١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي بعد الإنسان سائر الحيوانات لاختصاصها بالقوى الشريفة. وهي الحواس الظاهرة والباطنة، والشهوة والغضب، ثم هذه الحيوانات قسمان: منها ما ينتفع الإنسان بها، ومنها ما لا يكون كذلك، والقسم الأول: أشرف من الثاني، لأنه لما كان الإنسان أشرف الحيوانات وجب في كل حيوان يكون انتفاع الإنسان به أكمل. وأكثر أن يكون أكمل وأشرف من غيره، ثم نقول: والحيوان الذي ينتفع الإنسان به إما أن ينتفع به في ضروريات معيشته مثل الأكل واللبس أو لا يكون كذلك، وإنما ينتفع به في أمور غير ضرورية مثل الزينة وغيرها، والقسم الأول أشرف من الثاني، وهذا القسم هو الأنعام، فلهذا السبب بدأ الله بذكره في هذه الآية، فقال: {وَٱلأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا لَكُمْ }. واعلم أن الأنعام عبارة عن الأزواج الثمانية وهي: الضأن، والمعز. والإبل. والبقر، وقد يقال أيضاً: الأنعام ثلاثة: الإبل. والبقر. والغنم. قال صاحب «الكشاف»: وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل. وقوله: {وَٱلأَنْعَـٰمُ } منصوبة وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر كقوله تعالى: { أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ } تفسير : [يس: 39] ويجوز أن يعطف على الإنسان. أي خلق الإنسان والأنعام، قال الواحدي: تم الكلام عند قوله: {وَٱلأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا } ثم ابتدأ وقال: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ } ويجوز أيضاً أن يكون تمام الكلام عند قوله: {لَكُمْ } ثم ابتدأ وقال: {فِيهَا دِفْء } قال صاحب «النظم»: أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: {خَلَقَهَا } والدليل عليه أنه عطف عليه قوله: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ } والتقدير لكم فيها دفء ولكم فيها جمال. المسألة الثانية: أنه تعالى لما ذكر أنه خلق الأنعام للمكلفين أتبعه بتعديد تلك المنافع، واعلم أن منافع النعم منها ضرورية، ومنها غير ضرورية، والله تعالى بدأ بذكر المنافع الضرورية. فالمنفعة الأولى: قوله: {لَكُمْ فِيهَا دِفْء } وقد ذكر هذه المعنى في آية أخرى فقال: { أية : وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا } تفسير : [النحل: 80] والدفء عند أهل اللغة ما يستدفأ به من الأكسية، قال الأصمعي: ويكون الدفء السخونة. يقال: أقعد في دفء هذا الحائط، أي في كنه. وقرىء: {دف} بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الفاء. والمنفعة الثانية: قوله: {وَمَنَـٰفِعُ } قالوا: المراد نسلها ودرها، وإنما عبر الله تعالى عن نسلها ودرها بلفظ المنفعة وهو اللفظ الدال على الوصف الأعم، لأن النسل والدر قد ينتفع به في الأكل وقد ينتفع به في البيع بالنقود، وقد ينتفع به بأن يبدل بالثياب وسائر الضروريات فعبر عن جملة هذه الأقسام بلفظ المنافع ليتناول الكل. والمنفعة الثالثة: قوله: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ }. فإن قيل: قوله: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } يفيد الحصر وليس الأمر كذلك، فإنه قد يؤكل من غيرها، وأيضاً منفعة الأكل مقدمة على منفعة اللبس، فلم أخر منفعته في الذكر؟ قلنا: الجواب عن الأول: إن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم، وأما الأكل من غيرها كالدجاج والبط وصيد البر والبحر، فيشبه غير المعتاد. وكالجاري مجرى التفكه، ويحتمل أيضاً أن غالب أطعمتكم منها لأنكم تحرثون بالبقر والحب والثمار التي تأكلونها منها، وأيضاً تكتسبون باكراء الإبل وتنتفعون بألبانها ونتاجها وجلودها، وتشترون بها جميع أطعمتكم. والجواب عن السؤال الثاني: أن الملبوس أكثر بقاء من المطعوم، فلهذا قدمه عليه في الذكر. واعلم أن هذه المنافع الثلاثة هي المنافع الضرورية الحاصلة من الأنعام. وأما المنافع الحاصلة من الأنعام التي هي ليست بضرورية فأمور: المنفعة الأولى: قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ } الإراحة رد الإبل بالعشي إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلاً، ويقال: سرح القوم إبلهم سرحاً إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى. قال أهل اللغة: هذه الإراحة أكثر ما تكون أيام الربيع إذا سقط الغيث وكثر الكلأ وخرجت العرب للنجعة، وأحسن ما يكون النعم في ذلك الوقت. واعلم أن وجه التجمل بها أن الراعي إذا روحها بالعشي وسرحها بالغداة تزينت عند تلك الإراحة والتسريح الأفنية، وتجاوب فيها الثغاء والرغاء، وفرحت أربابها وعظم وقعهم عند الناس بسبب كونهم مالكين لها. فإن قيل: لم قدمت الإراحة على التسريح؟ قلنا: لأن الجمال في الإراحة أكثر. لأنها تقبل ملأى البطون حافلة الضروع، ثم اجتمعت في الحظائر حاضرة لأهلها بخلاف التسريح، فإنها عند خروجها إلى المرعى تخرج جائعة عادمة اللبن ثم تأخذ في التفرق والإنتشار، فظهر أن الجمال في الإراحة أكثر منه في التسريح. والمنفعة الثانية: قوله: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَـٰلِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الأثقال جمع ثقل وهو متاع المسافر لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس. قال ابن عباس: يريد من مكة إلى المدينة. أو إلى اليمن. أو إلى الشام. أو إلى مصر. قال الواحدي: هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل لشق عليكم وخص ابن عباس هذه البلاد، لأن متاجر أهل مكة كانت إلى هذه البلاد، وقرىء: {بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ } بكسر الشين وفتحها، وأكثر القراء على كسر الشين. والشق المشقة والشق نصف الشيء، وحمل اللفظ ههنا على كلا المعنيين جائز، فإن حملناه على المشقة كان المعنى: لم تكونوا بالغيه إلا بالمشقة، وإن حملناه على نصف الشيء كان المعنى: لم تكونوا بالغيه إلا عند ذهاب النصف من قوتكم أو من بدنكم ويرجع عند التحقيق إلى المشقة. ومن الناس من قال: المراد من قوله: {وَٱلأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا } الإبل فقط بدليل أنه وصفها في آخر الآية بقوله {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَـٰلِغِيهِ } وهذا الوصف لا يليق إلا بالإبل. قلنا: المقصود من هذه الآيات تعديد منافع الأنعام فبعض تلك المنافع حاصلة في الكل وبعضها مختص بالبعض، والدليل عليه: أن قوله: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ } حاصل في البقر والغنم مثل حصوله في الإبل، والله أعلم. المسألة الثانية: احتج منكرو كرامات الأولياء بهذه الآية فقالوا: هذه الآية تدل على أن الإنسان لا يمكنه الانتقال من بلد إلى بلد إلا بشق الأنفس؛ وحمل الأثقال على الجمال ومثبتو الكرامات يقولون: إن الأولياء قد ينتقلون من بلد إلى بلد آخر بعيد في ليلة واحدة من غير تعب وتحمل مشقة، فكان ذلك على خلاف هذه الآية فيكون باطلاً، ولما بطل القول بالكرامات في هذه الصورة بطل القول بها في سائر الصور، لأنه لا قائل بالفرق. وجوابه: أنا نخصص عموم هذه الآية بالأدلة الدالة على وقوع الكرمات. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ} لما ذكر الإنسان ذكر ما مَنّ به عليه. والأنعام: الإبل والبقر والغنم. وأكثر ما يقال: نعم وأنعام للإبل، ويقال للمجموع ولا يقال للغنم مفردة. قال حسان:شعر : عَفَتْ ذاتُ الأصابع فالجِوَاءُ إلى عَذْراءَ منزِلُها خَلاء دِيارٌ من بَنِي الحَسْحَاس قَفْرٌ تُعَفِّيها الروامِسُ والسماء وكانت لا يزال بها أنيس خِلال مُرُوجها نَعَمٌ وشَاءُ تفسير : فالنَّعم هنا الإبل خاصّةً. وقال الجوهري: والنَّعَم واحد الأنعام وهي المال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل. قال الفَرّاء: هو ذكَر لا يؤنث، يقولون: هذا نَعَم وارد، ويجمع على نُعْمان مثل حَمَل وحُمْلان. والأنعام تذكّر وتؤنث؛ قال الله تعالى:{أية : مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} تفسير : [النحل: 66]. وفي موضع{أية : مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} تفسير : [المؤمنون: 21]. وانتصب الأنعام عطفاً على الإنسان، أو بفعل مقدّرُ، وهو أوجه. الثانية ـ قوله تعالى: {دِفْءٌ} الدِّفْء: السَّخانة، وهو ما اسْتُدْفِىء به من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ملابس ولُحُف وقُطُف. وروي عن ابن عباس: دفؤها نسلها؛ والله أعلم قال الجوهري في الصحاح: الدفء نِتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها؛ قال الله تعالى: «لكم فِيها دفْء». وفي الحديث: «حديث : لنا من دِفئهم ما سلّموا بالميثاق»تفسير : . والدفء أيضاً: السخونة، تقول منه: دَفِىء الرجل دفَاءة مثلُ كَرِه كراهة. وكذلك دَفِىء دَفَأ مثلُ ظمِىء ظمأ. والاسم الدِّفْء (بالكسر) وهو الشيء الذي يدفئك، والجمع الأدفاء. تقول: ما عليه دفء؛ لأنه اسم. ولا تقول: ما عليك دَفاءة؛ لأنه مصدر. وتقول: اقعد في دِفء هذا الحائط أي كِنّه. ورجل دفِىء على فَعِلٍ إِذا لبس ما يدفِئه. وكذلك رجل دفآن وامرأة دفأى. وقد أدفأه الثوب وتدفأ هو بالثوب واستدفأ به، وادّفأ به وهو افتعل؛ أي لبس ما يدفئه. ودَفُؤت ليلتنا، ويوم دَفىء على فعيل وليلة دفِيئة، وكذلك الثوب والبيت. والمُدْفِئة الإبل الكثيرة؛ لأن بعضها يدفىء بعضاً بأنفاسها، وقد يشدّد. والمُدْفَأة الإبل الكثيرة الأوبار والشحوم؛ عن الأصمعي. وأنشد الشماخ:شعر : وكيف يَضِيع صاحبُ مُدْفآتٍ على أثباجهن من الصَّقِيع تفسير : قوله تعالى: {وَمَنَافِعُ} قال ابن عباس: المنافع نسل كل دابة. مجاهد: الركوب والحمل والألبان واللحوم والسمن. {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} أفرد منفعة الأكل بالذكر لأنها معظم المنافع. وقيل: المعنى ومن لحومها تأكلون عند الذبح. الثالثة ـ دلت هذه الآية على لباس الصوف، وقد لبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله كموسى وغيره. وفي حديث المغيرة: فغسل وجهه وعليه جبة من صوف شامية ضيقة الكمين... الحديث، خرجه مسلم وغيره. قال ابن العربيّ: وهو شعار المتقين ولباس الصالحين وشارة الصحابة والتابعين، وٱختيار الزهاد والعارفين، وهو يلبس ليِّناً وخشناً وجيداً ومُقارِباً ورديئاً، وإليه نسب جماعة من الناس الصوفية؛ لأنه لباسهم في الغالب، فالياء للنسب والهاء للتأنيث. وقد أنشدني بعض أشياخهم بالبيت المقدس طهره الله:شعر : تشاجر الناس في الصوفيّ واختلفوا فيه وظنوه مشتقاً من الصوف ولست أنْحَل هذا الاسم غيرَ فتًى صافىَ فصوفي حتى سُمِّيَ الصوفي
ابن كثير
تفسير : يمتنّ تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم؛ كما فصلها في سورة الأنعام إلى ثمانية أزواج، وبما جعل لهم فيها من المصالح والمنافع من أصوافها وأوبارهاوأشعارها يلبسون ويفترشون، ومن ألبانها يشربون، ويأكلون من أولادها، وما لهم فيها من الجمال، وهو الزينة، ولهذا قال: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ} وهو وقت رجوعها عشياً من المرعى؛ فإنها تكون أمده خواصر، وأعظمه ضروعاً، وأعلاه أسنمة {وَحِينَ تَسْرَحُونَ} أي: غدوة حين تبعثونها إلى المرعى {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ} وهي الأحمال الثقيلة التي تعجزون عن نقلها وحملها {إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَـٰلِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ} وذلك في الحج والعمرة والغزو والتجارة وما جرى مجرى ذلك، تستعملونها في أنواع الاستعمال من ركوب وتحميل؛ كقوله: {أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَـٰفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } تفسير : [المؤمنون:21-22]، وقال تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَٰمَ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنـَٰفِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ ءَايـَٰتِهِ فَأَىَّ ءَايَـٱتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ} تفسير : [غافر:79-81]، ولهذا قال ههنا بعد تعداد هذه النعم: {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} أي: ربكم الذي قيض لكم هذه الأنعام وسخرها لكم؛ كقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعـٰماً فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } تفسير : [يس:71-72]، وقال: {أية : وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} تفسير : [الزخرف:12-14] قال ابن عباس: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} أي: ثياب، {وَمَنَـٰفِعُ} ما تنتفعون به من الأطعمة والأشربة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة، عن ابن عباس: دفء ومنافع: نسل كل دابة. وقال مجاهد: لكم فيها دفء، أي: لباس ينسج، ومنافع: مركب ولحم ولبن. وقال قتادة: دفء ومنافع، يقول: لكم فيها لباس ومنفعة وبلغة، وكذا قال غير واحد من المفسرين بألفاظ متقاربة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلأَنْعَٰمُ } الإِبل والبقر والغنم، ونصبه بفعل مقدّر يفسره {خَلَقَهَا لَكُمْ } في جملة الناس {فِيهَا دِفْءٌ } ما تستدفئون به من الأكسية والأردية من أشعارها وأصوافها {وَمَنَٰفِعُ } من النسل والدرّ والركوب {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } قدم الظرف للفاصلة.
ابن عطية
تفسير : {الأنعام} الإبل والبقر والغنم وأكثر ما يقال نعم وأنعام للإبل، ويقال للمجموع، ولا يقال للغنم مفردة، ونصبها إما عطف على {أية : الإنسان} تفسير : [النحل: 4] وإما بفعل مقدر وهو أوجه، و"الدفء" السخانة وذهاب البرد بالأكسية ونحوها، وذكر النحاس عن الأموي أنه قال: الدفء في لغة بعضهم تناسل الإبل. قال القاضي أبو محمد: وقد قال ابن عباس: نسل كل شيء، وقد قال ابن سيده: "الدفء" نتاج الإبل وأوبارها والانتفاع بها، والمعنى الأول هو الصحيح، وقرأ الزهري وأبو جعفر "دفء" بضم الفاء وشدها وتنوينها، و"المنافع" ألبانها وما تصرف منها ودهونها وحرثها والنضح عليها وغير ذلك، ثم ذكر "الأكل" الذي هو من جميعها، وقوله {جمال} أي في المنظر. و {تريحون} معناه حين تردونها وقت الرواح إلى المنازل فتأتي بطاناً ممتلئة الضروع، و {تسرحون} معناه تخرجونها غدوة إلى السرح، تقول سرحت السائمة إذا أرسلتها تسرح فسرحت هي، كرجع رجعته، وهذا "الجمال" هو لمالكها ولمحبيه وعلى حسدته وهذا المعنى كقوله تعالى {أية : المال والبنون زينة الحياة الدنيا} تفسير : [الكهف: 46] وقرأ عكرمة والضحاك "حينما تريحون حيناً تسرحون"، وقرأت فرقة "وحيناً ترتحون". قال القاضي أبو محمد: وأظنها تصحيفاً. و"الأثقال" الأمتعة، وقيل المراد هنا الأجسام كقوله {أية : وأخرجت الأرض أثقالها} تفسير : [الزلزلة: 2] أي أجسام بني آدم. قال القاضي أبو محمد: واللفظ يحتمل المعنيين، قال النقاش: ومنه سمي الإنس والجن الثقلين، وقوله {إلى بلد} أي بلد توجهتم بحسب اختلاف أغراض الناس، وقال عكرمة وابن عباس والربيع بن أنس: المراد مكة، وفي الآية على هذا حض على الحج. و"الشق" المشقة، ومنه قول الشاعر [النمر بن تولب]: [الطويل] شعر : وذي إبل يسعى ويحسبها له أخي نصب من شقها ودؤوب تفسير : أي من مشقتها، ويقال فيها شق وشق أي مشقة، وقرأ أبو جعفر القاري وعمرو بن ميمون وابن أرقم ومجاهد والأعرج "بشَق الأنفس" بفتح الشين، ورويت عن نافع وأبي عمرو، وذهب الفراء إلى أن معنى {بشق الأنفس} أي بذهاب نصفها، كأنه قد دأبت نصباً وتعباً. قال القاضي أبو محمد: كما تقول لرجل لا تقدر على كذا إلا بذهاب جل نفسك وبقطعة من كبدك ونحو هذا من المجاز، وذهبوا في فتح الشين إلى أنه مصدر شَق يشق، ثم أوجب رأفة الله ورحمته في هذه النعم التي أذهبت المشقات ورفعت الكلف، وقوله {والخيل} عطف أي وخلق الخيل، وقرأ ابن أبي عبلة، "والخيلُ والبغالُ والحميرُ" بالرفع في كلها، وسميت الخيل خيلاً لاختيالها في المشية، أفهمه أعرابي لأبي عمرو بن العلاء، وقوله {وزينة} نصب بإضمار فعل، قيل تقديره وجعلنا زينة، وقرأ ابن عياض "لتركبوها زينة" دون واو، والنصب حينئذ على الحال من الهاء في {تركبوها} وقوله {ويخلق ما لا تعلمون} عبرة منصوبة على العموم، أي أن مخلوقات الله من الحيوان وغيره لا يحيط بعلمها بشر، بل ما يخفى عنه أثر مما يعلمه، وقد روي أن الله تعالى خلق ألف نوع من الحيوان منها في البر أربعمائة، وبثها بأعيانها في البحر، وزاد في مائتين ليست في البر. وكل من خصص في تفسير هذه الآية شيئاً، كقول من قال سوس الثياب وغير ذلك فإنما هو على جهة المثال، لا أن ما ذكره هو المقصود في نفسه. قال الطبري {ما لا تعلمون} هو ما أعد الله في الجنة لأهلها، وفي النار لأهلها مما لم تره عين ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر، واحتج بهذه الآية مالك رحمه الله ومن ذهب مذهبه في كراهة لحوم الخيل والبغال والحمير أو تحريمها بحسب الاختلاف في ذلك، وذكر الطبري عن ابن عباس، قال ابن جبير: سئل ابن عباس عن لحوم الخيل والبغال والحمير، فكرهها فاحتج بهذه الآية، وقال: جعل الله الأنعام للأكل، وهذه للركوب، وكان الحكم بن عتبة يقول: الخيل والبغال والحمير حرام في كتاب الله ويحتج بهذه الآية. قال القاضي أبو محمد: وهذه الحجة غير لازمة عند جماعة من العلماء، قالوا إنما ذكر الله عز وجل عظم منافع الأنعام، وذكر عظم منافع هذه وأهم ما فيها، وليس يقضي ذلك بأن ما ذكر لهذه لا تدخل هذه فيها، قال الطبري وفي إجماعهم على جواز ركوب ما ذكر للأكل، دليل على جواز أكل ما ذكر للركوب. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، ولحوم الخيل عند كثير من العلماء حلال، وفي جواز أكلها حديث أسماء بنت أبي بكر، وحديث جابر بن عبد الله: كنا نأكل الخيل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: والبغال والحمير مكروهة عند الجمهور، وهو تحقيق مذهب مالك، ومن حجة من ألحق الخيل بالبغال والحمير في الكراهية القياس، إذ قد تشابهت وفارقت الأنعام في أنها لا تجتر، وأنها ذوات حوافر، وأنها لا أكراش لها، وأنها متداخلة في النسل، إذ البغال بين الحمير والخيل فهذا من جهة النظر، وأما من جهة الشرع بأن قرنت في هذه الآية وأسقطت فيها الزكاة، وقوله {وعلى الله قصد السبيل} الآية، هذا أيضاً من أجل نعم الله تعالى، أي على الله تقويم طريق الهدى وتبيينه، وذلك نصب الأدلة وبعث الرسل وإلى هذا ذهب المتأولون، ويحتمل أن يكون المعنى أن مرسلك السبيل القاصد فعلى الله ورحمته وتنعيمه طريقه وإلى ذلك مصيره، فيكون هذا مثل قوله تعالى {أية : هذا صراط علي مستقيم} تفسير : [الحجر: 41] وضد قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : والشر ليس إليك" تفسير : أي لا يفضي إلى رحمتك، وطريق قاصد معناه بين مستقيم، ومنه قول الآخر: شعر : فصد عن نهج الطريق القاصد تفسير : والألف واللام في {السبيل} للعهد، وهي سبيل الشرع، وليست للجنس، ولو كانت للجنس لم يكن فيها جائر، وقوله {ومنها جائر} يريد طريق اليهود والنصارى وغيرهم كعبدة الأصنام، والضمير في {منها} يعود على {السبيل} التي تضمنها معنى الآية، كأنه قال: ومن السبيل جائر، فأعاد عليها وإن كان لم يجر له ذكر لتضمن لفظة {السبيل} بالمعنى لها، ويحتمل أن يعود الضمير في {منها} على سبيل الشرع المذكورة وتكون "من" للتبعيض ويكون المراد فرق الضلالة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كأنه قال ومن بنيات الطرف في هذه السبيل ومن شعبها جائر، وقوله {ولو شاء لهداكم أجمعين} معناه لخلق الهداية في قلوب جميعكم ولم يضل أحد، وقال الزجاج معناه لو شاء لعرض عليكم آية تضطركم إلى الإيمان والاهتداء. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول سوء لأهل البدع الذين يرون أن الله لا يخلق أفعال العباد لم يحصله الزجاج، ووقع فيه رحمه الله عن غير قصد، وفي مصحف عبد الله بن مسعود "ومنكم جائر"، وقرأ علي بن أبي طالب "فعنكم جائر"، و {السبيل} تذكر وتؤنث.
ابن عبد السلام
تفسير : {دِفْءٌ} لباس "ع"، أو ما استدفأت به من أصوافها وأوبارها وأشعارها. {وَمَنَافِعُ} الركوب والعمل {تَأْكُلُونَ} اللحم واللبن.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱلأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ}: الـ {دِفْء }: السَّخَانة، وذَهَاب البَرْد بالأَكْسِيَة ونحوها، وقيل: الـــ {دِفْءٌ}: تناسُلُ الإِبل، وقال ابن عَبَّاس: هو نسْلُ كلِّ شيء، والمعنى الأول هو الصحيحُ، والــ {مَنَـٰفِعُ }: ألبانها وما تصرَّف منها، وحَرْثُها والنَّضْح عليها وغَيْر ذلك. وقوله: {جَمَالٌ }، أي: في المَنْظَر، و{تُرِيحُونَ }: معناه: حين تردُّونها وقْتَ الرَّوِاح إِلى المنازلِ، و{تَسْرَحُونَ }: معناه: تخرجُونها غُدْوة إِلى السَّرْح، و«الأثْقَالُ»: الأمتعة، وقيل: الأجسام؛ كقوله: { أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا } تفسير : [الزلزلة:2] أي: أجسادَ بني آدم، وسمِّيت الخيلُ خيلاً؛ لاختيالها في مِشْيتها. * ت *: ويجبُ على من ملكه اللَّه شيئاً من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به، ويشْكُر اللَّه تعالى على هذه النعمة التي خَوَّلها، وقد رَوَى مالك في «الموطَّأ» عن أبي عُبَيْدٍ مولى سليمانَ بْنِ عبدِ المَلِكِ، عن خالدِ بْنِ مَعْدَانَ يرفعه، قال: « حديث : إِن اللَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفْق، ويرضَاهُ، ويعينُ عليه ما لاَ يُعِينُ على العُنْف، فإِذا ركبتم هذه الدوابَّ العُجْمَ، فأنزلوها منازِلَهَا، فإِنْ كانَتِ الأرض جَدْبةً، فانجوا عليها بِنِقْيِهَا، وَعَلَيْكُمْ بسير اللَّيْلِ؛ فَإِن الأرض تُطْوَى باللَّيْلِ ما لا تُطْوَى بالنهار، وإِياكم والتَّعْرِيسَ على الطريقِ؛ فإِنها طُرُق الدَّوابِّ، ومأوى الحَيَّات ». تفسير : قال أبو عمر في «التمهيد»: هذا الحديث يستندُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من وجوهٍ كثيرةٍ، فأمَّا «الرفْقُ»، فمحمودٌ في كلِّ شيء، وما كان الرفْقُ في شيء إِلاّ زانه، وقد رَوَى مالك بسنده عن عائشة، وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: « حديث : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ »تفسير : ، وأُمِرَ المسافرُ في الخِصْبِ بأنْ يمشي رويداً، ويكثر النزول، لترعَى دابته، فأَما الأرْضُ الجَدْبة، فالسُّنَّة للمسافِرِ أَنْ يُسْرُع السيْر؛ ليخرجَ عنها، وبدابَّته شيءٌ من الشَّحْم والقُوَّة، و«النِّقْي» في كلام العرب: الشَّحْم والوَدَك. انتهى. وروَى أبو داود عن أبي هُرَيْرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بِالغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فَٱقْضُوا حَاجَاتِكِمْ » تفسير : انتهى. وقوله سبحانه: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }: عبرةٌ منصوبةٌ على العمومِ، أي: إِنَّ مخلوقاتِ اللَّهِ مِنَ الحيوانِ وغيره لا يُحيطُ بعلْمها بَشَرٌ، بل ما يخفَى عنه أكْثَرُ مما يعلمه. وقوله سبحانه: {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ...} الآية: هذه أيضاً من أجَلِّ نعم اللَّه تعالى، أي: على اللَّه تقويمُ طريقِ الهدَى، وتبيينُهُ بنَصْب الأدلَّة، وبعْثِ الرسل، وإِلى هذا ذهب المتأوِّلون، ويحتمل أنْ يكون المعنى: أَنَّ مَنْ سلك السبيلَ القاصِد، فعلى اللَّه، ورحمته وتنعيمُهُ طريقُهُ، وإِلى ذلك مصيره، و«طريقٌ قَاصِد»: معناه: بيِّنٌ مستقيمٌ قريبٌ، والألف واللام في {ٱلسَّبِيلِ}، للعهد، وهي سبيلُ الشرْعِ. وقوله: {وَمِنْهَا جَائِرٌ }: يريد طريقَ اليهودِ والنصارَى وغيرِهِم، فالضمير في {مِنْهَا } يعود على السُّبُلُ التي يتضمَّنها معنى الآية. وقوله سبحانه: {فِيهِ تُسِيمُونَ }: يقال: أَسَامَ الرَّجُلُ مَاشِيَتَهُ؛ إِذا أرسلها ترعَى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {لكم فيها دفء} قال: الثياب {ومنافع} قال: ما تنتفعون به من الأطعمة والأشربة. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {لكم فيها دفء ومنافع} قال: نسل كل دابة. وأخرج الديلمي عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : البركة في الغنم، والجمال في الإبل ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن عروة البارقي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الابل عزّ لأهلها، والغنم بركة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله {ولكم فيها جمال حين تريحون} قال: إذا راحت كأعظم ما يكون أسنمة، وأحسن ما تكون ضروعاً {وحين تسرحون} قال: إذا سرحت لرعيها. قال قتادة: وذكر لنا حديث : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، سئل عن الإِبل فقال:"هي عز لأهلها". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {وتحمل أثقالكم إلى بلد} قال يعني مكة {لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس} قال: لو تكلفتموه لم تطيقوه إلا بجهد شديد. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله {إلا بشق الأنفس} قال: مشقة عليكم. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر فإن الله تعالى إنما سخرها لكم لتبلغوا إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجاتكم ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه عن معاذ بن أنس، عن أبيه: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم: "اركبوا هذه الدواب سالمة ودعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبه خير من راكبها، وأكثر ذكراً لله تعالى منه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن دينار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تتخذوا ظهور الدواب كراسي لأحاديثكم، فرب راكب مركوبة هي خير منه وأطوع لله منه وأكثر ذكراً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن حبيب قال: كان يكره طول الوقوف على الدابة، وأن تضرب وهي محسنة. وأخرج أحمد والبيهقي، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو غفر لكم ما تأتون إلى البهائم لغفر لكم كثير ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {لتركبوها وزينة} قال: جعلها لتركبوها وجعلها زينة لكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة: أن أبا عياض كان يقرؤها {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} يقول: جعلها زينة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت الخيل وحشية، فذللها الله لإِسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن وهب بن منبه قال: بلغني أن الله لما أراد أن يخلق الفرس قال لريح الجنوب: إني خالق منك خلقاً، أجعله عزاً لأوليائي، ومذلة لأعدائي، وحمى لأهل طاعتي، فقبض من الريح قبضة، فخلق منها فرساً، فقال: سميتك فرساً وجعلتك عربياً، الخير معقود بناصيتك والغنائم محازة على ظهرك، والغنى معك حيث كنت، ارعاك لسعة الرزق على غيرك من الدواب، وجعلتك لها سيداً، وجعلتك تطير بلا جناحين، فأنت للطلب، وأنت للهرب، وسأحمل عليك رجالاً يسبحوني، فتسبحني معهم إذا سبحوا، ويهللوني، فتهللني معهم إذا هللوا، ويكبروني، فتكبرني معهم إذا كبروا، فلما صهل الفرس؛ قال: باركت عليك، أرهب بصهيلك المشركين، أملأ منه آذانهم، وأرعب منه قلوبهم، وأذل به أعناقهم، فلما عرض الخلق على آدم وسماهم، قال الله تعالى: يا آدم، اختر من خلقي من أحببت، فاختار الفرس، فقال الله اخترت عزك، وعز ولدك باق فيهم ما بقوا، وينتج منه أولادك أولاداً، فبركتي عليك وعليهم، فما من تسبيحة ولا تهليلة ولا تكبيرة تكون من راكب الفرس إلا والفرس تسمعها وتجيبه مثل قوله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن سعيد بن جبير قال: سأل رجل ابن عباس، عن أكل لحوم الخيل، فكرهها وقرأ {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة}. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يكره لحوم الخيل ويقول: قال الله {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} فهذه للأكل {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} فهذه للركوب. وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد أنه سئل عن لحوم الخيل؟ فقال {والخيل والبغال والحمير لتركبوها}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الحكم في قوله {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} فجعل منه الأكل، ثم قرأ {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} قال: لم يجعل لكم فيها أكلاً وكان الحكم يقول: الخيل والبغال والحمير حرام في كتاب الله. وأخرج أبو عبيد وأبو داود والنسائي وابن المنذر، عن خالد بن الوليد قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كل ذي ناب من السباع، وعن لحوم الخيل والبغال والحمير". وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: طعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر الأهلية. وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم من طريق أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أنهم ذبحوا يوم خيبر الحمير والبغال والخيل، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحمير والبغال، ولم ينههم عن الخيل. وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن جرير وابن مردويه من طريق عطاء، عن جابر قال: كنا نأكل لحم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: والبغال؟ قال: أما البغال فلا. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن المنذر، عن أسماء قالت: نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً، فأكلناه. وأخرج أحمد، حديث : عن دحية الكلبي قال: "قلت يا رسول الله، أحمل لك حماراً على فرس، فينتج لك بغلاً وتركبها؟ قال: "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون" ". تفسير : وأخرج الخطيب في تاريخه، وابن عساكر، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله {ويخلق ما لا تعلمون} قال البراذين. وأخرج ابن عساكر، عن مجاهد في قوله {ويخلق ما لا تعلمون} قال السوس في الثياب. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن مما خلق الله لأرضاً من لؤلؤة بيضاء مسيرة ألف عام عليها جبل من ياقوتة حمراء محدق بها، في تلك الأرض ملك قد ملأ شرقها وغربها، له ستمائة رأس، في كل رأس ستمائة وجه، في كل وجه ستون ألف فم. في كل فم ستون ألف لسان، يثني على الله ويقدسه ويهلله ويكبره، بكل لسان ستمائة ألف وستين ألف مرة، فإذا كان يوم القيامة نظر إلى عظمة الله، فيقول وعزتك ما عبدتك حق عبادتك"تفسير : . فذلك قوله {ويخلق ما لا تعلمون}. وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات، عن الشعبي قال إن لله عباداً من وراء الأندلس، كما بيننا وبين الأندلس، ما يرون أن الله عصاه مخلوق، رضراضهم الدر والياقوت، وجبالهم الذهب والفضة، لا يحرثون ولا يزرعون ولا يعملون عملاً، لهم شجر على أبوابهم لها ثمر هي طعامهم، وشجر لها أوراق عراض هي لباسهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن وهب أنه قيل له: أخبرنا من أتى سعالة الريح، وانه رأى بها أربع نجوم كأنها أربعة أقمار؟ فقال وهب: {ويخلق ما لا تعلمون}.
القشيري
تفسير : ذكَّرهم بما تفَّضل عليهم، وأخبرهم بما للحيوانات من النِّعم، وما لهم فيها من وجوه الانتفاع في جميع الأحوال، كالحْمِل وكالسفر عليها وقطع المسافات، والتوصُّل على ظهورها إلى مآربهم، وما لِنَسْلِها ولدرِّها من المنافع.
اسماعيل حقي
تفسير : {والانعام} جمع نعم وقد يسكن عينه وهي الابل والبقر والغنم والمعز وهى الاجناس الاربعة المسماة بالزواج الثمانية اعتبارا للذكر والأنثى لان ذكر كل واحد من هذه الانواع زوج بانثاه وانثاه زوج بذكره فيكون مجموع الازواج ثمانية بهذا الاعتبار من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين فالخيل والبغال والحمير خارجة من الأنعام واكثر ما يقع هذا الاسم على الابل وانتصابها بمضمر يفسره قوله تعالى {خلقها لكم} ولمنافكم ومصالحكم يا بنى آدم وكذا سائر المخلوقات فانها خلقت لمصالح العباد ومنافعهم لا لها يدل عليه قوله تعالى {خلق لكم ما فى الارض جميعا} وقوله {سخر لكم ما فى السموات وما فى الارض} واما الانسان فقد خلق له تعالى كما قال {واصطنعتك لنفسى} فالانسان مرآة صفات الله تعالى ومجلى اسمائه الحسنى {فيها دف}[درايشان بوستست كرم كننده يعنى جامعها ازبشم وموى كه سرما بازدادر}. والدفئ نقيض حدة البرد اى بمعنى السخونة والحرارة ثم سمى به كل ما يدفأ به اى يسخن به من لباس معمول من صوف الغنم او وبر الابل او شعر المعز هذا واما الفرو فلا بأس به بعد الدباغة من أى صنف كان وقد عد الامام الشافعى رحمه الله لبس جلد السباع مكروها وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جبة فنك يلبسها فى الاعياد والفنك بالتحريك دابة فروتها اطيب انواع الفراء واشرفها واعد لها صالح لجميع الامزجة المعتدلة كما فى القاموس ثم ان اسباب التسخين انما تلزم للعامة وقد اشتهر ان النبى صلى الله عليه وسلم لم يصطل بالنار وكذا بعض الخواص فان حرارة باطنهم تغنى عن الحرارة الظاهرة: قال الصائب شعر : جمعى كه بشت كرم بعشق ازل نيند ناز سمورومنت سنجاب ميكشند تفسير : {ومنافع} نسلها ودرها وركوبها والحراثة بها وثمنها واجرتها {ومنها تأكلون} من للتبعيض اى تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم وغير ذلك بخلاف الغدة والقبل والدبر والذكر والخصيتين والمرارة والمثانة ونخاع الصلب والعظم والدم فإنها حرام. وتقديم الظرف لرعاية الفاصلة او لان الا كل منها هو الاصل الذى يعتمده الناس فى معائشهم واما الا كل من غيرها من الطيور وصيد البر والبحر فعلى وجه التداوى او التفكه والتلذذ فيكون القصر اضافيا بالنسبة الى سائر الحيوانات حتى لا ينتقض بمثل الخبز ونحوه من المأكولات المعتادة.
