Verse. 1903 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

يُنَزِّلُ الْمَلٰۗىِٕكَۃَ بِالرُّوْحِ مِنْ اَمْرِہٖ عَلٰي مَنْ يَّشَاۗءُ مِنْ عِبَادِہٖۗ اَنْ اَنْذِرُوْۗا اَنَّہٗ لَاۗ اِلٰہَ اِلَّاۗ اَنَا فَاتَّقُوْنِ۝۲
Yunazzilu almalaikata bialrroohi min amrihi AAala man yashao min AAibadihi an anthiroo annahu la ilaha illa ana faittaqooni

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ينزل الملائكة» أي جبريل «بالروح» بالوحي «من أمره» بإرادته «على من يشاء من عباده» وهم الأنبياء «أن» مفسرة «أنذروا» خوفوا الكافرين بالعذاب وأعلموهم «أنه لا إله إلا أنا فاتقون» خافون.

2

Tafseer

القرطبي

تفسير : قرأ المفضّل عن عاصم «تَنَزَّل الملائكةُ» والأصل تتنزل، فالفعل مسند إلى الملائكة. وقرأ الكسائي عن أبي بكر عن عاصم باختلاف عنه والأعمش «تُنَزَّل الملائكة» غير مسمى الفاعل. وقرأ الجُعْفيّ عن أبي بكر عن عاصم «نُنَزِّلُ الملائكةَ» بالنون مسمى الفاعل، الباقون «يُنَزِّل» بالياء مسمى الفاعل، والضمير فيه لاسم الله عز وجل. وروي عن قتادة «نُنْزِل الملائكةَ» بالنون والتخفيف. وقرأ الأعمش «تَنْزِل» بفتح التاء وكسر الزاي، من النزول. «الملائكةُ» رفعاً مثل {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} تفسير : [القدر: 4]. {بِٱلْرُّوحِ} أي بالوحي وهو النبوّة؛ قاله ابن عباس. نظيره {أية : يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} تفسير : [غافر: 15]. الربيع بن أنس: بكلام الله وهو القرآن. وقيل: هو بيان الحق الذي يجب ٱتباعه. وقيل: أرواح الخلق؛ قاله مجاهد، لا ينزل ملك إلا ومعه روح. وكذا روي عن ابن عباس أن الروح خلق من خلق الله عز وجل كصور ابن آدم، لا ينزل من السماء مَلَك إلا ومعه واحد منهم. وقيل بالرحمة؛ قاله الحسن وقتادة. وقيل بالهداية؛ لأنها تحيا بها القلوب كما تحيا بالأرواح الأبدان، وهو معنى قول الزجاج. قال الزجاج: الروح ما كان فيه من أمر الله حياةٌ بالإرشاد إلى أمره. وقال أبو عبيدة: الروح هنا جبريل. والباء في قوله: «بالروح» بمعنى مع، كقولك: خرج بثيابه، أي مع ثيابه. {مِنْ أَمْرِهِ} أي بأمره. {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي على الذين اختارهم الله للنبوّة. وهذا ردّ لقولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. {أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ} تحذير من عبادة الأوثان، ولذلك جاء الإنذار؛ لأن أصله التحذير مما يخاف منه. ودلّ على ذلك قوله: «فٱتقون». و «أنْ» في موضع نصب بنزع الخافض، أي بأن أنذروا أهل الكفر بأنه لا إلٰه إلا الله، فـ «أن» في محل نصب بسقوط الخافض أو بوقوع الإنذار عليه.

البيضاوي

تفسير : {يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ} بالوحي أو القرآن، فإنه يحيي به القلوب الميتة بالجهل، أو يقوم في الدين مقام الروح في الجسد، وذكره عقيب ذلك إشارة إلى الطريق الذي به علم الرسول صلى الله عليه وسلم ما تحقق موعدهم به ودنوه وإزاحة لاستبعادهم اختصاصه بالعلم به. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {يُنَزّلٍ } من أنزل، وعن يعقوب مثله وعنه «تنزل» بمعنى تتنزل. وقرأ أبو بكر «تنزل» على المضارع المبني للمفعول من التنزيل. {مِنْ أَمْرِهِ } بأمره أو من أجله. {عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } أن يتخذه رسولاً. {أَنْ أَنْذِرُواْ } بأن أنذروا أي اعلموا من نذرت بكذا إذا علمته. {أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ فَٱتَّقُونِ } أن الشأن {لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ فَٱتَّقُونِ }، أو خوفوا أهل الكفر والمعاصي بأنه{لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ } وقوله {فَٱتَّقُونِ } رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود، و {أَن} مفسرة لأن الروح بمعنى الوحي الدال على القول، أو مصدرية في موضع الجر بدلاً من الروح أو النصب بنزع الخافض، أو مخففة من الثقيلة. والآية تدل على أن نزول الوحي بواسطة الملائكة وأن حاصله التنبيه على التوحيد الذي هو منتهى كمال القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية. وأن النبوة عطائية والآيات التي بعدها دليل على وحدانيته من حيث إنها تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة، ولو كان له شريك لقدر على ذلك فيلزم التمانع.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ} أي: الوحي، كقوله: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [الشورى: 52] وقوله: {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} وهم الأنبياء، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124]، وقال: {ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ} وقال: {أية : يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ } تفسير : [غافر:15-16]. وقوله: {أَنْ أَنْذِرُوۤاْ} أي: لينذروا {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ} أي: فاتقوا عقوبتي لمن خالف أمري، وعبد غيري.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يُنَزّلُ ٱلْمَلَٰئِكَةَ } أي جبريل {بِٱلْرُّوحِ } بالوحي {مِنْ أَمْرِهِ } بإرادته {عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } وهم الأنبياء {أن } مفسرة {أَنْذِرُواْ } خوّفوا الكافرين بالعذاب وأعلموهم {أَنَّهُ لا إِلَٰهَ إِلا أَنَاْ فَٱتَّقُونِ } خافون.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{ينزل الملائكة بالروحِ من أمره على من يشاء من عبادِهِ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أن الروح ها هنا الوحي، وهو النبوة، قاله ابن عباس. الثاني: أنه كلام الله تعالى وهو القرآن، قاله الربيع ابن أنس. الثالث: أنه بيان الحق الذي يجب اتباعه، قاله ابن عيسى. الرابع: أنها أرواح الخلق. قال مجاهد لا ينزل ملك إلا ومعه روح. الخامس: أن الروح الرحمة، قاله الحسن وقتادة. ويحتمل تأويلاً سادساً: أن يكون الروح الهداية، لأنها تحيا بها القلوب كما تحيي الروح الأبدان.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالرُّوحِ} الوحي "ع"، أو كلام الله ـ تعالى ـ، أو الحق الواجب الاتباع، أو أرواح الخلق لا ينزل ملك إلا معه روح قاله مجاهد.

