١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : سورة النحل مكية غير ثلاث آيات في أخرها وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية، وقال آخرون: من أولها إلى قوله: {كُنْ فَيَكُونُ } مدني وما سواه فمكي، وعن قتادة بالعكس. واعلم أن هذه السورة تسمى سورة النعم وهي مائة وعشرون وثمان آيات مكية. بسم الله الرحمن الرحيم {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لآ إِلَـٰهَ إِلآ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ }. فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن معرفة تفسير هذه الآية مرتبة على سؤالات ثلاثة: فالسؤال الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، وتارة بعذاب يوم القيامة، وهو الذي يحصل عند قيام الساعة، ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئاً من ذلك احتجوا بذلك على تكذيبه وطلبوا منه الإتيان بذلك العذاب وقالوا له ائتنا به. وروي أنه لما نزل قوله تعالى: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } تفسير : [القمر: 1] قال الكفار فيما بينهم إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما تأخرت قالوا ما نرى شيئاً مما تخوفنا به، فنزل قوله: {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ } تفسير : [الأنبياء: 1] فأشفقوا وانتظروا يومها فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزل قوله: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزل قوله: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } والحاصل أنه عليه السلام لما أكثر من تهديدهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ولم يروا شيئاً نسبوه إلى الكذب. فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } وفي تقرير هذا الجواب وجهان: الوجه الأول: أنه وإن لم يأت ذلك العذاب إلا أنه كان واجب الوقوع والشيء إذا كان بهذه الحالة والصفة فإنه يقال في الكلام المعتاد أنه قد أتى ووقع إجراء لما يجب وقوعه بعد ذلك مجرى الواقع يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: قد جاءك الغوث فلا تجزع. والوجه الثاني: وهو أن يقال أن أمر الله بذلك وحكمه به قد أتى وحصل ووقع، فأما المحكوم به فإنما لم يقع، لأنه تعالى حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود والحاصل كأنه قيل: أمر الله وحكمه بنزول العذاب قد حصل ووجد من الأزل إلى الأبد فصح قولنا أتى أمر الله، إلا أن المحكوم به والمأمور به إنما لم يحصل، لأنه تعالى خصص حصوله بوقت معين فلا تستعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت. السؤال الثاني: قالت الكفار: هب أنا سلمنا لك يا محمد صحة ما تقوله من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة، إلا أنا نعبد هذه الأصنام فإنها شفعاؤنا عند الله فهي تشفع لنا عنده فنتخلص من هذا العذاب المحكوم به بسبب شفاعة هذه الأصنام. فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } فنزه نفسه عن شركة الشركاء والأضداد، والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجسام أن يشفع عنده إلا بإذنه و {مَا } في قوله: {عَمَّا يُشْرِكُونَ } يجوز أن تكون مصدرية، والتقدير: سبحانه وتعالى عن إشراكهم ويجوز أن تكون بمعنى الذي، أي سبحانه وتعالى عن هذه الأصنام التي جعلوها شركاء لله، لأنها جمادات خسيسة، فأي مناسبة بينها وبين أدون الموجودات فضلاً عن أن يحكم بكونها شركاء لمدبر الأرض والسموات. السؤال الثالث: هب أنه تعالى قضى على بعض عبيده بالسراء وعلى آخرين بالضراء ولكن كيف يمكنك أن تعرف هذه الأسرار التي لا يعلمها إلا الله، وكيف صرت بحيث تعرف أسرار الله وأحكامه في ملكه وملكوته؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله: {يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ فَٱتَّقُونِ } وتقرير هذا الجواب أنه تعالى ينزل الملائكة على من يشاء من عبيده ويأمر ذلك العبد بأن يبلغ إلى سائر الخلق أن إله العالم واحد كلفهم بمعرفة التوحيد والعبادة وبين أنهم إن فعلوا ذلك فازوا بخيري الدنيا والآخرة، وإن تمردوا وقعوا في شر الدنيا والآخرة، فبهذا الطريق صار مخصوصاً بهذه المعارف من دون سائر الخلق، وظهر بهذا الترتيب الذي لخصناه أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه والله أعلم. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي: (ينزل) بالياء وكسر الزاي وتشديدها، والملائكة بالنصب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {يُنَزّل } بضم الياء وكسر الزاي وتخفيفها، والأول من التفعيل، والثاني من الأفعال، وهما لغتان: المسألة الثانية: روي عن عطاء عن ابن عباس قال: يريد بالملائكة جبريل وحده. قال الواحدي: وتسمية الواحد باسم الجمع إذا كان ذلك الواحد رئيساً مقدماً جائز كقوله تعالى: { أية : إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ } تفسير : [نوح: 1] { أية : وَإِنَا أَنزَلْنَـٰهُ } تفسير : [يوسف: 2]. { أية : وإِنَا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ } تفسير : [الحجر: 9] وفي حق الناس كقوله: { أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ } تفسير : [آل عمران:173] وفيه قول آخر سيأتي شرحه بعد ذلك وقوله: {بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } فيه قولان: القول الأول: أن المراد من الروح الوحي وهو كلام الله ونظيره قوله تعالى: { أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } تفسير : [الشورى: 52] وقوله: { أية : يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } تفسير : [غافر: 15] قال أهل التحقيق: الجسد موات كثيف مظلم، فإذا اتصل به الروح صار حياً لطيفاً نورانياً. فظهرت آثار النور في الحواس الخمس، ثم الروح أيضاً ظلمانية جاهلة، فإذا اتصل العقل بها صارت مشرقة نورانية، كما قال تعالى؛ { أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ وَٱلأَفْئِدَةَ } تفسير : [النحل: 78] ثم العقل أيضاً ليس بكامل النورانية والصفاء والإشراق حتى يستكمل بمعرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ومعرفة أحوال عالم الأرواح والأجساد، وعالم الدنيا والآخرة، ثم إن هذه المعارف الشريفة الإلهية لا تكمل ولا تصفو إلا بنور الوحي والقرآن. إذا عرفت هذا فنقول: القرآن والوحي به تكمل المعارف الإلهية، والمكاشفات الربانية وهذه المعارف بها يشرق العقل ويصفو ويكمل، والعقل به يكمل جوهر الروح، والروح به يكمل حال الجسد، وعند هذا يظهر أن الروح الأصلي الحقيقي هو الوحي والقرآن، لأن به يحصل الخلاص من رقدة الجهالة، ونوم الغفلة، وبه يحصل الانتقال من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية، فظهر أن إطلاق لفظ الروح على الوحي في غاية المناسبة والمشاكلة، ومما يقوى ذلك أنه تعالى أطلق لفظ الروح على جبريل عليه السلام في قوله: { أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193، 194] وعلى عيسى عليه السلام في قوله: { أية : رَّوْحِ ٱللَّهِ } تفسير : [يوسف: 87] وإنما حسن هذا الإطلاق، لأنه حصل بسبب وجودهما حياة القلب وهي الهداية والمعارف، فلما حسن إطلاق اسم الروح عليهما لهذا المعنى، فلأن يحسن إطلاق لفظ الروح على الوحي والتنزيل كان ذلك أولى. والقول الثاني: في هذه الآية وهو قول أبي عبيدة إن الروح ههنا جبريل عليه السلام، والباء في قوله: {بِٱلْرُّوحِ } بمعنى مع كقولهم خرج فلان بثيابه، أي مع ثيابه وركب الأمير بسلاحه أي مع سلاحه، فيكون المعنى: ينزل الملائكة مع الروح وهو جبريل، والأول أقرب، وتقرير هذا الوجه: أنه سبحانه وتعالى ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم جبريل وحده، بل في أكثر الأحوال كان ينزل مع جبريل أفواجاً من الملائكة، ألا ترى أن في يوم بدر وفي كثير من الغزوات كان ينزل مع جبريل عليه السلام أقوام من الملائكة، وكان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة ملك الجبال. وتارة ملك البحار. وتارة رضوان. وتارة غيرهم. وقوله: {مِنْ أَمْرِهِ } يعني أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله تعالى، ونظيره قوله تعالى: { أية : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } تفسير : [مريم: 64] وقوله: { أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 27] وقوله: { أية : وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } تفسير : [الأنبياء: 28] وقوله: { أية : يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : [النحل:50] وقوله: { أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : [التحريم: 6] فكل هذه الآيات دالة على أنهم لا يقدمون على عمل من الأعمال إلا بأمر الله تعالى وإذنه، وقوله: {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } يريد الأنبياء الذين خصهم الله تعالى برسالته، وقوله: {أَنْ أَنْذِرُواْ } قال الزجاج: {أن } بدل من الروح والمعنى: ينزل الملائكة بأن أنذروا، أي أعلموا الخلائق أنه لا إله إلا أنا، والإنذار هو الإعلام مع التخويف. المسألة الثانية: في الآية فوائد: الفائدة الأولى: أن وصول الوحي من الله تعالى إلى الأنبياء لا يكون إلا بواسطة الملائكة، ومما يقوى ذلك أنه تعالى قال في آخر سورة البقرة: { أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } تفسير : [البقرة: 285] فبدأ بذكر الله سبحانه ثم أتبعه بذكر الملائكة، لأنهم هم الذين يتلقون الوحي من الله ابتداء من غير واسطة، وذلك الوحي هو الكتب، ثم إن الملائكة يوصلون ذلك الوحي إلى الأنبياء فلا جرم كان الترتيب الصحيح هو الابتداء بذكر الله تعالى، ثم بذكر الملائكة، ثم بذكر الكتب وفي الدرجة الرابعة بذكر الرسل. إذا عرفت هذا فنقول: إذا أوحى الله تعالى إلى الملك فعلم ذلك الملك بأن ذلك الوحي وحي الله علم ضروري أو استدلالي. وبتقدير أن يكون استدلالياً فكيف الطريق إليه؟ وأيضاً الملك إذا بلغ ذلك الوحي إلى الرسول فعلم الرسول بكونه ملكاً صادقاً لا شيطاناً رجيماً ضروري أو استدلالي فإن كان استدلالياً فكيف الطريق إليه؟ فهذه مقامات ضيقة، وتمام العلم بها لا يحصل إلا بالبحث عن حقيقة الملك وكيفية وحي الله إليه، وكيفية تبليغ الملك ذلك الوحي إلى الرسول. فأما إذا أجرينا هذه الأمور على الكلمات المألوفة صعب المرام وزال النظام، وذلك لأن آيات القرآن ناطقة بأن هذا الوحي والتنزيل إنما حصل من الملائكة أو نقول: هب أن آيات القرآن لم تدل على ذلك إلا أن احتمال كون الأمر كذلك قائم في بديهة العقل. وإذا عرفت هذا فنقول: لا نعلم كون جبريل عليه السلام صادقاً معصوماً عن الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله تعالى، لا من قبل شيطان خبيث، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبريل صادق محق مبرأ عن التلبيس وعن أفعال الشيطان، وحينئذ يلزم الدور، فهذا مقام صعب. أما إذا عرفنا حقيقة النبوة وعرفنا حقيقة الوحي زالت هذه الشبهة بالكلية، والله أعلم. المسألة الرابعة: هذه الآية تدل على أن الروح المشار إليها بقوله: {يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } ليس إلا لمجرد قوله: {لآ إِلَـٰهَ إلآ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ } وهذا كلام حق، لأن مراتب السعادات البشرية أربعة: أولها: النفسانية، وثانيها: البدنية، وفي المرتبة الثالثة: الصفات البدنية التي لا تكون من اللوازم، وفي المرتبة الرابعة: الأمور المنفصلة عن البدن. أما المرتبة الأولى: وهي الكمالات النفسانية، فاعلم أن النفس لها قوتان: إحداهما: استعدادها لقبول صور الموجودات من عالم الغيب، وهذه القوة هي القوة المسماة بالقوة النظرية، وسعادة هذه القوة في حصول المعارف. وأشرف المعارف وأجلها معرفة أنه لا إله إلا هو، وإليه الإشارة بقوله: {أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لآ إِلَـٰهَ إِلآ أَنَاْ } والقوة الثانية للنفس: استعدادها للتصرف في أجسام هذا العالم، وهذه القوة هي القوة المسماة بالقوة العملية، وسعادة هذه القوة في الإتيان بالأعمال الصالحة، وأشرف الأعمال الصالحة هو عبودية الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله: {فَٱتَّقُونِ } ولما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية لا جرم قدم الله تعالى كمالات القوة النظرية، وهي قوله: {لآ إِلَـٰهَ إِلآ أَنَاْ } على كمالات القوة العملية وهي قوله: {فَٱتَّقُونِ }. وأما المرتبة الثانية: وهي السعادات البدنية فهي أيضاً قسمان: الصحة الجسدانية، وكمالات القوى الحيوانية، أعني القوى السبع عشرة البدنية. وأما المرتبة الثالثة: وهي السعادات المتعلقة بالصفات العرضية البدنية، فهي أيضاً قسمان: سعادة الأصول والفروع، أعني كمال حال الآباء. وكمال حال الأولاد. وأما المرتبة الرابعة: وهي أخس المراتب فهي السعادات الحاصلة بسبب الأمور المنفصلة وهي المال والجاه، فثبت أن أشرف مراتب السعادات هي الأحوال النفسانية، وهي محصورة في كمالات القوة النظرية والعملية، فلهذا السبب ذكر الله ههنا أعلى حال هاتين القوتين فقال: {أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لآ إِلَـٰهَ إِلآ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} قيل: «أَتَى» بمعنى يأتي؛ فهو كقولك: إن أكرمتني أكرمتك. وقد تقدّم أن أخبار الله تعالى في الماضي والمستقبل سواء؛ لأنه آتٍ لا محالة، كقوله: {أية : وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ} تفسير : [الأعراف: 44]. و «أمر اللَّهِ» عقابه لمن أقام على الشرك وتكذيب رسوله. قال الحسن وابن جُريج والضحاك: إنه ما جاء به القرآن من فرائضه وأحكامه. وفيه بعد؛ لأنه لم يُنقل أن أحداً من الصحابة استعجل فرائض الله من قبل أن تفرض عليهم، وأما مستعجلو العذاب والعقاب فذلك منقول عن كثير من كفار قريش وغيرهم، حتى قال النّضر بن الحارث: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [الأنفال: 32] الآية، فٱستعجلَ العذاب. قلت: قد يستدل الضحاك بقول عمر رضي الله عنه: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر؛ خرّجه مسلم والبخاري. وقد تقدم في سورة البقرة. وقال الزجاج: هو ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم، وهو كقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} تفسير : [هود: 40]. وقيل: هو يوم القيامة أو ما يدل على قربها من أشراطها. قال ابن عباس: لما نزلت {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} تفسير : [القمر: 1] قال الكفار: إن هذا يزعم أن القيامة قد قَرُبت، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون، فأمسكوا وانتظروا فلم يروا شيئاً، فقالوا: ما نرى شيئا فنزلت {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} تفسير : [الأنبياء: 1] الآية. فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة، فامتدت الأيام فقالوا: ما نرى شيئا فنزلت «أَتَى أَمْرُ اللَّهِ» فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وخافوا؛ فنزلت «فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ» فاطمأنوا، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين» تفسير : وأشار بأصبعيه: السبابة والتي تليها. يقول: إن كادت لتسبقني فسبقتها. وقال ابن عباس: كان بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة، وأن جبريل لما مرّ بأهل السموات مبعوثاً إلى محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: الله أكبر، قد قامت الساعة. قوله تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزيهاً له عما يصفونه به من أنه لا يقدر على قيام الساعة، وذلك أنهم يقولون: لا يقدر أحد على بعث الأموات، فوصفوه بالعجز الذي لا يوصف به إلا المخلوق، وذلك شرك. وقيل: «عَمَّا يُشْرِكُونَ» أي عن إشراكهم. وقيل: «ما» بمعنى الذي، أي ارتفع عن الذين أشركوا به.
البيضاوي
تفسير : غير ثلاث آيات في آخرها وهي مائة وثمان وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } كانوا يستعجلون ما أوعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم من قيام الساعة، أو إهلاك الله تعالى إياهم كما فعل يوم بدر استهزاءً وتكذيباً، ويقولون إن صح ما تقوله فالأصنام تشفع لنا وتخلصنا منه فنزلت، والمعنى أن الأمر الموعود به بمنزلة الآتي المتحقق من حيث إنه واجب الوقوع، فلا تستعجلوا وقوعه فإنه لا خير لكم فيه ولا خلاص لكم منه. {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تبرأ وجل عن أن يكون له شريك فيدفع ما أراد بهم. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على وفق قوله: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } والباقون بالياء على تلوين الخطاب، أو على أن الخطاب للمؤمنين أو لهم ولغيرهم، لما روي أنه لما نزلت أتى أمر الله فوثب النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزلت {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ }.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها معبراً بصيغة الماضي الدال على التحقق والوقوع لا محالة، كقوله: {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنبياء: 1]، وقال: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}تفسير : [القمر:1]. وقوله: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} أي: قرب ما تباعد، فلا تستعجلوه، يحتمل أن يعود الضمير على الله، ويحتمل أن يعود على العذاب، وكلاهما متلازم، كما قال تعالى: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [العنكبوت:53-54] وقد ذهب الضحاك في تفسير هذه الآية إلى قول عجيب، فقال: في قوله: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي: فرائضه وحدوده، وقد رده ابن جرير فقال: لا نعلم أحداً استعجل بالفرائض وبالشرائع قبل وجودها، بخلاف العذاب، فإنهم استعجلوه قبل كونه؛ استبعاداً وتكذيباً، قلت: كما قال تعالى: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلَ بَعِيدٍ}تفسير : [الشورى: 18]. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن محمد بن عبد الله مولى المغيرة بن شعبة، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن حجيرة، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تطلع عليكم عند الساعة سحابة سوداء من المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء، ثم ينادي مناد فيها: يا أيهاالناس فيقبل الناس بعضهم على بعض: هل سمعتم، فمنهم من يقول: نعم، ومنهم من يشك، ثم ينادي الثانية: يا أيها الناس فيقول الناس بعضهم لبعض: هل سمعتم، فيقولون: نعم، ثم ينادي الثالثة: يا أيها الناس أتى أمر الله فلا تستعجلوه» تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فو الذي نفسي بيده إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه أبداً، وإن الرجل ليمدن حوضه فما يسقي فيه شيئاً أبداً، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبداً - قال - ويشتغل الناس» تفسير : ثم إنه تعالى نزه نفسه عن شركهم به غيره، وعبادتهم معه ما سواه من الأوثان والأنداد، تعالى وتقدس علواً كبيراً، وهؤلاء هم المكذبون بالساعة فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : لما استبطأ المشركون العذاب نزل:{أَتىٰأَمْرُ ٱللهِ } أي الساعة «وأتى» بصيغة الماضي لتحقق وقوعه أي قرب {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } تطلبوه قبل حينه فإنه واقع لا محالة {سُبْحَٰنَهُ } تنزيها له {وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } به غيره.
الشوكاني
تفسير : قوله: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } أي: عقابه للمشركين. وقال جماعة من المفسرين: القيامة. قال الزجاج: هو ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم، وعبر عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه. وقيل: إن المراد بأمر الله: حكمه بذلك، وقد وقع وأتى، فأما المحكوم به فإنه لم يقع، لأنه سبحانه حكم بوقوعه في وقت معين، فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود. وقيل: إن المراد بإتيانه: إتيان مباديه ومقدّماته {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } نهاهم عن استعجاله، أي: فلا تطلبوا حضوره قبل ذلك الوقت، وقد كان المشركون يستعجلون عذاب الله كما قال النضر بن الحارث {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ } تفسير : [الأنفال: 32]، الآية. والمعنى: قرب أمر الله فلا تستعجلوه، وقد كان استعجالهم له على طريقة الاستهزاء من دون استعجال على الحقيقة، وفي نهيهم عن الاستعجال تهكم بهم. {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي: تنزه وترفع عن إشراكهم، أو عن أن يكون له شريك، وشركهم هٰهنا هو ما وقع منهم من استعجال العذاب، أو قيام الساعة استهزاء وتكذيباً، فإنه يتضمن وصفهم له سبحانه بأنه لا يقدر على ذلك، وأنه عاجز عنه والعجز وعدم القدرة من صفات المخلوق، لا من صفات الخالق، فكان ذلك شركاً. {يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } قرأ المفضل عن عاصم "تنزل الملائكة"، والأصل: تتنزل، فالفعل مسند إلى الملائكة. وقرأ الأعمش "تنزل" على البناء للمفعول، وقرأ الجعفي عن أبي بكر عن عاصم "ننزل" بالنون، والفاعل هو الله سبحانه. وقرأ الباقون {ينزل الملائكة} بالياء التحتية إلاّ أن ابن كثير، وأبا عمرو يسكنان النون، والفاعل هو الله سبحانه؛ ووجه اتصال هذه الجملة بما قبلها أنه صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم عن الله أنه قد قرب أمره، ونهاهم عن الاستعجال، تردّدوا في الطريق التي علم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فأخبر أنه علم بها بالوحي على ألسن رسل الله سبحانه من ملائكته، والروح: الوحي، ومثله: {أية : يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } تفسير : [غافر: 15]. وسمي الوحي روحاً لأنه يحيـي قلوب المؤمنين، فإن من جملة الوحي: القرآن، وهو نازل من الدين منزلة الروح من الجسد. وقيل: المراد أرواح الخلائق. وقيل: الروح الرحمة. وقيل: الهداية لأنها تحيا بها القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح. قال الزجاج: الروح ما كان فيه من الله حياة بالإرشاد إلى أمره. وقال أبو عبيد: الروح هنا جبريل، وتكون الباء على هذا بمعنى مع، «ومن» في {مِنْ أَمْرِهِ } بيانية، أي: بأشياء أو مبتدئاً من أمره، أو صفة للروح، أو متعلق بـ {ينزل}، ومعنى {عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } على من اختصه بذلك، وهم الأنبياء {أَنْ أَنْذِرُواْ }. قال الزجاج: {أَنْ أَنْذِرُواْ } بدل من الروح، أي: ينزلهم بأن أنذروا، و"أن" إما مفسرة لأن تنزل الوحي فيه معنى القول، وإما مخففة من الثقيلة، وضمير الشأن مقدّر، أي: بأن الشأن أقول لكم أنذروا، أي: أعلموا الناس {أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ } أي: مروهم بتوحيدي، وأعلموهم ذلك مع تخويفهم، لأن في الإنذار تخويفاً وتهديداً. والضمير في أنه للشأن. {فَٱتَّقُونِ } الخطاب للمستعجلين على طريق لالتفات، وهو تحذير لهم من الشرك بالله، ثم إن الله سبحانه لما أرشدهم إلى توحيده، ذكر دلائل التوحيد فقال: {خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ } أي: أوجدهما على هذه الصفة التي هما عليهما بالحق، أي: للدلالة على قدرته ووحدانيته. وقيل: المراد بالحق هنا: الفناء والزوال {تَعَالَى } الله {عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي: ترفع وتقدّس عن إشراكهم، أو عن شركة الذي يجعلونه شريكاً له. ثم لما كان نوع الإنسان أشرف أنواع المخلوقات السفلية، قدّمه وخصه بالذكر، فقال: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ } وهو اسم لجنس هذا النوع {مِن نُّطْفَةٍ } من جماد يخرج من حيوان، وهو المنيّ فنقله أطواراً إلى أن كملت صورته، ونفخ فيه الروح، وأخرجه من بطن أمه إلى هذه الدار فعاش فيها {فَإِذَا هُوَ } بعد خلقه على هذه الصفة {خَصِيمٌ } أي: كثير الخصومة والمجادلة، والمعنى: أنه كالمخاصم لله سبحانه في قدرته، ومعنى {مُّبِينٌ } ظاهر الخصومة وأضحها، وقيل: يبين عن نفسه ما يخاصم به من الباطل، والمبين هو المفصح عما في ضميره بمنطقه ومثله قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ } تفسير : [يۤس: 77]. ثم عقب ذكر خلق الإنسان بخلق الأنعام لما فيها من النفع لهذا النوع، فالامتنان بها أكمل من الامتنان بغيرها، فقال: {وَٱلأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا لَكُمْ } وهي: الإبل، والبقر، والغنم، وأكثر ما يقال: نعم وأنعام للإبل، ويقال للمجموع، ولا يقال للغنم مفردة، ومنه قول حسان:شعر : وكانت لا يزال بها أنيس خلال مروجها نعم وشاء تفسير : فعطف الشاء على النعم، وهي هنا الإبل خاصة. قال الجوهري: والنعم: واحد الأنعام، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل. ثم لما أخبر سبحانه بأنه خلقها لبني آدم بين المنفعة التي فيها لهم فقال: {فِيهَا دِفْء } الدفء: السخانة، وهو ما استدفىء به من أصوافها وأوبارها وأشعارها. والجملة في محلّ النصب على الحال {وَمَنَـٰفِعُ } معطوف على {دفء} وهي: درّها وركوبها ونتاجها، والحراثة بها ونحو ذلك. وقد قيل: إن الدفء: النتاج واللبن. قال في الصحاح: الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، ثم قال: والدفء أيضاً: السخونة، وعلى هذا فإن أريد بالدفء المعنى الأوّل فلا بدّ من حمل المنافع على ما عداه مما ينتفع به منها، وإن حمل على المعنى الثاني كان تفسير المنافع بما ذكرناه واضحاً. وقيل: المراد بالمنافع النتاج خاصة؛ وقيل: الركوب {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } أي: من لحومها وشحومها. وخصّ هذه المنفعة بالذكر مع دخولها تحت المنافع لأنها أعظمها. وقيل: خصها لأن الانتفاع بلحمها وشحمها تعدم عنده عينها بخلاف غيره من المنافع التي فيها، وتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص للإشارة إلى أن الأكل منها هو الأصل، وغيره نادر. {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ } أي: لكم فيها مع ما تقدّم ذكره جمال، والجمال: ما يتجمل به ويتزين، والجمال: الحسن، والمعنى هنا: لكم فيها تجمل وتزين عند الناظرين إليها {حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ } أي: في هذين الوقتين، وهما وقت ردّها من مراعيها، ووقت تسريحها إليها، فالرواح رجوعها بالعشيّ من المراعي. والسراح: مسيرها إلى مراعيها بالغداة. يقال: سرحت الإبل أسرحها سرحاً وسروحاً: إذا غدوت بها إلى المرعى، وقدّم الإراحة على التسريح لأن منظرها عند الإراحة أجمل، وذواتها أحسن لكونها في تلك الحالة قد نالت حاجتها من الأكل والشرب، فعظمت بطونها وانتفخت ضروعها، وخصّ هذين الوقتين لأنهما وقت نظر الناظرين إليها، لأنها عند استقرارها في الحظائر لا يراها أحد، وعند كونها في مراعيها هي متفرّقة غير مجتمعة كل واحد منها يرعى في جانب. {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ } الأثقال: جمع ثقل، وهو متاع المسافر من طعام وغيره، وسمي ثقلاً لأنه يثقل الإنسان حمله، وقيل: المراد أبدانهم {إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَـٰلِغِيهِ إِلاَّ بِشِقّ ٱلأَنفُسِ } أي: لم تكونوا واصلين إليه لو لم يكن معكم إبل تحمل أثقالكم إلاّ بشق الأنفس لبعده عنكم، وعدم وجود ما يحمل ما لا بدّ لكم منه في السفر، وظاهره يتناول كل بلد بعيدة من غير تعيين؛ وقيل: المراد بالبلد مكة، وقيل: اليمن ومصر والشام لأنها متاجر العرب، {وشق الأنفس}: مشقتها. قرأ الجمهور بكسر الشين، وقرأ أبو جعفر بفتحها. قال الجوهري: والشق المشقة، ومنه قوله: {لَّمْ تَكُونُواْ بَـٰلِغِيهِ إِلاَّ بِشِقّ ٱلأَنفُسِ } وحكى أبو عبيدة بفتح الشين، وهما بمعنى، ويجوز أن يكون المفتوح مصدراً من شققت عليه أشق شقاً. والمكسور بمعنى النصف. يقال: أخذت شق الشاة، وشقة الشاة، ويكون المعنى على هذا في الآية: لم تكونوا بالغيه إلاّ بذهاب نصف الأنفس من التعب، وقد امتنّ الله سبحانه على عباده بخلق الأنعام على العموم، ثم خصّ الإبل بالذكر لما فيها من نعمة حمل الأثقال دون البقر والغنم، والاستثناء من أعمّ العام، أي: لم تكونوا بالغيه بشيء من الأشياء إلاّ بشقّ الأنفس. {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ } بالنصب عطفاً على الأنعام، أي: وخلق لكم هذه الثلاثة الأصناف. وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع فيها كلها. وسميت الخيل خيلاً لاختيالها في مشيها، وواحد الخيل خائل. كضائن واحد الضأن. وقيل: لا واحد له. ثم علل سبحانه خلق هذه الثلاثة الأنواع بقوله: {لِتَرْكَبُوهَا } وهذه العلة هي باعتبار معظم منافعها، لأن الانتفاع بها في غير الركوب معلوم كالتحميل عليها وعطف {زِينَةُ} على محل {لتركبوها} لأنه في محل نصب على أنه علة لخلقها. ولم يقل: لتتزينوا بها، حتى يطابق {لتركبوها} لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة: فعل الزائن وهو الخالق. والتحقيق فيه: أن الركوب هو المعتبر في المقصود، بخلاف الزينة، فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية، لأنه يورث العجب، فكأنه سبحانه قال: خلقها لتركبوها، فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة. وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير مقصود بالذات. وقد استدلّ بهذه الآية القائلون بتحريم لحوم الخيل، قائلين بأن التعليل بالركوب يدلّ على أنها مخلوقة لهذه المصلحة دون غيرها. قالوا: ويؤيد ذلك إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر، وإخراجها عن الأنعام، فيفيد ذلك اتحاد حكمها في تحريم الأكل. قالوا: ولو كان أكل الخيل جائزاً لكان ذكره، والامتنان به أولى من ذكر الركوب، لأنه أعظم فائدة منه، وقد ذهب إلى هذا مالك، وأبو حنيفة، وأصحابهما، والأوزاعي، ومجاهد وأبو عبيدة وغيرهم. وذهب الجمهور من الفقهاء والمحدّثين وغيرهم إلى حلّ لحوم الخيل. ولا حجة لأهل القول الأوّل في التعليل بقوله: {لِتَرْكَبُوهَا } لأن ذكر ما هو الأغلب من منافعها لا ينافي غيره، ولا نسلم أن الأكل أكثر فائدة من الركوب حتى يذكر، ويكون ذكره أقدم من ذكر الركوب. وأيضاً لو كانت هذه الآية تدلّ على تحريم الخيل، لدلت على تحريم الحمر الأهلية، وحينئذٍ لا يكون ثم حاجة لتحديد التحريم لها عام خيبر، وقد قدّمنا أن هذه السورة مكية. والحاصل: أن الأدلة الصحيحة قد دلت على حلّ أكل لحوم الخيل. فلو سلمنا أن في هذه الآية متمسكاً للقائلين بالتحريم، لكانت السنة المطهرة الثابتة رافعة لهذا الاحتمال، ودافعة لهذا الاستدلال. وقد أوضحنا هذه المسألة في مؤلفاتنا بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي: يخلق ما لا يحيط علمكم به من المخلوقات غير ما قد عدّده ها هنا. وقيل: المراد: من أنواع الحشرات والهوامّ في أسافل الأرض، وفي البحر مما لم يره البشر ولم يسمعوا به. وقيل: هو ما أعدّ الله لعباده في الجنة وفي النار مما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولا خطر على قلب بشر. وقيل: هو خلق السوس في النبات، والدود في الفواكه؛ وقيل: عين تحت العرش؛ وقيل نهر من النور. وقيل: أرض بيضاء، ولا وجه للاقتصار في تفسير هذه الآية على نوع من هذه الأنواع، بل المراد أنه سبحانه يخلق ما لا يعلم به العباد، فيشمل كل شيء لا يحيط علمهم به، والتعبير هنا بلفظ المستقبل لاستحضار الصورة، لأنه سبحانه قد خلق ما لا يعلم به العباد. {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ } القصد: مصدر بمعنى الفاعل، فالمعنى: وعلى الله قاصد السبيل، أي: هداية قاصد الطريق المستقيم بموجب وعده المحتوم وتفضله الواسع؛ وقيل: هو على حذف مضاف، والتقدير: وعلى الله بيان قصد السبيل، والسبيل: الإسلام، وبيانه بإرسال الرسل وإقامة الحجج والبراهين. والقصد في السبيل هو كونه موصلاً إلى المطلوب، فالمعنى: وعلى الله بيان الطريق الموصل إلى المطلوب {وَمِنْهَا جَائِرٌ } الضمير في {منها} راجع إلى السبيل بمعنى: الطريق، لأنها تذكر وتؤنث. وقيل: راجع إليها بتقدير مضاف أي: ومن جنس السبيل جائر مائل عن الحق عادل عنه، فلا يهتدي به، ومنه قول امرىء القيس:شعر : ومن الطريقة جائر وهدى قصد السبيل ومنه ذو دخل تفسير : وقيل: إن الطريق كناية عن صاحبها، والمعنى: ومنهم جائر عن سبيل الحق: أي عادل عنه، فلا يهتدي إليه، قيل: وهم أهل الأهواء المختلفة، وقيل: أهل الملل الكفرية، وفي مصحف عبد الله "ومنكم جائر"، وكذا قرأ عليّ، {وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أجمعين} أي: ولو شاء أن يهديكم جميعاً إلى الطريق الصحيح، والمنهج الحق لفعل ذلك، ولكنه لم يشأ، بل اقتضت مشيئته سبحانه إراءة الطريق، والدلالة عليها {أية : وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ } تفسير : [البلد: 10]. وأما الإيصال إليها بالفعل، فذلك يستلزم أن لا يوجد في العباد كافر، ولا من يستحق النار من المسلمين، وقد اقتضت المشيئة الربانية أنه يكون البعض مؤمناً، والبعض كافراً كما نطق بذلك القرآن في غير موضع. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس، قال: لما نزل {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } ذعر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } فسكنوا. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص قال: لما نزلت {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } قاموا، فنزلت {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ }. وأخرج ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } قال: خروج محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج قال: «لما نزلت هذه الآية {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } قال رجال من المنافقين بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن أمر الله أتى، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل شيء، فنزلت {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حسابهم}تفسير : [الأنبياء: 1] فقالوا: إن هذا يزعم مثلها أيضاً، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل شيء، فنزلت {أية : وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ } تفسير : [هود: 8]. الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } قال: الأحكام والحدود والفرائض. وأخرج هؤلاء عن ابن عباس في قوله: {يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ } قال: بالوحي. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والبيهقي عنه قال: الروح أمر من أمر الله، وخلق من خلق الله، وصورهم على صورة بني آدم. وما ينزل من السماء ملك إلاّ ومعه واحد من الروح. ثم تلا {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً } تفسير : [النبأ: 38]. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن {يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ } قال: القرآن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لَكُمْ فِيهَا دِفْء } قال: الثياب {وَمَنَـٰفِعُ } قال: ما تنتفعون به من الأطعمة والأشربة. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً، قال: نسل كل دابة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ } يعني: مكة {لَّمْ تَكُونُواْ بَـٰلِغِيهِ إِلاَّ بِشِقّ ٱلأَنفُسِ } قال: لو تكلفتموه، لم تطيقوه إلاّ بجهد شديد. وقد ورد في حلّ أكل لحوم الخيل أحاديث منها في الصحيحين وغيرهما، من حديث أسماء، قالت: نحرنا فرساً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه. وأخرج أبو عبيد، وابن أبي شيبة، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن جابر قال: أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر الأهلية. وأخرج أبو داود نحوه من حديثه أيضاً. وهما على شرط مسلم. وثبت أيضاً في الصحيحين من حديث جابر، قال: «حديث : نهى رسول الله عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في الخيل»تفسير : . وأما ما أخرجه أبو عبيد، وأبو داود، والنسائي من حديث خالد بن الوليد قال: «حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن لحوم الخيل والبغال والحمير»تفسير : ، ففي إسناده صالح بن يحيـى بن أبي المقدام، وفيه مقال. ولو فرضنا أن الحديث صحيح، لم يقو على معارضة أحاديث الحلّ، على أنه يكون أن هذا الحديث المصرّح بالتحريم متقدّم على يوم خيبر، فيكون منسوخاً. وأخرج الخطيب وابن عساكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } قال: «البراذين». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن مما خلق الله أرضاً من لؤلؤة بيضاء»تفسير : . ثم ساق من أوصافها ما يدلّ على أن الحديث موضوع، ثم قال في آخره: «فذلك قوله {ويخلق ما لا تعلمون}». وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ } يقول: على الله أن يبين الهدى والضلالة. {وَمِنْهَا جَائِرٌ } قال: السبل المتفرّقة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ } قال: على الله بيان حلاله، وحرامه، وطاعته، ومعصيته {وَمِنْهَا جَائِرٌ } قال: من السبل ناكب عن الحق. قال: وفي قراءة ابن مسعود "ومنكم جائر". وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف عن عليّ أنه كان يقرأ هذه الآية "ومنكم جائر".
