١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين فيما سبق أن معرفة الحق لذاته، وهي المراد من قوله: {أَنَّهُ لآ إِلَـٰهَ إلآ أَنَاْ } ومعرفة الخير لأجل العمل به وهي المراد من قوله: { أية : فَٱتَّقُونِ } تفسير : [النحل: 2] روح الأرواح، ومطلع السعادات، ومنبع الخيرات والكرامات، أتبعه بذكر الدلائل على وجود الصانع الإله تعالى وكمال قدرته وحكمته. واعلم أنا بينا أن دلائل الإلهيات، إما التمسك بطريقة الإمكان في الذوات أو في الصفات. أو التمسك بطريقة الحدوث في الذوات أو في الصفات أو بمجموع الإمكان والحدوث في الذوات أو الصفات، فهذه طرق ستة، والطريق المذكور في كتب الله تعالى المنزلة، هو التمسك بطريقة حدوث الصفات وتغيرات الأحوال. ثم هذا الطريق يقع على وجهين: أحدهما: أن يتمسك بالأظهر فالأظهر مترقياً إلى الأخفى فالأخفى، وهذا الطريق هو المذكور في أول سورة البقرة، فإنه تعالى قال: {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ } فجعل تعالى تغير أحوال نفس كل واحد دليلاً على احتياجه إلى الخالق. ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال الآباء والأمهات، وإليه الإشارة بقوله: { أية : وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } تفسير : [البقرة: 21] ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال الأرض، وهي قوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً } لأن الأرض أقرب إلينا من السماء، ثم ذكر في المرتبة الرابعة قوله: {وَٱلسَّمَاء بِنَاء } ثم ذكر في المرتبة الخامسة الأحوال المتولدة من تركيب السماء بالأرض، فقال: { أية : وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ } تفسير : [البقرة: 22]. الثاني من الدلائل القرآنية؛ أن يحتج الله تعالى بالأشرف فالأشرف نازلاً إلى الأدون فالأدون، وهذا الطريق هو المذكور في هذه السورة، وذلك لأنه تعالى ابتدأ في الاحتجاج على وجود الإله المختار بذكر الأجرام العالية الفلكية، ثم ثنى بذكر الاستدلال بأحوال الإنسان، ثم ثلث بذكر الاستدلال بأحوال الحيوان، ثم ربع بذكر الاستدلال بأحوال النبات، ثم خمس بذكر الاستدلال بأحوال العناصر الأربعة، وهذا الترتيب في غاية الحسن. إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: النوع الأول: من الدلائل المذكورة على وجود الإله الحكيم الاستدلال بأحوال السموات والأرض فقال: {خُلِقَ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأنعام: 1] إن لفظ الخلق من كم وجه يدل على الاحتياج إلى الخالق الحكيم، ولا بأس بأن نعيد تلك الوجوه ههنا فنقول: الخلق عبارة عن التقدير بمقدار مخصوص، وهذا المعنى حاصل في السموات من وجوه: الأول: أن كل جسم متناه فجسم السماء متناه، وكل ما كان متناهياً في الحجم والقدر، كان اختصاصه بذلك القدر المعين دون الأزيد والأنقص امراً جائزاً، وكل جائز فلا بد له من مقدر ومخصص، وكل ما كان مفتقراً إلى الغير فهو محدث. الثاني: وهو أن الحركة الأزلية ممتنعة، لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، والأزل ينافيه فالجمع بين الحركة والأزل محال. إذا ثبت هذا فنقول: إما أن يقال أن الأجرام والأجسام كانت معدومة في الأزل، ثم حدثت أو يقال إنها وإن كانت موجودة في الأزل إلا أنها كانت ساكنة ثم تحركت. وعلى التقديرين فلحركتها أول، فحدوث الحركة من ذلك المبدأ دون ما قبله أو ما بعده خلق وتقدير، فوجب افتقاره إلى مقدر وخالق ومخصص له. الثالث: أن جسم الفلك مركب من أجزاء بعضها حصلت في عمق جرم الفلك وبعضها في سطحه، والذي حصل في العمق كان يعقل حصوله في السطح وبالعكس، وإذا ثبت هذا كان اختصاص كل جزء بموضعه المعين أمراً جائزاً فيفتقر إلى المخصص والمقدر، وبقية الوجوه مذكورة في أول سورة الأنعام. واعلم أنه سبحانه لما احتج بالخلق والتقدير على حدوث السموات والأرض قال بعده: {تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } والمراد أن القائلين بقدم السموات والأرض كأنهم أثبتوا لله شريكاً في كونه قديماً أزلياً فنزه نفسه عن ذلك، وبين أنه لا قديم إلا هو، وبهذا البيان ظهر أن الفائدة المطلوبة من قوله: { أية : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تفسير : [يونس: 18] في أول السورة غير الفائدة المطلوبة من ذكر هذه الكلمة ههنا، لأن المطلوب هناك إبطال قول من يقول: إن الأصنام تشفع للكفار في دفع العقاب عنهم، والمقصود ههنا إبطال قول من يقول: الأجسام قديمة، والسموات والأرض أزلية، فنزه الله سبحانه نفسه عن أن يشاركه غيره في الأزلية والقدم، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي للزوال والفناء. وقيل: «بالحق» أي للدلالة على قدرته، وأن له أن يتعبّد العباد بالطاعة وأن يحيـي الخلق بعد الموت. {تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي من هذه الأصنام التي لا تقدر على خلق شيء.
البيضاوي
تفسير : {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أوجدهما على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة قدرها وخصصها بحكمته. {تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} منهما أو مما يفتقر في وجوده أو بقائه إليهما ومما لا يقدر على خلقهما. وفيه دليل على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن خلقه العالم العلوي، وهو السموات، والعالم السفلي، وهو الأرض بما حوت، وأن ذلك مخلوق بالحق، لا للعبث بل {أية : لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى} تفسير : [النجم: 31] ثم نزه نفسه عن شرك من عبد معه غيره، وهو المستقل بالخلق وحده لا شريك له، فلهذا يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، ثم نبه على خلق جنس الإنسان من نطفة، أي: مهينة ضعيفة، فلما استقل ودرج، إذا هو يخاصم ربه تعالى، ويكذبه، ويحارب رسله، وهو إنما خلق ليكون عبداً لا ضداً؛ كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ وَكَانَ ٱلْكَـٰفِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً } تفسير : [الفرقان:54-55]. وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يس:77-79] وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن بُسْر بن جحاش قال: بصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كفه، ثم قال: «حديث : يقول الله تعالى: ابن آدم أنى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك فعدلتك، مشيت بين برديك، وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟».
المحلي و السيوطي
تفسير : {خُلق ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } أي مُحِقّاً {تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } به من الأصنام.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {خَلَقَ الإنسان من نطفةٍ فإذا هو خصيم مبين}. الخصيم المحتج في الخصومة، والمبين هو المفصح عما في ضميره. وفي صفته بذلك ثلاثة أوجه: أحدها: تعريف قدرة الله تعالى في إخراجه من النطفة المهينة إلى أن صار بهذه الحال في البيان والمكنة. الثاني: ليعرفه نعم الله تعالى عليه في إخراجه إلى هذه الحال بعدما خلقه من نطفة مهينة. الثالث: يعرفه فاحش ما ارتكب من تضييع النعمة بالخصومة في الكفر، قاله الحسن. وذكر الكلبي أن هذه الآية نزلت في أُبي بن خلف الجمحي حين أخذ عظاماً نخرة فذراها وقال: أنُعادُ إذا صرنا هكذا. قوله عز وجل: {والأنعام خلقها لكم فيها دفءٌ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه اللباس، قاله ابن عباس. الثاني: ما ستدفىء به من أصوافها وأوبارها وأشعارها، قاله الحسن. الثالث: أن الدفء صغار أولادها التي لا تركب، حكاه الكلبي. {ومنافِعُ} فيها وجهان: أحدهما: النسل، قاله ابن عباس. الثاني: يعني الركوب والعمل. {ومنها تأكلون}يعني اللبن واللحم. قوله عز وجل:{ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون} يحتمل وجهين: أحدهما: أن الرواح من المراعي إلى الأفنية، والسراح انتشارها من الأفنية إلى المراعي. الثاني: أنه على عموم الأحوال في خروجها وعودها من مرعى أو عمل أو ركوب وفي الجمال بها وجهان: أحدهما: قول الحسن إذا رأوها: هذه نَعَمُ فلان، قاله السدي. الثاني: توجه الأنظار إليها، وهو محتمل. وقد قدم الرواح على السراح وإن كان بعده لتكامل درها ولأن النفس به أسَرُّ. {وتحمل أثقالكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بِشِقِّ الأنفس} في البلد قولان: أحدهما: أنه مكة لأنها من بلاد الفلوات. الثاني: أنه محمول على العموم في كل بلد مسلكه على الظهر. {إلا بشق الأنفس} فيه وجهان: أحدهما: أنكم لولاها ما بلغتموه إلا بشق الأنفس. الثاني: أنكم مع ركوبها لا تبلغونه إلا بشق الأنفس، فكيف بكم لو لم تكن. وفي شق الأنفس وجهان: أحدهما: جهد النفس، مأخوذ من المشقة. الثاني: أن الشق النصف فكأنه يذهب بنصف النفس.
