Verse. 1905 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

خَلَقَ الْاِنْسَانَ مِنْ نُّطْفَۃٍ فَاِذَا ہُوَخَصِيْمٌ مُّبِيْنٌ۝۴
Khalaqa alinsana min nutfatin faitha huwa khaseemun mubeenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(خلق الإنسان من نطفة) مَنِيّ إلى أن صيره قويا شديداً (فإذا هو خصيم) شديد الخصومة (مبين) بينها في نفي البعث قائلاً "" من يحيي العظام وهي رميم "".

4

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن أشرف الأجسام بعد الأفلاك والكواكب هو الإنسان، فلما ذكر الله تعالى الاستدلال على وجود الإله الحكيم بأجرام الأفلاك، أتبعه بذكر الاستدلال على هذا المطلوب بالإنسان. واعلم أن الإنسان مركب من بدن ونفس، فقوله تعالى: {خَلَقَ ٱلإِنْسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ } اشارة إلى الاستدلال ببدنه على وجود الصانع الحكيم، وقوله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } إشارة إلى الاستدلال بأحوال نفسه على وجود الصانع الحكيم. أما الطريق الأول: فتقريره أن نقول: لا شك أن النطفة جسم متشابه الأجزاء بحسب الحس والمشاهدة، إلا أن من الأطباء من يقول إنه مختلف الأجزاء في الحقيقة، وذلك لأنه إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع، فإن الغذاء يحصل له في المعدة هضم أول وفي الكبد هضم ثان. وفي العروق هضم ثالث. وعند وصوله إلى جواهر الأعضاء هضم رابع. ففي هذا الوقت وصل بعض أجزاء الغذاء إلى العظم وظهر فيه أثر من الطبيعة العظيمة، وكذا القول في اللحم والعصب والعروق وغيرها ثم عند استيلاء الحرارة على البدن عند هيجان الشهوة يحصل ذوبان من جملة الأعضاء، وذلك هو النطفة، وعلى هذا التقدير تكون النطفة جسماً مختلف الأجزاء والطبائع. إذا عرفت هذا فنقول: النطفة في نفسها إما أن تكون جسماً متشابه الأجزاء في الطبيعة والماهية، أو مختلف الأجزاء فيها، فإن كان الحق هو الأول لم يجز أن يكون المقتضى لتولد البدن منها هو الطبيعة الحاصلة في جوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار. والقوة الطبيعية إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة، وعلى هذا الحرف عولوا في قولهم البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعية في الكرة فلو كان المقتضى لتولد الحيوان من النطفة هو الطبيعة، لوجب أن يكون شكلها الكرة. وحيث لم يكن الأمر كذلك، علمنا أن المقتضى لحدوث الأبدان الحيوانية ليس هو الطبيعة، بل فاعل مختار، وهو يخلق بالحكمة والتدبير والاختيار. وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: النطفة جسم مركب من أجزاء مختلفة في الطبيعة والماهية فنقول: بتقدير أن يكون الأمر كذلك، فإنه يجب أن يكون تولد البدن منها بتدبير فاعل مختار حكيم وبيانه من وجوه: الوجه الأول: أن النطفة رطوبة سريعة الاستحالة، وإذا كان كذلك كانت الأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذي هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا تكون أعضاء الحيوان على هذا الترتيب المعين أمراً دائماً ولا أكثرياً، وحيث كان الأمر كذلك، علمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس إلا بتدبيرالفاعل المختار الحكيم. والوجه الثاني: أن النطفة بتقدير أنها جسم مركب من أجزاء مختلفة الطبائع، إلا أنه يجب أن ينتهي تحليل تركيبها إلى أجزاء يكون كل واحد منها في نفسه جسماً بسيطاً، وإذا كان الأمر كذلك، فلو كان المدبر لها قوة طبيعية لكان كل واحد من تلك البسائط يجب أن يكون شكله هو الكرة فكان يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضمومة بعضها إلى بعض، وحيث لم يكن الأمر كذلك، علمنا أن مدبر أبدان الحيوانات ليس هي الطبائع ولا تأثيرات الأنجم والأفلاك، لأن تلك التأثيرات متشابهة، فعلمنا أن مدبر أبدان الحيوانات فاعل مختار حكيم، وهو المطلوب، هذا هو الاستدلال بأبدان الحيوانات على وجود الإله المختار. وهو المراد من قوله سبحانه وتعالى: {خَلَقَ ٱلإِنْسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ } وأما الاستدلال على وجود الصانع المختار الحكيم بأحوال النفس الإنسانية فهو المراد من قوله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في بيان وجه الاستدلال وتقريره: أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء وفطنة من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من قشر البيضة يميز بين العدو والصديق فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم، ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والغذاء الذي لا يوافقه وأما ولد الإنسان فإنه حال انفصاله عن بطن الأم، لا يميز ألبتة بين العدو والصديق ولا بين الضار والنافع، فظهر أن الإنسان في أول الحدوث أنقص حالاً وأقل فطنة من سائر الحيوانات ثم إن الإنسان بعد كبره يقوى عقله ويعظم فهمه ويصير بحيث يقوى على مساحة السموات والأرض ويقوى على معرفة ذات الله وصفاته وعلى معرفة أصناف المخلوقات من الأرواح والأجسام والفلكيات والعنصريات ويقوى على إيراد الشبهات القوية في دين الله تعالى والخصومات الشديدة في كل المطالب فانتقال نفس الإنسان من تلك البلاد المفرطة إلى هذه الكياسة المفرطة لا بد وأن يكون بتدبير إله مختار حكيم ينقل الأرواح من نقصانها إلى كمالاتها ومن جهالاتها إلى معارفها بحسب الحكمة والاختيار، فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى: {خَلَقَ ٱلإِنْسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ }. وإذا عرفت هذه الدقيقة أمكنك التنبيه لوجوه كثيرة: المسألة الثانية: أنه تعالى إنما يخلق الإنسان من النطفة بواسطة تغيرات كثيرة مذكورة في القرآن العزيز منها قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12، 13] إلا أنه تعالى اختصر ههنا لأجل أن ذلك الاستقصاء مذكور في سائر الآيات، وقوله؛ {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } فيه بحثان: البحث الأول: قال الواحدي: الخصيم بمعنى المخاصم، قال أهل اللغة: خصيمك الذي يخاصمك وفعيل بمعنى مفاعل معروف كالنسيب بمعنى المناسب، والعشير بمعنى المعاشر، والأكيل والشريب ويجوز أن يكون خصيم فاعلاً من خصم يخصم بمعنى اختصم، ومنه قراءة حمزة: { أية : تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ } تفسير : [يس: 49]. البحث الثاني: لقوله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } وجهان: أحدهما: فإذا هو منطبق مجادل عن نفسه، منازع للخصوم بعد أن كان نطفة قذرة، وجماداً لا حس له ولا حركة، والمقصود منه: أن الانتقال من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة العالية الشريفة لا يحصل إلا بتدبير مدبر حكيم عليم. والثاني: فإذا هو خصيم لربه، منكر على خالقه، قائل: { أية : مَن يُحييِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ } تفسير : [يس: 78] والغرض منه وصف الإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل، والتمادي في كفران النعمة، والوجه الأول أوفق، لأن هذه الآيات مذكورة لتقرير وجه الاستدلال على وجود الصانع الحكيم، لا لتقرير وقاحة الناس وتماديهم في الكفر والكفران.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ} لما ذكر الدليل على توحيده ذكر بعده الإنسان ومناكدته وتعدّي طوره. «والإنسان» اسم للجنس. وروي أن المراد به أُبَيّ بن خلف الجُمَحيّ، جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بعظم رَميم فقال: أترى يحيـي الله هذا بعد ما قد رَمّ. وفي هذا أيضاً نزل {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ }تفسير : [يۤس: 77] أي خلق الإنسان من ماء يخرج من بين الصلب والترائب، فنقله أطواراً إلى أن ولد ونشأ بحيث يخاصِم في الأمور. فمعنى الكلام التعجيب من الإنسان {أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} تفسير : [يۤس: 78] وقوله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ} أي مخاصِم، كالنسيب بمعنى المناسب. أي يخاصم اللَّهَ عز وجل في قدرته. و {مُّبِينٌ} أي ظاهر الخصومة. وقيل: يبيّن عن نفسه الخصومة بالباطل. والمبين: هو المفصح عما في ضميره بمنطقه.

