Verse. 1909 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَّالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيْرَ لِتَرْكَبُوْہَا وَزِيْنَۃً۝۰ۭ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُوْنَ۝۸
Waalkhayla waalbighala waalhameera litarkabooha wazeenatan wayakhluqu ma la taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» خلق «الخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة» مفعول له، والتعليل بهما بتعريف النعم لا ينافي خلقها لغير ذلك كالأكل في الخيل، الثابت بحديث الصحيحين «ويخلق ما لا تعلمون» من الأشياء العجيبة الغريبة.

8

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر منافع الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها في المنافع الضرورية والحاجات الأصلية، ذكر بعده منافع الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في المنافع التي ليست بضرورية، فقال: {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ } عطف على الأنعام، أي وخلق الأنعام لكذا وكذا، وخلق هذه الأشياء للركوب. وقوله: {وَزِينَةً } أي وخلقها زينة، ونظيره قوله تعالى: { أية : زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظاً } تفسير : [فصلت: 12] المعنى: وحفظناها حفظاً. قال الزجاج: نصب قوله: {وَزِينَةً } على أنه مفعول له. والمعنى: وخالقها للزينة. المسألة الثانية: احتج القائلون بتحريم لحوم الخيل بهذه الآية. فقالوا منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب، فلو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر، وحيث لم يذكره الله تعالى علمنا أنه يحرم أكله، ويمكن أيضاً أن يقوي هذا الاستدلال من وجه آخر. فيقال: إنه تعالى قال في صفة الأنعام: { أية : وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } تفسير : [النحل: 5] وهذه الكلمة تفيد الحصر، فيقتضي أن لا يجوز الأكل من غير الأنعام، فوجب أن يحرم أكل لحم الخيل بمقتضى هذا الحصر، ثم إنه تعالى بعد هذا الكلام ذكر الخيل والبغال والحمير وذكر أنها مخلوقة للركوب، فهذا يقتضي أن منفعة الأكل مخصوصة بالأنعام وغير حاصلة في هذه الأشياء، ويمكن الاستدلال بهذه الآية من وجه ثالث وهو أن قوله: {لِتَرْكَبُوهَا } يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة، ولو حل أكلها لما كان تمام المقصود من خلقها هو الركوب، بل كان حل أكلها أيضاً مقصوداً، وحينئذ يخرج جواز ركوبها عن أن يكون تمام المقصود، بل يصير بعض المقصود. وأجاب الواحدي بجواب في غاية الحسن فقال: لو دلت هذه الآية على تحريم أكل هذه الحيوانات لكان تحريم أكلها معلوماً في مكة لأجل أن هذه السورة مكية، ولو كان الأمر كذلك لكان قول عامة المفسرين والمحدثين أن لحوم الحمر الأهلية حرمت عام خيبر باطلاً، لأن التحريم لما كان حاصلاً قبل هذا اليوم لم يبق لتخصيص هذا التحريم بهذه الشبهة فائدة، وهذا جواب حسن متين. المسألة الثالثة: القائلون بأن أفعال الله تعالى معللة بالمصالح والحكم، احتجوا بظاهر هذه الآية فإنه يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لأجل المنفعة الفلانية، ونظيره قوله: { أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } تفسير : [إبراهيم: 1] وقوله: { أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] والكلام فيه معلوم. المسألة الرابعة: لقائل أن يقول لما كان معنى الآية أنه تعالى خلق الخيل والبغال والحمير لتركبوها وليجعلها زينة لكم فلم ترك هذه العبارة؟ وجوابه أنه تعالى لو ذكر هذا الكلام بهذه العبارة لصار المعنى أن التزين بها أحد الأمور المعتبرة في المقصود، وذلك غير جائز، لأن التزين بالشيء يورث العجب والتيه والتكبر، وهذه أخلاق مذمومة والله تعالى نهى عنها وزجر عنها فكيف يقول إني خلقت هذه الحيوانات لتحصيل هذه المعاني بل قال: خلقها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير مقصود بالذات، فهذا هو الفائدة في اختيار هذه العبارة. أو اعلم أنه تعالى لما ذكر أولاً: أحوال الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها انتفاعاً ضرورياً وثانياً: أحوال الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها انتفاعاً غير ضروري بقي القسم الثالث من الحيوانات وهي الأشياء التي لا ينتفع الإنسان بها في الغالب فذكرها على سبيل الإجمال فقال: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وذلك لأن أنواعها وأصنافها وأقسامها كثيرة خارجة عن الحد والإحصاء ولو خاض الإنسان في شرح عجائب أحوالها لكان المذكور بعد كتبة المجلدات الكثيرة كالقطرة في البحر فكان أحس الأحوال ذكرها على سبيل الإجمال كما ذكر الله تعالى في هذه الآية، وروى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن على يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع، والبحار السبعة يدخل فيه جبريل عليه السلام كل سحر ويغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله من كل نقطة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألفاً البيت المعمور، وفي الكعبة أيضاً سبعون ألفاً، ثم لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة.

