا يقتل. فسُئل عن الدليل؛ فقال قوله تعالى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} قُرىء «ولا تقتلوهم، ولا تقاتلوهم» فإن قُرىء «ولا تقتلوهم» فالمسألة نصّ، وإن قرىء «ولا تقاتلوهم» فهو تنبيه؛ لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلاً بَيِّناً ظاهراً على النهي عن القتل. فٱعترض عليه القاضي منتصراً للشافعيّ ومالك، وإن لم ير مذهبهما، على العادة، فقال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة: 5]. فقال له الصّاغاني: هذا لا يليق بمَنْصِب القاضي وعلمه؛ فإن هذه الآية التي ٱعترضتَ بها عامةٌ في الأماكن؛ والتي ٱحتججت بها خاصّة، ولا يجوز لأحد أن يقول: إن العامَّ يَنْسَخ الخاص. فبُهت القاضي الزّنجاني، وهذا من بديع الكلام». قال ٱبن العربي: «فإن لجأ إليه كافر فلا سبيل إليه، لنصّ الآية والسُّنة الثابتة بالنّهي عن القتال فيه. وأما الزاني والقاتل فلا بدّ من إقامة الحدّ عليه، إلا أن يبتدىء الكافرُ بالقتال فيُقتل بنصّ القرآن». قلت: وأما ما ٱحتجّوا به من قَتل ٱبن خَطَل وأصحابه فلا حجة فيه، فإن ذلك كان في الوقت الذي أُحِلّت له مكة وهي دار حَرْب وكُفْر، وكان له أن يُريق دماء من شاء من أهلها في الساعة التي أُحِلّ له فيها القتال. فثبت وصحّ أن القول الأوّل أصح، والله أعلم. الرابعة: قال بعض العلماء: في هذه الآية دليل على أن الباغي على الإمام بخلاف الكافر؛ فالكافرْ يُقتل إذا قاتل بكل حال، والباغي إذا قاتل بنية الدفع. ولا يُتْبَعُ مُدْبِر ولا يُجْهَز على جريح. على ما يأتي بيانه من أحكام الباغين في «الحجرات» إن شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى: {فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ} أي عن قتالكم بالإيمان فإن الله يغفر لهم جميع ما تقدّم، ويرحم كلاًّ منهم بالعفو عما ٱجترم؛ نظيره قوله تعالى: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ}تفسير : [الأنفال: 38]. وسيأتي.
البيضاوي
تفسير : {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} حيث وجدتموهم في حل أو حرم. وأصل الثقف: الحذق في إدراك الشيء علماً كان أو عملاً. فهو يتضمن معنى الغلبة ولذلك استعمل فيها قال:شعر : فأمَّا تَثْقِفُوني فَاقتُلُوني فَمَنْ أُثْقُفْ فَلَيْسَ إلى خُلُودِ تفسير : {وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} أي من مكة، وقد فعل ذلك بمن لم يسلم يوم الفتح. {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ} أي المحنة التي يفتتن بها الإنسان، كالإخراج من الوطن أصعب من القتل لدوام تعبها وتألم النفس بها. وقيل: معناه شركهم في الحرم وصدهم إياكم عنه أشد من قتلكم إياهم فيه. {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ} أي لا تفاتحوهم بالقتال وهتك حرمة المسجد الحرام. {فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ} فلا تبالوا بقتالهم ثم فإنهم الذين هتكوا حرمته. وقرأ حمزة والكسائي {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ }. والمعنى حتى يقتلوا بعضكم كقولهم قتلنا بنو أسد. {كَذٰلِكَ جَزَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ} مثل ذلك جزاؤهم يفعل بهم مثل ما فعلوا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } وجدتموهم {وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } أي من مكة وقد فعل بهم ذلك عام الفتح {وَٱلْفِتْنَةُ } الشرك منهم {أَشَدُّ } أعظم {مِنَ ٱلْقَتْلِ } لهم في الحرم أو الإحرام الذي استعظمتموه {وَلاَ تُقَٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } أي في الحرم {حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَٰتَلُوكُمْ } فيه {فَٱقْتُلُوهُمْ }، فيه وفي قراءة بلا ألف في الأفعال الثلاثة[ولا تقتلوهم،حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم] {كَذٰلِكَ } القتل والإخراج {جَزَاءُ ٱلْكَٰفِرِينَ }.
ابن عطية
تفسير : قال ابن إسحاق وغيره: نزلت هذه الآيات في شأن عمرو بن الحضرمي وواقد، وهي سرية عبد الله بن جحش، و {ثقفتموهم} معناه أحكمتم غلبهم ولقيتموهم قادرين عليهم، يقال رجل ثقف لقف إذا كان محكماً لما يتناوله من الأمور، {وأخرجوهم}. قال الطبري: "الخطاب للمهاجرين، والضمير لكفار قريش". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: بل الخطاب لجميع المؤمنين، ويقال {أخرجوكم} إذا أخرجوا بعضهم الأجل قدراً وهم النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون، {والفتنة أشد من القتل} أي الفتنة التي حملوكم عليها وراموكم بها على الرجوع إلى الكفر أشد من القتل. قال مجاهد: "أي من أن يقتل المؤمن، فالقتل أخف عليه من الفتنة". قال غيره: بل المعنى الفتنة التي فعلوا أشد في هتك حرمات الحق من القتل الذي أبيح لكم أيها المؤمنون أن توقعوه بهم، ويحتمل أن يكون المعنى والفتنة أي الكفر والضلال الذي هم فيه أشد في الحرم وأعظم جرماً من القتل الذي عيروكم به في شأن ابن الحضرمي. وقوله تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} الآية، قال الجمهور: كان هذا ثم نسخ وأمر بالقتال في كل موضع. قال الربيع: نسخه {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}. وقال قتادة: نسخة قوله تعالى: {أية : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : [التوبة: 5]. وقال مجاهد: "الآية محكمة ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل". وقرأ حمزة والكسائي والأعمش "ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم" بالقتل في الأربعة، ولا خلاف في الأخيرة أنها {فاقتلوهم}، والمعنى على قراءة حمزة والكسائي: فإن قتلوا منكم فاقتلوهم أيها الباقون، وذلك كقوله تعالى: {أية : قتل معه ربيون كثير فما وهنوا} تفسير : [آل عمران: 146] أي فما وهن الباقون، والانتهاء في هذه الآية هو الدخول في الإسلام، لأن غفران الله ورحمته إنما تكون مع ذلك. وقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع على قول من رآها ناسخة، ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم {فإن قاتلوكم}، والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار، دليل ذلك قوله {ويكون الدين لله}، والفتنة هنا: الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين، قاله ابن عباس وقتادة والربيع والسدي، و {الدين} هنا الطاعة والشرع. وقال الأعشى ميمون بن قيس: [الخفيف] شعر : هو دان الرباب إذ كرهوا الديــ ـــن دراكاً بغزوةٍ وصيال تفسير : والانتهاء في هذا الموضع يصح مع عموم الآية في الكفار أن يكون الدخول في الإسلام، ويصح أن يكون أداء الجزية، وسمى ما يصنع بالظالمين عدواناً من حيث هو جزاء عدوان إذ الظلم يتضمن العدوان، والعقوبة تسمى باسم الذنب في غير ما موضع، والظالمون هم على أحد التأويلين: من بدأ بقتال، وعلى التأويل الآخر: من بقي على كفر وفتنة. وقوله تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام} الآية، قال ابن عباس ومجاهد ومقسم والسدي والربيع والضحاك وغيرهم: نزلت في عمرة القضاء وعام الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً حتى بلغ الحديبية سنة ست، فصده كفار قريش عن البيت، فانصرف ووعده الله أنه سيدخله عليهم، فدخله سنة سبع، فنزلت الآية في ذلك، أي الشهر الحرام الذي غلبكم الله فيه وأدخلكم الحرم عليهم بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه، ومعنى {الحرمات قصاص} على هذا التأويل: أي حرمة الشهر وحرمة البلد وحرمة المحرمين حين صددتم بحرمة البلد والشهر والقطان حين دخلتم. وقال الحسن بن أبي الحسن: نزلت الآية في أن الكفار سألوا النبي صلى الله عليه وسلم هل يقاتل في الشهر الحرام؟ فأخبرهم أنه لا يقاتل فيه، فهموا بالهجوم عليه فيه وقتل من معه حين طمعوا أنه لا يدافع فيه، فنزلت: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص}، أي هو عليكم في الامتناع من القتال أو الاستباحة بالشهر الحرام عليهم في الوجهين، فأية سلكوا فاسلكوا، و {الحرمات} على هذا جمع حرمة عموماً: النفس والمال والعرض وغير ذلك، فأباح الله بالآية مدافعتهم. والقول الأول أكثر. وقالت فرقة: قوله: {والحرمات قصاص} مقطوع مما قبله، وهو ابتداء أمر كان في أول الإسلام أن من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما اعتدى عليك به، ثم نسخ ذلك بالقتال. وقالت طائفة: ما تناول من الآية التعدي بين أمة محمد والجنايات ونحوها لم ينسخ، وجائز لمن تعدي عليه في مال أو جرح أن يتعدى بمثل ما تعدي عليه به إذا خفي ذلك له، وليس بينه وبين الله في ذلك شيء، قاله الشافعي وغيره، وهي رواية في مذهب مالك. وقالت طائفة منهم مالك: ليس ذلك له، وأمور القصاص وقف على الحكام، والأموال يتناولها قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ". تفسير : وقرأ الحسن بن أبي الحسن "والحرْمات" بسكون الراء. وقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم} الآية، اختلف في نسخ هذه الآية حسبما تقدم، وسمي الجزاء على العدوان عدواناً كما قال {أية : الله يستهزىء بهم} تفسير : [البقرة: 15] إلى غير ذلك، {واتقوا الله}، قيل: معناه في أن لا تعتدوا، وقيل: في أن لا تزيدوا على المثل. وقال ابن عباس: "نزلت هذه الآية وما هو في معناها بمكة والإسلام لم يعزَّ فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعز دينه أمر المسلمون برفع أمورهم إلى حكامهم وأمروا بقتال الكفار". وقال مجاهد: "بل نزلت هذه الآية بالمدينة بعد عمرة القضاء، وهي من التدريج في الأمر بالقتال".