ابو السعود

تفسير : {يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ} بـيانٌ لتحتم التوحيدِ حسبما نُبّه عليه تنبـيهاً إجمالياً ببـيان تقدّس جنابِ الكبرياءِ وتعاليه عن أن يحوم حوله شائبةُ أن يشاركه شيءٌ في شيء، وإيذانٌ بأنه دينٌ أجمع عليه جمهورُ الأنبـياءِ عليهم الصلاة والسلام وأُمروا بدعوة الناسِ إليه مع الإشارة إلى سر البعثةِ والتشريعِ وكيفية إلقاءِ الوحي، والتنبـيهِ على طريق علمِ الرسول عليه الصلاة والسلام بإتيان ما أوعدهم به وباقترابه إزاحةً لاستبعادهم اختصاصَه عليه الصلاة والسلام بذلك، وإظهاراً لبُطلان رأيهم في الاستعجال والتكذيب، وإيثارُ صيغةِ الاستقبال للإشعار بأن ذلك عادةٌ مستمرةٌ له سبحانه، والمرادُ بالملائكة إما جبريلُ عليه السلام، قال الواحدي: يسمَّى الواحدُ بالجمع إذا كان رئيساً أو هو ومَنْ معه من حفَظَة الوحي بأمر الله تعالى، وقرىء يُنْزِل من الإنزال وتَنَزَّلُ بحذف إحدى التاءين وعلى صيغة المبني للمفعول من التنزيل {بِٱلْرُّوحِ} أي بالوحي الذي من جملته القرآنُ على نهج الاستعارةِ، فإنه يحيـي القلوبَ الميتة بالجهل، أو يقوم في الدين مقامَ الروح في الجسد، والباء متعلقةٌ بالفعل أو بما هو حالٌ من مفعوله أي ملتبسين بالروح {مِنْ أَمْرِهِ} بـيان للروح الذي أريد به الوحي، فإنه أمرٌ بالخير أو حال منه أي حالَ كونِه ناشئاً ومبتدأً منه، أو صفةٌ له على رأي من جوّز حذفَ الموصول مع بعضِ صلته أي بالروح الكائن من أمره الناشىءِ منه، أو متعلقٌ بـينزّل ومِنْ للسببـية كالباء مثلُ (ما) في قوله تعالى: { أية : مّمَّا خَطِيئَـٰتِهِمْ} تفسير : [نوح، الآية 25] أي ينزلهم بأمره {عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} أي ينزِّلَهم به عليهم لاختصاصهم بصفات تؤهّلهم لذلك {أَنْ أَنْذِرُواْ} بدلٌ من الروح، أي ينزّلهم ملتبسين بأن أنذِروا أي بهذا القول، والمخاطَبون به الأنبـياءُ الذين نزلت الملائكةُ عليهم، والآمرُ هو الله سبحانه والملائكةُ نَقَلةٌ للأمر كما يُشعر به الباء في المبدَل منه، و(أنْ) إما مخففةٌ من أنّ وضميرُ الشأن الذي هو اسمُها محذوفٌ، أي ينزلهم ملتبسين بأن الشأنَ أقول لكم: أنذِروا، أو مفسّرةٌ على أن تنزيلَ الملائكة بالوحي فيه معنى القولِ، كأنه قيل: يقول بواسطة الملائكةِ لمن يشاء من عباده: أنذروا فلا محل لها من الإعراب، أو مصدريةٌ لجواز كون صلتِها إنشائيةً كما في قوله تعالى: { أية : وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ} تفسير : [يونس، الآية 105] حسبما ذكر في أوائل سورة هودٍ فمحلُّها الجرُّ على البدلية أيضاً، والإنذارُ الإعلام خلا أنه مختصٌّ بإعلام المحذورِ من نذر بالشيء إذا علمه فحذِرَه، وأنذره بالأمر إنذاراً أي أعلمه وحذره وخوفه في إبلاغه كذا في القاموس أي أعلِموا الناس {أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ} فالضمير للشأن، ومدارُ وضعِه موضعَه ادعاءُ شهرتِه المغنيةِ عن التصريح به، وفائدةُ تصديرِ الجملة به الإيذانُ من أول الأمر بفخامة مضمونِها مع ما فيه من زيادة تقريرٍ له في الذهن، فإن الضميرَ لا يفهم منه ابتداءً إلا شأنٌ مبهمٌ له خطر، فيبقى الذهنُ مترقباً لما يعقُبه مترقباً فيتمكن لديه عند وروده فضلُ تمكن، كأنه قيل: أنذروا أن الشأنَ الخطير هذا، وإنباءُ مضمونِه عن المحذور ليس لذاته بل من حيث اتصافُ المنذَرين بما يضادُّه من الإشراك وذلك كافٍ في كون إعلامِه إنذاراً، وقوله سبحانه: {فَٱتَّقُونِ} خطابٌ للمستعجِلين على طريقة الالتفاتِ، والفاءُ فصيحةٌ أي إذا كان الأمر كما ذكر من جريان عادتِه تعالى بتنزيل الملائكةِ على الأنبـياء عليهم السلام وأمرِهم بأن ينذِروا الناسِ أنه لا شريك له في الألوهية، فاتقون في الإخلال بمضمونه ومباشرةِ ما ينافيه من الإشراك وفروعِه التي من جملتها الاستعجالُ والاستهزاءُ. وبعد تمهيدِ الدليل السمعيِّ للتوحيد شُرِع في تحرير الأدلة العقلية فقيل: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ} أي أوجدهما على ما هما عليه من الوجه الفائق والنمطِ اللائق {تَعَالَى} وتقدّس بذاته لا سيما بأفعاله التي من جملتها إبداعُ هذين المخلوقين {عَمَّا يُشْرِكُونَ} عن إشراكهم المعهودِ أو عن شركة ما يشركونه به من الباطل الذي لا يُبدىء ولا يعيد، وبعد ما نبّه على صنعه الكليِّ المنطوي على تفاصيل مخلوقاتِه شرَع في تعداد ما فيه من خلائقه فبدأ بفعله المتعلق بالأنفس فقال: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ} أي هذا النوعَ غيرَ الفرد الأول منه {مِن نُّطْفَةٍ} جماد لا حسَّ له ولا حَراكَ، سيالٍ لا يحفظ شكلاً ولا وضعاً {فَإِذَا هُوَ} بعد الخلق {خَصِيمٌ} مِنطيقٌ مجادِلٌ عن نفسه مكافِحٌ للخصوم {مُّبِينٌ} لحجته لقِنٌ بها، وهذا أنسبُ بمقام الامتنانِ بإعطاء القدرة على الاستدلال بذلك على قدرته تعالى ووحدتِه، أو مخاصمٌ لخالقه منكِرٌ له قائلٌ: { أية : مَن يُحييِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ} تفسير : [يس: 78] وهذا أنسبُ بمقام تعداد هَناتِ الكفرة. روي أن أُبـيَّ بنَ خلفٍ الجُمَحي أتى النبـيَّ عليه السلام بعظم رميم فقال: يا محمد أترى الله تعالى يحيـي هذا بعد ما قد رمّ فنزلت {وَٱلأنْعَـٰم} وهي الأزواجُ الثمانية من الإبل والبقر والضأن والمعَزِ، وانتصابُها بمضمر يفسره قوله تعالى: {خَلَقَهَا} أو بالعطف على الإنسان، وما بعده بـيانُ ما خُلق لأجله والذي بعده تفصيلٌ لذلك، وقوله تعالى: {لَكُمْ} إما متعلقٌ بخلَقها، وقوله: {فِيهَا} خبرٌ مقدم، وقوله: {دِفْء} مبتدأٌ وهو ما يُدفأ به فيقي من البرد، والجملةُ حالٌ من المفعول أو الظرفُ الأول خبرٌ للمبتدأ المذكور، وفيها حال من دفء إذ لو تأخر لكان صفة {وَمَنَـٰفِعُ} هي دَرّها ورُكوبها وحملُها والحِراثة بها وغيرُ ذلك، وإنما عبّر عنها بها ليتناول الكل مع أنه الأنسب بمقام الامتنان بالنعم، وتقديمُ الدفء على المنافع لرعاية أسلوب الترقي إلى الأعلى {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} أي تأكُلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم وغيرِ ذلك، وتغيـيرُ النظم للإيماء إلى أنها لا تبقىٰ عند الأكل كما في السابق واللاحقِ، فإن الدفءَ والمنافعَ والجَمال يحصل منها وهي باقيةٌ على حالها، ولذلك جُعلت محالَّ لها بخلاف الأكل، وتقديمُ الظرف للإيذان بأن الأكلَ منها هو المعتادُ المعتمدُ في المعاش لأن الأكلَ مما عداها من الدجاج والبط وصيد البرِّ والبحرِ من قبـيل التفكّه مع أن فيه مراعاةً للفواصل، ويحتمل أن يكون معنى الأكلِ منها أكلَ ما يحصل بسببها فإن الحبوبَ والثمارَ المأكولة تُكتسب بإكراء الإبلِ وبإثمار نِتاجها وألبانها وجلودها.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [الآية: 2]. فقال: من أنذر أو حذر فقد قام مقام الأنبياء وربما يأتى أمره بالبلاء، وربما يأتى أمره بالرحمة، فالصبر فى الأوقات والرضا بأمر الله، ذلك لكل أواب حفيظ: حفظ أوقاته ولا يضيع أيامه. قال ابن عطاء: المحدث من العباد من يكلمه الملك فى سره ويطلعه على خصائص الغيوب ويفتح لروحه طريقًا إلى الإشراف على القرب، قال الله تعالى: {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}.

القشيري

تفسير : ينزل الملائكة على الأنبياء - عليهم السلام - بالوحي والرسالة، وبالتعريف والإلهام على أسرار أرباب التوحيد وهم المُحَدَّثًُون. وإنزالُ الملائكةِ على قلوبهم غيرُ مردودٍ لكنهم لا يُؤْمَرُون أن يتكلموا بذلك، ولا يكملون رسالةً إلى الخَلْق. ويُراد بالروح الوحي والقرآن، وفي الجملة الروح ما هو سبب الحياة؛ إمَّا حياة القلب أو حياة الدنيا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ينزل} الله تعالى {الملائكة} اى جبريل لان الواحد يسمى بالجمع اذا كان رئيسا تعظيما لشأنه ورفعا لقدر او هو ومن معه من حفظة الوحى كما قال السهيلى فى كتاب التعريف والاعلام {ينزل الملائكة} يعني ملائكة الوحى وهم جبريل وقال الملائكة بالجمع لانه قد ينزل بالوحى مع غيره - وروى - عن عامر الشعبي باسناد صحيح قال وكل اسرافيل بمحمد صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين وكان يأتيه بالكلمة والكلمتين ثم نزل عليه جبريل بالقرآن والحكمة فى توكيل اسرافيل به انه الموكل بالصور الذى فيه هلاك الخلق وقيام الساعة ونبوته صلى الله عليه وسلم مؤذنة بقرب الساعة وانقطاع الوحى وفى صحيح مسلم انه نزل عليه بسورة الحمد اى فاتحة الكتاب ملك لم ينزل بها جبريل كما قال بعضهم وهو بشيع. وذكرابن ابى حيثمة خالد بن سنان العبسى وذكر نبوته وانه وكل به من الملائكة مالك خازن النار وكان من اعلام نبوته ان نار يقال لها نار الحدثان كانت تخرج على الناس من مغارة فتأكلهم والزرع والضرع ولا يستطيعون ردها فردها خالد بن سنان بعصاه حتى رجعت هاربة منه الى المغارة التي خرجت منها فلم تخرج بعد وفى الحديث "حديث : وكان نبيا ضيعه قومه"تفسير : يعنى خالد بن سنان اى ضيعوا وصية نبيهم حيث لم يبلغوه مراده من اخبار احوال القبر وقوله عليه السلام "حديث : انى اولى الناس بعيسى بن مريم فانه ليس بينى وبينه نبى"تفسير : اى نبى داع للخلق الى الله وشرع وسبق تفصيل القصة فى سورة المائدة عنه قوله تعالى {أية : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا}تفسير : الآية فلينظر هناك. وذلك ان ملكا يقال له زياقيل كان ينزل على ذى القرنين وذلك الملك هو الذى يطوى الارض يوم القيامة ويقبضها فتقع اقدام الخلائق كلهم بالساهرة فيما ذكره بعض اهل العلم وهذا مشاكل لتوكيله بذى القرنين الذى قطع مشارق الارض ومغاربها كما ان قصة خالج بن سنان وتسخير النار له مشاكلة لحال الملك الموكل به كذا فى كتاب التعريف واسئلة الحكم {بالروح} اى بالوحى الذى من جملته القرآن على نهج الاستعارة فانه يحيى القلوب الميتة بالجهل او يقوم فى الدين مقام الروح فى الجسد يعنى ان الروح استعارة تحقيقية عن الوحى ووجه التسمية احد هذين الوجهين والقرينة ابدال ان انذروا من الروح وقال بعضهم الباء بمعنى مع اى ينزل الملائكة مع جبريل. قال الكاشفي [درتبيان ميكويد كه هيج ملكى فرونيايد الا كه روح با اوست ورقيب بروجنانجه بر آدميان حفظه مبياشند]{من امره} بيان للروح الذي اريد به الوحى فانه امر بالخير وبعث عليه وايضا هو من عالم الامر المقابل لعالم الخلق وان كان جبريل من عالم الخلق او هو متعلق بينزل ومن للسببية كالباء مثلها فى قوله تعالى {أية : مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ}تفسير : اى ينزلهم بالروح بسبب امره واجل ارادته {على ما يشاء من عباده} ان ينزلهم به عليهم لاختصاصهم بصفات تؤهلهم لذلك {ان انذروا} بدل من الروح اى ينزلهم ملتبسين بان انذروا اى بهذا القول والمخاطبون به الانبياء الذين نزلت الملائكة عليهم والآمر هو الله والملائكة نقلة للامر كما يشعر به الباء فى المبدل منه وان مخففة من الثقيلة وضمير الشأن الذى هو اسمها محذوف اى ينزلهم ملتبسين بان الشأن اقول لكم انذروا والانذار الاعلام خلا أنه مختص باعلام المحذور من نذر بالشئ كفرح علمه فحذره وانذره بالامر انذارا اعلمه وحذره وخوفه فى ابلاغه كذا فى القاموس اى اعلموا النَّاس ايها الانبياء {انه} اى الشأن {لا اله الا انا} [كن نيست خداى مستحق عبادت مكر من كه آفريننده وروزى دهنده همه ام] وانباؤه عن المحذور ليس لذاته بل من حيث اتصاف المنذرين بما يضاده من الاشراك وذلك كاف في كون اعلامه انذارا كما قال سعدى المتفى فى حواشيه التخويف بلا اله الا انا من حيث انهم كانوا يثبتون له تعالى ما لا يليق لذاته الكريمة من الشركاء والانداد فاذا كان ما اسندوه خلاف الواقع وهو مستبد بالالوهية فالظاهر انه ينتقم منهم على ذلك {فاتقون} [بس بترسيد از من وجز مرا برستش مكنيد] شعر : مرا بندكى كن كه دارا منهم تواز بندكانى ومولامن تفسير : وفي الآية دلالة على ان الملائكة وسائط بين الله وبين رسله وانبيائه فى ابلاغ كتبه ورسالاته وانهم ينزلون بالوحى على بعضهم دفعة فى وقت واحد كما نزلوا بالتوراة والانجيل والزبور على موسى وعيسى وداود والدال عليه قراءة ابن كثير وابى عمرو وينزل من انزل وعلى بعضهم منجما موزعا على حسب المصالح وكفاء الحوادي كما نزلو بالقرآن منجما فى عشرين سنة او فى ثلاث وعشرين على ما يدل عليه قراءة الباقين لان فى التنزيل دلالة على التدريج والتكثر والانزال بشموله التدريجي والدفعى اعم منه وانه ليس ذلك النزول بالوحى جملة واحدة او متفرقا الا بامر الله وعلى ما يراه خيرا وصوابا وان النبوة موهبة الله ورحمته يختص بها من يشاء من عباده وان المقصود الاصلى في ذلك اعلامهم الناس بتوحيد الله تعالى وتقواه فى جميع ما امر به ونهى عنه والاول هو منتهى كمال القوة العلمية والثانى هو اقصى كمالات القوة العلمية. قال فى بحر العلوم واتقاء الله باجتناب الكفر والمعاصى وسائر القبائح يشمل رعاية حقوقها بين الناس والاشارة {ينزل الملائكة بالروح من امره} اى بالوحى وبما يحيى القلوب من المواهب الربانية من امره اى من امر الله وامره على وجوه منهاما يرد على الجوارح بتكاليف الشريعة ومنها ما يرد على النفوس بتزكيتها بالطريقة ومنها ما يرد على الارواح بملازمة الحضرة للمكاشفات ومنها ما يرد على الخفيات بتبجل الصفات لافناء الذوات {على من يشاء من عباده} من الانبياء والاولياء {ان انذروا انه لا اله الا انا} اى اعلموا اوصاف وجودكم يبذلها فى انانيتى ان لا اله الا انا {فاتقون} اى فاتقوا عن أنانيتكم بانانيتى كذا فى التأويلات النجمية. قال شيخى وسندى روحه الله روحه فى بعض تحريراته المتقى اما ان يتقى بنفسه عن الحق سبحانه واما بالحق عن نفسه والاول هو الاتقاء باسناد النقائص الى نفسه عن اسنادها الى الحق سبحانه فيجعل نفسه وقاية لله تعالى والثانى هو الاتقاء باسناد الكمالات الى الحق سبحانه عن اسنادها الى نفسه فيجعل الحق سبحانه وقاية لنفسه والعدم نقصان والوجود كمال فاتقوا الله حق تقاته بان تضيفوا العدم الى انفسكم مطلقا ولا تضيفوا الوجود اليها اصلا وتضيفوا الوجود الى الله مطلقا ولا تضيفوا العدم اليه اصلا فان الله تعالى موجود دائما ازلا وابدا سرمدا لا يجوز فى حقه العدم اصلا ونفوسكم من حيث هى هى معدومة دائما وازلا وابدا وسرمدا لا يجوز فى حقها الوجود اصلا وطريان الوجود عليها من حيث فيضان الجود الوجودى عليها من الحق تعالى لا يوجب وجودها اصلا من حيث هى هى عند هذا الطريان على عدمها الاصلى من حيث هى دائما مطلقا فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا واطيعوا انتهى كلام الشيخ شعر : كر تويى جمله در فضاى وجود هم خود انصاف ده بكو حق كو در همه اوست بيش جشم شهود جيست بندارى هستئ من وتو باك كن جامى ازغبار دويى لوح خاطر كه حق يكيس نه دو