القرطبي

تفسير : فيه ثمان مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَٱلْخَيْلَ} بالنصب معطوف، أي وخلق الخيل. وقرأ ٱبن أبي عَبْلة «والخيلُ والبِغالُ والحمِيرُ» بالرفع فيها كلها. وسُمِّيت الخيل خيلا لاختيالها في المِشْية. وواحد الخيل خائل، كضائن واحد ضأْن. وقيل لا واحد له. وقد تقدم هذا في «آل عمران»، وذكرنا الأحاديث هناك. ولما أفرد سبحانه الخيل والبغال والحمير بالذكر دل على أنها لم تدخل تحت لفظ الأنعام. وقيل: دخلت ولكن أفردها بالذكر لما يتعلق بها من الركوب؛ فإنه يكثر في الخيل والبغال والحمير. الثانية ـ قال العلماء: ملّكنا الله تعالى الأنعام والدواب وذللها لنا، وأباح لنا تسخيرها والانتفاع بها رحمة منه تعالى لنا، وما ملكه الإنسان وجاز له تسخيره من الحيوان فكراؤه له جائز بإجماع أهل العلم، لا اختلاف بينهم في ذلك. وحكم كراء الرواحل والدواب مذكور في كتب الفقه. الثالثة ـ لا خلاف بين العلماء في اكتراء الدواب والرواحل للحمل عليها والسفر بها؛ لقوله تعالى: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ} الآية. وأجازوا أن يُكرِي الرجل الدابة والراحلة إلى مدينة بعينها وإن لم يُسَمّ أين ينزل منها، وكم من مَنْهل ينزل فيه، وكيف صفة سيره، وكم ينزل في طريقه، واجتزوا بالمتعارف بين الناس في ذلك. قال علماؤنا: والكراء يجري مجرى البيوع فيما يحل منه ويحرم. قال ابن القاسم فيمن اكترى دابة إلى موضع كذا بثوب مَرويّ ولم يصف رُقعته وذرعه: لم يجز؛ لأن مالكاً لا يجيز هذا في البيع، ولا يجيز في ثمن الكراء إلا ما يجوز في ثمن البيع. قلت: ولا يُختلف في هذا إن شاء الله؛ لأن ذلك إجارة. قال ابن المنذر: وأجمع كل مَن يُحفظ عنه من أهل العلم على أن من اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة قمح فحمل عليها ما ٱشترط فتلِفت أن لا شيء عليه. وهكذا إن حمل عليها عشرة أقفزة شعيرا. واختلفوا فيمن اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة فحمل عليها أحد عشر قفيزاً، فكان الشافعيّ وأبو ثَوْر يقولان: هو ضامن لقيمة الدابة وعليه الكراء. وقال ابن أبي لَيْلَى: عليه قيمتها ولا أجر عليه. وفيه قول ثالث ـ وهو أن عليه الكراء وعليه جزء من أجر وجزء من قيمة الدابة بقدر ما زاد من الحمل؛ وهذا قول النعمان ويعقوب ومحمد. وقال ابن القاسم صاحب مالك: لا ضمان عليه في قول مالك إذا كان القفيز الزائد لا يَفْدح الدابة، ويُعلم أن مثله لا تعطَب فيه الدابة، ولرَبّ الدابة أجر القفيز الزائد مع الكراء الأول؛ لأن عطبها ليس من أجل الزيادة. وذلك بخلاف مجاوزة المسافة؛ لأن مجاوزة المسافة تَعَدٍّ كله فيضمن إذا هلكت في قليله وكثيره. والزيادة على الحمل المشترط اجتمع فيه إذنٌ وتعدّ، فإذا كانت الزيادة لا تعطَب في مثلها عُلم أن هلاكها مما أذن له فيه. الرابعة ـ واختلف أهل العلم في الرجل يكتري الدابة بأجر معلوم إلى موضع مسمًّى، فيتعدّى فيتجاوز ذلك المكان ثم يرجع إلى المكان المأذون له في المصير إليه. فقالت طائفة: إذا جاوز ذلك المكان ضمن وليس عليه في التعدّي كراء؛ هكذا قال الثوري. وقال أبو حنيفة: الأجر له فيما سمّى، ولا أجر له فيما لم يسم؛ لأنه خالف فهو ضامن، وبه قال يعقوب. وقال الشافعيّ: عليه الكراء الذي سمّى، وكراء المثل فيما جاوز ذلك، ولو عطبت لزمه قيمتها. ونحوه قال الفقهاء السبعة، مشيخةُ أهل المدينة قالوا: إذا بلغ المسافة ثم زاد فعليه كراء الزيادة إن سلمت وإن هلكت ضمن. وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور: عليه الكراء والضمان. قال ابن المنذر: وبه نقول. وقال ابن القاسم: إذا بلغ المكتري الغاية التي اكترى إليها ثم زاد ميلاً ونحوَه أو أميالاً أو زيادة كثيرة فعطبت الدابة، فلربّها كراؤه الأول والخيار في أخذه كراء الزائد بالغاً ما بلغ، أو قيمة الدابة يوم التعدّي. ابن المَوّاز: وقد روى أنه ضامن ولو زاد خُطوة. وقال ابن القاسم عن مالك في زيادة المِيل ونحو: وأما ما يعدل الناس إليه في المرحلة فلا يضمن. وقال ابن حبيب عن ابن الماجِشُون وأَصْبغ: إذا كانت الزيادة يسيرة أو جاوز الأمد الذي تكاراها إليه بيسير، ثم رجع بها سالمة إلى موضعِ تكاراها إليه فماتت، أو ماتت في الطريق إلى الموضع الذي تكاراها إليه، فليس له إلا كراء الزيادة، كردّه لما تسلّف من الوديعة. ولو زاد كثيراً مما فيه مقام الأيام الكثيرة التي يتغيّر في مثلها سوقها فهو ضامن، كما لو ماتت في مجاوزة الأمد أو المسافة؛ لأنه إذا كانت زيادة يسيرة مما يعلم أن ذلك مما لم يُعِن على قتلها فهلاكها بعد ردّها إلى الموضع المأذون له فيه كهلاك ما تسلّف من الوديعة بعد ردّه لا محالة. وإن كانت الزيادة كثيرة فتلك الزيادة قد أعانت على قتلها. الخامسة ـ قال ابن القاسم وابن وهب قال مالك قال الله تعالى: {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} فجعلها للركوب والزينة ولم يجعلها للأكل؛ ونحوه عن أشهب. ولهذا قال أصحابنا: لا يجوز أكل لحوم الخيل والبغال والحمير؛ لأن الله تعالى لما نص على الركوب والزينة دل على أن ما عداه بخلافه. وقال في الأنعام: «ومِنها تأكلون» مع ما امتن الله منها من الدّفء والمنافع، فأباح لنا أكلها بالذكاة المشروعة فيها. وبهذه الآية ٱحتج ابن عباس والحَكَم بن عُتَيْبَة، قال الحَكَم: لحوم الخيل حرام في كتاب الله، وقرأ هذه الآية والتي قبلها وقال: هذه للأكل وهذه للركوب. وسئل ابن عباس عن لحوم الخيل فكرهها، وتلا هذه الآية وقال: هذه للركوب، وقرأ الآية التي قبلها «والأنعَام خلقها لكم فِيها دِفْءٌ ومنافِعُ» ثم قال: هذه للأكل. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والأوزاعيّ ومجاهد وأبو عبيد وغيرهم، وٱحتجوا بما خرجه أبو داود والنَّسائي والدَّارَقُطْنِيّ وغيرهم عن صالح بن يحيـى بن المِقْدام بن مَعْدِيكَرِب عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خَيْبَر عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير، وكلّ ذي ناب من السباع أو مِخْلَب من الطير. لفظ الدّارَقُطْنِيّ. وعند النَّسائي أيضاً عن خالد بن الوليد أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير»تفسير : . وقال الجمهور من الفقهاء والمحدّثين: هي مباحة. وروي عن أبي حنيفة. وشَذّت طائفة فقالت بالتحريم؛ منهم الحَكَم كما ذكرنا، وروي عن أبي حنيفة. حكى الثلاث روايات عنه الرُّويانِيّ في بحر المذهب على مذهب الشافعيّ. قلت: الصحيح الذي يدلّ عليه النظر والخبر جواز أكل لحوم الخيل، وأن الآية والحديث لا حجة فيهما لازمة. أما الآية فلا دليل فيها على تحريم الخيل؛ إذ لو دلّت عليه لدلّت على تحريم لحوم الحُمُر، والسورة مكية، وأيّ حاجة كانت إلى تجديد تحريم لحوم الحُمُر عَامَ خَيْبَر وقد ثبت في الأخبار تحليلُ الخيل على ما يأتي. وأيضاً لما ذكر تعالى الأنعام ذكر الأغلب من منافعها وأهم ما فيها، وهو حمل الأثقال والأكل، ولم يذكر الركوب ولا الحرث بها ولا غير ذلك مصرّحاً به، وقد تُركب ويحرث بها؛ قال الله تعالى: {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} تفسير : [غافر: 79]. وقال في الخيل: «لِتركبوها وزِينةً» فذكر أيضاً أغلب منافعها والمقصود منها، ولم يذكر حمل الأثقال عليها، وقد تحمل كما هو مشاهد فلذلك لم يذكر الأكل. وقد بيّنه نبيّه عليه السلام الذي جعل إليه بيان ما أنزل عليه على ما يأتي، ولا يلزم من كونها خلقت للركوب والزينة ألاّ تؤكل، فهذه البقرة قد أنطقها خالقها الذي أنطق كلّ شيء فقالت: إنما خلقت للحرث. فيلزم مَن عَلّل أن الخيل لا تؤكل لأنها خلقت للركوب ألاّ تؤكل البقر لأنها خُلقت للحرث. وقد أجمع المسلمون على جواز أكلها، فكذلك الخيل بالسنّة الثابتة فيها. روى مسلم من حديث جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خَيْبَر عن لحوم الحُمُر الأهلية وأذِن في لحوم الخيل. وقال النسائيّ عن جابر: أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحُمُر. وفي رواية عن جابر قال: كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: الرواية عن جابر بأنهم أكلوها في خَيْبَر حكايةُ حال وقضيَّةٌ في عَيْن، فيحتمل أن يكونوا ذبحوا لضرورةٍ، ولا يحتج بقضايا الأحوال. قلنا: الرواية عن جابر وإخباره بأنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيل ذلك الاحتمال، ولئن سلمناه فمعَنا حديث أسماء قالت: نَحَرْنا فرساً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة فأكلناه؛ رواه مسلم. وكل تأويل من غير ترجيح في مقابلة النص فإنما هو دعوى، لا يُلتفت إليه ولا يعرّج عليه. وقد روى الدّارقطنيّ زيادة حسنة ترفع كل تأويل في حديث أسماء، قالت أسماء: كان لنا فرس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرادت أن تموت فذبحناها فأكلناها. فذَبْحُها إنما كان لخوف الموت عليها لا لغير ذلك من الأحوال. وبالله التوفيق. فإن قيل: حيوان من ذوات الحوافر فلا يؤكل كالحمار؟ قلنا: هذا قياس الشبه وقد اختلف أرباب الأصول في القول به، ولئن سلمناه فهو منتقض بالخنزير؛ فإنه ذو ظِلْف وقد باين ذوات الأظلاف، وعلى أن القياس إذا كان في مقابلة النص فهو فاسد الوضع لا التفات إليه. قال الطبريّ: وفي إجماعهم على جواز ركوب ما ذكر للأكل دليل على جواز أكل ما ذكر للركوب. السادسة ـ وأما البغال فإنها تلحق بالحمير، إن قلنا إن الخيل لا تؤكل؛ فإنها تكون متولّدة من عينين لا يؤكلان. وإن قلنا إن الخيل تؤكل، فإنها عين متولدة من مأكول وغير مأكول فغلّب التحريم على ما يلزم في الأصول. وكذلك ذبح المولود بين كافرين أحدهما من أهل الذكاة والآخر ليس من أهلها، لا تكون ذكاة ولا تحلّ به الذبيحة. وقد مضى في «الأنعام» الكلام في تحريم الحُمُر فلا معنى للإعادة. وقد علّل تحريم أكل الحمار بأنه أبدى جوهره الخبيث حيث نزا على ذكر وتلوّط؛ فسمّي رجساً. السابعة ـ في الآية دليل على أن الخيل لا زكاة فيها؛ لأن الله سبحانه منّ علينا بما أباحنا منها وكرمنا به من منافعها، فغير جائز أن يلزم فيها كلفة إلا بدليل. وقد روى مالك عن عبد الله بن دينار عن سليمان بن يَسَار عن عِرَاك بن مالك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة»تفسير : . وروى أبو داود عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر في الرقيق»تفسير : . وبه قال مالك والشافعيّ والأوزاعيّ والليث وأبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: إن كانت إناثاً كلها أو ذكوراً وإناثاً، ففي كل فرس دينار إذا كانت سائمة، وإن شاء قوّمها فأخرج عن كل مائتي درهم خمسةَ دراهم. وٱحتج بأثر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : في الخيل السائمة في كل فرس دينار» تفسير : وبقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الخيل ثلاثة...» تفسير : الحديث. وفيه: «حديث : ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها»تفسير : . والجواب عن الأوّل أنه حديث لم يروه إلا غورك السعدي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. قال الدّارَقُطْنِيّ: تفرّد به غورك عن جعفر وهو ضعيف جداً، ومَن دونه ضعفاء. وأما الحديث فالحق المذكور فيه هو الخروج عليها إذا وقع النّفير وتعيّن بها لقتال العدو إذا تعيّن ذلك عليه، ويحمل المنقطعين عليها إذا احتاجوا لذلك، وهذا واجب عليه إذا تعين ذلك، كما يتعيّن عليه أن يطعمهم عند الضرورة، فهذه حقوق الله في رقابها. فإن قيل: هذا هو الحق الذي في ظهورها وبقي الحق الذي في رقابها؛ قيل: قد روي: «حديث : لا ينسى حقّ الله فيها» تفسير : ولا فرق بين قوله: «حديث : حق الله فيها» تفسير : أو «حديث : في رقابها وظهورها»تفسير : فإن المعنى يرجع إلى شيء واحد؛ لأن الحق يتعلّق بجملتها. وقد قال جماعة من العلماء: إن الحق هنا حُسْن ملكها وتعهّد شبعها والإحسان إليها وركوبها غير مشقوق عليها؛ كما جاء في الحديث: «حديث : لا تتخذوا ظهورها كراسي»تفسير : . وإنما خص رقابها بالذكر لأن الرقاب والأعناق تستعار كثيراً في مواضع الحقوق اللازمة والفروض الواجبة؛ ومنه قوله تعالى: {أية : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} تفسير : [النساء: 92] وكثر عندهم استعمال ذلك واستعارته حتى جعلوه في الرباع والأموال؛ ألا ترى قول كُثَيّر:شعر : غَمْر الرداء إذا تبسّم ضاحكاً غَلِقتْ لِضَحْكَته رِقابُ المال تفسير : وأيضاً فإن الحيوان الذي تجب فيه الزكاة له نصاب من جنسه، ولما خرجت الخيل عن ذلك علمنا سقوط الزكاة فيها. وأيضاً فإيجابه الزكاة في إناثها منفردة دون الذكور تناقض منه، وليس في الحديث فصل بينهما. ونقيس الإناث على الذكور في نفي الصدقة بأنه حيوان مُقْتَنًى لنسله لا لدرّه، ولا تجب الزكاة في ذكوره فلم تجب في إناثه كالبغال والحمير. وقد روي عنه أنه لا زكاة في إناثها وإن انفردت كذكورها منفردة، وهذا الذي عليه الجمهور. قال ابن عبد البر: الخبر في صدقة الخيل عن عمر صحيح من حديث الزُّهْرِيّ وغيره. وقدر روي من حديث مالك، رواه عنه جُوَيرية عن الزهري أن السائب بن يزيد قال: لقد رأيت أبي يقوّم الخيل ثم يدفع صدقتها إلى عمر. وهذا حجة لأبي حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان، لا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار أوجب الزكاة في الخيل غيرهما. تفرّد به جُوَيرِية عن مالك وهو ثقة. الثامنة ـ قوله تعالى: {وَزِينَةً} منصوب بإضمار فعل، المعنى: وجعلها زينة. وقيل: هو مفعول من أجله. والزينة: ما يُتزيّن به، وهذا الجمال والتزيين وإن كان من متاع الدنيا فقد أذن الله سبحانه لعباده فيه؛ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : الإِبل عِزٌّ لأهلها والغنم بركة والخيل في نواصيها الخير»تفسير : . خرّجه البَرقْاني وابن ماجه في السنن. وقد تقدّم في الأنعام. وإنما جمع النبيّ صلى الله عليه وسلم العز في الإبل؛ لأن فيها اللباس والأكل واللبن والحمل والغزْو وإن نقصها الكَرّ والفَرّ. وجعل البركة في الغنم لما فيها من اللباس والطعام والشراب وكثرة الأولاد؛ فإنها تلد في العام ثلاث مرات إلى ما يتبعها من السكينة، وتحمل صاحبَها عليه من خفض الجناح ولين الجانب؛ بخلاف الفدّادين أهل الوَبَر. وقرن النبيّ صلى الله عليه وسلم الخير بنواصي الخيل بقية الدهر لما فيها من الغنيمة المستفادة للكسب والمعاش، وما يوصل إليه من قهر الأعداء وغَلَب الكفار وإعلاء كلمة الله تعالى. قوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} قال الجمهور: من الخلق. وقيل: من أنواع الحشرات والهوام في أسافل الأرض والبر والبحر مما لم يره البشر ولم يسمعوا به. وقيل: «ويخلق ما لا تعلمون» مما أعد الله في الجنة لأهلها وفي النار لأهلها، مما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولا خطر على قلب بشر. وقال قَتادة والسُّدّي: هو خلق السوس في الثياب والدود في الفواكه. ابن عباس: عين تحت العرش؛ حكاه الماوَرْدِيّ. الثعلبي: وقال ابن عباس عن يمين العرش نهر من النور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة سبعين مرّة، يدخله جبريل كلّ سَحَر فيغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله وعِظَماً إلى عظمه، ثم ينتفض فيُخرج الله من كل ريشة سبعين ألف قطرة، ويخرج من كل قطرة سبعة آلاف مَلَك، يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك إلى البيت المعمور، وفي الكعبة سبعون ألفاً لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. وقول خامس ـ وهو ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أنها أرض بيضاء، مسيرة الشمس ثلاثين يوماً مشحونة خلقاً لا يعلمون أن الله تعالى يعصى في الأرض، قالوا: يا رسول الله، مِن ولد آدم؟ قال: «حديث : لا يعلمون أن الله خلق آدم»تفسير : . قالوا: يا رسول الله، فأين إبليس منهم؟ قال: «حديث : لا يعلمون أن الله خلق إبليس»تفسير : ـ ثم تلا «حديث : ويخلق ما لا تعلمون»تفسير : ذكره الماوردي. قلت: ومن هذا المعنى ما ذكر البيهقي عن الشعبي قال: إن لله عباداً من وراء الأندلس كما بيننا وبين الأندلس، ما يرون أن الله عصاه مخلوق، رَضْراضهم الدُّرّ والياقوت وجبالهم الذهب والفضة، لا يحرثون ولا يزرعون ولا يعملون عملاً، لهم شجر على أبوابهم لها ثمر هي طعامهم وشجر لها أوراق عراض هي لباسهم؛ ذكره في بدء الخلق من (كتاب الأسماء والصفات). وخرج من حديث موسى بن عقبة عن محمد بن المُنْكَدِر عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أذن لي أن أحدّث عن مَلَك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام».

ابن كثير

تفسير : هذا صنف آخر مما خلق تبارك وتعالى لعباده يمتن به عليهم، وهو الخيل والبغال والحمير، التي جعلها للركوب والزينة بها، وذلك أكبر المقاصد منها، ولما فصلها من الأنعام، وأفردها بالذكر، استدل من استدل من العلماء ممن ذهب إلى تحريم لحوم الخيل بذلك على ما ذهب إليه فيها، كالإمام أبي حنيفة رحمه الله ومن وافقه من الفقهاء بأنه تعالى قرنها بالبغال والحمير وهي حرام، كما ثبتت به السنة النبوية، وذهب إليه أكثر العلماء.وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أنبأنا هشام الدستوائي، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن مولى نافع بن علقمة: أنَّ ابن عباس: أنه كان يكره لحوم الخيل والبغال والحمير، وكان يقول: قال الله تعالى:{وَٱلأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} فهذه للأكل،{وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} فهذه للركوب، وكذا روي من طريق سعيد بن جبير وغيره عن ابن عباس بمثله، وقال مثل ذلك الحكم بن عتيبة أيضاً رضي الله عنه، واستأنسوا بحديث رواه الإمام أحمد في مسنده: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معديكرب، عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير. وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث صالح بن يحيى بن المقدام، وفيه كلام. ورواه أحمد أيضاً من وجه آخر بأبسط من هذا وأدل منه، فقال: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا محمد بن حرب، حدثنا سليمان بن سليم، عن صالح بن يحيى بن المقدام عن جده المقدام بن معد يكرب قال: غزونا مع خالد بن الوليد الصائفة، فقرم أصحابنا إلى اللحم، فسألوني رمكة، فدفعتها إليهم، فحبلوها، وقلت: مكانكم حتى آتي خالداً فأسأله، فأتيته فسألته، فقال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة خيبر، فأسرع الناس في حظائر يهود، فأمرني أن أنادي: الصلاة جامعة، ولا يدخل الجنة إلا مسلم، ثم قال: «حديث : أيها الناس إنكم قد أسرعتم في حظائر يهود، ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم لحوم الأتن الأهلية وخيلها وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير»تفسير : والرمكة هي الحِجْرَة، وقوله: حَبَلوها، أي: أوثقوها في الحبل ليذبحوها، والحظائر: البساتين القريبة من العمران، وكأن هذا الصنيع وقع بعد إعطائهم العهد ومعاملتهم على الشطر،والله أعلم، فلو صح هذا الحديث لكان نصاً في تحريم لحوم الخيل، ولكن لا يقاوم ما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل. ورواه الإمام أحمد وأبو داود بإسنادين كل منهما على شرط مسلم عن جابر قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل. وفي صحيح مسلم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً فأكلناه ونحن بالمدينة، فهذه أدل وأقوى وأثبت، وإلى ذلك صار جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم، وأكثر السلف والخلف، والله أعلم. وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: كانت الخيل وحشية، فذللها الله لإسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وذكر وهب بن منبه في إسرائيلياته: أن الله خلق الخيل من ريح الجنوب، والله أعلم. فقد دل النص على جواز ركوب هذه الدواب، ومنها البغال، وقد أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة، فكان يركبها، مع أنه قد نهى عن إنزاء الحمر على الخيل لئلا ينقطع النسل. قال الإمام أحمد: حدثني محمد بن عبيد، حدثنا عمر من آل حذيفة عن الشعبي عن دحية الكلبي قال: قلت: يا رسول الله ألاأحمل لك حماراً على فرس فتنتج لك بغلاً فتركبها؟ قال: «حديث : إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} خلق {ٱلْخَيْلِ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } مفعول له والتعليل بهما بتعريف النعم لا ينافي خلقهما لغير ذلك كالأكل في الخيل الثابت بحديث الصحيحين {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من الأشياء العجيبة الغريبة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {... ويخلق ما لا تعلمُون} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ما لا تعلمون من الخلق، وهو قول الجمهور. الثاني: في عين تحت العرش، قاله ابن عباس. الثالث: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها أرض بيضاء مسيرة الشمس ثلاثين يوماً. مشحونة خلقاً لا يعلمون أن الله يعصى في الأرض، قالوا: يا رسول الله فأين إبليس عنهم؟ قال "حديث : لا يعلمون أن الله خلق إبليس" تفسير : ثم تلا{ويخلق ما لا تعلمون} .