النسفي
تفسير : {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } وبالتاء في الموضعين: حمزة وعلي. وخلق الإنسان وما يكون منه وهو قوله {خَلَقَ ٱلإِنْسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } أي فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مكافح لخصومه مبين لحجته بعدما كان نطفة لا حس به ولا حركة، أو فإذا هو خصيم لربه منكر على خالقه قائل من يحيى العظام وهي رميم. وهو وصف للإنسان بالوقاحة والتمادي في كفران النعمة وخلق ما لا بد منه من خلق البهائم لأكله وركوبه وحمل أثقاله وسائر حاجاته وهو قوله {وَٱلأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا لَكُمْ } وهي الأزواج الثمانية وأكثر ما يقع على الإبل، وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر كقوله {أية : وٱلْقَمَرُ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ }تفسير : [يٱس: 39] أو بالعطف على الإنسان أي خلق الإنسان والأنعام ثم قال خلقها لكم أي ما خلقها إلا لكم يا جنس الإنسان {فِيهَا دِفْءٌ} هو اسم ما يدفأ به من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر {وَمَنَـٰفِعُ } وهي نسلها ودرها {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } قدم الظرف وهو يؤذن بالاحتصاص، وقد يؤكل من غيرها لأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم وأما الأكل من غيرها كالدجاج والبط وصيد البر والبحر فكغير المعتد به وكالجاري مجرى التفكه {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ } تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي {وَحِينَ تَسْرَحُونَ } ترسلونها بالغداة إلى مسارحها. منّ الله تعالى بالتجمل بها كما منّ بالاتنفاع بها لأَنه من أغراض أصحاب المواشي لأَن الرعيان إذا روحوها بالعشي وسرحوها بالغداة تزينت بإراحتها وتسريحها الأَفنية، وفرحت أربابها وكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس. وإنما قدمت الإراحة على التسريح لأَن الجمال في الإِراحة أظهر إذا أقبلت ملأى البطون حافلة الضروع
الخازن
تفسير : {خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون} تقدم تفسيره {خلق الإنسان من نطفة فاذا هو خصيم مبين} يعني أنه جدل بالباطل بين الخصومة نزلت في أبيّ بن خلف الجمحي، وكان ينكر البعث فجاء بعظم رميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تزعم أن الله يحيي هذا بعدما رم فنزلت فيه هذه الآية، ونزل فيه أيضاً قوله تعالى {أية : قال من يحيي العظام وهي رميم} تفسير : [يس: 78] والصحيح أن الآية عامة في كل ما يقع من الخصومة في الدنيا ويوم القيامة، وحملها على العموم أولى، وفيها بيان القدرة وأن الله خلق الإنسان من نطفة قذرة فصار جباراً كثيراً لخصومة، وفيه كشف قبيح ما فعله الكفار من جحدهم نعم الله تعالى مع ظهورها عليهم. قوله عز وجل {والأنعام خلقها} لما ذكر الله سبحانه وتعالى أنه خلق السموات والأرض، ثم أتبعه بذكر خلق الإنسان، ذكر بعده ما ينتفع به في سائر ضروراته. ولما كان أعظم ضرورات الإنسان إلى الأكل واللباس اللذين يقوم بهما بدن الإنسان بدأ بذكر الحيوان المنتفع به في ذلك، وهو الأنعام. فقال تعالى {والأنعام خلقها} وهي الإبل والبقر والغنم. قال الواحدي: تم الكلام عند قوله والأنعام خلقها. ثم ابتدأ فقال تعالى {لكم فيها دفء} قال: ويجوز أيضاً أن يكون تمام الكلام عند قوله لكم ثم ابتدأ فقال تعالى: فيها دفء. قال صاحب النظم أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله خلقها ثم يبتدأ بقوله لكم فيها دفء، والدليل عليه أنه عطف عليه قوله، ولكم فيها جمال والتقدير لكم فيها دفء ولكم فيها جمال. ولما كانت منافع هذه الأنعام منها ضرورية، ومنها غير ضرورية، بدأ الله سبحانه وتعالى بذكر المنافع الضرورية، فقال تعالى: لكم فيها دفء وهو ما يُستدفأ به من اللباس والأكسية ونحوها، المتخذة من الأصواف والأوبار والأشعار الحاصلة من النعم {ومنافع} يعني النسل والدر والركوب, والحمل عليها وسائر ما ينتفع به من الأنعام {ومنها تأكلون} يعني من لحومها. فإن قلت: قوله تعالى {ومنها تأكلون} يفيد الحصر لأن تقديم الظرف مؤذن بالاختصاص، وقد يؤكل من غيرها. قلت: الأكل من هذه الأنعام هو الذي يعتمده الناس في معايشهم وأما الأكل من غيرها كالدجاج والبط والإوز وصيد البر والبحر، فغير معتد به في الأغلب: وأكله يجري مجرى التفكه به فخرج ومنها تأكلون مخرج الأغلب في الأكل من هذه الأنعام. فإن قلت: منفعة الأكل مقدمة على منفعة اللباس فلم أخر منفعة الأكل وقدم منفعة اللباس؟ قلت: منفعة اللباس أكثر وأعظم من منفعة الأكل فلهذا قدم على الأكل. وقوله سبحانه وتعالى {ولكم فيها} أي في الأنعام {جمال} أي زينة {حين تريحون وحين تسرحون} الإراحة رد الإبل بالعشي إلى مراحلها حيث تأوي إليه بالليل. وقال: سرح القوم إبلهم تسريحاً إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى. قال أهل اللغة: وأكثر ما تكون هذه الراحة أيام الربيع إذا سقط الغيث، ونبت العشب والكلأ وخرجت العرب للنجعة، وأحسن ما تكون النعم في ذلك الوقت فمن الله سبحانه وتعالى بالتجميل بها فيه كما من الانتفاع بها لأنه من أغراض أصحاب المواشي بل هو من معظمها لأن الرعاة إذا سرحوا النعم بالغداة إلى المرعى، وروحوها بالعشي إلى الأفنية والبيوت يسمع للإبل رغاء وللشاء ثغاء يجاوب بعضها بعضاً، فعند ذلك يفرح أربابها بها وتتجمل بها الأفنية والبيوت، ويعظم وقعها عند الناس. فإن قلت: لم قدمت الإراحة على التسريح؟ قلت: لأن الجمال في الإراحة وهو رجوعها إلى البيوت أكثر منها وقت التسريح لأن النعم تقبل من المرعى ملأى البطون حافلة الضروع، فيفرح أهلها بها بخلاف تسريحها إلى المرعى فإنها تخرج جائعة البطون ضامرة الضروع من اللبن، ثم تأخذ في التفرق والانتشار للرعي في البرية فثبت بهذا البيان أن التجمل في الإراحة، أكثر منه في التسريح فوجب تقديمه. وقوله سبحانه وتعالى {وتحمل أثقالكم} الأثقال جمع ثقل وهو متاع السفر وما يحتاج إليه من آلات السفر {إلى بلد} يعني غير بلدكم قال ابن عباس: يريد من مكة إلى اليمن، وإلى الشام وإنما قال ابن عباس: هذا القول لأنه خطاب لأهل مكة واكثر تجارتهم وأسفارهم إلى الشام واليمن وحمله على العموم أولى لأنه خطاب عام فدخول الكافة فيه أولى من تخصيصه ببعض المخاطبين {لم تكونوا بالغيه} يعني بالغي ذلك البلد الذي تقصدونه {إلا بشق الأنفس} يعني بالمشقة والجهد والعناء والتعب والشق نصف الشيء، والمعنى على هذا لم تكونوا بالغيه إلا بنقصان قوة، النفس وذهاب نصفها {إن ربكم لرؤوف رحيم} يعني بخلقه حيث خلق لهم هذه المنافع. قوله سبحانه وتعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} هذه الآية عطف على ما قبلها، والمعنى وخلق هذه الحيوانات لأجل أن تركبوها، والخيل اسم جنس لا واحد له من لفظه كالإبل والرهط والنساء {وزينة} يعني وجعلها زينة مع المنافع التي فيها. فصل احتج بهذه الآية من يرى تحريم لحوم الخيل، وهو قول ابن عباس وتلا هذه الآية وقال: هذه للركوب وإليه ذهب الحكم ومالك وأبو حنيفة رحمهم الله، واستدلوا أيضاً بأن منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب فلما لم يذكره الله تعالى، علمنا تحريم أكله فلو كان أكل لحوم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر، لأن الله سبحانه وتعالى خص الأنعام بالأكل حيث قال ومنها تأكلون وخص هذه بالركوب. فقال: لتركبوها فعلمنا أنها مخلوقة للركوب لا للأكل وذهب مجموعة من أهل العلم إلى إباحة لحوم الخيل، وهو قول الحسن وشريح وعطاء وسعيد بن جبير: وإليه ذهب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وأحمد وإسحاق واحتجوا على إباحة لحوم الخيل لما روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنها قالت: "نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً ونحن بالمدينة فأكلناه" أخرجه البخاري ومسلم (ق). عن جابر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الخيل وحمر الوحش ونهى النبي عن الحمار الأهلي" هذه رواية البخاري ومسلم، وفي رواية أبي داود قال: "ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير وكنا قد أصابتنا مخمصة فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل" وأجاب من أباح لحوم الخيل عن هذه الآية بأن ذكر الركوب والزينة، لا يدل على أن منفعتها مختصة بذلك، وإنما خص هاتان المنفعتان بالذكر لأنهما معظم المقصود، قالوا: ولهذا سكت عن حمل الأثقال على الخيل مع قوله في الأنعام وتحمل أثقالكم، ولم يلزم من هذا التحريم حمل الأثقال على الخيل، وقال البغوي: ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم، بل المراد منها تعريف الله عباده نعمه، وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، والدليل الصحيح المعتمد عليه في إباحة لحوم الخيل أن السنة مبينة للكتاب ولما كان نص الآية يقتضي أن الخيل والبغال والحمير مخلوقة للركوب والزينة، وكان الأكل مسكوتاً عنه دار الأمر فيه على الإباحة والتحريم فوردت بإباحة لحوم الخيل وتحريم لحوم البغال والحمير، فأخذنا بها جمعاً بين النصين والله أعلم وقوله تعالى {ويخلق ما لا تعلمون} لما ذكر الله سبحانه وتعالى الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في جميع حالاته، وضرورياته على سبيل التفضيل، ذكر بعدها ما لا ينتفع به الإنسان الغالب على سبيل الإجمال لأن مخلوقات الله عز وجل في البر والبحر والسموات أكثر من أن تحصى أو يحيط بها عقل أحد أو فهمه، فلهذا ذكرها على الإجمال، وقال بعضهم: ويخلق ما لا تعلمون يعني مما أعد الله لأهل الجنة في الجنة، ولأهل النار في النار مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر وقال قتادة في قوله: ويخلق ما لا تعلمون يعني السوس في النبات والدود في الفواكة. قوله سبحانه وتعالى {وعلى الله قصد السبيل} القصد استقامة الطريق، يقال: طريق قصد وقاصد إذا أداك إلى مطلوبك وفي الآية حذف تقديره وعلى الله بيان قصد السبيل، وهو بيان طريق الهدى من الضلالة وقيل: معناه وعلى الله بيان طريق الحق بالآيات والبراهين {ومنها جائر} يعني ومن السبل سبيل جائر عن الاستقامة بل هو معوج فالقصد من السبيل هو دين الإسلام, والجائر منها دين اليهودية والنصرانية وسائر ملل الكفر، وقال جابر بن عبد الله: قصد السبيل بيان الشرائع والفرائض، وقال عبد الله بن المبارك وسهل بن عبد الله: قصد السبيل السنة ومنها جائر الأهواء والبدع {ولو شاء لهداكم أجمعين} فيه دليل على أن الله تعالى ما شاء هداية الكفار، وما أراد منهم الإيمان لأن كلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فقوله ولو شاء هدايتكم لهداكم أجمعين وذلك يفيد أنه تعالى ما شاء هدايتهم فلا جرم ما هداهم. قوله عز وجل {وهو الذي أنزل من السماء ماء} لما ذكر الله سبحانه وتعالى نعمته على عباده بخلق الحيوانات لأجل الانتفاع والزينة: عقبه بذكر إنزال المطر من السماء، وهو من أعظم النعم على العباد فقال: هو الذي أنزل من السماء. يعني، والله الذي خلق جميع الأشياء هو الذي أنزل من السماء ماء يعني المطر {لكم منه} يعني من ذلك الماء {شراب} يعني تشربونه {ومنه} يعني ومن ذلك الماء {شجر} الشجر في اللغة ما له ساق من نبات الأرض، ونقل الواحدي عن أهل اللغة أنهم قالوا: الشجر أصناف ما جل وعظم, وهو الذي يبقى على الشتاء وما دق وهو صنفان أحدهما تبقى له أدوحة في الشتاء, وينبت في الربيع ومنها ما لا يبقى له ساق في الشتاء كالبقول, وقال أبو إسحاق: كل ما ينبت على وجه الأرض فهو شجر وأنشد: شعر : نطعمها اللحم إذا عز الشجر تفسير : أراد أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض، وقال ابن قتيبة: في هذه الآية يعني الكلأ ومعنى الآية أنه ينبت بالماء الذي أنزل من السماء ما ترعى الراعية من ورق الشجر لأن الإبل ترعى كل الشجر {فيه} يعني في الشجر {تسيمون} يعني ترعون مواشيكم. يقال: أسمت السائمة إذا خليتها ترعى وسامت هي إذا رعت حيث شاءت {ينبت لكم} أي ينبت الله لكم وقرىء ينبت على التعظيم لكم {به} أي بذلك الماء {الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات} لما ذكر الله في الحيوان تفصيلاً وإجمالاً ذكر الثمار تفصيلاً وإجمالاً فبدأ بذكر الزرع وهو الحب الذي يقتات به كالحنطة والشعير وما أشبههما لأن به قوام بدن الإنسان، وثنى بذكر الزيتون لما فيه من الأدم والدهن والبركة، وثلث بذكر النخيل لأن ثمرتها غذاء وفاكهة، وختم بذكر الأعناب لأنها شبه النخلة في المنفعة من التفكة، والتعذية، ثم ذكر سائر الثمرات إجمالاً لينبه بذلك على عظيم قدرته، وجزيل نعمته على عباده ثم قال تعالى {إن في ذلك} يعني الذي ذكر من أنواع الثمار {لآية} يعني علامة دالة على قدرتنا ووحدانيتنا {لقوم يتفكرون} يعني فيما ذكر من دلائل قدرته ووحدانيته {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم} تقدم تفسيره في سورة الأعراف {مسخرات} يعني مذللات مقهورات تحت قهره وإرادتهن وفيه رد على الفلاسفة والمنجمين لأنهم يعتقدون أن هذه النجوم هي الفعالة المتصرفة في العالم السفلي فأخبر الله تعالى أن هذه النجوم مسخرات في نفسها مذللات {بأمره} يعني بأمر ربها مقهورات تحت قهره يصرفها كيف يشاء، ويختار وأنها ليس لها تصرف في نفسها فضلاً عن غيرها، ولما ذكر الله سبحانه وتعالى أنه خلق هذه النجوم وجعلها مسخرات لمنافع عباده ختم هذه الآية بقوله {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} يعني أن كل من كان له عقل صحيح سليم علم أن الله سبحانه وتعالى، هو الفعال المختار وأن جميع الخلق تحت قدرته، وقهره وتسخيره لما أراده منهم.