البيضاوي

تفسير : {خَلَقَ ٱلإِنْسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ } جماد لا حس بها ولا حراك سيالة لا تحفظ الوضع والشكل. {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ } منطيق مجادل. {مُّبِينٌ } للحجة أو خصيم مكافح لخالقه قائل: {أية : مِنْ يُحْيِىٰ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِيَ رَمِيمٌ }تفسير : [يس: 78] روي أن أُبَي بن خلف أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم وقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمَّ. فنزلت. {وَٱلأَنْعَـٰمَ} الإِبل والبقر والغنم وانتصابها بمضمر يفسره. {خَلَقَهَا لَكُمْ } أو بالعطف على الإِنسان، وخلقها لكم بيان ما خلقت لأجله وما بعده تفصيل له. {فِيهَا دِفْءٌ} ما يدفأ به فيقي البرد. {وَمَنَـٰفِعُ } نسلها ودرها وظهورها، وإنما عبر عنها بالمنافع ليتناول عوضها. {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } أي تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم والألبان، وتقديم الظرف للمحافظة على رؤوس الآي، أو لأن الأكل منها هو المعتاد المعتمد عليه في المعاش، وأما الأكل من سائر الحيوانات المأكولة فعلى سبيل التداوي أو التفكه. {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ } زينة. {حِينَ تُرِيحُونَ } تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي. {وَحِينَ تَسْرَحُونَ } تخرجونها بالغداة إلى المراعي فإن الأفنية تتزين بها في الوقتين ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها، وتقديم الاراحة لأن الجمال فيها أظهر فإنها تقبل ملأى البطون حافلة الضروع، ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. وقرىء «حيناً» على أن {تُرِيحُونَ } {وتسرحون} وصفان له بمعنى {تُرِيحُونَ} فيه {وتسرحون} فيه. {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ } أحمالكم. {إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَـٰلِغِيهِ } أي إن لم تكن الأنعام ولم تخلق فضلاً أن تحملوها على ظهوركم إليه. {إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ} إلا بكلفة ومشقة. وقرىء بالفتح وهو لغة فيه. وقيل المفتوح مصدر شق الأمر عليه وأصله الصدع والمكسور بمعنى النصف، كأنه ذهب نصف قوته بالتعب. {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } حيث رحمكم بخلقها لانتفاعكم وتيسير الأمر عليكم. {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ} عطف على {ٱلأَنْعَـٰمِ}. {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} أي لتركبوها وتتزينوا بها زينة. وقيل هي معطوفة على محل {لِتَرْكَبُوهَا} وتغيير النظم لأن الزينة بفعل الخالق والركوب ليس بفعله، ولأن المقصود مِنْ خَلْقِهَا الركوب وأما التزين بها فحاصل بالعرض. وقرىء بغير واو وعلى هذا يحتمل أن يكون علة {لِتَرْكَبُوهَا} أو مصدراً في موضع الحال من أحد الضميرين أي: متزينين أو متزيناً بها، واستدل به على حرمة لحومها ولا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالباً أن لا يقصد منه غيره أصلاً، ويدل عليه أن الآية مكية وعامة المفسرين والمحدثين على أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر. {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} لما فصل الحيوانات التي يحتاج إليها غالباً احتياجاً ضرورياً أو غير ضروري أجمل غيرها، ويجوز أن يكون إخباراً بأن له من الخلائق ما لا علم لنا به، وأن يراد به ما خلق في الجنة والنار مما لم يخطر على قلب بشر. {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ } بيان مستقيم الطريق الموصل إلى الحق، أو إقامة السبيل وتعديلها رحمة وفضلاً، أو عليه قصد السبيل يصل إليه من يسلكه لا محالة يقال سبيل قصد وقاصد أي مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يقصده السالك لا يميل عنه، والمراد من {ٱلسَّبِيلِ } الجنس ولذلك أضاف إليه الـ {قَصْدُ } وقال: {وَمِنْهَا جَائِرٌ } حائد عن القصد أو عن الله، وتغيير الأسلوب لأنه ليس بحق على الله تعالى أن يبين طرق الضلالة، أو لأن المقصود بيان سبيله وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض. وقرىء و «منكم جائر» أي عن القصد. {وَلَوْ شَاء } الله. {لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } أي ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السبيل هداية مستلزمة للاهتداء. {هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء } من السحاب أو من جانب السماء. {مَآء لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ } ما تشربونه، {وَلَكُمْ } صلة {أَنَزلَ } أو خبر {شَرَابٌ } و {مِنْ } تبعيضية متعلقة به، وتقديمها يوهم حصر المشروب فيه ولا بأس به لأن مياه العيون والآبار منه لقوله: {أية : فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ }تفسير : [الزمر: 21] وقوله: {أية : فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [المؤمنون: 18] {وَمِنْهُ شَجَرٌ } ومنه يكون شجر يعني الشجر الذي ترعاه المواشي. وقيل كل ما نبت على الأرض شجر قال:شعر : يَعْلِفُهَا اللَّحْمَ إِذَا عَزَّ الشَّجَر وَالخَيْلُ فِي إِطْعَامِهَا اللَّحْم ضَرَر تفسير : {فِيهِ تُسِيمُونَ } ترعون، من سامت الماشية وأسامها صاحبها، وأصله السومة وهي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات. {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ } وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم. {وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلاعْنَـٰبَ وَمِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } وبعض