ابن عبد السلام

تفسير : {مَا لا تَعْلَمُونَ} من الخلق عند الجمهور، أو نهر تحت العرش "ع".

ابو السعود

تفسير : {وَٱلْخَيْلَ} هو اسمُ جنس للفرس لا واحد له من لفظه، كالإبل وهو عطفٌ على الأنعام أي خلق الخيل {وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} تعليلٌ بمعظم منافعها وإلا فالانتفاعُ بها بالحمل أيضاً مما لا ريب في تحققه {وَزِينَة} عطفٌ على محل لتركبوها، وتجريدُه عن اللام لكونه فعلاً لفاعل الفعل المعلل دون الأولِ، وتأخيرُه لكون الركوبِ أهمَّ منه، أو مصدرٌ لفعل محذوفٍ، أي وتتزيّنوا بها زينةً، وقرىء بغير واو أي خلقها زينةً لتركبوها، ويجوز أن يكون مصدراً واقعاً موقعَ الحال من فاعل تركبوها أو مفعولِه أي متزيّنين بها {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي يخلق في الدنيا غيرَ ما عُدد من أصناف النعم فيكم ولكم ما لا تعلمون كنهَه وكيفيةَ خلقِه، فالعدولُ إلى صيغة الاستقبال للدِلالة على الاستمرار والتجددِ أو لاستحضار الصورة، أو يخلق لكم في الجنة غيرَ ما ذكر من النعم الدنيوية ما لا تعلمون أي ما ليس من شأنكم أن تعلموه، وهو ما أشير إليه بقوله عليه الصلاة والسلام حكاية عن الله تعالى: « حديث : أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمِعت ولا خطَر على قلب بشر » تفسير : ويجوز أن يكون هذا إخباراً بأنه سبحانه يخلق من الخلائق ما لا علمَ لنا به دَلالةً على قدرته الباهرة الموجبةِ للتوحيد كنعمته الباطنة والظاهرة. عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عن يمين العرش نهراً من نور مثلَ السمواتِ السبع والأرضين السبع والبحارِ السبعة، يدخل فيه جبريلُ عليه السلام كل سَحَر فيغتسل فيزداد نوراً إلى نور وجمالاً إلى جمال وعِظماً إلى عظم، ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألفَ ملَك، فيدخل منهم كل يوم سبعون ألفَ ملكٍ البـيتَ المعمور وسبعون ألف ملك الكعبة لا يعودون إليه إلا يوم القيامة. {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} القصدُ مصدر بمعنى الفاعل، يقال: سبـيلٌ قصْدٌ وقاصدٌ، أي مستقيم على طريقة الاستعارة أو على نهج إسنادِ حال سالكِه إليه، كأنه يقصِد الوجهَ الذي يؤمه السالكُ لا يعدِل عنه، أي حقٌّ عليه سبحانه وتعالى بموجب رحمته ووعدِه المحتوم بـيانُ الطريق المستقيمِ الموصلِ لمن يسلكه إلى الحق الذي هو التوحيدُ بنصب الأدلةِ وإرسالِ الرسل وإنزال الكتبِ لدعوة الناس إليه، أو مصدرٌ بمعنى الإقامة والتعديل كذا قاله أبو البقاء، أي عليه عز وجل تقويمُها وتعديلها أي جعلُها بحيث يصل سالكُها إلى الحق، لكن لا بعد ما كانت في نفسها منحرفةً عنه بل إبداعُها ابتداءً كذلك على نهج قوله: سبحان من صغّر البعوضَ وكبّر الفيل، وحقيقتُه راجعةٌ إلى ما ذكر من نصب الأدلةِ، وقد فعَل ذلك حيث أبدع هذه البدائعَ التي كلُّ واحد منها لاحبٌّ يُهتدىٰ بمناره وعلَمٌ يُستضاء بناره، وأَرسل رسلاً مبشرين ومنذرين وأَنزل عليهم كتباً من جملتها هذا الوحيُ الناطقُ بحقيقة الحقِّ الفاحصِ عن كل ما جلّ من الأسرار ودقّ، الهادي إلى سبـيل الاستدلال بتلك الأدلةِ المفضية إلى معالم الهدى، المنْجية عن فيافي الضلالة ومهاوي الردىٰ، ألا يُرى كيف بـيّن أولاً تنزُّهَ جنابِ الكبرياء وتعالِيَه بحسب الذات عن أن يحوم حوله شائبةُ توهمِ الإشراك، ثم أوضح سرَّ إلقاءِ الوحي على الأنبـياء عليهم الصلاة والسلام وكيفيةَ أمرِهم بإنذار الناس ودعوتِهم إلى التوحيد ونهيِهم عن الإشراك، ثم كرّ على بـيان تعاليه عن ذلك بحسب الأفعالِ مرشداً إلى طريقة الاستدلالِ فبدأ بفعله المتعلق بمحيط العالم الجُسماني ومركزِه بقوله تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تفسير : [النحل: 3] ثم فصّل أفعالَه المتعلقةَ بما بـينهما فبدأ بفعله المتعلّق بأنفس المخاطَبـين، ثم ذكر ما يتعلق بما لا بد لهم منه في معايشهم، ثم بـين قدرتَه على خلق ما لا يحيط به علمُ البشر بقوله: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل، الآية 8] وكلُّ ذلك كما ترى بـيانٌ لسبـيل التوحيد غِبَّ بـيانٍ وتعديلٌ له أيُّما تعديلٍ، فالمرادُ بالسبـيل على الأول الجنسُ بدليل إضافة القصدِ إليه وقوله تعالى: {وَمِنْهَا} في محل الرفع على الابتداء، إما باعتبار مضمونِه وإما بتقدير الموصوف كما في قوله تعالى: { أية : وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} تفسير : [الجن، الآية 11] وقد مر في قوله تعالى: { أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} تفسير : [البقرة، الآية 8] الخ، أي بعضُ السبـيل أو بعضٌ من السبـيل فإنها تؤنث وتذكر {جَائِرٌ} أي مائلٌ عن الحق منحرفٌ عنه لا يوصِل سالكَه إليه، وهو طرقُ الضلال التي لا يكاد يُحصىٰ عددُها المندرجُ كلُّها تحت الجائر، وعلى الثاني نفسُ السبـيل المستقيم والضميرُ في منها راجع إليها بتقدير المضاف أي ومن جنسها لما عرفتَ من أن تعديلَ السبـيل وتقويمَه إبداعُه ابتداءً على وجه الاستقامةِ والعدالةِ لا تقويمُه بعد انحرافِه. وأياً ما كان فليس في النظم الكريم تغيـيرُ الأسلوب رعايةً لأمر مطلوب كما قيل، فإن ذلك إنما يكون فيما اقتضى للظاهرُ سبكاً معيناً ولكن يُعدل عن ذلك لنُكتة أهمَّ منه كما في قوله سبحانه: { أية : ٱلَّذِى يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} تفسير : [الشعراء، الآية 79] فإن مقتضىٰ الظاهرِ أن يقال: والذي يُسقِمني ويشفينِ، ولكن غُيِّر إلى ما عليه النظم الكريم تفادياً عن إسناد ما تكرهه النفسُ إليه سبحانه، وليس المرادُ ببـيان قصدِ السبـيل مجردَ إعلامِ أنه مستقيمٌ حتى يصِحّ إسنادُ أنه جائرٌ إليه تعالى فيُحتاجَ إلى الاعتذار عن عدم ذلك، على أنه لو أريد ذلك لم يوجد لتغيـير الأسلوبِ نكتةٌ، وقد بُـين ذلك في مواضعَ غير معدودةٍ، بل المرادُ ما مر من نصب الأدلةِ لهداية الناسِ إليه ولا إمكانَ لإسناد مثلِه إليه تعالى بالنسبة إلى الطريق الجائر بأن يقالَ: وجائرُها حتى يصرفَ ذلك الإسنادُ منه تعالى إلى غيره لنكتة تستدعيه، ولا يتوهمه متوهمٌ حتى يقتضيَ الحالُ دفعَ ذلك بأن يقال: لا جائرُها، ثم يُغير سبكُ النظم عن ذلك لداعية أقوى منه بل الجملةُ الظرفيةُ اعتراضيةٌ جيء بها لبـيان الحاجةِ إلى البـيان والتعديل وإظهارِ جلالة قدرِ النعمة في ذلك، والمعنى: على الله تعالى بـيانُ الطريق المستقيم الموصلِ إلى الحق وتعديلُه بما ذكر من نصب الأدلةِ ليسلُكَه الناس باختيارهم ويصلوا إلى المقصِد، وهذا هو الهدايةُ المفسرة بالدلالة على ما يوصل إلى المطلوب لا الهدايةُ المستلزمةُ للاهتداء البتةَ، فإن ذلك مما ليس بحق على الله تعالى لا بحسب ذاته ولا بحسب رحمته، بل هو مُخلٌّ بحكمته حيث يستدعي تسويةَ المحسِن والمسيء والمطيعِ والعاصي بحسب الاستعدادِ وإليه أشير بقوله تعالى: {وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} أي لو شاء أن يهديَكم إلى ما ذكر من التوحيد هدايةً موصلةً إليه البتةَ مستلزِمةً لاهتدائكم أجمعين لفعل ذلك، ولكن لم يشأه لأن مشيئتَه تابعةٌ للحكمة الداعيةِ إليها، ولا حكمةَ في تلك المشيئةِ لِما أن الذي عليه يدور فلَكُ التكليفِ وإليه ينسحب الثوابُ والعقابُ إنما هو الاختيارُ الجُزئي الذي عليه يترتب الأعمالُ التي بها نيط الجزاءُ. هذا هو الذي يقتضيه المقامُ ويستدعيه حسنُ الانتظام، وقد فُسّر كونُ قصدِ السبـيل عليه تعالى بانتهائه إليه على نهج الاستقامةِ، وإيثارُ حرفِ الاستعلاءِ على أداة الانتهاءِ لتأكيد الاستقامةِ على وجه تمثيليَ من غير أن يكون هناك استعلاءٌ لشيء عليه سبحانه وتعالى عنه علواً كبـيراً كما في قوله تعالى: { أية : هَذَا صِرٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ} تفسير : [الحجر، الآية 41] فالقصدُ مصدرٌ بمعنى الفاعل، والمرادُ بالسبـيل الجنسُ كما مر في قوله تعالى: {وَمِنْهَا جَائِرٌ} معطوفٌ على الجملة الأولى والمعنى أن قصدَ السبـيلِ واصلٌ إليه تعالى بالاستقامة وبعضُها منحرفٌ عنه ولو شاء لهداكم جميعاً إلى الأول، وأنت خبـيرٌ بأن هذا حقٌّ في نفسه ولكنه بمعزل عن نكتة موجبةٍ لتوسيطه بـين ما سبق من أدلة التوحيدِ وبـين ما لحِق، ولمّا بُـيِّن الطريقُ السمعيُّ للتوحيد على وجه إجماليَ وفصِّلَ بعضُ أدلتِه المتعلقة بأحوال الحيواناتِ، وعُقب ذلك ببـيان السرِّ الداعي إليه بعثاً للمخاطبـين على التأمل فيما سبق وحثًّا على حسن التلقي لما لحِق أُتبِع ذلك ذِكرَ ما يدل عليه من أحوال النبات فقيل: {هُوَ ٱلَّذِى أَنَزلَ} بقدرته القاهرة {مّنَ ٱلسَّمَاء} أي من السحاب أو من جانب السماء {مَاء} أي نوعاً منه وهو المطرُ، وتأخرُه عن المجرور لِما مر مراراً من أن المقصودَ هو الإخبارُ بأنه أنزل من السماء شيئاً هو الماء لا أنه أنزله من السماء، والسرُّ فيما سلف من أن عند تأخيرِ ما حقُّه التقديمُ يبقى الذهنُ مترقباً له مشتاقاً إليه فيتمكّن لديه عند وروده عليه فضلُ تمكن {لَّكُم منْهُ شَرَابٌ} أي ما تشربونه، وهو إما مرتفعٌ بالظرف الأول أو مبتدأٌ وهو خبرُه والجملةُ صفة لماءً، والظرفُ الثاني نصبَ على الحالية من شراب ومن تبعيضيةٌ وليس في تقديمه إيهامُ حصر المشروب فيه حتى يفتقر إلى الاعتذار بأنه لا بأس به لأن مياهَ العيون والأبـيارِ منه لقوله تعالى: { أية : فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [الزمر، الآية 21] وقوله تعالى: { أية : فَأَسْكَنَّاهُ فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [المؤمنون، الآية 18] وقيل: الظرفُ الأولُ متعلقٌ بأنزل والثاني خبرٌ لشرابٌ والجملةُ صفةٌ لماءً، وأنت خبـير بأن ما فيه من توسيط المنصوبِ بـين المجرورين وتوسيطِ الثاني منهما بـين الماء وصفتِه مما لا يليق بجزالة نظمِ التنزيلِ الجليل {وَمِنْهُ شَجَرٌ} من ابتدائيةٌ أي ومنه يحصل شجرٌ ترعاه المواشي، والمرادُ به ما ينبُت من الأرض سواءٌ كان له ساق أو لا، أو تبعيضيةٌ مجازاً لأنه لما كان سقيُه من الماء جعل كأنه كقوله: شعر : أسنمةُ الآبالِ في ربابه تفسير : يعني به المطرَ الذي ينبت به الكلأُ الذي تأكله الإبلُ فتسمَن أسنمتُها، وفي حديث عكرِمة: (لا تأكُلوا ثمنَ الشجر فإنه سُحْت) يعني الكلأ {فِيهِ تُسِيمُونَ} ترون من سامت الماشيةُ وأسامها صاحبها، وأصلُها السُّومة وهي العلامةُ لأنها تؤثر بالرعي علاماتٍ في الأرض. {يُنبِتُ} أي الله عز وجل، وقرى بالنون {لَكُمْ بِهِ} بما أنزل من السماء {ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأعْنَـٰبَ} بـيان للنعم الفائضة عليهم من الأرض بطريق الاستئنافِ، وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ للدلالة على التجدد والاستمرار وأنها سنتُه الجاريةُ على مر الدهور، أو لاستحضار صورةِ الإنبات، وتقديمُ الظرفين على المفعول الصريحِ لما مر آنفاً مع ما في تقديم أولهما من الاهتمام به لإدخال المسرّةِ ابتداءً، وتقديمُ الزرعِ على ما عداه لأنه أصلُ الأغذية وعَمودُ المعاش، وتقديمُ الزيتون لما فيه من الشرف من حيث إنه إذام من وجه وفاكهة من وجه، وتقديم النخيل على الأعناب لظهور أصالتِها وبقائها، وجمع الأعناب للإشارة إلى ما فيها من الاشتمال على الأصناف المختلفةِ، وتخصيصُ الأنواعِ المعدودة بالذكر مع اندراجها تحت قولِه تعالى: {وَمِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ} للإشعار بفضلها وتقديمُ الشجر عليها مع كونه غذاءً للأنعام لحصوله بغير صنعٍ من البشر، أو للإرشاد إلى مكارم الأخلاقِ فإن مقتضاها أن يكون اهتمامُ الإنسان بأمر ما تحت يده أكملَ من اهتمامه بأمر نفسه، أو لأن أكثرَ المخاطَبـين من أصحاب المواشي ليس لهم زرعٌ ولا ثمرٌ، وقيل: المراد تقديمُ ما يسام لا تقديمُ غذائه فإنه غذاءٌ حيوانيّ للإنسان وهو أشرف الأغذية، وقرىء يَنبُت من الثلاثي مسنداً إلى الزرع وما عُطف عليه. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي في إنزال الماءِ وإنباتِ ما فُصّل {لآيَةً} عظيمةً دالةً على تفرده تعالى بالألوهية لاشتماله على كمال العلمِ والقدرةِ والحكمة {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فإن من تفكر في أن الحبةَ أو النواة تقع في الأرض وتصِل إليها نداوةٌ تنفُذ فيها فينشق أسفلُها فيخرُج منه عروق تنبسط في أعماق الأرضِ، وينشق أعلاها وإن كانت منتكِسةً في الوقوع ويخرج منه ساقٌ فينمو ويخرج منه الأوراقُ والأزهارُ والحبوبُ والثمار المشتملةُ على أجسام مختلفةِ الأشكال والألوان والخواصِّ والطبائع، وعلى نواة قابلةٍ لتوليد الأمثالِ على النمط المحرر لا إلى نهاية مع اتحاد الموادِّ واستواءِ نسبة الطبائعِ السفلية والتأثيراتِ العلوية بالنسبة إلى الكل، علم أن مَنْ هذه أفعالُه وآثارُه لا يمكن أن يشبهه شيءٌ في شيء من صفات الكمال فضلاً عن أن يشاركه أخسُّ الأشياء في أخص صفاتِه التي هي الألوهيةُ واستحقاقُ العبادة تعالى عن ذلك علواً كبـيراً، وحيث افتقر سلوكُ هذه الطريقةِ إلى ترتيب المقدّماتِ الفكرية قطَع الآيةَ الكريمةَ بالتفكر.