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {أتى أمرُ الله فلا تستعجلوهُ}فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه بمعنى سيأتي أمر الله تعالى. الثاني: معناه دنا أمر الله تعالى. الثالث: أنه مستعمل على حقيقة إتيانه في ثبوته واستقراره. وفي{أمر}أربعة أقاويل: أحدها: أنه إنذار رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله أبو مسلم. الثاني: أنه فرائضه وأحكامه، قاله الضحاك. الثالث: أنه وعيد أهل الشرك ونصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قاله ابن جريج. الرابع: أنه القيامة، وهو قول الكلبي. وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لما نزلت: {أتى أمر الله} رفعوا رؤوسهم فنزل{فلا تستعجلوه} أي فلا تستعجلوا وقوعه. وحكى مقاتل بن سليمان أنه لما قرأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم{أتى أمر الله} نهض رسول الله خوفاً من حضورها حتى قرأ{فلا تستعجلوه}. ويحتمل وجهين: أحدهما: فلا تستعجلوا التكذيب فإنه لن يتأخر. الثاني: فلا تستعجلوا أن يتقدم قبل وقته، فإنه لن يتقدم.
ابن عطية
تفسير : روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال جبريل في سرد الوحي: {أتى أمر الله} وثب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً، فلما قال {فلا تستعجلوه} سكن. وقوله {أمر الله} قال فيه جمهور المفسرين: إنه يريد القيامة وفيها وعيد للكفار، وقيل: المراد نصر محمد عليه السلام، وقيل: المراد تعذيب كفار مكة بقتل محمد صلى الله عليه وسلم لهم وظهوره عليهم، ذكر نحو هذا النقاش عن ابن عباس، وقيل: المراد فرائض الله وأحكامه في عباده وشرعه لهم، هذا هو قول الضحاك، ويضعفه قوله {فلا تستعجلوه} إنا لا نعرف استعجالاً إلا ثلاثة اثنان منها للكفار وهي في القيامة وفي العذاب، والثالث للمؤمنين في النصر وظهور الإسلام، وقوله {أتى} على هذا القول إخبار عن إتيان ما يأتي، وصح ذلك من جهة التأكيد، وإذا كان الخبر حقاً فيؤكد المستقبل بأن يخرج في صيغة الماضي، أي كأنه لوضوحه والثقة به قد وقع، ويحسن ذلك في خبر الله تعالى لصدق وقوعه، وقال قوم: {أتى} بمعنى قرب، وهذا نحو ما قلت، وإنما يجوز الكلام بهذا عندي لمن يعلم قرينة التأكيد ويفهم المجاز، وأما إن كان المخاطب لا يفهم القرينة فلا يجوز وضع الماضي موضع المستقبل، لأن ذلك يفسد الخبر ويوجب الكذب، وإنما جار في الشرط لوضوح القرينة بـ {أن}، ومن قال: إن الأمر القيامة، قال: إن قوله {فلا تستعجلوه} رد على المكذبين بالبعث القائلين متى هذا الوعد، ومن قال: إن الأمر تعذيب الكفار بنصر محمد صلى الله عليه وسلم وقتله لهم، قال إن قوله {فلا تستعجلوه} رد على القائلين {أية : عجل لنا قطنا} تفسير : [ص: 16] ونحوه من العذاب، أو على مستبطئي النصر من المؤمنين في قراءة من قرأ بالتاء، وقرأ الجمهور "فلا تستعجلوه" بالتاء على مخاطبة المؤمنين أو على مخاطبة الكافرين بمعنى قل لهم: "فلا تستعجلوه"، وقرأ سعيد بن جبير بالياء على غيبة المشركين، وقرأ حمزة والكسائي بالتاء من فوق وجميع الباقين قرأ "يشركون" بالياء، ورجح الطبري القراءة بالتاء من فوق في الحرفين، قال أبو حاتم: قرأ "يشركون" بالياء، من تحت في هذه والتي بعدها الأعرج وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن نصاح والحسن وأبو رجاء، وقرأ عيسى الأولى بالتاء من فوق، والثانية بالياء من تحت، وقرأهما جميعاً بالتاء من فوق أبو العالية وطلحة والأعمش وأبو عبد الرحمن ويحيى بن وثاب والجحدري، وقد روى الأصمعي عن نافع التاء في الأولى. وقوله {سبحانه} معناه تنزيهاً له، وحكى الطبري عن ابن جريج، قال: لما نزلت {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} قال رجال من الكفار، إن هذا يزعم أن أمر الله قد أتى فأمسكوا عما أنتم بسبيله حتى ننظر، فلما لم يروا شيئاً عادوا فنزلت {أية : اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون} تفسير : [الأنبياء: 1] فقالوا مثل ذلك: فنزلت {أية : ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم} تفسير : [هود: 8]، وقال أبو بكر بن حفص: لما نزلت {أتى أمر الله} رفعوا رؤوسهم، فنزلت {فلا تستعجلوه}، وحكى الطبري عن أبي صادق أنه قرأ: "يا عبادي أتى أمر الله فلا تستعجلوه". و {سبحانه} نصب على المصدر أي تنزيهاً له، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "ينزّل" بالياء وشد الزاي، ورجحها الطبري لما فيها من التكثير، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الزاي مكسورة وسكون النون، وقرأ ابن أبي عبلة بالنون التي للعظمة وشد الزاي، وقرأ قتادة بالنون وتخفيف الزاي وسكون النون، وفي هذه والتي قبلها شذوذ كثير، وقرأ أبو عمرو عن عاصم "تُنزَّل الملائكةُ" بضم التاء وفتح النون والزاي وشدها ورفع "الملائكة" على ما لم يسم فاعله، وهي قراءة الأعمش، وقرأ الجحدري بالتاء مضمومة وسكون النون وفتح الزاي، وقرأ الحسن وأبو العالية وعاصم الجحدري والأعرج بفتح التاء ورفع "الملائكةُ" على أنها فاعلة، ورواها المفضل عن عاصم، و {الملائكة} هنا جبريل: واختلف المتأولون في {الروح} فقال مجاهد، {الروح} النبوة، وقال ابن عباس: الوحي، وقال قتادة: بالرحمة والوحي، وقال الربيع بن أنس: كلا كلام الله روح، ومنه قوله تعالى {أية : أوحينا إليك روحاً من أمرنا} تفسير : [الشورى: 52} وقال ابن جريج: الروح شخص له صورة كصورة بني آدم ما نزل جبريل قط إلا وهو معه، وهو كثير، وهم ملائكة، وهذا قول ضعيف لم يأت به سند، وقال الزجاج: {الروح} ما تحيى به القلوب من هداية الله تعالى. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول حسن، فكأن اللفظة على جهة التشبيه بالمقايسة إلى الأوامر التي هي في الأفعال والعبادات كالروح للجسد، ألا ترى قوله {أية : أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً} تفسير : [الأنعام: 122]. قال القاضي أبو محمد: و {من} في هذه الآية على هذا التأويل الذي قدرنا للتبعيض، وعلى سائر الأقوال لبيان الجنس، و {من} في قوله {من يشاء} هي للأنبياء، و {أن} في موضع خفض بدل من {الروح}، ويصح أن تكون في موضع نصب بإسقاط الخافض على تقدير بأن أنذروا، ويحتمل أن تكون مفسرة بمعنى أي، وقرأ الأعمش "لينذروا أنه"، وحسنت النذارة هنا وإن لم يكن في اللفظ ما فيه خوف من حيث كان المنذرون كافرين بالألوهية، ففي ضمن أمرهم مكان خوف، وفي ضمن الإخبار بالوحدانية نهي عما كانوا عليه ووعيد، ثم ذكر تعالى ما يقال للأنبياء بالوحي على المعنى، ولم يذكره على لفظه لأنه لو ذكره على اللفظ لقال "أن أنذروا أنه لا إله إلا الله"، ولكنه إنما ذكر ذلك على معناه، وهذا سائغ في الأقوال إذا حكيت أن تحكى على لفظها، أو تحكى بالمعنى فقط، وقوله تعالى: {خلق السماوات والأرض} الآية، آية تنبيه على قدرة الله تعالى بالحق أي بالواجب اللائق، وذلك أنها تدل على صفات يحق لمن كانت له أن يخلق ويخترع ويعيد، وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة النافذة بخلاف شركائهم الذين لا يحق لهم شيء من صفات الربوبية، وقرأ الأعمش بزيادة فاء "فتعالى". وقوله {خلق الإنسان من نطفة} يريد بـ {الإنسان} الجنس، وأخذ له الغايتين ليظهر له البعد بينهما بقدرة الله، ويروى أن الآية نزلت لقول أبي بن خلف من يحيي العظام وهي رميم؟ وقوله {خصيم} يحتمل أن يريد به الكفرة الذين يختصمون في الله ويجادلون في توحيده وشرعه، ذكره ابن سلام عن الحسن البصري، ويحتمل أن يريد أعم من هذا على أن الآية تعديد نعمة الذهن والبيان على البشر، ويظهر أنها إذا تقدر في خصام الكافرين ينضاف إلى العبرة وعيد ما.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَتَى} دنا، أو سيأتي، أو على حقيقة إتيانه في ثبوته واستقراره. {أَمْرُ اللَّهِ} القيامة، أو وعيد المشركين، أو فرائض الله ـ تعالى ـ وأحكامه.
النسفي
تفسير : كانوا يستعجلون ما وعدوا من قيام الساعة ونزول العذاب بهم يوم بدر استهزاء وتكذيباً بالوعد فقيل لهم: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي هو بمنزلة الآتي الواقع وإن كان منتظراً لقرب وقوعه {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تبرأ جل وعز عن أن يكون له شريك وعن إشراكهم، فـ {ما} موصولة أو مصدرية، واتصال هذا باستعجالهم من حيث إن استعجالهم استهزاء وتكذيب وذلك من الشرك {يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ } وبالتخفيف مكي وأبو عمرو {بِٱلْرُّوحِ } بالوحي أو بالقرآن لأن كلاً منهما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد أو يحيي القلوب الميتة بالجهل {مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ } أن مفسرة لأن تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى القول ومعنى أنذروا {أَنَّهُ لآ إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ فَٱتَّقُونِ } أعلموا بأن الأمر ذلك من نذرت بكذا إذا علمته، والمعنى أعلموا الناس قولي لا إلٰه إلَّا أنا فاتقون فخافون. وبالياء: يعقوب، ثم دل على وحدانيته وأنه لا إلٰه إلا هو بما ذكر مما لا يقدر عليه غيره من خلق السماوات والأرض وهو قوله
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {أتى أمر الله} يعني جاء ودنا وقرب أمر الله تقول العرب: أتاك الأمر وهو متوقع المجيء، بعدما أتى، ومعنى الآية أتى أمر الله وعداً {فلا تستعجلوه} يعني وقوعاً بالمراد به مجيء القيامة. قال ابن عباس: لما نزل قوله سبحانه وتعالى {أية : اقتربت الساعة وانشق القمر}تفسير : [القمر: 1] قال الكفار: بعضهم لبعض إن هذا الرجل يزعم أن القيامة قد قربت فامسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نرى شيئاً فنزل قوله تعالى {أية : اقترب للناس حسابهم}تفسير : [الأَنبياء: 1] فأشفقوا فلما امتدت الأيام، قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزل {أتى أمر الله} فوثب النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم، وظنوا أنها قد أتت حقيقة فنزل {فلا تستعجلوه} فاطمأنوا، والاستعجال طلب مجيء الشيء قبل وقته ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين ويشير بأصبعيه يمدهما"تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث سهل بن سعد (ق) عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين كفضل إحداهما على الأخرى، وضم السبابة إلى الوسطى"تفسير : وفي رواية "حديث : بعثت في نفس الساعة فسبقتها كفضل هذه على الأخرى"تفسير : قال ابن عباس: كان مبعث النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة ولما مر جبريل بأهل السموات مبعوثاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: الله أكبر قامت الساعة قال قوم: المراد بالأمر هنا عقوبة المكذبين وهو العذاب بالقتل بالسيف وذلك أن النضر بن الحرث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فاستعجل العذاب فنزلت هذه الآية، وقلت النضر يوم بدر صبراً {سبحانه وتعالى عما يشركون} يعني تنزه الله وتعاظم بالأوصاف الحميدة عما يصفه به المشركون. قوله سبحانه وتعالى: {ينزل الملائكة والروح} يعني بالوحي {من أمره} وإنما سمي الأمر روحاً لأنه تحيا القلوب من موت الجهالات وقال عطاء: بالنبوة. وقال قتادة: بالرحمة. وقيل: الروح هو جبريل والباء بمعنى مع يعني ينزل مع الروح وهو جبريل {على من يشاء من عباده} يعني على من يصطفيه من عباده للنبوة، والرسالة وتبليغ الوحي إلى الخلق {أن أنذروا} يعني بأن اعلموا {أنه لا إله إلا أنا فاتقون} أي فخافون. وقيل: معناه مروا بقول لا إله إلا الله منذرين يعني مخوفين بالقرآن.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {تشركون} وما بعده بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف. والآخرون على الغيبة {تنزل} بالفتحات الثلاث {الملائكة} بالرفع: سهل وروح وزيد وأبو زيد مثله لكن بضم التاء الفوقانية: جبلة {ينزل} من الإنزال {الملائكة} بالنصب: ابن كثير وأبو عمرو ورويس: والباقون بالتشديد من التنزيل. {بشق الأنفس} بفتح الشين: يزيد. الباقون بكسرها {ننبت} بالنون: يحيى وحماد. الآخرون بياء الغيبة {والشمس والقمر والنجوم مسخرات} كلها مرفوعات: ابن عامر وافق حفص والمفضل {في النجوم مسخرات} الباقون: بنصب الجميع على أن {مسخرات} حال. {يسرون ويعلنون} بالياء التحتانية فيهما: الخزاز عن هبيرة. الآخرون بتاء الخطاب {يدعون} على الغيبة: سهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى. الباقون على الخطاب. الوقوف: {فلا تستعجلوه} ط {يشركون} ه {فاتقون} ه {بالحق} ط {يشركون} ه {مبين} ه ج {خلقها} ج لاحتمال تمام الكلام واحتمال أن يكون {لكم} متعلقاً به والوقف حينئذٍ على {لكم} {تأكلون} ه ص للعطف {تسرحون} ه ص لذلك {الأنفس} ط {رحيم} ه لا لأن {الخيل} مفعول {خلق} {وزينة} ط {ما لا تعلمون} ه {جائر} ط {أجمعين} ه {تسيمون} ه {الثمرات} ط {يتفكرون} ه {والنهار} ط لمن قرأ {والشمس} وما بعده بالرفع ومن نصب {الشمس والقمر} ورفع {النجوم} وقف على {القمر} ومن نصب الكل وقف على {بأمره} {بأمره} ط {يعقلون} ه لا لأن ما بعده مفعول {سخر} {ألوانه} ط {يذكرون} ه {تلبسونها} ج لأن قوله {وترى} فعل مستأنف مع اتصال المعنى. {تشكرون} ه لا {تهتدون} ه لا لأن قوله {وعلامات} عطف على {سبلاً} {وعلامات} ط {يهتدون} ه {لا يخلق} ط {تذكرون} ه {لا تحصوها} ط {رحيم} ه {وما تعلنون} ه {وهم يخلقون} ه ط لأن التقدير: هم أموات {غير أحياء} ج لاختلاف الجملتين {وما يشعرون} ه لا لأن ما بعده مفعول {يبعثون} ه {واحد} ط لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء {مستكبرون} ه {وما يعلنون} ه {المستكبرين} ه. التفسير: هذه السورة تسمى سورة النعم أيضاً، وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية. وقال الآخرون: من أولها إلى قوله: {كن فيكون} مدنية وما سواه مكي. وعن قتادة بالعكس منه. قال أهل النظم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، وتارة بعذاب القيامة. ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئاً من ذلك أقبلوا على تكذيبه وكانوا يستعجلون ما وعدوا به استهزاء. وروي أنه لما نزلت {أية : اقتربت الساعة}تفسير : [القمر: 1] قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن. فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً فنزلت {أية : اقترب للناس حسابهم}تفسير : [الأنبياء: 1] فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت {أتى أمر الله} فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزلت {فلا تستعجلوه} فاطمأنوا. والحاصل أن قوله: {أتى أمر الله} جواب عن شبهتهم إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع كما يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: جاءك الغوث فلا تجزع. أو المراد أن {أمر الله} بذلك وحكمه قد وقع وأتى. فأما المحكوم به فإنما لم يقع لأنه تعالى حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود فلا تسعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت. ثم إن المشركين كأنهم قالوا: هب يا محمد أنا سلمنا صحة ما تقول من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام لأنها شفعاؤنا عند الله فكيف نستحق العذاب بسبب هذه العبادة؟ فأجاب الله عن هذه الشبه بقوله: {سبحانه وتعالى عما يشركون} كما مر في أول سورة يونس. والمراد تنزيه نفسه عن الأضداد والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجساد أن يشفع عنده إلا بإذنه، أو يستعجل في حكم من أحكامه، أو قضية قبل أوانه. ثم إنهم كأنهم قالوا سلمنا أنه تعالى أن يقضي على طائفة باللطف وعلى الآخرين. بالقهر ولكن كيف صرت واقفا على أسرار الله تعالى في ملكه وملكوته دوننا، من أين حصل لك هذا الفضل علينا؟ فأزال الله سبحانه شبهتهم بقوله: {ينزل الملائكة} الآية. والمراد أن له بحكم المالكية أن يختص بعض عبيده بإنزال الوحي عليه ويأمره بأن يكلف سائر العباد بمعرفة توحيد الله وبعبادته، فظهر بهذا البيان أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه. قال الواحدي: روى عطاء عن ابن عباس أنه أراد بالملائكة ههنا جبرائيل وحده، وتسمية الواحد بالجمع إذا كان رئيساً مطاعاً جائزة. وعلى هذا التفسير فالمراد بالروح كلام الله تعالى كقوله: {أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا}تفسير : [الشورى: 52] قال المحققون: الروح الأصلي هو القرآن الذي فيه بيان المبدأ والوسط والمعاد، فبه يحصل إشراق العقل، وبالعقل يكمل ضياء جوهر الروح، وبالروح يكمل حال الجسد فهو الأصل والباقي فرع عليه وبهذه المناسبة يسمى جبرائيل روحاً وعيسى روحاً. وعن أبي عبيدة أن الروح ههنا جبرائيل، والباء بمعنى "مع" أي تنزل الملائكة مع جبرائيل. وذلك أنه في أكثر الأحوال كان ينزل ومعه أقوام من الملائكة كما في يوم بدر وحنين، وكان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ملك الجبال وملك البحار وخزان الجنة وغيرهم. قال في الكشاف: {بالروح من أمره} أي بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد وقال غيره: من أمره معناه أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله كقوله {أية : وما نتنزل إلا بأمر ربك}تفسير : [مريم: 64] قال الزجاج: {أن أنذروا} بدل من "الروح" أي ينزلهم بأن أنذروا. و"أن" إما مفسرة لأن تنزيل الوحي فيه معنى القول، وإما مخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر أي بأن الشأن أقول لكم أنذروا أي أعلموا الناس قولي: {لا إله إلا أنا} وهو إشارة إلى استكمال القوة النظرية. وقوله: {فاتقون} رمز إلى استكمال القوة العملية ومنه يعلم أن النفس متى كملت من هاتين الجهتين حصل لها روح حقيقي وحياة أبدية وسعادة سرمدية. قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا لا نعلم كون جبريل صادقاً ولا معصوماً من الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله لا من قبل شيطان خبيث، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبرائيل صادق مبرأ عن التلبيس وأفعال الشياطين، وحينئذٍ يلزم الدور وهذا مقام صعب. أقول: قد ذكرنا مراراً أن الفرق بين المعجز والسحر هو أن صاحب المعجز يدعو إلى الخير، وصاحب السحر يدعو إلى الشر، والفرق بين الملك والشيطان هو أن الملك يلهم بالخير، والشيطان يوسوس بضده وإذا كان الأمر كذلك فكيف تشتبه المعجزة بالسحرة وجبرائيل بإبليس ومن أين يلزم الدور؟ ولما بين الله سبحانه أن روح الأرواح وروح الأجسام هو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل أن يعمل به، أتبعه دلائل التوحيد مبتدئاً من الأشرف وهو السماويات إلى الأدون - وهو الأرضيات - فقال: {خلق السموات والأرض بالحق} وقد مر تفسير مثله مراراً. وقوله: {تعالى عما يشركون} تنزيه لذاته عمن يشاركه في الأزلية والقدم والتدبير والتأثير والصنع والإبداع. فالفائدة المطلوبة من هذا الكلام غير الفائدة المطلوبة من مثله في أول السورة كما ذكرنا فلا تكرار. ثم إن أشرف الأجسام بعد الفلكيات بدن الإنسان فلهذا عقب المذكور بقوله: {خلق الإنسان من نطفة} قالت الأطباء: إن الغذاء إذا وصل إلى المعدة حصل له هناك هضم، وإذا وصل إلى الكبد حصل له فيها هضم ثانٍ، وفي العروق له هضم ثالث، وفي جواهر الأعضاء هضم رابع، وحينئذٍ يصير جزءاً من العضو المغتذى شبيهاً به، ثم عند استيلاء الحرارة على البدن وقت هيجان الشهوة يحصل ذوبان لجملة الأعضاء وتجتمع منه النطفة في أوعيتها، وعلى هذا تكون النطفة جسماً مختلفة الأجزاء والطبائع، وإن كانت تخيل في الحس أنها متشابهة الأجزاء. وكيفما كان فالمقتضي لتولد البدن منها ليس هي الطبيعة الحاصلة لجوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار، والقوّة الطبيعة إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة. وعلى هذا الحرف عول الحكماء في قولهم: البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعة في الكرة، وإذا عملت في مادة مختلفة الأجزاء وكل مركب فإنه ينحل إلى بسائط فإنه يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضموم بعضها إلى بعض، وكلا الأمرين غير مطابق للواقع، فعلمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس بالطبيعة وإنما هو بتدبير الفاعل المختار وهو الله سبحانه، وكيف لا والنطفة رطوبة سريعة الاستحالة؟ فالأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذين هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، فلا يكون حدوث أعضاء الحيوان على هذا الترتيب الخاص دائماً ولا أكثرياً، وحيث كان كذلك علمنا أن حدوثها بإحداث مدبر مختار. ثم إن نزلنا عن جميع هذه المراتب فلا خلاف بين الحكم وبين المتكلم أن الطبيعة خرقاء وأنها ليست واجبة الوجود لذاتها فلا بد من الانتهاء الى الصانع الحكيم الخبير. أما قوله: {فإذا هو خصم مبين} فقد ذكروا فيه وجهين: الأول فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مبين للحجة بعد أن كان نطفة لا حس به ولا حراك. وتقرير ذلك أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من البيضة يعرف الصديق من العدو فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والذي لا يوافقه. وحال الطفل بخلاف ذلك فانتقاله من تلك الحالة الخسيسة إلى أن يقوى على معرفة الإلهيات والفلكيات والعنصريات وعلى إيراد الشكوك والشبهات على النتائج والمقدمات إنما يكون بتدبير إله مختار قدير ينقل الأرواح من النقصان إلى الكمال ومن الجهالة إلى المعرفة. الوجه الثاني أن المراد فإذا هو خصيم لربه منكر على خالقه قائل من يحيي العظام وهي رميم. فعلى الوجه الأول جوز أن يكون الخصيم "فعيلاً" بمعنى "مفاعل" كالأكيل والشريب، وأن يكون بمعنى مختصم، وعلى الوجه الثاني تعين كونه بمعنى "مفاعل" والترجيح من الوجهين للأول بناء على أن هذه الآيات مسوقة لتقرير الدلائل على وجود الصانع الحكيم وقدرته لا لأجل وصف الإنسان بالتمادي في القحة والكفران. وقد يرجح الثاني بما روي أن أبيّ بن خلف الجمحي جاء بعظم رميم إلى رسول الله صلى الله عليه فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟ فنزلت. ثم أردف تكوين الإنسان بتكوين الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في ضروراته من الأكل والركوب وجر الأثقال وفي غير الضروريات من الأغراض الصحيحة كالتزيين والجمال فقال: {والأنعام خلقها} هي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام وهي: الضأن والمعز والإبل والبقر. وإن شئت قلت: الإبل والبقر والغنم. قال في الكشاف: وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل: قلت: ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله بعد ذلك: {وتحمل أثقالكم} لأن هذا الوصف لا يليق إلا بالإبل. وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر. ويجوز أن يكون معطوفاً على {الإنسان} أي خلق الإنسان والأنعام. ثم قال: {خلقها لكم} أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان. قال صاحب النظم: وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: {خلقها} بدليل أنه عطف عليه قوله: {ولكم فيها جمال} والدفء اسم ما يدفأ به كالملء اسم ما يملأ به وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر. قال الجوهري: الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، والدفء أيضاً السخونة. وقوله: {ومنافع} قالوا: المراد نسلها ودرّها، والمنافع بالحقيقة أعم من ذلك فقد ينتفع بها في البيع والشراء بالنقود والأثواب وبسائر الحاجات. أما قوله: {ومنها تأكلون} بتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص فلأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في مآكلهم عادة، وأما الأكل من غيرها كالدجاج وصيد البر والبحر فكغير المعتد به الجاري مجرى التفكه، ويحتمل أن يراد أن غالب أطعمتكم إنما يحصل منها لأنكم تحرثون بالبقر وتكتسبون بإكراء الإبل وتشترون بنتاجها وألبانها وجلودها جميع ما تشتهون من الأطعمة. قوله: {حين تريحون} الإراحة رد الإبل إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلاً ويقال: سرح القوم إبلهم سرحاً إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى. وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر حين تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. قوله: {بشق الأنفس} من قرأ بفتح الشين فمعناه المشقة فيكون مصدر شق الأمر عليه شقاً وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع. ومن قرأ بالكسر فمعناه النصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد. قال جار الله. معنى المضي في قوله: {لم تكونوا} راجع إلى الفرض والتقدير: أي لو لم يخلق الإبل لم تكونوا إلا كذلك. وإنما لم يقل "لم تكونوا حامليها إلى ذلك البلد" ليطابق قوله: {وتحمل أثقالكم} لأجل المبالغة كأنه قيل: قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة وذهاب قوة فضلاً أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم ويجوز أن يكون العائد إلى الأثقال محذوفاً أي لم تكونوا بالغيها إلا بالشق، أو المراد بالأثقال الأجساد، عن ابن عباس أنه فسر البلد بمكة إلى اليمن وإلى الشام وإلى مصر، قال الواحدي: هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم. وخص ابن عباس هذه البلاد لأنها أكثر متاجر أهل مكة {إن ربكم لرءُوف رحيم} وإلا لم يخلق هذه الحوامل لأجل تيسير هذه المصالح. احتج منكرو الكرامات بالآية على امتناع طي الأرض كما ينقل عن بعض الأولياء. والجواب أن الامتناع العادي لا ينافي الإمكان الذاتي. {والخيل والبغال والحمير} معطوفات على الأنعام أي وخلق هؤلاء للركوب والزينة فانتصب على أنه مفعول له معطوف على محل {لتركبوها} وإنما لم يقل و "لتتزينوا بها" ليكون المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد لأن الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق. والتحقيق فيه أن الركوب أحد الأمور المعتبرة في المقصود بخلاف التزين بالشيء فإنه قلما يلتفت إليه أرباب الهمم العالية لأنه يورث العجب والتيه غالباً وكأنه قال: خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات. احتجت المعتزلة القائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح بأن قوله: {لتركبوها} يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لهذه المصلحة. والجواب أن استتباع الغاية والفائدة مسلم ولكن التعليل ممنوع، واحتج الحنفية بالآية على تحريم لحوم الخيل من وجوه: أحدها إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر فيجب اشتراك الكل في الحكم، لكن البغال والحمير محرمان فكذا الخيل. ثانيها أن منفعة الأكل أعظم منة من الركوب والتزين فلو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر. وثالثها أن قوله فيما قبل: {ومنها تأكلون} يقتضي الحصر فيجب أن لا يجوز أكل ما عدا الأنعام إلا بدليل منفصل والأصل عدمه ورابعها أن قوله: {لتركبوها} يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة، فلو كان حل أكلها مقصوداً لزم أن يكون ما فرض تمام المقصود بعض المقصود هذا محال. والجواب أن تحريم الخيل محل النزاع وتحريم الحمير بنص الكتاب ممنوع لما روي عن جماعة من الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم نهى عام خيبر عن لحوم الحمر الأهلية. فلو كان للآية دلالة على تحريم لحم الخيل لفهموه منها قبل ذلك العام لأن الآية مكية عند الأكثرين، ولو فهموا التحريم قبل ذلك لم يبقَ لتخصيص