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أن أنذروا}: مفسرة، بمعنى أي؛ لأن الوحي فيه معنى القول. أو مصدرية في موضع الجر، بدلاً من الروح، أو النصب بنزع الخافض، أو مخففة من الثقيلة. وقوله: {لا إله إلا أنا} جرى على المعنى، ولم يجر على اللفظ، وإلا لقال: لا إله إلا الله. انظر ابن عطية. قال المحشى الفاسي: وسر ذلك هنا: التصريح بالمقصود، وأن الإله الواحد هو المتكلم لا غيره، كما قيل في قوله: {أية : إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ} تفسير : [النّحل: 51]، أي: ولم يقل: فإياه فارهبوا، بل نقل الكلام من الغيبة إلى التكلم؛ مبالغة في الترهيب، وتصريحًا بالمقصود، كأنه قال: فأنا ذلك الإله الواحد، فإياي فارهبون لا غير. هـ. قلت: وكأنه قال هنا: يُنزل الملائكةَ بالوحي أن أَعلِموا أنه لا يُعبد إلا إله واحد، وأنا ذلك الواحد. يقول الحقّ جلّ جلاله: تحقيقًا لِمَا وعدهم به، وأن ذلك الوعد، مع دنوه وقربه بالوحي، فلا خلف فيه، فقال: {يُنَزِّلُ الملائكةَ} أي: جبريل، جمعه؛ تعظيمًا، أو: لأنه قد ينزل معه غيره من الملائكة، فيحضرون الوحي؛ حُرّسا له. أو: لأنه قد ينزل بالوحي غيره من الملائكة، كما في صحيح مسلم: "حديث : إن سورة الحمد نزل بها ملك لم ينزل إلى الأرض قبل ذلك"تفسير : . وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إن إسرافيل وُكِّلَ بي في ثلاث سنين، فكان يأتيني بالكلمة والكلمتين، ثم كان جبريل يأتيني بالقرآن في كل وقت"تفسير : .ورُوي أن خالد بن سنان كان نبيًا، وكان يأتيه بالوحي مالك خازن النار، وكان بعد عيسى عليه السلام، ولم يبق في النبوة إلا عشرين يومًا، ثم مات، فلقصر مدته لم يُعد نبيًا، بعد عيسى ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما كانت فترة خمسمائة عام. وذكر ابن العربي أن ذا القرنين كان ينزل عليه ملك، يقال له: رفائيل، فكان يلقي إليه الوحي، ويطوي له الأرض. هكذا نقل الشطيبي عنه في اللباب، فانظره. وقوله: {بالروح} أي: بالوحي، أو القرآن؛ فإنه سبب حياة القلوب والأرواح الميتة بالجهل والحجاب، أو سبب حياة الدين بعد موته واندراسه بالكفر؛ فإن الوحي يقوم في الدين مقام الروح من الجسد. يُنزل ذلك {من أمره} أي: من أجل أمره وبيان شأنه، أو بأمره وإذنه، {على مَن يشاء من عباده} أن يصطفيه للرسالة، قائلاً لهم: {أنْ أنذروا}: خوفوا أهل الشرك، أو أعْلِموا عبادي {أنه} أي: الأمر والشأن، {لا إله إلا أنا فاتقون}؛ بترك الكفر والمعاصي، أي: اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية، بأن تُوحدوه، وتطيعوه فيما أمر به. قال البيضاوي: والآية تدل على أن نزول الوحي بواسطة الملائكة، وأن حاصله: التنبيه على التوحيد، الذي هو القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمالات القوة العملية. وأن النبوة عطائية - أي: لا كسبية-، والآيات التي بعدها دليل على وحدانيته، من حيث إنها تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه، على وفق الحكمة والمصلحة، ولو كان له شريك لقَدَرَ على ذلك، فيلزم التمانع. هـ. الإشارة: قوله تعالى: {بالروح}: قال الورتجبي: الوحي الإلهي، سماه بالروح؛ لأن كلامه صدر من ذاته، وهو حياة قلوب الصديقين من المكلَّمين والمحدَّثين، وهو سبب حياة قلوب المؤمنين، يحييهم بعلمه من موت الجهالة. هـ. وقال القشيري في قوله: {على مَن يشاء من عباده}: على الأنبياء بالوحي والرسالة، وعلى أسرار أرباب التوحيد، وهم المُحَدَّثُون بالتعريف والعلم. فالتعريف للأولياء من حيث الإلهام والخواطر، أي: الواردات. وإنزال الملائكة على قلوبهم غير ممنوعٍ، ولكنهم لا يُؤْمَرُون أن يتكلموا بذلك، ولا يَحْمِلون الرسالة إلى الخلق. هـ. قلت: وكأنه ينظر إلى قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"تفسير : ، فهم يشاركون الأنبياء في الوحي الإلهامي، ولا يبلغون ذلك إلا لمن صدقهم وتبعهم في طريقهم. والله تعالى أعلم. ثمَّ عرف بنفسه بما أظهر من تجلياته العلوية والسفلية

الطوسي

تفسير : قرأ روح والكسائي عن ابي بكر {تنزل الملائكة} بالتاء وفتحها، وفتح النون والزاي ورفع الملائكة. الباقون بالياء وضمها وفتح النون وتشديد الزاي وكسرها، ونصب الملائكة، إِلا أن ابن كثير وابا عمرو، وورشاً يسكنون النون ويخففون الزاي. من قرأ بالياء ففاعل {ينزّل} هو الضمير العائد الى اسم الله في قوله {أتى أمر الله} وإِسكان النون وتخفيف الزاي وتشديدها، فكلاهما جائز، قال تعالى: {أية : إِنا نحن نزلنا الذكر}تفسير : وقال {أية : وأنزلنا إليك الذكر} تفسير : فأما ما روي عن عاصم من القراءة بالتاء، فلأنه انث الفعل باسناده الى الملائكة كقوله {أية : إِذ قالت الملائكة}تفسير : وبنى الفعل للمفعول به واسنده اليهم والأول ابين. اخبر الله تعالى أنه ينزل الملائكة بالروح من امره، واختلفوا في معنى الروح - ها هنا - فقال ابن عباس: اراد به الوحي، وقال الربيع بن انس: اراد به كلام الله، وقال قوم: أراد حياة النفوس، والارشاد لهم الى الدين، وقد فسر ذلك بقوله {أن أنذروا} وهو بدل من الروح، وموضعه الجر وتقديره بـ {أن أنذروا} لأن الموعظة والانذار للكافر حياة، لانه تعالى شبه الكافر بالميت، فقال {أية : أو من كان ميتاً فأحييناه} تفسير : بالاسلام. والروح تنقسم عشرة اقسام: فالروح الارشاد والحياة، والروح الرحمة قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : فروح وريحان تفسير : والروح النبوة لقوله {أية : يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده}تفسير : والروح عيسى روح الله أي خلق من غير بشر، وقال آخرون: من غير فحل. وقيل انه سمي بذلك لكونه رحمة على عباد الله بما يدعوهم الى الله، والروح جبرائيل. والروح النفخ، يقال: أحييت النار بروحي أي بنفخي، قال ذو الرمة يصف الموقد والزندة: شعر : فلما بدت كفنتها وهي طفلة بطلساء لم تكمل ذراعاً ولا شبرا فقلت له ارفعها اليك وأحيها بروحك واقتته لها قيتة قدرا تفسير : والروح الوحي قال الله تعالى {أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} تفسير : قيل انه جبرائيل، وقيل الوحي. والروح ملك في السماء من أعظم خلقه، فاذا كان يوم القيامة وقف صفاً، والملك كلهم صفاً، والروح روح الانسان. وقال ابن عباس في الانسان روح ونفس، فالنفس هي التي تكون فيها التمييز والكلام، والروح هو الذي يكون به الغطيط والنفس، فاذا نام العبد خرجت نفسه وبقيت روحه، واذا مات خرجت نفسه وروحه معاً. وقوله {على من يشاء من عباده} يعني الانبياء يأمرهم أن يخبروا عباده أنه لا إِله يستحق العبادة غير الله تعالى، ويأمرهم بأن يتقوا معاصيه ويفعلوا طاعاته.