التستري

تفسير : سئل عن قوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[8] قال: أما ظاهر الآية ما حكاه ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن مما خلق الله تعالى أرضاً من لؤلؤة بيضاء مسيرة ألف عام في ألف عام، عليها جبل من ياقوتة حمراء، تحيط بها سماء تلك الأرض، فيها ملك قد ملأ شرقها وغربها، له ستمائة وستون ألف رأس، في كل رأس ستمائة وستون فم، في كل فم ستمائة ألف لسان، يثني على الله بكل لسان ستمائة وستين ألف مرة في كل يوم، فإذا كان يوم القيامة نظر إلى عظمة الله تعالى فقال: وعزتك وجلالك ما عبدتك حق عبادتك"تفسير : ، قال الله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[8] وباطنها علمك الحق جل جلاله الوقوف عند ما لا يدركه عقلك من آثار الصنع وفنون العلم أن يقابله بالإنكار، فإنه خلق ما لا تعلمه أنت، ولا أحد من خلقه إلا من علمه الحق عزَّ وجلَّ.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الآية: 8]. قال بعضهم: علمك الحق الوقوف عندما لا يدركه عقلك من آثار الصنع وفنون العلوم أن تقابله بالإنكار فإنه خلق ما لا تعلمه أنت ولا يعلمه أحد من خلقه إلا من علمه الحق ألا تراه يقول: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. قال القاسم: يقدر عليكم من أفعالكم ما لا تعلمون إلا فى وقت مباشرته وهو عالم به لأنه الذى قدر وقضى.

القشيري

تفسير : فالنفوس في حَمْلها كالدواب، والقلوب معتقة عن التعنِّي في الأسباب. {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}: كما أن أهل الجنة من المؤمنين يجدون في الآخرة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بَشَرٍ فكذلك أرباب الحقائق يجدون - اليومَ - ما لم يخطر قطُّ على بال، ولا قرأوا في كتاب، ولا تلقنوه من أستاذ، ولا إِحاطة بما أخبر الحق أنه لا يعلم تفصيله سواه.. وكيف يعلم من أخبر الحقُّ - سبحانه - أنه لا يعلم؟.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ان الله سبحانه حير الافهام والعقول عن حصر افعاله وبدائع صنعه لانها قاصرة بفتورها عن ادراك لطائف فعله وعجائب قدرته ما يصدر من غيبه من الالاء والنعماء اى اذا عجزته عن اجراك الخلق فكيف لا تعجزون عن ادراك الخالق وهو قادر ان يخلق على ظهر نملة الف الف عرش والف الف كرسى والف الف عالم يخلق بساتين الروحانية فى قلوب الاطيار والوحوش والبهائم وهم بها يعيشون يريحون ويسرحون ويخلق فى قلوب الجن جنان الرحمة ونيران العذاب ويخلق فى قلوب الملائكة بحار التسبيح والتهليل ويخلق فى قلوب عقلاء المجانين عيون الحكم واملحبة والشوق والمناجات ويخلق لعشاق حضرته من العارفين من صور الروحانية عالما فى عالم ويتجلى بجوده وجلاله منها لهم ولا يعرفها الا شائق عاشق واقف باسرار الربوبية روى الضحاك عن ابن عباس فى قوله ويخلق مالا تعلمون قال يريدان عن يمين العرش نهرا من نور مثل السماوات السبع والاضين السبع والبحار السبع يدخله جبرئيل عليه السّلام كل سحر فيغتسل فيزداد نورا الى نوره وجمالا الى جماله وعظما الى عظمه ثم ينتفض فيخرج الله من كل قطرة يقع من ريشه كذا وكذا الف الف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون الف ملك البيت المعمور وفى الكعبة سبعون الفا لا يعودون اليه الى ان تقوم الساعة قال بعضهم علمك الحق الوقوف عندما لا يدركه عقلك من اثار الصنع وفنون العلوم ان لا تقابله بالانكار فانه خلق ما لا يعلمه انت ولا يعلمه احد من خلقه الا من علّمه الحق الا ترى يقول ويخلق ما لا تعلمون قال القسم مقدر عليكم من افعالكم ما لا تعلمون الا فى وقت مباشرته وهو عالم به لانه الذى قدّر وقضى وقال الواسطى يخلق فيكم من الافعال ما لا تعلمون انها لكم ام عليكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {والخيل} عطف على الانعام اى خلق الله الخيل وهو اسم جنس للفرس لا واحد له من لفظه كالابل. والخيل نوعان عتيق وهجين والفرق بينهما ان عظم البرذون اعظم من عظم الفرس وعظم الفرس اصلب ونقل والبرذون اجمل من الفرس والفرس اسرع منه والعتيق بمنزلة الغزال والبرذون بمنزلة الشاة فالعتيق ما ابواه عربيان سمى بذلك لعتقه من العيوب وسلامته من الطعن فيه بالامور المنقصة. وسميت الكعبة بالبيت العتيق لسلامتها من عيب الرق لانه لم يملكها مالك قط. والهجين الذى ابوه عربى وامه عجمية. وخلق الله الخيل من ريح الجنوب وكان بعد العصر والذكر من الخيل خلق قبل الانثى لشرفه كآدم وحواء. واول من ركب الخيل اسماعيل عليه السلام وكانت وحوشا ولذلك قيل لها العراب وفى الحديث "حديث : اركبوا الخيل فانها ميراث ابيكم اسماعيل"تفسير : وقد سبق قصة انقيادها لاسماعيل فى سورة البقرة عند قوله تعالى {حديث : واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل}تفسير : الآية وعن انس رضى الله عنه ان النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن شئ أحب اليه بعد النساء من الخيل وفى الحديث "حديث : لما أراد ذو القرنين ان يسلك فى الظلمة الى عين الحياة سأل أى الدواب فى الليل ابصر فقالوا الخيل فقال أى الخيل ابصر فقالوا الاناث قال فأى الاناث ابصر فقالوا البكارة فجمع من عسكره ستة آلاف فرس كذلك"تفسير : وكان له صلى الله عليه وسلم سبعة افراس. الاول الكسب شبه بكسب الماء وانصبابه لشدة جريه. والثانى المرتجز سمى به لحسن صهيله مأخوذ من الرجز الذى هو ضرب من الشعر والثالث اللحيف كاميرا او زبير كأنه يلحف الارض بذنبه لطوله اى يغطيها وقيل هو بالخاء المعجمة كامير وزبير. والرابع اللزاز مأخوذ من لاززته اى لاصقته فكأنه يلحق بالمطلوب لسرعته. والخامس الورود وهو ما بين الكميت والاشقر الكميت كزبير الذى خالط حمرته قنو وقنأ قنوأ اشدت حمرته والاشقر من الدواب الاحمر فى مغرة حمرة يحمر منها العرف والذنب ومن الناس من تعلو بياضه حمرة. والسادس الطرف بكسر الطاء المهملة واسكان الراء وبالفاء الكريم الجيد من الخيل. والسابع السبحة بفتح السين المهملة واسكان الموحدة وفتح الحاء المهملة اى سريع الجرى وفي الحديث "حديث : ما من ليلة الا والفرس يدعو فيها ويقول رب انك سخرتنى لابن آدم وجعلت رزقى يده اللهم فاجعلنى احب اليه من اهله وولده"تفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان الفرس يقول اذا التقت الفئتان سبوح قدوس رب الملائكة والروح ولذلك قيل رب بهيمة خير من راكبها وكان له فى الغنيمة سهمان وعن النبى عليه السلام "حديث : لا يعطى الا لفرس واحد"تفسير : عربيا كان او غيره لان الله تعالى قال {أية : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل}تفسير : ولم يفرق بين العربى وغيره ويقال ان الفرس لا طحال له وهو مثل لسرعته وحركته كما يقال للبعير لامرارة له اى لا جسارة له والفرس يرى المنامات كبنى آدم زبله اذا دخن به اخرج الولد من البطن. قال الحافظ شرف الدين الدمياطى فى كتاب الخيل اذا ربط الفرس العتيق فى بيت لم يدخله الشيطان واما الفرس الذى فيه شؤم فهو الذى لا يغزى عليه ولا يستعمل فى مصلحة حميدة ولا يركبه صالح وفى الحديث "حديث : من نقى شعيرا لفرسه ثم جاء به حتى يعلق عليه كتب الله له بكل شعيرة حسنة"تفسير : قال موسى للخضر أى الدواب احب اليك قال الفرس والحمار والبعير لان الفرس مركب اولى العزم من الرسل والبعير مركب هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم السلام والحمار مركب عيسى والعزير عليهما السلام فكيف لا احب شيئاً احياه الله بعد موته قبل الحشر {والبغال} جمع بغل وهو مركب من الفرس والحمار ويقال اول من استنتجها قارون وله صبر الحمار وقوة الفرس وهو مركب الملوك فى اسفارهم ومعبرة الصعاليك فى قضاء اوطارهم. وعن على بن ابى طالب رضى الله عنه ان البغال كانت تتناسل وكانت اسرع الدواب في نقل الحطب لنار ابراهيم خليل الرحمن فدعا عليهم فقطع الله نسلها وهذه الرواية تستدعى ان يكون استنتاجها قبل قارون لان ابراهيم مقدم على موسى بازمنة كثيرة واذا بخر البيت بحافر البغل الذكر هرب منه الفأر وسائر الهوام كما فى حياة الحيوان. وكان له صلى الله عليه وسلم بغال ست. منها بغلة شهباء يقال لها دلدل اهداها اليه المقوقس والى مصر من قبل هرقل والدلدل فى الاصل القنفذ وقيل ذكر القنافذ وقيل عظيمها وكان عليه الصلاة والسلام يركبها فى المدينة وفى الاسفار وعاشت حتى ذهبت اسنانها فكان يدق لها الشعير وعميت وقاتل على رضى الله عنه عليها مع الخوارج بعد ان ركبها عثمان رضى الله عنه وركبها بعد على رضى الله عنه ابنه الحسن ثم الحسين ثم محمد بن الحنيفة رضى الله عنهم. يقول الفقير انما ركبوها وقد كانت مركبه عليه الصلاة والسلام طلبا للنصرة والظفر فالظاهر انهم لم يركبوها فى غير الوقايع لان من آداب التابع ان لا يلبس ثياب متبوعه ولا يركب دابته ولا يقعد فى مكانه ولا ينكح امرأته. ومنها بغلة يقال لها فضة. ومنها الايلية. وبغلة اهداها اليه كسرى. واخرى من دومة الجندل. واخرى من عند النجاشى {والحمير} جمع حمار وكان له صلى الله عليه وسلم من الحمر اثنان يعفور وعفير والعفرة الغبرة. وفى كتاب التعريف والاعلام ان اسم حماره عليه الصلاة والسلام عفير ويقال له يعفور - روى - ان يعفور وجده صلى الله عليه وسلم بخيبر وانه تكلم فقال اسمى زياد بن شهاب وكان في آبائى ستون حمارا كلهم ركبهم بنى وانت بنى الله فلا يركبنى احد بعدك فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم القى الحمار نفسه في بئر جزعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات وذكر ان النى عليه الصلاة والسلام كان يرسله اذا كانت له حاجة الى احد من اصحابه فيأتى الحمار حتى يضرب برأسه باب الصحابة فيخرج اليه فيعلم ان النبى عليه الصلاة والسلام يريده فينطلق مع الحمار اليه والحمار من اذل خلق الله تعالى كما قال الشاعر شعر : يقيم على ضيم يراد به الا الاذلان عير الحىّ والوتد هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشبح فلا يرثى له احد تفسير : اى لا يصبر على ظلم يراد به فى حقه الا الاذلان اللذان هما فى غاية الذل ولفظ البيت خبر والمعنى نهى عن الصبر على الظم وتحذير وتنفير للسامعين عنه وفى الحديث "حديث : من لبس الصوف وحلب الشاة وركب الاتن فليس فى جوفه شئ من الكبر"تفسير : والاتن جمع اتان وهى الحمارة {لتركبوها} تعليل بمعظم منافعها والا فالانتفاع بها بالحمل ايضا مما لا ريب فى تحققه {وزينة} انتصابها على المفعول له عطفا على محل لتركبوها وتجريده عن اللام لكونه فعلا لفاعل الفعل المعلل به دون الاول فان الركوب فعل الراكب وهو المخلوق والزينة فعل الزائن وهو الخالق او مصدر لفعل محذوف اى وتتزينوا بها زينة وقد احتج به ابو حنيفة رحمه الله تعالى على حرمة اكل لحم الخيل لانه علل خلقها للركوب والزينة ولم يذكر الاكل بعدما ذكره فى الانعام ومنفعة الا كل اقوى والآية سيقت لبيان النعمة ولا يليق بالحكيم ان يذكر فى موضع المنة ادنى النعمتين ويترك اعلاهما كذا فى المدارك. وفى الحمر الاهلية خلاف مالك. وفى الخيل خلاف ابى يوسف ومحمد والشافعى كما فى بحر العلوم والتفصيل فى كتاب الذبائح من الكتب الفقهية {ويخلق مالا تعلمون} من انواع المخلوقات من الحشرات والهوام والطيور وحيوانات البحر ومخلوقات ما وراء جبل قاف وفى الحديث "حديث : ان الله تعالى خلق الف امة ستمائة منها فى البحر واربعمائة فى البر ومن انواع السمك ما لا يدرك الطرف اولها وآخرها ومالا يدركها الطرف لصغرها"تفسير : وفى الحديث "حديث : ان الله خلق ارضا بيضاء مثل الدنيا ثلاثين مرة محشوة خلقا من خلق الله لا يعلمون ان الله تعالى يعصى طرفة عين" قالوا يا رسول الله أمن ولد آدم هم قال "لا يعلمون ان الله خلق آدم" قالوا فأين ابليس منهم قال "لا يعلمون ان الله خلق ابليس" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ويخلق مالا تعلمون}تفسير : كما فى البستان وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان عن يمين العرش نهرا من نور مثل السموات السبع والارضين السبع والبحار السبعة يدخل فيه جبريل كل سحر فيغتسل فيزداد نورا الى نور وجمالا الى جمال وعظما الى عظم ثم ينتفض فيخلق الله من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا الف ملك فيدخل منهم كل يوم سبعون الف ملك البيت المعمور وسبعون ألف ملك الكعبة لا يعودون اليه الى يوم القيامة كما فى الارشاد وفى الحديث "حديث : اذا ملئت جهنم تقول الجنة ملأت جهنم بالجبابرة والملوك والفراعنة ولم تملأنى الامن ضعفاء خلقك فينشئ الله خلقا عند ذلك فيدخلهم الجنة فطوبى لهم من خلق لم يذوقوا موتا ولم يروا سوأ باعينهم"تفسير : كما فى بحر العلوم. واعلم ان الله تعالى قال {أية : وما اوتيتم من العلم الا قليلا}تفسير : وكيف يحصر من كان قليل العلم مخلوقات الله الغير المحصورة التى هى مظاهر كلماته التامة واسمائه العامة فالاولى السكوت وقد اظهر الانبياء عليهم السلام العجز مع سعة علومهم واحاطة قلوبهم فما ظنك فى حق افراد الامة. شعر : در محفلى كه خورشيد اندر شمار ذره است خودرا بزرك ديدن شرط ادب نباشد تفسير : وفى التأويلات النجمية {ويخلق} فيكم بعد رجوعكم بالجذبة الى مستقركم {مالا تعلمون} قبل الرجوع اليه وهو قبول فيض نور الله تعالى بلا واسطة انتهى. قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر سكت النبى عليه السلام عن الاستخلاف اذ فى امته من يأخذ الامر عن ربه فيكون بباطنه خليفة الله وبظاهر خليفة رسول الله فهو تابع ومتبوع وسامع ومسموع ومع ذلك فهو يأخذ من المعدن الذى يأخذ منه الملك الموحى الى رسول الله والمعدن الذى يأخذ منه الرسول وقد نبه سبحانه على ذلك لقوله {أية : ادعوا الى الله على بصيرة انا ومن اتبعنى}تفسير : بيد انّ الرسول قابل للزيادة فى ظاهر الاحكام والخليفة الولى ليس كذلك ناقص عن رتبة النبوة انتهى فانظر الى استعداد كاملى هذه الامة كيف اخذوا الفيض من الله بلا واسطة نسأل الله تعالى ان يملأ قلوبنا بمحبتهم واعتقادهم ويوفقنا لاعمالهم ورشادهم ويحشرنا معهم وتحت لوائهم ويدخلنا الجنة ونحن من رفقائهم.