ابن عبد السلام
تفسير : <b>{ثَقِفْتُمُوهُمْ}</b> ظفرتم بهم. <b>{وَالْفِتْنَةُ}</b> الكفر ها هنا اتفاقاً لأنه يؤدي إلى الهلاك كالفتنة. <b>{وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}</b> نهوا عن قتال أهل الحرم إلا أن يبدءوا بالقتال ثم نسخ بقوله تعالى: {أية : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}تفسير : [البقرة: 193]، أو هي محكمة فلا يُقَاتل أهل الحرم ما لم يبدءوا بالقتال.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي حيث وجدتموهم وأدركتموهم في الحل والحرم، وتحقيق القول فيه أن الله تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام الكفار على القتال وفي هذه الآية أمرهم بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} أي وأخرجوهم من ديارهم كما أخرجوكم من دياركم {والفتنة أشد من القتل} يعني أن شركهم بالله أشد وأعظم من قتلكم إياهم في الحرم والإحرام وإنما سمي الشرك بالله فتنة لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم. وإنما جعل أعظم من القتل لأن الشرك بالله ذنب يستحق صاحبه الخلود في النار وليس القتل كذلك، والكفر يخرج صاحبه من الأمة وليس القتل كذلك فثبت أن الفتنة أشد من القتل {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} اختلف العلماء في هذه الآية فذهب مجاهد في جماعة من العلماء إلى أنها محكمة وأنه لا يحل أن يقاتل في المسجد الحرام إلاّ من قاتل فيه وهو قوله: {فإن قاتلوكم فاقتلوهم} أي فقاتلوهم، وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن مكة لا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حراماً إلى يوم القيامة" تفسير : فثبت بهذا تحريم القتال في الحرم إلاّ أن يقاتلوا فيقاتلوا ويكون دفعاً لهم وذهب قتادة إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله: {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : [التوبة: 5] فأمر بقتالهم في الحل والحرم. وقيل إنها منسوخة بقوله: {أية : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} تفسير : [البقرة: 193] {كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا} يعني عن القتال. وقيل عن الشرك والكفر {فإن الله غفور} يعني لما سلف {رحيم} يعني بعباده حيث لم يعاجلهم بالعقوبة {وقاتلوهم} أي وقاتلوا المشركين {حتى لا تكون فتنة} أي شرك والمعنى وقاتلوهم حتى يسلموا ولا يقبل من الوثني إلاّ الإسلام والقتل بخلاف الكتابي والفرق بينهما أن أهل الكتاب معهم كتب منزلة فيها شرائع وأحكام يرجعون إليها وإن كانوا قد حرفوا وبدلوا فأمهلهم الله تعالى بحرمة تلك الكتب من القتل وأمر بإصغارهم وأخذ الجزية منهم لينظروا في كتبهم ويتدبروها فيقفوا على الحق منها فيتبعوه كفعل مؤمني أهل الكتاب الذين عرفوا الحق فأسلموا، وأما عبدة الأصنام فلم يكن لهم كتاب يرجعون إليه ويرشدهم إلى الحق فكان إمهالهم زيادة في شركهم وكفرهم فأبى الله عز وجل أن يرضى منهم إلاّ بالإسلام أو القتل {ويكون الدين لله} أي الطاعة والعبادة لله وحده فلا يعبد من دونه شيء {فإن انتهوا} يعني عن القتال وقيل عن الشرك والكفر {فلا عدوان} أي فلا سبيل {إلاّ على الظالمين} قاله ابن عباس فعلى القول الأول تكون الآية منسوخة بآية السيف وعلى القول الآخر الآية محكمة. وقيل: معناه فلا تظلموا إلاّ الظالمين، سمي جزاء الظالمين ظلماً على سبيل المشاكلة، وسمي الكافر ظالماً لوضعه العبادة في غير موضعها.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ...}. هذا (احتراز) لأنه لمّا تقدم الأمر بقتال من قاتل أمكن أن يتوهم أنّه لا يقاتل إلاّ من قاتل، فهذا إما نسخ له أو تخصيص. ابن عطية عن الطبري: الخطاب للمهاجرين والضمير لكفار قريش. واختار ابن عطية أنّ الخطاب لجميع المؤمنين، أي أَخرِجوهم إذا أخرجوا بعضكم. قال ابن عرفة: يلزمه استعمال اللّفظ في حقيقته ومجازه. قيل لابن عرفة: في ظاهر الآية تناف لأن "اقتلوهم حيث ثقفتموهم" يقتضي الأمر باستِئْصالِهِم وعدم إحياء أحد (منهم) فلا يبق للإخراج محل. وقوله: "وَأَخْرِجُوهُم" يقتضي إحياء بعضهم حتى يتناوله الإخراج. فأجاب بوجهين: الأول منهما: أنّ الاستيلاء عليهم تارة يكون عاما بحيث لا تبقى لهم ممانعة بوجه، فهنا يقتلون وتارة يكون (دون) ذلك بحيث يتولّى المسلمون على وطنهم (ويمتنعون) هم منهم في حصن ونحوه، حتى لا يكون لهم قوة على المسلمين ولا للمسلمين قدرة على قتلهم فهنا يصالحونهم على أن يخرجوا لينجوا بأنفسهم خاصة. انتهى. الثاني: أنهم يخرجون أولا ثم يقتلون بعد الإخراج والواو لا تفيد رتبة ففي الآية التقديم والتأخير. قال ابن عرفة: في الآية عندي إيماء إلى كون فعل الطاعة إذا (وافق) غرضا دنيويا فلا يقدح ذلك فيه ولا ينقص ثوابه لقوله: {مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ}. قلت: وتقدم لنا في الختمة الأخرى عن ابن عرفة أنه تقرر أن الإمام مخير في الجهاد بين ثلاثة أشياء: إما القتل، وإما الفدية وإما الأسر، والآية تقتضي تحتم القتل من غير تخيير. وأجاب بأنه قد يكون تخصيصا. قوله تعالى: {فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ...}. وقرىء "فَإِن قَتَلُوكُمْ" أي فإن قتلوا بعضكم أو فإن أرادوا قتلكم، وقول الله جل جلاله: {كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} بعد أن قال {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} فظاهره أن الكافرين ليس لهم (جزاء إلا هذا، مع أن جزاءهم) أن يقاتلوهم حيث (ثقفوهم) حتى يُسلموا، فيجاب بهذا إما منسوخ أو مخصوص.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {واقتلوهم حيث ثقفتموهم...} الآية. قال: عنى الله بهذا المشركين. وأخرج الطستي عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {ثقفتموهم} قال: وجدتموهم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول حسان: شعر : فإما يثقفن بني لؤي جذيمة إن قتلهم دواء تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {والفتنة أشد من القتل} قال: الشرك أشد. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {والفتنة أشد من القتل} قال: الفتنة التي أنتم مقيمون عليها أكبر من القتل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {والفتنة أشد من القتل} قال: ارتداد المؤمن إلى الوثن أشد عليه من أن يقتل محقاً. وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم} كلها بالألف {فاقتلوهم} آخرهن بغير ألف. وأخرج عبد بن حميد عن أبي الأحوص قال: سمعت أبا إسحق يقرأهن كلهن بغير ألف. وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش قال: كان أصحاب عبد الله يقرأونها كلّهن بغير ألف. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة في قوله {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} قال: حتى يبدأوا بالقتال، ثم نسخ بعد ذلك فقال: {أية : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}تفسير : [البقرة: 193]. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والنحاس معاً في الناسخ عن قتادة قوله {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} وقوله {أية : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير}تفسير : [البقرة: 217] فكان كذلك حتى نسخ هاتين الآيتين جميعاً في براءة قوله {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [التوبة: 5]. {أية : وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} تفسير : [التوبة: 36]. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {فإن انتهوا} قال: فإن تابوا.
ابو السعود
تفسير : {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} أي حيث وجدتمُوهم من حِلٍّ أو حَرَم وأصلُ الثقَفِ الحذَقُ في إدراك الشيء علماً أو عملاً وفيه معنى الغلبة ولذلك استعمل فيها قال: [الوافر] شعر : فإما تَثْقَفوني فاقتُلوني فمَنْ أثقَفْ فليس إلى خلود تفسير : {وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} أي من مكةَ وقد فُعل بهم ذلك يوم الفتح بمن لم يُسلم من كفارها {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ} أي المحنة التي يُفتتن بها الإنسانُ كالإخراج من الوطن أصعبُ من القتل لدوام تعبها وبقاءِ ألم النفس بها، وقيل: شركُهم في الحرم وصدُّهم لكم عنه أشدُّ من قتلكم إياهم فيه {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي لا تفاتحوهم بالقتل هناك ولا تهتِكوا حرمةَ المسجد الحرام {حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ} ثمَةَ {فَٱقْتُلُوهُمْ} فيه ولا تُبالوا بقتالهم ثمةَ لأنهم الذين هتَكوا حُرمتَه فاستحقُّوا أشدَّ العذاب وفي العُدول عن صِيغة المفاعَلة التي بها وردَ النهيُ والشرطُ عِدَةً بالنصر والغلبة وقرىء ولا تقتُلوهم حتى يقتُلوكم فإن قاتلوكم فاقتلوهم والمعنى حتى يقتُلوا بعضَكم كقولهم: قتلتْنا بنو أسدٍ {كَذٰلِكَ جَزَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ} يُفعلُ بهم مثلُ ما فعلوا بغيرهم {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} عن القتال والكفر بعد ما رأَوا قتالَكم {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يغفرُ لهم ما قد سلف {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي شِرْكٌ {وَيَكُونَ ٱلدّينُ للَّهِ} خالصاً ليس للشيطان فيه نصيب {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} بعد مقاتَلتِكم عن الشِّرك {فَلاَ عُدْوٰنَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي فلا تعتَدوا عليهم إذ لا يحسُن الظلمُ إلا لمن ظَلَم، فوضعُ العلة موضعَ الحُكم وتسميةُ الجزاءِ بالعُدوان للمشاكلة كما في قوله عز وجل: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ} تفسير : [البقرة: 195] أو إنكم إنْ تعرَّضتم للمنتهين صِرْتم ظالمين وتنعكس الحالُ عليكم، والفاءُ الأولى للتعقيب والثانيةُ للجزاء. {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} قاتلَهم المشركون عامَ الحُديبـية في ذي القَعدة فقيل لهم عند خروجِهم لعُمرة القضاء في ذي القَعدة أيضاً وكراهتِهم القتالَ فيه: هذا الشهرُ الحرامُ بذلك الشهر الحرامِ وهتكُه بهتكه فلا تبالوا به {وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ} أي كلُّ حرمةٍ وهي ما يجب المحافظةُ عليه يجري فيها القصاصُ فلما هتكوا حُرمة شهرِكم بالصَّد فافعلوا بهم مثلَه وادخُلوا عليهم عُنوةً فاقتُلوهم إن قاتلوكم كما قال الله تعالى: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} وهي فذلَكةٌ مقرِّرة لما قبلها {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في شأن الانتصار واحذروا أن تعتدوا إلى ما لم يُرَخَّصْ لكم {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} فيحرُسُهم ويُصلح شؤونهم بالنصر والتمكين.