التحريم بهذه السنة فائدة. وإذا لم يكن الحمير والخيل محرمين لم يكن لتحريم البغال المتولدة منهما وجه. وأيضاً كون معظم المنة في الأكل بالنسبة إلى هذه الأنواع ممنوع بل الركوب والزينة هما أعظم المنافع فيها ولهذا جعلا تمام المقصود منها، فكأنما أعطى الأكثر والمعظم حكم الكل. واقتضاء الحصر في قوله: {ومنها تأكلون} ممنوع بل لعل الظرف قدم لرعاية الفاصلة. ثم إن أنواع الغرائب والعجائب المخلوقة في هذا العالم لا حد لها ولا حصر فلهذا أشار إلى ما بقي منها على سبيل الإجمال فقال: {ويخلق ما لا تعلمون} أي كنهه وتفاصيله بل نوعه وجنسه فإن مركبات العالم السفلي وغرائب العالم العلوي لا يعلمها إلا موجدها. روى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبرائيل عليه السلام كل سحر ويغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل نقطة تقع من رأسه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور، وفي الكعبة أيضاً سبعون ألفاً ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. وقيل: المراد ما خلق في الجنة والنار مما لم يبلغه فيهم أحد ولا وهمه. ولما ذكر بعض دلائل التوحيد بين أنه إنما ذكرها إزاحة للعذر وإزالة للشبهة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فقال: {وعلى الله قصد السبيل} ذكر صاحب الكشاف أن السبيل للجنس والقصد مصدر بمعنى الفاعل يقال: قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، والجور الميل عن الاستقامة. احتجت المعتزلة بالآية على مسألتين من أصولهم: إحداهما أنه يجب على الله تعالى الإرشاد والهداية لأن كلمة، "على" للوجوب والمضاف محذوف أي وعلى الله بيان قصد السبيل؛ فالمعنى أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه. والثانية أنه لا يضل أحداً ولا يغويه وإلا لقيل وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر فلما غير أسلوب الكلام قائلاً: {ومنها جائر} دل على أنه أراد أن يبين ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز. والجواب عن الأول بعد تسليم إفادة كلمة "على" الوجوب أنه وجوب بحسب الفضل والكرم لا بمعنى استحقاق الذم على الترك. وعن الثاني أن دلالة قوله: {ومنها جائر} على ما ذكرتم ليست دلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، لأن قول القائل "من السبيل سبل منحرفة" لا يفيد إلا الإخبار بوجود الانحراف في بعض السبيل، فأما أن فاعل تلك السبيل من هو فلا دلالة للكلام عليه أصلاً على أن قوله: {ولو شاء لهداكم أجمعين} يناقض ما ادعيتم. وتفسير المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر أو بالهداية إلى الجنة خلاف الظاهر كما مر مراراً. ولما استدل على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال: {هو الذي أنزل من السماء ماء} وقوله: {لكم} متعلق بأنزل أو بشراب خبراً له. والشراب ما يشرب كالطعام لما يطعم والمراد أن الماء النازل من السماء قسمان: بعضه يبقى لأجل الشرب كما هو ويحتمل أن يكون الماء المحتبس في الآبار والعيون منه كقوله: {أية : فأسكناه في الأرض}تفسير : [المؤمنون: 18] وبعضه يحصل منه شجر يرعاه المواشي. قال الزجاج: كل ما ينبت من الأرض فهو شجر لأن التركيب يدل على الاختلاط ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق. وقال ابن قتيبة: المراد بالشجر في الآية الكلأ. وفي حديث عكرمة "حديث : لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت"تفسير : أراد الكلأ. وقيل الشجر كل ما له ساق كقوله: {أية : والنجم والشجر يسجدان}تفسير : [الرحمن: 6] والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن يكون الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز، وبأن قوله: {فيه تسيمون} من سامت الماشية إذا رعت وأسامها صاحبها وهو من السومة العلامة لأنه تؤثر بالرعي علامات في الأرض يقتضي أن يكون الشجر هو العشب ليمكن الرعي. ورد بأن الإبل قد تقدر على رعي الأشجار الكبار. وحين ذكر مرعى الحيوان أتبعه ذكر غذاء الإنسان فقال: {ينبت لكم به الزرع} الذي هو الغذاء الأصلي {والزيتون} الذي هو فاكهة من وجه وغذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن {والنخيل والأعناب} اللتين هما أشرف الفواكه. ثم أشار إلى الثمرات بقوله: {ومن كل الثمرات} كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها بقوله: {ويخلق ما لا تعلمون} قال في الكشاف: إنما لم يقل و "كل الثمرات" بل زاد "من" التبعيضية لأن كلها لا يكون إلا في الجنة. واعلم أنه قدم الغذاء الحيواني على الغذاء النباتي لأن النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبيهاً ببدن الإنسان، وفي ذكر الغذار النباتي قدم غذاء الحيوان - وهو الشجر - على غذاء الإنسان - وهو الزرع وغيره - بناء على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، وإنما عكس الترتيب في قوله: {كلوا وارعوا أنعامكم} بناء على ما هو الواجب في نفس الأمر كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " تفسير : قوله: {وسخر لكم الليل والنهار} معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب مصالحهم على سنن واحد يتعاقبان دائماً كالعبد المطواع، وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم كما في "الأعراف" وفي سورة إبراهيم. وهذا حسم لمادة شبهة من يزعم أن حركات الأفلاك هي المقتضية لتعاقب الليل والنهار ومسيرات الكواكب هي المستدعية للحوادث السفليات، فإنه إن سلم لهم ذلك فلا بد لتلك الحركات والمسيرات من الانتهاء إلى صانع قديم منزه عن التغير والإمكان مبرإ عن الحدوث والنقصان وهو الله سبحانه. {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} قال جار الله: جمع الآية وذكر العقل لأن آثار العلو أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة. وقال غيره: إنما جمع الآيات لتطابق قوله: {مسخرات} ومثله في هذه السورة في موضع آخر {أية : مسخرات في جوّ السماء ما يمكسهن إلا الله إن في ذلك لآيات}تفسير : [النحل: 79] وأقول: إنما جمع لأن كلاً من تسخيراً الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها لتباين الليل والنهار وتخالف مسيرات الكواكب كما هو مقرر في علم الهيئة بخلاف قوله {ينبت لكم} فإن مطلق الإنبات آية واحدة. وكذا قوله: {وما ذرأ لكم في الأرض} أي خلق لكم فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك: {مختلفاً ألوانه} فإن ذرء هذه الأشياء على حالة اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية وفي تأثير الفلكيات فيها، آية واحدة على وجود الصانع تعالى شأنه، ولست أدعي إلا إمكان هذه الاعتبارات وإلا: ففي كل شيء آية تدل على أنه واحد. وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة، وخص المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالوحدانية فلا عقل له. وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة فمن شك بعد ذلك فلا حس له. ومن جملة الآيات التي هي في الحقيقة إنعامات على الإنسان تسخير البحر بالركوب عليه والانتفاع به أكلاً ولبساً. والمراد باللحم الطريّ السمك. قال ابن الأعرابي: لحم طريّ غير مهموز ومصدره طراوة. يقال: شيء طريّ أي غض بين الطراوة. وقال قطرب: طرو اللحم وطري طراوة والمراد في الآية السمك وما في معناه. قال في الكشاف: وصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيسارع إلى أكله خيفة الفساد عليه. وقال المتكلمون: إنه لما خرج من البحر المالح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنه لم يحدث بحسب الطبع بل حدث بقدرة الله تعالى وحكمته بحيث أظهر الضد من الضد. قال أكثر الفقهاء ومنهم أبو حنيفة والشافعي: من حلف أن لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث لأن اللحم لا يتناوله عرفاً. ومبنى الأيمان على العرف والعادة. ولهذا لو قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار عيله. ورد عليهم الإمام فخر الدين الرازي بأنه إذا قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بلحم العصفور كان حقيقاً بالإنكار مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور. فثبت أن العرف مضطرب والرجوع إلى نص القرآن متعين فليس فوق بيان الله بيان. ولقائل أن يقول: لعل الإنكار في هذه الصورة بعد تسليمه إنما جاء من قبل ندرة شراء العصفور أو شراء لحمه فإنه إنما يشترى كله ولم يجىء من إطلاق اللحم على لحمه. ومن منافع البحر استخراج الحلية منه قالوا: أراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان، والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم ولأن تزيينهن لأجلهم. ولقائل أن يقول: لا مانع من تزيين الرجال باللآلىء ونحوها شرعاً فلا حاجة إلى هذه التكلف. استدل الإمام فخر الدين بالآية في إبطال قول الشافعية إنه لا زكاة في الحلى قال: لأن اللام فيما يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا زكاة في الحلى"تفسير : تنصرف إلى المعهود السابق ولا معهود إلا ما في الآية من الحلية فصار معنى الحديث: لا زكاة في اللآلىء. وهذا باطل بالاتفاق. ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن تكون اللام للجنس فتشمل المصوغ من الذهب والفضة أيضاً فيكون الحديث مخصصاً بالآية إن ثبت صحته؟ ومن عجائب البحر ومنافعه قوله سبحانه: {وترى الفلك مواخر فيه} قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها. وعن الفراء صوت دويّ الفلك بالرياح. وقال ابن عباس: مواخر أي جواري. وإنما حسن هذا التفسير لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية: وقوله: {لتبتغوا من فضله} أي تتجروا فيه فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضله وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره. واعلم أن قوله: {مواخر فيه} جاء على القياس لأن موضع الظرف المتعلق بمواخر بعد مضي مفعولي "ترى"، وأما في سورة الملائكة فقدم الظرف ليكون موافقاً لقوله: {ومن كل تأكلون} ولتقدم الجار في قوله: {ومن كل تأكلون} حذف لفظة "منه" هناك. الواو في {ولتبتغوا} في هذه السورة للعطف على لام العلة في {لتأكلوا} وقوله: {وترى الفلك مواخر فيه} اعتراض في السورتين يجري مجرى المثل ولهذا وحد الخطاب في قوله: {وترى} وقبله وبعده جمع "أي لو حضرت أيها المخاطب لرأيته بهذه الصفة. ويمكن أن يقال: إنما قال في الملائكة {فيه مواخر} بتقديم الظرف لئلا يفصل بين لام العلة وبين متعلقها وهو مواخر، وليكتنف المتعلق المتعلقان. وإنما بنينا الكلام على أن قوله: {فيه} متعلق بـ {مواخر} لا بـ {ترى} لقرب هذا وبعد ذاك والله أعلم. قوله: {أن تميد بكم} أي كراهة أن تميد الأرض بكم والباء للتعدية أو للمصاحبة. والميد الحركة والاضطراب يميناً وشمالاً. يروى أنه تعالى خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت. قال جمهور المفسرين: إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فهكذا الأرض تستقر على الماء بسبب ثقل الجبال. واعترض عليه بأن السفينة إنما تضطرب على الماء لتخلخلها وخفتها بسبب الهواء الداخل في تجاويف الخشب ومسامها، أما الأرض فجسم كثيف ثقيل من شأنها الرسوب في الماء على ما هو مشاهد من حال أجزائها المنفصلة عنها. فإن كان طبيعة الكل كذلك فكيف يعقل طفوّها حتى توجب الجبال إرساءها وثباتها، وإن لم تكن طبيعة الكل كذلك حتى تكون طافية مائدة وقد أرساها الله تعالى بالجبال، فالرسو والرسوخ إنما يتصور على جسم واقف وليس إلا الماء فينقل الكلام إلى وقوف الماء في حيزه المعين. فإن كان بحسب الطبيعة فهذا خلاف التقدير لأنا نفينا القول بالطبائع الموجبة لهذه الأحوال، وإن لم يكن بالطبع بل كان واقفاً بتخليق الفاعل المختار وتسكينه في حيزه المخصوص فلم لا نقول مثله في تسكين الأرض؟ هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ونسب المقام إلى الصعوبة والإشكال واستخرج لحله وجهاً مبنياً على قوانين الحكمة، وهو أن الأرض جسم كروي، والكرة إذا كانت صحيحة الاستدارة فإنها تتحرك بأدنى سبب، فلما أحدث الله سبحانه على وجه الكرة هذه الخشونات الجارية مجرى الأوتاد منعتها عن السلاسة والحركة. قلت: في هذا الحال خلل. أما أولاً فلكونه مبنياً على غير قواعد أهل التفسير، وأما ثانياً فلما ثبت في الحكمة أن نسبة أعظم جبل في الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى جميع الأرض كنسبة خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع، ولا ريب أن ذلك القدر من الشعيرة لا يخرج الكرة المذكورة عن صحة الاستدارة بحيث يمنعها عن سلاسة الحركة، فكذا ينبغي أن يكون حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض. والجواب الصحيح على قاعدة أهل الشرع أن يقال: لا نسلم أن الأرض بكليتها لها طبيعة موجبة لحالة من الأحوال، وعلى تقدير التسليم فلا نسلم أن لها طبيعة الرسوب بل لعل طبيعتها الطفوّ فلهذا احتاجت إلى الرواسي. وأما قوله: "لم أوقف الله الماء في حيزه ولم يوقف الأرض من غير إرساء" فلا يخفى سقوطه مع القول بالفاعل المختار، فللوسائط والأسباب مدخل في الأمور العادية، وإن لم نقل بتأثيرها، هذا وإن حركة الأرض عند الزلازل لا تنافي حكم الله بعدم اضطرابها لأن إثبات الحركة لجزء الشيء لا ينافي نفيها عن كله. وشبهوا الزلزلة وهي حركة قطعة من الأرض لاحتقان البخارات في داخلها وطلبها المنفذ باختلاج يحصل في جزء معين من بدن الحيوان. قوله سبحانه: {وأنهاراً} معطوف على {رواسي} أي وجعل فيها رواسي وأنهاراً لأن الإلقاء ههنا بمعنى الجعل والخلق كقوله: {أية : وألقيت عليك محبة مني}تفسير : [طه: 39] وكذا قوله {وسبلاً} أي أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم. ولما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلاً معينة ذكر أنه أظهر في تلك السبل علامات مخصوصة وهي كل ما يستدل به السابلة من جبل وسهل وغير ذلك. يحكى أن جماعة يشمون التراب فيعرفون به الطرقات. قال الأخفش: تم الكلام عند قوله: {وعلامات} وقوله {وبالنجم هم يهتدون} كلام منفصل عن الأول. والمراد بالنجم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس. وعن السدي هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي. قال بعض المفسرين: أراد بقوله {هم يهتدون} أهل البحر لتقدم ذكر البحر ومنافعه، وقيل: أراد أعم من ذلك فأهل البر أيضاً قد يحصل لهم الاهتداء بالنجوم في الطرق والمسالك، وفي معرفة القبلة، وإنما جيء بالضمير الغائب لعوده إلى السائرين الدال عليهم ذكر السبل. وقال في الكشاف: كأنه أراد قريشاً فقد كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا بتقديم النجم. وإقحام لفظ {هم} كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء يهتدون. ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته واتصافه بجميع صفات الكمال أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} أي كالأصنام التي لا تخلق شيئاً إلا أنه أجراها مجرى أولي العلم فأطلق عليها لفظ "من" التي هي لأولي العقل بناء على زعمهم أنها آلهة، أو لأجل المشاكلة بينه وبين من يخلق، أو أراد أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده، أو أراد كل ما عبد من دون الله مغلباً فيه أولو العلم منهم. واعلم أنه أهل البيان يقولون: إن المشبه به يجب أن يكون أقوى وأتم في وجه الشبه من المشبه ليلتحق الأضعف بالأقوى في وجه الشبه كقولك "وجهه كالقمر". ولا ريب أن الخالق أقوى من غير الخالق فكان حق النظم في الظاهر أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق. والقرآن ورد على العكس. ووجهه عند العلماء زيادة التوبيخ ليكون كأنهم جعلوا غير الخالق أقوى حالاً وأعرف من الخالق. قال في الكشاف: إنهم جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبهوه بها حين جعلوا غيره مثله في التسمية والعبادة فأنكر عليهم ذلك، ولوضوح كون هذا الأمر منكراً عند من له أدنى عقل بل حس قال {أفلا تذكرون} وفيه مزيد توبيخ وتجهيل لأنه لجلائه كالحاصل الذي يحصل عند العقل بأدنى تذكر ومع ذلك هم عنه غافلون. قال بعض الأشاعرة. في الآية دلالة على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه لأن الآية سيقت لبيان امتيازه بصفة الخالقية. أجابت المعتزلة بأن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والجبال والنجوم. أو نقول: معنى الآية أن كل ما كان خالقاً يكون أفضل ممن لا يكون خالقاً، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقاً فإنه يجب أن يكون إلهاً نظيره قوله: {أية : ألهم أرجل يمشون بها}تفسير : [الأعراف: 195] أراد به أن الإنسان أفضل من الصنم والأفضل لا يليق به عبادة الأخس فكذا ههنا. وقال الكعبي في تفسيره: نحن لا نطلق لفظ الخالق على العبد ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله تعالى كقوله: {أية : وإذ تخلق من الطين}تفسير : [المائدة: 110] فعلى هذا لا يتوجه عليهم السؤال إلا أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد حتى إن أبا عبد الله البصري قال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز لأن الخلق عبارة عن التقدير وهو الظن والحسبان. ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى الملكلفين نعم قال: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} وقد مر تفسيره في سورة إبراهيم. قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل. ثم إنه سبحانه يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الملائم له غالباً مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بمصالحه ومفاسده، فليكن هذا المثال حاضراً في ذهنك وقس عليه سائر نعم الله تعالى حتى تعرف تقصيرك وقصورك عن شكر أدنى نعمة فضلاً عن جميعها، ولهذا ختم الآية بقوله: {إن الله لغفور رحيم} يغفر التقصير الصادر عنكم في أداء شكر النعمة ويرحمكم حيث لا يقطعها عنكم بالتفريط ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها. كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله يسرون ضروباً من الكفر والمكايد في حق الرسول صلى الله عليه وسلم فأوعدهم بقوله: {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} وفيه أيضاً تعريض وتوبيخ بسبب أن الإله يجب أن يكون عالماً بالسر والعلانية، والأصنام التي عبدوها جمادات لا شعور لها أصلاً فكيف يحسن عبادتها. ثم زاد في التوبيخ فقال: {والذين يدعون} أي الآلهة الذين يدعونهم الكفار {من دون الله لا يخلقون شيئاً} وقد ذكر هذا المعنى في قوله: {كمن لا يخلق} وزاد ههنا قوله: {وهم يخلقون} أي بخلق الله أو بالنحت والتصوير وهم لا يقدرون على نحو ذلك فهم أعجز من عبدتهم، ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه نفى عنهم صفة الكمال وأثبت صفة النقصان. وكذلك قوله: {أموات غير أحياء} يستلزم ذمهم مرتين لأن من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطفة والجسد الإنساني الذي فارقه الروح، وأما الحجارة فأموات لا تقبل الحياة أصلاً. وفيه أن الإله الحق يجب أن يكون حياً لا يعقبه موت وحال هذه الأصنام بالعكس. وفيه أن هؤلاء الكفار في غاية الغباوة وقد يقرر المعنى الواحد مع الغبي الجاهل بعبارتين مختلفتين تنبيهاً على بلادته {وما يشعرون} الضمير فيه للآلهة. أما الضمير في {أيان يبعثون} فإما للآلهة أيضاً ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن الله تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، وإما للداعين أي لا يشعر الآلهة متى يبعث عبدتهم فيكون فيه تهكم بالمشركين من حيث إن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟! وفيه أنه لا بد من البعث وأنه من لوازم التكليف، وإما للأحياء أي لا يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكماً بحلها لأن شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم سبحانه؟ وجوز في الكشاف أن يراد بالذين يدعوهم الكفار الملائكة، لأن ناساً منهم كانوا يعبدونهم. ومعنى أنهم {أموات} أي لا بد لهم من الموت {غير أحياء} أي غير باقية حياتهم ولا علم لهم بوقت بعثهم. ولما زيف طريقة عبدة الأصنام صرح بما هو الحق في نفس الأمر فقال: {إلهكم إله واحد} ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال: {فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة} للوحدانية أو لكل كلام يخالف هواهم {وهم مستكبرون} عن قبول الحق وذلك أن المؤمن بالعبث والجزاء يؤثر فيه الترغيب والترهيب فينقاد للحق أسرع، وأما الجاحد للمعاد فلا يقبل إلا ما يوافق رأيه ويلائم طبعه فيبقى في ظلمة الإنكار {لا جرم} أي حقاً {أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} فيجازيهم على ما أسروا من الاستكبار وأعلنوا من العناد {إنه لا يحب المستكبرين} عن التوحيد فيختص بالمشركين أو كل مستكبر فيدخل هؤلاء دخولاً أوّلياً لأن الكلام فيهم. التأويل: الناس طبقات ثلاث: الغافلون والخطاب معهم بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الدنيا. وزخارفها وهم أصحاب النفوس، والعاقلون والخطاب معهم بوعد الثواب لرغبتهم في الطاعات والأعمال الصالحات وهم أرباب العقول، والعاشقون والخطاب معهم بوصل رب الأرباب لاشتياقهم إلى جمال ذي الجلال. فحين قال في الأزل {أتى أمر الله} استعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل المقصود وطلب المفقود فخاطبهم بقوله: {فلا تستعجلوه} فإنه سيصيب في كل طبقة منكم ما كتب له في القسمة الأزلية: والله سبحانه منزه عن أن يشاركه في الحكم أحد فلا مبدل لكلماته. {بالروح من أمره} أي بما يحيي القلوب من المواهب الربانية من أمره الوارد على الجوارح بالتكاليف الشرعية وعلى النفوس بآداب الطريقة، وعلى القلوب بالإشارات، وعلى الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات، وعلى الأسرار بالمراقبات للمشاهدات وعلى الخفيات بتجلي الصفات لإفناء الذوات. {على من يشاء من عباده} من الأنبياء والأولياء {أن أنذروا} أعلموا أوصاف وجودكم ببذلها في أنانيتي {أنه لا إله إلا أنا فاتقون} عن أنانيتكم بأنانيتي. {خلق} سموات الأرواح وأرض الأشباح وجعلها مظهراً لأفاعيله. فهو الفاعل لما يظهر على الأرواح والأشباح {تعالى عما يشركون} الأرواح والأشباح في إحالة أفاعيله إلى غيره {خلق الإنسان من نطفة} لا علم لها ولا فعل {فإذا هو خصيم مبين} يدعي الشركة معه في الوجود. والأفاعيل والأنعام أي الصفات الحيوانية {خلقها لكم فيها دفء} لأنها المودعة في جبلتكم {ومنافع ومنها تأكلون} باستفادة بدل ما يتحلل {ولكم فيها جمال} في أوقات الفترات وأزمنة الاستراحات {وتحمل} أثقال أرواحكم وهي أعباء الأمانة إلى بلد عالم الجبروت {إن ربكم لرءُوف رحيم}. إذا أفنيتم أنفسكم في جبروته يبقيكم ببقاء عظموته {والخيل والبغال والحمير} أي صفاتها خلقت فيكم لأنها مراكب الروح عند السير إلى عالم الجبروت {وزينة} عند رجوعه بالجذبة إلى مستقره الذي أهبط منه {ويخلق} فيكم حينئذٍ {ما لا تعملون} وهو قبول فيض الله بلا واسطة. وعلى الله قصد السبيل} بجذبة {ارجعي} {ومنها جائر} يعني نفوسكم تحيد عن الفناء وبذل الوجود {هو الذي أنزل} من سماء الكرم ماء الفيض {منه شراب} المحنة لقلوبكم {ومنه شجر} القوى البشرية ودواعيها {فيه} ترعون مواشي نفوسكم {ينبت لكم} زرع الطاعات وزيتون الصدق ونخيل الأخلاق الحميدة وأعناب الواردات الربانية، ومن كل ثمرات المعقولات والمشاهدات والمكاشفات. {وسخر لكم} ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس الروح وقمر القلب ونجوم الحواس والقوى، وتسخيرها استعمالها على وفق الشريعة وقانون الطريقة {وما ذرأ لكم} في أرض جبلتكم من الاستعدادات يتلون في كل عالم بلونه من عوالم الملكية والشيطانية والحيوانية {وسخر لكم} بحر العلوم {لتأكلوا منه} الفوائد الغيبية السنية الطرية {وتستخرجوا منه} جواهر المعاني فيلبس بها أرواحكم النور والبهاء. وترى فلك الشرائع والمذاهب جواري في بحر العلوم لتبتغوا الأسرار الخفية عن الملائكة. وألقى في أرض البشرية جبال الوقار والسكينة لئلا تميد بكم صفات البشرية عن جادّة الشريعة والطريقة، وأنهاراً من ماء الحكمة وسبلاً إلى الهداية والعناية، وعلامات من الشواهد والكشوف، وبنجم الجذبة الإلهية هم يهتدون فيخرجون من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي. أفمن يخلق الله فيه هذه الكمالات كمن لا يخلقها فيه من الملائكة وغيرهم {أية : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}تفسير : [إبراهيم: 34] وهي قسمان: نعمة الأعطاف وهي ما يتعلق بوجود النعمة ظاهرة وباطنة، ونعمة الألطاف وهي ما يتعلق بوجود المنعم من الذوات والصفات {والله يعلم ما تسرون} من أداء شكر نعمه بالقلوب {وما تعلنون} من أداء الشكر بالأجساد {والذين يدعون من دون الله} من الهوى والدنيا {لا يخلقون شيئاً} من المنافع {وهم يخلقون} بتعب الطالب في تحصيلها ولهذا قال: {أموات غير أحياء وما يشعرون أيان} يبعثها دواعي البشرية {فالذين لا يؤمنون بالآخرة} بما في عالم الغيب {قلوبهم منكرة} لأهل الحق لأنهم لا يتجاوزون عالم الحس {يعلم ما يسرون} من الإنكار {وما يعلنون} من الاستكبار.. الله حسبي.
الثعالبي
تفسير : قوله سبحانه: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ }: روي أنَّ رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم لما قال جِبْريلُ في سرد الوحْيِ: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ }، وثَبَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم قائماً، فلما قال: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ }، سكَنَ، وقوله: {أَمْرُ ٱللَّهِ }: قال فيه جمهور المفسِّرين: إِنه يريدُ القِيَامَةَ، وفيها وعيدٌ للكفَّار، وقيل: المرادُ نَصْرُ محمَّد صلى الله عليه وسلم، فَمَنْ قال: إِن الأمر القيامَةُ، قال: إِن قوله تعالى: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ}: ردٌّ على المكذِّبين بالبَعْثِ، القائلين: متَى هذا الوَعْدُ، واختلف المتأوِّلون في قوله تعالى: {يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ}، فقال مجاهدٌ: الرُّوحُ: النبوَّة، وقال ابن عباس: الرُّوحُ الوحْيُ، وقال قتادة: بالرحمةِ والوحْي، وقال الربيع بنُ أنَسٍ: كلُّ كلام اللَّه رُوحٌ، ومنه قوله تعالى: {أية : أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا}تفسير : [الشورى:52]، وقال الزَّجَّاج: الرُّوح: ما تَحْيَا به القلوبُ من هداية اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وهذا قولٌ حَسَنٌ، قال الداووديُّ، عن ابن عباس قال: الرُّوح: خَلْقٌ من خَلْق اللَّه، وأمْرٌ من أمر اللَّه عَلى صُوَرِ بني آدم، وما يَنْزِلُ من السماءِ مَلَكٌ إِلا ومعه رُوحٌ؛ كالحفيظ عليه، لا يتكلَّم ولا يراه مَلَك، ولا شيءٌ مما خَلَقَ اللَّه، وعن مجاهدٍ: الرُّوح: خَلْق من خَلْق اللَّه، لهم أيدٍ وأرجلٌ. انتهى، واللَّه أعلم بحقيقةِ ذلك، وهذا أمرٌ لا يقَالُ بالرأْيِ، فإِن صحَّ فيه شيء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَجَبَ الوقوفُ عنْده انتهى، و«مَنْ» في قوله: {مَن يَشَآءُ} هي للأنبياء. وقوله تعالى: {خَلَقَ ٱلإِنْسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ }: يريد بــ «الإِنسان» الجنْسَ، وقوله: {خَصِيمٌ } يحتملُ أنْ يريد به الكَفَرة الذين يجادلُونَ في آياتِ اللَّه؛ قاله الحسن البصريُّ، ويحتملُ أنْ يريد أعَمَّ من هذا، على أن الآية تعديدُ نعمةِ الذِّهْنِ والبَيَانِ على البَشَر.