الطوسي

تفسير : هذه الآية عطف على التي قبلها، فلذلك نصب {والخيل} وتقديرها، وخلق الخيل، وهي الدواب التي تركب {والبغال} واحدها بغل {والحمير} واحدها حمار {لتركبوها} وتتزينوا بها، ونصب {وزينة} بتقدير، وجعلها زينة {ويخلق ما لا تعلمون} من أنواع الحيوان والجماد والنبات لمنافعكم، ويخلق من أنواع الثواب للمطيعين، وأنواع العقاب للعصاة ما لا تعلمون. وحكي عن ابن عباس: أن الآية دالة على تحريم لحم الخيل، لأنها للركوب والزينة والانعام لما ذكر قبل، وهو قول الحكم والاسود. وقالوا: لأنه تعالى ذكر في آية الانعام {أية : ومنها تأكلون}تفسير : ولم يذكر ذلك في آية الخيل بل ذكرها للركوب والزينة. وابراهيم لم يربه بأساً، وهو قول جميع الفقهاء. وقال جابر: كنا نأكل لحم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله {وعلى الله قصد السبيل} قال ابن عباس: معناه بيان قصد السبيل أي بيان الهدى من الضلال {ومنها جائر} أي عادل عن الحق فمن الطريق ما يهدي إلى الحق؛ ومنها ما يضل عن الحق، ثم قال {ولو شاء لهداكم أجمعين} وقيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن والبلخي: لو شاء لهداكم بالإلجاء، لأنه قادر على ذلك. الثاني - قال الجبائي: لو شاء لهداكم إِلى الجنة.

الجنابذي

تفسير : لانتفاعكم من موجودات عالم الطّبع ممّا فى الارض والسّماء وموجودات عالم الارواح.

الهواري

تفسير : قوله: { وَالخَيْلَ} يقول: وخلق الخيل { وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} أي: في ركوبها. وذكر بعضهم أن الله خلقها للركوب وللزينة. ذكروا عن جابر بن عبد الله أنهم أكلوا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمير والبغال ولم ينه عن الخيل. ذكر عطاء عن جابر بن عبد الله أنهم كانوا يأكلون لحم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر عن الحسن قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وعن ألبانها. ذكر الحكم الغفاري مثل ذلك. قال: وأَبَى البحر ذلك. قيل: من البحر؟ قال: ابن عباس. قال: (أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ...)تفسير : إلى آخر الآية. [الأنعام:145]. قال: { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: من الأشياء كلها مما لم يذكر لكم. قوله: { وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} أي: قصد الطريق، أي: طريق الهدى إلى الجنة، كقوله: (أية : إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) تفسير : [الّيل:12]. وكقوله: (أية : هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) تفسير : [الحجر:41]. وقال بعضهم: قصد السبيل: بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته. قوله: { وَمِنْهَا جَائِزٌ} أي: وعنها، أي: عن السبيل جائز، وهو الكافر جار عن سبيل الهدى. وجار عنها وجار منها واحد، وهي في قراءة ابن مسعود: ومنكم جائر. قال بعضهم: جائر من السبيل، أي: عن سبيل الهدى، ناكب عنها. وذلك تفسيرها. قال: { وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}. مثل قوله: (أية : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً) تفسير : [يونس:99]. وكقوله: (أية : أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذِينَ ءَامَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَميعاً) تفسير : [الرعد:31].

اطفيش

تفسير : {وَالْخَيْلَ} اسم جنس لا واحد له من لفظه عطف على الأَنعام والإِنسان قيل سميت خيلا لاختيالها فى مشيتها {وَالْبِغَالَ} جمع بغل {وَالْحَمِيرَ} جمع حمار أو اسم جمع له قولان والتقدير وخلق لكم الخيل والبغال والحَمير {لِتَرْكَبُوهَا} لم يقل ركوباً بالنصب على أنه مفعول لأَجله لاختلاف فاعله وفاعل الخلق وزمانهما فإِن فاعله الله سبحانه وتعالى وزمانه متقدم وفاعل الركوب الناس وزمانه متأَخر أو إِذ لا تركب فى حين خلقت لاتحاد الفاعل والزمان فى قوله: {وَزِينَةً} انتصب على أنه مفعول لأَجله وهو مصدر زانه فإِن فاعل الخلق وفاعل الزينة الله جل جلاله فإِنه زان الناس بها أى أبهاهم وأجملهم بها وزمان الخلق خارجاً وزمان زينة إياهم بها واحداً فلها زينة ولو فى حال صغرها ونصب بمحذوف أى وخلقها زينة لا بالعطف على محل لتركها لأَن محله لا يظهر فى الفصيح خلافاً لبعض ولو جر زينة باللام لجاز وطابق ما قبله لكن خولف بينهما لأَن المقصود الركوب وأما التزيين بها فإِنما يحصل بالعرض وكل منهما معلوم لله بلا أول ويجوز كون زينة اسم مصدر بمعنى التزين فيكون مفعولا مطلقاً لمحذوف أى ولتزينوا بها زينة ويجوز كونه بمعنى ما يتزين به فيكون حالا عاملها وصاحبها محذوفان أى خلقها زينة أو لمفعول لمحذوف أى وجعلها زينة وقرئ زينة بغير واو وهو مفعول لأَجله ناصبة تركت أو حال من الواو أو من قوله ها أى لتركبوها متزينين أو لتركبوها متزينا بها، فهى مصدر بمعنى اسم فاعل أو اسم مفعول، واستدل ابن عباس ومالك وأبو حنيفة بالآية على تحريم لحم الخيل والبغال والحمير إِذ علل خلقها بالركوب والزينة ولم يذكرها للأَكل بعد ذكر الأَنعام للأَكل ولا دليل فى ذلك لأَنه لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالباً وهو هنا الركوب والزينة أن لا يقصد منه غيره أصلا وهو هنا أكل لحمها مثلا والإِلزام تحريم حمل الأَثقال على الخيل والبغال والحمير حيث ذكر فى الأَنعام دونها ولأَن الآية مكية وعامة المفسرين والمحدثين على أن الحمر الأَهلية حرمت عام خيبر وهو بعد الهجرة بأَكثر من ست سنين، وعن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما نحرنا على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرساً ونحن بالمدينة فأَكلناه، وكذا ذكر عطاء عن جابر ابن عبد الله أنهم كانوا يأْكلون الخيل على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعنه نهانا زمان خيبر عن أكل البغال والحمر الأَهلية وأذن لنا فى الخيل وعن الحسن نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن لحوم الحمر الأَهلية وألبانها وحجة الحسن وسعيد بن جبير والشافعى وأحمد وإِسحاق وابن الزبير وأنس فى إِباحة لحم الخيل بلا كراهة ما ذكر ويجاب من جانبهم على الآية بما مر من أنه لا يلزم من التعليل بما يقصد غالباً أن لا يقصد غيره وبأَنه لم يعرفوا أكل الخيل لعزتها فخوطبوا بما عرفوه منها من ركوب وزينة، كما اقتصر فى الأَنعام على الأَكل والحمل لأَنهما الغالب والثالثة ولو كان سياقها فى الآية واحدا لكن خصت السنة الخيل منها بالخيلة وإِن قيل لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان فى الركوب والزينة قيل لو لزم من الإِذن فى أكلها أن تغنى للزم مثله فى البقر وغيرها مما أُبيح أكله ورفع الامتنان به. وفى رواية نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأَهلية ورخص فى الخيل، قال ابن أبى أوفى فتحدثنا أنه إِنما نهى عنها لأَنها لم تخمس، وقال بعض نهى عنها البتة لأَنها تَأكل العذرة وقيل للحاجة إِليها وقيل لأَخذها قبل القسمة فهى مباحة فى الأَصل على هذه الأَقوال غير الثانى وقيل بتحريم الخيل لأَنها آلة جهاد وبرده ما مر من إِباحة اكلها يوم خيبر ومن حديث أسماء إِنا نأْكله على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمدينة وذلك كله بعد فرض الجهاد وإِن قلت يحتمل أن يكون قولها على عهده أن ذلك فى زمانه وليس فى ذلك ما يدل على أنه اطلع على الآكل قلت لا يظن بآل أبى بكر رضى الله عنه أنهم يقدمون على فعل شىء فى زمانه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألا وعندهم العلم بجوازه لشدة اختلاطهم به ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع توافر داعية الصحابة إِلى سؤاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الأَحكام ولذلك كن الراجح أن الصحابى إِذا قال كنا نفعل كذا على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان له حكم الرفع لأَن الظاهر اطلاعه على ذلك وتقريره فكيف بآل أبى بكر مع أن الأَصل فى قولهم على عهد فلان أن يكون بمعنى قولك على علمه ويقوى علمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك، رواية الدارقطنى عن أسماء فأَكلناه نحن وأهل بيت النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذكر عطاء الحل عن الصحابة مطلقاً الخيل ورويت بسند ضعيف عن ابن عباس كراهتها وكرهها أبو حنيفة كراهة تنزيه، وقال الأَكثر عنه كراهة تحريم وكرهها مالك تنزيهاً وهو مشهور المالكية والصحيح عند محققيهم تحريم وسبب كراهتها أنها للجهاد فلو انتفت الكراهة لكثر أكلها فتؤول إِلى النقص من إِرهاب العدو بها المأْمور به فى قوله تعالى: {أية : ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} تفسير : فليس تحريمها أو كراهتها لذاتها بل كل حيوان مما أُبيح لو حدث أمر يفضى فى ذبحه إِلى محذور لامتنع، قال بعض المانعين لو حلت لجازت الأَضحية بها وينقضه حيوان البر فإِنه يؤكل ولم تشرع الأَضحية بها، وأما رواية خالد، نهى ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن لحوم الخيل والبغال والحمير فمعارض الأَحاديث إِباحة الخيل فتقدم عليه لكثرتها ولحديث اسماء وقد ضعف حديث خالد أحمد والبخارى والدارقطنى والخطابى وابن عبد البر وعبد الحق وغيرهم، وإِن قلت حديث جابر بن عبد الله دال على التحريم لقوله رخص والرخصة استباحة الخطوب مع قيام المانع فدل على أنه رخص لهم بسبب المخمصة التى أصابتهم بخيبر فلا يدل ذلك على الحل المطلق قلت أكثر الروايات جاء بلفظ الإِذن، وفى رواية ابن عباس عن من حضر خيبر نهانا ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الحمر الأَهلية وأمر بلحوم الخيل فدل على أن المراد بالترخيص الإِذن وأيضا لو كان الإِذن فى لحم الخيل ترخيصا للمخمصة لكانت الحمر الأَهلية أولى بذلك لكثرتها وغزة الخيل وحاصل القول فى الثلاثة تحريمها وتحليلها وكراهتها وتحليل الخيل مع كراهة الحمار والبغل وكراهة الخيل مع تحريمها أقوال. {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ما لا تعلمونه بتفاصيله ولو علمتموه إِجمالا كالملائكة وما فى البحر من أنواع السمك وما فى البر مما لم تروه عيانا ويحتمل أن يراد ما يعم الحيوان وغيره عن قتادة ما لا تعلمون السوس فى النبات والدود فى الفاكهة وقيل ما أُعد لأَهل الجنة وأهل النار مما لم يخطر على قلب بشر وفى ذكر الله جل جلاله خلق ما لا نعلم امتنان علينا كما من الأَشياء المعلومة مع زيادة الدلالة على قدرته وإِنما طوى عنا علم ذلك لحكمة ويجب على من ملكه الله شيئا من الحيوان أن يشكره على ذلك ويرفق بذلك الحيوان ويعرضه على الماء إِذا مر به وإِذا كان فى أرض جدبة أسرع المشى أو فى خصبة مشى رويدا وأكثر النزول عنه ليرعى ولا ينام عليه فإِن الله سبحانه خلقه ليبلغ به بلدا لم يكن بالغه إلا بشق النفس والله رفيق يحب الرفق فى كل شىء ويرضاه ويعين عليه ما لا يعين على العنف وعليكم بسير الليل فان الأَرض تطوى بالنهار ولا تنزل على الطريق فإِنها طريق الدواب ومأَوى الحيات فذلك كله سنة مروية فى الأحاديث وما دخل الرفق شيئا إلا زانه رزقنا الله منه.