كلها إذا لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار، ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاء حيوانياً هو أشرف الأغذية، ومن هذا تقديم الزرع والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} على وجود الصانع وحكمته، فإن من تأمل أن الحبة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة تنفذ فيها، فينشق أعلاها ويخرج منه ساق الشجرة، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها. ثم ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار والأكمام والثمار، ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطباع مع اتحاد المواد ونسبة الطبائع السفلية والتأثيرات الفلكية إلى الكل، علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد ولعل فصل الآية به لذلك. {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ } بأن هيأها لمنافعكم. {مُسَخَّرٰتٌ بِأَمْرِهِ} حال من الجميع أي نفعكم بها حال كونها مسخرات لله تعالى خلقها ودبرها كيف شاء، أو لما خلقن له بإيجاده وتقديره أو لحكمه، وفيه إيذان بالجواب عما عسى أن يقال إن المؤثر في تكوين النبات حركات الكواكب وأوضاعها، فإن ذلك إن سلم فلا ريب في أنها أيضاً ممكنة الذات والصفات واقعة على بعض الوجود المحتملة، فلا بد لها من موجد مخصص مختار واجب الوجود دفعاً للدور والتسلسل، أو مصدر ميمي جمع لاختلاف الأنواع. وقرأ حفص {وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرٰتٌ} على الابتداء والخبر فيكون تعميماً للحكم بعد تخصيصه ورفع ابن عامر {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ } أيضاً. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } جمع الآية، وذكر العقل لأنها تدل أنواعاً من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة غير محوجة إلى استيفاء فكر كأحوال النبات. {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} عطف على {ٱلَّيْلَ }، أي وسخر لكم ما خلق لكم فيها من حيوان ونبات. {مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ } أصنافه فإنها تتخالف باللون غالباً. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} إن اختلافها في الطباع والهيئات والمناظر ليس إلا بصنع صانع حكيم. {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ} جعله بحيث تتمكنون من الانتفاع به بالركوب والاصطياد والغوص. {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّاً} هو السمك، ووصفه بالطراوة لأنه أرطب اللحوم يسرع إليه الفساد فيسارع إلى أكله، ولإِظهار قدرته في خلقه عذباً طرياً في ماء زعاق، وتمسك به مالك والثوري على أن من حلف أن لا يأكل لحماً حنث بأكل السمك. وأجيب عنه بأن مبنى الإِيمان على العرف وهو لا يفهم منه عند الإِطلاق ألا ترى أن الله تعالى سمى الكافر دابة ولا يحنث الخالق على أن لا يركب دابة بركوبه. {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } كاللؤلؤ والمرجان أي تلبسها نساؤكم، فأسند إليهم لأنهن من جملتهم ولأنهن يتزين بها لأجلهم. {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ } السفن. {مَوَاخِرَ فِيهِ } جواري فيه تشقه بحيزومها، من المخر وهو شق الماء. وقيل صوت جري الفلك. {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } من سعة رزقه بركوبها للتجارة. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي تعرفون نعم الله تعالى فتقومون بحقها، ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لأنه أقوى في باب الأنعام من حيث أنه جعل المهالك سبباً للانتفاع وتحصيل المعاش. {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ } جبالاً رواسي. {أَن تَمِيدَ بِكُمْ } كراهة أن تميل بكم وتضطرب، وذلك لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة الطبع، وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك، أو أن تتحرك بأدنى سبب للتحريك فلما خلقت الجبال على وجهها تفاوتت جوانبها وتوجهت الجبال بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة. وقيل لما خلق الله الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقر أحد على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال. {وَأَنْهَـٰراً } وجعل فيها أنهاراً لأن ألقى فيه معناه. {وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لمقاصدكم، أو إلى معرفة الله سبحانه وتعالى. {وَعَلامَـٰتٍ} معالم يستدل بها السابلة من جبل وسهل وريح ونحو ذلك. {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } بالليل في البراري والبحار، والمراد بالنجم الجنس ويدل عليه قراءة «وَبِٱلنَّجْمِ» بضمتين وضمة وسكون على الجمع. وقيل الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي، ولعل الضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم، وإخراج الكلام عن سنن الخطاب وتقديم النجم وإقحام الضمير للتخصيص كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء خصوصاً يهتدون، فالاعتبار بذلك والشكر عليه ألزم لهم وأوجب عليهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {خَلَقَ ٱلإِنْسَٰنَ مِن نُّطْفَةٍ } منيٍّ إلى أن صيره قوياً شديداً {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ } شديد الخصومة {مُّبِينٌ } بيّنها في نفي البعث قائلاً {مَن يُحىِ ٱلْعِظَٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {خَصِيمٌ} محتج في الخصومة. ذكر ذلك تعريفاً لقدرته، أو لنعمته، أو لقبح ما ضيعه من شكر النعمة بمخاصمته في الكفر "ح" قيل نزلت في أُبي بن خلف الجمحي أخذ عظاماً نخرة فذراها وقال أنُعاد إذا صرنا كذا؟