الجنابذي

تفسير : {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} اعلم، انّ الانسان من اوّل استقرار مادّته فى الرّحم يقع فى تدبير الملائكة فيربّونه ويجلبون ما يحتاج اليه ويدفعون عنه ما يضرّه وانّ الله تعالى يبعث عليه بمحض فضله ملائكة ويزداد عددهم يوماً فيوماً وآناً فآناً الى اوان البلوغ، فان ساعده التّوفيق واستعان بالله اختياراً كما كان متسعيناً به تكويناً قبل ذلك لم ينقطع امداده بالملائكة بعد ذلك ايضاً، والملائكة الّذين كانوا موكّلين به كانوا ملائكة ارضيّين وهم الملائكة الّذين امروا بالسّجود لآدم (ع) وبعد ذلك يكون الامداد بالملائكة السّماويّة ويزداد كلّ يوم عددهم الى ان بلغ الى مقام العبوديّة واوّل ظهور الرّبوبيّة وحينئذٍ يمدّه بالعظام من الملائكة كجبرئيل وميكائيل، ويمدّه ايضاً بالرّوح وهو اعظم من جبرئيل وميكائيل كما ورد فى الاخبار، ولعلّ الرّوح ههنا اشارة الى الملك المعتنى بتربية نوع الانسان ويسمّيه الاشراقيّون ربّ النّوع وله بعدد كلّ انسان وجهٌ كما فى الخبر وهو المحيط بجميع افراد الانسان بل بجميع موجودات العالم لانّ جميع الانواع تحت نوع الانسان، وجميع ارباب الانواع تحت النّوع الانسانىّ، وجميع الموجودات تحت ارباب انواعها فجميع الموجودات تحت ربّ النّوع الانسانىّ وعلى هذا فالمعنى ينزّل الملائكة مع الرّوح، او ينزّل الملائكة بسبب الرّوح وتوسّطه، وعلى الاوّل فالمنزّل عليه الخواصّ من الانبباء وعلى الثّانى جملة الانبياء، او المراد بالرّوح ما يحيى به القلوب من الجهل تشبيهاً بالرّوح الّتى يحيى به الابدان، او المراد بالرّوح النّبوّة الّتى بها حياة كلّ شيءٍ، وعلى هذا فالمعنى ينزّل الملائكة الرّوح من عالم امره على من يشاء من عباده وللرّوح معانٍ أخر مذكورة فى الاخبار ومصطلحة بين ارباب الصّنائع وهذا الرّوح الّذى هو اعظم من جبرئيل يكون مع العظماء من الانبياء والاولياء (ع) كخاتم النّبيّين (ص) وخلفائه المعصومين (ع) وقوله: من امره، اى من عالم امره فانّ الملائكة النّازلة والرّوح من عالم الامر مقابل عالم الخلق {أَنْ أَنْذِرُوۤاْ} ان مصدريّة او تفسيريّة فانّ الانزال يستلزم معنى القول، وانذروا بمعنى اعلموا او بمعنى احذروا {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ} وكون التّوحيد محذراً به لاستلزامه الاستقلال فى الحكومة والتّصرّف والمتسقلّ فى الحكومة يحذر من مخالفته.

الهواري

تفسير : قوله: { يُنَزِّلُ المَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ} أي: بالرحمة والوحي { مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}. ذكروا عن كعب قال: إن أقرب الملائكة إلى الله إسرافيل. وإذا أراد الله أمراً أن يوحيه جاء اللوح حتى يصفق جبهة إسرافيل، فيرفع رأسه، فينظر، فإذا الأمر مكتوب، فينادي جبريل فيلبّيه، فيقول: أمرت بكذا، أمرت بكذا، فلا يهبط جبريل من سماء إلى سماء إلا فزع أهله مخافة الساعة، حتى يقول جبريل: الحق من عند الحق، فيهبط على النبي عليه السلام، فيوحي إليه. قوله: { أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ} أي: لا تعبدوا معي إلهاً آخر. قوله: { خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ} يعني بالإنسان ها هنا المشرك { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينُ} وهو كقوله: (أية : أَوَ لَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) تفسير : [يس:77-78]. قوله: { وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا} يعني الإِبل والبقر والغنم { لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} أي: ما يصنع من الكسوة من أصوافها وأوبارها وأشعارها. { وَمَنَافِعُ} في ظهورها. هذه الإِبل والبقر. وألبانها في جماعتها. قال: { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} أي: من جماعتها، أي: لحومها. ويؤكل من البقر والغنم السمن. وقال بعضهم: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} أي: لباس. وقال مجاهد: لباس ينسج. وقال مجاهد في قوله: {وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} قال: منها مركب ولحم ولبن. قوله: { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ} أي: حين تروح عليكم راجعة من الرعي. { وَحِينَ تَسْرَحُونَ} أي: تسرحونها إلى الرعي. وقال بعضهم: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ} يعني الإِبل. وهي أعجب ما تكون إذا راحت عظاماً ضروعُها، طوالاً أسنمتها، {وَحِينَ تَسْرَحُونَ} إذا سَرّحَت لرعيها. قوله: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ} أي: البلد الذي تريدونه. وفي تفسير الحسن أنها الإِبل والبقر. { إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ} أي: لولا أنها تحمل أثقالكم لم تكونوا بالغي ذلك البلد إلا بمشقة على أنفسكم. وقال بعضهم: إلا بجهد الأنفس. ومن فسّرها بجهد الأنفس فهو يقرأها بشق الأنفس. { إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} يقول: فبرأفة الله وبرحمته سخّر لكم هذه الانعام، وهي للكافر رحمة الدنيا ليرزقه فيها من النعم.

اطفيش

تفسير : {يُنَزِّلُ} الله {المَلآئِكَةَ} وقرأ ابن كثير وأبو عمر بإسكان النون وتخفيف الزاى من إنزال وهو رواية عن يعقوب وروى عنه تنزل بتاء فنون فزاى مفتوحات أى تنزيل وحذفت إِحدى التاءين وقرأ أبو بكر تنزل بضم التاء وفتح النون والزاى وتشديد الزاى وعليهما فالملائكة بالرفع والملائكة جماعة من جملة الملائكة ولو فسرنا الروح بالوحى أو القرآن أو كليهما وبسائر كتب الله ووحيه لأَن الملائكة فى ذلك مدخل فبعض ينسخ من اللوح وبعض ينقل إِلى بعض وبعض يشيع الوحى وما نزل من كتاب وربما كان الوحى بدون جبريل كإِسرافيل وقيل المراد جبريل عبر عنه بالجمع تعظيما وإِن الروح هو ما ذكر {بِالرُّوحِ} بالوحى أو القرآن أو كليهما وبسائر كتب الله ووحيه وسمى ذلك روحاً لأَن به حياة القلب الميت بالجهل، كما قال الزجاج أو لأَنه يقوم فى الدين مقام الروح فى الجسد وقال عطاء الروح النبوة وكذا عن مجاهد وعن ابن عباس الوحى وقال قتادة الرحمة وهى أيضا الوحى وما نزل من الكتب فإنهما رحمة ـ قال الربيع بن أنس كل كلام الله روح وإِن منه وأوحينا إليك روحا من أمرنا والياء بمعنى مع فى ذلك كله، كما فى قول بعض إِن الروح جبريل وكما فى رواية عن ابن عباس أن الروح خلق الله لا ينزل ملك إلا ومعه روح كفيل حفيظ لا يتكلم ولا يراه ملك ولا غيره وكما فى رواية عن مجاهد أنه خلق لهم أيد وأرجل {مِنْ أَمْرِهِ} من للتعليل أى من أجله أو بمعنى الباء أى بأَمره أى بإرادته {عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} وهم الرسل أى على من يشاء اتخاذه رسولا واصطفاه للرسالة وإنما ذكر تنزيل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده بعد ذكر إِتيان أمر الله والتهديد به والنهى عن الاستعجال والتنزيه عن الشركة إِشارة إِلى ما به علم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يحقق موعدهم وقربه وما به علم بطلان الشركة وبطلان استبعادهم اختصاصه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالعلم بذلك فإن يتكلم بما نزلت به الملائكة صادق قطعا {أَنْ أَنذِرُوا} أى أعلموا الناس أو خوفوهم والخطاب لمن يشاء من عباده وإِن مصدرية والباء مقدرة قبلها عند من أجاز دخول المصدرية على الأمر والمصدر والجار بدل من قوله بالروح أو لا يقدر الجار فيكون المصدر بدلا من الروح وإن قدر منصوبا على نزع الخافض فهو والخافض المنزوع بدل من قوله بالروح أو معسرة فإِن فى الروح معنى القول دون حرفه إِذا فسر بالوحى أو القرآن أو نحوهما مما مر فإِن تنزيل الملائكة بالروح مطلقاً مشعر بالوحى المطلق والوحى كلام وأُجيز أن تكون مخففة من الثقيلة فهى أيضاً مصدرية والكلام فيها كالكلام المذكور فى المصدرية الخفيفة وكل من التفسير والإِبدال قربة على أن الروح ليس على حقيقته وهو الروح الجسد فإِنه مستعار للوحى وما ذكر استعارة أصلية تحقيقية تصريحية، {أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا} مفعول لأنذروا أى أعلموا الناس أن الشأْن لا مستحق للعبادة غيرى أو على تقدير الباء أى خوفوهم بأَنه لا إِله إلا أنا فإِن الإِنذار يأْتى بمعنى الإِعلام المطلق وبمعنى التخويف. {فَاتَّقُونِ} خطاب لمن يشاء من عباده أيضاً ويجوز أن يكون من جملة ما به الإِنذار على طريق الالتفات والأَصل فاتقوه وإِنما كان من الالتفات مع تقدم التكلم فى قوله إِلا أنا لأَنهم إِنما يقولون لا معهم قولوا واعتقدوا أنه لا إله إلا الله والآية تدل على أن الوحى ينزل بواسطة الملك وأن حاصل الوحى الأَمر بالتوحيد وهو منتهى كمال القوة العلمية وبه ينتفع بسائر العلم، والأَمر بالتقوى وهى غاية كمال القوة العملية وقدم التوحيد لأَن التقوى مبنية عليه ولأَنه يختلف على كثرة الأمم بخلاف الأَعمال، فقد يكون عمل تقوى فى أمة ومعصية فى أخرى وكذا الترك وتدل الآية أيضاً على أن الرسالة اضطرارية وإِنها هبة من الله ودل الله سبحانه على وحدانيته بايجاز أصول المخلوقات وفروعها على وفق الحكمة والمصلحة إِذ قال: {خَلَقَ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ}.