اطفيش

تفسير : {وَالْخَيْلَ} اسم جنس لا واحد له من لفظه وله واحد من معناه وهو فرس، وسميت خيلا لاختيالها فى مشيها، والعطف على الأَنعام {وَالْبِغَالَ} أَبو البغل الحمار، وأُمه الفرس الأُنثى {وَالْحَمِير} نصب الخيل وما بعده عطفاً على الإنسان إن جعلنا الأَنعام معطوفاً عليه، وإن جعلناه من الاشتغال فالأَولى نصب الخيل وما بعده، فخلق محذوفاً هكذا، وخلق الخيل والبغال والحمير {لِتَرْكَبُوهَا} جر المصدر المؤول باللام التعليلية المتعلقة بخلقها لاختلاف الفاعل لأن فاعل الخلق الله سبحانه وتعالى، وفاعل الركوب الناس، ونصب زينة من قوله: {وزِينَةً} على التعليل لاتحاد فاعلهما، لأَن الخالق والزاين هو الله جل جلاله، نص على أن الثلاثة للزينة ولم يذكر الحل للأَكل والآية مكية، والحمر الأَهلية حرمت فى المدينة عام خيبر عند الجمهور، وفى الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأَهلية أَى فى المدينة فهى قبل ذلك على الحل، والأَصل فى الأشياءِ قبل النزول الحل إلا ما تبين، وأَذن فى لحوم الخيل يوم خيبر، وفى رواية: أكلنا زمان خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهى النبى صلى الله عليه وسلم عن الحمار الأهلى، وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله "ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير وكنا قد أصابتنا مخمصة فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل، وفى الصحيحين عن أسماءَ بنت أَبى بكر الصديق: نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا ونحن بالمدينة فأَكلناه أَو نحوه أَحل الحسن البصرى وشريح وعطاءُ وسعيد بن جبير والشافعى وأَحمد وإسحاق وأبو حنيفة قبل موته بثلاثة أيام وصاحباه، وذكرهم للزينة والركوب لا ينافى حل لحمها وحمل الثقال عليها كما أن ذكر الأنعام للأَكل لا ينافى حل الركوب عليها والزينة بها، وإِنما ذكر فى كل من ذلك ما هو المقصد الأَعظم فيه امتناناً علينا بحسب ما يعتاد فيه، ولا يخفى أن المنفعة العظمى فى الأَنعام قد ذكرت بالحل للحمها، والشعر للباس وغير ذلك من المنافع، والسنة بينت حل الخيل وتحريم الحمار والبغل، ولا يلزم من تعليل الشىء بما يقصد منه غالباً أن لا يقصد منه غيره أَصلا، وعن ابن عباس: تحريم لحم الخيل كالبغل والحمار، وعليه مالك وأبو حنيفة لذكرهما بالركوب والزينة، ولا يتم تعليلا، وفى أفضل كتب الحديث للربيع بن حبيب عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد: بلغنى عن على ابن أبى طالب: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الإنسية، إلا أنه مقطوع وهو فى تلك الكتب المذكورة موصول عن أبى يوسف ومحمد إباحة الخيل لما روى عن جابر: كنا جعلنا فى قدورنا لحم الخيل ولحم الحمار فنهانا عليه الصلاة والسلام أن نأكل لحم الحمار، وأمرنا أَن نأْكل لحم الخيل، يعنى أن بعضاً جعل فى قدره لحم الخيل، وبعضاً لحم الحمار فلو كانا فى قدر بمرة ولم يدخلهما النضج لغسل لحم الخيل والقدر وطبخ لحم الخيل وحده، وعن أبى حنيفة كراهة لحم الخيل لا تحريمه لاختلاف الصحابة والسلف، وعن حسن عنه - من تلاميذه - أنه يحرمه، وقيل: أَراد أبو حنيفة بالكراهة الحرمة، وذكر بعض: أَن البغل إن كانت أُمه اَتانا فكالحمار والعبرة بالأُم، وإن كانت فرساً فكالفرس، وإن نزا الحمار على الرمكة لم يكره لحم بلغها، والمذهب تحريم الثلاثة، ورخص بعض فيها، وروى أبو داود والنسائى عن خالد ابن الوليد: أَنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أَكل كل ذى ناب من السباع وعن لحوم الخيل والبغال والحمير {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أنتم ولا غيركم، أو ما لا تعلمون أنتم وقد علمه غيركم وذلك فى الأَرض، والأرضين تحتها، وفى الهواءِ وفى السماوات، روى أن سمكة عظيمة اتبعت سمكة عظيمة دونها من البحر المحيط فدخلت التى دونها زقاق سبتة أَعنى الخليج الممتد من جهتها إلى طنجة ولم يسع العظيمة مع أنه فراسخ وأن ناساً فى المركب من جهة الجنوب رأَوا الأُسود والنمور والفيلة وغيرها هربت من غابة لحية من ورائِها كالصومعة تمتد إلى فوق ثم تنكس فى مشيها يكون الفيل لقمة لها، ومثل هذا فى الكتب كثير، وأَخرج ابن مردوية عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم: أن مما خلق الله تعالى لأرضا لؤلؤة بيضاءَ مسيرة ألف عام عليها جبل من ياقوتة حمراءَ محدق بها، وفى تلك الأرض ملك ملأَ شرقها وغربها له ستمائة رأس فى كل رأس ستمائة وجه، وفى كل وجه ستمائة أَلف وستون ألف فم فى كل فم ستون ألف لسان يثنى على الله تعالى ويقدسه ويهلله ويكبره، وإذا كان يوم القيامة نظر عظمة الله تعالى فيقول: وعزتك ما عبدتك حق عبادتك، فذلك قوله تعالى: {ويخلق ما لا تعلمون} ويجوز أَن يكون المراد ما لا تعلمون ما يحتاج إليه كذلك، وأَن يكون المراد ما فى الجنة والنار بما لا يخطر لهم ببال كما قال صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه وتعالى: "حديث : أَعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأَت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"تفسير : وروى ابن عباس والضحاك ومقاتل وعطاء أنَّ عن يمين العرش نهراً من نور مثل السماوات السبع والأَرضين السبع والبحار السبع يدخل فيه جبريل كل سحر فيغتسل ويزداد جمالا وعظماً ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا أَلف ملك فيدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور، وسبعون ألف ملك الكعبة لا يعودون أَبدا، ولا يحسن أَن يفسر ما لا يعلمون بالسوس والدود فى النبات والثمار.

الالوسي

تفسير : {وَٱلْخَيْلَ} هو كما قال غير واحد اسم جنس للفرس لا واحد له من لفظه كالإبل، وذكر الراغب أنه في الأصل يطلق على الأفراس والفرسان، وهو عطف على {أية : ٱلأَنْعَامَ} تفسير : [النحل: 5] أي وخلق الخيل {وَٱلْبِغَالَ } جمع بغل معروف {وَٱلْحَمِيرَ } جمع حمار كذلك ويجمع في القلة على أحمرة وفي الكثرة على حمر وهو القياس، وقرأ ابن أبـي عبلة برفع {الخيل} وما عطف عليه {لِتَرْكَبُوهَا} تعليل لخلق المذكورات، والكلام في تعليل أفعال الله تعالى مبسوط في الكلام {وَزِينَةً} عطف على محل {لِتَرْكَبُوهَا } فهو مثله مفعول لأجله وتجريده عن اللام دونه لأن الزينة فعل الزاين وهو الخالق تعالى ففاعل الفعلين المعلل والمعلل به واحد بخلاف فاعل الركوب وفاعل المعلل به فشرط النصب الذي اشترطه من اشترطه موجود في المعطوف دون المعطوف عليه قاله غير واحد، وذكر بعض المدققين أن في عدم مجيئها على سنن واحد دلالة على أن المقصود الأصلي الأول فجيء بالحروف الموضوعة لذلك وسيق الخطاب وأعيد الضمير للثلاثة في {لِتَرْكَبُوهَا } وجيء بالثاني تتمياً ودلالة على أنه لما كان من مقاصدهم عد في معرض الامتنان وإلا فليس التزين بالعرض الزائل مما يقصده أهل الله تعالى وهم أهل الخطاب بالقصد الأول واعترض ما تقدم بأنه وإن ثبت اتحاد الفاعل لكن لم تتم به شروط صحة النصب لفقد شرط آخر منها وهو المقارنة في الوجود فإن الخلق متقدم على الزينة. وأجيب بأن ذلك على إرادة إرادة الزينة كما قيل في ضربت زيداً تأديباً إن التأديب بتأويل إرادته، وجوز أبو البقاء كون {زِينَةً} مصدراً لفعل محذوف أي ولتتزينوا بها زينة، وقال ابن عطية إنه مفعول به لفعل محذوف أي وجعلها زينة، وروي قتادة عن ابن عباس أنه قرأ {لتركبوها زينة} بغير واو، قال صاحب "اللوامح": إن {زِينَةً} حينئذ نصب على الحال من الضمير في {أية : خَلَقَهَا} تفسير : [النحل: 5] أو من الضمير في {لتركبوها} ولم يعين الضمير وعينه ابن عطية فقال هو المنصوب، وقال غير واحد تجوز الحالية من كل من الضميرين أي لتركبوها متزينين أو متزينا بها، وقال الزمخشري بعد حكاية القراءة: أي خلقها زينة لتركبوها، ومراده على ما قيل إن الزينة إما ثاني مفعولي ـ خلق ـ على إجرائه مجرى جعل أو هو حال عن المفعولات الثلاثة على الجمع، وجوز كونه مفعولاً له {لِتَرْكَبُوهَا } وهو بمعنى التزين فلا يرد عليه اختلاف فاعل الفعلين؛ قيل: وأما لزوم تخصيص الركوب المطلوب بكونه لأجل الزينة وكون الحكمة في خلقها ذلك وكون ذلك هو المقصود الأصلي لنا فلا ضير فيه لأن التجمل بالملابس والمراكب لا مانع منه شرعاً وهو لا ينافي أن يكون لخقلها حكم أهم كالجهاد عليها وسفر الطاعات، وإنما خص لمناسبته لمقام الامتنان مع أن الزينة [الحقيقية] على ما قال الراغب ما لا يشين في الدنيا ولا في الآخرة، وأما ما يزين في حالة دون أخرى فهو من وجه شين اهـ فتأمل ولا تغفل. واستدل بالآية على حرمة أكل لحوم المذكورات لأن السوق في معرض الاستدلال بخلق هذه النعم منة على هذا النوع دلالة على التوحيد وسوء صنيع من يقابلها بالإشراك والحكيم لا يمن بأدنى النعمتين تاركاً أعلاهما، كيف وقد ذكر أماما. وروى ابن جرير وغيره القول بكراهة أكل لحوم الخيل لهذه الآية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وروي عن أبـي حنيفة عليه الرحمة أنه قال: رخص بعض العلماء في لحم الخيل فأما أنا فلا يعجبني أكله، وفي رواية أخرى أنه قال أكرهه والأولى تلوح إلى قوله بكراهة التنزيه والثانية تدل على الترحيم بناء على ما روي عن/ أبـي يوسف أنه سأله إذا قلت: في شيء أكرهه فما رأيك فيه؟ فقال: التحريم، وكأنه لهذا قال صاحب "الهداية" الأصح أن كراهة أكل لحمها تحريمية عند الإمام، وفي "العمادية" أنه رضي الله تعالى عنه رجع عن القول بالكراهة قبل موته بثلاثة أيام وعليه الفتوى، وقال صاحباه والإمام الشافعي رضي الله تعالى عنهم: لا بأس بأكل لحوم الخيل. وأجاب بعض الشافعية عن الاستدلال بالآية بمنع كون المذكور أدنى النعمتين بالنسبة إلى الخيل قال: وذلك لأن الآية وردت للامتنان عليهم على نحو ما ألفوه، ولا ينكر ذو أرب أن معظم الغرض من الخيل الركوب والزينة لا الأكل بخلاف النعم، وذكر أغلب المنفعتين وترك أدناهما ليس بدعا بل هو دأب اختصارات القرآن، وذكره في الأول أن لم يصر حجة لنا في الاكتفاء مع التنبيه على أنه نزر في المقابل فلا يصير حجة علينا، فظهر أنه لا استدلال لا من عبارة الآية ولا من إشارتها. واستدلوا على الحل بما صح من حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية والبغال وأذن عليه الصلاة والسلام في لحم الخيل يوم خيبر، وفيه دليل عندهم على أن الآية لا تدل على التحريم لإفادته أن تحريم لحوم الحمر الأهلية إنما وقع عام خيبر كما هو الثابت عند أكثر المحدثين وهذه السورة مكية فلو علم التحريم مما فيها كان ثابتاً قبله، وبحث فيه بأن السورة وإن كانت مكية يجوز كون هذه الآية مدنية، وفيه أن مثل ذلك يحتاج إلى الرواية ومجرد الجواز لا يكفي، وعورض حديث جابر بما أخرجه أبو عبيد وأبو داود والنسائي وابن المنذر عن خالد بن الوليد قال: «حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن لحوم الخيل والبغال والحمير»تفسير : والترجيح كما قال في "الهداية" للمحرم، لكن أنت تعلم أن هذا الخبر يوهي أمر الاستدلال بالآية لما أن خالداً قد أسلم بالمدينة والآية مكية فلو كان التحريم معلوماً منها لما كان للنهي الذي سمعه كثير فائدة، والجملة الاستدلال بالآية على حرمة لحوم الخيل لا يسلم من العثار فلا بد من الرجوع في ذلك إلى الأخبار. والحكم عند تعارضها لا يخفى على ذوي الاستبصار، والذي أميل إليه الحل والله تعالى أعلم. {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي ويخلق غير ذلك الذي فصله سبحانه لكم، والتعبير عنه بما ذكر لأن مجموعه غير معلوم ولا يكاد يكون معلوماً فالكلام إجمالاً لما عدا الحيوانات المحتاج غالباً احتياجاً ضرورياً أو غير ضروري، والعدول إلى صيغة الاستقبال للدلالة على الاستمرار والتجدد أو لاستحضار الصورة، ويجوز أن يكون إخباراً منه تعالى بأن له سبحانه ما لا علم لنا به من الخلائق فما لا تعلمون على ظاهره، فقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مما خلق الله تعالى لأرضا لؤلؤة بيضاء مسيرة ألف عام عليها جبل من ياقوتة حمراء محدق بها في تلك الأرض ملك قد ملأ شرقها وغربها له ستمائة رأس في كل رأس ستمائة وجه في كل وجه ستمائة ألف وستون ألف فم في كل فم ستون ألف لسان يثني على الله تعالى ويقدسه ويهلله ويكبره بكل لسان ستمائة ألف وستين ألف مرة فإذا كان يوم القيامة نظر إلى عظمة الله تعالى فيقول: وعزتك ما عبدتك حق عبادتك»تفسير : فذلك قوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وفي رواية أخرى عنه أن عن يمين العرش نهراً من نور مثل السمٰوات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخل فيه جبريل عليه السلام كل سحر فيغتسل فيزداد جمالاً إلى جماله وعظماً إلى عظمه ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك فيدخل منهم كل يوم سبعون/ ألف ملك البيت المعمور وسبعون ألف ملك الكعبة لا يعودون إلى يوم القيامة. وروي هذا أيضاً عن الضحاك ومقاتل وعطاء. ومما لا نعلمه أرض السمسمة التي ذكر عنها الشيخ الأكبر قدس سره ما ذكر، وجابرصا وجابلقا حسبما ذكر غير واحد، وان زعمت ذلك من الخرافات كالذي ذكره عصرينا - رئيس الطائفة الذين سموا أنفسهم بالكشفية ودعاهم أعداؤهم من الإمامية بالكفشية في غالب كتبه مما تضحك منه لعمر أبيك الثكلى ويتمنى العالم عند سماعه لمزيد حيائه من الجهلة نزوله إلى الأرض السفلى فاقنع بما جاء في الآثار، ولا يثنينك عنه شبه الفلاسفة إذا صح سنده فإنها كسراب بقيعة، والذي أظنه أنه ليس أحد من الكفار فضلاً عن المؤمنين يشك في أن لله تعالى خلقاً لا نعلمهم ليحتاج إلى إيراد الشواهد على ذلك، ويجوز أن يكون المراد بهذا الخلق الخلق في الجنة أي ويخلق في الجنة غير ما ذكر من النعم الدنيوية ما لا تعلمون أي ما ليس من شأنكم أن تعلموه، وهو ما أشير إليه بقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى: حديث : «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».