ابن عادل
تفسير : قوله: {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ تَعَالَىٰ} ارتفع {عَمَّا يُشْرِكُونَ} اعلم أنَّ دلائل الإلهيات وقعت في القرآن على نوعين: أحدهما: أن يتمسَّك بالأظهر مترقياً إلى الأخفى، فالأخفى كما ذكره في سورة البقرة في قوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} تفسير : [البقرة: 21] فجعل تغير أحوال الإنسان دليلاً على احتياجه إلى الخالق. ثم استدل بتغير أحوال الآباءِ، والأمهاتِ؛ قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [البقرة: 21]. ثم استدلَّ بأحوال الأرض؛ فقال تعالى: {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} تفسير : [البقرة: 22] لأن الأرض أقرب إلينا من السماء. ثُمَّ استدلَّ بأحوال السماء بعد الأرض؛ فقال تعالى: {أية : وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} تفسير : [البقرة: 22]. ثم استدلَّ بالأحوال المتولدة من تركيب السماء، والأرض؛ فقال سبحانه: {أية : وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ}تفسير : [البقرة: 22]. النوع الثاني: أن يستدل بالأشرف، فالأشرف نازلاً إلى [الأدون فالأدون]؛ كما ذكر في هذه الآية، فاستدل على وجود الإله المختار بذكر الأجرام الفلكية العلوية، فقال: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وقد تقدم الكلام على الاستدلال بذلك أول الأنعام، ثم استدل ثانياً بخلق الإنسان، فقال عز وجل: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ}. واعلم أنَّ أشرف الأجسام بعد الأفلاكِ والكواكبِ هو الإنسانُ. واعلمْ أنَّ الإنسان مركبٌ من بدنٍ ونفسٍ، فقوله تعالى: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ} إشارةٌ إلى الاستدلال ببدنه على وجود الصانع الحكيم سبحانه. وقوله عز وجل: {خَصِيمٌ مُّبِينٌ} إشارة إلى الاستدلال بأحوال نفسه على الصانع الحكيم جل ذكره، أمَّا الاستدلال ببدنه فإنه النطفة متشابهة الأجزاءِ بحسب المشاهدة؛ إلاَّ أنَّ بعض الأطباءِ يقول: إنه مختلف الأجزاءِ في الحقيقة؛ لأنَّ النطفة تتولد من فضلة الهضم. الثالث: أنَّ الغذاء يحصل له: في المعدةِ هضم أولٌ، وفي الكبد هضمٌ ثانٍ، وفي العروق هضم ثالثٌ، وعند وضوله إلى جواهر الأعضاء هضم رابعٌ. ففي هذا الوقت حصل بعض أجزاءِ الغذاء إلى العظمِ، وظهر فيه أثرٌ من [الطبيعة] العظيمة، وكذا يقول في اللحمِ والعصبِ والعروقِ، و غيرها. ثم عند استيلاء الحرارة على البدن عند هيجان الشَّهوة ويحصل ذوبان من جملة ذلك الأعضاء؛ وذلك هو النطفة، وعلى هذا التقدير تكون النطفة جسماً مختلف الأجزاء والطبائع. وإذا عُرف هذا، فالنطفةُ: إمَّا أن تكون جسماً متساوي الأجزاءِ في الطبيعةِ، والماهيةِ، أو مختلف الأجزاءِ، فإن كان الأول لم يجز أن يكون المقتضي لتوليدِ البدن منها هو الطبيعة الحاصلة في جوهر النطفة ودمِ الطَّمثِ؛ لأنَّ الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار، والقوة الطبيعية إذَا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكره. وعلى هذا الحرف عوَّلوا في قولهم: البَسائطُ يجب أن يكون شكلها الكرة؛ وحيث لم يكن الأمر كذلك؛ علمنا أنَّ المقتضي لحدوث الأبدان الحيوانية ليس هو الطبيعة؛ بل فاعل مختار، وهو يخلق بالتَّدبير، والحكمة، والاختيار، وإن قلنا: إنَّ النطفة جسمٌ مركبٌ من أجزاء مختلفة في الطبيعةِ والماهيةِ، فنقول: بتقدير أن يكون الأمر كذلك، فإنه يجب أن يكون تولد البدنِ منها تدبير فاعل مختار حكيم، وبيانه من وجهين: الأول: أن النطفة رطوبة سريعة الاستحالة، وإذا كان كذلك؛ كانت الأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ قد يصير أسفل، والجزء الذي هو مادة القلب قد يحصل فوقُ، وإذا كان كذلك وجب اختلاف أعضاءِ الحيوان وحيث لم يكن الأمر كذلك وجب أن لا تكون أعضاء الحيوانِ على هذا الترتيب المعيَّن أمراً دائماً؛ علمنا أنَّ حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاصِّ ليس إلا بتدبير الفاعل المختار. الوجه الثاني: أنَّ النطفة بتقدير أنَّها جسمٌ مركبٌ من أجسامٍ مختلفة الطبائع إلاَّ أنَّه يجب أن ينتهي تحليل تركيبها إلى آخر يكون كل واحدٍ منها في نفسه جسماً بسيطاً. وإذا كان كذلك، فلو كان المدبِّر لها قوة طبيعية لكان كل واحدٍ من تلك البسائطِ يجب أن يكون شكله هو الكرة فيلزم أن يكون الحيوان على شكل كراتٍ مضمومة بعضها إلى بعض. وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أنَّ مدبِّر أبدان الحيوانات ليس هي الطبائع، ولا تأثيرات النجوم والأفلاك، لأنَّ تلك التأثيرات متشابهة؛ فعلمنا أنَّ مدبر أبدانِ الحيوانات فاعلٌ مختارٌ حكيمٌ. قوله تعالى: {مِن نُّطْفَةٍ} متعلق بـ "خَلَقَ" و "مِنْ" لابتداءِ الغايةِ. والنُّطفَةُ: القطرة من الماءِ؛ نطَفَ رَأسهُ مَاءً، أي: قطر، وقيل: هي الماء الصافي، ويعبر بها عن ماءِ الرجل، ويكنى بها عن اللؤلؤةِ، ومنه: صَبِي منَطَّفٌ إذا كان في أذنه لؤلؤة، ويقال: ليلةٌ نطوفٌ إذا جاء فيها المطر، والنَّاطفُ: ما سال من المائعات يقال: نَطَفَ يَنطفُ، أي: سال فهو نَاطِف، وفلانٌ يُنْطَفُ بسُوءٍ. قوله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ} عطف هذه الجملة على ما قبلها، فإن قيل: الفاءُ تدل على التعقيب، ولا سيَّما وقد وجد معها "إذا" التي تقتضي المفاجأة، وكونه خصيماً مبيناً لم يعقب خلقه من نطفةٍ، إنما توسَّطتْ بينهما وسائطُ كثيرةٌ. فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه من باب التعبير عن حال الشيء بما يؤولُ إليه، كقوله تعالى: {أية : أَعْصِرُ خَمْراً} تفسير : [يوسف: 36]. والثاني: أنه أشار بذلك إلى سرعة نسيانهم مبدأ خلقهم. وقيل: ثمَّ وسائط محذوفة. والذي يظهر أن قوله "خَلقَ" عبارة عن إيجاده، وتربيته إلى أن يبلغ حدَّ هاتين الصفتين. و "خَصِيمٌ": فعيلٌ مثالُ مبالغةٍ من خَصِمَ بمعنى اخْتَصَمَ، ويجوز أن يكون بمعنى مخاصم، كالخَليطِ والجَليسِ، ومعنى "خَصِيمٌ" جدولٌ بالبَاطلِ. فصل اعلم أنَّه - سبحانه وتعالى - إنَّما يخلق الإنسان من نطفة بواسطة تغيراتٍ كثيرةٍ مذكورة في قوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} تفسير : [المؤمنون: 12] الآيات إلاَّ أنِّه - تعالى - اختصرها ها هنا استغناء بذكرها هناك. قال الواحديُّ رحمه الله: الخصيمُ بمعنى المخاصم. وقال أهل اللغة: خصِيمُكَ الذي يُخاصِمُك، وفعيل بمعنى مفاعل معروف، كالنَّسيبِ والعَشيرِ. ووجه الاستدلال بكونه خصيماً على وجود الإله المدبِّر الحكيم: أنَّ [النفوس] الإنسانيَّة في أولِ الفطرة أقلُ فهماً وذكاءً من نفوس سائر الحيوانات؛ ألا ترى أنَّ ولد الدجاجة حالما يخرج من قشر البيضةِ يميِّزُ التصديق والعدوَّ، ويهرب من الهرَّةِ، ويلتجيءُ إلى الأمِّ ويميزُ الغذاء الموافق، والغذاء الذي لم يوافق. وأمَّا ولد الإنسان فإنَّه حال انفصاله من بطنِ الأمِّ لا يميزُ البتَّة بين العدوِّ والصديق ولا بين الضارِّ والنافع، فظهر أن الإنسان في أول الحدوثِ أنقص حالاً، وأقلُّ فطنة من سائر الحيوانات. ثم إنَّ الإنسان بعد كبره يقوى عقله ويعظم فهمه، ويصير بحيث يقوى على مساحة السماوات والأرض، ويقوى على معرفة الله - عزَّ وجلَّ - وصفاته، وعلى معرفة أصناف المخلوقات من الأرواح والأجسام والفلكيات والعنصريات، ويقوى على إيراد الشبهات القوية في دين الله - تعالى - والخصومات الشديدة في كل المطالب، فانتقال نفس الإنسان من تلك البلادة المفرطة إلى هذه الكياسة المفرطة لا بدَّ وأن يكون بتدبير مدبر مختارٍ حكيم بنقل الأرواحِ من نقصانها إلى كمالاتها، ومن جهالاتها إلى معارفها بحسب الحكمةِ والاختيارِ فهذا هو المراد من قوله تعالى: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ}. وفي معنى كونه خصيماً مبيناً وجهان: الأول: أنه يجادل عن نفسه منازعاً للخصوم بعد أن كان نطفة قذرة وجماداً، لا حسَّ فيه ولا حركة، والمقصود منه أنَّ الانتقال من تلك الحالةِ الخسيسة إلى هذه الحالةِ العالية الشريفة لا يحصل إلا بتدبير مدبرٍ حكيم. والثاني: فإذا هو خصيمٌ لربِّه، منكر على خالقه، قائل: {أية : مَن يُحيِ ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} تفسير : [يس: 78] والغرض وصف الإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل والتَّمادي في كفران النِّعمة. كما نقل أنَّها نزلت في أبي بن خلفٍ الجمحي؛ وكان ينكر البعث جاء بعظمٍ رميمٍ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أتقول إنَّ الله - تعالى - يحيي هذه بعدما قد رُمّ؟. والصحيح أنَّ الآية عامة؛ لأنَّ هذه الآيات ذكرت لتقرير الاستدلال على وجودِ الصَّانع الحكيم لا لتقرير وقاحةِ النَّاسِ وتماديهم في الكفر والكفران. قوله تعالى: {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ} الآية هذه الدلالة الثالثة؛ لأنَّ أشرف الأجساد الموجودة في العالم السفليِّ بعد الإنسان سائرُ الحيوانات لاختصاصها بالقوى الشريفة، وهي الحواسُّ الظاهرة والباطنة والشهوةُ والغضب. قوله: {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا} العامة على النصب، وفيه وجهان: أحدهما: أنه نصب على الاشتغال وهو أرجح من الرفع لتقدم جملة فعليَّة. والثاني: أنه نصب على عطفه على "الإنْسانَ"، قاله الزمخشريُّ، وابن عطيَّة فيكن "خَلقَهَا" على هذا مؤكداً، وعلى الأول مفسراً. وقرئ شاذًّا "والأنْعَامُ" رفعاً وهي مرجوحةٌ. قوله: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} يجوز أن يتعلق "لكم" بـ "خلقها"، أي: لأجلكم ولمنافعكم، ويكون "فيها" خبراً مقدماً، و "دفء" مبتدأ مؤخرٌ، ويجوز أن يكون "لَكُمْ" هو الخبر، أو يكون "فِيهَا" هو الخبر، و "لَكمْ" متعلق بما تعلَّق به الخبر، أو يكون "فيها" حالاً من "دِفْءٌ" لأنه لو تأخر لكان صفة له، أو يكون "فيها" هو الخبر، و "لكم" متعلق بما تعلق به، أو يكون حالاً من "دفء" قاله أبو البقاء. وردَّه أبو حيَّان: بأنَّه إذا كان العاملُ في الحال معنويًّا، فلا يتقدم على الجملة بأسرها، ولا يجوز "قَائماً في الدَّارِ زيْدٌ" فإن تأخَّرت نحو "زَيْدٌ في الدَّارِ قَائِماً" جاز بلا خلافٍ، أو توسَّطت بخلاف أجازه الأخفش ومنعه غيره. ولقائل أن يقول: لما تقدم العامل فيها، وهي معه جاز تقديمها عليه بحالها إلا أن نقول: لا يلزم من تقديمها وهو متأخر تقديمها عليه وهو متقدم لزيادة الفتح. وقال أبو البقاء أيضاً: "ويجوز أن يرتفع "دِفْءٌ" بـ "لَكُمْ" أو بـ "فِيهَا" والجملة كلُّها حالٌ من الضمير المنصوب". قال أبو حيان "ولا يسمَّى جملة، لأنَّ التقدير: خلقها كائنٌ لكم فيها دفءٌ، أو خلقها لكم كائناً فيها دفءٌ". قال شهابُ الدِّين: "قد تقدم الخلاف في تقدير متعلق الجار إذا وقع حالاً أو صفة أو خبراً، هل يقدر فعلاً أو اسماً، ولعلَّ أبا البقاءِ نحا إلى الأول فتسميته له جملة صحيحٌ على هذا". والدِّفءُ: اسم لما يدفأ به، أي: يسخنُ. قال الأصمعيُّ: ويكون الدفءُ السخونة، يقال: اقعد في دفء هذا الحائط، أي: في كنفه، وجمعه أدفَاء، ودَفِىءَ يومنا فهو دَفيءٌ، ودَفِىءَ الرَّجلُ يَدْفأ دَفَأة فهو دَفْآنُ، وهي دَفْأى، كَسَكْران، وسَكْرَى. والمُدفِّئَةُ بالتخفيف والتشديد، الإبل الكثيرة الوبر والشَّحم، وقيل: الدِّفْءُ: نِتاجُ الإبل وألبَانُهَا وما ينتفعُ به منها. وقرأ زيد بن علي: "دِفٌ" بنقل حركة الهمزة إلى الفاءِ، والزهريُّ: كذلك إلاَّ أنَّه شدَّد الفاء، كأنَّه أجرى الوصل مجرى الوقف، نحو قولهم: هذا فرخٌّ بالتشديد وقفاً. وقال صاحب اللَّوامحِ: "ومنهم من يعوض من الهمزة فيشدِّد الفاء وهو أحد وجهي حمزة بن حبيبٍ وقفاً". قال شهابُ الدِّين: والتشديد وقفاً: لغة مستقلة وإن لم يكن ثمَّ حذف من الكلمة الموقوف عليها. قوله "ومَنافِعُ" أراد النَّسْل، والدَّرَّ، والركوب، والحملَ، وغيرها، فعبر عن هذا الوصف بالمنفعة؛ لأنَّه الأعمُّ، والدر والنسل قد ينتفع به بالبيع بالنقودِ، وقد ينتفع به بأن تبدَّل بالثياب، وسائر الضَّرورياتِ، فعبَّر عن جملة الأقسامِ بلفظ المنافع ليعمَّ الكل. فصل الحيوانات قسمان: منها ما ينتفع به الإنسان، ومنها ما لا يكون كذلك، والقسم المنتفع به [أفضل] من الثاني، والمنتفع به إمَّا أن ينتفع به الإنسان في ضروراته، مثل الأكلِ واللبسِ أو في غير ضروراته، والأول أشرف وهو الأنعام، فلهذا بدأ بذكره فقال: {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ} وهي عبارة عن الأزواج الثمانية، وهي الضَّأنُ والمعز والبقر والإبل. قال الواحديُّ: تمَّ الكلام عند قوله: {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا} ثم ابتدأ وقال: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ}. قال صاحبُ النَّظم: أحسنُ الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: "خَلَقَهَا"؛ لأنه عطف عليه {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ} والتقدير: لكم فيها دفءٌ ولكم فيها جمالٌ. ولما ذكر الأنعام، أتبعه بذكر المنافع المقصودة منها، وهي إما ضرورية، أو غير ضرورية، فبدأ بذكر المنافع الضرورية؛ فقال: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} وقد ذكر هذا المعنى في آية أخرى، فقال سبحانه: {أية : وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [النحل: 80]. والمعنى: ملابسُ ولحفاءُ يستدفئون بها، ثم قال: "ومَنافِعُ" والمراد ما تقدم من نسلها ودرِّها. ثم قال: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ}، "مِنْ" ها هنا لابتداء الغاية، والتبعيض هنا ضعيفٌ. قال الزمخشري: "فإن قلت: تقديم الظرف مؤذنٌ بالاختصاص، وقد يؤكل من غيرها، قلت: الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس، وأمَّا غيرها من البط والدجاج ونحوها من الصَّيد، فكغير المعتد به؛ بل جارٍ مجرى التَّفكُّهِ". قال ابن الخطيب: "ويحتمل أن غالب أطعمتكم منها؛ لأنَّكم تحرثون بالبقر، والحب والثّمار التي تأكلونها، وتكتسبون بها، وأيضاً بإكراء الإبل وتبيعون نتاجها، وألبانها، وجلودها، وتشترون بها جميع أطعمتكم". فإن قيل: منفعة الأكل مقدمة على منفعة اللَّبس، فلم أخَّر منفعة الأكْلِ في الذكر؟. فالجواب: أنَّ الملبوس أكثر من المطعوم؛ فلهذا قدِّم عليه في الذِّكر فهذه المنافع الضرورية الحاصلة من الأنعام، وأمَّا المنافع غير الضرورية الحاصلة من الأنعام فأمورٌ: الأول: قوله {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ} كقوله {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ}. و "حِينَ" منصوب بنفس "جمالٌ" أو بمحذوفٍ، على أنه صفة له، أو معمولٌ لما عمل في "فِيهَا" أو في "لَكُمْ". وقرأ عكرمة، والضحاك، والجحدري - رحمهم الله -: "حِيناً" بالتنوين؛ على أنَّ الجملة بعده صفة له، والعائد محذوف، أي: حيناً تريحون فيه وحيناً تسرحون فيه، كقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ}تفسير : [البقرة: 281] وقدِّمت الإراحة على [السرح]؛ لأنَّ الأنعام فيها أجمل لملءِ بطونها وتحفُّل ضروعها، بخلاف التسريح؛ فإنها عند خروجها إلى المرعى تخرج جائعة عادمة اللَّبن ثم تتفرق وتنتشر. فصل قد ورد الحين على أربعة أوجهٍ: الأول: بمعنى الوقت كهذه الآية. الثاني: منتهى الأجل، قال: {أية : وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ}تفسير : [يونس: 98]، أي: إلى منتهى آجالهم. الثالث: إلى ستة اشهر، قال تعالى: {أية : تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} تفسير : [إبراهيم: 25]. الرابع: أربعون سنة، قال تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} تفسير : [الإنسان: 1]. أي: أربعون سنة، يعني آدم - صلوات الله وسلامه عليه - حين خلقه من طينٍ قبل أن ينفخ فيه الروح. والجمالُ: مصدر جَمُلَ بضمِّ الميم يجمُل فهو جَمِيلٌ وهي جَمِيلةٌ، وحكى الكسائي: جَمْلاء كحَمْرَاء؛ وأنشد: [الرمل] شعر : 3297- فَهْيَ جَمْلاءُ كَبَدْرٍ طَالعٍ بذَّتِ الخَلْقَ جَمِيعاً بالجَمالِ تفسير : ويقال أراح الماشية وهراحها بالهاء بدلاً من الهمزة، وسرح الإبل يسرحها سرحاً، أي: أرسلها، وأصله أن يرسلها لترعى، والسَّرحُ: شجرٌ له ثمرٌ، الواحدة سرحةٌ، قال أبيّ: [الطويل] شعر : 3298- أبَى الله إلاَّ أنَّ سَرحَة مَالكٍ عَلي كُلِّ أفْنانِ العِضاهِ تَرُوقُ تفسير : وقال: [الكامل] شعر : 3299أ- بَطلٌ كَأنَّ ثِيَابَهُ في سَرْحَةٍ يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ ليْسَ بِتَوْءَمِ تفسير : ثم أطلق على كلِّ إرسالٍ، واستعير أيضاً للطلاق، يقال: سَرحَ فلانٌ امْرأتهُ كما استعير الطلاقُ أيضاً من إطلاق الإبل من عقلها، واعتبر من السَّرح المضي فقيل: ناقة [سرحٌ]، أي: سريعة، وقيل: [الكامل] شعر : 3299ب- سُرُحُ اليَديْنِ كَأنَّهَا... ...................... تفسير : وحذف مفعولي "تُرِيحُونَ وتَسْرَحُونَ" مراعاة للفواصل مع العلم بها. فصل الإراحةُ: ردُّ الإبل بالعشيّ إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلاً، وسرح القوم إبلهم سرحاً، إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى. قال أهل اللغة: هذه الإراحةُ أكثر ما تكون أيَّام الربيع إذا سقط الغيث، وكثر الكلأُ، وخرجت العرب للنّجعةِ، وأحسن ما يكون النعمُ في ذلك الوقت. ووجهُ التجملِ بها أنَّ الراعيَ إذا روحها بالعشيَّ وسرَّحها بالغداة تزينت عند تلك الإراحة والتسريح الأفنية، وكثر فيها النفاء والرغاء، وعظم وقعهم عند الناس لكونهم مالكين لها. والمنفعة الثانية قوله: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ}. الأثقالُ: جمع ثِقَل، وهو متاع السَّفر إلى بلدٍ. قال ابن عباسٍ - رضي الله عنهما-: "يريد من مكة إلى [المدينة] والشام ومصر". وقال الواحديُّ - رحمه الله-: "والمراد كلُّ بلدٍ لو تكلفتم بلوغه على غير إبلٍ لشقَّ عليكم". وخصَّ ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - هذه البلاد لأنَّها متاجر أهل مكة. قوله {لَّمْ تَكُونُواْ} صفة لـ "بَلدٍ"، و "إلاَّ بشقِّ" حال من الضمير المرفوع في "بَالغِيهِ"، أي: لم تبلغوه إلا ملتبسين بالمشقةِ. والعامة على كسر الشِّين. وقرأ أبو جعفر ورويت عن نافع، وأبي عمرو بفتحها؛ فقيل: هما مصدران بمعنى واحد، أي: المشقَّة فمن الكسرِ قول الشاعر: [الطويل] شعر : 3300- رَأى إبلاً تَسْعَى ويَحْسِبُهَا لَهُ أخِي نَصبٍ مِنْ شِقِّهَا ودُءُوبِ تفسير : أي: من مشقّتها. وقيل: المفتوح المصدر، والمكسور الاسم. وقيل: بالكسر نصف الشيء. وفي التفسير: إلاَّ بنصف أنفسكم، كما تقول: لَمْ تَنلهُ إلا بقطعه من كيدك على المجاز. فصل أذا حملنا الشقَّ على المشقَّةِ كان المعنى: لم تكونوا بالغيه إلاَّ بالمشقَّة، وإن حملناها على نصف الشيء كان المعنى: لم تكونوا بالغيه إلا عند ذهاب نصف قوتكم ونقصانها. قال بعضهم: المراد من قوله تعالى {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ} الإبل فقط، لأنه وصفها في آخر الآية بقوله - عز وجل - {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ} وهذا لا يليق إلاَّ بالإبل فقط. والجواب: أنَّ هذه الآيات وردت لتعديدِ منافع الأنعام، فبعض تلك المنافع حاصل في الكلِّ، وبعضها يختص بالبعض، لأنَّ قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ} حاصل في البقر والغنم أيضاً. {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} بخلقه حيث جعل لهم هذه المنافع. فصل احتجَّ منكرو كرامات الأولياءِ بهذه الآية، لأنَّ هذه الآية دلت على أنَّ الإنسان لا يمكنه الانتقال من بلدٍ إلى بلدٍ إلا بشقِّ الأنفس، وحملِ الأثقالِ على [الجمال]، فيكون الانتقال من بلدٍ إلى بلدٍ بعيدٍ في ليلةٍ واحدةٍ من غير تعبٍ، وتحمُّل مشقة خلاف هذه الآية، فيكون باطلاً. ولمَّا بطل القول بالكرامات في هذه الصورة، بطل القول بها في سائر الصُّورِ؛ لأنه لا قائل بالفرق. والجواب: أنَّا نَخُصُّ هذه الآية بالأدلَّة الدالة على وقوع الكرامات. قوله: {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ} العامة على نصبها؛ نسقاً على الأنعام، وقرأ ابن أبي عبلة برفعها على الابتداء، والخبر محذوف، أي: مخلوقةٌ ومعدَّة لتركبوها، وليس هذا ممَّا ناب فيه الجارُّ مناب الخبر لكونه كوناً خاصًّا. قال القرطبي: "وسُمِّيت الخيل خيلاً لاختيالها في مشيها، وواحد الخيل خائل، كضَائن واحد ضأن. وقيل: لا واحد له، ولما أفرد - سبحانه وتعالى - الخيل، والبغال، والحمير، بالذكر؛ دلَّ على أنَّها لم تدخل في لفظ الأنعام. وقيل: دخلتْ؛ ولكن أفردها بالذكر لما يتعلق بها من الركوب، فإنَّه يكثر في الخيل والبغال والحمير". قوله: "وَزِينَةً" في نصبها أوجهٌ: أحدها: أنه مفعولٌ من أجله وإنَّما وصل الفعل إلى الأول باللام في قوله تعالى: {لِتَرْكَبُوهَا} وإلى هذا بنفسه لاختلاف الشَّرط في الأول، وعدم اتحاد الفاعل، وأنَّ الخالق الله والراكب المخاطبون. الثاني: أنَّها منصوبة على الحال، وصاحبُ الحال إمَّا مفعول "خَلَقَهَا" وإمَّا مفعول "لِترْكَبُوهَا" فهو مصدر، وأقيم مقام الحالِ. الثالث: أن ينتصب بإضمار فعلٍ، فقدره الزمخشريُّ - رحمه الله - وخلقها زينة. وقدره ابن عطيَّة وغيره: وجعلها زينةً. الرابع: أنَّه مصدرٌ لفعلٍ محذوف أي: "ولتتَزيَّنُوا بِهَا زينةً". وقرأ قتادة عن ابن أبي عامر: "لتَرْكَبُوهَا زِينَةً" بغير واوٍ، وفيها الأوجه المتقدمة؛ ويريد أن يكون حالاً من فاعل "لِترْكبُوهَا" متزينين. فصل لمَّا ذكر منافع الحيوان التي ينتفع بها من المنافع الضرورية، ذكر بعده منافع الحيوانات التي ليست بضرورية فقال: {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}، والخيل اسم جنسٍ لا واحد له من لفظه كالإبل. واحتجَّ القائلون بتحريمِ لحومِ الخيلِ؛ وهو قول ابن عباسٍ، والحكم، ومالك، وأبي حنيفة - رضي الله عنهم - بهذه الآيةِ، قالوا: منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب، فلو كان أكل لحوم الخيل جائزاً؛ لكان هذا المعنى أولى بالذِّكر، وحيث لم يذكره الله - تعالى - علمنا تحريم أكله. ويقوِّي هذا الاستدلال: أنَّه قال - تعالى - في صفة الأنعام {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} وهذه الكلمة تفيد الحصر، فيقتضي أن لا يجوز الأكل من غير الأنعامِ فوجب أن يحرَّم أكل لحوم الخيل بمقتضى هذا الحصرِ. ثمَّ إنَّه - تعالى - ذكر بعد هذا الكلام الخيل والبغال والحمير، وذكر سبحانه أنها مخلوقة للركوب، وهذا يقتضي أن منفعة الأكلِ مخصوصة بالأنعام. وأيضاً قوله تعالى: {لِتَرْكَبُوهَا} يقتضي أنَّ تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة، هو الركوبُ والزينةُ، ولو حلَّ أكلها لما كان تمامُ المقصود من خلقها هو الركوب، بل كان حلُّ أكلها أيضاً مقصوداً؛ وحينئذٍ يخرج جواز ركوبها عن أن يكون تمام المقصودِ؛ بل يصير بعض المقصودِ. وأجاب الواحديُّ - رحمه الله-: بأنَّه لو دلَّت هذه الآية على تحريم أكل الخيل؛ لكان تحريم أكلها معلوماً في مكَّة؛ لأنَّ هذه السورة مكية. ولو كان الأمر كذلك لكان قول عامة المفسرين والمحدِّثين إنَّ تحريم لحوم الحمر الأهلية كان عام خيبر باطلاً؛ لأنَّ التحريم لما كان حاصلاً قبل هذا اليوم، لم يبق لتخصيص هذا التَّحريم بهذه [السنة] فائدة. وأجاب غيره: بأنه ليس المراد من الآية بيان التَّحليل والتحريم؛ بل المراد منه أن يعرِّف الله - تعالى - عباده نعمه، وتنبيههم على كمالِ قدرته وحكمته. واحتجُّوا بقولِ جابر - رضي الله عنه-: "نَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبرٍ عَنْ لَحومِ الحُمرِ ورخَّصَ في لُحومِ الخَيْلِ". ولمَّا ذكر - تعالى - أصناف الحيوانات المنتفع بها، ذكر بعده الأشياء التي لا ينتفع غالباً بها فذكرها على سبيل الإجمال. فقال سبحانه وتعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وذلك لأنَّ أنواعها وأصنافها خارجة عن الإحصاء؛ فذكر ذلك على سبيل الإجمال. وروى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "إنَّ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ نَهْراً مِنْ نُورٍ مِثلَ السَّمواتِ السَّبْع والبِحارِ السَّبعَة والأرضين السبع يَدخُل فيه جِبْريلُ - عليه الصلاة والسلام - كُلَّ سحرٍ فيزْدادُ نُوراً إلى نُورهِ وجَمالاً إلى جَمالهِ، ثُمَّ ينتفِضُ فيَخْلقُ الله - سبحانه وتعالى - مِنْ كُلِّ نُقْطَة تقع مِن رِيشهِ كذا وكذا ألْفَ مَلك، يَدخلُ مِنهُم كُلَّ يَومٍ سَبعُونَ ألفاً البيتَ المَعْمُورَ، وفي الكَعْبةِ أيضاً سَبْعُون ألفاً لا يعُودُونَ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ". قوله: {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} الآية