اطفيش

تفسير : {يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ} جبريل سماه ملائِكة تعظيماً أَو هو إسرافيل إذ قرنه صلى الله عليه وسلم قبل جبريل والملائِكة الناقلون الوحى إلى جبريل على القول بذلك، أَو هو وملائِكة تنزل معه قيل ما ينزل وحده فى أَكثر الأَحوال كما تنزل معه فىبدر وكثير من الغزوات وفى سائِر المهمات والمصالح إِلا أَن الامام جبريل فصار يسند الوحى إليه من ذلك شق بطنه صلى الله عليه وسلم {بالرُّوحِ} أى مع، الروح وهو جبريل، والصحيح أَن المراد بالروح القرآن وسائِر الوحى لأن ذلك على الاستعارة فى صلاح الإنسان كالروح للبدن، والبدن بلا روح ميت، وهو بلا قرآن ووحى كميت، والروح به قوام البدن، وكذلك قوام البدن بالوحى {مِنْ أَمْرِهِ} بسبب أَمره أَو لأَجل أَمره أَى شأَنه، أَو من للبيان وهو أَولى، ومثل الآية قوله تعالى: "أية : وما نتنزل إلا بأَمر ربك"تفسير : [مريم: 64] وقوله تعالى: "أية : لا يسبقونه بالقول وهم بأَمره يعملون" تفسير : [الأنبياء: 27] {عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه} أى على من يشاءُ الله نبوته على العباد {أَنْ أَنْذِرُوا} أيها الأَنبياء الكافرين، أَن مفسره لقوله: ينزل الملائكة بالروح من أَمره، لأَن التنزيل بالروح قول دون حروفه، أَو مصدرية وعليه تقدر الباء أَى بأَن أَنذروا فيكون بدلا من بالروح، وإن جعلنا بالروح بمعنى مع الروح علق بينزل لاختلاف معنى الباءَين لا مصدرية لأَن الأَمر لا خارج له يؤول منه المصدر، وهكذا أقول وهو الحق إن شاءَ الله عز وجل {أَنَّهُ} أَى بأَنه وهو متعلق بأَنذروا أَو المعنى اعلموا الناس أَنه {لا إِلَهَ إلاَّ أَنا فَاتَّقُونِ} احذروا عقابى بامتثال أَوامرى واجتناب زواجرى، أَو خافوا عقابى، وهذا عائد إلى قوله: فلا تستعجلوه، أَو إِلى قوله: أَنذروا، وعليه فأَنذروا بمعنى قولوا أَى قولوا عن الله أَنه أَى الشأْن لا إِله إِلا أَنا فاتقون، أَو إذا كان الأَمر كذلك فاتقون.