ابن عاشور

تفسير : {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}. والخيل معطوف على {أية : والأنعام خلقها} تفسير : [سورة النحل: 5]. فالتقدير: وخلق الخيل. والقول في مناط الاستدلال وما بعده من الامتنان والعبرة في كلّ كالقول فيما تقدّم من قوله تعالى: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء} الآية. والفعل المحذوف يتعلق به {لتركبوها وزينة}، أي خلقها الله لتكون مراكب للبشر، ولولا ذلك لم تكن في وجودها فائدة لعمران العالم. وعطف {وزينة} بالنصب عطفاً على شبه الجملة في {لتركبوها}، فجُنّب قرنه بلام التعليل من أجل توفر شرط انتصابه على المفعولية لأجله، لأن فاعله وفاعلَ عامله واحد، فإن عامله فعلُ {خلق} في قوله تعالى: {والأنعام خلقها} إلى قوله تعالى: {والخيل والبغال} فذلك كله مفعول به لفعل {خلقها}. ولا مرية في أن فاعل جَعْلها زينة هو الله تعالى، لأن المقصود أنها في ذاتها زينة، أي خلقها تزين الأرض، أو زين بها الأرض، كقوله تعالى:{أية : ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح} تفسير : [سورة الملك: 5]. وهذا النصب أوضح دليل على أن المفعول لأجله منصوب على تقدير لام التعليل. وهذا واقع موقع الامتنان فكان مقتصراً على ما ينتفع به المخاطبون الأولون في عادتهم. وقد اقتصر على منّة الركوب على الخيل والبغال والحمير والزينة، ولم يذكر الحمل عليها كما قال في شأن الأنعام {أية : وتحمل أثقالكم} تفسير : [سورة النحل: 7]، لأنهم لم تكن من عادتهم الحمل على الخيل والبغال والحمير، فإن الخيل كانت تركب للغزو وللصيد، والبغال تركب للمشي والغزو. والحمير تركب للتنقل في القرى وشبهها. وفي حديث البخاري عن ابن عباس في حجّة الوداع أنه قال جئت على حمار أتان ورسول الله يصلي بالناس الحديث. وكان أبو سَيارة يجيز بالناس من عرفة في الجاهلية على حمار وقال فيه:شعر : خلوا السبيل عن أبي سياره وعن مواليه بني فزاره حتى يجيز راكباً حماره مستقبل الكعبة يدعو جاره تفسير : فلا يتعلق الامتنان بنعمة غير مستعملة عند المنعم عليهم، وإن كان الشيء المنعم به قد تكون له منافع لا يقصدها المخاطبون مثل الحَرث بالإبل والخيل والبغال والحمير، وهو مما يفعله المسلمون ولا يعرف منكر عليهم. أو منافع لم يتفطن لها المخاطبون مثل ما ظهر من منافع الأدوية في الحيوان مما لم يكن معروفاً للناس من قبلُ، فيدخل كل ذلك في عموم قوله تعالى: {أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} تفسير : في سورة البقرة (29)، فإنه عموم في الذوات يستلزم عموم الأحوال عدا ما خصّصه الدليل مما في آية الأنعام (145) {أية : قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه} تفسير : الآية. وبهذا يعلم أن لا دليل في هذه الآية على تحريم أكل لحوم الخيل والبغال والحمير لأن أكلها نادر الخطور بالبال لقلّته، وكيف وقد أكل المسلمون لحوم الحمر في غزوة خيبر بدون أن يستأذنوا النبي كانوا في حالة اضطرار، وآية سورة النحل يومئذٍ مقروءة منذ سنين كثيرة فلم ينكر عليهم أحد ولا أنكره النبي. كما جاء في الصحيح: أنه أتي فقيل له: أُكِلت الحمر، فسكت، ثم أتي فقيل: أكلت الحمر فسكت. ثم أتي فقيل: أفنيت الحمر فنادى منادي النبي أن الله ورسوله ينهاكم عن أكل لحوم الحمر. فأهرقت القدور. وأن الخيل والبغال والحمير سواء في أن الآية لا تشمل حكم أكلها. فالمصير في جواز أكلها ومنعه إلى أدلّة أخرى. فأما الخيل والبغال ففي جواز أكلها خلاف قوي بين أهل العلم، وجمهورهم أباحوا أكلها. وهو قول الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والظاهري، وروي عن ابن مسعود وأسماء بنت أبي بكر وعطاء والزهري والنخعي وابن جبير. وقال مالك وأبو حنيفة: يحرم أكل لحوم الخيل، وروي عن ابن عباس. واحتجّ بقوله تعالى: {لتركبوها وزينة}، ولو كانت مباحة الأكل لامتنّ بأكلها كما امتنّ في الأنعام بقوله: {أية : ومنها تأكلون} تفسير : [سورة النحل: 5]. وهو دليل لا ينهض بمفرده. فيجاب عنه بما قرّرنا من جريان الكلام على مراعاة عادة المخاطبين به. وقد ثبتت أحاديث كثيرة أن المسلمين أكلوا لحوم الخيل في زمن رسول الله وعلمه. ولكنه كان نادراً في عادتهم. وعن مالك رضي الله عنه رواية بكراهة لحوم الخيل واختار ذلك القرطبي. وأما الحمير فقد ثبت أكل المسلمين لحومها يوم خيبر. ثم نُهوا عن ذلك كما في الحديث المتقدم. واختلف في محمل ذلك، فحملهُ الجمهور على التحريم لذات الحمير. وحملهُ بعضهم على تأويل أنها كانت حمولتهم يومئذٍ فلو استرسلوا على أكلها لانقطعوا بذلك المكان فآبوا رجالاً ولم يستطيعوا حمل أمتعتهم. وهذا رأي فريق من السلف. وأخذ فريق من السّلف بظاهر النهي فقالوا بتحريم أكل لحوم الحمر الإنسية لأنها مورد النهي وأبقوا الوحشية على الإباحة الأصلية. وهو قول جمهور الأيمة مالك وأبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهم وغيرهم. وفي هذا إثبات حكم تعبدي في التفرقة وهو مما لا ينبغي المصير إليه في الاجتهاد إلا بنصّ لا يقبل التأويل كما بيّناه في كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية. على أنه لا يعرف في الشريعة أن يحرّم صنف إنسي لنوع من الحيوان دون وحشيه. وأما البغال فالجمهور على تحريمها. فأما من قال بِحرمة أكل الخيل فلأن البغال صنف مركّب من نوعين محرمين، فتعين أن يكون أكله حراماً. ومن قال بإباحة أكل الخيل فلتغليب تحريم أحد النوعين المركب منهما وهو الحمير على تحليل النوع الآخر وهو الخيل. وعن عطاء أنه رآها حلالاً. والخيل: اسم جمع لا واحد له من لفظه على الأصح. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : والخيل المسومة} تفسير : في سورة آل عمران (14). {والبغال}: جمع بَغل. وهو اسم للذكر والأنثى من نوعٍ أمّه من الخيل وأبوه من الحمير. وهو من الأنواع النادرة والمتولدة من نوعين. وعكسه البرذون، ومن خصائص البغال عُقم أنثاها بحيث لا تلد. و{الحمير}: جمع تكسير حمارٍ وقد يجمع على أحمرة وعلى حُمُر. وهو غالب للذكر من النوع، وأما الأنثى فأتان. وقد روعي في الجمع التغليب. اعتراض في آخر الكلام أو في وسطه على ما سيأتي. و{يخلق} مضارع مراد به زمن الحال لا الاستقبال، أي هو الآن يخلق ما لا تعلمون أيها الناس مما هو مخلوق لنفعهم وهم لا يشعرون به، فكما خلق لهم الأنعام والكراع خلق لهم ويخلق لهم خلائق أخرى لا يعلمونها الآن، فيدخل في ذلك ما هو غير معهود أو غير معلوم للمخاطبين وهو معلوم عند أمم أخرى كالفيل عند الحبشة والهنود، وما هو غير معلوم لأحد ثم يعلمه الناس من بعد مثل دواب الجهات القطبية كالفقمة والدُب الأبيض، ودواب القارة الأمريكية التي كانت مجهولة للناس في وقت نزول القرآن، فيكون المضارع مستعملاً في الحال للتجديد، أي هو خالق ويخلق. ويدخل فيه كما قيل ما يخلقه الله من المخلوقات في الجنة، غير أن ذلك خاصّ بالمؤمنين، فالظاهر أنه غير مقصود من سياق الامتنان العام للناس المتوسّل به إلى إقامة الحجّة على كافري النعمة. فالذي يظهر لي أن هذه الآية من معجزات القرآن الغيبية العلمية، وأنها إيماء إلى أن الله سيلهم البشر اختراع مراكب هي أجدى عليهم من الخيل والبغال والحمير، وتلك العجلات التي يركبها الواحد ويحركها برجليه وتسمى (بسكلات)، وأرتال السكك الحديدية، والسيارات المسيّرة بمصفّى النفط وتسمى (أطوموبيل)، ثم الطائرات التي تسير بالنفط المصفّى في الهواء. فكل هذه مخلوقات نشأت في عصور متتابعة لم يكن يعلمها من كانوا قبل عصر وجود كل منها. وإلهام الله الناس لاختراعها هو ملحق بخلق الله، فالله هو الذي ألهم المخترعين من البشر بما فطرهم عليه من الذكاء والعلم وبما تدرجوا في سلّم الحضارة واقتباس بعضهم من بعض إلى اختراعها، فهي بذلك مخلوقة لله تعالى لأن الكلّ من نعمته.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يخلق ما لا يعلم المخاطبون وقت نزولها، وأبهم ذلك الذي يخلقه لتعبيره عنه بالموصول ولم يصرح هنا بشيء منه، ولكن قرينة ذكر ذلك في معرض الامتنان بالمركوبات تدل على أن منه ما هو من المركوبات، وقد شوهد ذلك في إنعام الله على عباده بمركوبات لم تكن معلومة وقت نزول الآية، كالطائرات، والقطارات، والسيارات. ويؤيد ذلك إشارة النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في الحديث الصحيح. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والله لينزلن ابن مريم حكماً عادلاً فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد"تفسير : اهـ. ومحل الشاهد من هذا الحديث الصحيح - حديث : قوله صلى الله عليه وسلم: "ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها" تفسير : فإنه قسم من النًّبي صلى الله عليه وسلم أنه ستترك الإبل فلا يسعى عليها، وهذا مشاهد الآن للاستغناء عن ركوبها بالمراكب المذكورة. وفي هذا الحديث معجزة عظمى، تدل على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم وإن كانت معجزاته صلوات الله عليه وسلامه أكثر من أن تحصر. وهذه الدلالة التي ذكرنا تسمى دلالة الاقتران، وقد ضعفها أكثر أهل الأصول، كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله: شعر : أما قران اللفظ في المشهور فلا يساوي في سوى المذكور تفسير : وصحح الاحتجاج بها بعض العلماء. ومقصودنا من الاستدلال بها هنا أن ذكر {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل:8] في معرض الامتنان بالمركوبات لا يقل عن قرينة دالة على أن الآية تشير إلى أن من المراد بها بعض المركوبات، كما قد ظهرت صحة ذلك بالعيان. وقد ذكر في موضع آخر: أنه يخلق ما لا يعلمه خلقه غير مقترن بالامتنان بالمركوبات، وذلك في قوله {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 8- وخلق لكم الخيل والبغال والحمير لتركبوها، فتتخذوا منها زينة تُدخل السرور على قلوبكم، وسيخلق ما لا تعلمون الآن من وسائل الركوب وقطع المسافات، مما سخره اللَّه لبنى الإنسان، إذا استخدم عقله وفكر به واهتدى إلى استخدام كل القوى. 9- وعلى اللَّه بمقتضى فضله ورحمته أن يُبيِّن لكم الطريق المستقيم الذى يوصلكم إلى الخير ومن الطريق ما هو مائل منحرف لا يوصل إلى الحق، ولو شاء هدايتكم جميعا لهداكم وحملكم على الطريق المستقيم، ولكنه خلق لكم عقولا تدرك، وإرادة توجه. وترككم لاختياركم. 10- هو الذى أنزل من جهة السماء ماء لكم منه شراب، وبعضه ينبت منه الشجر، وفى هذا الشجر ترسلون أنعامكم لتأكل منه، وتمدكم باللبن واللحوم، والأصواف والأوبار والأشعار. 11- ينبت لكم بالماء الذى ينزل من السماء الزرع الذى نخرج منه الحبوب والزيتون والنخيل والأعناب، وغيرها من كل أنواع الثمرات التى تأكلونها غير ما ذكر، إن فى إيجاد هذه الأشياء لعلامة هادية لقوم ينتفعون بعقولهم ويفكرون فى القدرة التى أوجدتها. 12- وسخر لكم الليل إذ جعله مهيئا لراحتكم، والنهار إذ جعله مناسبا لسعيكم وحركتكم وأعمالكم، والشمس إذ تمدكم بالدفء والضوء، والقمر لتعرفوا به عدد السنين والحساب، والنجوم مسخرات بأمر اللَّه تهتدوا بها فى الظلمات، إن فى ذلك لعلامات وأدلة لقوم ينتفعون بما وهبهم اللَّه من عقل يدرك.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ويخلق ما لا تعلمون: من سائر الحيوانات ومن ذلك السيارات والطائرات والقطر. وعلى الله قصد السبيل: أي تفضلاً منه وامتناناً ببيان السبيل القاصده وهي الإِسلام. ومنها جائر: أي عادل عن القصد وهو سائر الملل كاليهودية والنصرانية. ومنه شجر: أي وبسببه يكون الشجر وهو هنا عام في سائر النباتات. فيه تسيمون: ترعون مواشيكم. مسخراتٍ بأمره: أي بإذنه وقدرته. وما ذرأ لكم في الأرض: أي خلق لكم في الأرض من الحيوان والنباتات المختلفة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد بذكر مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته إذ قال تعالى: {وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ} أي خلقها وهو خالق كل شيء لعله ركوبهم إياها إذ قال: {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} أي ولأجل أن تكون زينةً لكم في حياتكم وقوله {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي مما هو مركوب وغير مركوب من مخلوقات عجيبة ومن المركوب هذه السيارات على اختلافها والطائرات والقطر السريعة والبطيئة هذا كله إفضاله وإنعامه على عباده فهل يليق بهم أن يكفروه ولا يشكروه؟ وهل يليق بهم أن يشركوا في عبادته سواه. وقوله {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} ومن إفضاله وإنعامه الموجب لشكره ولعبادته دون غيره أن بين السبيل القاصد الموصل إلى رضاه وهو الإِسلام، في حين أن ما عدا الإِسلام من سائر الملل كاليهودية والنصرانية والمجوسية وغيرها سبل جائره عن العدل والقصد سالكوها ضالون غير مهتدين إلى كمال ولا إلى إسعاد هذا معنى قوله تعالى {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} وقوله {وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} أي لو تعلقت بإرادته هداية الناس أجمعين لهداهم أجمعين وذلك لكمال قدرته وعلمه، إلا أن حكمته لم تقتض هداية لكل الناس فهدى من رغب في الهداية وأضل من رغب في الضلال. ومن مظاهر ربوبيته الموجبة لألوهيته أي عبادته ما جاء في الآيات التالية [10، 11، 12، 13، 14، 15] إذ قال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ} تشربون منه وتتطهرون، {وَمِنْهُ} أي من الماء الذي أنزل من السماء شجر لأن الشجرة والمراد به هنا سائر النباتات يتوقف وجوده على الماء وقوله {فِيهِ تُسِيمُونَ} أي في ذلك النبات ترعون مواشيكم. يقال سام الماشية أي ساقها إلى المرعى ترعى وسامت الماشية أي رعت بنفسها. وقوله تعالى: {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ} أي بما أنزل من السماء من ماء {ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} كالفواكه والخضر على اختلافها إذ كلها متوقفة على الماء. وقوله {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي المذكور من نزول الماء وحصول المنافع الكثيرة به {لآيَةً} أي علامةً واضحةً على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته وهي مقتضية لعبادته وترك عبادة غيره. ولكن {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فيتعظون. أما أشباه البهائم الذين لا يفكرون في شيء فلا يجدون آية ولا شبه آية في الكون كله وهو يعشيون فيه. وقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلْنَّهَارَ} الليل للسكون والراحة، والنهار للعمل ابتغاء الرزق وتسخيرهما كونهما موجودين باستمرار لا يفترقان أبداً إلى أن يأذن الله بانتهائهما وقوله: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أي سخرهما كذلك للانتفاع بضوء الشمس وحرارتها، وضوء القمر لمعرفة عدد السنين والحساب، وقوله {وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} كذلك ومن فوائد النجوم الاهتداء بها في ظلمات البر والبحر وكونها زينة وجمالاً للسماء التي هي سقف دارنا هذه.. وقوله {إِنَّ فِي ذَلِكَ} المذكور من تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم {لآيَاتٍ} عدة يستدل بها على الخالق وعلى وجوب عبادته وعلى توحيده فيها، ولكن {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي الذين يستخدمون طاقة عقولهم في فهم الأشياء وإدراك أسرارها وحقائقها أما أشباه البهائم والمجانين الذين لا يفكرون ولا يتعقلون ولا يعقلون، فليس لهم في الكون كله آية واحدة يستدلون بها على ربهم ورحمته بهم وواجب شكره عليهم وقوله تعالى: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي وما خلق لكم في الأرض من إنسان وحيوان ونبات {مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} وخصائصه وشيانه ومنافعه وآثاره {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الخلق العجيب {لآيَةً} أي دلالة واضحة على وجود الخالق عز وجل ووجوب عبادته وترك عبادة غيره ولكن {لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} فيتعظون فينتبهون إلى ربهم فيعبدونه وحده بامتثال أمره واجتناب نهيه فيكملون على ذلك ويسعدون في الحياتين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- كون الخيل والبغال والحمير خلقت للركوب والزينة لا ينفي منفعة أخرى فيها وهي أكل لحوم الخيل لثبوت السنة بإباحة لحوم الخيل، ومنع لحوم البغال والحمير كما في الصحيحين. 2- الإسلام هو السبيل التي بينها الله تعالى فضلاً منه ورحمة وما عداه فهي سبل جائرة عن العدل والحق. 3- فضيلة التفكر والتذكر والتعقل وذم أضدادها لأن الآيات الكونية كالآيات القرآنية إذا لم يتفكر فيها العبد لا يهتدي إلى معرفة الحق المنشود وهو معرفة الله تعالى ليعبده بالذكر والشكر وحده دون سواه.