البقاعي

تفسير : ولما كان خلق السماوات والأرض غيباً لتقدمه، وكان خلق الإنسان على هذه الصفة شهادة، مع كونه أدل على ذلك من حيث إنه أشرف من كل ما يعبده من دون الله، ولن يكون الرب أدنى من العبد أصلاً، قال معللاً: {خلق الإنسان} أي هذا النوع الذي خلقه أدل ما يكون على الوحدانية والفعل بالاختيار، لأنه أشرف ما في العالم السفلي من الأجسام لمشاركته للحيوان الذي هو أشرف من غيره بالقوى الشريفة من الحواس الظاهرة والباطنة، والشهوة والغضب، واختصاصه بالنطق الذي هو إدراك الكليات والتصرف فيها بالقياسات {من نطفة} أي آدم عليه السلام من مطلق الماء، ومن تفرع منه بعد زوجه من ماء مقيد بالدفق. ولما كان - مع مشاركته لغيره من الحيوان في كونه من نطفة - متميزاً بالنطق المستند إلى ما في نفسه من عجائب الصنع ولطائف الإدراك، كان ذلك أدل دليل على كمال قدرة الفاعل واختياره، فقال تعالى: {فإذا هو} أي الإنسان المخلوق من الماء المهين {خصيم} أي منطيق عارف بالمجادلة {مبين *} أي بين القدرة على الخصام، وموضح لما يريده غاية الإيضاح بعد أن كان ما لا حسّ به ولا حركة اختيارية عنده بوجه، أفلا يقدر الذى ابتدأ ذلك على إعادته! ولما صار التوحيد بذلك كالشمس، وكان كل ما في الكون - مع أنه دال على الوحدانية - نعمة على الإنسان يجب عليه شكرها، شرع يعدد ذلك تنبيهاً له على وجوب الشكر بالتبرؤ من الكفر، فقال مقدماً الحيوانات لأنها أشرف من غيرها، وقدم منها ما ينفع الإنسان لأنه أجلّ من غيره. مبتدئاً بما هو أولاها بالذكر لأنه أجلّها منفعة في ضرورات المعيشة وألزمها لمن أنزل الذكر بلسانهم: {والأنعام} أي الأزواج الثمانية: الضأن والمعز والإبل والبقر {خلقها} غير ناطقة ولا مبينة مع كونها أكبر منكم خلقاً وأشد قوة. ولما كان أول ما يمكن أن يلقى الإنسان عادة من نعمها اللباس، بدأ به، فقال على طريق الاستئناف: {لكم فيها دفء} أي ما يدفأ به فيكون منه حر معتدل من حر البدن الكائن بالدثار بمنع البرد، وثنى بما يعم جميع نعمها التي منها اللبن فقال: {ومنافع} ثم ثلث بالأكل لكونه بعد ذلك فقال تعالى: {ومنها تأكلون *} وقدم الظرف دلالة على أن الأكل من غيرها بالنسبة إلى الأكل منها مما لا يعتد به، ثم تلاه بالتجمل لأنه النهاية لكونه للرجال فقال تعالى: {ولكم} أي أيها الناس خاصة {فيها} أي الأنعام {جمال} أي عظيم. ولما كان القدوم أجل نعمة وأبهج من النزوح، قدمه فقال: {حين تريحون} بالعشي من المراعي وهي عظيمة الضروع طويلة الأسنمة {وحين تسرحون *} بالغداة من المُراح إلى المراعي، فيكون لها في هاتين الحالتين من الحركات منها ومن رعاتها ومن الحلب والتردد لأجله وتجاوب الثغاء والرغاء أمر عظيم وأنس لأهلها كبير.

القشيري

تفسير : تَعرًّفَ إلى العقلاء بكمال قدرته حيث أخبر أنه قدر على تصوير الإنسان على ما فيه من التركيب العجيب، والتأليف اللطيف؛ من نطفةٍ متماثلة الأجزاء، متشاكلة في وقت الإنشاء، مختلفة الأعضاء وقت الإظهار والإبداء، والخروج من الخفاء. ثم رَكَّبَ فيه من تمييز وعقل، ويَسَّرَ له النقطَ والفعل، والتدبير في الأمور والاستيلاء على الحيوانات على وجه التسخير.

اسماعيل حقي

تفسير : {خلق الانسان} اى بنى آدم لا غير لان ابويهم لم يخلقا من النطفة بل خلق آدم من التراب وحواء من الضلع الايسر منه {من نطفة} قال فى القاموس النطفة ماء الرجل. والمعنى بالفارسية [از آب منى كه جماديست بى حس وحركت وفهم وهيولائى كه وضع وشكل نبذيرد بس اورافهم وعقل داد]{فاذا هو}[بس آنكاه او] اى الانسان بعد الخلق واتى بالفاء اشارة الى شرعة نسيانهم ابتداء خلقهم {خصيم} بليغ الخصومة شديد الجدل {مبين} اى مظهر للحجة او ظاهر لا شبهة فى زيادة خصومته وجدله: يعنى [مناظره ميكند وميخوا هدكه سخن خودرا بحجت ثابت سازد] قال فى التكملة الظاهر ان الآية على العموم وقد حكى المهدوى ان المراد به اى بن خلف الجمحى فانه اتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم فقال يا محمد اترى الله تعالى اى أتظن ان الله يحيى هذا بعد ما قد رمّ فنزلت ومثلها الآية التى فى آخر سورة يس وفيه نزلت: يعنى {اودرا اول جمادى بوده وما اورا حس ونطق داديم اكنون باما مجالة ميكند جرا استدلال نمى كند بابداء براعاده كه هركه برابداء قادر بودهر ايينه برين نيز قدرت دارد}. وفى التأويلات النجمية اى جعل الانسان من نطفة ميتة لا فعل لها ولا علم بوجودها فاذا اعطيت العلم والقدرة صارت خصيما لخالقها مبينا وجودها مع وجود الحق وادعت الشركة معه فى الوجود والافاعيل انتهى. والآية وصف الانسان بالافراط فى الوقاحة والجهل والتمادى فى كفران النعمة قالوا خلق الله تعالى جوهر الانسان من تراب اولا ثم من نطفة ثانيا وهم ما ازدادوا الا تكبرا وما لهم والكبر يعد ان خلقوا من نطفة نجسة فى قول عامة العلماء شعر : نه در ابتدا بودى آب منى اكر مردى از سر بدركن منى تفسير : وفي انسان العيون ان فضلاته صلى الله عليه وسلم طاهرة انتهى. وهو من خصائصه عليه السلام كما صرحوا به فى كتب السير وحكم النطفة اسهل من الفضلات لانها أخف منها - يحكى - ان بعض اهل الرياضة المحققين من اهل التوحيد الحقانى كان يشم من فضلاتهم رائحة المسك وذلك ليس ببعيد لصفوة باطنهم وسريان آثار حالهم الىجميع اعضائهم واجزائهم فهم من النطفة صورة ومن النور معنى وليس غيرهم مثلهم لان معناهم ظهر فى صورة الوجود فغابوا من الغيبة ووصلوا الى عالم الشهود بخلاف غيرهم من ارباب الغفلة فإن انت تطمع فى الوصول الى ما وصلوا او الحصول عند ما حصلوا فعليك باخلاص العمل وترك المراء والجدل فان حقيقة التوحيد لا تحصل للخصم العنيد بل هى منه بمكان بعيد.