ابن عادل
تفسير : قوله: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} في "أتَى" وجهان: أشهرهما: أنه ماضٍ لفظاً مستقبل معنى، إذ المراد به يوم القيامة، وإنَّما أبرز في صورة ما وقع وانقضى تحقيقاً له ولصدق المخبر به. والثاني: أنَّه على بابه. والمراد به مقدماته وأوائله، وهو نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: جاء أمر الله ودنا وقرب. وقال ابن عرفة: "تقول العرب: أتاك الأمرُ وهو متوقَّع بعد أي: أتى أمر الله وعداً فلا تستعجلوه وقوعاً". وقال قومٌ: المراد بالأمر ههنا عقوبة المكذِّبين والعذاب بالسيف وذلك أنَّ النَّصر بن الحارث قال: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الأنفال: 32] فاستعجل العذاب فنزلت هذه الآية، وقتل النضر يوم بدر صبراً. وقال ابن عباسٍ - رضي الله عنهما -: قوله تعالى: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ}تفسير : [القمر: 1] قال الكفار بعضهم لبعض: إنَّ هذا يزعمُ أنَّ القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتَّى [ننظر] ما هو كائن، فلما لم ينزل، قالوا: ما نرى شيئاً، [فنزل قوله تعالى] {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} تفسير : [الأنبياء: 1] فأشفقوا، فلما امتدَّت الأيام، قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوِّفنا به، فنزل قوله تعالى {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رءوسهم وظنُّوا أنها قد أتت حقيقة، فنزل قوله {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} فاطمأنُّوا. والاستعجال: طلب الشيء قبل حينه. واعلم أنَّه - صلوات الله وسلامه عليه - لمَّا كثر تهديده بعذاب الدنيا والآخرة ولم يروا شيئاً نسبوه إلى الكذب فأجابهم الله - تعالى - بقوله {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} وتقرير هذا الجواب من وجهين: أحدهما: أنه وإن لم يأتِ العذاب ذلك الوقت إلاَّ أنه واجب الوقوعِ، والشيءُ إذا كان بهذه الحالة والصِّفة فإنه يقال في الكلام المعتاد: إنه قد أتى ووقع إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع، يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها جاء الفوت. والثاني: أن يقال: إنَّ أمر الله بذلك وحكمه قد أتى وحصل ووقع، فأمَّا المحكوم به فإنَّما لم يقع، لأنَّ الله - تعالى - حكم بوقوعه في وقتٍ معينٍ فلا يخرج إلى الوجود قبل مجيء ذلك الوقت، والمعنى: أن أمر الله وحكمه بنزولِ العذاب قد وجد من الأزلِ إلى الأبدِ إلاَّ أنَّ المحكومَ إنَّما لم يحصل، لأنَّه - تعالى - خصَّص حصوله بوقتٍ معيَّنٍ {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} قبل وقته، فكأنَّ الكفار قالوا: سلَّمنا لك يا محمد صحة ما تقول: من أنَّه - تعالى - حكم بإنزال العذاب علينا إمَّا في الدنيا وإمَّا في الآخرة، إلاَّ أنا نعبد هذه الأصنام لتشفع لنا عند الله فنتخلص من العذاب المحكوم به فأجابهم الله - تعالى - بقوله {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. قوله: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} يجوز أن تكون "ما" مصدرية فلا عائد لها عند الجمهور أي: عن إشراكهم به غيره، وأن تكون موصولة اسمية. وقرأ العامة {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} بالتاء خطاباً للمؤمنين أو للكافرين وقرأ ابن جبير بالياء من تحت عائداً على الكفار أو على المؤمنين. وقرأ الأخوان "تُشْرِكُونَ" بتاء الخطاب جرياُ على الخطاب في "تَسْتَعْجِلُوهُ" والباقون بالياء عوداً على الكفار، وقرأ الأعمش وطلحة والجحدري وجم غفير بالتاء من فوق في الفعلين. قوله {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ} قد تقدم الخلاف في "يُنَزِّلُ" بالنسبة إلى التشديد والتخفيف في البقرة. وقرأ زيد بن عليٍّ والأعمش وأبو بكر عن عاصم "تُنَزَّلُ" [مشدداً] مبنيًّا للمفعول وبالتاء من فوق. "المَلائِكَةُ" رفعاً لقيامه مقام الفاعل، وقرأ الجحدري: كذلك إلا أنه خفَّف الزَّاي. وقرأ الحسن، والأعرج، وأبو العالية - رحمهم الله - عن عاصم بتاء واحدة من فوق، وتشديد الزاي مبنياً للفاعل، والأصل تتنزل بتاءين. وقرأ ابن أبي عبلة: "نُنَزِّلُ" بنونين وتشديد الزَّاي "المَلائِكةَ" نصباً، وقتادة كذلك إلاَّ أنَّه بالتخفيف. قال ابن عطية: "وفيهما شذوذٌ كبيرٌ" ولم يبين وجه ذلك. ووجهه أنَّ ما قبله وما بعده ضمير غائبٌ، وتخريجه على الالتفات. قوله: "بِالرُّوحِ" يجوز أن يكون متعلقاً بنفس الإنزالِ، وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال من الملائكة، أي: ومعهم الروحُ. قوله "مِنْ أمْرهِ" حال من الروح، و "مِنْ" إمَّا لبيانِ الجنس، وإما للتبعيض. قوله "أنْ أنْذِرُوا" في "أنْ" ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنَّها المفسرة؛ لأن الوحي فيه ضرب من [القول]، والإنزال بالروح عبارةٌ عن الوحي؛ قال تعالى: {أية : وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52] وقال: {أية : يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}تفسير : [غافر: 15]. الثاني: أنها المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، تقديره: أنَّ الشأن أقول لكم: أنه لا إله إلا أنا، قاله الزمخشري. الثالث: أنها المصدرية التي من شأنها نصب المضارع، ووصلت بالأمر؛ كقولهم: كتبت إليه بأن قُمْ، وتقدم البحث فيه. فإن قلنا: إنَّها المفسرة فلا محلَّ لها، وإن قلنا: إنها المخففة، أو الناصبة ففي محلّها ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنَّها مجرورة المحل بدلاً من "الرُّوحِ" لأنَّ التوحيد روحٌ تحيا به النفوس. الثاني: أنَّها في محل جرٍّ على إسقاطِ الخافض؛ كما هو مذهب الخليل. الثالث: أنَّها في محلِّ نصبٍ على إسقاطه؛ وهو مذهب سيبويه. والأصل: بأن أنذروا؛ فلما حذف الجار جرى الخلاف المشهور. قوله: {أَنَّهُ لآ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ} هو مفعول الإنذار، والإنذار قد يكون بمعنى الإعلام؛ يقال: أنْذرتهُ، وأنْذَرتهُ بكذا، أي: أعلموهم بالتوحيد. وقوله: "فاتَّقُونِ" التفاتٌ إلى التكلم بعد الغيبة. فصل وجه النَّظم: أنَّ الله - تعالى - لما أجاب الكفار عن شبهتهم؛ تنزيهاً لنفسه - سبحانه وتعالى - عما يشركون؛ فكأنَّ الكفار قالوا: هب أنَّ الله قضى على بعض عبيده بالشرِّ، وعلى آخرين بالخير، ولكن كيف يمكنك أن تعرف هذه الأمور التي لا يعلمها إلا الله؟ وكيف صرت بحيث تعرف أسرار الله وأحكامه في ملكه وملكوته؟. فأجاب الله - تعالى - بقوله: {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لآ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ} وتقرير هذا الجواب: أنَّه - تعالى - ينزل الملائكة على من يشاء من عباده، ويأمر ذلك العبد أن يبلغ إلى سائر الخلق أن إله الخلق كلفهم بالتوحيد، وبالعبادة، وبين لهم أنَّهم إن فعلوا، فازوا بخيرِ الدنيا والآخرة، فهذا الطريق ضربٌ مخصوصٌ بهذه المعارف من دون سائر الخلق. فصل روى عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: يريد بـ "المَلائِكة" جبريل وحده. وقال الواحديُّ: يسمَّى الواحد بالجمع؛ إذا كان ذلك الواحد رئيساً مقدَّماً جائز، كقوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَا} تفسير : [القمر: 19]، و {أية : إنَّآ أَنزَلْنَا} تفسير : [النساء: 105]، و {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا} تفسير : [الحجر: 9]. والمراد بالروح الوحي كما تقدم، وقيل: المراد بالروح هنا النبوة، وقال قتادة رحمه الله تعالى: الرحمة، وقال أبو عبيدة: إنَّ الروح ههنا جبريل عليه السلام. والباءُ في قوله "بِالرُّوحِ" بمعنى "مع" كقولهم: "خَرجَ فلانٌ بِثيَابهِ" أي: ومعه ثيابهُ. والمعنى: نُنزِّلُ الملائكة مع الروح؛ وهو جبريل، وتقرير هذا الوجه: أنَّه - تعالى - ما أنزل على محمدٍ - صلوات الله وسلامه عليه - جبريل وحدهُ في أكثر الحوالِ؛ بل كان يُنزِّلُ مع جبريل - عليه السلام - أقواماً من الملائكة؛ كما في يوم بدرٍ، وفي كثيرٍ من الغزواتِ، وكان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة ملك الجبال، وتارة ملك البحار، وتارة رضوان، وتارة غيرهم. وقوله "مِنْ أمْرهِ" أي أنَّ ذلك النُّزُولَ لا يكون إلا بأمر الله؛ كقوله: {أية : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} تفسير : [مريم: 64] وقوله تعالى: {أية : وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 27]، وقوله: {أية : وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6]. وقوله: {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} يريد الأنبياء المخصوصين برسالته: "أنْ أنْذِرُوا" قال الزجاج: "أنْ" بدلٌ من "الرُّوحِ". والمعنى: ينزِّل الملائكة بأن أنذروا، أي: أعلموا الخلائق، أنَّه لا إله إلا أنا، والإنذار هو الإعلامُ مع التخويف. "فاتَّقُون" فخافون. يروى أن جبريل - صلوات الله وسلامه عليه - نزل على آدم - عليه الصلاة والسلام - اثنتي عشرة مرة، وعلى إدريس أربع مراتٍ، وعلى نوح - عليه الصلاة والسلام - خمسين مرَّة، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة وعلى موسى أربع مرات، وعلى عيسى عشر مراتٍ، وعلى محمدٍ صلى الله عليه وسلم وعلى سائر الأنبياء أربعة وعشرين ألف مرَّةٍ.
البقاعي
تفسير : {بسم الله} المحيط بدائرة الكمال ما شاء فعل {الرحمن} الذي عمت نعمته جليل خلقه وحقيره وصغيره وكبيره {الرحيم *} الذي خص من شاء بنعمة النجاة مما يسخطه بما يرضاه. لما ختم الحجر بالإشارة إلى إتيان اليقين، وهو صالح لموت الكل، ولكشف الغطاء بإتيان ما يوعدون مما يستعجلون به استهزاء من العذاب في الآخرة بعد ما يلقون في الدنيا، ابتدأ هذه بمثل ذلك سواء، غير أنه ختم تلك باسم الرب المفهم للإحسان لطفاً بالمخاطب، وافتتح هذه باسم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء لأن ذلك أليق بمقام التهديد، ولما ستعرفه من المعاني المتنوعة في أثناء السورة، وسيكرر هذا الاسم فيها تكريراً تعلم منه صحة هذه الدعوى، وعبر عن الآتي بالماضي إشارة إلى تحققه تحقق ما وقع ومضى، وإلى أن كل آتٍ ولا بد قريب، فقال تعالى: {أتى أمر الله} أي الملك الأعظم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، بما يذل الأعداء، ويعز الأولياء، ويشفي صدورهم، ويقر أعينهم. ولما كانت العجلة نقصاً، قال مسبباً عن هذا الإخبار: {فلا تستعجلوه} أيها الأعداء استهزاء، وأيها الأولياء استكفاء واستشفاء، وذلك مثل ما أفهمه العطف في قوله تعالى { وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} كما تقدم؛ والضمير يجوز أن يكون لله وأن يكون للأمر. ولما كان الجزم بالأمور المستقبلة لا يليق إلا عند نفوذ الأمر، ولا نفوذ إلا لمن لا كفوء له، وكانت العجلة - وهي الإتيان بالشيء قبل حينه الأولى به - نقصاً ظاهراً لا يحمل عليها إلا في ضيق الفطن، وكان التأخير لا يكون إلا عن منازع مشارك، نزه نفسه سبحانه تنزيهاً مطلقاً جامعاً بقوله تعالى: {سبحانه} أي تنزه عن الاستعجال وعن جميع صفات النقص {وتعالى} أي تعالياً عظيماً جداً {عما يشركون *} أي يدعون أنه شريك له، فلا مانع مما يريد فعله، وساقه في غير قراءة حمزة والكسائي - في أسلوب الغيبة، إظهاراً للإعراض الدال على شدة الغضب، وهي ناظرة إلى قوله آخر التي قبلها { أية : وأعرض عن المشركين}تفسير : [ الحجر:94] وقوله: { أية : الذين يجعلون مع الله إلهاً ءاخر} تفسير : [ الحجر:96] وقد آل الأمر في نظم الآية إلى أن صار كأنه قيل: إنه لا يعجل لأنه منزه عن النقص، ولا بد من إنفاذ أمره لأنه متعالٍ عن الكفوء؛ أو يقال: لا تستعجلوه لأنه تنزه عن النقص فلا يجعل، وتعالى عن أن يكون له كفوء يدفع ما يريد فلا بد من وقوعه، فهي واقعة موقع التعليل لصدر الآية كما أن صدر الآية تعليل لآخر سورة الحجر. ولما تقرر بذلك تنزهه عن كل نقص: شرك وغيره، شرع يصف نفسه سبحانه بصفات الكمال من الأمر والخلق، ولما كان الأمر أقدم وأعلى، بدأ به، ولما كان من أمره إنزال الملائكة على الصورة التي طلبوها في قولهم{ أية : لو ما تأتينا بالملائكة} تفسير : [ الحجر:7] وقص عليهم في سورة إبراهيم ولوط عليهما السلام ما يترتب على إنزالهم مجتمعين، وفهم منه أن لهم في نزولهم حالة أخرى لا تنكرها الرسل، وهي حالة الإتيان إليهم بالعلم الذي نسبته إلى الأرواح نسبة الأرواح إلى الأشباح، وكان ذلك ربما أثار لهم اعتراضاً يطلبون به الفرق بينهم وبين الرسل في إنزالهم عليهم دونهم - كما تقدم في الحجر، وكان ما يشركون به لا تصرف له أصلاً بإنزال ولا غيره، قال تعالى مشيراً إلى ذلك وإلى أن الوحي بواسطة الملك، وأن النبوة عطائية لا كسبية: {ينزل الملائكة} الذين هم الملأ الأعلى {بالروح} أي المعنى الأعظم الذي هو للأرواح بمنزلة الأرواح للأشباح {من أمره} الذي هو كلامه المشتمل على الأمر والنهي { ألا له الخلق والأمر} وهو مما تميز به لحقيته وإعجازه عن جميع المخلوقات، فكيف بما لا يعقل منها كالأصنام! {على ما يشاء من عباده} دون بعض، لأن ذلك نتيجة فعله بالاختيار، وأبدل من الروح أو فسر الإنزال بالوحي لأنه متضمن معنى القول فقال: {أن أنذروا} أي الناس سطواتي، فإنها لا محالة نازلة بمن أريد إنزالها به، بسبب {أنه لا إله إلا أنا} وعبر بضمير المتكلم لأنه أدل على المراد لكونه أعرف؛ وسبب عن وحدانيته التي هي منتهى كمال القوة العلمية قوله آمراً بما هو أقصى كمال القوة العملية: {فاتقون *} أي فليشتد خوفكم مني وأخذكم لما يكون وقاية لكم من عذابي، فإنه لا مانع مما أريد، فمن علمت أنه أهل للنقمة أنزلتها به، ومن علمته أهلاً لتلقي الروح منحته إياه. ولما وحد نفسه، دل على ذلك بقوله، شارحاً لإيجاده أصول العالم وفروعه على وجه الحكمة: {خلق السماوات} أي التي هي السقف المظل {والأرض} أي التي هي البساط المقل {بالحق} أي بالأمر المحقق الثابت، لا بالتمويه والتخييل { ألا له الخلق والأمر}. ولما كان ذلك من صفات الكمال المستلزمة لنفي النقائص، وكان قاطعاً في التنزه عن الشريك، لأنه لو كان، لزم إمكان الممانعة، فلزم العجز عن المراد، أو وجود الضدين المرادين لهما، وكل منهما محال، فإمكان الشريك محال، ولأنهما وكل ما فيهما ملكه وفي تصرفه، لا نزاع لمن أثبت الإله في ذلك، تلاه بقوله - نتيجة لذلك دالة على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام: {تعالى} أي تعالياً فات الوصف {عما يشركون *} - عرياً عن افتتاحه بالتنزيه كالأولى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة النحل بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج النحاس من طريق مجاهد، عن ابن عباس قال: سورة النحل نزلت بمكة سوى ثلاث آيات من آخرها فانهن نزلن بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت {أتى أمر الله} ذعر أصحاب رسول الله، حتى نزلت {فلا تستعجلوه} فسكنوا. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن أبي بكر بن حفص قال: لما نزلت {أتى أمر الله} قاموا فنزلت {فلا تستعجلوه}. وأخرج ابن مردويه من طريق الضحاك، عن ابن عباس {أتى أمر الله} قال: خروج محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير حديث : عن أبي بن كعب قال: دخلت المسجد فصليت فقرأت سورة النحل، وجاء رجلان فقرآ خلاف قراءتنا، فأخذت بأيديهما فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: "يا رسول الله، استقرئ هذين فقرأ أحدهما فقال: أصبت. ثم استقرأ الآخر فقال: أصبت. فدخل قلبي أشدّ مما كان في الجاهلية من الشك والتكذيب، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري فقال: أعاذك الله من الشك والشيطان. فتصببت عرقاً، قال: أتاني جبريل فقال: اقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت: إن أمتي لا تستطيع ذلك، حتى قال: سبع مرات. فقال لي: اقرأ على سبعة أحرف، بكل ردة رددتها مسألة ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج قال: لما نزلت هذه الآية {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} قال رجال من المنافقين بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن أمر الله قد أتى فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل. فنزلت {اقترب للناس حسابهم....} الآية. فقالوا: إن هذا يزعم مثلها أيضاً، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل شيء، فنزلت {أية : ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة....} تفسير : [هود: 8] الآية. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء حتى تملأ السماء، ثم ينادي مناد: يا أيها الناس، فيقبل الناس بعضهم على بعض: هل سمعتم؟ فمنهم من يقول: نعم. ومنهم من يشك. ثم ينادي الثانية: يا أيها الناس، فيقول الناس: هل سمعتم؟ فيقولون: نعم. ثم ينادي: أيها الناس {أتى أمر الله فلا تستعجلوه}" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فوالذي نفسي بيده، إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه، وإن الرجل ليملأ حوضه فما يسقي فيه شيئاً، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه ويشغل الناس" ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} قال: الأحكام والحدود والفرائض. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {ينزل الملائكة بالروح} قال: بالوحي. وأخرج آدم بن أبي أياس وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس قال: {الروح} أمر من أمر الله وخلق من خلق الله، وصورهم على صورة بني آدم. وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح، ثم تلا {أية : يوم يقوم الروح والملائكة صفاً}تفسير : [النبأ: 38]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن مجاهد في قوله {ينزل الملائكة بالروح من أمره} قال: إنه لا ينزل ملك إلا ومعه روح كالحفيظ عليه، لا يتكلم ولا يراه ملك ولا شيء مما خلق الله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {ينزل الملائكة بالروح من أمره} قال: بالوحي والرحمة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله {ينزل الملائكة بالروح} قال: بالنبوة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن الضحاك في قوله {ينزل الملائكة بالروح} قال: القرآن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الربيع بن أنس في قوله {ينزل الملائكة بالروح} قال: كل شيء تكلم به ربنا فهو روح {من أمره} قال: بالرحمة والوحي على من يشاء من عباده، فيصطفي منهم رسلاً. {أن أنذروا أنه لا اله إلا أنا فاتقون} قال: بها بعث الله المرسلين أن يوحد الله وحده، ويطاع أمره ويجتنب سخطه. وأخرج ابن سعد وأحمد وابن ماجة والحاكم وصححه، عن يسر بن جحاش قال: حديث : بصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كفه ثم قال:"يقول الله أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سوّيتك فعدلتك مشيت بين برديك، وللأرض منك وئيد. فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: أتصدق وأنى أوان الصدقة".
ابو السعود
تفسير : سورة النحل مكية إلا {وإن عاقبتم} إلى آخرها وهي مائة وثمان وعشرون آية {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي الساعةُ أو ما يعُمها وغيرَها من العذاب الموعود للكفرة، عبّر عن ذلك بأمر الله للتفخيم والتهويل وللإيذان بأن تحققَه في نفسه وإتيانِه منوطٌ بحكمه النافذِ وقضائِه الغالب، وإتيانُه عبارةٌ عن دنوّه واقترابِه على طريقة نظمِ المتوقَّعِ في سلك الواقع، أو عن إتيان مباديه القريبةِ على نهج إسنادِ حال الأسبابِ إلى المسبَّبات. وأياً ما كان ففيه تنبـيهٌ على كمال قربِه من الوقوع واتصالِه وتكميلٌ لحسن موقع التفريعِ في قوله عز وجل: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} فإن النهيَ عن استعجال الشيءِ وإن صح تفريعُه على قرب وقوعِه أو على وقوع أسبابه القريبة لكنه ليس بمثابة تفريعِه على وقوعه، إذ بالوقوع يستحيل الاستعجالُ رأساً لا بما ذكر من قرب وقوعِه ووقوعِ مباديه، والخطابُ للكفرة خاصة كما يدل عليه القراءةُ على صيغة نهي الغائبِ، واستعجالُهم وإن كان بطريق الاستهزاءِ، لكنه حُمل على الحقيقة ونُهوا عنه بضرب من التهكم لا مع المؤمنين، سواءٌ أريد بأمر الله ما ذُكر أو العذابُ الموعود للكفرة خاصة، أما الأولُ فلأنه يتصور من المؤمنين استعجالُ الساعة أو ما يعمها وغيرَها من العذاب حتى يعمهم النهيُ عنه، وأما الثاني فلأن استعجالَهم له بطريق الحقيقةِ واستعجالَ الكفرة بطريق الاستهزاءِ كما عرَفْته فلا ينتظمُهما صيغةٌ واحدة، والالتجاءُ إلى إرادة معنىً مجازيَ يعمهما معاً من غير أن يكون هناك رعايةُ نكتة سرّية تعسفٌ لا يليق بشأن التنزيلِ الجليلِ، وما روي من أنه لما نزلت {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ}، قال الكفار فيما بـينهم: إن هذا يزعُم أن القيامة قد قرُبت، فأمسِكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائنٌ، فلما تأخّرت قالوا: ما نرى شيئاً فنزلت { أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ} تفسير : [الأنبياء: 1] فأشفقوا وانتظروا قُربها، فلما امتدت الأيامُ قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} فوثب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فرفع الناسُ رؤوسَهم فلما نزل {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} اطمأنوا، فليس فيه دِلالةٌ على عموم الخطاب كما قيل لا لما تُوهم من أن التصديرَ بالفاء يأباه، فإنه بمعزل عن إبائه حسبما تحققْتَه بل لأن مناطَ اطمئنانِهم إنما هو وقوفُهم، على أن المرادَ بالإتيان هو الإتيانُ الادّعائي لا الحقيقيُّ الموجبُ لاستحالة الاستعجالِ المستلزِمةِ لامتناع النهي عنه، لِما أن النهيَ عن الشيء يقتضي إمكانَه في الجملة، ومدار ذلك الوقوف إنما هو النهي عن الاستعجال المستلزمِ لإمكانه المقتضي لعدم وقوعِ المستعجَل بعدُ، ولا يختلف ذلك باختلاف المستعجِل كائناً مَنْ كان بل فيه دَلالةٌ واضحة على عدم العمومِ لأن المراد بأمر الله إنما هو الساعةُ، وقد عرفت استحالةَ صدور استعجالِها عن المؤمنين، نعم يجوز تخصيصُ الخطاب بهم على تقدير كونِ أمر الله عبارةً عن العذاب الموعودِ للكفرة خاصة، لكن الذي يقضي به الإعجازُ التنزيليُّ أنه خاصٌّ بالكفرة كما ستقف عليه، ولمّا كان استعجالُهم ذلك من نتائج إشراكِهم المستتبعِ لنسبة الله عز وجل إلى ما لا يليق به من العجز والاحتياج إلى الغير، واعتقادِ أن أحداً يحجُزه عن إنجاز وعدِه وإمضاء وعيدِه، وقد قالوا في تضاعيفه: إن صح مجيءُ العذاب فالأصنامُ تخلّصنا عنه بشفاعتها، رُدَّ ذلك فقيل بطريق الاستئناف: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزه وتقدّس بذاته وجل عن إشراكهم المؤدِّي إلى صدور أمثالِ هذه الأباطيلِ عنهم، أو عن أن يكون له شريكٌ فيدفعَ ما أراد بهم بوجه من الوجوه، وصيغةُ الاستقبالِ للدلالة على تجدد إشراكِهم واستمرارِه، والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان باقتضاء ذكرِ قبائحِهم للإعراض عنهم وطرحِهم عن رتبة الخطاب، وحكايةِ شنائعهم لغيرهم، وعلى تقدير تخصيصِ الخطابِ بالمؤمنين تفوت هذه النُّكتةُ كما يفوت ارتباطُ المنهيِّ عنه، وقُرىء على صيغة الخطاب.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} [الآية: 1]. قال بعضهم: هل رأيتم أمرًا من الأمور إلا بأمر الله وهل رأيتم وجدًا وفقدًا إلا به -لا تعجلوا بطلب الفرج فإن النصر مع الصبر. قال بعضهم: ظهر كرامات الله تعالى من هو لها أهل فلا ينكروا ذلك وهو الحق، أو يعجزوه فى إظهار كرامةٍ على عبد من عبيده. قال النصرآباذى: أوامر الحق شتى منها أمر على الظاهر من الترسم بالعبادات، وأمر على الباطن من دوام المراعاة، وأمر على القلب بدوام المراقبة، وأمر على البر بملازمة المشاهدة، وأمر على الروح بلزوم الحضرة، هذا ومعنى قوله: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ}.
القشيري
تفسير : صيغة أتى للماضي، والمراد منه الاستقبال لأنه بشأن ما كانوا يستعجلونه من أمر الساعة، والمعنى "سيأتي" أمر القيامة، والكائناتُ كلُّها والحادثات بأَسْرِها من جملة أمره؛ أي حصل أمرُ تكوينه وهو أمر من أموره لأنه حاصلٌ بتقديره وتيسيره، وقَضَائه وتدبيره؛ فما يحصل من خير وشرِّ، ونفع وضرِّ، وحلو ومُرِّ. فذلك من جملة أمره تعالى. {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} وأصحاب التوحيد لا يستعجلون شيئاً باختيارهم لأنهم قد سقطت عنهم الإرادات والمطالبات، وهم خامدون تحت جريان تصريف الأقدار؛ فليس لهم إيثار ولا اختيار فلا يستعجلون أمراً، وإذا أَمَّلوا شيئاً، أو أُخْبِروا بحصول شيءٍ فلا استعجال لهم، بل شأنهم التأنِّي والثباتُ والسكونُ، وإذا بَدَا من التقدير حُكمٌ فلا استعجالَ لهم لما يَرِدُ عليهم، بل يتقبلون مفاجأةَ التقدير بوجهٍ ضاحك، ويستقبلون ما يبدو من الغيب من الردِّ والقبول، والمنع والفتوح بوصف الرضاء، ويحمدون الحق - سبحانه وتعالى - على ذلك. {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}: تعالى عما يشركون بربهم، والكفار لم ييسر لهم حتى أَنَّه لا سكَنَ لقلوبهم من حديثه.
البقلي
تفسير : {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} الاشارة فى اتيان الامر الالهى انه تعالى كان قديما موصوفا بالارادة القديمة والعلم القديم وفى الارادة والعلم كان كون العالم والعالمين فتقاضى سر الارادة كون الوجود فكوَّن الحق الكون بامره القديم الذى كان فى نفسه فوقع الامر منه بغير زمان ومكان فصدر الكون من الامر بما كان فى ارادته وعلمه فكون ذلك ابد الابدين بغير سوال من الغير ولا انتظار ولا تعجيل فان الامر قائم به والمامور معلق به وجف القلم بما هو كائن فاذا سقط السؤال والعجلة اذهما صفتا جاهل بالله وبامره ولو كان الامر ياتى جراد الحدثان لكان نقصا فى الوحدانية لذلك نزه نفسه عن ذلك النقص بقوله {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} يا ايها الفهم الامر منه صفة قديمة قائمة ابدية وهو تعالى قائم === بجميع ذاته وصفاته ظهر حيث ما غاب ظهر لنفسه بنفسه من الازل الى الابد فما معنى الاتيان الامر والامر قد اتى فى القدم من القدم لكن ظهر بالارادة للقدم لكون وجود الحدث فالاستعجال لمعنى غير قائم فامره قائم قبل وجود العالم واشارة المعرفة ان العارف الصادق العاشق الشايق ابدا يستعجل اتيان المقامات والواردات وكشوف المشاهدات من كمال شوقهم الى لقائه كانه قال سبحانه ان هذه يتعلق باختصاصه وقد اتى هذه الخاصيّة بغير سبب ولا علة كان فى الازل مشتاق اليكم قد خصَّكم بولايته قبل وجودكم فما معنى الاستعجال قال بعضهم هل رايتم امر من الامور الا بامره وهل رايتم وحدا او فقد الا به لا تعجلوا بطلب الفرج فان النصر مع الصبر قال النصرابادى اوامر الحق شتى بالعبادات مر على الظاهر من الترسم وامر على الباطن من دوام المراعات وامر على القلب بدوام المراتب وامر على السير بملازمة المشاهدة وامر على الروح بلزوم الحضرة فهذا معنى قوله اتى امر الله فلا تستعجلوه قال الاستاد اصحاب التوحيد لا يستقبلون شيئًا باختيارهم لانه سقط منهم الارادات والمطالبات فهم خامدون تحت جريان تصاريف الاقدار فليس لهم ايثار ولا اختيار ومن خاصيّته لاولياءه القاء الهام فى قلوبهم بواسطة الملائكة بقوله {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} مقامات الوحى فنون فبعضها وحى الذات وبعضها وحى الصفات وبعضها وحى الفعل ومنه لمّات الملك وما ياتى به من الوحى يكون على مراتب ارباب القلوب فوحى فى مقام العبودية ووحى فى قرآن الحق من الباطل او تخويف من الفراق او بشارة لنيل الوصال او تعريف لاسرار عيوب النفس ومداولتها ودفع مكائد الشيطان وردّ وسواسه او تربية العقل بالتكفر او تربية القلب بالذكر او لتصفية السر بنور الفراسة وخبر من الغيب الكائن من وقوع المقدرات ما يختفى فى الضمائر والسرائر وخبر عن وقوع كشف عالم الملكوت او خبر عن اختصاص الربانية من لمعان انوار الذات والصفات فالملائكة يخبرون ارباب القلوب من اسرار ما وصفنا ومخاطبتهم مع القلوب الا ترى كيف قال تعالى نزل به الروح الامين على قلبك واما وحى الصفاتى يكون بانواع على مراتب الصفات تخاطب الارواح على قدر سيرها فى عالمها واما وحى الذات يكون مع الاسرار وهناك يتزلزل الصفات ويتغير الافعال تضمحل الرسوم وتسقط الوسائط يحدث فى السر بالسر للسر ويظهر للسر ما فى السر قال عليه السّلام ان فى امتى محدَّثين ومكلمين وان عمر منهم فالمحدثون الذين يتحدث معهم الملائكة والمكلمون الذين يكلمهم الله ويجوز ان يحدثهم الله وبيان قوله سبحانه تنزل الملائكة بالروح من امره الروح الوحى الالهى سماه بالروح لانه كلامه صدر من ذاته وهو حياة قلوب الصديقين من المكلمين والمحدثين وهو سبب حياة قلوب المؤمنين يحييهم بعلمه من موت الجهالة بخبر الاولياء من وحيه ما يهذب قلوب السامعين وهو توحيده ووصف عظمته وكبريائه ليسقط عنهم الخيال ولزول عن قلوبهم المحال بقوله {أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ} خوّفوا الخلق من الخواطر الردية الممزوجة بالنظر الى غيرى وخوفوهم من عظم جلالى ونعوتى الشاملة على كل اسرار واخطار قال بعضهم من انذر وخذّر فقد قام مقام الانبياء ربما ياتى امره بالبلاء وربما ياتى امره بالرحمة فالصبر فى الاوقات والرضا بامر الله وذلك لكل اداب حفيظ لحفظ اوقاته ولا يضيع ايامه قال ابن عطا المحدث من العباد من يكلمه الملك فى سره ويطلعه على خصائص الوجود ويفتح لروحه طريقا الى الاشراف على الموت قال الله ينزل الملائكة بالروح من امره قال الاستاد فى قوله ينزل الملائكة بالروح على الانبياء بالوحى والرسالة وعلى اسرار باب التوحيد وهم المحدثون فالتعريف للاولياء من حيث الالهام والخواطر وانزال الملائكة على قلوبهم غير مسدود ولكنهم لا يومرون ان يتكلموا بذلك ولا يحملون رسالة الى الخلق.