الالوسي

تفسير : {يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ} قيل هو إشارة إلى طريق علم الرسول صلى الله عليه وسلم بإتيان ما أوعد به وباقترابه إزاحة لاستبعاد اختصاصه عليه الصلاة والسلام بذلك، وقال في «الكشف»: التحقيق أن قوله سبحانه {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 1] تنبيه وإيقاظ ليكون ما يرد بعده ممكناً في نفس حاضرة ملقية إليه وهو تمهيد لما يرد من دلائل التوحيد وقوله تعالى: {يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ} الخ تفصيل لما أجمل في قوله سبحانه وتعالى أيقظ أولاً ثم نعى عليهم ما هم فيه من الشرك ثم أردفه بدلائل السمع والعقل، وقدم السمعي لأن صاحبه هو القائم بتحرير العقلي وتهذيبه أيضاً فليس النظر إلى دليل السمع بل إلى من قام به من الملائكة والرسل عليهم السلام وهم القائمون بالأمرين جميعاً فافهم. وأخذ سيبويه منه أن جعل {يُنَزّلٍ} حالاً من ضمير {أية : يُشْرِكُونَ } تفسير : [النحل: 1] لا يطابق المقام البتة انتهى. وما ذكره من أمر الحالية إشارة إلى الاعتراض على شيخه العلامة الطيبـي حيث جعل ذلك أحد احتمالين في/ الجملة، ثانيهما: كونها مستأنفة وهو الظاهر، وما أشار إليه من وجه الربط وادعى أنه التحقيق لا يخلو عما هو خلاف المتبادر، والتعبير بصيغه الاستقبال للإشارة إلى أن التنزيل عادة مستمرة له تعالى، والمراد بالملائكة عند الجمهور جبريل عليه السلام ويسمى الواحد بالجمع ـ كما قال الواحدي ـ إذا كان رئيساً، وعند بعض هو عليه السلام ومن معه من حفظة الوحي. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {ينزل} مخففاً من الإنزال، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما والأعمش وأبو بكر {ينزل} مشدداً مبنياً للمفعول والملائكة بالرفع على أنه نائب الفاعل والجحدري كذلك إلا أنه خفف، وأبو العالية والأعرج والمفضل عن عاصم {تنزل} بتاء فوقية مفتوحة وتشديد الزاي مبنياً للفاعل وقد حذف منه أحد التاءين وأصله تتنزل، وابن أبـي عبلة {ننزل} بنون العظمة والتشديد، وقتادة بالنون والتخفيف، وفي هاتين القراءتين كما في "البحر" التفات. {بِٱلْرُّوحِ } أي الوحي كما أخرجه ابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن عباس ويدخل في ذلك القرآن، وروي عن الضحاك والربيع بن أنس الاقتصار عليه، وأياً ما كان فإطلاق الروح على ذلك بطريق الاستعارة المصرحة المحققة، ووجه الشبه أن الوحي يحيـى القلوب الميتة بداء الجهل والضلال أو أنه يكون به قوام الدين كما أن بالروح يكون قوام البدن، ويلزم ذلك استعارة مكنية وتخييلية وهي تشبيه الجهل والضلال بالموت وضد ذلك بالحياة أو تشبيه الدين بإنسان ذي جسد وروح، وهذا كما إذا قلت: رأيت بحراً يغترف الناس به وشمساً يستغيثون بها فإنه يتضمن تشبيه علم الممدوح بالماء العظيم والنور الساطع لكنه جاء من عرض فليس ـ كأظفار المنية ـ وليس غير كونه استعارة مصرحة، وجعل ذلك في "الكشف" من قبيل الاستعارة بالكناية وليس بذاك، والباء متعلقة بالفعل السابق أو بما هو حال من مفعوله أي ينزل الملائكة ملتبسين بالروح. وقول سبحانه: {مِنْ أَمْرِهِ} بيان للروح المراد به الوحي، والأمر بمعنى الشأن واحد الأمور، ولا يخرج ذلك الروح من الاستعارة إلى التشبيه كما قيل في قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ } تفسير : [البقرة: 187] لما قالوا: من أن بينهما بوناً بعيداً لأن نفس الفجر عين المشبه شبه بخيط، وليس مطلق الأمر بالمعنى السابق مشبهاً به ولذا بينت به الروح الحقيقية في قوله تعالى: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } تفسير : [الإسراء: 85] كما تبين به المجازية، ولو قيل: يلقى أمره الذي هو الروح لم يخرج عن الاستعارة فليس وزان {مِنْ أَمْرِهِ} وزان {أية : مِنَ ٱلْفَجْرِ } تفسير : [البقرة: 187] وليس كل بيان مانعاً من الاستعارة كما يتوهم من كلام المحقق في «شرح التلخيص». وجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من الروح على معنى حال كونه ناشئاً ومبتدأ منه أو صفة له على رأي من جوز حذف الموصول مع بعض صلته أي بالروح الكائن من أمره أو متعلقاً ـ بينزل ـ و {مِنْ} سببية أو تعليلية أو ينزل الملائكة بسبب أمره أو لأجله، والأمر على هذا واحد الأوامر، وعلى ما قبله قيل: فيه احتمالان. وذهب بعضهم إلى أن {ٱلرُّوحِ} هو جبريل عليه السلام وأيده بقوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ } تفسير : [الشعراء: 193] وجعل الباء بمعنى مع، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن {ٱلرُّوحِ} خلق من خلق الله تعالى كصور بني آدم لا ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد منهم، وروي ذلك عن ابن جريج وعليه حمل بعضهم ما في الآية هنا. وتعقب ذلك ابن عطية بأن هذا قول ضعيف لم يأت له سند يعول عليه، وأضعف منه بل لا يكاد يقدم عليه في الآية أحد ما روي عن مجاهد أن المراد بالروح أرواح الخلق لا ينزل ملك إلا ومعه/ روح من تلك الأرواح. {عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } أي أن ينزل عليهم لا لاختصاصهم بصفات تؤهلهم لذلك. والآية دليل على أن النبوة عطائية كما هو المذهب الحق، ويرد بها أيضاً على بعض المتصوفة القائلين بأنه لا حاجة للخلق إلى إرسال الرسل عليهم السلام قالوا: الرسل سوى الله تعالى وكل ما سواه سبحانه حجاب عنه جل شأنه فالرسل حجاب عنه تعالى وكل ما هو حجاب لا حاجة للخلق إليه فالرسل لا حاجة إليهم، وهذا جهل ظاهر، ولعمري إنه زندقة وإلحاد، وفساده مثل كونه زندقة في الظهور، ويكفي في ذلك منع الكبرى القائلة بأن كل ما سواه سبحانه الخ فإن الرسل وسيلة إلى الله تعالى والوصول إليه عز وجل لا حجاب، وهل يقبل ذو عقل أن نائب السلطان في بلاده حجاب عنه؟ وهب هذا القائل أمكنه الوصول إليه سبحانه بلا واسطة بقوة الرياضة والاستعداد والقابلية فالسواد الأعظم الذين لا يمكنهم ما أمكنه كيف يصنعون. وممن ينتظم في سلك هؤلاء الملحدين البراهمة فإنهم أيضاً نفوا النبوة لكنهم استدلوا بأن العقل كاف فيما ينبغي أن يستعمله المكلف فيأتي بالحسن ويجتنب القبيح ويحتاط في المشتبه بفعل أو ترك، فالأنبياء عليهم السلام إما أن يأتوا بما يوافق العقل فلا حاجة معه إليهم أو بما يخالفه فلا التفات إليهم، وجوابه أن هذا مبني على القول بالحسن والقبح العقليين، وقد رفعت الأقلام وجفت الصحف وتم الأمر في إبطاله، وعلى تقدير تسليمه لا نسلم أن العقل يستقل بجميع ما ينبغي، ولا نسلم أيضاً أنهم إن جاؤوا بما يوافق العقل لا حاجة إليهم لجواز أن يعرفوا المكلف بعض ما يخفى عليه مما ينبغي له أو يؤكدوا حكمه بحكمهم، ودليلان أقوى من دليل، ولا نسلم أيضاً أنهم إن جاؤا بما يخالف العقل لا يلتفت إليهم لجواز أن يخالفوه فيما يخفى عليه، على أن ذلك فرض محال لإجماع الناس على أن الشرع لا يأتي بخلاف العقل في نفس الأمر وإنما يأتي بما يقصر عن إدراكه بنفسه كوجوب صوم آخر يوم من رمضان وحرمة صوم أول يوم من شوال، وتمام الكلام في ذلك يطلب من محله {أَنْ أَنْذِرُواْ}. بدل من {ٱلرُّوحِ} على أن {أن} هي التي من شأنها أن تنصب المضارع وصلت بالأمر كما وصلت به في قولهم: كتبت إليه بأن قم، ولا ضير في ذلك كما حقق في موضعه أي ينزلهم ملتبسين بطلب الإنذار منهم. وجوز ابن عطية وأبو البقاء وصاحب "الغنيان" كون {أن} مفسرة فلا موضع لها من الإعراب، وذلك لما في تنزيل الملائكة بالوحي من معنى القول كأنه قيل: يقول بواسطة الملائكة لمن يشاء من عباده أن أنذروا، وجوز الزمخشري ذلك وكون {أن} المخففة من المثقلة وأمر البدلية على حاله قال: والتقدير بأنه أنذروا أي بأن الشأن أقول لكم أنذروا. وتعقبه أبو حيان بأن جعلها مخففة وإضمار اسمها وهو ضمير الشأن وتقدير القول حتى يكون الخبر جملة خبرية تكلف لا حاجة إليه مع سهولة جعلها الثنائية التي من شأنها نصب المضارع، وفيه بحث، ففي «الكشف» أن تحقيق وصل الأمر بهذا الحرف ناصبة كانت أو مخففة وإضمار القول قد سلف إنما الكلام في إيثار المخففة هٰهنا وفي يونس والناصبة في نوح وهي الأصل لقلة التقدير، وذلك لأن مقام المبالغة يقتضي إيثار المخففة، ولهذا جعل بدلاً والمبدل منه ما عرفت شأنه، وكذاك في يونس معناه أعجبوا من هذا الأمر المحقق وهو أن الشأن كذا، وأما في نوح فكلام ابتدائي، وجعلهم فائدة القول أن لا يقع الطلبـي خبراً من ضيق العطن فذلك في ضمير الشأن غير مسلم لأنه متحد بما بعده وهو كما تقول: كلامي اضرب زيداً انتهى. وقرىء {لينذروا} والإنذار الإعلام كما قيل خلا أنه مختص بإعلام المحذور أي اعلموا. {أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ} فالضمير للشان وهو من خلاف/ مقتضى الظاهر، وفائدة تصدير الجملة به الإيذان من أول الأمر بفخامة مضمونها مع ما في ذلك من زيادة تقرير في الذهن، و {أن} وما بعدها في موضع المفعول الثاني ـ لأنذروا ـ دون تقدير جار فيه والمفعول الأول محذوف، والمراد العموم أي أعلموا الناس أن الشأن الخطير هذا، ووجه إنباء مضمونه عن المحذور بأنه ليس لذاته بل من حيث اتصاف المنذرين بما يضاده من الإشراك، ولا يشترط تحقق المحذور كالاتصاف المذكور بالفعل في تحقق ماهية الإنذار، وإن أبيت إلا الإشتراط فتحقق الاتصاف في بعض أفراد المنذرين لا سيما الأكثر بالفعل كاف. وقال الراغب: الإنذار إخبار فيه تخويف كما أن التبشير إخبار فيه سرور وهو قريب مما تقدم، ومحصله على العبارتين التخويف، ومن هنا جوز بعضهم تفسيره بذلك وقدر المفعول الأول خاصاً و {أن} وما بعدها في موضع المفعول الثاني بتقدير الجار أي خوفوا أهل الكفر والمعاصي بأن الشأن الخطير هذا، وذلك كما جوز تفسيره بالإعلام، وجعل المفعول الأول عاماً ولم يقدر جاراً في الثاني، وذكر أن ذلك أصل معناه وأن تخصيصه بإعلام المحذور طارىء فإن أريد ذلك الأصل كان تعلقه بما بعده ظاهراً غاية الظهور، وإن أريد غيره احتاج إلى التوجيه، وقد علمته فيما إذا كان المفعول الأول عاماً، والأمر فيما إذا كان خاصاً بعد ذلك أظهر من أن يذكر. وذكر بعض الفضلاء أن الثابت في اللغة أن نذر بالشيء كفرح به فحذره وأنذره إذا أعلمه بما يحذره وليس فيها مجيئه بمعنى التخويف فأصله الإعلام مع التخويف فاستعملوه بكل من جزئي معنييه الإعلام والتخويف انتهى وفيه غفلة عما أشرنا إليه، وكأنه لهذا قيل: إنه لم يأت بشيء يعتد به. {فَٱتَّقُونِ } جعله أبو السعود خطاباً للمستعجلين على طريقة الالتفات والفاء فصيحة أي إذا كان الأمر كما ذكر من جريان عادته تعالى بتنزيل الملائكة على من يشاء تنزيلهم عليه من عباده وأمر المنزل عليهم بأن ينذروا الناس بأنه تعالى لا شريك له في الألوهية فاتقون في الإخلال بمضمونه ومباشرة ما ينافيه وفروعه التي من جملتها الاستعجال والاستهزاء انتهى. وهو على ما يقتضيه الظاهر مبني على ما مال إليه من اختصاص الخطاب السابق بالكفرة، وجعل بعضهم هذا الخطاب رجوعاً أيضاً إلى خطاب قريش لكنه متفرع على التوحيد، ووجه تفرعه عليه أنه سبحانه وتعالى إذا كان واحداً لم يتصور تخليص أحد لأحد من عذابه إذا أراد ذلك ولم يجوز جعله من جملة الموحى به على معنى أعلموهم قولي أن الشأن لا إله إلا أنا فاتقون أو خوفوهم بذلك معللاً بأنه لو كان ذلك لقيل ـ إن ـ بالكسر لا بالفتح. وتعقب بمنع اللزوم فإن أن ليست بعد قول صريح أو مقدر وإنما ذكروا ذلك في بيان المعنى لتصويره، واختير أنه إذا كان الإنذار بمعنى التخويف فالظاهر دخول هذا الأمر في المنذر به لأنه هو المنذر به في الحقيقة وهو المقصود بالذكر، وإذا كان بمعنى الإعلام فالمقصود بالإعلام هو الجملة الأولى وهو متفرع عليها على طريق الالتفات، ولا يخلو عن مناقشة فتأمل، والذي يميل إليه القلب أن المجموع داخل في حيز الإنذار وهو مشتمل على التوحيد الذي هو منتهى كمال القوة العلمية والأمر بالتقوى التي هي أقصى كمال القوة العملية فإن النفوس البشرية لها نسبة إلى عالم الغيب تستعد بها لقبول الصور والتحلي بالمعارف والإدراكات من ذلك العالم، ونسبة إلى عالم الشهادة تستعد بها لأن تتصرف في أجسام هذا العالم ويسمى استعدادها الحاصل لها باعتبار النسبة الأولى قوة نظرية واستعدادها باعتبار النسبة الثانية قوة عملية، وأشرف كمالات القوة النظرية معرفة أن لا إله إلا الله تعالى، وأشرف كمالات القوة العملية الإتيان بالأعمال الصالحة الواقية عن خزي يوم القيامة./ وقدم قوله تعالى: {لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ} على قوله سبحانه: {فَٱتَّقُونِ } للإشارة إلى أن ما يستند إلى القوة النظرية أعلى كمالاً مما يستند إلى القوة العملية، والكمال الإنساني باعتبار هاتين القوتين يسمى كمالاً نفسانياً، وله كمالات أخر هي كمالاته البدنية وقواه الحيوانية، وقد فصل ذلك في موضعه. ثم إنه تعالى شرع في تحرير الدلائل العقلية الدالة على توحيده الذي هو المقصد الأعظم من بعثة الرسل عليهم السلام فقال عز قائلاً: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ...}.