اطفيش

تفسير : {خَلَقَ الإِنسَانَ} جنس ذرية آدم. {مِن نُّطْفَةٍ} لا حياة بها ولا تنمو كما ينمو الشجر سائلة كالماء لا تطيق أن تضع نفسها فى موضع بالانتقال من الموضع الموضوعة انتقالا كلياً والتشكل وغذاه وقواه حتى صار قوياً شديداً. {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ} شديد الخصومة بنطق وجدال فى مصالحه ومنافعه وغير ذلك. {مُّبِينٌ} ظاهر الخصومة أو مظهر لحجته مفصح عما فى ضميره وذلك على العموم. وقال الحسن البصرى المعنى فإذا هم مجادلون أى جنس الإِنسان فى آيات الله جدالاً ظاهراً، كما روى أن أبى بن خلف جاء بعظم رميم إِلى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال له: أتزعم أن الله يحيى هذا العظم بعدما رم، فنزل فيه ذلك وقوله، قال من يحيى العظام وهى رميم، والوجه الأَول أولى لعمومه كل خصومة نافعة أو ضارة فى الدنيا أو فى الدين ولا تشمل الآية الخصومة يوم القيامة إلا من حيث أن الأَصل بقاؤه على الخصومة فى الآخرة كما فى الدنيا وتضمنت الآية إِثبات البعث فكما خلق الإِنسان يقدر على بعثه وتعديد النعم والتشنيع على من كفر به وقد أنعم عليه بهذه النعمة وتعريفه للإِنسان قدره بأَنه من نطفة قذرة منتنة كى يتضع ولا يترفع.

اطفيش

تفسير : {خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطَفَةٍ} لا يقدر على ذلك ما تعبدون ولا غيره فكيف تسوونه تعالى بذلك، أَفمن يخلق كمن لا يخلق، وفى ذلك أَيضاً دلالة على وجود الله وكمال قدرته فإن النطفة ميتة خلق منها ما هو أعظم الخلق فهما وتدبراً واحتيالا، وهو حال الولادة أَضعف من أولاد الحيوان، وأَقل تحرزاً عما يضره ثم تمضى عليه مدة فيفاجئَه ما ذكره الله عز جل قوله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ} عظيم الخصام فيما يحاوله. أو سماه خصيماً ميتا حال الولادة باعتبار ما يؤول إليه كتسمية العصير خمرا وهو صفة مبالغة، وقيل بمعنى مفاعل كالنسيب بمعنى مناسب والعشير بمعنى معاشر والخليط بمعنى مخالط {مُّبِينٌ} ظاهر الخصام أَو مبين لحجته، ودخل فى ذلك خصامه فى شأن البعث، قال الله عز وجل "أية : أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين"تفسير : [يس: 77] " أية : وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهى رميم"تفسير : [يس: 78] "حديث : جاءَ أبى ابن خلف لعنه الله بعظم رميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أُترى أَن الله يحيى هذا بعد ما رم، فقال صلى الله عليه وسلم: نعم يحييه الذى خلقه أول مرة" تفسير : ، وقد قيل: نزلت الآية فيه، وخصوص السبب لا يمنع عموم المعنى فهى فى الاستدلال على وجود الله تعالى واختصاصه بالعبادة عمن لا يقدر على الخلق كما هى فى إثبات البعث.