د. أسعد حومد

تفسير : (8) - وَخَلَقَ اللهُ الخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ، وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مَخْلُوقَاتٍ وَوَسَائِلَ أُخْرَى لاَ يَعْلَمُهَا النَّاسُ، تُفِيدُ فِي الزِّينَةِ والرُّكُوبِ (كَالقُطُرِ وَالسُّفُنِ وَالطَّائِرَاتِ ...).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وبعد أن ذكر لنا الحق سبحانه الأنعام التي نأخذ منها المأكولات، يذكر لنا في هذه الآية الأنعام التي نستخدمها للتنقّل أو للزينة؛ ولا نأكل لحومها وهي الخَيْل والبِغَال والحمير؛ ويُذكِّرنا بأنها للركوب والمنفعة مع الزينة؛ ذلك أن الناس تتزيَّن بما تَرْكب؛ تماماً كما يفخر أبناءُ عصرِنا بالتزيُّن بالسيارات الفارهة. ونَسَقُ الآية يدلُّ على تفاوت الناس في المراتب؛ فكلُّ مرتبة من الناس لها ما يناسبها لِتركبه؛ فالخَيْل للسادة والفِرْسان والأغنياء؛ ومَنْ هم أقلُّ يركبون البغال، ومَنْ لا يملك ما يكفي لشراء الحصان أو البَغْل؛ فيمكنه أنْ يشتريَ لنفسه حماراً. وقد يملك إنسانٌ الثلاثة ركائب، وقد يملك آخرُ اثنتين منها؛ وقد يملك ثالثٌ رُكوبة واحدة، وهناك مَنْ لا يملك من المال ما يُمكِنه أنْ يستأجرَ ولو رُكوبة من أيّ نوع. وشاء الحق سبحانه أن يقسم للناس أرزاق كل واحد منهم قِلَّةً أو كثرةً، وإلا لو تساوى الناس في الرزق، فمَنِ الذي يقوم بالأعمال التي نُسمِّيها نحن - بالخطأ - أعمالاً دُونية، مَنْ يكنس الشوارع، ومَنْ يحمل الطُّوب للبناء، ومَنْ يقف بالشَّحْم وسط ورش إصلاح السيارات؟ وكما نرى فكلُّ تلك الأعمال ضرورية، ولولا رغبةُ الناس في الرزق لَمَا حَلَتْ مثل تلك الأعمال، وراقتْ في عُيون مَنْ يُمارِسونها، ذلك أنها تَقِيهم شَرَّ السُّؤال. ولولا أن مَنْ يعمل في تلك الأعمال له بطنٌ تريد أنْ تمتلىءَ بالطعام، وأولاد يريدون أنْ يأكلوا؛ لَمَا ذهب إلى مشقَّات تلك الأعمال. ولو نظرتَ إلى أفقر إنسان في الكون لوجدتَ في حياته فترة حقَّق فيها بعضاً من أحلامه. وقد نجد إنساناً يكِدُّ عَشْرة سنين؛ ويرتاح بقية عمره؛ ونجد مَنْ يكِدّ عشرين عاماً فيُرِيح نفسه وأولاده من بعده، وهناك مَنْ يتعب ثلاثين عاماً، فيُريح أولاده وأحفاده من بعده. والمهم هو قيمة ما يُتقِنه، وأن يرضَى بقدر الله فيه، فيعطيه الله ما دام قد قَبِل قدره فيه. وأنت إنْ نظرتَ إلى مَنْ فاء الله عليهم بالغِنَى والتَّرف ستجدهم في بداية حياتهم قد كَدُّوا وتَعِبوا ورَضُوا بقدر الله فيهم، ولم يحقدوا على أحد، نجده سبحانه يهديهم طمأنينةَ وراحةَ بالٍ. وشاء سبحانه أنْ يُنوِّع في مُسْتويات حياة البشر كَيْلا يستنكفَ أحدٌ من خدمة أحد ما دام يحتاج خدماته. ونجد النصّ التعبيري في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها هو خَيْل وبِغَال وحمير؛ وقد جعل الحق سبحانه البغال في الوسط؛ لأنها ليست جنساً بل تأتي من جنسين مختلفين. ويُنبِّهنا الحق سبحانه في آخر الآية إلى أن ذلك ليس نهاية المَطَاف؛ بل هناك ما هو أكثر، فقال: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8]. وجعل الحق سبحانه البُراق خادماً لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل بساط الريح خادماً لسليمان عليه السلام، وإذا كانت مثل تلك المُعْجزات قد حدثتْ لأنبياء؛ فقد هدى البشر إلى أنْ يبتكروا من وسائل المواصلات الكثير من عربات تجرُّها الجِيَاد إلى سيارات وقطارات وطائرات. وما زال العلم يُطوِّر من تلك الوسائل، ورغم ذلك فهناك مَنْ يقتني الخيْل ويُربّيها ويُروِّضها ويجريّها لجمال منظرها. وإذا كانت تلك الوسائلُ من المواصلات التي كانت تحمل عنَّا الأثقال؛ وتلك المُخْترعات التي هدانا الله إياها؛ فما بالُنَا بالمواصلات في الآخرة؟ لا بد أن هناك وسائلَ تناسب في رفاهيتها ما في الآخرة من متاعٍ غير موجود في الدنيا؛ ولذلك يقول في الآية التالية: {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 1473- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}: [الآية: 8]، قَالَ: جعلها لتركبوها، وزينة لكم.