القشيري
تفسير : قوله جلَّ ذكره: {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم}. يعني عليكم بنصب العداوة مع أعدائي - كما أن عليكم إثبات الولاية والموالاة مع أوليائي - فلا تُشْفِقُوا عليهم وإن كان بينكم واصد الرحم ووشائج القرابة. {وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ}: أولاً أَخْرِجُوا حبَّهم وموالاتهم من قلوبكم، ثم (.....) عن أوطان الإسلام ليكون الصغار جارياً عليهم. قوله جلّ ذكره: {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ}. والإشارة: أنَّ المحنةَ التي تَرِدُ على القلوب من طوارق الحجب أشد من المحنة التي تَرِدُ على النفوس مِنْ بذل الروح، لأن فوات حياة القلب أشد من فوات حياة النَّفْس، إذ النفوس حياتها بمألوفاتها، ولكن حياة القلب لا تكون إلا بالله. ويقال الفتنة أشد من القتل: أن تنأى عن الله أعظم من أن تنأى عن روحك وحياتك. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ}. الإشارة منه: لا تشوش وقتك مع الله إذا كان بوصف الصفات بما تدخله على نفسك وإنْ كانت نوافل من الطاعات، فإن زاحمك مزاحم يشغلك عن الله فاقطع مادة ذلك عن نفسك بكل ما أمكنك لئلا تبقى لك علاقة تصدك عن الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} اين وجدتموهم فى الحرم والحل وفى الاشهر الحرم وهم الذين هتكوا حرمة الشهر والحرم بالبداية فجازوهم بمثله واصل الثقف الحذق فى ادراك الشىء علما كان او عملا فهو يتضمن معنى الغلبة {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} اى من مكة لانهم اخرجوا المسلمين منها اولا واخرج عليه الصلاة والسلام منها ثانيا من لم يؤمن به منهم يوم الفتح {والفتنة} فى الاصل عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغش ثم صار اسما لكل ما كان سببا للامتحان تشبيها بهذا الاصل اى المحنة التى يفتتن بها الانسان ويمتحن كالاخراج من الوطن {أشد من القتل} اصعب منه لدوام تعبها وتألم النفس بها فتكون هذه الجملة متعلقة بقوله {واخرجوهم من حيث اخرجوكم} تذييلا له وحثا على الاخراج والمعنى ان اخراجكم اياهم ليس اهون عليهم من القتل بل هو اشد من قتلكم اياهم فيصلح جزاء لاصرارهم على الكفر ومناجزتهم لحربكم وقتالكم. قيل لبعض الحكماء ما اشد من الموت قال الذى يتمنى فيه الموت جعل الاخراج من الوطن من الفتن والمحن التى يتمنى عندها الموت ويحتمل ان تكون متعلقة بقوله {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} فيكون المقصود حث المؤمنين على قتلهم اياهم فى الحرم اى لا تبالوا بقتلهم اينما وجدتموهم فان فتنتهم اى تركهم فى الحرم وصدهم اياكم عن الحرم اشد من قتلكم اياهم فيه {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} اى لا تفاتحوهم بالقتل هناك وهتك حرمة المسجد الحرام {حتى يقاتلوكم فيه} حتى يبدأوكم بالقتال فى الحرم وهذا بيان لشرط كيفية قتالهم فى هذه البقعة خاصة فيكون تخصيصا لقوله {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} {فإن قاتلوكم} ثمة {فاقتلوهم} فيه ولا تبالوا بقتالهم ثمة لانهم الذين هتكوا حرمته فاستحقوا اشد العذاب {كذلك} اى مثل ذلك الجزاء على ان الكاف فى محل الرفع بالابتداء {جزاء الكافرين} يفعل بهم مثل ما فعلوا بغيرهم.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ حمزة، والكسائي، {ولا تقتلوهم} {حتى يقتلوكم} {فإن قتلوكم} كله بغير ألف. الباقون بألف في جميع ذلك. المعنى: والمعنى لا تبدؤهم بقتل ولا قتال حتى يبدؤكم. إلا أن القتل نقض بنية الحياة، والقتال محاولة القتل ممن يحاول القتل. وقوله: {واقتلوهم} أمر للمؤمنين بقتل الكفار {حيث ثقفتموهم}. الاعراب: ويجوز في حيث ثلاثة أوجه: ضم الثاء، وفتحها، وكسرها، فالضم لشبهها بالغاية، نحو قبل وبعد، لأنه منع الاضافة الى المفرد مع لزوم معنى الاضافة له، فجرى لذلك مجرى قبل وبعد في البناء على الضم، ولا يجب مثل ذلك في (إذ) لأنها مبنية على الوقف، كما أنّ (مذ) لا يجب فيها ما يجب في منذ. والفتح، لأجل الياء، كما فتحت (أين، وكيف) والكسر فعلى أصل الحركة، لالتقاء الساكنين. وإنما كتبت بغير ألف - في الثلاث والكلام في المصحف للايجاز، كما كتبوا الرحمن بلا ألف. وكذلك صالح وخالد، وما أشبهها، من حروف المد واللين، لقوتها على التغيير. اللغة: وقوله {ثقفتموهم} تقول: ثقفته أثقفه ثقفاً: اذا ظفرت به، ومنه قوله: {أية : فأما تثقفنهم في الحرب}تفسير : وثقفت الشىء ثقافة: اذا حذقته، ومنه اشتقاق الثقافة بالسيف، وقد ثقف ثقافة فهو ثقف. والثقاف حديدة تكون مع القواس، والرّماح يقوم بها المعوج. وثقف الشىء ثقفاً: إذا لزم، وهو ثقف اذا كان سريع التعلم. وثقفته تثقيفاً: إذا قومته. وأصل الباب: التثقيف التقويم. المعنى: وقوله {والفتنة أشد من القتل} قال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والربيع، وابن زيد، وجميع المفسرين: إنها الكفر. وأصل الفتنة الاختبار، فكأنه قال: والكفر الذي يكون عند الاختبار أعظم من القتل في الشهر الحرام ووجه قراءة من قرأ {ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه} أنه جاء في كلام العرب إذا قتل بعضهم، قالوا: قتلنا، فتقديره حتى يقتلوا بعضكم. ومعنى قوله {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} أي أخرجوهم من مكة كما أخرجوكم منها. وروى أن هذه الآية نزلت في سبب رجل من الصحابة قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام، فعابوا المؤمنين بذلك فبّين الله تعالى أن الفتنة في الدين أعظم من قتل المشركين في الشهر الحرام وإن كان محظوراً لا يجوز.
الجنابذي
تفسير : {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم} وجدتموهم وعلى ما ذكر من أنّه ناسخ للآية الاولى فنزوله كان بعدها بتراخٍ {وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} يعنى من مكّة كما كانوا أخرجوكم وقد فعل ذلك بمن لم يسلم {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ} لمّا عاب بعض المؤمنين رجلاً من الصحابة قتل رجلاً من الكفّار فى الشّهر الحرام وكرهوا القتال فى الحرم والشّهر الحرام فى عمرة القضاء قال تعالى {الفتنة} اى الكفر بالله والافساد فى الارض الّتى ارتكبها المشركون أشدّ من القتال فارتكاب القتال لدفع محذورٍ أشدّ ممدوحٌ لا أنّه موجب للذّمّ والعقوبة ولكن احفظوا حرمة الحرم وحرمة الشّهر الحرام {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ} تصريح بمفهوم الغاية {فَٱقْتُلُوهُمْ} حتّى يكون القتل منكم دفاعاً والدّفاع فى الحرم حفظ لحرمته لا هتك لها {كَذَلِكَ} القتل بعد المقاتلة {جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} بحرمة الحرم او بالله.