والمعنى: إنما ذكرت هذه الدلائل وشرحتها؛ إزاحةً للعذرِ؛ وإزالة للعلَّة {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} تفسير : [الأنفال: 42]. قوله: {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} الضمير يعود على السبيل؛ لأنَّها تؤنث {أية : قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} تفسير : [يوسف: 108] أو لأنَّها في معنى سُبلٍ، فأنَّث على معنى الجمع، والقَصْدُ مصدرٌ يوصف به فهو بمعنى قاصد، يقال: سبيلٌ قصدٌ وقاصدٌ، أي: مستقيمٌ، كأنه يَقْصِدُ الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه. وقيل: الضمير يعود على الخلائق؛ ويؤيده قراءة عيسى، وما في مصحف عبد الله: "ومِنْكُمْ جَائِرٌ"، وقراءة عليّ: "فَمِنكُمْ جَائِرٌ" بالفاء. وقيل: "ألْ" في "السَّبيلِ" للعهد؛ وعلى هذا يعود الضمير على السبيل التي تتضمنها معنى الآية؛ لأنَّه قيل: ومن السبيل فأعاد عليها، وإن لم يجر له ذكر؛ لأنَّ مقابلها يدلُّ عليها، وأما إذا كانت "ألْ" للجنس فيعود على لفظها. والجَوْرُ: العدول عن الاستقامة؛ قال النابغة: [الطويل] شعر : 3301-..................... يَجُورُ بِهَا المَلاَّحُ طَوْراً ويَهْتَدِي تفسير : وقال آخر: [الكامل] شعر : 3302- ومِنَ الطَّريقَةِ جَائِرٌ وهُدًى قَصْدُ السَّبيلِ ومِنْهُ ذُو دَخْلِ تفسير : وقال أبو البقاء: و "قَصْدُ" مصدرٌ بمعنى إقامة السَّبيل، أو تعديل السبيل، وليس مصدر قصدته بمعنى أتَيْتهُ. فصل قوله: {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} يعني بيان طريق الهدى من الضَّلالة، وقيل: بيان الحقِّ من الباطل بالآيات والبراهين، والقصد: الصراط المستقيم. {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} يعني: ومن السَّبيل جائر عن الاستقامة معوجّ، والقصد من السبيل دينُ الإسلامِ، والجائر منها: اليهوديَّة والنَّصرانيةُ وسائر مللِ الكفرِ. قال جابر بن عبد الله: "قَصْدُ السَّبيلِ" بيانُ الشَّرائع والفرائض. وقال ابن المبارك وسهل بن عبد الله: "قَصْدُ السَّبيلِ" السنة، "ومِنْهَا جَائِرٌ" الأهواء والبدع؛ لقوله تعالى: {أية : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ} تفسير : [الأنعام: 153]. فصل قالت المعتزلة: دلت الآية على أنَّه يجب على الله الإرشاد والهداية إلى الدِّين وإزالةُ العلل [والأعذار]؛ لقوله {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} وكلمة "عَلَى" للوجوب، قال تعالى: {أية : وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [آل عمران: 97] ودلت الآية أيضاً على أنه تعالى لا يضلُّ أحداً ولا يغويه ولا يصده عنه، لأنه لو كان - تعالى - فاعلاً للضَّلال؛ لقال {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} وعليه جائرها، أو قال: وعليه الجائر فلمَّا لم يقل ذلك، بل قال في قصد السبيل أنه عليه، ولم يقل في جور السبيل أنه عليه، بل قال: "ومِنْهَا جَائِرٌ" دلَّ على أنَّه - تعالى - لا يضلُّ عن الدينِ أحداً. وأجيب: بأنَّ المراد على أنَّ الله - تعالى - بحسب الفضلِ والكرمِ؛ أن يبين الدِّين الحق، والمذهب الصحيح، فأما أن يبين كيفية الإغواء والإضلال؛ فذلك غير واجب. قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} يدل على أنَّه - تعالى - ما شاء هداية الكفار، وما أراد منهم الإيمان؛ لأنَّ كلمة "لَوْ" تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، أي: ولو شاء هدايتكم لهداكم أجمعين، وذلك يفيد أنه - تعالى - ما شاء هدايتهم فلا جرم ما هداهم. وأجاب الأصمُّ: بأنَّ المراد: لو شاء أن يلجئكم إلى الإيمان لهداكم، وهذا يدل على أنَّ مشيئة الإلجاءِ لم تحصل. وأجاب الجبائيُّ: بأنَّ المعنى: ولو شاء لهداكم إلى الجنَّة وإلى نيل الثواب؛ لكنَّه لا يفعل ذلك إلا بمن يستحقه، ولم يرد به الهدى إلى الإيمان؛ لأنَّه مقدور جميع المكلَّفين. وأجاب بضعهم؛ فقال المراد: ولو شاء لهداكم إلى الجنَّة ابتداء على سبيل التفضل، إلاَّ أنَّه - تعالى - [عرَّفكمُ] للمنزلة العظيمة بما نصب من الأدلة وبيَّن، فمن تمسَّك بها فاز، ومن عدل عنها فاتته وصار إلى العذاب. وتقدم الجواب عن ذلك مراراً.
القشيري
تفسير : خَلَقَها بالحق، ويَحكُم فيها بالحق، فهو مُحِقٌّ في خَلْقِها لأنَّ له ذلك ويدخل في ذلك أمرُه بتكليف الخَلْق، وما يَعْقُبُ ذلك التكليفَ من الحَشْرِ والنَّشْرِ، والثواب والعقاب. و{تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}: تقديساً وتشريفاً له عن أن يكون له شريك أو معه مليك.
اسماعيل حقي
تفسير : {خلق السموات والارض} اى الاجرام العلوية والآثار السفلية يقال قبل ان يخلق الله الارض كان موضع الارض كله ماء فاجتمع الزبد فى موضع الكعبة فصارت ربوة حمراء كهيئة التل وكان ذلك يوم الاحد ثم ارتفع بخار الماء كهيئة الدخان حتى انتهى الى موضع السماء وما بين السماء والارض مسيرة خمسمائة عام كما بين المشرق والمغرب فجعل الله درة خضرا، فخلق منها السماء فلما كان يوم الاثنين خلق الشمس والقمر والنجوم ثم بسط الارض من تحت الربوة {بالحق} اى بالحكمة والمصلحة لا بالباطل والبعث ونعم ما قيل شعر : انما الكون خيال وهو حق في الحقيقة تفسير : ويقال جعل الله الارواح العلوية والاشباح السفلية مظاهر افاعيله فهو الفاعل فيما يظهر على الارواح والاشباح {تعالى} وتقدس. وبالفارسية [برترست خدى تعالى وبزركتر] {عما يشركون} عن شركة ما يشركونه به من الباطل الذى لا يبدئ ولا يعيد فينبغي للسالك ان يوحد الله تعالى ذاتا وصفه وفعلا فان الله تعالى هو الفاعل خلق حجاب الوسائط لا بالوسائط بل بالذات فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا وهو ما اريد به وجه الله ولا يشرك بعبادة ربه احدا وقيل للمرائي مشرك شعر : مرايى هركسى معبود سازد مرايى را ازان كفتند مشرك
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {والأنعام}: منصوب بمحذوف، يفسره: {خَلَقَها}، أو معطوف على "الإنسان" و {خلقها لكم}: بيان لما خُلقتُ لأجله، وما بعده تفصيل له. و {منها تأكلون}: إنما قدَّم المعمول؛ للمحافظة على رؤوس الآي، أو: لأن الأكل منها هو المعتمد عليه في المعاش، وأما الأكل من غيرها من سائر الحيوانات المأكولات فعلى سبيل التداوي والتفكه. قاله البيضاوي. قلت: ولعله، عند مالك، للاختصاص، أي: منها تأكلون لا من غيرها؛ إذ لا يؤكل عنده غيرها من البهائم الإنسية. وقوله: {لكم}: يحتمل أن يتعلق بما قبلها أو بما بعدها، ويختلف الوقف باختلاف ذلك. {إلا بشق}: فيه لغتان: الكسر والفتح، بمعنى التعب والكلفة، وقيل: المفتوح مصدر شَقَّ الأمرُ عليه، أي: صَعُبَ، والمكسور بمعنى: النصف، كأنه ذهب نصف قُوَّتِهِ بالتعب. {والخيل}: عطف على "الأنعام". و {زينة}: مفعول من أجله، عطف على موضع "لتركبوها": أي: للركوب والزينة، أو مفعول مطلق، أي: لتتزينوا بها زينة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {خلق السماوات والأرض}: أوجدهما {بالحق} أي: ملتبسًا بالحق؛ لتدل على وحدانية الحق، وكمال قدرته وباهر حكمته، حيث أوجدهما على مقدار مخصوص، وشكل بديع، وأوضاع مختلفة، وهيئات متعددة. أو: خلقهما بقضائه وتدبيره الحق، لا بمشاركةِ وتدبيرِ أحد معه، ولا بمعاونة شريك ولا ظهير، ولذلك نزه نفسه بقوله: {تعالى عمّا يشركون}، كما نزه نفسه، ابتداءً، لَمَّا نفَى الاستعجال؛ لأنه من تدبير الخلق أيضًا والصدور عن رأيهم، وفي معناه: تنزيل الوحي على ما يشاء لا على ما يشاء غيره؛ لانفراده أيضًا في ملكه. وفي إبرازه ذلك، على ما يخالف آراء الخلق، أدل دليل على وحدانيته في ملكه، وإنما وضع كل شيء ودبره؛ دلالة على وحدانيته وهدايته لخلقه إليه. ثم شفع بخلق الإنسان فقال: {خلق الإنسان} أي: جنسه {من نُطفة}: من ماء مهين يخرج من مكان مهين، {فإذا هو خصيم مبين}: مجادل، كثير الجدل والخصام، مبين لحجته، أو: خصيم: مكافح لخالقه، قائل: {مَن يحيي العظام وهي رميم}. "حديث : رُوي أن أُبيّ بن خَلَف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بِعَظْمٍ رَمِيم، فقال: يا محمد، أترَى الله يُحيِي هذا بعد ما قد رمَّ؟ فقال: نعم"تفسير : . فنزلت. فعلى الأول: تكون الآية عامة لكل إنسان، وعلى الثاني: خاصة بالكافر. والأول أظهر. ولمَّا ذكر نعمة الإيجاد ذكر نعمة الإمداد، فقال: {والأنعامَ} وهي: الإبل والبقر والغنم، {خلقها}: أوجدها {لكم فيها دِفءٌ}؛ ما يُدْفأُ به فيقي البرد، يعني: ما يتخذ من جلود الأنعام وأصوافها من الثياب، {و} لكم فيها أيضًا {منافعُ} أُخر؛ كنسلها وظهورها. وإنما عبَّر بالمنافع؛ ليتناول عِوضها. {ومنها تأكلون} أي: تأكلون ما يؤكل منها؛ من اللحوم والشحوم والألبان. {ولكم فيها جَمَالٌ } أي: زينة وبهجة {حين تُريحون}؛ تردونها من مراعيها إلى مِرَاحِها بالعشي، {وحين تسرحون}؛ تخرجونها إلى المرعى بالغداة؛ فإن الأفنية والمشارعَ والطرق تتزين بها في الذهاب والرواح، ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها. وقدَّم الإراحة؛ لأن الجمال فيها أظهر؛ لأنها تقبل ملأى البطون، حاملة الضروع، ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. {وتحمل أثقالكم}: أحمالكم عليها من الأمتعة وغيرها {إلى بلدٍ} بعيد، {لم تكونوا بالغيه} عليها، فضلاً عن أن تحملوها على ظهوركم، {إلا بِشِقِّ الأنفس}؛ إلا بكلفة ومشقة فديحة، أو: إلا بذهاب شِقها، أي: نصف قوتها من التعب. {إن ربكم لرؤوف رحيم}؛ حيث رحمكم بخلقها وذللها للحمل، والركوب عليها، وأنعم عليكم بالكل من لحومها وألبانها. {و} خلق لكم {الخيلَ والبغال والحميرَ لتركبوها}، {و} تتزينوا بها {زينةً}، أو للركوب والزينة. قال البيضاوي: وتغيير النظم - أي: حيث لم يقل: وللزينة -؛ لأن الزينة بفعل الخالق، والركوب من فعل المخلوق - أي: باعتبار الحكمة -، ولأن المقصود خلقها للركوب، وأما التزين بها فحاصل بالعَرَضِ. وقرئ بغير واو، فيحتمل أن يكون علة لركوبها، أو مصدرًا في موضع الحال من الضمير، أي: متزينين، أو متزينًا بها. واستُدِلَّ به على حرمة لحومها، ولا دليل فيه؛ إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يُقصد منه، غالبًا، ألا يقصد منه غيره أصلاً، ويدل عليه أن الآية مكية. وعامة المفسرين والمحدثين أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر. هـ. {ويخلق ما لا تعلمون} مما لا يُحيط البشرُ بعلمها؛ من عجائب المخلوقات، وضروب المصنوعات، مما يؤكل ومما لا يؤكل، وما خلق في الجنة والنار، مما لا يخطر على قلب بشر. {وعلى الله قصدُ السبيل} أي: وعلى الله بيان السبيل القصد، أي: الطريق الموصل إلى المقصود. أو: على الله تقويم طريق الهدى؛ بنصب الأدلة وبعث الرسل، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: السبيل القصد، أي: القاصد المستقيم الموصل إلى المطلوب؛ كأنه يقصد الوجه الذي يقصده السالك لا يميل عنه. والمراد من السبيل: الجنس، ولذلك أضاف إليه القصد، وقال: {ومنها جائرٌ} عن القصد، أو عن الله، كطريق اليهود والنصارى وغيرهم. والسبيل بمعنى الطريق، يُذكر ويؤنث، وأُنِّثَ هنا. وتغيير الأسلوب - أي: حيث لم يقل: قصد السبيل والجائر -؛ لأنه ليس بحق على الله أن يبين طريق الضلالة، ولأن المقصود، بالأصالة، بيان سبيله، وتقسيمُ السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض. {ولو شاء لهداكم أجمعين} أي: ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السبيل، هداية مستلزمة للاهتداء. قاله البيضاوي. الإشارة: هذه العوالم من العرش إلى الفرش كلها نُصبت للآدمي، وخلقت من أجله، السماوات تُظله، والأرض تُقله، والحيوانات تخدمه وتنفعه، يتصرف فيها؛ خليفة عن الله في ملكه. فالواجب عليه شكر هذه النعم، وألا يقف معها، ويشتغل بها عن خدمة خالقها. يقول الحق تعالى، في بعض كلامه بلسان الحال أو المقال: "حديث : يا ابنَ آدم، خَلَقْتُ الأَشياءَ مِن أَجْلِكَ، وخَلَقْتُكَ مِنْ أجِلْي، فَلا تَشْتَغِل بما خُلِق لأجلك عَمَّا خُلِقْت لأجْله"تفسير : . والواجب عليه أيضًا من طريق الخصوص: ألا يقف مع حس أجرامها، دون النفوذ إلى أسرار معاني خالقها ومُظهرها؛ لئلا يبقى مسجونًا بمحيطاته، محصورًا في هيكل ذاته، بل ينفذ إلى فضاء شهود بحر المعاني، المحيط بالأواني، والمفني لها، بصحبة شيخ كامل، يُخرجه من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المُكوِّن. وبالله التوفيق. وقوله: {وعلى الله قصد السبيل}: اعلم أن الحق - جلّ جلاله - بيَّن طريق الوصول إلى نعيمه الحسي والفوز برضوانه، وطريق الوصول إلى حضرة قدسه ومحل شهوده وعيانه، وأرسل الرسل ببيان الطريقين. فوكل ببيان الأولى العلماء، ووكل ببيان الثانية الأولياء. فالعلماء قاموا ببيان الشرائع الموصلة إلى نعيم الأشباح، والأولياء العارفون قاموا ببيان الحقائق الموصلة إلى نعيم الأرواح، وهو النعيم الأكبر؛ قال تعالى: {أية : وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ} تفسير : [التّوبَة: 72]. فالرضوان على قسمين: قوم نالهم الرضوان من طريق الخطاب مع سدْل الحجاب، وهم أهل الشرائع، وقوم نالهم الرضوان بمكافحة الخطاب ورفع الحجاب، وهم أهل الحقائق، وهم المقربون، نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. ثمَّ ذكر بقية التجليات فقال: {هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ...}
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي {تشركون} بالتاء في الموضعين لقوله {فلا تستعجلوه} فردّ الخطاب الى الاول. ومن قرأ بالياء فلما تقدم ذكره. احتج الله تعالى بالآية وما قبلها وما بعدها على خلقه وأعلمهم عظيم نعمه، ودلهم على قدرته، إِذ {خلق السماوات والأرض} بما فيهما من العجائب والمنافع، و {خلق الإنسان من نطفة} مهينة ضعيفة سيالة فرباها ودبرها حتى صار إِنساناً يخاصم ويبين. ولو وضعنا النطفة بين أيدي الخلائق فاجتهدوا، وفكروا ما قدروا على قلبها، ولا عرفوا كيف يتمكن ويتأتَّى أن تقلب حالاً بعد حال حتى تصير فيها روح، وعقل، وسمع، وبصر، وحتى تنطق وتعرب عن نفسها، وتحتج فتدفع عنها. وقيل في معنى {خصيم مبين} قولان: أحدهما - انه أخرج من النطفة ما هذه صفته، ففي ذلك أعظم العبرة. والثاني - لما خلقه ومكنه خاصم عن نفسه خصومة أبان فيها عن نفسه. وقيل انه يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها - تعريف قدرة الله في اخراجه من النطفة ما هذه سبيله. الثاني - تعريف نعم الله في تبليغ هذه المنزلة من خلق من نطفة. الثالث - تعريف فاحش ما ارتكب الانسان من تضييع حق الله بالخصومة.
الجنابذي
تفسير : {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} بمنزلة التّعليل للتّوحيد {تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ} بدل نحو بدل البعض {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} ولا يتمشّى من الطّبع والدّهر مثل ذلك الخلق.
اطفيش
تفسير : {خَلَقَ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} إِلى آخر الآيات فإِنه لو كان له شريك لمنع أحدهما الآخر من كل ما يريد أو من بعضه فمن ذلك إِيجاده السماوات والأَرض على كمية فى كل منهن وكيفية مخصوصة لحكمة وهى المراد بالحق وفسره بعض بالبعث والجزاء. {تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} عن إِشراكهم أو عما يشركونه به وقرأ حمزة والكسائى بالفوقية وإِنما ذكر هذا بعد ذكر خلق السماوات والأَرض إزراء بهم وتشنيعاً عليهم إِذ أشركوا به ما هو ومن السماء أو الأَرض وهن وما فيهن مخلوقة له ويفتقر فى وجوده وبفاءه إلى السماوات أو الأَرض المخلوقات له تعالى ولا يقدر على خلقهن، وفى الآية دليل على أنه تعالى ليس بجسم وإلا احتاج إلى أن يتحيز موضعاً منهم أو من غيرهن كالأَصنام التى اتخذوها شركاء كما أنه ليس بعرض لأَن العرض لا يوجد سواه.
اطفيش
تفسير : {خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ} بالعدل والصواب والحكمة للعبادة فيهما وللدلالة بهما خلقهما على أَوجه مخصوصة اختارها من وجوه جائزة، ومن قدر على ذلك لا يعصى، وحقيق أن يتقى ولا يشرك فى عبادته من لا يقدر على ذلك {تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} عما يشركونه به، أو عن الإشراك، وكذا فيما مر مع أَن الذى يشركونه به هو من السماوات أَو الأَرض المخلوقتين له، أَو بمن فيهما ولا يقدر قدرته ولا يستغنى عنه فلا تكرير كما يعلم بما قدرت وقد يشركون الأول والثانى.
