Verse. 1910 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَعَلَي اللہِ قَصْدُ السَّبِيْلِ وَمِنْہَا جَاۗىِٕرٌ۝۰ۭ وَلَوْ شَاۗءَ لَہَدٰىكُمْ اَجْمَعِيْنَ۝۹ۧ
WaAAala Allahi qasdu alssabeeli waminha jairun walaw shaa lahadakum ajmaAAeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وعلى الله قصد السبيل» أي بيان الطريق المستقيم «ومنها» أي السبيل «جائر» حائد عن الاستقامة «ولو شاء» هدايتكم «لهداكم» إلى قصد السبيل «أجمعين» فتهتدون إليه باختيار منكم.

9

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح دلائل التوحيد قال: {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ } أي إنما ذكرت هذه الدلائل وشرحتها إزاحة للعذر وإزالة للعلة ليهلك من هلك عن بينة. ويحيى من حي عن بينة وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: القصد استقامة الطريق يقال: طريق قصد وقاصد إذا أداك إلى مطلوبك، إذا عرفت هذا ففي الآية حذف، والتقدير: وعلى الله بيان قصد السبيل، ثم قال: {وَمِنْهَا جَائِرٌ } أي عادل مائل ومعنى الجور في اللغة الميل عن الحق والكناية في قوله: {وَمِنْهَا جَائِرٌ } تعود على السبيل، وهي مؤنثة في لغة الحجاز يعني ومن السبيل ما هو جائر غير قاصد للحق وهو أنواع الكفر والضلال، والله أعلم. المسألة الثانية؛ قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه يجب على الله تعالى الإرشاد والهداية إلى الدين وإزاحة العلل والأعذار، لأنه تعالى قال: {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ } وكلمة «على» للوجوب قال تعالى: { أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } تفسير : [آل عمران: 97] ودلت الآية أيضاً على أنه تعالى لا يضل أحداً ولا يغويه ولا يصده عنه، وذلك لأنه تعالى لو كان فاعلاً للضلال لقال: {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ } وعليه جائرها أو قال: وعليه الجائر فلما لم يقل كذلك بل قال في قصد السبيل أنه عليه، ولم يقل في جور السبيل أنه عليه بل قال {وَمِنْهَا جَائِرٌ } دل على أنه تعالى لا يضل عن الدين أحداً. أجاب أصحابنا أن المراد على الله بحسب الفضل والكرم أن يبين الدين الحق والمذهب الصحيح فإما أن يبين كيفية الاغواء والإضلال فذلك غير واجب فهذا هو المراد، والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله: {وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } يدل على أنه تعالى ما شاء هداية الكفار، وما أراد منهم الإيمان، لأن كلمة (لو) تفيد انتفاء شيء لانتفاء شيء غيره قوله؛ {وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ } معناه: لو شاء هدايتكم لهداكم، وذلك يفيد أنه تعالى ما شاء هدايتهم فلا جرم ما هداهم، وذلك يدل على المقصود. وأجاب الأصم عنه بأن المراد لو شاء أن يلجئكم إلى الإيمان لهداكم، وهذا يدل على أن مشيئة الإلجاء لم تحصل. وأجاب الجبائي بأن المعنى: ولو شاء لهداكم إلى الجنة وإلى نيل الثواب لكنه لا يفعل ذلك إلا بمن يستحقه، ولم يرد به الهدى إلى الإيمان، لأنه مقدور جميع المكلفين. وأجاب بعضهم فقال المراد: ولو شاء لهداكم إلى الجنة ابتداء على سبيل التفضل، إلا أنه تعالى عرفكم للمنزلة العظيمة بما نصب من الأدلة وبين، فمن تمسك بها فاز بتلك المنازل ومن عدل عنها فاتته وصار إلى العذاب، والله أعلم. واعلم أن هذه الكلمات قد ذكرناها مراراً وأطواراً مع الجواب فلا فائدة في الإعادة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} أي على الله بيان قصد السبيل، فحذف المضاف وهو البيان. والسبيل: الإسلام، أي على الله بيانه بالرسل والحجج والبراهين. وقصد السبيل: استقامة الطريق؛ يقال: طريق قاصد أي يؤدّي إلى المطلوب. {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} أي ومن السبيل جائر؛ أي عادل عن الحق فلا يهتدى به؛ ومنه قول امرىء القيس:شعر : ومن الطريقة جائر وهُدًى قصد السبيل ومنه ذو دخل تفسير : وقال طَرَفة:شعر : عَدَوْلِيّةٌ أو من سَفِين ٱبن يامِنٍ يَجُور بها الملاّح طوْراً ويَهتدِي تفسير : العَدَوْلِيّة سفينة منسوبة إلى عَدَوْلَي قرية بالبحرين. والعَدَوْلِيّ: المَلاّح؛ قاله في الصحاح. وفي التنزيل {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ} تفسير : [الأنعام: 153] وقد تقدّم. وقيل: المعنى ومنهم جائر عن سبيل الحق، أي عادل عنه فلا يهتدي إليه. وفيهم قولان: أحدهما ـ أنهم أهل الأهواء المختلفة؛ قاله ابن عباس. الثاني ـ ملل الكفر من اليهودية والمجوسية والنصرانية. وفي مصحف عبد الله «ومِنكم جائر» وكذا قرأ عليّ «ومنكم» بالكاف. وقيل: المعنى وعنها جائر؛ أي عن السبيل. فـ «ـمِن» بمعنى عن. وقال ابن عباس: أي من أراد الله أن يهديه سهّل له طريق الإيمان، ومن أراد أن يضله ثقل عليه الإيمان وفروعه. وقيل: معنى «قَصْد السبيل» مسيركم ورجوعكم. والسبيل واحدة بمعنى الجمع، ولذلك أنث الكناية فقال: «ومنها» والسبيل مؤنثة في لغة أهل الحجاز. قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} بيّن أن المشيئة لله تعالى، وهو يصحح ما ذهب إليه ابن عباس في تأويل الآية، ويردّ على القَدَرية ومن وافقها كما تقدّم.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى من الحيوانات ما يسار عليه في السبل الحسية، نبه على الطرق المعنوية الدينية، وكثيراً ما يقع في القرآن العبور من الأمور الحسية إلى الأمور المعنوية النافعة الدينية، كقوله تعالى: {أية : وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} تفسير : [البقرة: 197]، وقال تعالى: {أية : يَـٰبَنِىۤ آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ} تفسير : [الأعراف: 26] ولما ذكر تعالى في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها التي يركبونها ويبلغون عليها حاجة في صدورهم، وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن البعيدة والأسفار الشاقة، شرع في ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه، فبين أن الحق منها ما هي موصلة إليه فقال: {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} كقوله: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} تفسير : [الأنعام: 153] وقال: {أية : قَالَ هَذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ} تفسير : [الحجر: 41]. قال مجاهد في قوله: {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} قال: طريق الحق على الله، وقال السدي: {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ}: الإسلام. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} يقول: وعلى الله البيان، أي: يبين الهدى والضلالة. وكذا روى علي بن أبي طلحة عنه، وكذاقال قتادة والضحاك، وقول مجاهد ههنا أقوى من حيث السياق؛ لأنه تعالى أخبر أن ثم طرقاً تسلك إليه، فليس يصل إليه منها إلا طريق الحق، وهي الطريق التي شرعها ورضيها، وما عداها مسدودة، والأعمال فيها مردودة، ولهذا قال تعالى: {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} أي: حائد مائل زائغ عن الحق. قال ابن عباس وغيره: هي الطرق المختلفة والآراء والأهواء المتفرقة كاليهودية والنصرانية والمجوسية، وقرأ ابن مسعود: {ومنكم جائر} ثم أخبر تعالى أن ذلك كله كائن عن قدرته ومشيئته، فقال: {وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} تفسير : [يونس: 99] وقال: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [هود:118-119].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ } أي بيان الطريق المستقيم {وَمِنْهَا } أي السبيل {جَائِرٌ } حائد عن الاستقامة {وَلَوْ شَاء } هدايتكم {لَهَدَاكُمْ } إلى قصد السبيل {أَجْمَعِينَ } فتهتدون إليه باختيار منكم.