اطفيش
تفسير : {واقْتلُوهُم حيْثُ ثَقِفْتُموهم}: حيث وجدتموهم فى حل أو حرام بدءوكم بالقتال أم لم يبدءوكم، وتقدم أنه قيل إن هذا ناسخ لقصر القتال على من بدأ. وعن ابن اسحاق وغيره: نزلت الآية هذه فى شأن عمرو الحضرمى وواقد، وذلك فى سرية عبد الله بن جحش، وأصل الثقف المهاروة فى علم شئ أو عمله، فهو متضمن لمعنى الغلبة. قال الشاعر: شعر : فإما تقتلونى فاقتلونى ومن أثقف فليس له خلود تفسير : أى فان تغلبونى فاقتلونى، ومن أغلب فليس راجعاً إلى خلود، وليس له سبيل إلى خلود، ويجوز أن يريد فإن تجدونى فاقتلونى، ومن أجد فليس إلى خلود. {وأخُرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ}: أخرجوُهم من مواضع إخراجهم إياكم وهو مكة، وقد فعل ذلك صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمن لم يسلم. {والفِتْنَةُ}: البلية التى تصيب الإنسان كالإخراج من الوطن وإنزاله عن رتبة كان فيها بلا موجب، وبهته ونحو ذلك مما يدوم به تعبهْ، وتتألم به النفس تألماً مستمراً. {أشدُّ مِنَ القَتْلِ}: لأنه دفعه يتطاول كذلك، وكم فتنة يتمنى الموت عندها. قال الشاعر: شعر : لقتل بحد السيف أهون موقفا على النفس من قتل بحد فراق تفسير : وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن حوميز: شعر : وما وجد مغلول بصنعاء موثق بساقيه من ماء الحديد كبول قليل الموالى مسلم بجزيرة له بعد نومات العيون الليل يقول له الحداد أنت معذب غداة غد أو مسلم فقتيل بأكبر منى لوعة يوم راعنى فراق حبيب ما إليه سبيل تفسير : وقال الشاعر: شعر : وما أم خشف طول يوم وليلة ببلقعة بيداء ظمياء صاديا تهيم ولا تدرى إلى أين تبتغى مولهة حزنا تجوز الفيافيا أضر بها حر الهجير فلم تجد لغلتها من بارد الماء شافيا إذا بعدت عن خشفها انقطعت به فألفته ملهوف الجوانح طاويا بأوجع منى يوم شدوا حمولهم ونادى منادى البين ألا تلاقيا تفسير : وقال البغدادى: شعر : قالت وقد نالها للبين أوجعه والبين صعب على الأحباب موقعه اجعل يديك على قلبى فقد ضعفت قواه عن حمل ما فيه وأضلعه واعطف على المطايا ساعة فعسى من شت شمل الهوى بالبين يجمعه كأننى يوم ولت حسرة وأسى غريق بحر يرى الشط ويمنعه تفسير : وقيل: الفتنة فتنة الدين وهى الشرك والكبائر فى إصرارى شركهم وكبائرهم أعظم من قتلكم إياهم فى الحرم والإحرام والشهر الحرام الذى استعظمتم. فشركهم وكبائرهم استحلت قتلهم فى ذلك الزمان وذلك الموضع وتلك الحال وقيل صدهم إياكم عن الحرم وشركهم أشد من قتلكم إياهم فيه كذلك، وقيل: الفتنة التى حملوكم عليها: وهى الرجوع إلى الشرك أشد من القتل لكم، لأن قتل المؤمن تعذيب مرة يفضى به إلى الجنة، والشرك الدائم العذاب، وأيضاً فقتلكم إياهم هين بالنسبة إلى ما أرادوه منكم من الرجوع إلى الشرك. ويجوز أن يكون المعنى شركهم أعظم مما عَيَّروكم به من قتلكم عمر بن الحضرمى. وقيل عن مجاهدِ: المعنى ارتداد المؤمن عن دينه وأشد عليه من أن يقتل محقاً. {ولا تُقَاتِلُوهُم عِندَ المسْجِدِ الحَرامِ}: أى لا تقاتلوهم عند المسجد الحرام إعظاماً له، ومن كان فى داخل الشىء صح أن يقال هو عنده، وقيل المعنى لا تقاتلوهم فى الحرم إعظاماً له، والحرم متصل بالمسجد الحرام، والمسجد الحرام أعظم الحرمة حرمة. {حَتَّى يُقاتِلُوكُم فِيهِ}: أى حتى يبدءوكم فيه بالقتال، هذا عند الجمهور وقتادة منسوخ بقوله:{أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : ونحوه. وقيل بقوله:{أية : وقَاتلوهمْ حتَى لا تَكون فِتنةٌ}،تفسير : ونسب لقتادة، وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد: الآية محكمة ولا يجوز عنده قتال أحد عند المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل. والذى أقول به قول مجاهد لكنى أقول إن دخل مشرك الحرم أو المسجد الحرام، وأمر بالخروج فأبى قوتل ولو لم يقاتل، ويرجح قول مجاهد: قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إنما أحلت لى ساعة من النهار ولم تحل لأحد بعدى"تفسير : ، ورجحه الفخر الرازى، وقال ابن العربى: روى الأئمة عن ابن عباس حديث : أن النبى صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله تعالى إلى يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلى، وإنما أحل لى ساعة من النهار"تفسير : فقد ثبت النهى عن القتال قرآناً وسنة فإن لجأ إليها كافر فلا سبيل إليه، وأما الزانى والقاتل فلا بد من إقامة الحد عليه، إلا أن يبتدئ الكافر بالقتال فيها بنص الكتاب انتهى. وقوله: {حَتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} دليل على أن المراد بقوله {عند المسجد الحرام} فى المسجد الحرام، فإن الهاء عائدة إلى المسجد الحرام، ولا يصح عودها إلى عند لأنه لا يعود الضمير إليه، ويحتمل عود الهاء إلى الحرم المدلول عليه بقوله عند المسجد الحرام. {فَإنْ قَاتَلُوكُم}: بدءوا بالقتال فيه. {فاقْتلُوهُمْ}: فيه جزاءً لهم لا هتكاً لحرمة الحرم كما هتكوها، قرأ حمزة والكسائى: {ولا تَقتلوهم عندَ المسجدِ الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قاتلوكم} بإسكان القاف وضم التاء فى الأولين، والمعنى حتى يقتل بعضُهم البعض الآخر تقول قتلتنا بنو أسد، قال الشاعر: شعر : فإن تقتلون نقتلكم تفسير : أى تقتلوا بعضنا فان المقتول لا يتكلم ولا يصدر منه تقتيل، وفتحهما بدون ألف فى الأخير. {كَذلكَ جَزاءُ الكَافِرينَ}: أى كذلك المذكور من القتال، والإخراج جزاء المشركين على شركهم وإخراجهم المؤمنين وقتلهم بعضاً من المؤمنين.
اطفيش
تفسير : {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَقِفْتُمُوهُمْ} أخذتموهم وظفرتم بهم، أو أدركتموهم قادرين عليهم، ولو لم يبتدئوكم بالقتال، لا عند المسجد الحرام فحتى يبدأوكم، كره المسلمون القتال فى الشهر الحرام والبلد الحرام فأباحه الله لهم به {وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} موضع الإخراج، وهو مكة، وسمي التسبب فى الإِخراج إخراجا لأن أهل مكة ضيقوا على المسلمين بالضرب والحبس، وإرادة ذلك وإرادة التقل والمنع عن دين الله فخرجوا لذلك، وكذا فى قوله {أية : مِن قَرْيَتِكَ التى أَخْرَجتك} تفسير : [محمد: 13] أى أخرجك أهلها، على حذف مضاف، أو أسند الإخراج إليها لحلولهم فيها، ثم إن الإخراج منهم أيضاً مجاز، وقد أخرجهم المسلمون يوم الفتح، وقتلوا من قتلوا، أحلت ساعة من نهار، وكان فيها قتل لبعضهم، وبعد الساعة أمروا بالإخراج، أمرهم الله بقتل من أمكن وإخراج من لم يقتل بحسب الإمكان {وَالْفِتْنَة} الامتحان بالبلية أو نفس البلية، إذ من شأنها أن يمتحن بها أو أن يعامل معاملة الامتحان بها، وذلك كالإخراج من الوطن: شعر : لَقَتْلٌ بِحَدِّ السَّيْفِ أَهْوَنُ مَوْقِعاً عَلَى النَّفْسِ مِنْ قَتْلٍ بِحَدِّ فِرَاقِ تفسير : والحمل على الشرك ولا سيما فى الحرم، فإن الإشراك فتنة للباقى عليه ولغيره، وكالصد عن دين الله، وعن المسجد الحرام، وكنفس الإشراك، فإنه يؤدى إلى الظلم والفساد وإشراك الإنسان أشد علي مضرة فى الدنيا والآخرة من القتل، ولا تتركوا قتلهم للبلد الحرام والشهر الحرام فإن شركهم فيها أقبح، إن ظهر لكم أن القتل فيها قبيح كما قال {أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} لاستمرار ضرر الإخراج ونحوه من المضار كمداومة الضرب والشتم، ولا يخفى أن شركهم أعظم من القتل لهم فى الحرم والإحرام، أو القتل لهم فيه الذى استعظموه من المسلمين وأعظم من قلتهم المسلمين مطلقا {وَلاَ تُقَٰتِلُوهُمْ} أى لا تقاتلوا المشركين ابتداء وصيغة التفاعل لكون البد يتتبع قتالا، والمعنى لا تقتلوهم {عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أى فى الحرم {حَتَّى يُقَٰتِلُوكُمْ} يبتدئوكم بالقتال {فِيهِ} أى فى المسجد الحرام، أى فى الحرم، وذلك أن عند لموضع الحضور وسائر الحرم حاضر للكعبة منه، ولكم قتالهم فى غير الحرم ولو لم يبدأوكم {فَإِنْ قَٰتَلُوكُمْ} فيه بدأوكم بهيئة القتل وقع القتال أم لم يقع {فَاقْتُلُوهُمْ} فيه، وفى غير اقصدوا قتلهم وعالجوه، ولو أبى عليهم كلهم، ولم يقل فقاتلوهم كما هو مقتضى الظاهر مبالغة ووعداً لهم بالنصر، ونسخ تحريم القتال إلا إن بدأوا به بقوله تعالى "أية : وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ" تفسير : [البقرة: 193] وبقوله تعالى {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} على قول بتأخير نزولة عن قوله تعالى {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} وبقوله تعالى "أية : وَقَٰتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً" تفسير : [التوبة: 36] أى لا يقيد القتال فى الحرم بدءاً، أى الآى نزلت أولا، فهى الناسخة وما بعدها تقرير لها، والكل مناف لحكم المنسوخ {كَذَٰلِكَ} الذى تفعلون بهم من الإخراج لهم من حيث أخرجوكم وقتلهم حيث ثقفتموهم {جَزَآءُ الْكَٰفِرِينَ} المذكورين فالظاهر فى موضع المضمر للتصريح بموجب الجزاء، وهو الكفر والجنس فيدخلون أولا وبالذات.