الالوسي

تفسير : {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ} أي هذا النوع غير الفرد الأول منه {مِن نُّطْفَةٍ} أصلها الماء الصافي ويعبر بها عن ماء الرجل أي أوجده من جماد لا حس له ولا حراك سيال لا يحفظ شكلاً ولا وضعاً {فَإِذَا هُوَ } بعد الخلق من ذلك {خَصِيمٌ } منطيق مجادل عن نفسه مكافح للخصوم، وهو صيغة مبالغة، وقال الواحدي: بمعنى مخاصم، وفعيل بمعنى مفاعل معروف عندهم كالنسيب بمعنى المناسب والخليط بمعنى المخالط والعشير بمعنى المعاشر. {مُّبِينٌ } مظهر للحجة لقن بها؛ وقيل: المعنى أوجده من ذلك فإذا هو خصيم لخالقه سبحانه منكر لعظيم قدرته قائل: {أية : مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } تفسير : [يس: 78] والأول أنسب بمقام الامتنان بإعطاء القدرة على الاستدلال بذلك على قدرته جل جلاله ووحدته، وبين الإمام وجه الاستدلال فقال بعد أن زعم أن الإنسان في الشرف بعد الأفلاك والكواكب وأشار إلى أنه لذلك عقب الاستدلال بخلق تلك بالاستدلال بخلقه: اعلم أن الإنسان مركب من نفس وبدن، وصدر الآية إشارة إلى الاستدلال ببدنه على وجود الصانع الحكيم وعجزها إشارة إلى الاستدلال بأحواله، وتقرير "الأول" أن يقال: إن النطفة إما أن تكون متشابهة الأجزاء أو مختلفتها فإن كان الأول لم يجز أن يكون المقتضى لتولد هذا البدن منها هو الطبيعة الحاصلة في جوهرها لأن تأثير الطبيعة بالذات والإيجاب فمتى عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون عملها الكرية وحيث لم يكن الأمر/ فيما نحن فيه كذلك لظهور أن الأبدان ليست كرية علمنا أن المقتضى لها هو الفاعل الحكيم المختار، وإن كان الثاني قلنا: إنه يجب أن ينتهي تحليل تركيبها إلى أجزاء يكون كل واحد منها في نفسه جسما بسيطاً وحينئذ لو كان المدبر لها قوة طبيعية لوجب أن يكون كل من تلك البسائط كري الشكل فكان يلزم أن يكون الإنسان على شكل كرات مضمومة بعضها إلى بعض وحيث لم يكن لذلك علمنا أن المقتضي هو الفاعل المختار أيضاً جل شأنه وأيضاً إلى النطفة رطبة سريعة الاستحالة فلا تحفظ الوضع فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في السفل والجزء الذي هو مادة القلب يمكن حصوله في الفوق فحيث كان الإنسان على هذا الترتيب المعين دائماً مع إمكان غيره علماً أن حدوثه على ذلك الترتيب ليس إلا بتدبير الفاعل المختار الحكيم ولا يصح أن يقال: إن ذلك من تأثير النجوم والأوضاع الفلكية لأن تأثيراتها متشابهة على أنه قد بين بطلان كونها مؤثرة بغير ذلك في موضعه. وتقرير الثاني أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء وفطنة من نفوس سائر الحيوانات فإن فرخ الدجاجة حين خروجه من قشر البيضة يميز بين العدو والصديق فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والذي لا يوافقه وأما ولد الإنسان فإنه حين انفصاله من بطن أمه لا يميز بين العدو والصديق ولا بين الضار والنافع ثم إنه بعد كبره يقوى عقله ويعظم فهمه ويصير بحيث يقوى على معرفة الله تعالى وعلى معرفة أصناف المخلوقات العلوية والسفلية والاطلاع على كثير من أحوالها الدقيقة وعلى الخصومات والمباحثات فانتقال نفسه من تلك البلادة المفرطة إلى هذه الكياسة المفرطة لا بد وأن يكون بتدبير إله مختار حكيم ينقلها من نقصانها إلى كمالها ومن جهالتها إلى معرفتها بحسب الحكمة والاختيار، والثاني قيل: أنسب بمقام تعداد هنات الكفرة فانه قد اشتمل من بيان جراءة من كفر على الله تعالى وعدم استحيائه منه سبحانه ووقاحته بتماديه في الكفر. وذكر بعضهم أنه يؤيد هذا الوجه قوله تعالى في سورة يس [78] بعد ما ذكر مثله: {أية : قَالَ مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ } تفسير : [يس: 78] فإنه نص فيما ذكر فيكون صدر الآية للاستدلال وعجزها لتقرير الوقاحة، وتعقب بأنه ليس بشيء لأن مدار ما قبلها في تلك السورة على ذكر الحشر والنشر ومكابرتهم فيه بخلاف هذه ولكل مقام مقال، وأما كون الآية مسوقة لتقرير وقاحة الإنسان لانتفاء التنافي بين الاستدلال على الوحدانية والقدرة وتقرير وقاحة المنكرين ولذا جعل التتميم لما قبله {أية : تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تفسير : [النحل: 3] فعدم المنافي لا يقتضي وجود المناسب، وعندي لكل وجهة. وفي "الكشف" المعنيان ملائمان للمقام إلا أن في الثاني زيادة ملائمة مع قوله: {أية : تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يشركون} تفسير : [النحل: 3] ثم إنه أدمج فيه المعنى الأول وروى الواحدي أن أبـي بن خلف أتى النبـي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم وقال: يا محمد أترى ان الله تعالى يحيـي هذا بعد ما قد رمَّ فنزلت نظير ما في آخر يس، والمشهور أن تلك هي النازلة في تلك القصة، ثم وجه التعقيب وإذا الفجائية في قوله سبحانه: {فَإِذَا هُوَ} إلى آخره مع أن كونه خصيماً مبيناً بأي معنى أريد لم يعقب خلقه من نطفة إذ بينهما وسائط أنه بيان لأطواره إلى كمال عقله فالتعقيب باعتبار آخرها فلا وجه لتقدير الوسائط ولا للقول بأنه من باب التعبير عن حال الشيء بما يؤول إليه فافهم.