الطوسي
تفسير : الأنعام جمع نعم، وهي الإبل، والبقر، والغنم، سميت بذلك لنعومة مشيها بخلاف ذات الحافر الذي يصلب مشيها. ونصب بفعل مقدر يفسره ما بعده، والتقدير وخلق الأنعام خلقها، وإِنماً نصب لمكان الواو العاطفة على منصوب قبله. وقوله {خلقها لكم} تمام، لأن المعنى خلق الأنعام لكم أي لمنافعكم. ثم أخبر، فقال {فيها دفء} والدفء ما استدفأت به. وقال الحسن يريد ما استدفىء به من أوبارها، وأصوافها، وأشعارها. وقال ابن عباس: هو اللباس من الأكيسة وغيرها، كأنه سمي بالمصدر ومنه دفوء يومنا دفأ، ونظيره (الكنّ) قال الفراء: كتبت (دفء) بغير همز، لأن الهمزة إِذا سكن ما قبلها حذفت من الكتاب، ولو كتبت في الرفع بالواو، وفي النصب بالألف وفي الخفض بالياء كان صواباً. وقال قتادة {فيها دفء ومنافع} معناه منفعة هي بلغة، من الألبان وركوب ظهرها {ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون} وذاك أعجب ما يكون إِذا راحت عظاماً ضروعها طوالاً أسنمتها {وحين تسرحون} إِذا سرحت لرعيها. فالسروح خروج الماشية إِلى المرعى بالغداة. والاراحة رجوعها من المرعى عشياً: سرحت الماشية سرحاً وسروحاً وسرحها أهلها قال الشاعر: شعر : كأن بقايا الاثر فوق متونه مدب الدبا فوق النقا وهو سارح تفسير : وقوله {وتحمل أثقالكم} يعني هذه الانعام تحمل أثقالكم، وهو جمع ثقل، وهو المتاع الذي يثقل حمله، وجمعه أثقال {لم تكونوا بالغيه إِلا بشق الأنفس} والبلوغ المصير إِلى حد من الحدود، بلغ يبلغ بلوغاً وأبلغه إِبلاغاً، وبلَّغه تبلغاً وتبلّغ تبلّغاً وتبالغ تبالغاً، والشق المشقة، وفيه لغتان، فتح الشين وكسرها، فالكسر عليه القراء السبعة. وبالفتح قرأ أبو جعفر المدني. والشق أيضاً أحد قسمي الشيء الذي في احدى جهتيه، وقال قتادة: معناه بجهد الأنفس، وكسرت الشين من شق الانفس مع أن المصدر بفتح الشين لأمرين: احدهما - قال قوم: هما لغتان في المصدر، قال الشاعر: شعر : وذي إِبل يسعى ويحسبها له أخي نصب من شقها ودؤوب تفسير : بالكسر والفتح، وقال العجاج: شعر : اصبح مسحول يوازي شقا تفسير : بالكسر والفتح بمعنى يقاسي مشقة، وقال قوم: ان المعنى إِلا بذهاب شق قوى النفس ذكره الفراء والزجاج، واختاره الطبري. وقوله {إن ربكم لرءوف رحيم} أي رؤوف بكم رحيم، ومن رحمته أنه خلق لكم الانعام لتنتفعوا بها، على ما ذكره.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} ما تستدفئون به من اصوافها واوبارها واشعارها وجلودها {وَمَنَافِعُ} من لحومها وضروعها وظهورها واثارة الارض بها {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} من الشّحوم واللّحوم والالبان.
اطفيش
تفسير : {وَالأَنْعَامَ} الإِبل والبقر والغنم والنصب على الاشتغال واختير لتوافق الجملة قوله خلق الإِنسان أو بالعطف على الإِنسان وعليه فقوله. {خَلَقَهَا لَكُمْ} بيان ما خلق الأَجل الإِنسان ونفعاً له واللام للتعليل أو للملك وما بعد ذلك تفصيل لما خلق لأَجل الإِنسان فيها من المنافع ويجوز كون الوقف على خلقها ويستأْنف بقوله لكم، {فِيهَا دِفْءٌ} ويناسب قوله ولكم فيها جمال واختاره بعض وعليه فاللام للملك ونحوه لا للتعليل وتعلق بمحذوف خبر دفء وفيها يتلق بما تغلق به أو بمحذوف حال من ضمير الاستقرار فيه وعلى هذا الوجه الذى هو أن الوقف على خلقها بكون الأنعام منصوباً على الاشتغال لا معطوفاً على الإِنسان والدفء ما يدفأ به كالذبح بمعنى ما يذبح والنقض بمعنى المنقوض بكسر الأَوائل والمراد اللباس المتخذ من الصوف والوبر والشعر وما يفرش وما يغطى به من ذلك، وقيل الدفى النسل وقيل نسل الإِبل فقط فالحكم على هذا القول حكم على المجموع فى جانب الدفء والصحيح الأَول وقرأ دف بإِسقاط الهمزة والإِعراب على الفاء. {وَمَنَافِعُ} كالركاب والحرث فى ما يحتملهما منها وهو الإِبل والبقر كاللبن فى الإِبل والبقر والغنم وكالنسل إِذا لم نفسر به الدفء وكأَثمان ما بيع منها أو من أوبارها وأشعارها وأصوافها أو لبنها أو سمنها أو جبنها أو قطنها، وأثمان اكتراء ظهور ما يركب منها، وعبر بالمنافع ليشمل الأَثمان، {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} ما يؤكل كاللحم والشحم والسمن والزبد والجبن والأَقط وتقديم الظرف للمحافظة على رءوس الآى أن يكون آخرها نوناً أو للحصر الإِضافى أى لا تأْكلون إِلا منها بالنسبة إِلى الأَكل من الحيوان فى الغالب فإِن صيد البر والبحر والدجاج والأَوز وبيضهما ونحو ذلك مما يؤكل أيضاً لكن غير غالب وجاز مجرى التفكه، والتفكه أو التقديم للاهتمام فى كلام العرب أو لذلك كله ويجوز أن يكون المراد بالأَكل منها أيكم ما تحرثون عليها وتسقون من الثمار ومن أثمانها وأثمان ما يتولد منها كصوف ولبن وأثمان كراء ظهورها وذلك بحسب ما يصلح فى كلٍّ فإن الغنم لا يحمل عليها ولا يحرث ولا يسقى عليها وفيها سائر المنافع وقد يحمل عليها ما خف عنها كخرج الراعى، وقيل قدم منفعة اللباس على منفعة الأَكل لأَنها أكثر وأعظم.
اطفيش
تفسير : {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا} وخلق الأنعام خلقها وهى الإبل والبقر والغنم، بدأَ بذكر خلق السماوات والأرض وفيهما منافع للإنسان وذكر بعده ما ينتفع به أكلا وشربا وهو الأنعام وهما أعظم ما يحتاج إليه، ومعهما ركوب الإبل واللباس، اختير النصب على الاشتغال لتقدم الفعلية، أَو الأَنعام معطوف على الإنسان، وذكر قوله خلقها على هذا ليبنى عليه قوله {لَكُمْ} خبر مقدم {فيهَا} متعلق به أَو بما تعلق به {دِفْءٌ} مبتدأ كمال قال: ولكم فيها جمال، ويجوز تعليقه بخلقها فيكون فيها الخبر على الاشتغال أَو عطف على الإنسان فيكون قوله: خلقها لكم بيانا لما خلق لأَجله، وقوله: فيها دفءٌ تفصيلا، وعلى كل حال يكون المراد لكم يا أهل مكة فى جملة الناس، ويجوز تعميم الناس بالخطاب، والدفءُ التخلص من مضرة البرد بتحصيل السخونة بلباس ما نسج منها وتصنع البيوت منها، أَو الدفءُ ما يتحصل من الإبل من نتاج ولبن ومنافع {وَمنَافعُ} كالحمل والحرث والنضح وحفظ المال فى البيت المتخذ منها وسائِر ما يعمل منها، وركوب الإبل وقد يركب على البقر، قيل: ولبنها وقد يدخل فى تأْكلون لقوله تعالى: "أية : ومن لم يطعمه فإِنه منى"تفسير : [البقرة: 249]، قيل: ونسلها وفيه أنه نفس الإبل والبقر والغنم، وقيل: وأَثمانها وأَثمان ما يتولد منها كلبن وصوف وأَجره عمل، ولا أجرة للضراب، وله أَخذ أَعطى بلا عقد أَو شرط، وإنما شمل الأَكل {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} اللحم ومن غيرها أَيضاً، وخصها بالذكر لأَنها معظم ما يؤكل، وقدم الظرف للفاصلة ومراعاة لطريق الاهتمام {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ} زينة {حِينَ تُرِيحُونَ} تريدونها من المرعى رواحا أى عشية إلى حيث تلبث، ويقال له مراح {وَحِينَ تَسْرحُونَ} تخرجونها صبحاً إلى المرعى، تكون زينة لهم ولبيوتهم وما يليها إذ تأوى إليها، وحين يتعلق بمحذوف نعت جمال أَو يهبها أو بلكم لنيابتهما عما يجوز التعلق به أو بمتعلقهما، وقدم الإراحة على السرح مع تأَخرها فى الزمان لأَنها أَشد زينة إِذا أُريحت ممتلئة البطون والضروع تجرى مجتمعة وتجتمع فى المراح بأَصوات عكس حالها حال السرح، ولا سيما حال الربيع، والمفعول محذوف فى تسرحون للفاصلة، وفى تريحون لموافقة تسرحونَ، والتقدير تريحونها وتسرحونها.