الالوسي
تفسير : {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ}. وذكر بعض المحققين أنه تعالى شأنه وعظم برهانه قد استوفى أدلة التوحيد واتصاف ذاته الكريمة بصفات الجلال والإكرام على أسلوب بديع جمع فيه بين دلالة المصنوع على الصانع والنعمة على المنعم ونبه على أن كل واحد يكفي صارفاً للمشركين عما هم فيه من الشرك وعليه مدار السورة الكريمة كلما بصرهم طائفة من البصائر ضمنها تبكيتهم وكفرانهم نعمتي الرعاية والهداية، وانظر إلى فاتحته ثم إلى خاتمته في قوله سبحانه: {أية : وَٱصْبِرْ } تفسير : [النحل:127] إلى آخر السورة بين لك بعض ما ضمن الكتاب الكريم من أسرار البلاغة وأنوار الإعجاز؛ والمراد بالسمٰوات والأرض إما هذه الأجرام والأجسام المعلومة، وإما جهة العلو والسفل أي أوجد ذلك ملتبساً بما يحق له بمقتضى الحكمة فيدل على صانع حي عالم قادر مريد منفرد الألوهية والإ لزم إمكان التمانع المستلزم لإمكان المحال حسبما بين في علم الكلام؛ ولذا عقب هذا بقوله تعالى: {تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }. وقرأ الأعمش {فتعالى} بالفاء، و {مَا} يحتمل أن تكون مصدرية أي تعالى وتقدس بذاته وأفعاله عن إشراكهم، وأن تكون موصولة على معنى تعالى عن شركة ما يشركونه من الباطل الذي لا يبدىء ولا يعيد، واستدل بالآية على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام والأجسام كما يقوله المجسمة، ووجه ذلك أنها تدل على احتياج الأجرام والأجسام إلى خالق سبحانه وتعالى لا يجانسها وإلا لاحتاج إليه فلا يكون خالقاً، وبإرادة الجهتين يكون وجه الدلالة من الآية أظهر، وقرأ الكسائي {تشركون} بالتاء.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني ناشىء عن قوله: {أية : سبحانه وتعالى عما يشركون} تفسير : [سورة النحل: 1] لأنهم إذا سمعوا ذلك ترقّبوا دليل تنزيه الله عن أن يكون له شركاء. فابتدىء بالدلالة على اختصاصه بالخلق والتقدير؛ وذلك دليل على أن ما يخلق لا يوصف بالإلهية كما أنبأ عنه التفّريع عقب هذه الأدلّة بقوله الآتي: {أية : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} تفسير : [سورة النحل: 17]. وأعقب قوله: {سبحانه} بقوله: {وتعالى عما يشركون} تحقيقاً لنتيجة الدليل، كما يذكر المطلوب قبل ذكر القياس في صناعة المنطق ثم يذكر ذلك المطلوب عقب القياس في صورة النتيجة تحقيقاً للوحدانية، لأن الضلال فيها هو أصل انتقاض عقائد أهل الشرك، ولأن إشراكهم هو الذي حداهم إلى إنكار نبوءة من جاء ينهاهم عن الشرك فلا جرم كان الاعتناء بإثبات الوحدانية وإبطال الشرك مقدماً على إثبات صدق الرسول ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ المُبدأ به في أول السورة بقوله تعالى: {أية : ينزل الملائكة بالروح من أمره} تفسير : [سورة النحل: 2]. وعُددت دلائل من الخلق كلها متضمنة نعماً جمّة على الناس إدماجاً للامتنان بنعم الله عليهم وتعريضاً بأن المنعم عليهم الذين عبدوا غيره قد كفروا نعمته عليهم؛ إذ شكروا ما لم يُنعم عليهم ونسوا من انفرد بالإنعام، وذلك أعظم الكفران، كما دلّ على ذلك عطف {أية : وإن تعدوا نعمة الله لا تُحصوها} تفسير : [سورة إبراهيم: 34] على جملة {أية : أفمن يخلق كمن لا يخلق} تفسير : [سورة النحل: 17]. والاستدلال بخلق السماوات والأرض أكبر من سائر الأدلّة وأجمع لأنها محوية لهما، ولأنهما من أعظم الموجودات، فلذلك ابتدىء بهما، لكن ما فيه من إجمال المَحويات اقتضى أن يعقّب بالاستدلال بأصناف الخلق والمخلوقات فثنّي بخلق الإنسان وأطواره وهو أعجب الموجودات المشاهدة، ثم بخلق الحيوان وأحواله لأنه يجمع الأنواع التي تلي الإنسان في إتقان الصنع مع ما في أنواعها من المنن، ثم بخلق ما به حياة الإنسان والحيوان وهو الماء والنبات، ثم بخلق أسباب الأزمنة والفصول والمواقيت، ثم بخلق المعادن الأرضية، وانتقل إلى الاستدلال بخلق البحار ثم بخلق الجبال والأنهار والطرقات وعلامات الاهتداء في السير. وسيأتي تفصيله. والباء في قوله: {بالحق} للملابسة. وهي متعلقة بــــ{خلق} إذ الخلق هو الملابس للحقّ. والحقّ: هنا ضد العبث، فهو هنا بمعنى الحكمة والجدّ؛ ألا ترى إلى قوله {أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق} تفسير : [سورة الدخان: 38 - 39] وقوله تعالى: {أية : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً} تفسير : [سورة ص: 27]. والحقّ والصدق يطلقان وصفين لكمال الشيء في نوعه. وجملة {تعالى عما يشركون} معترضة. وقرأ حمزة والكسائي وخلف {تعالى عما تشركون} بمثناة فوقية.
الشنقيطي
تفسير : بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه هو خالق السموات والأرض، وأن من يخلق هذه المخلوقات العظيمة يتنزه ويتعاظم أن يعبد ما لا يخلق شيئاً، ولا يملك لنفسه شيئاً. فالآية تدل على أن من يبرز الخلائق من العدم إلى الوجود، لا يصح أن يعبد معه من لا يقدر على شيء. ولهذا أتبع قوله: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} بقوله: {تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة. كقوله: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ}تفسير : [البقرة: 21] الآية. فدل على أن المعبود هو الخالق دون غيره، وقوله: {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}تفسير : [النحل: 17] وقوله: {أية : أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} تفسير : [الرعد: 16]، وقوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـاةً وَلاَ نُشُوراً}تفسير : [الفرقان: 1-3]، وقوله جل وعلا: {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [لقمان: 11]، وقوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} تفسير : [فاطر: 40] الآية، وقوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [الأحقاف: 4]، وقوله جل وعلا: {أية : أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} تفسير : [الأعراف: 191]، وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ}تفسير : [الحج: 73]، وقوله: {أية : أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تفسير : [الطور: 35-36] الآية، وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ}} تفسير : [النحل: 20-21] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. فهذه الآيات تبين أن الذي يستحق أن يعبد هو من يخلق الخلق، ويبرزهم من العدم إلى الوجود. أما غيره فهو مخلوق مربوب، محتاج إلى من يخلقه، ويدبر شؤونه.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {تَعَالَىٰ} (3) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا عَلَى نَهْجٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الإِلهِيَّةُ، (بِالحَقِّ)، لاَ عَبَثاً، وَإِنَّمَا لِيَجْزِيَ الذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا، وَيَجْزِيَ الذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى. ثُمَّ نَزَّهَ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ عَنْ شِرْكِ مَنْ عَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ، فَهُوَ تَعَالَى المُسْتَقِلُّ بِالخَلْقِ وَحْدَهُ، لاَ شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَلاَ مُعِينَ، فَلِهذا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَعْبُدَهُ الخَلْقُ وَحْدَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: تنزَّه سبحانه عَمَّا يشركون معه من آلهة، فلا أحدَ قد ساعده في خَلْق الكون وإعداده؛ فكيف تجعلون أنتم معه آلهة غيره؟ وسبحان مُنزَّه عن أنْ يكون معه آلهة أخرى، وسبحانه قد خلق لنَا من قبل أن يخلقنا؛ خلق السماوات والأرض وقدَّر الأرزاق، ولو نظرتَ إلى خَلْقك أنت لوجدت العَالَم الكبير قد انطوى فيك؛ وهو القائل: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21]. وأنت مخلوق من ماذا؟ ها هو الحق سبحانه يقول: {خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه السورة تسمى سورة النعم، فإن الله ذكر في أولها أصول النعم وقواعدها، وفي آخرها متمماتها ومكملاتها، فأخبر أنه خلق السماوات والأرض بالحق، ليستدل بهما العباد على عظمة خالقهما، وما له من نعوت الكمال ويعلموا أنه خلقهما مسكنا لعباده الذين يعبدونه، بما يأمرهم به في الشرائع التي أنزلها على ألسنة رسله، ولهذا نزه نفسه عن شرك المشركين به فقال: { تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي: تنزه وتعاظم عن شركهم فإنه الإله حقا، الذي لا تنبغي العبادة والحب والذل إلا له تعالى، ولما ذكر خلق السماوات [والأرض] ذكر خلق ما فيهما. وبدأ بأشرف ذلك وهو الإنسان فقال: { خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ } لم يزل يدبرها ويرقيها وينميها حتى صارت بشرا تاما كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة، قد غمره بنعمه الغزيرة، حتى إذا استتم فخر بنفسه وأعجب بها { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ } يحتمل أن المراد: فإذا هو خصيم لربه، يكفر به، ويجادل رسله، ويكذب بآياته. ونسي خلقه الأول وما أنعم الله عليه به، من النعم فاستعان بها على معاصيه، ويحتمل أن المعنى: أن الله أنشأ الآدمي من نطفة، ثم لم يزل ينقله من طور، إلى طور حتى صار عاقلا متكلما، ذا ذهن ورأي: يخاصم ويجادل، فليشكر العبد ربه الذي أوصله إلى هذه الحال التي ليس في إمكانه القدرة على شيء منها. { وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ } أي: لأجلكم، ولأجل منافعكم ومصالحكم، من جملة منافعها العظيمة أن لكم { فِيهَا دِفْءٌ } مما تتخذون من أصوافها وأوبارها، وأشعارها، وجلودها، من الثياب والفرش والبيوت. { وَ } لكم فيها { مَنَافِعُ } غير ذلك { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ } أي: في وقت راحتها وسكونها ووقت حركتها وسرحها، وذلك أن جمالها لا يعود إليها منه شيء فإنكم أنتم الذين تتجملون بها، كما تتجملون بثيابكم وأولادكم وأموالكم، وتعجبون بذلك . { وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ } من الأحمال الثقيلة، بل وتحملكم أنتم { إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ } ولكن الله ذللها لكم. فمنها ما تركبونه، ومنها ما تحملون عليه ما تشاءون من الأثقال إلى البلدان البعيدة والأقطار الشاسعة، { إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } إذ سخر لكم ما تضطرون إليه وتحتاجونه، فله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه وسعة جوده وبره. { وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ } سخرناها لكم { لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } أي: تارة تستعملونها للضرورة في الركوب وتارة لأجل الجمال والزينة، ولم يذكر الأكل لأن البغال والحمر محرم أكلها، والخيل لا تستعمل -في الغالب- للأكل، بل ينهى عن ذبحها لأجل الأكل خوفا من انقطاعها وإلا فقد ثبت في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في لحوم الخيل. { وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ } مما يكون بعد نزول القرآن من الأشياء، التي يركبها الخلق في البر والبحر والجو، ويستعملونها في منافعهم ومصالحهم، فإنه لم يذكرها بأعيانها، لأن الله تعالى لا يذكر في كتابه إلا ما يعرفه العباد، أو يعرفون نظيره، وأما ما ليس له نظير في زمانهم فإنه لو ذكر لم يعرفوه ولم يفهموا المراد منه، فيذكر أصلا جامعا يدخل فيه ما يعلمون وما لا يعلمون، كما ذكر نعيم الجنة وسمى منه ما نعلم ونشاهد نظيره، كالنخل والأعناب والرمان، وأجمل ما لا نعرف له نظيرا في قوله: {أية : فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَان } تفسير : فكذلك هنا ذكر ما نعرفه من المراكب كالخيل والبغال والحمير والإبل والسفن، وأجمل الباقي في قوله: { وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ } ولما ذكر تعالى الطريق الحسي، وأن الله قد جعل للعباد ما يقطعونه به من الإبل وغيرها ذكر الطريق المعنوي الموصل إليه فقال: { وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ } أي: الصراط المستقيم، الذي هو أقرب الطرق وأخصرها موصل إلى الله. وأما الطريق الجائر في عقائده وأعماله وهو: كل ما خالف الصراط المستقيم فهو قاطع عن الله، موصل إلى دار الشقاء، فسلك المهتدون الصراط المستقيم بإذن ربهم، وضل الغاوون عنه، وسلكوا الطرق الجائرة { وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } ولكنه هدى بعضا كرما وفضلا ولم يهد آخرين، حكمة منه وعدلا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):