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني أيضاً. وهو استدلال آخر على انفراده تعالى بالإلهية ووحدانيته فيها. وذلك أنه بعد أن استدلّ عليهم بخلق العوالم العُليا والسفلى وهي مشاهدة لديهم انتقل إلى الاستدلال عليهم بخلق أنفسهم المعلوم لهم. وأيضاً لما استدلّ على وحدانيته بخلق أعظم الأشياء المعلومة لهم استدلّ عليهم أيضاً بخلق أعجب الأشياء للمتأمّل وهو الإنسان في طَرْفَيْ أطواره من كونه نطفة مهينة إلى كونه عاقلاً فصيحاً مبيناً بمقاصده وعلومه. وتعريف {الإنسان} للعهد الذهني، وهو تعريف الجنس، أي خلق الجنس المعلوم الذي تَدْعونه بالإنسان. وقد ذُكر للاعتبار بخلق الإنسان ثلاثة اعتبارات: جنسُه المعلومُ بماهيته وخواصه من الحيوانية والناطقية وحسن القوام، وبقيةُ أحوال كونه، ومبدأ خلقه وهو النطفة التي هي أمهن شيء نشأ منها أشرف نوع، ومنتهى ما شرفه به وهو العقل. وذلك في جملتين وشبه جملة {خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين}. والخصيم من صيغ المبالغة، أي كثير الخصام. و{مبين} خبر ثاننٍ عن ضمير {فإذا هو}، أي فإذا هو متكلم مُفصح عما في ضميره ومُراده بالحقّ أو بالباطل والمنطق بأنواع الحجّة حتى السفسطة. والمراد: الخصام في إثبات الشركاء، وإبطال الوحدانية، وتكذيب من يَدْعون إلى التوحيد، كما دل عليه قوله تعالى في سورة يس (77، 78): {أية : أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم} تفسير : . والإتيان بحرف (إذا) المفاجأة استعارةٌ تبعية. استعير الحرف الدال على معنى المفاجأة لمعنى ترتّب الشيء على غير ما يظن أن يترتبَ عليه. وهذا معنى لم يُوضع له حرف. ولا مفاجأةَ بالحقيقة هنا لأن الله لم يفجأه ذلك ولا فَجَأ أحداً، ولكن المعنى أنّه بحيث لو تدبر النّاظر في خلق الإنسان لترقب منه الاعتراف بوحدانية خالقه وبقدرته على إعادة خلقه، فإذا سمع منه الإشراك والمجادلة في إبطال الوحدانية وفي إنكار البعث كان كمن فجأة ذلك. ولما كان حرف المفاجأة يدل على حصول الفَجْأة للمتكلم به تعيّن أن تكون المفاجأة استعارة تبعية. فإقحام حرف المفاجأة جعل الكلام مفهماً أمرين هما: التعجيب من تطوّر الإنسان من أمهن حالة إلى أبدع حالة وهي حالة الخصومة والإبانة الناشئتين عن التفكير والتعقل، والدلالة على كفرانه النعمة وصرفه ما أنعم به عليه في عصيان المنعِم عليه. فالجملة في حدّ ذاتها تنويه، وبضميمة حرف المفاجأة أدمجت مع التنويه التعجيب. ولو قيل: فهو خصيم أو فكان خصيماً لم يحصل هذا المعنى البليغ.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه خلق الإنسان من نطفة، وهي مني الرجل ومني المرأة. بدليل قوله تعالى: {أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}تفسير : [الإنسان: 2] أي أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة. وقال صاحب الدر المنثور بعد ذكر بعض الروايات في تفسير الأمشاج بالأخلاط: من ماء الرجل وماء المرأة. وأخرج الطستي عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال: أخبرني عن قوله {مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} قال: اختلاط ماء الرجل وماء المرأة إذا وقع في الرحم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت أبا ذؤيب وهو يقول: شعر : كأن الريش والفوقين منه خلال النصل خالطه مشيج تفسير : ونسب في اللسان هذا البيت لزهير بن حرام الهذلي، وأنشده هكذا: شعر : كأن النصل والفوقين منها خلال الريش سيط به مشيج تفسير : قال: ورواه المبرد: شعر : كأن المتن والشرجين منه خلاف النصل سيط به مشيج تفسير : قال: ورواه أبوعبيدة: شعر : كأن الريش والفوقين منها خلال النصل سيط به المشيج تفسير : ومعنى "سيط به المشيج": خلط به الخلط. إذا عرفت معنى ذلك، فاعلم أنه تعالى بين أن ذلك الماء الذي هو النطفة، منه ما هو خارج من الصلب، أي وهو ماء الرجل، ومنه ما هو خارج من الترائب وهو ماء المرأة، وذلك قوله جل وعلا: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ}تفسير : [الطارق: 5-7] لأن المراد بالصلب صلب الرجل وهو ظهره، والمراد بالترائب ترائب المرأة وهي موضع القلادة منها. ومنه قول امرىء القيس: شعر : مهفهفة بيضاء مفاضة ترائبها مصقوله كالسجنجل تفسير : واستشهد ابن عباس لنافع بن الأزرق على أن الترائب موضع القلادة بقول المخبل أو ابن أبي ربيعة: شعر : والزعفران على ترائبها شرقا به اللبات والنحر تفسير : فقوله هنا "من بين الصلب والترائب" يدل على أن الأمشاج هي الأخلاط المذكورة. وأمر الإنسان بأن ينظر مم خلق في قوله: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} تفسير : [الطارق: 5] تنبيه له على حقارة ما خلق منه. ليعرف قدره، ويترك التكبر والعتو، ويدل لذلك قوله: {أية : أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ}تفسير : [المرسلات: 20] الآية. وبين جل وعلا حقارته بقوله: {أية : أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} تفسير : [المعارج: 38-39] والتعبير عن النطفة بما الموصولة في قوله: {مِّمَّا يَعْلَمُونَ} فيه غاية تحقير ذلك الأصل الذي خلق منه الإنسان. وفي ذلك أعظم ردع، وأبلغ زجر عن التكبر والتعاظم. وقوله جل وعلا: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [النحل:4] أظهر القولين فيه: أنه ذم للإنسان المذكور. والمعنى: خلقناه ليعبدنا ويخضع لنا ويطيع. ففاجأ بالخصومة والتكذيب، كما تدل عليه "إذا" الفجائية. ويوضح هذا المعنى قوله: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56] مع قوله جل وعلا: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يس: 77-79]، وقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً}تفسير : [الفرقان: 54-55]، وقوله:{أية : وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً}تفسير : [مريم: 66-67] إلى غير ذلك من الآيات. وسيأتي إن شاء الله تعالى زيادة إيضاح لهذا المبحث في سورة "الطارق". تنبيه اختلف علماء العربية في "إذا" الفجائية. فقال بعضهم: هي حرف. وممن قال به الأخفش. قال ابن هشام في "المغني": ويرجح هذا القول قولهم: خرجت فإذا إن زيداً بالباب (بكسر إن) لأن "إن" المكسورة لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وقال بعضهم: هي ظرف مكان. وممن قال به المبرد. وقال بعضهم: هي ظرف زمان. وممن قال به الزجاج. والخصيم: صيغة مبالغة، أي شديد الخصومة. وقيل الخصيم المخاصم. وإتيان الفعيل بمعنى المفاعل كثير في كلام العرب، كالقعيد بمعنى المقاعد، والجليس بمعنى المجالس، والأكيل بمعنى المؤاكل، ونحو ذلك. وقوله: "مبين" الظاهر أنه اسم فاعل أبان اللازمة، بمعنى بان وظهر. أي بين الخصومة. ومن إطلاق أبان بمعنى بان قول جرير. شعر : إذا آباؤنا وأبوك عدوا أبان المقرفات من العراب تفسير : أي ظهر. وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: شعر : لو دب ذر فوق ضاحي جلدها لأبان من آثارهن حدور تفسير : يعنى لظهر من آثارهن وروم في الجلد. وقيل: من أبان المتعدية والمفعول محذوف. أي مبين خصومته ومظهر لها. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِنْسَانَ} (4) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ إِلَى أَنَّهُ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَة ٍمِنْ مَاءٍ ضَعِيفٍ مَهِينٍ، وَمَرَّ فِي أَطْوَارٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى خَرَجَ طِفْلاً، فَغَذَّاهُ وَنَمَّاهُ، وَرَزَقَهُ القُوت. فَلَمَّا اسْتَقَلَّ وَدَرَجَ إِذا هُوَ يُخَاصِمُ رَبَّهُ تَعَالَى، وَيُكَذِّبُهُ وَيُحَارِبُهُ، وَيُحَارِبُ رُسُلَهُ، مَعَ أَنَّ اللهَ إِنَّمَا خَلَقَهُ لِيَكُونَ لَهُ عَبْداً لاَ ضِدّاً. وَفِي الحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَصَقَ فِي كَفِّهِ ثُمَّ قَالَ: (حديث : يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ابْنَ آدَمَ أَنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هذِهِ، حَتَّى إِذَا سُوَّيْتُكَ فَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْكَ، وَلِلأَرْضِ مِنْكَ وَئيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ أَتَصَدَّقُ، وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ؟)تفسير : . (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه). الخَصِيمُ - الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالبَاطِلِ. النُّطْفَةُ - المَاءُ الصَّافِي وَهُوَ هُنَا مَادَّةُ التَّلْقِيحِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والنطفة التي نجيء منها، وهي الحيوان المَنَويّ الذي يتزاوج مع البويضة الموجودة في رَحم المرأة فتنتج العلقة، وسبحانه القائل: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [القيامة: 36-39]. بل إن القَذْفة الواحدة من الرجل قد يوجد فيها من الأنسال ما يكفي خَلْق الملايين؛ ولا يمكن للعين المُجرَّدة أنْ ترى الحيوان المنويّ الواحد نظراً لِدقَّته المتناهية. وهذه الدقَّة المُتناهية لا يمكن أنْ تُرى إلا بالمجاهر المُكبّرة، ومطمور في هذا الحيوان المنويّ كُل الخصائص التي تتحد مع الخصائص المَطْمورة في بُويْضة المرأة ليتكوَّن الإنسان. وقد صدق العقاد - يرحمه الله - حين قال: "إن نصف كستبان الخياطة لو مُلِىء بالحيوانات المنوية لَوُلِد منه أنسال تتساوى مع تعداد البشر كلهم". وقد شاء الحق سبحانه ألا ينفُذَ إلى البويضة إلا الحيوانُ المنويّ القوي؛ لِيُؤكِّد لنا أنْ لا بقاءَ إلا للأصلح، فإنْ كان الحيوان المنويّ يحمل الصفات الوراثية لميلاد أنثى جاء المولود أنثى؛ وإنْ كان يحمل الصفات الوراثية لميلاد الذَّكَر جاء المولود ذكراً. وأنت ترى مِثْل ذلك في النبات؛ فأوَّل حبَّة قمح كانت مثل آدم كأول إنسان بالطريقة التي نعرفها؛ وفي تلك الحبَّة الأولى أوجد الحق سبحانه مضمون كل حبوب القمح من بعد ذلك، وإلى أنْ تقومَ الساعة، وتلك عظمةُ الحق سبحانه في الخَلْق. وقد أوضح لنا الحق سبحانه في أكثر من موضع بالقرآن الكريم مراحل خَلْق الإنسان؛ فهو: {أية : مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} تفسير : [السجدة: 8]. وهو من نطفة، ومن علقة، ثم مضغة مُخلَّقة وغير مُخلَّقة. والحيوان المنويّ المُسمَّى "نُطْفة" هو الذي يحمل خصائص الأنوثة أو الذكورة كما أثبت العلم الحديث، وليس للمرأة شَأْنٌ بهذا التحديد، وكأن في ذلك إشارةً إلى مهمة المرأة كسكَنٍ؛ لأن البُويْضة تتلقَّى الحيوان المنويّ وتحتضنه؛ ليكتمل النمو إلى أنْ يصير كائناً بشرياً: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14]. وهو الحق سبحانه القائل: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً ..} تفسير : [القيامة: 36-38]. والعلقة جاء اسمها من مهمتها، حيث تتعلق بجدار الرَّحمِ كما أثبت العِلْم المعاصر، يقول سبحانه: {أية : فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً ..} تفسير : [المؤمنون: 14]. والمُضغْة هي الشيء المَمْضُوغ؛ ثم يَصِف سبحانه المضغة بأنها: {أية : مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ..} تفسير : [الحج: 5]. ولقائل أن يتساءل: نحن نفهم أن المُضْغة المُخلَّقة فيها ما يمكن أن يصير عيناً أو ذراعاً؛ ولكن ماذا عن غير المُخلّقة؟ ونقول: إنها رصيد احتياطيّ لصيانة الجسم، فإذا كنتَ أيها المخلوق حين تقوم ببناء بَيْت فأنت تشتري بعضاً من الأشياء الزائدة من الأدوات الصحية - على سبيل المثال - تحسُّباً لما قد يطرأ من أحداث تحتاج فيها إلى قطع غيار؛ فما بالنا بالحق الذي خلق الإنسان؟ لقد جعل الله تلك المُضْغة غير المُخلَّقة رصيداً لصيانة، أو تجديداً لما قد يطرأ على الإنسان من ظروف؛ وتكون زائدة في الجسم وكأنها مخزنٌ لقطع الغيار. والمثل هو الجروح التي تصيب الإنسان، ثم يتركها ليعالجها الجسمُ بنفسه، نجدها تلتئم دون أنْ تتركَ نَدْبة أو علامة، ذلك أنه قد تَمَّ علاجها من الصيدلية الداخلية التي أودعها الحق سبحانه في الجسم نفسه. والمفاجأة هي أن هذا الإنسانَ المخلوق لله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [النحل: 4]. ويتمرَّد على خالقه، بل وينكر بعضٌ من الخَلْق أن هناك إلهاً؛ متجاهلين أنهم بقوة الله فيهم يجادلونه. والخصيم هو الذي يُجادل ويُنكِر الحقائق؛ فإذا حُدِّث بشيء غيبي، يحاول أنْ يدحضَ معقوليته. ويقول سبحانه في سورة يس: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} تفسير : [يس: 77]. وقد يكون من المقبول أن تكون خَصْماً لمساويك؛ ولكن من غير المقبول أن تكون خصيماً لِمَنْ خلقك فسوَّاكَ فَعَدلك، وفي أيِّ صورة ما شاء رَكَّبك. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ...}.