الالوسي
تفسير : {وَالأنْعَامَ} وهي الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والضأن والمعز، قال الراغب: ولا يقال أنعام إلا إذا كان فيها إبل، وخصها بعضهم هنا بذلك وليس بشيء، والنصب على المفعولية لفعل مضمر يفسره قوله تعالى: {خَلَقَهَا} وهو أرجح من الرفع في مثل هذا الموضع لتقدم الفعلية وقرىء به في الشواذ أو على العطف على {الإنسان} [النحل:4] وما/ بعد بيان ما خلق لأجله والذي بعده تفصيل لذلك، وقوله سبحانه: {لَكُمْ} إما متعلق - بخلقها - وقوله تعالى: {فيهَا} خبر مقدم وقوله جل وعلا: {دفْءٌ} مبتدأ مؤخر والجملة حال من المفعول أو الجار والمجرور الأول خبر للمبتدأ المذكور والثاني متعلق بما فيه من معنى الاستقرار، وقيل: حال من الضمير المستكن فيه العائد على المبتدأ، وقيل: حال من {دفء} إذ لو تأخر لكان صفة، وجوز أبو البقاء أن يكون الثاني هو الخبر والأول في موضع الحال من مبتدئه، وتعقبه أبو حيان بأن هذا لا يجوز لأن الحال إذا كان العامل فيها معنى لا يجوز تقديمها على الجملة بأسرها فلا يجوز قائماً في الدار زيد فإن تأخرت الحال عن الجملة جازت بلا خلاف وإن توسطت فالأخفش على الجواز والجمهور على المنع، وجوز أبو البقاء أيضاً أن يرتفع {دفء} - بلكم - أو - بفيها - والجملة كلها حال من الضمير المنصوب، وتعقبه أبو حيان أيضاً بأن ذلك لا يعد من قبيل الجملة بل هو من قبيل المفرد، ونقل أنهم جوزوا أن يكون {لكم} متعلقاً - بخلقها - وجملة {فيها دفء} استئناف لذكر منافع الأنعام، واستظهر كون جملة {لكم فيها دفءٌ} مستأنفة، ثم قال: ويؤيد الاسئناف فيها الاستئناف في مقابلتها أعنى قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ} فقابل سبحانه المنفعة الضرورية بالمنفعة الغير الضرورية، وإلى نحو ذلك ذهب القطب فاختار أن الكلام قد تم عند { خلقها} لهذا العطف وخالفه في ذلك صاحب "الكشف" فقال: إن قوله تعالى: {خلقها لكم} بناء على تفسير الزمخشري له بقوله: ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان طرف من ترشيح المعنى الثاني في قوله سبحانه: {أية : فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } تفسير : [النحل: 4] لما في الالتفات المشار إليه من الدلالة عليه، وأما الحصر المشار إليه بقوله: ما خلقها إلا لكم فمن اللام المفيدة للاختصاص سيما وقد نوع الخطاب بما يفيد زيادة التمييز والاختصاص، وهذا أولى من جعل {لكم فيها دفء} مقابل {أية : لَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ} تفسير : [النحل: 6] لإفادته المعنى الثاني وأبلغ على أنه يكون {فيها دفء} تفصيلاً للأول وكرر {لكم} في الثاني لبعد العهد وزيادة التقريع اهـ، والحق في دعوى أولوية تعلق {لكم} بما قبله معه كما لا يخفى. والدفءْ اسم لما يدفأ به أي يسخن، وتقول العرب دفىء يومنا فهو دفىء إذا حصلت فيه سخونه ودفىء الرجل دفاء ودفاء بالفتح والكسر ورجل دفآن وامرأة دفأى ويجمع الدفء على إدفاء، والمراد به ما يعم اللباس والبيت الذي يتخذ من أوبارها وأصوافها، وفسره ابن عباس فيما أخرجه عنه ابن جرير وغيره بالثياب. وأخرج عبد الرزاق وغيره عنه رضي الله تعالى عنه أيضاً أنه نسل كل دابة، ونقله الأموي عن لغة بعض العرب والظاهر هو الأول. وقرأ الزهري وأبو جعفر {دف} بضم الفاء وشدها وتنوينها، ووجه ذلك في "البحر" بأنه نقل الحركة من الهمزة إلى الفاء وحذفت ثم شدد الفاء إجراء للوصول مجرى الوقف إذ يجوز تشديدها في الوقف. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {دف} بنقل الحركة والحذف دون تشديد، وفي "اللوامح": قرأ الزهري {دف} بضم الفاء من غير همزة وهي محركة بحركتها، ومنهم من يعوض عن هذه الهمزة فيشدد الفاء وهو أحد وجهي حمزة بن حبيب وقفا. واعترض بأن التشديد وقفا لغة مستقلة وإن لم يكن ثمة حذف من الكلمة الموقوف عليها ودفع بأنه إنما يكون ذلك إذا وقف على آخر حرف منها أما إذا وقف على ما قبل الآخر منها كقاض فلا. {وَمَنَافِعُ} هي درها وركوبها والحراثة بها والنضح عليها وغير ذلك، وإنما عبر عنها بها ليشمل الكل مع أنه الأنسب بمقام الامتنان بالنعم، وقدم الدفء رعاية لأسلوب الترقي إلى الأعلى { وَمنْهَا تَأْكُلُونَ} أي تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم ونحو ذلك - فمن - تبعيضية، والأكل إما على معناه المتبادر وإما بمعنى التناول/ الشامل للشرب فيدخل في العد الألبان، وجوز أن تكون {من} ابتدائية وأن تكون للتبعيض مجازاً أو سببية أي تأكلون ما يحصل بسببها فإن الحبوب والثمار المأكولة تكتسب باكتراء الإبل مثلاً وأثمان نتاجها وألبانها وجلودها والأول أظهر وأدخل ما يحصل من اكترائها من الإجارة التي يتوصل بها إلى مصالح كثيرة في المنافع، وتغيير النظم الجليل قيل للإيماء إلى أنها لا تبقى عند الأكل كما في السابق واللاحق فإن الدفء والمنافع التي أشرنا إليها والجمال يحصل منها وهي باقية على حالها ولذلك جعلت محال لها بخلاف الأكل، وتقديم الظرف للحصر على معنى أن الأكل منها هو المعتاد المعتمد في المعاش من بين سائر الحيوانات فلا يرد الأكل من الدجاج والبط وصيد البر والبحر فإنه من قبيل التفكه، وكذا لا يرد أكل لحم الخيل عند من أباحه لأنه ليس من المعتاد المعتمد أيضاً، والحاصل أن الحصر إضافي وبذلك لا يرد أيضاً أكل الخبز والبقول ونحوها، ويضم إلى هذا الوجه في التقديم رعاية الفواصل، وجعله لمجرد ذلك كما في "الكشف" قصور، وأبو حيان ينكر كون التقديم مطلقاً للحصر فينحصر وجهه هنا حينئذ في الرعاية المذكورة.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يعطف {الأنعام} عطف المفرد على المفرد عطفاً على {أية : الإنسان} تفسير : [سورة النحل: 4]، أي خلق الإنسان من نطفة والأنعامَ، وهي أيضاً مخلوقة من نطفة، فيحصل اعتبار بهذا التكوين العجيب لشبهه بتكوين الإنسان، وتكون جملة {خلقها} بمتعلقاتها مستأنفة، فيحصل بذلك الامتنان. ويجوز أن يكون عطف الجملة على الجملة، فيكون نصب {الأنعام} بفعل مضمر يفسّره المذكور بعده على طريقة الاشتغال. والتقدير: وخلق الأنعام خلقها. فيكون الكلام مفيداً للتأكيد لقصد تقوية الحكم اهتماماً بما في الأنعام من الفوائد؛ فيكون امتناناً على المخاطبين، وتعريضاً بهم، فإنهم كفروا نعمة الله بخلقها فجعلوا من نتاجها لشركائهم وجعلوا لله نصيباً. وأي كفران أعظم من أن يتقرّب بالمخلوقات إلى غير من خلقها. وليس في الكلام حصر على كلا التقديرين. وجملة {لكم فيها دفء} في موضع الحال من الضمير المنصوب في {خلقها} على كلا التقديرين؛ إلا أن الوجه الأول تمام مقابلة لقوله تعالى: {أية : خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين} تفسير : [سورة النحل: 4] من حيث حصول الاعتبار ابتداء ثم التعريض بالكفران ثانياً، بخلاف الوجه الثاني فإن صريحه الامتنان، ويحصل الاعتبار بطريق الكناية من الاهتمام. والمقصود من الاستدلال هو قوله تعالى: {والأنعام خلقها} وما بعده إدماج للامتنان. و{الأنعام}: الإبل، والبقر، والغنم، والمعز. وتقدم في سورة الأنعام. وأشهر الأنعام عند العرب الإبل، ولذلك يغلب أن يطلق لفظ الأنعام عندهم على الإبل. والخطاب صالح لشمول المشركين، وهم المقصود ابتداء من الاستدلال، وأن يشمل جميع الناس ولا سيما فيما تضمّنه الكلام من الامتنان. وفيه التفات من طريق الغيبة الذي في قوله تعالى: {أية : عما يشركون} تفسير : [سورة النحل: 3] باعتبار بعض المخاطبين. والدِّفء بكسر الدال اسم لما يتدفّأ به كالمِلْء و الحِمْل. وهو الثياب المنسوجة من أوبار الأنعام وأصوافها وأشعارها تتّخذ منها الخيام والملابس. فلمّا كانت تلك مادة النسج جعل المنسوج كأنه مظروف في الأنعام. وخص الدفء بالذكر من بين عموم المنافع للعناية به. وعطف {منافع} على {دفء} من عطف العام على الخاص لأن أمر الدفء قلّما تستحضره الخواطر. ثم عطف الأكلُ منها لأنه من ذواتها لا من ثمراتها. وجملة {ولكم فيها جمال} عطف على جملة {لكم فيها دفء}. وجملة {ومنها تأكلون} عطف على جملة {لكم فيها دفء}. وهذا امتنان بنعمة تسخيرها للأكل منها والتغذي، واسترداد القوة لما يحصل من تغذيتها. وتقديم المجرور في قوله تعالى: {ومنها