اسماعيل حقي
تفسير : {أتى امر الله} روى ان كفار قريش كانوا يستبطئون نزول العذاب الموعود لهم سخرية بالنبي عليه السلام وتكذيباً للوعد ويقولون ان صح ما يقولون من مجيء العذاب فالاصنام تشفع لنا وتخلصنا منه فنزلت * وامر الله هو العذاب الموعود لان تحققه منوط بحكمه النافذ وقضائه الغالب واتيانه عبارة عن دنوه واتقرابه على طريقة نظم المتوقع في سلك الواقع وقد وقع يوم بدر. والمعنى دنا واقترب ما وعدتم به ايها الكفرة {فلا تستعجلوه} اى امر الله ووقعوه اذلا خير لكم فيه ولا خلاص لكم منه واستعجالهم وان كان بطريق الاستهزاء لكنه حمل على الحقيقة ونهوا عنه بضرب من التهكم والاستعجال طلب الشئ قبل حينه {سبحانه} [يا كست خداى}{وتعالى} [وبرثرست] {عما يشركون} اى تبرأ وتقدس بذاته على ان يكون له شريك فيدفع ما اراد بهم بوجه من الوجوه ولما كان المنزه للذات الجليلة هو نفس الذات آل التنزيه الى معنى التبرى * وقال ابن عباس رضى الله عنهما لما انزل الله تعالى {أية : اقتربت الساعة وانشق القمر}تفسير : قال الكفار بعضهم لبعض ان هذا يزعم ان القيامة قد قربت فامسكوا بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر ما هو كائن فلما رأوا انه لا ينزل شئ قالوا ما نرى شيئًا فانزل {أية : اقترب للناس حسابهم}تفسير : الآية فاشفقوا وانتظروا قرب الساعة فلما امتدت الايام قالوا يا محمد ما نرى شيئًا مما تخوفنا به فانزل الله تعالى {اتى امر الله} فوثب النبي عليه السلام قائما مخافة الساعة وحذر الناس من قيامها ورفع الناس رؤسهم فنزل {فلا تسعجلوه} اى لا تطلبوا الامر قبل حينه فاطمأنوا وجلس النبى عليه السلام بعد قيامه وليس في هذه الرواية استعجال المؤمنين بل خوفهم وظنهم ثم ان الاستعجال بها لا يوصف به المؤمنون قال الله تعالى {أية : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها}تفسير : بل الظاهر انهم لما سمعوا اول الآية اضطربوا لظن انه وقع ثم لما سمعوا خطاب الكفار بقوله فلا تستعجلوه اطمأنوا كما في حواشى سعدى المفتى * ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : بعثت انا والساعة كهاتين"تفسير : يعني اصبعيه المسبحة والوسطى معناه ان ما بينى وبين الساعة بالنسبة الى ما مضى من الزمان مقدار فضل الوسطى على المسبحة شبه القرب الزمانى بالقرب المساحى لتصوير غاية قرب الساعة وفى حديث آخر "حديث : مثلى ومثل الساعة كفرسى رهان"تفسير : قال فى القاموس كفرسى رهان يضرب للاثنين يسبقان الى غاية فيستويان وهذا التشبيه فى الابتداء لان الغاية تجلى عن السابق لا محالة انتهى. والاشارة الى ان قوله تعالى {اتى امر الله فلا تستعجلوه} كلام قديم كان الله فى الازل به متكلما والمخاطبون به بعد فى العدم محبوسون وهم طبقات ثلاث منهم الغافلون والعاقلون والعاشقون فكان الخطاب مع الغافلين بالعتاب اذ كانوا مشتاقين الى الدنيا وزخارفها ولذاتها وشهواتها وهم اصحاب النفوس شعر : نفس اكرجه زير كست وخرده دان قبله اش دنياست اورا مرده دان تفسير : والخطاب مع العاقلين بوعد الثواب اذ كانوا مشتاقين الى الطاعات والعبادات والاعمال الصالحات التى تبلغهم الى الجنة ونعيمها الباقية وهم ارباب العقول شعر : نصبيب ماست بهشت اى خداشناس برو كه مستحق كرامت كنا هكارانند تفسير : والخطاب مع العاشقين بوصلة رب الارباب اذ كانوا مستاقين الى مشاهدة جمال ذى الجلال شعر : جه سود ازروزن جنت اكر شيرين معاذ الله زكوى خود درى در روضه فرهاد نكشايد تفسير : فاستعجل ارواح كل طبقة منهم للخروج من العدم الى الوجود لنيل المقصود وطلب المفقود فتكلم الله فى الازل بقوله {اتى امر الله} اى سيأتى امر الله للخروج من العدم لاصابة ما كتب لكل طبقة منكم فى القسمة الازلية {فلا تستعجلوه} فانه لا يفوتكم يدل عليه قوله تعالى {وآتاكم من كل ما سألتموه} اى في العدم وهو يسمع خفيات اسراركم ويبر خفيات سرائركم المعدومة {سبحانه وتعالى عما يشركون} اى هو منزه فى ذاته ومتعال فى صفاته ان يكون له شريك يعمل عمله او شبيه يكون بدله شعر : قهار بى منازع وغفار بى ملال ديان بى معادل وسلطان بى سباه باغير او اضافت شاهى بود جنانك بريك دوجوب باره زشطرنج نام شاه
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {أتى أمرُ الله} أي: البعث والحساب. وعبّر بالماضي؛ لتحقق وقوعه، أو: ثبت أمره وقضاؤه، وقد جفّ القلم بما يكون لا عن سؤال واستعجال، وتدبير من الخلق، ولو كان كذلك لنافى انفراده بتدبير ملكه، ولذلك نزّه نفسه بقوله: {سبحانه وتعالى عما يشركون}. أو: إهلاك الله إياهم يوم بدر، وكانوا يستعجلون ما أوعدهم الرسول من قيام الساعة، وإهلاكهم ونصره عليهم، استهزاء وتكذيباً؛ ولذلك قال: {فلا تستعجلوه}، والمعنى: أن الأمر الموعود به بمنزلة الماضي، لتحقّق وقوعه من حيث إنه واجب الوقوع؛ فلا تستعجلوا وقوعه، فإنه لا خير لكم فيه، ولا خلاص لكم منه. ورُوِيَ لمّا نزل قوله: {أتى أمر الله}، وثب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قائماً، ورفع الناس رؤوسهم، فلما قال: {فلا تستعجلوه}، سكن. وكان المشركون يقولون: إن صح ما يقول محمد من قيام الساعة، فالأصنام تشفع لنا وتخلصنا، فقال تعالى: {سبحانه وتعالى عما يشركون} أي: تنزه وجلَّ عن أن يكون له شريك، فيدفع ما أراد بهم. هـ. وقرأ الأخوان بالخطاب، على وفق قوله: {فلا تستعجلوه} ، والباقون بالغيب، على تلوين الخطاب، أو على أن الخطاب للمؤمنين، أي: أتى أمر الله أيها المؤمنون فلا تستعجلوه، سبحانه وتعالى عما يشركه به المشركون. أو: لهم ولغيرهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا أشرق نورُ اليقين في صميم القلوب تحقق وقوع ما وعد الله به من أمر الغيوب، فصار الماضي آتياً، والمستقبل واقعًا. وفي الحكم: "لو أشرق نور اليقين في قلبك، لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها، ولرأيت الدنيا وكسفةُ الفناء ظاهرةٌ عليها". وكذلك المقادير المستقبلة والمواعيد الغيبية، كلها عند أهل اليقين محققة الوقوع، واجبة الحصول، ينتظرون وقوعها في مواقيتها، شيئًا فشيئًا، ويتلقونها بالمعرفة والأدب؛ فإن كانت جلالية فبالرضى والتسليم، وإن كانت جمالية فبالحمد والشكر، هكذا نظرهم دائمًا إلى ما يبرز من عنصر القدرة، ليس لهم وقت دون ما هم فيه، ولا أمل دون ما أقامهم الحق تعالى فيه، ليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار، ولا يستعجلون ما تأخر وقوعه من أقداره، ولا يشركون مع الله في تدبيره واختياره. قد هجم عليهم اليقين، فهم، في عموم أوقاتهم، مستغرقون في شهود المحبوب، غائبون عن كل مرغوب ومطلوب، سوى شهود وجه المحبوب، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. آمين. وسبب وجود هذا في قلوبهم حياة روحهم بالإيمان التام
الطوسي
تفسير : قرأ نافع وعاصم وابو عمرو {يشركون} بالياء. وقرأ ابن عامر وابن كثير مثل ذلك. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء. من قرأ بالتاء، فلقوله {فلا تستعجلوه} فرد الخطاب الثاني الى الأول. ومن قرأ بالياء قال لان الله أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم فقال محمد تنزيها لله {سبحانه وتعالى عما يشركون}. وقرأ سعيد بن جبير {أتى أمر الله، فلا تستعجلوه}. وروي عن عباس انه قال: المشركون قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ائتنا بعذاب الله ان كنت من الصادقين، فقال الله تعالى {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} وانما قال {أتى أمر الله} ولم يقل يأتي، لان الله تعالى قرّب الساعة، فجعلها كلمح البصر، فقال {أية : وما أمر الساعة إِلاَّ كلمح البصر أو هو أقرب}تفسير : وقال {أية : اقتربت الساعة}تفسير : وكل ما هو آت قريب، فعبر بلفظ الماضي ليكون أبلغ في الموعظة، وإِن كان قوله {فلا تستعجلوه} يدل على أنه في معنى يأتي، وأمر الله يراد به العذاب - في قول الحسن وابن جريح وغيرهما - وقال الضحاك: معناه فرائضه واحكامه. وقال الجبائي: امره القيامة والأول أصح، لانهم استعجلوا عذابه دون غيره. والتسبيح في اللغة ينقسم أربعة أقسام: احدها - التنزيه مثل قوله {أية : سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً}تفسير : وقال الشاعر: شعر : أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر تفسير : والثاني - معنى الاستثناء كقوله {أية : لولا تسبحون}تفسير : أي هلا تستثنون. والثالث - الصلاة كقوله {أية : فلولا أنه كان من المسبحين}. تفسير : والرابع - النور، جاء في الحديث (فلولا سبحان وجهه) أي نوره ومعنى {تعالى}: تعاظم بأعلى صفات المدح عن ان يكون له شريك في العبادة، وجميع صفات النقص منتفية عنه.
الجنابذي
تفسير : {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} كانوا يستعجلون ما وعدهم الرّسول (ص) من العذاب والاهلاك وقيام السّاعة والحساب والعقاب يوم القيامة استهزاءً به وبرسالته وبايعاده فقال تعالى: اتى أمر الله بالاهلاك بالماضى للاشارة الى تحقّقه او للاشارة الى قرب حصوله وكانوا يقولون استهزاءً اذا وقع ما توعّده فأصنامنا تشفع لنا فقال تعالى {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فلا يشفع شيءٌ لهم ولا يدفع الاصنام شيئاً من عذابه.
الأعقم
تفسير : {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} أي جاء عقابه لمن أقام على التكذيب، وقيل: القيامة أو نزول العذاب يوم بدر وكانوا يستعجلون ما وعدوا من قيام الساعة استهزاءً وتكذيباً فقيل لهم: {أتى أمر الله} أي هو بمنزلة الآتي الواقع وإن كان منتظراً لقرب وقوعه {فلا تستعجلوه} وروي أنها لما نزلت اقتربت الساعة، قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت، فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً، فنزلت: {اقترب للناس حسابهم} فأشفقوا وانتظروا قربها، فلمَّا امتدت الأيام قالو: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به، فنزلت: {أتى أمر الله} فوثب رسول الله ورفع الناس رؤوسهم فنزل {فلا تستعجلوه} فاطمأنوا {ينزل الملائكة بالروح}، قيل: القرآن، وسمي روحاً لأنه حياة النفس بالإرشاد إلى الدين {أن أنذروا أنه لا إله إلاَّ أنا} اعلموا بأن الأمر ذلك، والمعنى اعلموا الناس قولي {لا إلا إلاَّ أنا فاتقون} {خلق السموات والأرض بالحق} وخلق الانسان وما يصلحه {والأنعام خلقها لكم}، قيل: البقر والإِبل والغنم {فيها دفء} للناس، وقيل: الدفء ما يستدفأ به من أشعارها وأوبارها {ومنافع} يعني سائر ما ينتفع به من اللبن والركوب والنسل وغير ذلك {ولكم فيها} أي في الأنعام {جمال} أي حسن منظر، وقيل: الجمال ما يستحسن بعضه {حين تريحون} أي تروّحو لها بالعشي وذلك أعجب ما يكون إذا راحت من مرعاها {وحين تسرحون} أي حين ترسلونها إلى المرعى {وتحمل أثقالكم} أي أمتعتكم إلى بلد غير بلدكم، قيل: مكة، وقيل: سائر البلدان {لم تكونوا بالغيه} أي تصلون اليه إذا أردتم المصير إليه، وحملتم على ظهوركم {إلاَّ بشق الأنفس} ويجوز أن يكون المعنى {لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم} حيث رحمكم بخلق هذه الحوامل {والخيل والبغال والحمير} عطف على الأنعام، أي خلق هذه للركوب والزينة {ويخلق ما لا تعلمون}، قيل: في الجنة من النعم لأهلها، وفي النار من العقوبات لأهلها، وقيل: هو عام في كل شيء خلق ولا نعلمه.
الهواري
تفسير : تفسير سورة النّحل. وهي من أولها إلى صدر هذه الآية: (أية : وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) تفسير : [الآية:41] مكية وسائرها مدني. {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: { أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ}. قال الحسن: هذا جواب من الله لقول المشركين للنبي عليه السلام: (أية : ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) تفسير : [الأنفال:32]، ولقولهم: (أية : عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا) تفسير : [سورة ص:16]. فقال: (أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذَابِ) تفسير : [العنكبوت:54]. وقال: {أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} أي: إن العذاب قريب. وبعضهم يقول: يستعجلونك بعذاب الآخرة، وذلك منهم تكذيب واستهزاء. فأنزل الله: {أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ}. قوله: { سُبْحَانَهُ} أي: ينزّه نفسه عما يقول المشركون. { وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} من العلو، أي: ارتفع عما يشركون به.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {أَتَى أَمْرُ اللهِ} توجه إِليكم وشرع فى المجيء إِليكم أو حضر وعلى هذا الوجه فإِنما عبر بذلك لأَنه يقع لا محالة فكأَنه قد وقع وحضر وهو قيام الساعة أو عذاب الآخرة المترتب على الموت أو على البعث وذلك أن الكفار كذبوا بالساعة والبعث وعذاب الآخرة وقالوا أيان مرساها وقالوا متى هذا الوعد، وروى أنه لما نزل اقتربت الساعة قالوا إِن هذا الرجل يزعم أن القيامة قربت فأمسكوا عن بعض ما أنتم عليه ينظر ما يكون فمضت أيام فقالوا ما نرى شيئاً فنزل اقترب للناس حسابهم فأَشفقوا فامتدت الأيام فقالوا يا محمد ما رأينا شيئا مما تخوفنا به فنزل أتى أمر الله فوثب النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورفع الناس رءُوسهم ظنوا أنها قد حضرت حقيقة فنزل {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} أى لا تطلبوا مجيئه قبل وقته فإِنه لا خير لكم بل فيه عقابكم وإِذا جاء فلا مرد له فاطمأَن ـ صلى الله عليه وسلم ـ حينئذ والناس وقال "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين يشير إِلى السبابة والوسطى" تفسير : وسبقها بمثل ما فضلت الوسطى على السبابة وبعثه من علامات الساعة ولما مر جبريل بأَهل السماوات مبعوثا إِليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالوا الله أكبر أقامت الساعة وذلك قول الجمهور. وقال الحسن وغيره أمر الله عذاب الكفار فى الدنيا ونصر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما فعل ببدر فذلك جواب لقولهم أتينا بعذاب الله وقولهم اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأَمطر علينا حجارة من السماء أو أتينا بعذاب أليم وممن قال هذا النضر بن الحارث وقيل يوم بدر أسيرا وكانوا يقولون إِن صح ما يقوله فالأصنام تشفع لنا، والخطاب للكفار كما علمت فقوله بعد ذلك يشركون جاء على طريق الالتفات من الخطاب للغيبة ويصح أن يكون الخطاب للمؤمنين أو لهم وللكفار كما مر أنهم جميعاً رفعوا رءُوسهم عند نزول أتى أمر الله حتى نزل فلا تستعجلوه وعلى ذلك فلا التفات ثم {سُبْحَانَهُ} نزهوه عن الشرك الذى من جملته استعجال الكفرة الأمر تكذيبا واستهزاء واتخاذ الأصنام {وَتَعَالى} عظم وجل {عَمَّا يُشْرِكُونَ} ما مصدرية أى عن الإِشراك بمثل ذلك الاستعجال الصادر منهم تكذيباً واستهزاء واسم أى عن الأصنام التى يشركونها به ويزعمون أنها تدفع عندهم ما أراد بهم بالشفاعة وتنازع سبحانه وتعالى فيما بعدهما وقرأ حمزة والكسائى عما تشركون بالتاء الفوقية ليطابق فلا تستعجلوه على أن الخطاب فى تستعجلوه للكفار ومن قرأ أى بالتحتية فيهما.
اطفيش
تفسير : {بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَتَى أَمْرُ اللهِ} كانوا يستعجلون ما أوعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قيام الساعة وعذاب الدنيا "أية : إن كان هذا هو الحق من عندك فأَمطر علينا حجارةتفسير : [الأنفال: 32] "أية : ويستعجلونك بالعذاب" تفسير : [الحج: 47، العنكبوت: 53]، أية : يقولون متى هذا الوعد" تفسير : [يونس: 48] وإن صح ما تقول خلصتنا الأَصنام فنزلت الآية فوثب النبى صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رءوسهم فنزل قوله تعالى: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} فإنه شر لكم لا تستنقذكم منه الأصنام، ويضعف رد الهاءِ إلى الله، أَى لا تستعجلوا الله بإتيان أمره يوم القيامة، أَو العذاب كما قال: ويستعجلونك بالعذاب، وأتى ماض بمعنى يأْتى لتحقق الوقوع، وهو مجاز لأنه بمعنى حضر أى يحضر وقرينة المجاز حالية قبل نزول {فلا تستعجلوه}، وهى أَنه لم يروا حضوره ولمانزل فلا تستعجلوه كان قرينة قالية، ويجوز أَن يكون أَتى شرع فى التنقل فالماضى حقيقة أَو أَتت مقدماته ومبادئه كانشقاق القمر ونصر الرسول، أَو قرب مجازاً وأَمر الله قيام الساعة، وقيل عقوبة المكذبين ونصره صلى الله عليه وسلم وملكه بلادهم وأموالهم، كما قتل النضر بن الحارث يوم بدر صبرا وهو القائل: {اللهم إن كان هذا} الآية، روى أنه نزل قوله تعالى: {اقتربت الساعة} قال الكفار: أمسكوا عن بعض ما تفعلون حتى يتبين أَمره، ومضت أيام فقالوا: ما نرى ما تقول، فنزل قوله تعالى: "أية : اقترب للناس حسابهم"تفسير : [الأنبياء: 1] فانتظروا ثم قالوا: ما نرى شيئاً فنزل {أَتى أمر الله} فوثب فرفع الناس رءُوسهم، ولما نزل: {فلا تستعجلوه} اطمأَنوا، والخطاب بفلا تستعلجوه للمؤمنين والكفار، أَو للمؤمنين، أَو للكفار قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين إن كادت لتسبقنى"تفسير : أشار بأصبعيه {سُبْحانَهُ وَتعَالَى} هذا خبار أَى تنزه الله تنزها بدليل عتلف تعالى، وليس كسبحان فى قوله تعالى: "أية : فسبحان الله حين تمسون"تفسير : [الروم: 17] فإِنه أَمر بالصلاة، فليس المراد هنا أَمرا أَى سبحوا لله تسبيحاً أيها المؤمنون، وقولك سبحانه - جل وعز - أَولى من قولك: - عز وجل - لأَن الجلال لا تعلق له بغيره وأَعم من العزة، والعزة لها تعلق لأَن المعنى الغلبة على غيره وأخص {عمَّا يُشْرِكُونَ} فى قولهم إن صح ما تقول منعتنا آلهتنا منه، وفى سائر أَقوالهم الملحدة وأَفعالهم التى هى إشراك كعبادة الأوثان، ولا معنى للتنزه عن ذات ما يشرك به إلا من حيث الإشراك به فلتجعل ما مصدرية أَولى من جعلها اسما مرجوع فيه إلى مراعاة علة الإشراك بعد، وكذا فى مثل ذلك.
الالوسي
تفسير : {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} بقوله عز وجل: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } المناسب لذلك على ما ذكر غير واحد في معناه وسبب نزوله. وفي «البحر» في بيان وجه الارتباط أنه تعالى لما قال: {أية : فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [الحجر: 92] كان ذلك تنبيهاً على حشرهم يوم القيامة وسؤالهم عما فعلوه في الدنيا فقيل: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} فإن المراد به على قول الجمهور يوم القيامة، وذكر الجلال السيوطي أن آخر الحجر شديدة الالتئام بأول هذه فإن قوله سبحانه: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } تفسير : [الحجر: 99] الذي هو مفسر بالموت ظاهر المناسبة بقوله سبحانه هنا: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } وانظر كيف جاء في المتقدمة {يَأْتِيَكَ} بلفظ المضارع وفي المتأخرة {أَتَىٰ} بلفظ الماضي لأن المستقبل سابق على الماضي كما تقرر في محله، والأمر واحد الأمور وتفسيره بيوم القيامة كما قال في «البحر» وفسر بما يعمه وغيره من نزول العذاب الموعود للكفرة، وعن ابن جريج تفسيره بنزول العذاب فقط فقال: المراد بالأمر هنا ما وعد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من النصر والظفر على الأعداء والانتقام منهم بالقتل والسبـي ونهب الأموال والاستيلاء على المنازل والديار، وأخرج ابن جرير وغيره عن الضحاك أن المراد به الأحكام والحدود والفرائض، وكأنه حمله على ما هو أحد الأوامر وفيما ذكره بعد إذ لم ينقل عن أحد أنه استعجل فرائض الله تعالى وحدوده سبحانه، والتعبير عن ذلك بأمر الله للتهويل والتفخيم، وفيه إيذان بأن تحققه في نفسه وإتيانه منوط بحكمه تعالى النافذ وقضائه الغالب، وإتيانه عبارة عن دنوه واقترابه على طريقة نظم المتوقع في سلك الواقع، وجوز أن يكون المراد إتيان مباديه فالماضي باق على حقيقته، ولعل ما أخرجه ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر الأمر بخروج النبـي صلى الله عليه وسلم مؤيد لما ذكر وبعضهم أبقى الفعل على معناه الحقيقي وزعم أن المعنى أتى أمر الله وعداً فلا تستعجلوه وقوعاً وهو كما ترى، وظاهر صنيع الكثير يشعر باختيار أن الماضي بمعنى المضارع على طريق الاستعارة بتشبيه المستقبل المتحقق بالماضي في تحقق الوقوع والقرينة عليه قوله سبحانه فإنه لو وقع ما استعجل وهو الذي يميل إليه القلب، والضمير المنصوب في {تَسْتَعْجِلُوهُ} على ما هو الظاهر عائد على الأمر لأنه هو المحدث عنه، وقيل: يعود على الله سبحانه أي فلا تستعجلوا الله تعالى بالعذاب أو بإتيان يوم القيامة كقوله تعالى: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ } تفسير : [الحج: 47] وهو خلاف الظاهر، لكن قيل: إن ذلك أوفق بما بعد، والخطاب للكفرة خاصة ويدل عليه قراءة ابن جبير {فَلا يََسْتَعْجِلُوهُ} على صيغة نهي الغائب، واستعجالهم وإن كان بطريق الاستهزاء لكنه حمل على الحقيقة ونهوا [عنه] بضرب من التهكم لا مع المؤمنين سواء أريد بأمر الله تعالى ما قدمنا أو العذاب الموعود للكفرة خاصة، أما الأول: فلأنه/ لا يتصور من المؤمنين استعجال الساعة أو ما يعمها من العذاب حتى يعمهم النهي عنه، وأما الثاني: فلأن الاستعجال من المؤمنين حقيقة ومن الكفرة استهزاء فلا ينظمها صيغة واحدة والالتجاء إلى إرادة معنى مجازي يعمهما معاً غير أن يكون هناك نكتة سرية تعسف لا يليق بشأن التنزيل. وادعى بعضهم عموم الخطاب واستدل بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما نزل قوله تعالى: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ } تفسير : [القمر: 1] قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً فنزلت {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ } تفسير : [الأنبياء: 1] فأشفقوا وانتظروا قربها فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع الناس رؤسهم فلما نزل {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } اطمأنوا ثم قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه إن كادت لتسبقني»تفسير : ولا دلالة فيه على ذلك لأن مناط اطمئنانهم إنما هو وقوفهم على أن المراد بالإتيان هو الإتيان الادعائي لا الحقيقي الموجب لاستحالة الاستعجال المستلزمة لامتناع النهي عنه لما أن النهي عن الشيء يقتضي إمكانه في الجملة، ومدار ذلك الوقوف إنما هو النهي عن الاستعجال المستلزم لإمكانه المقتضي عدم وقوع المستحيل بعد، ولا يختلف ذلك باختلاف المستعجل كائناً من كان بل فيه دلالة واضحة على عدم عموم لأن المراد بأمر الله إنما هو الساعة وصدور استعجالها عن المؤمنين مستحيل. نعم يجوز تخصيص الخطاب بهم على تقدير كون أمر الله تعالى العذاب الموعود للكفرة خاصة، لكن الذي يقضي به الإعجاز التنزيلي أنه خاص بالكفرة كذا قاله أبو السعود. وبحث فيه من وجوه، أما أولاً: فلأن الذي لا يتصور من المؤمنين الاستعجال بمعنى طلب الوقوع عاجلاً لا عده عاجلاً وسياق ما روي يدل على الأخير، فإنه لما سمعوا صدر الكلام حملوه على الظاهر فاضطربوا فقيل لهم: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} أي لا تعدوه عاجلاً، على أن عدم تصور المعنى الأول أيضاً منهم في حيز المنع لجواز أن يستعجلوه لتشفي صدورهم وإذهاب غيظ قلوبهم والاستهزاء بهم والضحك منهم، وأما ثانياً: فلأن الجمع بين الحقيقة والمجاز لعله مذهب ذلك القائل، وأما ثالثاً: فلأن القول بكون القراءة على صيغة نهي الغائب دالة على أن الخطاب مخصوص بالكفرة ممنوع والسند ظاهر، وأما رابعاً: فلأن نفي دلالة ما روي على عموم الخطاب غير موجه لعموم لفظ الناس، وأما خامساً: فلأن قوله: بل فيه دلالة واضحة على عدم العموم لأن المراد بأمر الله تعالى إنما هو الساعة إلى آخره، يرد عليه أنه لا دلالة فيه أصلاً على عدم العموم فضلاً أن تكون واضحة، وقد عرفت ما في قوله: وقد عرفت وأما سادساً: فلأن حصره المراد بالأمر في الساعة مخالف لما ذكره في تفسير قوله: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} حيث قال: أي الساعة أو ما يعمها وغيرها من العذاب فبعد هذا التصريح كيف يدعي ذلك الحصر؟ وفي بعض الأبحاث نظر. وقال بعض الفضلاء: قد يقال: إن المراد بالناس في الخبر المؤمنون لما في خبر آخر أخرجه ابن مردويه عن الحبر قال: «لما نزلت {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} ذعر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} فسكنوا». وهذا أيضاً على ما قيل لا يقتضي كون الخطاب للمؤمنين لجواز أن يقال: إنهم لما سمعوا أول الآية ذعروا واضطربوا لظن أنه وقع فلما سمعوا خطاب الكفرة/ بقوله سبحانه: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} اطمأنت قلوبهم وسكنوا، وقد يورد على دعوى أن صدور استعجال الساعة من المؤمنين مستحيل أن ذلك حق لو كان استعجالهم على طرز استعجال الكفرة لها وليس ذلك بمسلم فإنه يجوز أن يراد باستعجالهم اضطرابهم وتهيؤهم لها المنزل منزلة الاستعجال الحقيقي. واستدل على كون الخطاب للكفرة بقوله سبحانه وتعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فإنه على ذلك التقدير يظهر ارتباطه بما قبله وذلك بأن يقال حينئذ: لما كان استعجالهم ذلك من نتائج إشراكهم المستتبع لنسبة الله تعالى إلى ما لا يليق به سبحانه من العجز والاحتياج إلى الغير واعتقادهم أن أحداً يحجزه عن إمضاء وعيده أو انجاز وعده قيل بطريق الاستئناف ذلك على معنى تنزه وتقدس بذاته وجل عن إشراكهم المؤدي إلى صدور أمثال هذه الأباطيل عنهم أو عن أن يكون له شريك فيدفع ما أراد بهم بوجه من الوجوه وقد كانوا يقولون على ما في بعض الروايات: إن صح مجيء ذلك فالأصنام تخلصنا عنه بشفاعتها لنا، والتعبير بالمضارع للدلالة على تجدد إشراكهم واستمراره والالتفات إلى الغيبة للإيذان باقتضاء ذكر قبائحهم للإعراض عنهم وطرحهم عن رتبة الخطاب وحكاية شنائعهم للغير وهذا لا يتأتى على تقدير تخصيص الخطاب بالمؤمنين وقيل في وجه الارتباط على ذلك التقدير: أنه تعالى لما نهاهم عن الاستعجال ذكر ما يتضمن أن إنذاره سبحانه وإخباره تعالى للتخويف والإرشاد وأن قوله جل وعلا: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} إنما هو لذلك فيستعد كل أحد لمعاده ويشتغل قبل السفر بتهيئة زاده فلذلك عقب بذلك دون عطف، وقد أشار بعضهم إلى ارتباط ذلك باعتبار ما بعده فيكون ما ذكر مقدمة واستفتاحاً له، وأيضاً فإن قوله تعالى: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} تنبيه وإيقاظ لما يرد بعده من أدلة التوحيد اهـ، وأنت تعلم أن الارتباط على ما قرر أولاً أظهر منه على هذا التقرير فافهم، ثم إن {مَا} تحتمل الموصولية والمصدرية والاحتمال الثاني أظهر، ولا بد على الاحتمال الأول من اعتبار ما أشرنا إليه وإلا فلا يظهر التنزيه عن الشريك. وقرأ حمزة والكسائي {تشركون} بتاء الخطاب على وفق {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} وقرأ باقي السبعة والأعرج وأبو جعفر وأبو رجاء والحسن بياء الغيبة، وقد تقدم أن في الكلام حينئذ التفاتاً وهو مبني على أن الخطاب السابق للكفرة أما إذا كان للمؤمنين أو لهم وللكفرة فلا يتحد معنى الضميرين حتى يكون التفات ولا التفات أيضاً على قراءة {تشركون} بالتاء سواء كان الخطاب الأول للكفرة أو لهم وللمؤمنين. نعم في ذلك على تقدير عموم الخطاب تغليبان على ما قيل الأول تغليب المؤمنين على غيرهم في الخطاب والثاني تغليب غيرهم عليهم في نسبة الشرك، وعلى قراءة {يستعجلوه، ويشركون} بالتحتية فيهما لا التفات ولا تغليب.