الالوسي
تفسير : {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} أي وجدتموهم كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حين سأله نافع بن الأزرق، وأنشد عليه قول حسان رضي الله تعالى عنه:شعر : فإما {يثقفهن} بني لوى جذيمة أن قتلهم دواء تفسير : وأصل الثقف الحذق في إدراك الشيء عملاً كان أو علماً ويستعمل كثيراً في مطلق الإدراك، والفعل منه ثقف ككرم وفرح {وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} أي مكة وقد فعل بهم ذلك عام الفتح وهذا الأمر معطوف على سابقه، والمراد افعلوا كل ما يتيسر لكم من هذين الأمرين في حق المشركين فاندفع ما قيل: إن الأمر بالإخراج لا يجامع الأمر بالقتل فإن القتل والإخراج لا يجتمعان، ولا حاجة إلى ما تكلف من أن المراد إخراج من دخل في الأمان أو وجدوه بالأمان كما لا يخفى {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ} أي شركهم في الحرم أشد قبحاً فلا تبالوا بقتالهم فيه لأنه ارتكاب القبيح لدفع الأقبح فهو مرخص لكم ويكفر عنكم، أو المحنة التي يفتتن بها الإنسان كالإخراج من الوطن المحبب للطباع السليمة أصعب من القتل لدوام تعبها وتألم النفس بها، ومن هنا قيل:شعر : لقتل بحد سيف أهون موقعاً على النفس من قتل (بحد فراق) تفسير : والجملة على الأول من باب التكمل والاحتراس لقوله تعالى: {وَٱقْتُلُوهُمْ} الخ عن توهم أن القتال في الحرم قبيح فكيف يؤمر به، وعلى الثاني تذييل لقوله سبحانه: {وَأَخْرِجُوهُمْ} الخ لبيان حال الإخراج والترغيب فيه، وأصل ـ الفتنة ـ عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغش ثم استعمل في الابتلاء والعذاب والصد عن دين الله والشرك به، وبالأخير فسرها أبو العالية في الآية. {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ} نهي للمؤمنين أن يبدءوا القتال في ذلك الموطن الشريف حتى يكون هم الذين يبدءون، فالنهي عن المقاتلة التي هي فعل اثنين باعتبار نهيهم عن الابتداء بها الذي يكون سبباً لحصولها، وكذا كونها غاية باعتبار المفاتحة لئلا يلزم كون الشيء غاية لنفسه. {فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ} نفي للحرج عن القتال في الحرم الذي خاف منه المسلمون وكرهوه أي إن قاتلوكم هناك فلا تبالوا بقتالهم لأنهم الذين هتكوا الحرمة وأنتم في قتالهم دافعون القتل عن أنفسكم وكان الظاهر الإتيان بأمر المفاعلة إلا أنه عدل عنه إلى أمر فعل بشارة للمؤمنين بالغلبة عليهم أي هم من الخذلان وعدم النصر بحيث/ أمرتم بقتلهم، وقرأ حمزة والكسائي (ولا تقتلوهم حتي يقتلوكم فإن قتلوكم فاقتلوهم) واعترض الأعمش على حمزة في هذه القراءة فقال له: أرأيت قراءتك إذا صار الرجل مقتولاً فبعد ذلك كيف يصير قاتلاً لغيره؟! فقال حمزة إن العرب إذا قتل منهم رجل قالوا: قتلنا، وإذا ضرب منهم الرجل قالوا: ضربنا، وحاصله أن الكلام على حذف المضاف إلى المفعول وهو لفظ بعض فلا يلزم كون المقتول قاتلاً، وأما إسناد الفعل إلى الضمير فمبني على أن الفعل الواقع من البعض برضا البعض الآخر يسند إلى الكل على التجوز في الإسناد فلا حاجة فيه إلى التقدير، ولذا اكتفى الأعمش في السؤال بجانب المفعول، وكذا قوله سبحانه: {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ} جاز على حقيقة من غير تأويل لأن المعنى على السلب الكلي أي لا يقتل واحد منكم واحداً منهم حتى يقع منهم قتل بعضهم. ثم إن هذا التأويل مختص بهذه القراءة ولا حاجة إليه في (لا تقاتلوهم) لأن المعنى لا تفاتحوهم والمفاتحة لا تكون إلا بشروع البعض بقتال البعض قاله بعض المحققين، وقد خفي على بعض الناظرين فتدبر. {كَذٰلِكَ جَزَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ} تذييل لما قبله أي يفعل بهم مثل ما فعلوا، والكافرين إما من وضع المظهر موضع المضمر نعياً عليهم بالكفر أو المراد منه الجنس ويدخل المذكورون فيه دخولاً أولياً. والجار في المشهور خبر مقدم وما بعده مبتدأ مؤخر، واختار أبو البقاء أن الكاف بمعنى مثل مبتدأ وجزاء خبره إذ لا وجه للتقديم.
ابن عاشور
تفسير : {. هذا أمر بقتل من يعثر عليه منهم وإن لم يكن في ساحة القتال، فإنّه بعد أن أمرهم بقتال من يقاتلهم عَمَّمَ المواقع والبقاع زيادة في أحوال القتل وتصريحاً بتعميم الأماكن فإن أهمية هذا الغرض تبعث على عدم الاكتفاء باقتضاء عموم الأشخاص تَعْمِيمَ الأمكنة ليكون المسلمون مأذونين بذلك فكل مكان يحل فيه العدو فهو موضع قتال، فالمعنى واقتلوهم حيث ثقفتموهم إن قاتلوكم. وعطفت الجملة على التي قبلها وإن كانت هي مكملة لها باعتبار أن ما تضمنته قتل خاص غير قتال الوغَى فحصلت المغايرة المقتضية العطف، ولذلك قال هنا واقتلوهم وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ} ولم يقل: وقاتلوهم مثل الآية قبلها تنبيهاً على قتل المحارب ولو كان وقت العثور عليه غيرَ مباشر للقتال وأنه من خرج محارباً فهو قاتل وإن لم يَقْتُلْ. و{ثقفتموهم} بمعنى لقيتموهم لقاء حرب وفِعله كفرح، وفسره في «الكشاف» بأنه وجود على حالة قهر وغلبة. وقوله: {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} أي يحل لكم حينئذٍ أن تخرجوهم من مكة التي أخرجوكم منها، وفي هذا تهديد للمشركين ووعد بفتح مكة، فيكون هذا اللقاء لهذه البشرى في نفوس المؤمنين ليسْعوا إليه حتى يدركوه وقد أدركوه بعد سنتين، وفيه وعد من الله تعالى لهم بالنصر كما قال تعالى: { أية : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام } تفسير : [الفتح: 27] الآية. وقوله: {والفتنة أشد من القتل} تذييل وأل فيه للجنس تدل على الاستغراق في المقام الخَطَابيِّ، وهو حجة للمسلمين ونفي للتبعة عنهم في القتال بمكة إن اضطروا إليه. والفتنة إلقاء الخوف واختلال نظام العَيْششِ وقد تقدمت عند قوله تعالى: { أية : حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } تفسير : [البقرة: 102]، إشارة إلى ما لقيه المؤمنون في مكة من الأذى بالشتم والضرب والسخرية إلى أن كان آخره الإخراج من الديار والأموال، فالمشركون محقوقون من قبل فإذا خفروا العهد استحقوا المؤاخذة بما مضى فيما كان الصلح مانعاً من مؤاخذتهم عليه؛ وإنما كانت الفتنة أشد من القتل لتكرر إضرارها بخلاف ألم القتل، ويراد منها أيضاً الفتنة المتوقعة بناء على توقع أن يصدوهم عن البيت أو أن يغدروا بهم إذا حلوا بمكة، ولهذا اشترط المسلمون في صلح الحديبية أنهم يدخلون العام القابل بالسيوف في قرابها، والمقصد من هذا إعلان عذر المسلمين في قتالهم المشركين وإلقاء بغض المشركين في قلوبهم حتى يكونوا على أهبة قتالهم والانتقام منهم بصدور حرجة حنقة. وليس المراد من الفتنة خصوص الإخراج من الديار، لأن التذييل يجب أن يكون أعم من الكلام المذيَّل. الجملة معطوفة على جملة {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} التي أفادت الأمر بتتبع المقاتلين بالتقتيل حيثما حَلُّوا سواء كانوا مشتبكين بقتال المسلمين أم كانوا في حالة تنقل أو تطلع أو نحو ذلك لأن أحوال المحارب لا تنضبط وليست في الوقت سعة للنظر في نواياه والتوسم في أغراضه، إذ قد يبادره إلى اغتيال عدوه في حال تردده وتفكره، فخص المكان الذي عند المسجد الحرام من عموم الأمكنة التي شملها قوله: {حيث ثقفتموهم} أي إن ثقفتموهم عند المسجد الحرام غير مشتبكين في قتال معكم فلا تقتلوهم، والمقصد من هذا حفظ حرمة المسجد الحرام التي جعلها الله له بقوله: { أية : مقام إبراهيم ومن دخله كان ءامناً } تفسير : [آل عمران: 97]، فاقتضت الآية منع المسلمين من قتال المشركين عند المسجد الحرام، وتدل على منعهم من أن يقتلوا أحداً من المشركين دون قتال عند المسجد الحرام بدلالة لحن الخطاب أو فحوى الخطاب.d وجعلت غاية النهي بقوله: {حتى يقاتلونكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} أي فإن قاتلوكم عند المسجد فاقتلوهم عند المسجد الحرام، لأنهم خرقوا حرمة المسجد الحرام فلو تركت معاملتهم بالمثل لكان ذلك ذريعة إلى هزيمة المسلمين. فإن قاتلوا المسلمين عند المسجد الحرام عاد أمر المسلمين بمقاتلتهم إلى ما كان قبل هذا النهي فوجب على المسلمين قتالهم عند المسجد الحرام وقتل من ثقفوا منهم كذلك. وفي قوله تعالى: {فاقتلوهم} تنبيه على الإذن بقتلهم حينئذٍ ولو في غير اشتباك معهم بقتال، لأنهم لا يؤمنون من أن يتخذوا حرمة المسجد الحرام وسيلة لهزم المسلمين. ولأجل ذلك جاء التعبير بقوله: {فاقتلوهم} لأنه يشمل القتل بدون قتال والقتل بقتال. فقوله تعالى: {فإن قاتلوكم} أي عند المسجد الحرام فاقتلوهم هنالك، أي فاقتلوا من ثقفتم منهم حين المحاربة، ولا يصدكم المسجد الحرام عن تقصي آثارهم لئلا يتخذوا المسجد الحرام ملجأ يلجؤون إليه إذا انهزموا. وقد احتار كثير من المفسرين في انتظام هذه الآيات من قوله: { أية : وقاتلوا في سبيل الله } تفسير : [البقرة: 190] إلى قوله هنا ــــ {كذلك جزاء الكافرين} حتى لجأ بعضهم إلى دعوى نسخ بعضها ببعض فزعم أن آيات متقارنة بعضها نسخ بعضاً؛ مع أن الأصل أن الآيات المتقارنة في السورة الواحدة نزلت كذلك ومع ما في هاته الآيات من حروف العطف المانعة من دعوى كون بعضها قد نزل مستقلاً عن سابقه وليس هنا ما يلجىء إلى دعوى النسخ، ومن المفسرين من اقتصر على تفسير المفردات اللغوية والتراكيب البلاغية وأعرض عن بيان المعاني الحاصلة من مجموع هاته الآيات. وقد أذن الله للمسلمين بالقتال والقتل للمقاتل عند المسجد الحرام ولم يعبأ بما جعله لهذا المسجد من الحرمة؛ لأن حرمته حرمة نسبته إلى الله تعالى فلما كان قتال الكفار عنده قتالاً لمنع الناس منه ومناوأة لدينه فقد صاروا غير محترمين له ولذلك أمرنا بقتالهم هنالك تأييداً لحرمة المسجد الحرام. وقرأ الجمهور: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه) ثلاثتها بألف بعد القاف، وقرأ حمزة والكسائي: (ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم) بدون ألف بعد القاف، فقال الأعمش لحمزة أرأيت قراءتك هذه كيف يكون الرجل قاتلاً بعد أن صار مقتولاً؟ فقال حمزة: إن العرب إذا قتل منهم رجل قالوا قتلنا اهــــ يريد أن الكلام على حذف مضاف من المفعول كقوله شعر : : غَضِبت تميم أَنْ تُقتَّل عامر يوم النسار فأُعْتِبُوا بالصَّيْلَم تفسير : والمعنى ولا تقتلوا أحداً منهم حتى يقتلوا بعضكم فإن قتلوا بعضكم فاقتلوا من تقدرون عليه منهم وكذلك إسناد (قتلوا) إلى ضمير جماعة المشركين فهو بمعنى قتل بعضهم بعض المسلمين لأن العرب تسند فعل بعض القبيلة أو الملة أو الفرقة لما يدل على جميعها من ضمير كما هنا أو اسم ظاهر نحو قتلتنا بنو أسد. وهذه القراءة تقتضي أن المنهي عنه القتل فيشمل القتل باشتباك حرب والقتل بدون ملحمة. وقد دلت الآية بالنص على إباحة قتل المحارب إذا حارب في الحرم أو استولى عليه لأن الاستيلاء مقاتلة؛ فالإجماع على أنه لو استولى على مكة عدو وقال: لا أقاتلكم وأمنعكم من الحج ولا أبرح من مكة لوجب قتاله وإن لم يبدأ بالقتال؛ نقله القرطبي عن ابن خويز منداد من مالكية العراق. قال ابن خويز منداد: وأما قوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} فيجوز أن يكون منسوخاً بقوله: { أية : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } تفسير : [البقرة: 193]. واختلفوا في دلالتها على جواز قتل الكافر المحارب إذا لجأ إلى الحرم بدون أن يكون قتال وكذا الجاني إذا لجأ إلى الحرم فاراً من القصاص والعقوبة فقال مالك: بجواز ذلك واحتج على ذلك بأن قوله تعالى: { أية : فإذا انسلخ الأشهر الحرم } تفسير : [التوبة: 5] الآية قد نسخ هاته الآية وهو قول قتادة ومقاتل بناء على تأخر نزولها عن وقت العمل بهذه الآية والعام المتأخر عن العمل ينسخ الخاص اتفاقاً. وبالحديث الذي رواه في «الموطأ» عن أنس بن مالك « حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء أبو برزة فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلوه » تفسير : وابن خطل هذا هو عبد العزى بن خطل التيمي كان ممن أسلم ثم كفر بعد إسلامه وجعل دأبه سب رسول الله صلى الله عليه وسلم والإسلام فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح دمه فلما علم ذلك عاذ بأستار الكعبة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله حينئذٍ، فكان قتل ابن خطل قتل حد لا قتل حرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وضع المغفر عن رأسه وقد انقضت الساعة التي أحل الله له فيها مكة. وبالقياس وهو أن حرمة المسجد الحرام متقررة في الشريعة فلما أذن الله بقتل من قاتل في المسجد الحرام علمنا أن العلة هي أن القتال فيه تعريض بحرمته للاستخفاف، فكذلك عياذ الجاني به، وبمثل قوله قال الشافعي، لكن قال الشافعي إذا التجأ المجرم المسلم إلى المسجد الحرام يضيق عليه حتى يخرج فإن لم يخرج جاز قتله، وقال أبو حنيفة: لا يقتل الكافر إذا التجأ إلى الحرم إلاّ إذا قاتل فيه لنص هاته الآية وهي محكمة عنده غير منسوخة وهو قول طاووس ومجاهد. قال ابن العربي في «الأحكام»: حضرت في بيت المقدس بمدرسة أبي عقبة الحنفي والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم الجمعة فبينا نحن كذلك إذ دخل رجل عليه أطمار فسلم سلام العلماء وتصدر في المجلس، فقال القاضي الزنجاني: من السيد؟ فقال: رجل من طلبة العلم بصاغان سلبه الشطار أمس، ومقصدي هذا الحرم المقدس فقال القاضي الزنجاني: سلوه عن العادة في مبادرة العلماء بمبادرة أسئلتهم، ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل أم لا؟ فأجاب بأنه لا يقتل، فسئل عن الدليل فقال: قوله تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قرىء (ولا تقتلوهم) فالآية نص وإن قرىء (ولا تقاتلوهم) فهي تنبيه، لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلاً بيناً على النهي عن القتل فاعترض عليه الزنجاني منتصراً لمالك والشافعي وإن لم ير مذهبهما على العادة، فقال هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } تفسير : [التوبة: 5] فقال الصاغاني هذا لا يليق بمنصب القاضي، فإن الآية التي اعترضتَ بها عامة في الأماكن والتي احتججتُ بها خاصة ولا يجوز لأحد أن يقول: إن العام ينسخ الخاص فأُبْهِت القاضي الزنجاني، وهذا من بديع الكلام اهــــ. وجواب هذا أن العام المتأخر عن العمل بالخاص ناسخ وحديث ابن خطل دل على أن الآية التي في براءة ناسخة لآية البقرة. وأما قول الحنفية وبعض المالكية: إن قتل ابن خطل كان في اليوم الذي أحل الله له فيه مكة فيدفعه أن تلك الساعة انتهت بالفتح وقد ثبت في ذلك الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزع حينئذٍ المغفر وذلك أمارة انتهاء ساعة الحرب. وقال ابن العربي في «الأحكام»: الكافر إذا لم يقاتل ولم يجن جناية ولجأ إلى الحرم فإنه لا يقتل، يريد أنه لا يقتل القتل الذي اقتضته آية {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} وهو مما شمله قوله تعالى: {5لا تقاتلوهم عند المسجد الحرام}. وقوله: {كذلك جزاء الكافرين}، الإشارة إلى القتل المأخوذ من قوله: {فاقتلوهم} أي كذلك القتل جزاؤهم على حد ما تقدم في قوله: { أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } تفسير : [البقرة: البقرة: 143] ونكتة الإشارة تهويله أي لا يقل جزاء المشركين عن القتل ولا مصلحة في الإبقاء عليهم؛ وهذا تهديد لهم، فقوله {كذلك} خبر مقدم للاهتمام وليست الإشارة إلى { أية : وقاتلوا في سبيل الله } تفسير : [البقرة: 190] لأن المقاتلة ليست جزاء؛ إذ لا انتقام فيها بل القتال سجال يوماً بيوم. وقوله: {فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم} أي فإن انتهوا عن قتالكم فلا تقتلوهم؛ لأن الله غفور رحيم، فينبعي أن يكون الغفران سنة المؤمنين، فقوله: {فإن الله غفور رحيم} جواب الشرط وهو إيجاز بديع؛ إذ كل سامع يعلم أن وصف الله بالمغفرة والرحمة لا يترتب على الانتهاء فيعلم أنه تنبيه لوجوب المغفرة لهم إن انتهوا بموعظة وتأييد للمحذوف، وهذا من إيجاز الحذف. والانتهاء: أصله مطاوع نهى يقال: نهاه فانتهى ثم توسع فيه فأطلق على الكف عن عمل أو عن عزم؛ لأن النهي هو طلب ترك فعل سواء كان الطلب بعد تلبس المطلوب بالفعل أو قبل تلبسه به قال النابغة شعر : : لقد نهيت بني ذبيان عن أُقُرٍ وعن تَرَبُّعهم في كل إصفار تفسير : أي عن الوقوع في ذلك.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 191- واقتلوا أولئك الذين بدأوكم بالقتال حيث وجدتموهم، وأخرجوكم من مكة وطنكم الذى حملوكم على الخروج منه، ولا تتحرجوا من ذلك فقد فعلوا ما هو أشد من القتل فى المسجد الحرام إذ حاولوا فتنة المؤمنين عن دينهم بالتعذيب فى مكة حتى فروا بدينهم من وطنهم، ولكن للمسجد الحرام حرمته فلا تنتهكوها إلا إذا انتهكوها هم بقتالكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم وأنتم الغالبون بفضل الله، وكذلك جزاء الكافرين يفعل بهم ما يفعلونه بغيرهم. 192- فإن رجعوا عن الكفر ودخلوا فى طاعة الإسلام، فإن الإسلام يجبُّ ما قبله، والله يغفر لهم ما سلف من كفرهم بفضل منه ورحمة. 193- وقاتلوا هؤلاء الذين حاولوا قتلكم وصدكم عن دينكم بالإيذاء والتعذيب، حتى تستأصل جذور الفتنة ويخلص الدين لله. فإن انتهوا عن كفرهم فقد نجوا أنفسهم وخلصوا من العقاب، فلا ينبغى الاعتداء عليهم حينئذٍ وإنما العدوان على من ظلم نفسه وأوبقها بالمعاصى وتجاوز العدل فى القول والفعل. 194- فإذا اعتدوا عليكم فى الشهر الحرام فلا تقعدوا عن قتالهم فيه فإنه حرام عليهم، كما هو حرام عليكم، وإذا انتهكوا حرمته عندكم فقابلوا ذلك بالدفاع عن أنفسكم فيه، وفى الحرمات والمقدسات شرع القصاص والمعاملة بالمثل، فمن اعتدى عليكم فى مقدساتكم فادفعوا هذا العدوان بمثله، واتقوا الله فلا تسرفوا فى المجازاة والقصاص، واعلموا أن الله ناصر المتقين. 195- جهاد الكفار يكون ببذل النفس كما يكون ببذل المال، فأنفقوا فى الإعداد للقتال، واعلموا أن قتال هؤلاء فى سبيل الله، فلا تقعدوا عنه، وابذلوا الأموال فيه فإنكم إن تقاعدتم وبخلتم ركبكم العدو وأذلكم فكأنما ألقيتم أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك، فافعلوا ما يجب عليكم بإحسان وإتقان، فإن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يحسنه.