تأكلون} للاهتمام، لأنهم شديدو الرغبة في أكل اللحوم، وللرعاية على الفاصلة. والإتيان بالمضارع في {تأكلون} لأن ذلك من الأعمال المتكررة. والإراحة: فعل الرواح، وهو الرجوع إلى المعاطن، يقال: أراح نعمهُ إذا أعادها بعد السروح. والسروح: الإسامة، أي الغدُوّ بها إلى المراعي. يقال: سَرَحها ــــ بتخفيف الراء ــــ سَرحاً وسُروحاً، وسرّحها ــــ بتشديد الراء ــــ تسريحاً. وتقديم الإراحة على التسريح لأن الجمال عند الإراحة أقوى وأبهج، لأنها تقبل حينئذٍ مَلأى البطون حافلة الضروع مَرحة بمسرّة الشبع ومحبّة الرجوع إلى منازلها من معاطن ومرابض. والإتيان بالمضارع في {تريحون} و{تسرحون} لأن ذلك من الأحوال المتكررة. وفي تكررها تكرر النعمة بمناظرها. وجملة {وتحمل أثقالكم} معطوفة على {ولكم فيها جمال} فهي في موضع الحال أيضاً. والضمير عائد إلى أشهر الأنعام عندهم وهي الإبل، كقولها في قصّة أم زرع «رَكب شَرياً وأخذَ خطيّاً فأراح علي نعماً ثرياً»، فإن النعم التي تؤخذ بالرمح هي الإبل لأنها تؤخذ بالغارة. وضمير {وتحمل} عائد إلى بعض الأنعام بالقرينة. واختيار الفعل المضارع بتكرر ذلك الفعل. والأثقال: جمع ثَقَل ــــ بفتحتين ــــ وهو ما يثقل على الناس حمله بأنفسهم. والمراد بــــ{بلد} جنس البلد الذي يرتحلون إليه كالشام واليمن بالنسبة إلى أهل الحجاز، ومنهم أهل مكة في رحلة الصيف والشتاء والرحلة إلى الحجّ. وقد أفاد {وتحمل أثقالكم} معنى تحملكم وتبلغكم، بطريقة الكناية القريبة من التصريح. ولذلك عقب بقوله تعالى: {لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس}. وجملة {لم تكونوا بالغيه} صفة لــــ {بلد}، وهي مفيدة معنى البعد، لأن بلوغ المسافر إلى بلد بمشقّة هو من شأن البلد البعيد، أي لا تبلغونه بدون الأنعام الحاملة أثقالكم. والشِّقّ ــــ بكسر الشين ــــ في قراءة الجمهور: المشقة. والباء للملابسة. والمشقة: التعب الشّديد. وما بعد أداة الاستثناء مستثنى من أحوال لضمير المخاطبين. وقرأ أبو جعفر {إلا بشق الأنفس} ــــ بفتح الشين ــــ وهو لغة في الشِق المكسور الشين. وقد نفت الجملة أن يكونوا بالغيه إلا بمشقّة، فأفاد ظاهرها أنهم كانوا يبلغونه بدون الرواحل بمشقّة وليس مقصوداً، إذ كان الحمل على الأنعام مقارناً للأسفار بالانتقال إلى البلاد البعيدة، بل المراد: لم تكونوا بالغيه لولا الإبل أو بدون الإبل، فحذف لقرينة السياق. وجملة {إن بكم لرؤوف رحيم} تعليل لجملة {والأنعام خلقها}، أي خلقها لهذه المنافع لأنه رؤوف رحيم بكم.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه خلق الأنعام لبني آدم ينتفعون بها تفضلاً منه عليهم. وقد قدمنا في "آل عمران" أن القرآن بين أن الأنعام هي الأزواج الثمانية التي هي الذكر والأنثى من الإبل، والبقر، والضأن، والمعز. والمراد بالدفء على أظهر القولين: أنه اسم لما يدفأ به، كالملء اسم لما يملأ به، وهو الدفاء من اللباس المصنوع من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها.. ويدل لهذا قوله تعالى:{أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [النحل: 80] وقيل: الدفء نسلها. والأول أظهر. والنسل داخل في قوله {وَمَنَافِعُ} أي من نسلها ودرها {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ}. ومنافع الأنعام التي بين الله جل وعلا امتنانه بها على خلقه في هذه الآية الكريمة، بينها لهم أيضاً في آيات كثيرة، كقوله: {أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ}تفسير : [المؤمنون: 21-22]، وقوله: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ}تفسير : [غافر: 79-81]، وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ}تفسير : [يس: 71-73]، وقوله: {أية : وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}تفسير : [الزخرف: 12-14]، وقوله: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}تفسير : [الزمر: 6] إلى غير ذلك من الآيات. والأظهر في إعراب {وَٱلأَنْعَامَ} أن عامله وهو {خلق} اشتغل عنه بالضمير فنصب بفعل مقدر وجوباً يفسره "خلق" المذكور، على حد قول ابن مالك في الخلاصة: شعر : فالسابق انصبه بفعل أضمرا حتما موافق لما قد أظهر تفسير : وإنما كان النصب هنا أرجح من الرفع لأنه معطوف على معمول فعل، وهو قوله تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ}تفسير : [النحل: 4] الآية، فيكون عطف الجملة الفعليه على الجملة الفعليه أولى من عطف الإسمية على الفعلية لو رفع الاسم السابق. وإلى أشار ابن مالك في الخلاصة بقوله عاطفاً على ما يختار فيه النصب: شعر : وبعد عاطف بلا فصل على معمول فعل مستقر أولا تفسير : وقال بعض العلماء: إن قوله {وَٱلأَنْعَامَ} معطوف على {ٱلإِنْسَانَ} من قوله {خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ} والأول أظهر كما ترى. وأظهر أوجه الإعراب في قوله {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} أن قوله {دِفْءٌ} مبتدأ خبره {لَكُمْ فِيهَا} وسوغ الابتداء بالنكرة اعتمادها على الجار والمجرور قبلها وهو الخبر كما هو معروف. خلافاً لمن زعم أن {دِفْءٌ} فاعل الجار والمجرور الذي هو {لكم}. وفي الآية أوجه أخرى ذكرها بعض العلماء تركنا ذكرها لعدم اتجاهها عندنا، والعلم عند الله تعالى. وقوله في هذه الآية الكريمة: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ}تفسير : [النحل: 6] يعني أن اقتناء هذه الأنعام وملكيتها فيه لمالكها عند الناس جمال. أي عظمة ورفعة، وسعادة في الدنيا لمقتنيها. وكذلك قال في الخيل والبغال والحمير {أية : لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}تفسير : [النحل: 8] فعبر في الأنعام بالجمال، وفي غيرها بالزينة. والجمال: مصدر جمل فهو جميل وهي جميلة. ويقال أيضاً: هي جملاء. وأنشد لذلك الكسائي قوله الشاعر: شعر : فهي جملاء كبدر طالع بذت الخلق جميعاً بالجمال تفسير : والزينة: ما يتزين به. وكانت العرب تفتخر بالخيل والإبل ونحو ذلك كالسلاح. ولا تفتخر بالبقر والغنم. ويدل لذلك قول العباس بن مرداس يفتخر بمآثر قبيلته بني سليم: شعر : واذكر بلاء سليم في مواطنها ففي سليم لأهل الفخر مفتخر قوم هم نصروا الرحمن واتبعوا دين الرسول وأمر الناس مشتجر لا يغرسون فسيل النخل وسطهم ولا تخاور في مشتاهم البقر إلا سوابح كالعقبان مقربة في دارة حولها الأخطار والعكر تفسير : والسوابح: الخيل. والمقربة: المهيأة المعدة قريباً. والأخطار: جمع خطر- بفتح فسكون - أو كسر فسكون وهو عدد كثير من الإبل على اختلاف في قدره. والعكر - بفتحتين -: جمع عكرة، وهي القطيع الضخم من الإبل أيضاً على اختلاف في تحديد قدره. وقول الآخر: شعر : لعمري لقوم قد ترى أمس فيهم مرابط للأمهار والعكر الدثر أحب إلينا من أناس بقنة يروح على آثار شائهم النمر تفسير : وقوله: "العكر الدثر" أي المال الكثير من الإبل. وبدأ بقوله: {أية : حِينَ تُرِيحُونَ} تفسير : [النحل: 6] لأنها وقت الرواح أملأ ضروعاً وبطوناً منها وقت سراحها للمرعي. وأظهر أوجه الإعراب في وقوله: {أية : وَزِينَةً}تفسير : [النحل: 8] أنه مفعول لأجله، معطوف على ما قبله. أي لأجل الركوب والزينة.
الواحدي
تفسير : {لكم فيها دفء} يعني: ما تستدفئون به من الأكسية والأبنية من أشعارها وأصوافها وأوبارها {ومنافع} من النَّسل والدَّرِّ والرُّكوب. {ولكم فيها جمال} زينةٌ {حين تريحون} تردُّونها إلى مَراحها بالعشايا {وحين تسرحون} تخرجونها إلى المرعى بالغداة. {وتحمل أثقالكم} أمتعتكم {إلى بلد} لو تكلَّفتم بلوغه على غير الإِبل لشقَّ عليكم، والشِّقِّ: المشقَّة {إنَّ ربكم لرؤوف رحيم} حيث منَّ عليكم بهذه المرافق. وقوله: {ويخلق ما لا تعلمون} لم يُسمِّه، فالله أعلم به. {وعلى الله قصد السبيل} أَي: الإِسلام والطَّريق المستقيم يُؤدِّي إلى رضا الله تعالى، كقوله: {أية : هذا صراط عليَّ مستقيم} تفسير : {ومنها} ومن السَّبيل {جائر} عادلٌ مائل كاليهوديَّة والنَّصرانية {ولو شاء لهداكم} أرشدكم {أجمعين} حتى لا تختلفوا في الدِّين، وقوله: {ومنه شجر} يعني: ما ينبت بالمطر، وكلُّ ما ينبت على الأرض فهو شجر {فيه تسيمون} ترعون مواشيكم.