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة هادئة الإيقاع، عادية الجرس؛ ولكنها مليئة حافلة. موضوعاتها الرئيسية كثيرة منوعة؛ والإطار الذي تعرض فيه واسع شامل؛ والأوتار التي توقع عليها متعددة مؤثرة، والظلال التي تلونها عميقة الخطوط. وهي كسائر السور المكية تعالج موضوعات العقيدة الكبرى: الألوهية. والوحي. والبعث. ولكنها تلم بموضوعات جانبية أخرى تتعلق بتلك الموضوعات الرئيسية. تلم بحقيقة الوحدانية الكبرى التي تصل بين دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ ودين محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتلم بحقيقة الإرادة الإلهية والإرادة البشرية فيما يختص بالإيمان والكفر والهدى والضلال. وتلم بوظيفة الرسل، وسنة الله في المكذبين لهم. وتلم بموضوع التحليل والتحريم وأوهام الوثنية حول هذا الموضوع. وتلم بالهجرة في سبيل الله، وفتنة المسلمين في دينهم، والكفر بعد الإيمان وجزاء هذا كله عند الله.. ثم تضيف إلى موضوعات العقيدة موضوعات المعاملة: العدل والإحسان والإنفاق والوفاء بالعهد، وغيرها من موضوعات السلوك القائم على العقيدة.. وهكذا هي مليئة حافلة من ناحية الموضوعات التي تعالجها. فأما الإطار الذي تعرض فيه هذه الموضوعات، والمجال الذي تجري فيه الأحداث، فهو فسيح شامل.. هو السماوات والأرض. والماء الهاطل والشجر النامي. والليل والنهار والشمس والقمر والنجوم. والبحار والجبال والمعالم والسبل والأنهار. وهو الدنيا بأحداثها ومصائرها، والأخرى بأقدارها ومشاهدها. وهو الغيب بألوانه وأعماقه في الأنفس والآفاق. في هذا المجال الفسيح يبدو سياق السورة وكأنه حملة ضخمة للتوجيه والتأثير واستجاشة العقل والضمير. حملة هادئة الإيقاع، ولكنها متعددة الأوتار. ليست في جلجلة الأنعام والرعد، ولكنها في هدوئها تخاطب كل حاسة وكل جارحة في الكيان البشري، وتتجه إلى العقل الواعي كما تتجه إلى الوجدان الحساس. إنها تخاطب العين لترى، والأذن لتسمع، واللمس ليستشعر، والوجدان ليتأثر، والعقل ليتدبر. وتحشد الكون كله: سماءه وأرضه، وشمسه وقمره، وليله ونهاره، وجباله وبحاره وفجاجه وأنهاره وظلاله وأكنانه نبته وثماره، وحيوانه وطيوره. كما تحشد دنياه وآخرته، وأسراره وغيوبه.. كلها أدوات توقع بها على أوتار الحواس والجوارح والعقول والقلوب، مختلف الإيقاعات التي لا يصمد لها فلا يتأثر بها إلا العقل المغلق والقلب الميت، والحس المطموس. هذه الإيقاعات تتناول التوجيه إلى آيات الله في الكون، وآلائه على الناس كما تتناول مشاهد القيامة، وصور الاحتضار، ومصارع الغابرين؛ تصاحبها اللمسات الوجدانية التي تتدسس إلى أسرار الأنفس، وإلى أحوال البشر وهم أجنة في البطون، وهم في الشباب والهرم والشيخوخة، وهم في حالات الضعف والقوة، وهم في أحوال النعمة والنقمة. كذلك يتخذ الأمثال والمشاهد والحوار والقصص الخفيف أدوات للعرض والإيضاح. فأما الظلال العميقة التي تلون جو السورة كله فهي الآيات الكونية تتجلى فيها عظمة الخلق، وعظمة النعمة، وعظمة العلم والتدبير.. كلها متداخلة.. فهذا الخلق الهائل العظيم المدبر عن علم وتقدير، ملحوظ فيه أن يكون نعمة على البشر، لا تلبي ضروراتهم وحدها، ولكن تلبي أشواقهم كذلك، فتسد الضرورة. وتتخذ للزينة، وترتاح بها أبدانهم وتستروح لها نفوسهم، لعلهم يشكرون.. ومن ثم تتراءى في السورة ظلال النعمة وظلال الشكر، والتوجيهات إليها، والتعقيب بها في مقاطع السورة، وتضرب عليها الأمثال، وتعرض لها النماذج، وأظهرها نموذج إبراهيم {أية : شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم }. تفسير : كل أولئك في تناسق ملحوظ بين الصور والظلال والعبارات والإيقاعات، والقضايا والموضوعات نرجو أن نقف على نماذج منه في أثناء استعراضنا للسياق. ونبدأ الشوط الأول، وموضوعه هو التوحيد؛ وأدواته هي آيات الله في الخلق، وأياديه في النعمة، وعلمه الشامل في السر والعلانية، والدنيا والآخرة. فلنأخذ في التفصيل: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون. ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده: أن أنذروا أنه لا إلـه إلا أنا فاتقون}.. لقد كان مشركوا مكة يستعجلون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يأتيهم بعذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. وكلما امتد بهم الأجل ولم ينزل بهم العذاب زادوا استعجالاً، وزادوا استهزاء، وزادوا استهتارا؛ وحسبوا أن محمد يخوفهم ما لا وجود له ولا حقيقة، ليؤمنوا له ويستسلموا. ولم يدركوا حكمة الله في إمهالهم ورحمته في أنظارهم؛ ولم يحاولوا تدبر آياته في الكون، وآياته في القرآن. هذه الآيات التي تخاطب العقول والقلوب، خيرا من خطابها بالعذاب! والتي تليق بالإنسان الذي أكرمه الله بالعقل والشعور، وحرية الإرادة والتفكير. وجاء مطلع السورة حاسماً جازماً: {أتى أمر الله}.. يوحي بصدور الأمر وتوجه الإرادة؛ وهذا يكفي لتحققه في الموعد الذي قدره الله لوقوعه {فلا تستعجلوه} فإن سنة الله تمضي وفق مشيئته، لا يقدمها استعجال. ولا يؤخرها رجاء. فأمر الله بالعذاب أو بالساعة قد قضي وانتهى، أما وقوعه ونفاذه فسيكون في حينه المقدر، لا يستقدم ساعة ولا يتأخر. وهذه الصيغة الحاسمة الجازمة ذات وقع في النفس مهما تتماسك أو تكابر، وذلك فوق مطابقتها لحقيقة الواقع؛ فامر الله لا بد واقع، ومجرد قضائه يعد في حكم نفاذه، ويتحقق به وجوده، فلا مبالغة في الصيغة ولا مجانبة للحقيقة، في الوقت الذي تؤدي غايتها من التأثر العميق في الشعور. فأما ما هم عليه من شرك بالله الواحد، وتصورات مستمدة من هذا الشرك فقد تنزه الله عنه وتعالى: {سبحانه وتعالى عما يشركون} بكل صوره وأشكاله، الناشئة عن هبوط في التصور والتفكير. أتى أمر الله المنزه عن الشرك المتعالي عما يشركون. الله الذي لا يدع الناس إلى ضلالهم وأوهامهم إنما هو ينزل عليهم من السماء ما يحييهم وينجيهم: {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده}.. وهذا أولى نعمه وكبراها. فهو لا ينزل من السماء ماء يحيي الأرض والأجسام وحدها ـ كما سيجيء ـ إنما ينزل الملائكة بالروح من أمره. وللتعبير بالروح ظله ومعناه. فهو حياة ومبعث حياة: حياة في النفوس والضمائر والعقول والمشاعر. وحياة في المجتمع تحفظه من الفساد والتحلل والانهيار. وهو أول ما ينزله الله من السماء للناس، وأول النعم التي يمن الله بها على العباد. تنزل به الملائكة أطهر خلق الله على المختارين من عباده ـ الأنبياء ـ خلاصته وفحواه: {أن أنذروا أنه لا إلـه إلا أنا فاتقون.} إنها الوحدانية في الألوهية. روح العقيدة. وحياة النفس. ومفرق الطريق بين الاتجاه المحيي والاتجاه المدمر. فالنفس التي لا توحد المعبود نفس حائرة هالكة تتجاذبها السبل وتخايل لها الأوهام وتمزقها التصورات المتناقضة، وتناوشها الوساوس، فلا تنطلق مجتمعة لهدف من الأهداف! والتعبير بالروح يشمل هذه المعاني كلها ويشير إليها في مطلع السورة المشتملة على شتى النعم، فيصدر بها نعمه جميعا؛ وهي النعمة الكبرى التي لا قيمة لغيرها بدونها؛ ولا تحسن النفس البشرية الانتفاع بنعم الأرض كلها إن لم توهب نعمة العقيدة التي تحييها. ويفرد الإنذار، فيجعله فحوى الوحي والرسالة، لأن معظم سياق السورة يدور حول المكذبين والمشركين والجاحدين لنعمة الله، والمحرمين ما أحله الله، والناقضين لعهد الله، والمرتدين عن الإيمان ومن ثم يكون إظهار الإنذار أليق في هذا السياق. وتكون الدعوة إلى التقوى والحذر والخوف أولى في هذا المقام. ثم يأخذ في عرض الآيات. آيات الخلق الدالة على وحدانية الخالق؛ وآيات النعمة الدالة على وحدانية المنعم؛ يعرضها فوجا فوجا، ومجموعة مجموعة. بادئاً بخلق السماوات والأرض وخلق الإنسان. {خلق السماوات والأرض بالحق، تعالى عما يشركون. خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين} {خلق السماوات والأرض بالحق}.. الحق قوام خلقهما، والحق قوام تدبيرهما، والحق عنصر أصيل في تصريفهما وتصريف من فيهما وما فيهما. فما شيء من ذلك كله عبث ولا جزاف. إنما كل شيء قائم على الحق ومتلبس به ومفض له وصائر في النهاية إليه.. {تعالى عما يشركون}.. تعالى عن شركهم، وتعالى عما يشركون به من خلق الله الذي خلق السماوات والأرض، وخلق من فيهما وما فيهما، فليس أحد وليس شيء شريكاً له وهو الخالق الواحد بلا شريك. {خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين} ويا لها من نقلة ضخمة بين المبدأ والمصير. بين النطفة الساذجة والإنسان المخاصم المجادل الذي يخاصم خالقه فيكفر به ويجادل في وجوده أو في وحدانيته. وليس بين مبدئه من نطفة وصيرورته إلى الجدل والخصومة فارق ولا مهلة. فهكذا يصوره التعبير، ويختصر المسافة بين المبدأ والمصير، لتبدو المفارقة كاملة، والنقلة بعيدة، ويقف الإنسان بين مشهدين وعهدين متواجهين: مشهد النطفة المهينة الساذجة، ومشهد الإنسان الخصيم المبين.. وهو إيجاز مقصود في تصوير. وفي هذا المجال الواسع ـ مجال الكون: السماوات والأرض ـ الذي يقف فيه الإنسان، يأخذ السياق في استعراض خلق الله الذي سخره للإنسان، ويبدأ بالأنعام: {والأنعام خلقها، لكم فيها دفء ومنافع، ومنها تأكلون. ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، إن ربكم لرؤوف رحيم، والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون}.. وفي بيئة كالبيئة التي نزل فيها القرآن أول مرة، وأشباهها كثير؛ وفي كل بيئة زراعية والبيئات الزراعية هي الغالبة حتى اليوم في العالم.. في هذه البيئة تبرز نعمة الأنعام، التي لا حياة بدونها لبني الإنسان. والأنعام المتعارف عليها في الجزيرة كانت هي الإبل والبقر والضأن والمعز. أما الخيل والبغال والحمير فللركوب والزينة ولا تؤكل والقرآن إذ يعرض هذه النعمة هنا ينبه إلى ما فيها من تلبية لضرورات البشر وتلبية لأشواقهم كذلك: ففي الأنعام دفء من الجلود والأصواف والأوبار والأشعار، ومنافع في هذه وفي اللبن واللحم وما إليها. ومنها تأكلون لحماً ولبناً وسمناً، وفي حمل الأثقال إلى البلد البعيد لا يبلغونه إلا بشق الأنفس. وفيها كذلك جمال عند الإراحة في المساء وعند السرح في الصباح. جمال الاستمتاع بمنظرها فارهة رائعة صحيحة سمينة. وأهل الريف يدركون هذا المعنى بأعماق نفوسهم ومشاعرهم أكثر مما يدركه أهل المدينة. وفي الخيل والبغال والحمير تلبية للضرورة في الركوب. وتلبية لحاسة الجمال في الزينة: {لتركبوها وزينة}. وهذه اللفتة لها قيمتها في بيان نظرة القرآن ونظرة الإسلام للحياة. فالجمال عنصر أصيل في هذه النظرة وليست النعمة هي مجرد تلبية الضرورات من طعام وشراب وركوب؛ بل تلبية الأشواق الزائدة على الضرورات. تلبية حاسة الجمال ووجدان الفرح والشعور الإنساني المرتفع على ميل الحيوان وحاجة الحيوان. {إن ربكم لرؤوف رحيم} يعقب بها على حمل الأثقال إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس توجيها إلى ما في خلق الأنعام من نعمة، وما في هذه النعمة من رحمة. {ويخلق ما لا تعلمون}.. يعقب بها على خلق الأنعام للأكل والحمل والجمال، وخلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة.. ليظل المجال مفتوحاً في التصور البشري لتقبل أنماط جديدة من أدوات الحمل والنقل والركوب والزينة، فلا يغلق تصورهم خارج حدود البيئة، وخارج حدود الزمان الذي يظلهم. فوراء الموجود في كل مكان وزمان صور أخرى، يريد الله للناس أن يتوقعوا فيتسع تصورهم وإدراكهم، ويريد لهم أن يأنسوا بها حين توجد أو حين تكشف فلا يعادوها ولا يجمدوا دون استخدامها والانتفاع بها. ولا يقولوا: إنما استخدم آباؤنا الأنعام والخيل والبغال والحمير فلا نستخدم سواها. وإنما نص القرآني على هذه الأصناف فلا نستخدم ما عداها!. إن الإسلام عقيدة مفتوحة مرنة قابلة لاستقبال طاقات الحياة كلها، ومقدرات الحياة كلها ومن ثم يهيِّئ القرآن الأذهان والقلوب لاستقبال كل ما تتمخض عنه القدرة، ويتمخض عنه العلم، ويتمخض عنه المستقبل. استقباله بالوجدان الديني المتفتح المستعد لتلقي كل جديد في عجائب الخلق والعلم والحياة. ولقد جدت وسائل للحمل والنقل والركوب والزينة لم يعلمها أهل ذلك الزمان. وستجد وسائل أخرى لا يعلمها أهل هذا الزمان. والقرآن يهيِّئ لها القلوب والأذهان، بلا جمود ولا تحجر {ويخلق ما لا تعلمون}.. وفي معرض النقل والحمل والركوب والسير لبلوغ غايات محسوسة في عالم الأرض، يدخل السياق غايات معنوية وسيرا معنوياً وطرقا معنوية. فثمة الطريق إلى الله. وهو طريق قاصد مستقيم لا يلتوي ولا يتجاوز الغاية. وثمة طرق أخرى لا توصل ولا تهدي. فأما الطريق إلى الله فقد كتب على نفسه كشفها وبيانها: بآياته في الكون وبرسله إلى الناس: {وعلى الله قصد السبيل. ومنها جائر. ولو شاء لهداكم أجمعين}.. والسبيل القاصد هو الطريق المستقيم الذي لا يلتوي كأنه يقصد إلى غايته فلا يحيد عنها. والسبيل الجائر هو السبيل المنحرف المجاوز للغاية لا يوصل إليها، أو لا يقف عندها! {ولو شاء لهداكم أجمعين}.. ولكنه شاء أن يخلق الإنسان مستعداً للهدى والضلال، وأن يدع لإرادته اختيار طريق الهدى أو طريق الضلال. فكان منهم من يسلك السبيل القاصد، ومنهم من يسلك السبيل الجائر. وكلاهما لا يخرج على مشيئه الله، التي قضت بأن تدع للإنسان حرية الاختيار. والفوج الثاني من آيات الخلق والنعمة: {هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب، ومنه شجر فيه تسيمون، ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، ومن كل الثمرات. إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون}.. والماء ينزل من السماء وفق النواميس التي خلقها الله في هذا الكون، والتي تدبر حركاته، وتنشئ نتائجها وفق إرادة الخالق وتدبيره، بقدر خاص من أقداره ينشئ كل حركة وكل نتيجة. هذا الماء يذكر هنا نعمة من نعم الله {لكم منه شراب} فهي خصوصية الشراب التي تبرز في هذا المجال ثم خصوصية المرعى {ومنه شجر فيه تسيمون} وهي المراعي التي تربون فيها السوائم. ذلك بمناسبة ذكر الأنعام قبلها وتنسيقاً للجو العام بين المراعي والأنعام. ثم الزروع التي يأكل منها الإنسان مع الزيتون والنخيل والأعناب وغيرها من أشجار الثمار.. {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون}.. في تدبير الله لهذا الكون، ونواميسه المواتية لحياة البشر، وما كان الإنسان ليستطيع الحياة على هذا الكوكب لو لم تكن نواميس الكون مواتية لحياته، موافقة لفطرته، ملبية لحاجاته. وما هي بالمصادفة العابرة أن يخلق الإنسان في هذا الكوكب الأرضي، وأن تكون النسب بين هذا الكوكب وغيره من النجوم والكواكب هي هذه النسب، وأن تكون الظواهر الجوية والفلكية على ما هي عليه، ممكنة للإنسان من الحياة، ملبية هكذا لحاجاته على النحو الذي نراه. والذين يتفكرون هم الذين يدركون حكمة التدبير، وهم الذين يربطون بين ظاهرة كظاهرة المطر وما ينشئه على الأرض من حياة وشجر وزروع وثمار، وبين النواميس العليا للوجود، ودلالتها على الخالق وعلى وحدانية ذاته ووحدانية إرادته ووحدانية تدبيره. أما الغافلون فيمرون على مثل هذه الآية في الصباح والمساء، في الصيف والشتاء، فلا توقظ تطلعهم، ولا تثير استطلاعهم ولا تستجيش ضمائرهم إلى البحث عن صاحب هذا النظام الفريد. والفوج الثالث من أفواج الآيات: {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}.. ومن مظاهر التدبير في الخلق، وظواهر النعمة على البشر في آن: الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم. فكلها مما يلبي حاجة الإنسان في الأرض. وهي لم تخلق له ولكنها مسخرة لمنفعته. فظاهرة الليل والنهار ذات أثر حاسم في حياة هذا المخلوق البشري. ومن شاء فليتصور نهارا بلا ليل أو ليلا بلا نهار، ثم يتصور مع هذا حياة الإنسان والحيوان والنبات في هذه الأرض كيف تكون. كذلك الشمس والقمر. وعلاقتهما بالحياة على الكوكب الأرضي، وعلاقة الحياة بهما في أصلها وفي نموها، {والنجوم مسخرات بأمره} للإنسان ولغير الإنسان مما يعلم الله.. وكل أولئك طرف من حكمة التدبير، وتناسق النواميس في الكون كله، يدركه أصحاب العقول التي تتدبر وتعقل وتدرك ما وراء الظواهر من سنن وقوانين: {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}.. والفوج الرابع من أفواج النعمة فيما خلق الله للإنسان: {وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه. إن في ذلك لآية لقوم يذكرون}.. وما خلق الله في الأرض وما أودع فيها للبشر من مختلف المعادن التي تقوم بها حياتهم في بعض الجهات وفي بعض الأزمان. ونظرة إلى هذه الذخائر المخبوءة في الارض، المودعة للناس حتى يبلغوا رشدهم يوماً بعد يوم، ويستخرجوا كنوزهم في حينها ووقت الحاجة إليها. وكلما قيل: إن كنزا منها قد نفد أعقبه كنز آخر غني، من رزق الله المدخر للعباد.. {إن في ذلك لآية لقوم يذكرون} ولا ينسون أن يد القدرة هي التي خبأت لهم هذه الكنوز. والفوج الخامس من أفواج الخلق والأنعام في البحر الملح الذي لا يشرب ولا يسقي، ولكنه يشتمل على صنوف من آلاء الله على الإنسان: {وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً، وتستخرجوا منه حلية تلبسونها، وترى الفلك مواخر فيه، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون}.. ونعمة البحر وأحيائه تلبي كذلك ضرورات الإنسان وأشواقه. فمنه اللحم الطري من السمك وغيره للطعام. وإلى جواره الحلية من اللؤلؤ ومن المرجان، وغيرهما من الأصداف والقواقع التي يتحلى بها أقوام ما يزالون حتى الآن. والتعبير كذلك عن الفلك يشي بتلبية حاسة الجمال لا بمجرد الركوب والانتقال: {وترى الفلك مواخر فيه} فهي لفتة إلى متاع الرؤية وروعتها: رؤية الفلك {مواخر} تشق الماء وتفرق العباب.. ومرة اخرى نجد أنفسنا أمام التوجيه القرآني العالي إلى الجمال في مظاهر الكون، بجانب الضرورة والحاجة، لنتملى هذا الجمال ونستمتع به، ولا نحبس أنفسنا داخل حدود الضرورات والحاجات. كذلك يوجهنا السياق ـ أمام مشهد البحر والفلك تشق عبابه ـ إلى ابتغاء فضل الله ورزقه، وإلى شكره على ما سخر من طعام والزينة والجمال في ذلك الملح الأجاج: {ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون}. والفوج الأخير في هذا المقطع من السورة: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم، وأنهاراً وسبلا لعلكم تهتدون. وعلامات وبالنجم هم يهتدون}. فأما الجبال الرواسي فالعلم الحديث يعلل وجودها ولكنه لا يذكر وظيفتها التي يذكرها القرآن هنا. يعلل وجودها بنظريات كثيرة متعارضة أهمها أن جوف الأرض الملتهب يبرد فينكمش، فتتقلص القشرة الأرضية من فوقه وتتجعد فتكون الجبال والمرتفعات والمنخفضات. ولكن القرآن يذكر أنها تحفظ توازن الأرض. وهذه الوظيفة لم يتعرض لها العلم الحديث. وفي مقابل الجبال الرواسي يوجه النظر إلى الأنهار الجواري، والسبل السوالك. والأنهار ذات علاقة طبيعية في المشهد بالجبال، ففي الجبال في الغالب تكون منافع الأنهار؛ حيث مساقط الأمطار. والسبل ذات علاقة بالجبال والأنهار. وذات علاقة كذلك بجو الأنعام والأحمال والانتقال. وإلى جوار ذلك معالم الطرق التي يهتدي بها السالكون في الأرض من جبال ومرتفعات ومنفرجات، وفي السماء من النجم الذي يهدي السالكين في البر والبحر سواء. وعندما ينتهي استعراض آيات الخلق، وآيات النعمة، وآيات التدبير في هذا المقطع من السورة يعقب السياق عليه بما سيق هذا الاستعراض من أجله. فقد ساقه في صدد قضية التعريف بالله سبحانه وتوحيده وتنزيهه عما يشركون: {أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ أفلا تذكرون؟ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم. والله يعلم ما تسرون وما تعلنون، والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون}.. وهو تعقيب يجيء في أوانه، والنفس متهيئة للإقرار بمضمونه: {أفمن يخلق كمن لا يخلق؟}.. فهل هنالك إلا جواب واحد: لا. وكلا: أفيجوز أن يسوي إنسان في حسه وتقديره.. بين من يخلق ذلك الخلق كله، ومن لا يخلق لا كبيرا ولا صغيراً؟ {أفلا تذكرون} فما يحتاج الأمر إلى أكثر من التذكر، فيتضح الأمر ويتجلى اليقين. ولقد استعرض ألوانا من النعمة. فهو يعقب عليها: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}.. فضلاً على أن تشكروها. وأكثر النعم لا يدريها الإنسان، لأنه يألفها فلا يشعر بها إلا حين يفتقدها.. وهذا تركيب جسده ووظائفه متى يشعر بما فيه من إنعام إلا حين يدركه المرض فيحس بالاختلال؟ إنما يسعه غفران الله للتقصير ورحمته بالإنسان الضعيف {إن الله لغفور رحيم}.. والخالق يعلم ما خلق. يعلم الخافي والظاهر: {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} فكيف يسوونه في حسهم وتقديرهم بتلك الآلهة المدعاة وهم لا يخلقون شيئا ولا يعلمون شيئا، بل إنهم لأموات غير قابلين للحياة على الإطلاق. ومن ثم فهم لا يشعرون: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون. أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون}.. والإشارة هنا إلى البعث وموعده فيها تقرير أن الخالق لا بد أن يعلم موعد البعث. لأن البعث تكملة للخلق. وعنده يستوفي الأحياء جزاءهم على ما قدموا. فالآلهة التي لا تعلم متى يبعث عبادها هي آلهة لا تستحق التأليه، بل هي سخرية الساخرين. فالخالق يبعث مخاليقه ويعلم متى يبعثهم على التحقيق!
ابن عاشور
تفسير : {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ}. لمّا كان معظم أغراض هذه السورة زجر المشركين عن الإشراك وتوابعه وإنذارهم بسوء عاقبة ذلك، وكان قد تكرّر وعيدهم من قبل في آيات كثيرة بيوم يكون الفارقَ بين الحق والباطل فتزول فيه شوكتهم وتذهب شدّتهم. وكانوا قد استبطأوا ذلك اليوم حتى اطمأنوا أنه غير واقع فصاروا يهزأون بالنبي ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ والمسلمين فيستعجلون حلول ذلك اليوم. صدّرت السورة بالوعيد المصوغ في صورة الخبر بأن قد حلّ ذلك المتوعد به. فجيء بالماضي المراد به المستقبل المحققُ الوقوع بقرينة تفريع {فلا تستعجلوه}، لأن النهي عن استعجال حلول ذلك اليوم يقتضي أنه لما يحل بعد. والأمر: مصدر بمعنى المفعول، كالوعد بمعنى الموعود، أي ما أمر الله به. والمرادُ من الأمر به تقديره وإرادة حصوله في الأجل المسمّى الذي تقتضيه الحكمة. وفي التعبير عنه بأمر الله إبهام يفيد تهويله وعظمته لإضافته لمن لا يعظم عليه شيء. وقد عبّر عنه تارات بوعد الله ومرّات بأجل الله ونحو ذلك. والخطاب للمشركين ابتداء لأن استعجال العذاب من خصالهم، قال تعالى: {أية : ويستعجلونك بالعذاب} تفسير : [سورة الحج: 47] ويجوز أن يكون شاملاً للمؤمنين لأن عذاب الله وإن كان الكافرون يستعجلون به تهكّماً لظنّهم أنه غير آتٍ، فإن المؤمنين يضمرون في نفوسهم استبطاءه ويحبّون تعجيله للكافرين. فجملة {فلا تستعجلوه} تفريع على {أتى أمر الله} وهي من المقصود بالإنذار. والاستعجال: طلب تعجيل حصول شيء، فمفعوله هو الذي يقع التعجيل به. ويتعدّى الفعل إلى أكثر من واحد بالباء فقالوا: استعجل بكذا. وقد مضى في سورة الأنعام (57) قوله تعالى: {أية : ما عندي ما تستعجلون به}.تفسير : فضمير {تستعجلوه} إما عائد إلى الله تعالى، أي فلا تستعجلوا الله. وحذف المتعلق بــــ{تستعجلوه} لدلالة قوله: {أتى أمر الله} عليه. والتقدير فلا تستعجلوا الله بأمره، على نحو قوله تعالى: {أية : سأوريكم آياتي فلا تستعجلون} تفسير : [سورة الأنبياء: 37]. وقيل الضمير عائد إلى أمر {الله}، وعليه تكون تعدية فعل الاستعجال إليه على نزع الخافض. والمراد من النهي هنا دقيق لم يذكروه في موارد صيغ النهي. ويجدر أن يكون للتسوية كما ترد صيغة الأمر للتسوية، أي لا جدوى في استعجاله لأنه لا يعجّل قبل وقته المؤجّل له. مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لأنها المقصود من الوعيد، إذ الوعيد والزّجر إنما كانا لأجل إبطال الإشراك، فكانت جملة {أتى أمر الله} كالمقدمة، وجملة {سبحانه وتعالى عما يشركون} كالمقصد. و (ما) في قوله: {عما يشركون} مصدرية، أي عن إشراكهم غيره معه. وقرأ الجمهور {يشركون} بالتحتية على طريقة الالتفات، فعدل عن الخطاب ليختص التبرؤ من شأنهم أن ينزلوا عن شرف الخطاب إلى الغيبة. وقرأه حمزة والكسائي بالمثناة الفوقية تبعاً لقوله: {فلا تستعجلوه}.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ}. أي قرب وقت إتيان القيامة. وعبر بصيغة الماضي تنزيلاً لتحقق الوقوع منزلة الوقوع. واقتراب القيامة المشار إليه هنا بينه جل وعلا في مواضع أخر، كقوله: {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ}تفسير : [الأنبياء: 1]، وقوله جل وعلا: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} تفسير : [القمر: 1]، وقوله: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً}تفسير : [الأحزاب: 63]، وقوله: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ}تفسير : [الشورى: 17]، وقوله جل وعلا: {أية : أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ} تفسير : [النجم: 57-58] إلى غير ذلك من الآيات. والتعبير عن المستقبل بصيغة الماضي لتحقق وقوعه كثير في القرآن، كقوله: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ } تفسير : [الزمر: 68] الآية، وقوله {أية : وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّار} تفسير : [الأعراف: 44] الآية، وقوله: {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ} تفسير : [الزمر: 69-71] الآية. فكل هذه الأفعال الماضية بمعنى الاستقبال، نزل تحقق وقوعها منزلة الوقوع. وقوله تعالى: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ}. نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن استعجال ما وعد به من الهول والعذاب يوم القيامة. والاستعجال هو طلبهم أن يعجل لهم ما يوعدون به من العذاب يوم القيامة. والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة، كقوله جل وعلا: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [العنكبوت: 53-54]، وقوله: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا} تفسير : [الشورى: 18]، وقوله: {أية : وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} تفسير : [هود: 8] الآية، وقوله: {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [ص: 16]، وقوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ}تفسير : [يونس: 50] إلى غير ذلك من الآيات. والضمير في قوله {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} في مفسره وجهان: أحدهما: أنه العذاب الموعد به يوم القيامة، المفهوم من قوله: {أَتَىٰ أَمْرُ}. والثاني: أنه يعود إلى الله. أي لا تطلبوا من الله أن يعجل لكم العذاب. قال معناه ابن كثير. وقال القرطبي في تفسيره: قال ابن عباس: لما نزلت {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} تفسير : [القمر: 1] قال الكفار: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت! فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون، فأمسكوا فانتظروا فلم يروا شيئاً، فقالوا: ما نرى شيئاً! فنزلت {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} تفسير : [الأنبياء: 1] الآية. فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة, فامتدت الأيام فقالوا: ما نرى شيئاً، فنزلت {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وخافوا، فنزلت {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} فاطمأنوا. فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين"تفسير : - وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها اهـ محل الغرض من كلام القرطبي، وهو يدل على أن المراد بقوله {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} أي لا تظنوه واقعاً الآن عن عجل، بل هو متأخر إلى وقته المحدد له عند الله تعالى. وقول الضحاك ومن وافقه: إن معنى: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي فرائضه وحدوده - قول مردود ولا وجه له، وقد رده الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره قائلاً: إنه لم يبلغنا أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استعجل فرائض قبل أن تفرض عليهم، فيقال لهم من أجل ذلك قد جاءتكم فرائض الله فلا تستعجلوها. أما مستعجلو العذاب من المشركين فقد كانوا كثيراً اهـ. والظاهر المتبادر من الآية الكريمة - أنها تهديد للكفار باقتراب العذاب يوم القيامة مع نهيهم عن استعجاله. قال ابن جرير في تفسيره: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو تهديد من الله لأهل الكفر به وبرسوله، وإعلام منه لهم قرب العذاب منهم والهلاك، وذلك أنه عقب ذلك بقوله سبحانه وتعالى {أية : عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [النحل: 1] فدل بذلك على تقريعه المشركين به ووعيده لهم اهـ.