د. أسعد حومد
تفسير : {لاَ تُقَاتِلُوهُمْ} {حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ} {فَإِن قَاتَلُوكُمْ} {ٱلْكَافِرِينَ} (191) - الجِهَادُ فِي سَبيلِ اللهِ فِيهِ إِزْهَاقٌ لِلأَنْفُسِ، وَقَتْلٌ لِلرِّجَالِ، لِذلِكَ نَبَّهَ اللهُ المُؤْمِنينَ إِلى أَنَّ مَا اشتَمَلَ عَليهِ الكَافِرونَ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ، وَالصَّدِّ عَنْ سَبيلهِ، هُوَ أَعْظَمُ مِنَ القَتْلِ، لِذلِكَ قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: (الشِّرْكُ أَشَدُُُّ مِنَ القَتْلِ). وَنَهَى اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ عَنْ قِتَالِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ لِحُرْمَتِهِ، إِلاَّ إِذَا بَدَأَهُمُ المُشْرِكُونَ بِالقِتَالِ. فَإِذا نَشِبَتِ الحَرْبُ كَانَ عَلَى المُؤْمِنينَ قِتَالُهُمْ وَقَتْلُهُمْ حَيْثُمَا وَجَدُوهُمْ، لأَِنَّ هذا القِتَالَ هُوَ دَفْعٌ لِلاعْتِدَاءِ، وَجَزَاءٌ عَلَى نَكْثِ العَهْدِ، وَعَلَى مُبَاشَرَتِهِمْ بِالاعْتِدَاءِ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ ذلكَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ. وَيَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنينَ - إِذَا بَدَأَ المُشْرِكُونَ بِالاعتِدَاءِ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَقَاتَلُوهُمْ لِيَصُدُّوهُمْ عَنْ زِيَارةِ المَسْجِدِ الحَرَامِ - بِأَنْ يُخْرِجَ المُسْلِمُونَ المُشِرْكِينَ مِنْ مَكَّةَ، كَمَا أَخْرَجُوا الرَّسُولَ وَالمُؤْمِنينَ مِنْها، لأَنَّ فِتْنَتَهُم المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ بِالإِيذَاءِ وَالتَّعذِيبِ وَالإِخْرَاجِ مِنَ الوَطَنِ، وَمُصَادَرَةِ الأَمْوَالِ ... كُلُّ ذلِكَ أَشَدُّ قُبْحاً مِنَ القَتْلِ فِي البَلَدِ الحَرَامِ. وَاسْتَثْنَى اللهُ مِنْ قَتْلِ المُشْرِكِينَ، فِي كُلِّ مَكَانٍ أَدْرَكَهُمْ فِيهِ المُسْلِمُونَ، المَسْجِدَ الحَرَامَ، فَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً، إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلَ فِيهِ وَيَنْتَهِكَ حُرْمَتَهُ، فَحِينَئذٍ لاَ يَكُونُ لَهُ أَمَانٌ، وَذلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ المَعْتَدِينَ. ثَقِفْتُمُوهُمْ - وَجَدْتُمُوهُمْ وَأَدْرَكْتُمُوهُمْ. الفِتْنَةُ - الشِّرْكُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونحن نسمع كلمة "ثقافة"، وكلمة "ثقاف"، والثقافة هي يسر التعلم، أو أن تلم بطرف من الأشياء المتعددة، وبذلك يصبح فلان مثقفاً أي لديه كمُّ من المعلومات، ويعرف بعض الشيء عن كل شيء، ثم يتخصص في فرع من فروع المعرفة فيعرف كل شيء عن شيء واحد. كل هذه المعاني مأخوذة من الأمور المحسة، والتثقيف عند العرب هو تقويم الغصن، فقد كان العرب يأخذون أغصان الشجر ليجعلوها رماحاً وعصياً، والغصن قد يكون معوجاً أو به نتوء، فكان العربي يثقفه، أي يزيل زوائده واعوجاجه، ثم يأتي بالثقاف وهو قطعة من الحديد المعقوف ليقوِّم بها المعوج من الأغصان كما يفعل عامل التسليح بحديد البناء. كأن المُثَقِّف هو الذي يعدل من شيء معوج في الكون؛ فهو يعرف هذه وتلك، وأصبح ذا تقويم سليم. وهكذا نجد أن معاني اللغة وألفاظها مشتقة من المحسات التي أمامنا. وقوله: "ثقفتموهم" أي "وجدتموهم"، فثقف الشيء أي وجده. والحق يقول: {أية : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم ..}تفسير : [الأنفال: 57]. أي "شردهم حيث تجدهم. ويقول الحق: {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم} [البقرة: 191] أي لا تقولوا إنهم أخرجوكم من هنا، وإنما أخرجوهم من حيث أخرجوكم، أي من أي مكان أنتم فيه، وعند ذلك لن تكونوا معتدين. وقوله تعالى: {وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} [البقرة: 191] يذكرنا بمنطق مشابه في آية أخرى منها قوله تعالى:{أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ..}تفسير : [النحل: 126]. وقوله تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ..}تفسير : [الشورى: 40]. وعندما نبحث في ثنايا هذه النصوص "وجزاء سيئة سيئة مثلها" قد يرد هذا الخاطر: أخذت حقي ممن أساء إليّ، وانتقمت منه بعمل يماثل العمل الذي فعله معي، هل يقال: إنني فعلت سيئة؟ وحتى نفهم المسألة نقول: الحق سبحانه وتعالى يأتي في بعض الأحايين بلفظ "المشاكلة" وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحته، ومثل ذلك قوله: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 54]، إن الله لا يمكر، وإنما اللفظ جاء للمشاكلة، أو أن اللفظ الكريم قد جاء في استيفاء حقك بكلمة "سيئة مثلها" لينبهك إلى أن استيفاء حقك بمثل ما صنع بك يعتبر سيئة إذا ما وازناه بالصفح والعفو عن المسيء، يشير إلى ذلك سبحانه في نهاية هذه الآية بقوله: {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الشورى: 40] وبمثل ذلك كان ختام الآية السابقة {أية : وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} تفسير : [النحل: 126]. ويقول الحق: {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ} [البقرة: 191]، والفتنة مأخوذة من الأمر الحسي، فصائغ الذهب يأخذ قطعة الذهب فيضعها في النار فتنصهر، فإذا ما كان يشوبها معدن غريب عن الذهب فهو يخرج ويبقى الذهب خالصاً، فكأن الفتنة ابتلاء واختبار، وقد فعل المشركون ما هو أسوأ من القتل، فقد حاولوا من قبل أن يفتنوا المؤمنين في دينهم بالتعذيب، فخرج المؤمنون فراراً بدينهم. والحق يأمر المسلمين في قتالهم مع أهل الشرك أن يراعوا حرمة البيت الحرام، فلا ينتهكوها بالقتال إلا إذا قاتلهم أهل الشرك. وهكذا نجد أن أول أمر بالقتال إنما جاء لصد العدوان، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يسقط من أيدي خصوم الإسلام ورقة قد يلعبون بها مع المسلمين، فهم يعلمون أن المؤمنين بالإسلام سيحترمون الأشهر الحرم ويحترمون المكان الحرام ويحترمون الإحرام فلا يقاتلون؛ وربما أغرى ذلك خصوم الإسلام ألا يقاتلوا المسلمين إلا في الأشهر الحرم، ويظنون أن المسلمين قد يتهيبون أن يقاتلوهم، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يشرع لهم ما يناسب مثل هذا الأمر فأذن لهم في القتال، فإن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام، وإن قاتلوكم في المكان الحرام فقاتلوهم في المكان الحرام، وإن قاتلوكم وأنتم حُرم فقاتلوهم؛ لأن الحرمات قصاص. إذن أسقط الحق الورقة من أيدي الكافرين. إن الحق سبحانه وتعالى يعلل ذلك بأنه وإن كان القتال في الشهر الحرام وفي المكان الحرام وفي حال الإحرام صعباً وشديداً فالفتنة في دين الله أشد من القتل، لأن الفتنة إنما جاءت لِتُفسِد على الناس دينهم، صحيح أنها لا تعوق الناس عن أن يتدينوا، ولكنها تفتن الذين يتدينون، وقد حاولوا إجبار المسلمين الأوائل بالتعذيب حتى يرتدوا عن الدين، وكان ذلك أشد من القتل لأنها فتنة في الدين. إن الله هو الذي شرع الشهر الحرام فكيف يُفتن المؤمنون عن دين الله ويُحملون على الشرك به ثم تقولون بعد ذلك إننا في الشهر الحرام؟ إن الشهر الحرام لم يكن حراماً إلا لأن الله هو الذي حرمه، فالفتنة في الله شرك وهو أشد من أن نقاتل في الشهر الحرام، ولذلك فلا داعي أن يتحرج أحد من القتال في الشهر الحرام عندما يفتن في دينه. وحينئذ نعلم أن القتال إنما جاء دفاعاً. وبعد ذلك هل يظل القتال دفاعاً كما يريد خصوم الإسلام أن يجعلوه دفاعاً عَمّن آمن فقط؟ أو كما يريد الذين يحاولون أن يدفعوا عن الإسلام أنه دين قتال ويقولون: لا، الإسلام إنما جاء بقتال الدفاع فقط. نقول لهؤلاء: قتال الدفاع عَمَّن؟ هل دفاع عَمَّن آمن فقط؟ أم عن مطلق إنسان نريد أن ندفع عنه ما يؤثر في اختيار دينه؟ هو دفاع أيضاً، وسنسميه دفاعاً، ولكنه دفاع عَمَّن آمن، ندفع عنه مَنْ يعتدي عليه، وأيضاً عَمَّن لم يؤمن ندفع عنه مَنْ يؤثر عليه في اختيار دينه لنحمي له اختياره، لا لنحمله على الدين، ولكن لنجعله حراً في الاختيار؛ فالقوى التي تفرض على الناس ديناً نزيحها من الطريق، ونعلن دعوة الإسلام، فمَنْ وقف أمام هذه الدعوة نحاربه؛ لأنه يفسد على الناس اختيار دينهم، وفي هذا أيضاً دفاع. {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} [البقرة: 191] لأنكم أحرى وأجدر أن تحترموا تحريم الله للمسجد الحرام، لكن إذا هم اجترأوا على القتال في المسجد الحرام فقد أباح سبحانه لكم أيها المسلمون أن تقاتلوهم عند المسجد الحرام ما داموا قد قاتلوكم فيه. {فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ * فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 191-192]. وما أسمى هذا الدين. إننا لا نؤاخذهم بعد أن انتهوا إلى الإيمان بما قدمت أيديهم من الاجتراء على أهل الإيمان ما داموا قد آمنوا، ولذلك نرى عمر بن الخطاب وقد مر على قاتل أخيه زيد بن الخطاب: وأشار رجل وقال: هذا قاتل زيد. فقال عمر: وماذا أصنع به وقد أسلم؟ لقد عصم الإسلام دمه. لقد انتهت المسألة بإسلامه، فالإيمان بالله أعز على المؤمن من دمه ومن نفسه، وحين يؤمن فقد انتهت الخصومة. وهذا وحشي قاتل حمزة، يقابله رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل ما يصنعه رسول الله هو أن يزوي وجهه عنه، لكنه لا يقتله ولا يثأر منه. وهند زوجة أبي سفيان التي أكلت كبد حمزة، أسلمت وانتهت فعلتها بإسلامها. إذن فالإسلام ليس دين حقد ولا ثأر ولا تصفية حسابات، فإذا كان الدم يغلي في مواجهة الكفر، فإن إيمان الكافر بالإسلام يعطيه السلامة، هذا هو الدين.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم} معناهُ حَيثُ لَقَيْتُمُوهُمْ. تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ} فالفِتْنَةُ ها هنا: الكفرُ، ويقالُ للكافِرِ هذا رجلٌ مَفْتُونٌ فِي دِينِهِ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} إن اجتمعوا لقتالكم وتوجهوا نحوكم {ٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم} أي: في أي مكان وجدتموهم {وَأَخْرِجُوهُمْ} إن ظفرتم عليهم {مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} أي: مكة {وَ} ألقوا بينهم الفتن والاضطراب وأوقعوهم في حيص بيص؛ إذ {ٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ} أثراً {مِنَ ٱلْقَتْلِ} لأن أثر القتل منقطع به وأثر الفتنة مستمر دائم غير منقطع {وَ} عليكم المحافظة للعهود خصوصاً {لاَ تُقَاتِلُوهُمْ} وأنتم بادون للقتل {عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} الذي حرم فيه إزالة الحياة مطلقاً {حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} وهم بادون معتدون عن حدود الله {فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ} بعد فيه أيضاً قائلين: {كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} [الكافرين: 191] الهاتكين حرمة بيت الله. {فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ} عن الكفر والقتال مع المؤمنين وآمنوا على وجه الإخلاص {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائرهم {غَفُورٌ} لما صدر عنهم من الكفر {رَّحِيمٌ} [البقرة: 192] لهم بما ظهر منهم من الإيمان والإسلام. {وَقَاتِلُوهُمْ} أيها المؤمنون إلى أن تستأصلوهم {حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي: لا يتبقى فتنة يفتتنون بها ويشوشون منها {وَيَكُونَ ٱلدِّينُ} كله { للَّهِ} بلا مزاحمٍ ولا مخاصم {فَإِنِ ٱنْتَهَواْ} عن كفرهم بلا مقاتلةٍ ودخلوا في دين الإسلام طائعين {فَلاَ عُدْوَانَ} ولا عداوة باقياً لكم معهم، بل هم إخوانكم في الدين {إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 193] أي: مع الظالمين منهم المجاوزين عن الحدود والعهود، المصرين على ما هم عليه من الكفر والجحود. وبعا ما قاتل المشركون مع المؤمنين عام الحديبية في ذي القعدة الحرام، عزم المؤمنون الخروج إلى مكة لعمرة القضاء أيضاً فيها في السنة الثانية وهم يكرهون القتال؛ لئلا يهتكوا حرمة شهرهم هذا كما هتكوا، أنزل الله عليهم هذه الآية فقال: {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} أي: لا ينالوا ولا يمتنعوا عن القتال فيه؛ إذ هتككم حرمة شهركم في هذه السنة بسبب هتكهم حرمته في السنة السابقة، فيؤول كلا الهتكين إليهم {وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} أي: و اعلموا أن الحرمات التي يجب محافظتها وعدم هتكها يجري فيها القصاص بالمثل، فلما هتكوا حرمة هذا الشهر في السنة السابقة، فافعلوا معهم في هذه السنة بمثله ولا تجاوزوا عنه {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} وهذا أيضاً من الحدود الموضوعة بينكم لإصلاح حالكم وتهذيب أخلاقكم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أن تتخلفوا عن حدوده بالإقدام على ما نهيتم عنه، والإعراض عما أمرتم به {وَٱعْلَمُواْ} أيها المؤمنون {أَنَّ ٱللَّهَ} المدبر لكم المصالح لأحوالكم {مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194] منكم، وهم الذين يحفظون نفوسهم عن محارم الله ومنهياته، ويرغبونها نحو أوامر الله ومرضياته.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن إقامة حق الاستقامة بقوله تعالى: {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} [البقرة: 191]، إلى قوله تعالى: {أية : فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 193] والإشارة فيها: {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ}؛ أي: اقتلوا الكافر النفس وهواها من قلوبكم كما أخرجتكم من جمعية القلب وحضوره، {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ} [البقرة: 191]؛ يعني: المحنة التي ترد على القلوب من طوارق فتنة النفس؛ لتحجبها عن الله أشد من المحن التي ترد على النفوس من القتل بمخالفة هواها، فإن حياتها بمألوفاتها، وحياة القلب لا تكون إلا بالله، {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 191]؛ يعني: لا تلتفتوا إلى النفس وصفاتها حتى تكونوا آمنين مطمئنين في مقامات القلب والروح، ولا تنازعوهم مما نازعوكم، وكونوا مراقبين أحوالكم وحضور قلوبكم مع الله، {حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} [البقرة: 191]؛ أي: يزاحكمونكم في الحضور، ويسمونكم بالهواجس ودواعي الهوى، {فَإِن قَاتَلُوكُمْ} [البقرة: 191]، نازعوكم في الجمعية والحضور، {فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} [البقرة: 191]، بسيف الصدق، واقطعوا ثائرة تلك الدواعي عن نفوسكم بكل ما أمكن؛ لئلا تبقى لكم علاقة تصدكم عن ذكر الله. {فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 192]؛ يعني: إذا انقطع عنك مزاحمة النفس وهواها وانخمدت نار شهواتها وسكنت دواعيها وقنعت بما لا بد لها فصارت كالذمي لا يجوز أذيتها، فدعوها مع ذاتها وإعطاء جزيتها بأداء الحقوق وترك الفضول في الحظوظ، ولا تؤذوها بالقلق في مجاهداتها، وإن من طولب بحفظه الأسرار لا يفرغ إلى مجاهدات النفوس بل المطلوب فراغ القلب عما سواه وحضوره مع مولاه.
همام الصنعاني
تفسير : 197- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر عن قتادة في قوله: {وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ}: [الآية: 191]، قال، يقول: الشرك أشدُّ مِنَ القتل. 198- عبد الرزاق، قال: حدَّثنا معرم، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}: [الآية: 191]، قال: نسخها قوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : : [التوبة: 5].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):