القطان
تفسير : الانعام: الابل والبقر والمعز والغنم. الدفء: ما يدفئ الانسان من ثياب وغيرها. المنافع: ما يفيد الانسان منها من ركوب وحرث ولبن. وجمال: زينة. تريحون: تردونها من المرعى الى مَراحِلها بعد رعيها. تسرحون: تخرجونها صباحا الى مراعيها. الاثقال: الامتعة. بشق الانفس: بمشقة وتعب. قصد السبيل: الطريق المستقيم. جائز: مائل، منحرف. {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ}. وقد تفضَّل اللهُ عليكم بأن خَلَقَ لكم الإبلَ والبقرَ والغنمَ والمَعز لتتّخِذوا من أصوافها وأوبارِها وأشعارِها وجلودها ما تحتاجون إليه في حياتكم وتشربون من ألبانِها، وتأكلون من لحومها. {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ}. ولكم في هذه الأنعامِ بهجةٌ وسرور عندما ترجع من مراعاها وهي مُقْبِلَةٌ مساءً ملأى البطون، حافلةَ الضروع، رائعةً سمينة، وحين تُخرِجونها صباحاً إلى المرعى، فإن منظَرَها يسرُّ الناظرين. وهذا يبدو لأهلِ الريفِ والبدو، ولا يدركه أهل المدينة. {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ}. وبعضُ هذه الأنعامِ كانت من وسائل المواصلات ولا تزال كذلك في كثيرٍ من البلدان، تحمل أمتعتكم الثقيلةَ وتوصِلُكم الى بلدٍ لم تكونوا تستطيعون الوصولَ إليه بدنها إلاّ بكلّ مشقّةٍ وتعب. {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} إن ربّكم الذي هَيَّأ لكم كلَّ هذه النعم وجعلّها لراحتكم لهو رؤوف بكم واسع الرحمة لكم. {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}. وخلَق لكم الخيلَ والبغالَ والحميرَ أيضاً لتركبوها، وهي بالإضافة الى الإبلِ كانت وسائلَ النقل، وزينةً لكم. وهذه اللفتةُ لها قيمتُها في بيان نظرة القرآنِ والإسلام للحياة، فإن الجَمالَ عنصرٌ أصيل في هذه النظرة، وليست النعمةُ مجردَ تلبيةِ الضرورات من طعامٍ وشرابٍ وركوب، بل هناك ما يُدْخلُ السرورَ على الانسان، ويلبّي حاسَّةَ الجَمال ووِجدانَ الفرحِ والشعورِ بالجمال. ومع ان هذه الوسائلَ أصبحت قديمة، فإن كثيراً من الناس لا يزالُ يربِّي الخيلَ والإبلَ ويُسَرُّ فيها صباح مساء، ولا تزال في كثير من البلدان فرقٌ كاملة من الفرسان والهجّانة في الجيشِ، وهي من أجملِ الأشياء التي يحبُّها الانسان. {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. وهذا من عَظمة القرآنِ حيثُ أشار الى ما يجدُّ من وسائل النقل، وستجدُّ وسائل كثيرة لا نعلمها نحن في الوقت الحاضر. والقرآن الكريم دائماً يهيّئ القلوبَ والأذهان بلا جمود ولا تحجُّر. ولحومُ الخيل محرَّمةٌ عند أبي حنيفة، وحلالٌ عند مالكٍ والشافعيِّ وابن حنبل، اما لحومُ البغال والحمير فهي محرَّمة عند أبي حنيفة والشافعيّ وابنِ حنبل، ومكروهةٌ عند مالِك، وجميعُها حلال عند الشِّيعة الإمامية مع الكراهة. {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ}. وعلى اللهِ بيانُ الطريقِ المستقيم الذي يوصلكم الى الخير. "ومنها جائرٌ" ومن الطرق ما هو جائز منحرفٌ لايُوصلُ الى الحق، وعلى الله بيانُ ذلك ليهتديَ إليه الناس. ثم أخبر سبحانه ان الهدايةَ والضلال بقدرته ومشيئته فقال: {وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}. ولو شاءَ هدايتكم جميعاً لهداكم، لكنّه شاء ان يخلُقَ الإنسانَ مستعدّاً للهدى والضلال وان يدعَ لإرادته اختيار الطريق.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلأَنْعَامَ} {مَنَافِعُ} (5) - يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِمَا خَلَقَهُ لَهُمْ مِنَ الأَنْعَامِ (وَهِيَ الإِبْلُ وَالبَقَرُ وَالغَنَمُ وَالمَاعِزُ) وَبِمَا جَعَلَ لَهُمْ فِيهَا مِنَ المَنَافِعِ، مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا يَلْبَسُونَ وَيَفْتَرِشُونَ (لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ)، وَمِنْ لُحُومِهَا وَأَلْبَانِهَا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ. دِفْءٌ - مَا تَتَدَفَّؤُونَ بِهِ مِنَ البَرْدِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والدِّفْءُ هو الحرارة للمبرود، تماماً مثلما نعطي المحرور برودة، وهذا ما يفعله تكييف الهواء في المنازل الحديثة. نجد الحق سبحانه هنا قد تكلَّم عن الدفء ولم يتكلم عن البرد، ذلك أن المقابل معلوم، وهو في آية أخرى يقول: {أية : وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ ..} تفسير : [النحل: 81]. وهذا ما يحدث عندما نسير في الشمس الحارة؛ فنضع مِظلة فوق رؤوسنا لتقينا حرارة الشمس الزاعقة الشديدة. ونحن في الشتاء نلبس قلنسوة أي: نلفّ شيئاً حول رؤوسنا، وهكذا نعلم أن اللباس يفعل الشيء ومقابله، بشرط أن يختار الإنسانُ اللباسَ المناسب للجوِّ المناسب. وفي الأنعام منافع كثيرة؛ فنحن نشرب لبنها، ونصنع منه الجُبْن والسمن؛ ونجزّ الصوف لنغزل وننسج منه ملابس صوفية، وتحمل الأثقال، ونستفيد من ذريتها؛ وكذلك نأكل لحومها. ونحن نعلم أن الأنعام قد جاء تفصيلها في موقع آخر حين قال الحق سبحانه: {أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ..} تفسير : [الأنعام: 143]. وهي الضَّأن والمَعْز والإبل والبقر. ونعلم أن الدِّفْءَ يأتي من الصُّوف والوَبَر والشَّعْر، ومَنْ يلاحظ شعر المَعْز يجد كل شَعْرة بمفردها؛ لكن الوبر الذي نجزه من الجمل يكون مُلبداً؛ وهذا دليل على دِقّة فَتْلته، أما الصوف فكل شعرة منه أنبوبة أسطوانية قَلْبُها فارغ. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ} فالدِّفّ: ما استدفي به من أوبارها. ومنافع: سوى ذلك.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن بالإنعام على الإنسان بخلق الأنعام بقوله تعالى: {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5] ولو شاء لهداكم أجمعين، قوله: {وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ} يشير أن المخلوقات كلها خلقت لصالحكم ومنافعكم؛ يدل عليه قوله: {أية : خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [البقرة: 29] وقوله: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الجاثية: 13] وخلقتم لي بيانه قوله: {أية : وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} تفسير : [طه: 41] {فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ} أي: لتنتفعوا بها حين اطلاعكم على صفاتها الحيوانية الذميمة التي هي مودعة في جبلتكم مما يخالف صفاتكم الروحانية الملكية، فتجتهدوا في تبديل الصفات الحيوانية الذميمة بالصفات الملكية الروحانية الحميدة احترازاً عن الاحتباس في حيزها واجتناباً عن شبهتها بقوله: {أية : إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} تفسير : [الفرقان: 44] {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} لتكون بدل ما يتحلل منكم. {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النحل: 6] بأن تعتبروا منها، ولا تجعلوا همتكم مصروفة في استيفاء حظوظكم الحيوانية الشهوانية فترتعوا في رياض مستلذات الدنيا كالأنعام والبهائم، ويشير بقوله: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ} [النحل: 7] إلى أن الصفات الحيوانية إنما خلقت فيكم لتحمل أثقال أرواحكم إلى بلج عالم الجبروت الذي {لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ} لحمل أعباء الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال عن حملها وأشفقن منها وشق الأنفس نقضها بإفنائها في عالم الجبروت {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 7] إذا أفنيتم أنفسكم في جبروته يبقيكم ببقاء عظمته. {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ} [النحل: 8] أي: صفاتها خلقت فيكم {لِتَرْكَبُوهَا} [النحل: 8] عند السير إلى عالم الجبروت فهي مركب الروح {وَزِينَةً} [النحل: 8] له عند روجوعه بالجذبة إلى مستقره الذي أهبط بالنفخة وهو المحل المضاف إليه الروح بقوله: {أية : مِن رُّوحِي} تفسير : [ص: 72] {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] أي: ويخلق فيكم بعد رجوعكم بالجذبة إلى مستقركم {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} قبل الرجوع إليه وهو قبول فيض نور الله بلا واسطة. {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} [النحل: 9] بجذبة {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر: 28] ليس لغيره قدرة على الإفناء عند والإبقاء به، {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} يعني: نفوسكم تجير عن الفناء وبذل الوجود {وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ} بالجذبة إلى فناء وجودكم وبقاء وجوده {أَجْمَعِينَ} لأن جميعكم مستعدون لنيل هذه الدرجات والكمالات، وإنها لمشيئته وقعتم في الدَّركات ورضيتم بهذه النقصانات.
همام الصنعاني
تفسير : 1469- حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سِمَاك بن حَرْب، عن عِكْرَمة، عن ابن عباس في قَوْلِهِ تعالى: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ}: [الآية: 5]، قال: نَسْلُ كلِّ دابَّةٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):