الواحدي
تفسير : {أتى أمر الله} أَيْ: عذابه لمَنْ أقام على الشِّرك، أَيْ: قد قَرُبَ ذلك {فلا تستعجلوه} فإنَّه نازلٌ بكم لا محالة {سبحانه} براءةٌ له من السُّوء {وتعالى} ارتفع بصفاته {عما يشركون} عن إشراكهم. {ينزل الملائكة} يعني: جبريل عليه السَّلام وحده {بالروح} بالوحي {من أمره} والوَحْيُ من أمر الله سبحانه {على مَنْ يشاء من عباده} يريد: النَّبيِّين الذين يختصُّهم بالرِّسالة {أن أنذروا} بدلٌ من الرُّوح، أَيْ: أعلموا أهل الكفر {أنه لا إله إلاَّ أنا} مع تخويفهم إنْ لم يقرُّوا {فاتقون} بالتَّوحيد والطَّاعة، ثمَّ ذكر ما يدلُّ على توحيده، فقال: {خلق السمٰوات...} الآية. {خلق الإِنسان من نطفة} يعني: أُبيَّ بن خلف {فإذا هو خصيم} مخاصمٌ {مبين} ظاهرُ الخصومة، وذلك أنَّه خاصم النبيَّ صلى الله عليه وسلم في إنكاره البعث.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- تأكدوا - أيها المشركون - أن ما توعَّدكم الله به يوم القيامة واقع قريب الوقوع لا شك فيه، فلا تستهزئوا باستعجال وقوعه، تنزه الله عن أن يكون له شريك يُعبد من دونه، وعما تشركون به من آلهة لا تقدر على شئ.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أتى أمر الله: أي دنا وقرب أمر الله بعذابكم أيها المشركون فلا تستعجلون. ينزل الملائكة بالروح: أي بالوحي الذي به حياة الأرواح والمراد من الملائكة جبريل. خلق الإنسان من نطفة: أي قطرة من المني. دفء ومنافع: أي ما تستدفئون به، ومنافع من العسل واللبن واللحم والركوب. حين تريحون: أي حين تردونها من مراحها. وحين تسرحون: أي وحين إخراجها من مراحها إلى مسارحها أي الأماكن التي تسرح فيها. إلا بشق الأنفس: أي بجهد الأنفس ومشقة عظيمة. معنى الآيات: لقد استعجل المشركون بمكة العذاب وطالبوا به غير مرة فأنزل الله تعالى قوله: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي بعذابكم أيها المستعجلون له. لقد دنا منكم وقرب فالنضر بن الحارث القائل: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال: 32] جاءه بعد سُنيات قلائل فهلك ببدر صَبْراً، إلى جهنم، وعَذَابُ يوم القيامة لمن استعجله قد قرب وقته ولذا عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه وقرب مجيئه فلا معنى لاستعجاله فلذا قال الله تعالى: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} وقوله {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزه وتقدس عما يشركون به من الآلهة الباطلة إذ لا إله حق إلا هو: وقوله {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} أي بإرادته وإذنه {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}. أي ينزل جبريل عليه السلام بالوحي على من يشاء من عباده وهو محمد صلى الله عليه وسلم وقوله {أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ} أي بأن انذروا أي خوفوا المشركين عاقبة شركهم فإن شركهم باطل سيجر عليهم عذاباً لا طاقة لهم به، لأنه لا إله إلا الله، وكل الآلهة دونه باطلة. إذاً فاتقوا الله بترك الشرك والمعاصي وإلا تعرضتم للعذاب الأليم. في هاتين الآيتين تقرير للوحي والنبوة للنبي صلى الله عليه وسلم وتقرير التوحيد أيضاً وقوله تعالى في الآيات التالية: {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} استدلال على وجوب التوحيد وبطلان الشرك فالذي خلق السماوات والأرض بقدرته وعلمه وحده دون ما مُعِين له ولا مساعد حُقَّ أن يعبد، لا تلك الآلهة الميتة التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق {تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزه وتقدس تعالى عما يشركون به من أصنام وأوثان. وقوله: {خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ} أي من أضعف شيء وأحقره قطرة المني خلقه في ظلمات ثلاث وأخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئاً حتى إذا رباه وأصبح رجلاً إذا هو خصم لله يجادل ويعاند، ويقول من يحيي العظام وهي رميم. وقوله تعالى {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} فهذه مظاهر القدرة الإِلهية والعلم والحكمة والرحمة وهي الموجبة لعبادته تعالى وترك عبادة ما سواه. فالأنعام وهي الإِبل والبقر والغنم خلقها الله تعالى لبني آدم ولم يخلقها لغيرهم، لهم فيها دفء إذ يصنعون الملابس والفرش والأغطية من صوف الغنم ووبر الإِبل ولهم فيها منافع كاللبن والزبدة والسمن والجبن والنسل حيث تلد كل سنة فيتنفعون بأولادها. ومنها يأكلون اللحوم المختلفة فالمنعم بهذه النعم هو الواجب العبادة دون غيره من سائر مخلوقاته وقوله: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ} أي منظر حسن جميل حين تريحونها عشية من المرعى إلى المراح {وَحِينَ تَسْرَحُونَ} أي تخرجونها صباحاً من مراحها إلى مراعيها، فهذه لذة روحية ببهجة المنظر. وقوله {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ} أي إلا بجهد النفس والمشقة العظيمة. فالإِبل في الصحراء كالسفن في البحر تحمل الأثقال من بلدٍ إلى بلد وقد تكون المسافة بعيدة لا يصلها الإِنسان إلا بشق النفس وبذل الجهد والطاقة، لولا الإِبل سفن الصحراء ومثل الإِبل الخيل والبغال والحمير في حمل الأثقال. فالخالق لهذه الأنعام هو ربكم لا إله إلا هو فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمْ} أي خالقكم ورازقكم ومربيكم وإلهكم الحق الذي لا إله لكم غير لرؤوف رحيم، ومظاهر رحمته ورأفته ظاهره في كل حياة الإنسان فلولا لطف الله بالانسان ورحمته له لما عاش ساعة في الحياة الدنيا فلله الحمد وله المنة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- قرب يوم القيامة فلا معنى لاستعجاله فإنه آتٍ لا محالة، وكل أتٍ قريب. 2- تسمية الوحي بالروح من أجل أنه يحيى القلوب، كما تحيى الأجسام بالأرواح. 3- تقرير التوحيد والنبوة والبعث الآخر بذكر مظاهر القدرة الإِلهية والعلم والحكمة والرأفة والرحمة.
القطان
تفسير : اتى امر الله: دنا وقرب. امر الله: وعده وحكمه. الروح: الوحي. انذروا: خوفوا: خصيم: مخاصم. كان مشركو مكةَ يستعجلون الرسولَ عليه الصلاة والسلام ان يأتيهم بعذاب الدنيا او عذاب الآخرة، فجاء ملطعُ هذه السورة حاسماً: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوه}. وقد تحقَّقَ هذا الوعيدُ بان اهلك الله عدداً من صناديِدِهم في هذه الدنيا ونصر رسولَه والمؤمنين، ولَعذابُ الآخرة أشدّ، وهو واقعٌ لا ريب فيه {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تَنَزَّه الله عنه ان يكون له شريك يُعبد دونه. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: "تشركون" بالتاء، والباقون "يشركون" بالياء كما هي في المصحف. {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ}. بعد ان تبرّأَ سبحانه من الشريك - بيّن انه تعالى وحدَه يعرف أسرار هذا الكون، وانه يُنَزّلُ ملائكتَه بالوحي الذي يُحيي القلوبَ على من يريد من عبادِه الذين يصطفيهم، لِيُعلِّموا الناس، ويُنذِروهم بأنَّ إله الخلْق واحدٌ لا اله الا هو، فاحذَروا، وأخلِصوا له العبادة، والتزِموا بالتقوى والإيمان. قراءات: قرأ الكسائي عن ابي بكر: "تنزيل الملائكة" بفتح التاء والنون والزاي المشددة. وقرأ ابن كثير وابو عمرو: "ينزل" بضم الياء وكسر الزاي من أنزل. والباقون: "ينزل" بضم الياء وكسر الزاي المشددة. {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. بعد ان بيَّن الله أنه تنزَّه عن الشريك، وأنه هو الخالقُ الواحد، وأمر الناسَ بتقواه وإخلاص العبادة له - أخذَ في عرضِ أدلَّة التوحيد، والآياتِ الدالّة على النِعمة عرضاً لطيفاً هادئا. خلَق الله العالَمَ العُلويَّ والسفليَّ بما حوى بالحق على نهجٍ تقتضيه الحكمة، لوم يخلقْه عَبَثا، وقد تنزَّه عن ان يكونَ له شريكٌ يتصرَّفُ في مُلكِه، او يستحقّ ان يُعبد مثله، تعالى عن شِركهم، وتعالى عما يشركون. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: "تشركون" بالتاء. و{خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} ما أعجبَ هذا الانسانَ الذي خلقه اللهُ من مادة لا تُرى بالعين المجرَّدة، فإذا به إنسانٌ قويٌّ مخاصِم مجادِل، ان هذا الكون كلّه عجيب، وأعجبُ ما فيه هذا الانسان.
د. أسعد حومد
تفسير : {سُبْحَانَهُ} {وَتَعَالَىٰ} (1) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنِ اقْتِرَابِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَدُنُوِّ وَقْتِها، وَقَدْ عَبَّرَ عَنْ ذلِكَ بِصِيغَةِ المَاضِي لِلدَّلاَلَةِ عَلَى التَّحَقُقِ وَالوُقُوعِ لاَ مَحَالَةَ. وَمَتَى قَامَتِ السَّاعَةُ، وَجَرَى الحِسَابُ، كَانَ مَصِيرُ الكُفَّارِ المُجْرِمِينَ العَذَابَ فِي نِارِ جَهَنَّمَ. فَاسْتِعْجَالُهُمْ قِيَامَ السَّاعَةِ كَاسْتِعْجَالِهِمْ حُلولَ العَذَابِ بِهِمْ، لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى لَهُمْ: فَلاَ تَسْتَعْجِلُوا أَيُّها المُشْرِكُونَ بِالعَذَاب. (وَكَانَ مُشْرِكُو مَكَّةَ يَسْتَعْجِلُونَ الرَّسُولَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِعَذَابِ الدُّنيا أَو عَذَابِ الآخِرَةِ إِنْ كَانَ صَادِقاً، وَكَانَ ذَلِكَ اسْتِبْعَاداً مِنْهُمْ لوُقُوعِ العَذَابِ، وَتَكْذِيباً لِلرَّسُولِ صلى الله عليهم وسلم). ثُمَّ نَزَّهَ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ عَنْ شِرْكِهِمْ بِهِ غَيْرَهُ، وَعِبَادَتِهِم الأَوْثَانَ وَالأَنْدَادَ مَعَهُ، تَقَدَّسَ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً. سُبْحَانَهُ - تَنَزَّهَ اسْمُ اللهِ تَعَالَى. تَعَالَى - تَعَاظَمَ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الجَلَيلَةِ.
الثعلبي
تفسير : {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي جاء فدنا، واختلفوا في هذا الأمر ما هو. فقال قوم: هو الساعة. قال ابن عبّاس: لما أنزل الله تعالى {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} تفسير : [القمر: 1] قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا يزعم [أن] يوم القيامة قد قرب فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر ماهو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء، قالوا: ما نرى شيئاً، فأنزل الله تعالى: {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} تفسير : [الأنبياء: 1] الآية. فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة، فلما إمتدت الأيام قالوا: يا محمّد ما نرى شيئاً مما تخوّفنا به فأنزل الله {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} فوثب النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزلت {فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} فاطمأنوا فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه إن كادت لتسبقني ". تفسير : وقال ابن عبّاس: كان بعث النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة. وأن جبرئيل لما مرَّ بأهل السماوات مبعوثاً إلى محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: الله أكبر قد قامت الساعة. قال الآخرون: الأمر هاهنا العذاب بالسيف، وهو جواب للنضر بن الحرث حين قال: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [الأنفال: 32] الآية يستعجل العذاب، فأنزل الله هذه الآية، وهذا من الجواب المقصور فقتل النضر يوم بدر صبراً. وقال الضحاك: {أَمْرُ ٱللَّهِ}: الأحكام والحدود والفرائض. والقول الأوّل أولى بالصواب؛ لأنه لم يبلغنا أن أحداً من الصحابة مستعجل بفريضة الله قبل أن تفرض عليهم، وأمّا مستعجل العذاب من المشركين فقد كانوا كثيراً. {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ}. قرأه العامّة: بضم الياء وكسر الزاي المشدد، الملائكة نصب. وخففه معظم أهل مكة والبصرة بمعنى ينزل الله. وقرأ المفضل وروح وسهيل وزيد: ينزل بفتح الياء والزاي، الملائكة رفع. وقرأ الأعمش: ينزل بفتح الياء وجزم النون وكسر الزاي من النزول، والملائكة رفع على هاتين القرائتين والفعل للملائكة. {بِٱلْرُّوحِ} بالوحي سمّاه روحاً، لأنه تحيا به القلوب والحق، ويموت به الكفر والباطل. وقال عطاء: بالنبوة فطرة يلقى الروح من أمره. قتادة: بالرحمة. أبو عبيدة: {بِٱلْرُّوحِ }، يعني: مع الروح وهو جبرئيل. {مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ} محله نصب بنزع الخافض، ومجازه بأن {أَنْذِرُوۤاْ} أعلموا، من قولهم: أنذر به أي أعلم {أَنَّهُ} في محل النصب بوقوع الإنذار عليه. { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ * خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ}} يجادل بالباطل { مُّبِينٌ} نظيره قوله: {أية : وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} تفسير : [النساء: 105] نزلت هذه الآية في أُبي بن خلف الجمحي حين جاء بالعظم الرميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمّد أترى الله يحيي هذا بعدما قد رمَّ؟ نظيرها قوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ} تفسير : [يس: 77] إلى آخر السورة نزلت في هذه القصة أيضاً. {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا} يعني الإبل والبقر والغنم {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} يعني من أوبارها وأصوافها وأشعارها ملابس و [لحفاً] وقطن يستدفئون {وَمَنَافِعُ} بالنسل والدرّ والركوب والحمل وغيرها {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} يعني لحومها {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ} أي حين يردّونها بالعشي من مراعيها إلى مباركها التي تأوى إليها. يقال: أراح فلان ماشيته يريحها أراحة، والمكان الذي يراح إليه: مراح. {وَحِينَ تَسْرَحُونَ} اي يخرجونها بالغداة من مراعيها إلى مسارحها. يقال: سرّح ماشيته يسرّحها سرُحاً وسروحاً إذا أخرجها للرعي، وسرحت الماشية سروحاً إذا رعت. قال قتادة: وذلك أعجب ما يكون إذا راحت عظاماً ضروعها طوالاً أسنمتها. {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ} آخر غير بلدكم. عكرمة: البلد مكة. {لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ} أي تكلفتموه {إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ}. قرأه العامّة: بكسر الشين، ولها معنيان: أحدهما: الجهد والمشقة. والثاني: النصف، يعني لم تكونوا بالغيه إلاّ بشق النفس من القوة وذهاب شق منها حتّى لم تبلغوه إلاّ بنصف قوى أنفسكم وذهاب نصفها الآخر. وقرأ أبو جعفر: بشق بفتح الشين. وهما لغتان مثل برَق وبرِق، وحَصن وحصِن، ورَطل ورطِل. وينشد قول النمر بن تولب: بكسر الشين. شعر : وذي إبل يسعى ويحسبها له أخي نصب من شقها ودؤوب تفسير : ويجوز أن يكون بمعنى المصدر من شققت عليه يشق شقاً. {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} بخلقه حيث خلق لهم هذه الأشياء وهيّأ لهم هذه المنافع والمرافق. {وَٱلْخَيْلَ} يعني وخلق الخيل وهو اسم جنس لا واحد له من لفظه كالإبل والنساء {وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} يعني وجعلها زينة مع المنافع التي فيها. واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على تحريم لحوم الخيل، روى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس أنه سئل عن أكل لحوم الخيل فكرهها وتلا هذه الآية: {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}. قال: هو المركوب، وقرأ التي قبلها: {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا} الآية، وقال: هذه للأكل. وقال: الحكم بلحوم الخيل حرام في كتاب الله، ثمّ قرأ هذه الآيات، وقال: جعل هذه للأكل وهذا للركوب. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومالك وغيرهما من العلماء، واحتجوا أيضاً في ذلك بما روى صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب عن أبيه عن جدّه عن خالد بن الوليد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير ". تفسير : وقال الآخرون: لابأس بأكل لحوم الخيل، وليس في هذه الآية دليل على تحريم شيء، وإنما عرّف الله عباده بهذه الآية نعمه عليهم ونبههم على حجج وحدانيته وربوبيته وكمال قدرته، وإليه ذهب الشافعي واحتج بما روى محمّد بن علي عن جابر بن عبد الله حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمير الأهلية وأذن في لحوم الخيل . تفسير : وروى سفيان عن عمرو بن دينار حديث : عن جابر قال: أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني يوم خيبر لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر . تفسير : وروى سفيان عن عبد الكريم عن عطاء عن جابر قال: كنا نأكل لحوم الخيل، قلت: والبغال؟ قال: لا. هشام عن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر(رضي الله عنه) قالت: أكلنا لحم فرس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: نحر أصحابنا فرساً في النخع فأكلوا منه ولم يروا به بأساً. {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. قال بعض المفسرين: يعني ما أعدَّ في الجنة لأهلها، وفي النار لأهلها ما لم تره عين ولا سمعته أُذن ولا خطر على قلب بشر. قال قتادة: يعني السوس في الثياب، والدود في الفواكه. وروى مقاتل عن الضحاك عن ابن عبّاس في قوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} قال: يريد أن عن يمين العرش نهراً من نور مثل السماوات السبع والأرضين السبع والبحار السبع. يدخل جبرئيل كل سحر فيغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله وعظماً إلى عظمته فينتفض فيخرج الله من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك بالبيت المعمور وفي الكعبة سبعون ألفاً لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة. {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} يعني طريق الحق لكم، والقصد: الطريق المستقيم، وقيل على الله القصد بكم إلى الدين {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} يعني ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوج، وإنما أُنث للكناية، لأن لفظ السبيل واحد ومعناها جمع، والسبيل مؤنثة في لغة أهل الحجاز، والقصد من السبيل هو الحنيفية دين الإسلام، والجائر منها اليهودية والنصرانية وغير ذلك من الملل والكفرة. وقال جابر بن عبد الله: قصد السبيل يعني بيان الشرائع والفرائض، وقال عبد الله بن المبارك وسهل بن عبد الله: {قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} السنّة، {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} يعني الأهواء والبدع، بيانه قوله: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} تفسير : [الأنعام: 153] الآية. وفي مصحف عبد الله: ومنكم جائز. {وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} نظيرها قوله: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} تفسير : [يونس: 99] وقوله: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} تفسير : [السجدة: 13].
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هكذا تبدأ السورة الجليلة؛ مُوضِّحةً أن قضاءَ الله وحُكْمه بنصر الرسول والمؤمنين لا شَكَّ فيه ولا محَالة؛ وأن هزيمة أهل الكفر قادمة، ولا مَفرَّ منها إنْ هُم استمرُّوا على الكفر. وقد سبق أنْ أنذرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بما نَزل عليه من آيات الكتاب؛ أنذرهم في السورة السابقة ببعض العذاب الدنيوي، كنصر الإيمان على الكفر، وأنذرهم مِنْ قَبْل أيضاً ببعض العذاب في الآخرة، كقوْل الحق سبحانه: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77]. وكذلك قوله الحق: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45]. وهكذا وعد الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أنْ يهزِم معسكر الكفر، وأنْ ينصرَ معسكر الإيمان؛ وإما أنْ يرى ذلك بعينيه أو إنْ قبض الحق أجلَه فسيراها في الآخرة. وعن حال الرسول صلى الله عليه وسلم قال سبحانه: {أية : إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ} تفسير : [الحجر: 95]. وأنذر الحق سبحانه أهل الشرك بأنهم في جهنم في اليوم الآخر، وهنا يقول سبحانه: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ..} [النحل: 1]. وهذا إيضاحٌ بمرحلة من مراحل الإخبار بما يُنذِرون به، كما قال مرة: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} تفسير : [القمر: 1]. أي: اقتربتْ ساعة القيامة التي يكون من بعدها حسابُ الآخرة والعذاب لِمَنْ كفر، والجنة لِمَنْ آمنَ وعمِل صالحاً، فاقترابُ الساعة غَيْر مُخيف في ذاته، بل مُخيف لِمَا فيه من الحساب والعقاب. وقيل: إن أهلَ الكُفْر لحظة أنْ سَمِعوا قول الحق سبحانه: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ..} تفسير : [القمر: 1]. قالوا: "فلننتظر قليلاً؛ فقد يكون ما يُبلِّغ به محمد صحيحاً" وبعد أن انتظروا بعضاً من الوقت، ولم تَأْتِ الساعة كما بَشَّر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قالوا: انتظرنا ولم تَأْتِ الساعة، فنزل قول الحق سبحانه: {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ..} تفسير : [الأنبياء: 1]. وهذا حديث عن الأمر الذي سيحدث فوْرَ قيام الساعة، فَهَادنُوا وانتظروا قليلاً، ثم قالوا: أيْنَ الحساب إذن؟ فنزل قوله تعالى: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ..} [النحل: 1]. وساعة سَمِع الكُلُّ ذلك فَزِعوا؛ بمن فيهم من المسلمين؛ وجاء الإسعاف في قوله من بعد ذلك: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..} [النحل: 1]. أي: أن الأمر الذي يُعلنه محمد صلى الله عليه وسلم لا يعلم ميعادَه إلا الله سبحانه؛ واطمأنَّ المسلمون. وكُلُّ حدث من الأحداث - كما نعلم - يحتاج كُلٌّ منها لظرفيْن؛ ظرْفِ زمانٍ؛ وظرْفِ مكان. والأفعال التي تدلُّ على هذه الظروف إما فِعْل مَاض؛ فظرْفُه كان قبل أن نتكلَم، وفعلٌ مضارع. أي: أنه حَلَّ، إلا إنْ كان مقروناً بـ"س" أو بـ "سوف". أي: أن الفعل سيقع في مستقبل قريب إنْ كان مقروناً بـ "س" أو في المستقبل غير المحدد والبعيد إن كان مسبوقاً بـ "سوف"، وهكذا تكون الأفعال ماضياً، وحاضراً، ومستقبلاً. وكلمة (أتى) تدلُّ على أن الذي يُخبرك به - وهو الله سبحانه - إنما يُخبِرك بشيء قد حدث قبل الكلام، وهو يُخبِر به، والبشر قد يتكلَّمون عن أشياءَ وقعتْ؛ ويُخبِرون بها بعضَهم البعض. ولكن المتكلِّم هنا هو الحقُّ سبحانه؛ وهو حين يتكلَّم بالقرآن فهو سبحانه لا ينقص عِلْمه أبداً، وهو علم أَزَليٌّ، وهو قادر على أن يأتيَ المستقبل وَفْق ما قال، وقد أعدَّ توقيت ومكان كُل شيء من قبل أنْ يخلقَ؛ وهو سبحانه خالق من قبل أن يخلق أي شيء؛ فالخَلْق صفة ذاتية فيه؛ وهو مُنزَّه في كل شيء؛ ولذلك قال: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ ..} [النحل: 1]. أي: أنه العليمُ بزمن وقوع كُلِّ حدَث، وقد ثبت التسبيح له ذاتاً من قَبْل أن يوجد الخَلْق؛ فهو القائل: {أية : يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 20]. ثم خلق السماوات وخلق الأرض وغيرهما. أي: أنه مُسبِّح به من قَبْل خَلْق السماوات والأرض، وهو القائل سبحانه: {أية : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الحشر: 1]. ولكن هل انتهى التسبيح؟ لا، بل التسبيح مُستمِرٌّ أبداً، فهو القائل: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الجمعة: 1]. إذن: فقد ثبتتْ له "السُّبْحَانية" في ذاته، ثم وجد الملائكة يُسبِّحون الليلَ والنهارَ ولا يفترُون، ثم خلق السماء والأرض، فسبَّح ما فيهما وما بينهما؛ وجاء خَلْقه يُسبِّحون أيضاً - فيا مَنْ آمنتَ بالله إلهاً سَبِّح كما سَبَّحَ كُلُّ الكون. ولقائل أنْ يسألَ: وما علاقة "سبحانه وتعالى" بما يُشرِكون؟ ونعلم أنهم أشركوا بالله آلهةً لا تُكلِّفهم بتكليف تعبُّدي، ولم تُنزِل منهجاً؛ بل تُحلِّل لهم كُلَّ مُحرَّم، وتنهاهم عن بعضٍ من الحلال، وتخلوْا بذلك عن اتباع ما جاء به الرُّسل مُبلِّغين عن الله من تكليف يحمل مشقَّة الإيمان. وهؤلاء هم مَنْ سيلقوْنَ الله، وتسألهم الملائكة: أين هم الشركاء الذين عبدتموهم مع الله؟ ولن يدفَع عنهم أحدٌ هَوْلَ ما يلاقونه من العذاب. وهكذا تعرَّفْنا على أن تنزيه الله سبحانه وتعالى ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً هو أمر ثابتٌ له قَبْل أنْ يُوجَد شيء، وأمرٌ قد ثبت له بعد الملائكة، وثبتَ له بعد وجود السماوات والأرض. وهو أمر طلب الله من العبد المُخيَّر أن يفعله؛ وانقسم العبادُ قسمين، قِسْم آمن وسبَّح، وقِسْم لم يُسبِّح فتعالى عنهم الحق سبحانه لأنهم مُشْركون. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ ...}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {نُّطْفَةٍ} النطفة الماء المهين الذي يتكون منه الإِنسان، مِن نطَف إذا قطر {دِفْءٌ} الدفء: ما يستدفئ به الإِنسان من البرد {تُرِيحُونَ} الرَّواح: رجوع المواشي بالعشي من المرعى {تَسْرَحُونَ} السَّراح: الخروج بها صباحاً إلى المرعى {أَثْقَالَكُمْ} الأثقال: الأمتعة جمع ثقل سميت أثقالاً لأنها ثقيلة الحمل {جَآئِرٌ} مائل عن الحق {تُسِيمُونَ} أسام الماشية تركها ترعى، وسامت هي إذا رعت حيث شاءت فهي سائمة {ذَرَأَ} خلق وأبدع {مَوَاخِرَ} أصل المخْر شقُّ الماء عن يمين وشمال يقال: مخرت السفينةُ إِذا جرت تشق الماء مع صوت {تَمِيدَ} تضطرب. سَبَبُ النّزول: قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ}تفسير : [القمر: 1] قال الكفار بعضهم لبعض: إنَّ محمداً يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر، فلما امتدت الأيام قالوا يا محمد: ما نرى شيئاً مما تُخَوِّفنا به فأنزل الله تعالى {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ...} الآية. التفسِير: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} أي قرب قيام الساعة فلا تستعجلوا العذاب الذي أوعدكم به محمد، وإِنما أتى بصيغة الماضي لتحقق وقوع الأمر وقربه، قال الرازي: لما كان واجب الوقوع لا محالة عبّر عنه بالماضي كما يقال للمستغيث: جاءك الغوثُ فلا تجزع {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزَّه الله عما يصفه به الظالمون، وتقدس عن إشراكهم به غيره من الأنداد والأوثان {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} أي يُنزّل الملائكة بالوحي والنبوة بإِرادته وأمره {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي على الأنبياء والمرسلين، وسمَّى الوحي روحاً لأنه تحيا به القلوب كما تحيا بالأرواح الأبدان {أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ} أي بأن أنذروا أهل الكفر أنه لا معبود إلا الله فخافوا عذابي وانتقامي، ثم ذكر تعالى البراهين الدالة على وحدانيته وقدرته فقال {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي خلقهما بالحق الثابت، والحكمة الفائقة، لا عبثاً ولا جُزافاً {تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تمجَّد وتقدَّس عن الشريك والنظير {خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ} أي خلق هذا الجنس البشري من نطفةٍ مهينة ضعيفة هي المنيُّ {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} أي فإِذا به بعد تكامله بشراً مخاصمٌ لخالقه، واضح الخصومة، يكابر ويعاند، وقد خُلق ليكون عبداً لا ضداً قال ابن الجوزي: لقد خُلق من نطفة وهو مع ذلك يخاصم وينكر البعث، أفلا يستدل بأوله على آخره، وبأن من قدر على إِيجاده أولاً قادرٌ على إِعادته ثانياً؟ {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا} أي وخلق الأنعام لمصالحكم وهي الإِبل والبقر والغنم {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} أي لكم فيها ما تستدفئون به من البرد مما تلبسون وتفترشون من الأصواف والأوبار {وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} أي ولكم فيها منافع عديدة من النسل والدر وركوب الظهر، ومن لحومها تأكلون وهو من أعظم المنافع لكم {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} أي ولكم في هذه الأنعام والمواشي زينةٌ وجمالٌ حين رجوعها عشياً من المرعى، وحين غُدوّها صباحاً لترعى، جمال الاستمتاع بمنظرها صحيحةً سمينةً فارهة {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ} أي وتحمل أحمالكم الثقيلة وأمتعتكم التي تعجزون عن حملها إلى بلدٍ بعيد لم تكونوا لتصلوا إليه إلا بجهدٍ ومشقة {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} أي إنَّ ربكم أيها الناس الذي سخَّر لكم هذه الأنعام لعظيمُ الرأفة والرحمة بكم {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} أي وخلق الخيل والبغال والحمير للحمل والركوب وهي كذلك زينة وجمال {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي ويخلق في المستقبل ما لا تعلمونه الآن كوسائل النقل الحديث: القاطرات، والسيارات، والطائرات النفاثة وغيرها مما يجدُّ به الزمان وهو من تعليم الله للإِنسان {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} أي وعلى الله جل وعلا بيانُ الطريق المستقيم، الموصلِ لمن يسلكه إلى جنات النعيم {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} أي ومن هذه السبيل طريقٌ مائلٌ عن الحق منحرفٌ عنه، لا يوصل سالكه إلى الله وهو طريق الضلال، كاليهودية والنصرانية والمجوسية {وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} أي لو شاء أن يهديكم إلى الإِيمان لهداكم جميعاً ولكنه تعالى اقتضت حكمته أن يدع للإِنسان حرية الاختيار {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ } تفسير : [الكهف: 29] ليترتب عليه الثواب والعقاب، ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم من الأنعام، شرع في ذكر سائر النعم العظام وآياته المنبثة في الكائنات فقال {هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً} أي أنزل المطر بقدرته القاهرة من السحاب {لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ} أي أنزله عذباً فراتاً لتشربوه فتسكن حرارة العطش {وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} أي وأخرج لكم منه شجراً ترعون فيه أنعامكم {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ} أي يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} أي ومن كل الفواكه والثمار يخرج لكم أطايب الطعام {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي إن في إنزال الماء وإِخراج الثمار لدلالة واضحة على قدرة الله ووحدانيته لقومٍ يتدبرون في صنعه فيؤمنون قال أبو حيان: ختم الآية بقوله: {يَتَفَكَّرُونَ} لأن النظر في ذلك يحتاج إلى فضل تأمل، واستعمال فكر، ألا ترى أن الحبة الواحدة إذا وُضعت في الأرض ومرَّ عليها زمن معيَّن لحقها من نداوة الأرض ما تنتفخ به فيُشق أعلاها فتصعد منه شجرة إلى الهواء، وأسفلها يغوص منه في عمق الأرض شجرةٌ أخرى وهي العروق، ثم ينمو الأعلى ويقوى وتخرج الأوراق والأزهار، والأكمام والثمار، المشتملة على أجسامٍ مختلفة الطبائع والألوان والأشكال والمنافع وذلك بتقدير قادرٍ مختار وهو الله تعالى {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أي ذلّل الليل والنهار يتعاقبان لمنامكم ومعاشكم، والشمس والقمر يدوران لمصالحكم ومنافعكم {وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} أي والنجومُ تجري في فلكها بأمره تعالى لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي إن في ذلك الخلق والتسخير لدلائل باهرة عظيمة، لأصحاب العقول السليمة {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} أي وما خلق لكم في الأرض من الأمور العجيبة، من الحيوانات والنباتات، والمعادن والجمادات، على اختلاف ألوانها وأشكالها، وخواصها ومنافعها {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} أي لعبرةً لقومٍ يتعظون {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ} أي وهو تعالى - بقدرته ورحمته - ذلّل لكم البحر المتلاطم الأمواج للركوب فيه والغوص في أعماقه {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً} أي لتأكلوا من البحر السمك الطريَّ الذي تصطادونه {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} أي وتستخرجوا منه الجواهر النفيسة كاللؤلؤ والمرجان {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} أي وترى السفن العظيمة تشق عُباب البحر جاريةً فيه وهي تحمل الأمتعة والأقوات {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي سخر لكم البحر لتنتفعوا بما ذُكر ولتطلبوا من فضل الله ورزقه سبل معايشكم بالتجارة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي ولتشكروا ربكم على عظيم إنعامه وجليل إفضاله {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} أي نصب فيها جبالاً ثوابت راسيات لئلا تضطرب بكم وتميل قال أبو السعود: إن الأرض كانت كرةً خفيفة قبل أن تُخلق فيها الجبال، وكان من حقها أن تتحرك كالأفلاك بأدنى سبب فلما خُلقت الجبال توجهت بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد لها {وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي وجعل فيها أنهاراً وطرقاً ومسالك لكي تهتدوا إلى مقاصدكم {وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} أي وعلامات يستدلون بها على الطرق كالجبال والأنهار، وبالنجوم يهتدون ليلاً في البراري والبحار قال ابن عباس: العلامات معالمُ الطرق بالنهار وبالنجم هم يهتدون بالليل {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} الاستفهام إِنكاري أي أتسوّون بين الخالق لتلك الأشياء العظيمة والنعم الجليلة، وبين من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً عن غيره؟ أتشركون هذا الصنم الحقير مع الخالق الجليل؟ وهو تبكيت للكفرة وإِبطالٌ لعبادتهم الأصنام {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} أي أفلا تتذكرون فتعرفون خطأ ما أنتم فيه من عبادة غير الله؟ وهو توبيخٌ آخر {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} أي إِن تعدوا نعم الله الفائضة عليكم لا تضبطوا عددها فضلاً عن أن تطيقوا شكرها {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي غفور لما صدر منكم من تقصير رحيم بالعباد حيث ينعم عليهم مع تقصيرهم وعصيانهم {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} أي يعلم ما تخفونه وما تظهرونه من النوايا والأعمال وسيجازيكم عليها {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي والذين يعبدونهم من دون الله كالأوثان والأصنام لا يقدرون على خلق كل شيء أصلاً والحال أنهم مخلوقون صنعهم البشر بأيديهم، فكيف يكونون آلهة تعبد من دون الله؟ {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ} أي وتلك الأصنام أمواتٌ لا أرواح فيها، لا تسمع ولا تبصر لأنها جمادات لا حياة فيها، فكيف تعبدونها وأنتم أفضل منها لما فيكم من الحياة؟ {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} أي ما تشعر هذه الأصنام متى يبعث عابدوها، وفيه تهكم بالمشركين لأنهم عبدوا جماداً لا يحس ولا يشعر {إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ} أي إلهكم المستحق للعبادة إله واحدٌ لا شريك له {فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} أي فالذين لا يصدّقون بالبعث والجزاء قلوبهم تنكر وحدانية الله عز وجل {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} أي متكبرون متعظمون عن قبول الحق بعدما سطعت دلائله {لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي حقاً إن الله تعالى لا تخفى عليه خافية من أحوالهم يعلم ما يخفون وما يظهرون {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ} أي المتكبرين عن التوحيد والإِيمان {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} أي وإِذا سئل هؤلاء الجاحدون أيَّ شيء أنزل ربكم على رسوله صلى الله عليه وسلم؟ {قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي قالوا على سبيل الاستهزاء: ما أنزله ليس إلا خرافات وأباطيل الأمم السابقين ليس بكلام رب العالمين قال المفسرون: كان المشركون يجلسون على مداخل مكة يُنفّرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج ماذا أُنزل على محمد؟ قالوا أباطيل وأحاديث الأولين {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي قالوا ذلك البهتان ليحملوا ذنوبهم كاملةً من غير أن يُكفَّر منها شيء {وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي وليحملوا ذنوب الأتباع الذين أضلوهم بغير دليلٍ أو برهان، فقد كانوا رؤساء يُقتدى بهم في الضلالة ولذلك حملوا أوزارهم وأوزار من أضلوهم {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} ألاَ للتنبيه أي فانتبهوا أيها القوم بئس الحمل الذي حملوه على ظهورهم، والمقصودُ المبالغة في الزجر {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي مكر المجرمون بأنبيائهم وأرادوا إطفاء نور الله من قبل كفار مكة، وهذا تسلية له صلى الله عليه وسلم {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} أي قلع بنيانهم من قواعده وأسسه، وهذا تمثيلٌ لإِفساد ما أبرموه من المكر بالرسل {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} أي فسقط عليهم سقف بنيانهم فتهدّم البناء وماتوا {وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} أي جاءهم الهلاك والدمار من حيث لا يخطر على بالهم، والآية مشهد كاملٌ للدمار والهلاك، وللسخرية من مكر الماكرين، وتدبير المدبرين، الذين يقفون لدعوة الله ويحسبون مكرهم لا يُردّ، وتدبيرهم لا يخيب، والله من ورائهم محيط {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ} أي يفضحهم بالعذاب ويذلهم ويهينهم {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ¤لَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} أي يقول تعالى لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: أين هؤلاء الشركاء الذين كنتم تخاصمون وتعادون من أجلهم الأنبياء؟ أحضروهم ليشفعوا لكم، والأسلوب استهزاءٌ وتهكم {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} أي يقول الدعاة والعلماء شماتةً بأولئك الأشقياء إن الذلَّ والهوان والعذاب محيط اليوم بمن كفر بالله {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} أي تقبض الملائكة أرواحهم الخبيثة حال كونهم ظالمي أنفسهم بالكفر والإِشراك بالله {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} أي استسلموا وانقادوا عند الموت على خلاف عادتهم في الدنيا من العناد والمكابرة، وقالوا ما أشركنا ولا عصينا كما يقولون يوم المعاد {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 23] {بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي يكذبهم الله ويقول: بلى قد كذبتم وعصيتم وكنتم مجرمين {فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} أي أدخلوا جهنم ماكثين فيها أبداً {فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} أي بئست جهنم مقراً ومقاماً للمتكبرين عن طاعة الله. البَلاَغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- الالتفات في {فَٱتَّقُونِ} فهو خطاب للمستعجلين بطريق الالتفات. 2- أسلوب الإِطناب في {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ} تأكيداً لسفاهة من عبد الأصنام ومثله {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ}. 3- الطباق بين {يُسِرُّونَ وَيُعْلِنُونَ} وبين {تُرِيحُونَ وتَسْرَحُونَ}. 4- صيغة المبالغة في {خَصِيمٌ مُّبِينٌ} وفي {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. 5- طباق السلب في {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ}. 6- الجناس الناقص في {لاَ يَخْلُقُونَ ... وَهُمْ يُخْلَقُونَ}. 7- الاستعارة التمثيلية في {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} شبهت حال أولئك الماكرين بحال قومٍ بنوا بنياناً شديد الدعائم فانهدم ذلك البنيان وسقط عليهم فأهلكهم بطريق الاستعارة التمثيلية، ووجه الشبه أن ما عدوه سبباً لبقائهم، عاد سبباً لفنائهم كقولهم "من حفر حفرة لأخيه سقط فيها". فَائِدَة: قال القرطبي: تسمى سورة النحل سورة النِّعم لكثرة ما عدَّد الله فيها من نعمه على عباده.