ابن عاشور

تفسير : كان استعجالُهم بالعذاب استهزاءً بالرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيبه، وكان ناشئاً عن عقيدة الإشراك التي من أصولها استحالة إرسال الرسل من البشر. وأُتبع تحقيق مجيء العذاب بتنزيه الله عن الشريك فقفّي ذلك بتبرئة الرسول ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ من الكذب فيما يبلغه عن ربّه ووصف لهم الإرسال وصفاً موجزاً. وهذا اعتراض في أثناء الاستدلال على التوحيد. والمراد بالملائكة الواحد منهم وهو جبرئيل ــــ عليه السلام ــــ. والروح: الوحي. أطلق عليه اسم الروح على وجه الاستعارة لأن الوحي به هدي العقول إلى الحقّ، فشبّه الوحي بالروح كما يشبّه العلم الحقّ بالحياة، وكما يشبّه الجهل بالموت قال تعالى: {أية : أومن كان ميتاً فأحييناه} تفسير : [سورة الأنعام: 122]. ووجه تشبيه الوحي بالروح أن الوحي إذا وعته العقول حلّت بها الحياة المعنوية وهو العلم، كما أن الروح إذا حلّ في الجسم حلّت به الحياة الحسيّة، قال تعالى: {أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} تفسير : [سورة الشورى: 52]. ومعنى {من أمره} الجنس، أي من أموره، وهي شؤونه ومقدراته التي استأثر بها. وذلك وجه إضافته إلى الله كما هنا وكما في قوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا}، وقوله تعالى: {أية : يحفظونه من أمر الله} تفسير : [سورة الرعد: 11]، وقوله تعالى: {أية : قل الروح من أمر ربي} تفسير : [سورة الإسراء: 85] لما تفيده الإضافة من التخصيص. وقرأ الجمهور {ينزل} ــــ بياء تحتية مضمومة وفتح النون وتشديد الزاي مكسورة ــــ. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب ــــ بسكون النون وتخفيف الزاي مكسورة، و{الملائكة} منصوباً. وقرأه روح عن يعقوب ــــ بتاء فوقية مفتوحة وفتح النون وتشديد الزاي مفتوحة ورفع {الملائكة} على أن أصله تتنزل. وقوله تعالى: {على من يشاء من عباده} رد على فنون من تكذيبهم؛ فقد قالوا: {أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} تفسير : [سورة الزخرف: 31] وقالوا: {أية : فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب} تفسير : [سورة الزخرف: 53] أي كان ملكاً، وقالوا: {أية : مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} تفسير : [سورة الفرقان: 7]. ومشيئة الله جارية على وفق حكمته، قال تعالى: {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته} تفسير : [سورة الأنعام: 124]. {وأن أنذروا} تفسير لفعل {ينزل} لأنه في تقدير ينزل الملائكة بالوحي. وقوله: {بالروح من أمره على من يشاء من عباده} اعتراض واستطراد بين فعل {ينزل} ومفسره. و{أنه لا إلٰه إلا أنا} متعلق بــــ{أنذروا} على حذف حرف الجر حذفاً مطرداً مع (أنّ). والتقدير: أنذروا بأنه لا إله إلا أنا. والضمير المنصوب بــــ (أنّ) ضمير الشأن. ولما كان هذا الخبر مسوقاً للذين اتّخذوا مع الله آلهة أخرى وكان ذلك ضلالاً يستحقون عليه العقاب جعل إخبارهم بضدّ اعتقادهم وتحذيرهم مما هم فيه إنذاراً. وفرع عليه {فاتقون} وهو أمر بالتقوى الشاملة لجميع الشريعة. وقد أحاطت جملة {أن أنذروا} إلى قوله تعالى: {فاتقون} بالشريعة كلها، لأن جملة {أنذروا أنه لا إلٰه إلا أنا} تنبيه على ما يرجع من الشريعة إلى إصلاح الاعتقاد وهو الأمر بكمال القوة العقلية. وجملة {فاتقون} تنبيه على الاجتناب والامتثال اللذين هما منتهى كمال القوة العملية.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}. أظهر الأقوال في معنى الروح في هذه الآية الكريمة: أن المراد بها الوحي. لأن الوحي به حياة الأرواح، كما أن الغذاء به حياة الأجسام. ويدل لهذا قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ}تفسير : [الشورى: 52]، وقوله: {أية : رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 15-16]. ومما يدل على أن المراد بالروح الوحي إتيانه بعد قوله: {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ} بقوله: {أَنْ أَنْذِرُوۤاْ} [النحل:2] لأن الإنذار إنما يكون بالوحي، بدليل قوله: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ}تفسير : [الأنبياء: 45] الآية, وكذلك إتيانه بعد قوله: {أية : يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}تفسير : [غافر: 15] بقوله: {أية : لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} تفسير : [غافر: 15] الآية. لأن الإنذار إنما يكون بالوحي أيضاً. وقرأ هذا الحرف ابن كثير وأبو عمرو "ينزل" بضم الياء وإسكان النون وتخفيف الزاي. والباقون بالضم والتشديد. ولفظة "من" في الآية تبعيضية، أو لبيان الجنس. وقوله: {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [النحل:2] أي ينزل الوحي على من اختاره وعلمه أهلاً لذلك. كما بينه تعالى بقوله: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الحج: 75]، وقوله: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}تفسير : [الأنعام: 124]، وقوله: {أية : يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} تفسير : [غافر: 15]، وقوله: {أية : بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}تفسير : [البقرة: 90]. وهذه الآيات وأمثالها رد على الكفار في قولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. قوله تعالى: {أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ}. الأظهر في "أن" من قوله: {أَنْ أَنْذِرُوۤا} أنها هي المفسرة. لأن إنزال الملائكة بالروح - أي بالوحي - فيه معنى القول دون حروفه. فيكون المعنى: أن الوحي الذي أنزلت به الملائكة مفسر بإنذار الناس "بلا إله إلا الله" وأمرهم بتقواه. وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة. كقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوت} تفسير : [النحل: 36]، وقوله: {أية : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 45]، وقوله: {أية : قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 108] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا معنى الإنذار، ومعنى التقوى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 2- ينزل الملائكة بما يحيى القلوب من وحيه على من يختاره للرسالة من عباده، ليعلموا الناس أنه لا إله يُعبد بحق إلا أنا. فابتعدوا عما يغضبنى ويعرضكم للعذاب، والتزموا الطاعات لتكون وقاية لكم من العذاب. 3- خلق السموات والأرض بمقتضى الحكمة، تنزه الله عن أن يكون له شريك يتصرف فى شئ من ملكه، أو يستحق أن يعبد مثله. 4- خلق كل فرد من أفراد الإنسان من مادة سائلة لا تماسك فيها وهى النطفة، فإذا به إنسان قوى مجادل عن نفسه، مكافح لخصومه، مبين لحجته. 5- وقد تفضل اللَّه عليكم - أيها العباد - فخلق لكم الإبل والبقر والضأن والمعز لتتخذوا من أصوافها وأوبارها وأشعارها ما تستدفئون به، ومن لحومها تأكلون ما يحفظ حياتكم. 6- ولكم فيها بهجة وسرور، حين ترونها راجعة من مراعيها ملأى البطون والضروع، وحين تذهب إلى الحقول والمراعى تُسرع الخطا إلى غذائها. 7- وتحمل أمتعتكم الثقيلة إلى بلد لم تكونوا مستطيعين الوصول إليه بدونها إلا بتحميل أنفسكم أقصى جهدها ومشقتها. إن ربكم الذى هيأ ذلك لراحتكم لشديد الرأفة بكم، واسع الرحمة لكم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمَلاۤئِكَةَ} (2) - يُنَزِّلُ اللهُ المَلاَئِكَةَ بِالوَحْيِ عَلَى مَنْ يَصْطَفِيهِمْ مِنْ خَلْقِهِ (الأَنْبِيَاءِ)، وَيَأْمُرُهُمْ بِدَعْوَةِ النَّاسِ إِلى عِبَادَتِهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، وَيَأْمُرُهُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَيُنْذِرُهُمْ وَيُخَوِّفُهُمْ مِنْ عَذابِهِ، وَعِقَابِهِ، لِمَنْ خَالَفَ مِنْهُمْ أَمْرَ رَبِّهِمْ، وَأَشْرَكَ بِهِ غَيْرَهُ فِي عِبَادَتِهِ. بِالرُّوحِ - بِالوَحْيِ - وَمِنْهُ القُرآنُ العَظِيمُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وساعة نقرأ قوله {يُنَزِّلُ} فالكلمة تُوحِي وتُوضِّح أن هناك عُلواً يمكن أن ينزِلَ منه شيء على أسفل. والمَثلُ الذي أُحِبّ أنْ أضربه هنا لأوضحَ هذا الأمر هو قَوْل الحق سبحانه: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 151]. أي: أقبلوا لتسمعوا مِنِّي التكليفَ الذي نزل لكم مِمَّنْ هو أعلى منكم، ولا تظلُّوا في حضيض الأرض وتشريعاتها، بل تَساموا وخُذوا الأمر مِمَّنْ لا هَوى له في أموركم، وهو الحق الأعلى. أما مَنْ ينزلون فَهُم الملائكة، ونعلم أن الملائكة خَلْق غيبيّ آمنَّا به؛ لأن الله سبحانه قد أخبرنا بوجودهم. وكُلّ ما غاب عن الذِّهْن ودليله السماع مِمَّنْ تثق بصدقه، وقد أبلغنا صلى الله عليه وسلم ما نزلَ به القرآن وأنبأنا بوجود الملائكة، وأن الحق سبحانه قد خلقهم؛ ورغم أننا لا نراهم إلا أننا نُصدِّق ما جاء به البلاغ عن الحق من الصادق الصَّدُوق محمد صلى الله عليه وسلم. وحين يقول الحق سبحانه: {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ..} [النحل: 2]. فنحن نعلم أنه لا يمكن أنْ ينزلَ شيءٌ من أعلى إلى الأدْنى إلا بواسطة المُقربات. وقد اختار الحق سبحانه ملكاً من الملائكة لِيُبلّغ رُسُله بالوحي من الله، والملائكة كما أخبرنا الحق سبحانه: {أية : عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 26-27]. ويقول في آية أخرى: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6]. وهم من نور، ولا تصيبهم الأغيار، ولا شهوةَ لهم فلا يتناكحون ولا يتناسلون؛ وهم أقربُ إلى الصَّفَاء. وهم مَنْ يُمكِنهم التلقِّي من الأعلى ويبلغون الأَدْنى. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول عن القرآن: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193]. وهنا يقول الحق سبحانه: {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ ..} [النحل: 2]. والآية الإجمالية التي تشرح ذلك هو قَوْلُ الحق سبحانه: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} تفسير : [الحج: 75]. أي: أنه سبحانه يختار ملائكة قادرين على التلقّي منه لِيُعْطوا المصطفين من الناس؛ لِيُبلِّغ هؤلاء المُصْطفين عن الله لبقية الناس. ذلك أن العُلْويات العالية لا يملك الكائن الأَدْنى طاقة ليتحمَّل ما تتنزَّل به الأمور العُلْوية مباشرة من الحق سبحانه. وسبق أنْ شبَّهتْ ذلك بالمُحوّل الذي نستخدمه في الكهرباء لينقل من الطاقة العالية إلى الأَدْنى من المصابيح، حديث : وكُلّنا يعلم ما حدث للرسول صلى الله عليه وسلم حين تلقَّى الوحي عبر جبريل عليه السلام "فَضمَّني حتى بلغ مِنَّي الجهد" وتفصد جبينه الطاهر عرقاً، وعاد إلى بيته ليقول"زملوني زملوني" و"دثروني دثروني" ". تفسير : ذلك أن طاقة عُلْوية نزلت على طاقة بشرية، على الرغم من أن طاقة رسول الله هي طاقة مُصْطفاة. ثم يألف الرسول الوحي وتخفّ عنه مِثْل تلك الأعباء، وينزل عليه قوله الحق: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} تفسير : [الشرح: 1-6]. ثم يفتر الوحي لبعض من الوقت لدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم يشتاق إليه، فلماذا اشتاق للوحي وهو مَنْ قال "دثِّروني دثِّروني"؟ لقد كان فُتور الوحي بسبب أنْ يتعوّد محمد صلى الله عليه وسلم على متاعب نُزول المَلَك؛ فتزولُ متاعب الالتقاء وتبقى حلاوة ما يبلغ به. وقال بعض من الأغبياء: "إن ربَّ محمد قد قلاه". فينزل قوله سبحانه: {أية : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 3-5]. وكلمة الروح وردتْ في القرآن بمعَانٍ متعددة، فهي مرَّة الروح التي بها الحياة في المادة ليحدث بها الحسّ والحركة: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [الحجر: 29]. وهذا النفْخ في المادة يحدثُ للمؤمن والكافر، وهناك رُوح أُخْرى تعطي حياةً أعلى من الحياة الموقوتة: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 64]. إذن: فالملائكة تنزل بالبلاغ عن الله بما فيه حياة أَرْقى من الحياة التي نعيش بها ونتحرَّك على الأرض. وهكذا تكون هناك رُوحان لا روحٌ واحدة؛ رُوح للحِسِّ والحركة؛ وروح تُعطي القِيم التي تقودنا إلى حياة أخرى أَرْقى من الحياة التي نحياها؛ حياةٌ لا فناءَ فيها. ولذلك يُسمِّى الحق سبحانه القرآن روحاً؛ فيقول: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ ..} تفسير : [الشورى: 52]. ويُسمِّي الحق سبحانه الملَكَ الذي ينزل بالقرآن روحاً، فيقول: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ} تفسير : [الشعراء: 193-194]. ويشرح الحق سبحانه أن القرآن روحٌ تعطينا حياةً أَرْقى، فيقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 24]. أي: يدخل بكم إلى الحياة الأبدية التي لا موْتَ فيها ولا خَوْف أن تفقد النعمة أو تذهب عنك النعمةُ. وهنا يُبلِّغنا سبحانه أن القرآن نزل مع الملائكة: {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ..} [النحل: 2]. أي: تنزيلاً صادراً بأمره سبحانه، ويقول الحق سبحانه في موقع آخر: {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الرعد: 11]. والسَّطْحيون لا يلتفتون إلى أنَّ معنى: {أية : مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الرعد: 11]. هنا تعني أنهم يحفظُونه بأمر من الله. والأمر هنا في الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - هو ما جاء في الآية الأولى منها: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..} تفسير : [النحل: 1]. وهذا الأمر هو نتيجة لِمَا يشاؤه الله من حياة للناس على الأرض، ونعلم أن الحق سبحانه له أوامر مُتعدِّدة يجمعها إبراز المعدوم إلى الوجود؛ فهو سبحانه القائل: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} تفسير : [النحل: 40]. فإذا شاء أمراً جزئياً فهو يقول له: كُنْ فيكون، وإذا أراد منهجاً؛ فهو يُنزله، وإذا أراد حساباً وعقاباً وساعةً؛ فهو القائل {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} وهكذا نفهم أن معنى {أَمْرُ ٱللَّهِ} هو {كُنْ فَيَكُونُ} أي: إخراج المعدوم إلى حَيِّز الوجود؛ سواء أكان معدوماً جزئياً، أو معدوماً كلياً، أو معدوماً أزلياً. وكُلّ ذلك اسمه أمر، ولحظةَ أنْ يأمرَ الله؛ فنحن نَثِقُ أن مأمور الله يبرز؛ ولذلك قال سبحانه: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 1-2]. أي: أنها لم تسمع الأمر فقط؛ بل نفّذتْه فَوْر صدوره؛ دون أَدْنى ذرة من تخلُّف، فأمْر الله يُنفَّذ فَوْر صدوره من الحق سبحانه، أما أَمْر البشر فهو عُرْضَة لأنْ يُطَاع، وعُرْضَة لأنْ يُعصَى. وسبحانه يُنزِّل الملائكة بالرُّوح على مَنْ يشاء لِيُنذِروا؛ ولم يَأْتِ الحق سبحانه بالبشارة هنا؛ لأن الحديث مُوجّه للكفار في قوله: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..} تفسير : [النحل: 1]. ونزَّه ذاته قائلاً: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النحل: 1]. أو: أن الحق يُنبّه رسوله، إنْ دخلتَ عليهم فُفسِّر لهم مُبْهَم ما لا يعرفون. وهم لا يعرفون كيفية الاصطفاء. وهو الحق الأعلم بمَنْ يصطفي. ومشيئته الاصطفاء والاجتباء والاختيار إنما تتِمّ بمواصفات الحق سبحانه؛ فهو القائل: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ..} تفسير : [الأنعام: 124]. وعُلِم أن الكافرين قد قالوا: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. وقال الحق سبحانه في رَدِّه عليهم: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ..} تفسير : [الزخرف: 32]. فإذا كان الحق سبحانه قد قَسَّم بين الخَلْق أرزاقهم في معيشتهم المادية؛ وإذا كان سبحانه قد رفع بعضهم فوق بَعْض درجات؛ وهو مَنْ يجعل المرفوع مخفوضاً؛ ويجعل المخفوضَ مرفوعاً، فكيف يأتي هؤلاء في الأمور القِيَميّة المُتعلِّقة بالروح وبالمنهج، ويحاولون التعديل على الله؛ ويقولون "نريد فلاناً ولا نريد فلاناً"؟ أو: أن الحق سبحانه يوضِّح لرسوله: بعد أنْ شرحتَ لهؤلاء أمر الوحي، فعليك أنْ تُبلِّغهم كلمة الله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ} [النحل: 2]. وما دام لا يوجد إلهٌ آخر فعلى الرسول أن يُسْدِي لهم النصيحة؛ بأن يقصروا على أنفسهم حَيْرة البحث عن إله، ويُوضِّح لهم أنْ لا إله إلا هو؛ وعليهم أنْ يتقوه. وفي هذا حنان من الحق على الخَلْق، وهو الحق الذي منع الكائنات التي تعجبتْ ورفضتْ كُفْر بَعْضٍ من البشر بالله؛ وطلبتْ أن تنتقمَ من الإنسان، وقال لهم: "لو خلقتموهم لرحمتموهم، دَعُوني وخَلْقي؛ إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبُهم؛ وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم". وقَوْل الحق سبحانه: {أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ} [النحل: 2]. هو جماعُ عقائدِ السماء للأرض؛ وجماعُ التعبُّداتِ التي طلبها الله من خَلْقه لِيُنظِّم لهم حركة الحياة مُتساندةً لا مُتعاندةً. فكأن: {أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ} [النحل: 2]. هي تفسيرٌ لِمَا أنزله الله على الملائكة من الرُّوح التي قُلْنا من قبل: إنها الروح الثانية التي يَجِيء بها الوَحْي؛ وتحمِلُ منهجَ الله ليضمن لِلْمُعتنِق حياة لا يزول نَعيمها ولا المُتنعِّم بها؛ وهي غَيْر الروح الأولى التي إذا نفخها الحق في الإنسان، فالحياة تدبُّ فيه حركةً وحِساً ولكنها إلى الفناء. وكأن الحق سبحانه من رحمته بخَلْقه أن أنزلَ لهم المنهج الذي يهديهم الحياة الباقية بدلاً من أنْ يظلُّوا أَسْرى الحياة الفانية وحدها. ومن رحمته أيضاً أن حذرهم من المصير السيئ الذي ينتظر مَنْ يكفر به؛ ومثل هذا التحذير لا يصدر إلا مِنْ مُحبٍّ؛ فسبحانه يُحِب خَلْقه، ويُحِب منهم أنْ يكونوا إليه مخلصين مؤمنين، ويحب لهم أنْ ينعموا في آخرة لا أسبابَ فيها؛ لأنهم سيعيشون فيها بكلمة "كُنْ" من المُسبّب. فإذا قال لهم {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ ..} [النحل: 2] فهو يُوضِّح أنه لا إله غيره، فلا تشركوا بي شيئاً، ولا تكذبوا الرسل وعليكم بتطبيق منهجي الذي يُنظِّم حياتكم وأُجازي عليه في الآخرة. وإياكم أنْ تغترُّوا بأنِّي خلقتُ الأسباب مُسخرة لكم؛ فأنا أستطيع أن أقبض هذه الأسباب؛ فقد أردتُ الدنيا بلاءً واختباراً؛ وفي الآخرة لا سُلْطان للأسباب أبداً: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. وظاهر الأمر أن المُلْك لله في الآخرة، والحقيقة أن المُلْك لله دائماً في الدنيا وفي الآخرة؛ ولكنه شاء أنْ يجعلَ الأسباب - المخلوقة بمشيئته - تستجيب للإنسان؛ فإياك أنْ تظنَّ أنك أصبحتَ قادراً؛ فأنت في الحياة تملك أشياء، ويملكك مَلِك أو حاكم مثلك؛ فسُنَّة الكون أنْ يوجدَ نظامٌ يحكم الجميع. ولكن الآخرة يختلف الأمر فيها؛ فلا مُلْكَ لأحدٍ غير الله، بل إن الأعضاء نفسها لا تسير بإرادة أصحابها بل بإرادة الحق، تلك الأعضاء التي كانت تخضع لمشيئتك في الدنيا؛ لا حُكْمَ لك عليها في الآخرة، بل ستكون شاهدة عليك. فإن كان الله قد أعطاك القدرة على تحريك الأعضاء في الدنيا، فإنْ وجَّهتها إلى مأمور الله؛ فأنت من عباده، وإنْ لم تُوجهها إلى مطلوب الله، فأنت من عبيده. وبعد ذلك يُقدِّم لك سبحانه الحيثية التي تُعزِّز أمره بعبادته وحده، وأنْ لا إله غيره؛ فإنه لم يطلب أن نعبده إلا بعد أنْ خلق لنا السماوات والأرض؛ وكل الكون المُعَد لاستقبال الإنسان بالحق؛ أي بالشيء الثابت؛ والقانون الذي ليس في اختيار أحد سواه سبحانه. ويقول سبحانه: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} [الآية: 2] قال: لا ينزل ملك إِلا معه روح. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ} [الآية: 5]. قال: يقول فيها ما ينسج، ومنها ما يركب، ولبن ولحم. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح {لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ} [الآية: 7] يعني: إِلا بمشقة. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} [الآية: 9] يعني: طريق / 37و / الحق على الله، عز وجل.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 484 : 1 :9 - سفين {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ} قال، بالنبوة. [الآية 2].

همام الصنعاني

تفسير : 1468- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ}: [الآية: 2]، قال: بِالوَحْي والرحمة.