زيد بن علي
تفسير : أَخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قالَ: حدّثنا عطاءُ بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السلام في قوله تعالى: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} معناه الأَحكامُ والحُدُودُ والفَرائِضُ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} هذه السورة مكية كلها، وقيل إلا ثلاث آيات فإِنها مدنية ووجه ارتباطها بما قبلها أنه تعالى لما قال فوربك لنسألنهم أجمعين كان ذلك تنبيهاً على حشرهم يوم القيامة وسؤالهم عما اجترموه في دار الدنيا فقيل: أتى أمر الله وهو يوم القيامة على قول الجمهور. وعن ابن عباس المراد بالأمر نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهوره على الكفار وأتى قيل باق على معناه من المضي والمعنى أتى أمر الله وعداً فلا تستعجلوه وقوعاً. قال ابن عباس: الروح الوحي ينزل به الملائكة على الأنبياء صلى الله عليهم وسلم ونظيره قوله: يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده وان مصدرية وهي التي من شأنها أن تنصب المضارع وصلت بالأمر كما وصلت في قولهم كتبت إليه بأن قم وهو بدل من الروح أي بإِنذاره وقيل: ان تفسيرية بمعنى أي فلا موضع لها من الإِعراب قال الزمخشري: وان انذروا بدل من الروح أي ننزلهم بأن أنذروا وتقديره بأنه أنذروا أي بأن الشأن. أقول لكم أنذروا أقول لكم أنذروا انه لا إله إلا الله "انتهى". جعلها المخففة من الثقيلة وأضمر اسمها وهو ضمير الشأن وقدر إضمار القول حتى يكون الخبر جملة خبرية وهي أقول ولا حاجة إلى هذا التكليف مع سهولة كونها الشافية التي من شأنها نصب المضارع وقوله: إلا أنا انتقل من ضمير الغيبة إلى ضمير التكلم في قوله إلا أنا وإذا هنا للمفاجأة بعد خلقه من النطفة لم تقع المفاجأة بالمخاصمة إلا بعد أحوال تطور فيها فتلك الأحوال محذوفة وتقع المفاجأة بعدها وخصيم مبين يحتمل وجهين أحدهما أن يراد به الذم وهو مخاصمته لأنبياء الله صلى الله عليهم وأوليائه بالحجج الداحضة وأكثر ما ذكر الإِنسان في القرآن في معرض الذم أو مردفاً بالذم والوجه الثاني أن يراد به المدح لأنه تعالى قواه على منازعة الخصوم وجعله مبين الحق من الباطل ونقله من تلك الحالة الجمادية وهو كونه نطفة إلى الحالة الشريفة وهي حالة النطق والإِنابة ولما ذكر تعالى خلق الإِنسان ذكر ما امتنّ به عليه في قوام معيشته فذكر أولاً أكثرها منافع والزم لمن أنزل القرآن بلغتهم وذلك لإِنعام وتقدم شرح الانعام في الانعام والذي يظهر أن يكون لكم فيها دفء استئناف لذكر ما ينتفع به من جهتها ولذلك قابله بقوله: ولكم فيها جمال ودفء مبتدأ ولكم خبره ويتعلق فيها بما في لكم من معنى الاستقرار وجوز أبو البقاء أن يكون فيها حالاً من دفء إذ لو تأخر كان صفة وجوز أيضاً إذ يكون لكم حالاً من دفء وفيها الخبر وهذا لا يجوز لأن الحال إذا كان العامل فيها معنى فلا يجوز تقديمها على الجملة بأسرها لا يجوز قائماً في الدار زيد فإِن تأخرت الحال عن الجملة جازت بلا خلاف والدفء اسم لما يدفأ به أي يسخن وتقول العرب دفىء يومنا فهو دفىء إذا حصلت فيه سخونة تزيل البرد قال الزمخشري: فإِن قلت: تقدم الظرف في قوله: ومنها تأكلون مؤذن بالاختصاص وقد يؤكل من غيرها. قلت: الأكل منها هو الأصل الذي يعتمدوه الناس في معايشهم وأما الأكل من غيرها من الدجاج والبط وصيد البر والبحر فكغير المعتد به وكالجاري مجرى التفكه "انتهى". وما قاله بناء منه على أن تقديم الظرف أو المفعول دال على الاختصاص وقد رددنا عليه ذلك في قوله: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تفسير : [الفاتحة: 5]. جمال مصدر جمل بضم الميم حين تريحون يقال: أراح الماشية ردها بالعشي من المرعى وسرحها يسرحها سرحاً وسروحاً أخرجها غدوة إلى مرعى وسرحت هي ويكون متعدياً ولازماً وأكثر ما يكون ذلك أيام الربيع إذ أسقط الغيث وكثر الكلأ وخرجوا للنجعة وقدّم الإِراحة على السرح لأن الجمال فيها أظهر إذا أقبلت ملأى البطون حافلة الضروع ثم أوت إلى الحظائر بخلاف وقت سرحها وإن كانت في الوقتين تزين الأفنية وتجاوب فيها الرغاء والثغاء فيأنس أهلها ويفرح أربابها وتجلهم في أعين الناظرين إليها وتكسبهم الجاه والحرمة والأثقال الأمتعة واحدها ثقل وقوله: إلى بلد لا يراد به معين أي إلى أي بلد بعيد توجهتم إليه لاغراضكم وبالغيه صفة للبلد إلا بشق الأنفس أي إلا بمشقتها وناسب الامتنان بهذه النعمة من حملها الأثقال الختم بصفة الرأفة والرحمة لأن من رأفتيه تيسير هذه المصالح وتسخير الانعام لكم ولما ذكر تعالى مننه بالانعام ومنافعها الضرورية ذكر الامتنان بمنافع الحيوان التي ليست بضرورية ولما كان الركوب أعظم منافعها اقتصر عليه ولا يدل ذلك على أنه لا يجوز أكل الخيل خلافاً لمن استدل بذلك وانتصب وزينة ولم يكن باللام ووصل الفعل إلى الركوب بواسطة الحرف وكلاهما مفعول من أجله لأن التقدير خلقها والركوب من صفات المخلوق لهم وذلك فانتفى شرط النصب وهو اتحاد الفاعل فعدي باللام والزينة من وصف الخالق فاتحد الفاعل فوصل الفعل إليه بنفسه ولما ذكر الحيوان الذي ينتفع به انتفاعاً ضرورياً وغير ضروري أعقب بذكر الحيوان الذي لا ينتفع به غالباً على سبيل الإِجمال إذ تفاصيله خارجة عن الإِحصاء والعدو القصد مصدر ويوصف به يقال: سبيل قصد وقاصد إذا كان مستقيماً كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه والسبيل هنا مفرد اللفظ والجائز العادل عن الهداية والاستقامة كما قال طرفة: شعر : يجور بها الملاح طوراً ويهتدي تفسير : ولو شاء مفعول شاء محذوف تقديره هدايتكم قال ابن عطية قال الزجاج: يعرض لكم آية تضطركم إلى الاهتداء والإِيمان "انتهى". وهذا قول سوء لأهل البدع الذين يرون الله تعالى لا يخلق أفعال العباد لم يحصله الزجاج ووقع فيه رحمة الله تعالى من غير قصد "انتهى". لم يعرف ابن عطية أن الزجاج المعتزلي فلذلك تأول عليه أنه لم يحصله وأنه وقع فيه من غير قصد. {هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً} الآية مناسبة هذه لما قبلها أنه تعالى لما امتن عليهم بإِيجادهم بعد العدم الصرف وإيجاد ما ينتفعون به من الانعام وغيرها من المركوب ذكر ما امتن به عليهم من إنزال الماء الذي هو قوام حياتهم وحياة الحيوان وما يتولد عنه من أقواتهم وأقواتها من الزرع وما عطف عليه فذكر منها الأغلب ثم عمم بقوله: ومن كل الثمرات، ثم اتبع ذلك بخلق الليل الذي هو سكن لهم والنهار الذي هو معاشهم فيه ثم بالنيرين اللذين جعلهما الله تعالى مؤثرين بإِرادته في إصلاح ما يحتاجون إليه ثم بما ذرأ في الأرض والظاهر أن لكم في موضع الصفة لما يتعلق بمحذوف ويرتفع شراب به إلى ماء كائناً لكم منه شراب ويجوز أن يتعلق بانزل ويجوز أن يكون استئنافاً وشراب مبتدأ لما ذكر الماء أخذ في تقسيمه والشراب هو المشروب والتبعيض في منه شراب ظاهر وأما في منه شجر فجاز لما كان الشجر إنباته على سقيه بالماء جعل الشجر من الماء ومنه تسيمون يقال أسام الماشية وسومها جعلها ترعى وسامت بنفسها فهي سائمة وسوام رعت حيث شاءت وبدأ بالزرع لأن قوت أكثر العالم ثم بالزيتون لما فيه من فائدة الاستصباح بدهنه وهي ضرورية مع منفعة أكله والائتدام به وبدهنه والاطلاء بدهنه ثم بالنخيل لأن ثمرته من أطيب الفواكه وقوت في بعض البلاد ثم بالاعناب لأنها فاكهة محضة ثم قال: ومن كل الثمرات أتى بلفظ من التي للتبعيض لأن كل الثمرات لا يكون إلا في الجنة وإنما أنبت في الأرض بعض من كلها للتذكرة وختم ذلك بقوله تعالى: {يَتَفَكَّرُونَ} لأن النظر في ذلك يحتاج إلى فضل تأمل واستعمال فكر ألا ترى أن الجنة الواحدة إذا وضعت في الأرض ومر عليها مقدار من الزمان معين لحقها من نداوة الأرض ما تنتفخ به فيشق أعلاها فتصعد منه شجرة إلى الهواء وأسفلها يغوص منه في عمق الأرض شجرة أخرى وهي العروق ثم ينمو الأعلى ويقوى ونخرج الأوراق والأزهار والأكمام والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الطبائع والطعوم والألوان والرواح والأشكال والمنافع وذلك بتقدير قادر مختار وهو الله تعالى وأفرد في قوله: الآية استدلالاً بإِنبات الماء وهو واحد وإن كثرت أنواع النبات، وقرأ الجمهور: والشمس وما بعده منصوباً وانتصب مسخرات على أنها حال مؤكدة وقرىء: والشمس وما بعده بالرفع على الابتداء والخبر وقرأ: حفص والنجوم مسخرات برفعها على الابتداء والخبر وجمع الآيات عند ذكر العقل لأن الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة ما ذرأ معطوف على الليل والنهار يعني ما خلق فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك مختلفاً ألوانه من البياض والسواد وغير ذلك وختم هذا بقوله: يذكرون ومعناه الاعتبار والاتعاظ كان علمهم بذلك سابق طرأ عليه النسيان فقيل يذكرون أي يتذكرون وما نسوا من تسخير هذه المكونات في الأرض وأفرد الآية هنا لأن الذي ذكره مفرد في قوله ما ذرأ ووصفه بمفرد وهو قوله مختلفاً. {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ} الآية، لما ذكر الاستدلال بما ذرأ في الأرض ذكر ما أمتن به من تسخير البحر ومعنى تسخيره كونه يتمكن الناس من الانتفاع به للركوب في المصالح والغوص في استخراج ما فيه للاصطياد لما فيه والبحر جنس يشمل الملح والعذب وبدأ أولاً من منافعه بما هو الأهم وهو الأكل ومنه على حذف مضاف أي لتأكلوا من حيوانه لحماً طرياً ثم ثنى بما يتزين به وهو الحلية من اللؤلؤ والمرجان ونبه على غاية الحلية وهو اللبس وفيه منافع غير اللبس فاللحم الطري من الملح ولما ذكر تعالى نعمة الأكل منه ونعمة الاستخراج للحلية ذكر نعمة تصرف الفلك فيه مواخر أي شاقة فيه أو ذات صوت لشق الأنفس بحمل الأمتعة والأقوات للتجارة وغيرها وأسند الرؤية إلى المخاطب المفرد فقال: وقرىء: وجعلها جملة معترضة بين التعليلين تعليل الاستخراج وتعليل الابتغاء فلذلك عدل عن جمع المخاطب والظاهر عطف ولتبتغوا على التعليل قبله كما أشرنا إليه والفضل هنا الأرباح بالتجارة والوصول إلى البلاد الشاسعة وفي هذا دليل على جواز ركوب البحر ولعلكم تشكرون على ما منحكم من هذه النعم والسبل الطرق. قال ابن عطية: قوله: وأنهاراً، منصوب بفعل مضمر تقديره وجعل أو خلق أنهاراً وإجماعهم على إضمار هذا الفعل دليل على خصوص ألقى ولو كانت ألقى بمعنى خلق لم يحتج إلى هذا الإِضمار. "انتهى". وأي إجماع في هذا وقد حكى هو على المتأولين أن ألقي بمعنى خلق وجعل. {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} الآية، ذكر تعالى التباين بين من يخلق وهو الباري وبين من لا يخلق وهي الأصنام وجيء بمن في الثاني الاشتمال المعبود غير الله على من يعقل وما لا يعقل أو لاعتقاد الكفار أن لها تأثيراً وأفعالاً فعوملت معاملة أولى العلم أو المشاكلة بينه وبين من يخلق. {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} الآية، تقدم الكلام عليه وأخبر تعالى أنه يعلم ما يسرون وضمنه الوعيد لهم والاخبار بعلمه تعالى وفيه التنبيه على نفي هذه الصفة الشريفة عن آلهتهم ولما أظهر تعالى التباين بين الخالق وغيره نص على أن آلهتهم لا تخلق وعلى أنها مخلوقة وأخبر أنهم أموات وأكد ذلك بقوله غير أحياء ثم ثنى عنهم الشعور الذي يكون للبهائم فضلاً عن العلم الذي يتصف به العقلاء وعبر بالذين وهو العاقل عومل غيره معاملته لكونها عبدت وأعتقد فيها الألوهية وايان ظرف زمان وعن ابن عباس: ان الله تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بكلهم إلى النار وتقدم الكلام في لا جرم في سورة هود ولا يحب المستكبرين عام في الكافرين والمؤمنين. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} الآية، قيل سبب نزولها أن النضر بن الحرث سافر من مكة إلى الحيرة وكان قد اتخذ كتب التواريخ والأمثال ككليلة ودمنة واخبار اسنفديار ورستم فجاء إلى مكة وكان يقول إنما يحدث محمد بأساطير الأولين وحدثني أجمل من حديثه فنزلت وماذا كلمة استفهام مفعول بأنزل أو ما مبتدأ خبره بمعنى الذي وعائده في أنزل محذوف أي شىء الذي أنزله. وأجاز الزمخشري أن يكون ماذا مرفوعاً بالابتداء قال: يعني أي شىء أنزله ربكم وهذا لا يجوز عند البصريين إلا في ضرورة الشعر والضمير في لهم عائد على كفار قريش وما أنزل ليس مفعولاً لقيل على مذهب البصريين لأنه جملة والجملة لا تقع موقع المفعول الذي لم يسم فاعله كما لا تقع موقع الفاعل والمفعول الذي لم يسمع فاعله قيل هو ضمير المصدر المفهوم من قبل تقديره قيل: هو أي القول والجملة بعده تفسير لذلك الضمير لا انها هي المفعول الذي لم يسم فاعله واللام في ليحملوا لام الأمر على معنى الختم عليهم والصغار الموجب لهم وكاملة حال أي لا ينقص منها شىء ومن في من أوزار للتبعيض فالمعنى أنه يحمل من وزر كل من أصل أي بعض وزر من ضل بإِضلالهم. وقال الواحدي: ليست من للتبعيض لأنه يستلزم تخفيف الأوزار عن الاتباع وذلك غير جائز لقوله صلى الله عليه وسلم من غير أن ينقص من أوزارهم شىء لكنها للجنس أي ليحملوا من جنس أوزار الاتباع "انتهى". ولا تتقدر من التي لبيان الجنس هذا الذي قدّره الواحدي وإنما يقدر الأوزار التي هي أوزار الذي يضلونهم فيؤول من حيث المعنى إلى قول الأخفش: وان اختلفا في التقدير. قال الزمخشري: بغير علم حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال "انتهى". وقال غيره: حال من الفاعل وهو أولى إذ هو المحدث عنه والمسند إليه الإِضلال على جهة الفاعلية والمعنى أنهم يقدمون على هذا الاضلال جهلاً منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد على الإِضلال ثم أخبر تعالى عن سوء ما يتحملونه للآخرة وتقدم الكلام على نظير إعراب الإِساء ما يزرون.
الجيلاني
تفسير : لذلك أخبر سبحانه عن إتيانه ووقوعه بالجلمة الماضوية تنبيهاً على تحقق وقوعه، فقال: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي: يومه الموعود الذي انكشفت فيه السدول، ولاحت الأسرار، واترتفعت حجب التعينات والأستار، واضمحلت السّوى والأغيار، ونودي من وراء سرادقات العز والجلال بعد انقهار الكل: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : [غافر: 16]؟ وأيجب أيضاً من ورائها: {أية : لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]، {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} أي: لا تستعجلوا وقوعه أيها المترددون الشاكون في أمره {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النحل: 1] له من الآلهة الباطلة، ويدّعون شفاعتها لهم عند الله لدى الحاجة. بل هو الله الاحد الأحد، الصمد الذي {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ} المقربين عنده {بِٱلْرُّوحِ} أي: بالوحي الناشئ {مِنْ أَمْرِهِ} توفيقاً وتأييداً {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ} خلَّص {عِبَادِهِ} وهم الأنبياء والمرسلون المأمورون {أَنْ أَنْذِرُوۤاْ} أي: بأن خوفوا عباد الله المنحرفين عن استقامة صراطه، وجادة توحيده من بطشه وانتقامه إياهم، وقولوا لهم نيابةً عن الله: {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ} يُعبد بالحق {إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ} [النحل: 2] عن مخالفة أمري وحكمي. وكيف تشركون أيها المشركون ما لا يقدر على خلق أحقر الأشياء وأضعفها للقادر الحكيم الذي {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} مع كمال عظمتها وفعتها {وَٱلأَرْضَ} بكمال بسطتها، وإنماخلق ما خلق، وأظهر ما أظهر ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} أي: بانبساط نور الوجود الكائن الثابت في نفسه، وامتداد أظلال أوصافه وأسمائه عليهما، مع أنه على صرافة وحدته، وهما على عدميتهما الأصلية {تَعَالَىٰ} وتقدس {عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النحل: 3] له شيئاً لا وجود له، ولا تحقق سوى الظلية والعكسية. ولا سيما كيف يشركون أولئك الحمقى الضالون للقادر الذي {خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ} وأوجده على أحسن صورة، وأعدل تقويم {مِن نُّطْفَةٍ} دينَّة مهينة، لا تمييز لها أصلاً ولا شعور، وربَّاها إلى أن صار ذا رشد وتمييز وكمال، وإدراك ودارية {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ} مجادل مبالغ في امتياز الحق من الباطل، والهداية من الضلال {مُّبِينٌ} [النحل: 4] ظاهر البيان بإقامة الدلائل البراهين القاطعة، وما هي إلاَّ من تربية مبدعها وخالقها القادر المقتدر بالإرادة والاختيار؟!. {وَٱلأَنْعَامَ} أيضاً {خَلَقَهَا} وأوجدها طفيلاً للإنسان؛ ليكون {لَكُمْ} أيها المجبولون على الكرامة الفطرية {فِيهَا دِفْءٌ} تستدفئون به من الألبسة والأغطية المتخذة من أصوافها وأشعارها وأوبارها لدفع الحر والبرد {وَمَنَافِعُ} غير ذلك من الخباء والقباء وغيرهما {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5] لتقويم مزاجكم وتعديلها من لحومها وشحومها وألبانها. {وَ} أيضاً {لَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ} وزينة وجاء بين أظهركم {حِينَ تُرِيحُونَ} وتجمعونها إلى المراح من المرعى وقت الرواح مملوءة الضروع والبطون {وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النحل: 6] وترسلونها إلى المرعى وقت الصباح. {وَ} من أعظم فوائدها أنها {تَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ} أي: أحمالكم التي تستثقلونها {إِلَىٰ بَلَدٍ} بعيد {لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ} أي: لم يحصل لكم بلوغها إليها لولاها {إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ} أي: بالمشقة التامة، والعسر المفرط، فخلقها سبحانه تيسيراً لكم وتسهيلاً، تتميماً لتكرمكم {إِنَّ رَبَّكُمْ} الذي ربَّاكم بأنواع اللطف والكرم {لَرَؤُوفٌ} عطوف مشفق لكم، يسهل عليكم كل عسير {رَّحِيمٌ} [النحل: 7] لكم، يوفقكم ويهيئ أسبابكم؛ لتواظبوا على أداء ما أُفترض عليكم من كسب المعارف والحقائق الرافعة لكم إلى أرفع المنازل، وأعلى المراتب. ثمَّ أشار سبحانه أيضاً إلى ما يضركم، ويدفع أذاكم، ويرفع جاهكم تتميماً لتعظيمكم وتربيتكم، فقال: {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ} إنما خلقها وأظهرها سبحانه {لِتَرْكَبُوهَا وَ} تجعلوها {زِينَةً} لأنفسكم بين بني نوعكم {وَ} بالجملة: {يَخْلُقُ} لكم ربكم على مقتضى عمله بحوائجكم ومزيناتكم {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] وتأملون أنتم لأنفسهم مما يعنيكم ويعينكم في النشأة والأخرى.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1] إلى قوله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [النحل: 4] الإشارة فيه أن قوله: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} كلام قديم كان الله في الأزل به متكلماً، والمخاطبون به في الله محبوسين وهم طبقات ثلاث: منهم الغافلون والعاقلون والعاشقون. فكان الخطاب مع الغافلين: بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الطاعات والعبادات والأعمال الصالحات التي تبلغهم إلى الجنة ونعيمها الباقية وهم أرباب العقول. والخطاب مع العاشقين: يوصل رب الأرباب إذا كانوا مشتاقين إلى مشاهدة جمال ذي الجلال. فتستعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل العقود وطلب المقصود فكلم الله تعالى في الأزل بقوله: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي: سيأتي أمر الله للخروج من العدم لإصابة ما كتب لكل طبقة منكم في القسمة الأزلية {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} فإنه لا يفوتكم يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} تفسير : [إبراهيم: 34] أي: في العدم وهو يسمع خفيات أسراركم ويبصر خبايا سرائركم المعدومة {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: هو منزه في ذاته ومتعالْ في صفاته أن يكون له شريك يعمل عمله وسببه يكون بدل. {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} [النحل: 2] أي: بالوحي بما يحيي القلوب من مواهب الربانية {مِنْ أَمْرِهِ} أي: من أمر الله وأمره على وجوه: منها: ما يرد على الجوارح بتكاليف الشريعة. ومنها: ما يرد على النفوس لتزكيتها بالطريقة. ومنها: ما يرد على القلوب لتصفيتها بالإشارات. ومنها: ما يرد على الأسرار بالمراقبة للمشاهدات. ومنها: ما يرد على الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات. ومنها: ما يرد على المخفيات بتجلي الصفات لإقبال الذوات على من يشاء من عباده من الأنبياء والأولياء {أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ} [النحل: 2] أي: اعلموا أن أوصاف وجودكم يبذلها من أنانيتي أنه لا إله إلا أنا {فَٱتَّقُونِ} أي: فاتقوا عن أنانيتكم بأنانيتي. {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [النحل: 3] سماوات الأرواح {وَٱلأَرْضَ} أرض الأشباح {بِٱلْحَقِّ} وجعلها مظهرة أفاعيله فهو الفاعل فيما يظهر على الأرواح والأشباح، فالأرواح تحيل الأفاعيل إلى الأشباح إذ هي مظهرها، والأشباح تحيلها إلى الأرواح إذ هي مصدرها، وهي أفاعيله تعالى إذ هو منشأها وخالقها {تَعَالَىٰ} ذاته وصفاته {عَمَّا يُشْرِكُونَ} الأرواح والأشباخ في إحالة أفاعيله إلى غيره، بل عما يشركون في رؤية غيره. ثم قال: {خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [النحل: 4] أي: جعل أصل الإنسان من نطفة ميتة لا فعل لها ولا علم لوجودها، فإذا أعطيت المقدرة والعلم صارت خصيماً لخالقها مبيناً وجودها مع وجود الحق وادعت الشركة معه في الوجود والأفاعيل.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى -مقربا لما وعد به محققا لوقوعه- { أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ } فإنه آت، وما هو آت، فإنه قريب، { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } من نسبة الشريك والولد والصاحبة والكفء وغير ذلك مما نسبه إليه المشركون مما لا يليق بجلاله، أو ينافي كماله، ولما نزه نفسه عما وصفه به أعداؤه ذكر الوحي الذي ينزله على أنبيائه، مما يجب اتباعه في ذكر ما ينسب لله، من صفات الكمال فقال: { يُنزلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } أي: بالوحي الذي به حياة الأرواح { عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } ممن يعلمه صالحا، لتحمل رسالته. وزبدة دعوة الرسل كلهم ومدارها على قوله: { أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ } أي: على معرفة الله تعالى وتوحده في صفات العظمة التي هي صفات الألوهية وعبادته وحده لا شريك له فهي التي أنزل الله بها كتبه وأرسل رسله، وجعل الشرائع كلها تدعو إليها، وتحث وتجاهد من حاربها وقام بضدها، ثم ذ كر الأدلة والبراهين على ذلك فقال: { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):