الماوردي

تفسير : {وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر} يحتمل وجهين: أحدهما: وعلى الله قصد الحق في الحكم بين عباده ومنهم جائر عن الحق في حكمه. الثاني: وعلى الله أن يهدي إلى قصد الحق في بيان السبيل، ومنهم جائر عن سبيل الحق، أي عادل عنه لا يهتدي إليه. وفيهم قولان: أحدهما: أنهم أهل الأهواء المختلفة، قاله ابن عباس. الثاني: ملل الكفر.

البقاعي

تفسير : ولما كانوا في أسفارهم واضطرابهم في المنافع بهذه الحيوانات وغيرها يقصدون أسهل الطرق وأقومها وأوصلها إلى الغرض، ومن عدل عن ذلك كان عندهم ضالاً سخيف العقل غير مستحق للعد في عداد النبلاء، نبههم على أن ما تقدم في هذه السورة قد بين الطريق الأقوم الموصل إليه سبحانه بتكفله ببيان أنه واحد قادر عالم مختار، وأنه هو المنعم، فوجب اختصاصه بالعبادة، وأخبرهم سبحانه أنه أوجب هذا البيان على نفسه فضلاً منه فقال تعالى: {وعلى} أي قد بين لكم الطريق الأمم وعلى {الله} أي الذي له الإحاطة بكل الشيء {قصد السبيل} أي بيان الطريق العدل، وعلى الله بيان الطريق الجائر حتى لا يشك في شيء منهما، فإن الطريق المعنوية كالحسية، منها مستقيم من سلكه اهتدى {ومنها جائر} من سلكه ضل عن الوصول فهلك{ أية : وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم}تفسير : [التوبة:115 ] الآية أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}تفسير : [الإسراء: 15] فالآية من الاحتباك: ذكر أن عليه بيان القصد أولاً دلالة على حذف أن عليه بيان الجائر ثانياً، وذكر أن من الطرق الجائر ثانياً دلالة على حذف أن منها المستقيم أولا، وتعبير الأسلوب لبيان أن المقصود بالذات إنما هو بيان النافع، ومادة قصد تدور على العدل المواه، ومنه القصد، أي الاستقامة، واستقامة الطريق من غير تعريج، وضد الإفراط كالاقتصاد، ورجل ليس بالجسيم ولا بالضئيل، وذلك لا يكون إلا عن إرادة وتوجه، فإطلاق القصد على العزم مستقيماً كان أو جائراً، إذا قلت: قصدته - بمعنى أتيته أو أممته ونويته، من دلالة الالتزام، وكذا القصد بمعنى الكسر بأيّ وجه كان، وقيل: لا يقال: قصد، إلا إذا كان بالنصف، والقصيد: ما تم شطر أبياته، لأن ذلك أعدل حالاته، قال في القاموس: ثلاثة أبيات فصاعداً أو ستة عشر فصاعداً؛ وقال الإمام أبو الفتح عثمان بن جني في آخر كتابه المغرب في شرح القوافي: فالبيت على ثلاثة أضرب: قصير، ورمل، وزجر، فأما القصيد فالطويل التام، والبسيط التام، والكامل التام، والمديد التام، والوافر التام، والرجز التام، والخفيف التام، وهو كل ما تغنى به الركبان، ومعنى قولنا: المديد التام والوافر التام. نريد أتم ما جاء منهما في الاستعمال، أعني الضربين الأولين منهما، فأما أن يجيئا على أصل وضعهما في دائرتيهما فذلك مرفوض مطّرخ؛ والقصيد: المخ السمين أو دونه، والعظم الممخ، والناقة السمينة بها نفي، والسمين من الأسنمة - لأن بهذا الحال استقامة كل ما ذكر، وكذا القاصد: القريب، وبيننا وبين الماء ليلة قاصدة، أي هينة السير، لأنه أقرب إلى الاستقامة، ومنه قصدت كذا - إذا اعتمدته وأممته وتوجهت إليه سواء كان ذلك عدلاً أو جوراً، وانقصد الرمح - إذا انكسر على السواء، كأنه مطاوع قصده، والواحدة من تلك الكِسَر قصده بالكسر، ورمح قصد - ككتف: متكسر، والقصد - بالتحريك: العوسج - لأنه سريع التكسر، والجوع - لأن الجائع قاصد لما يأكله متوجه إليه، والقصد: مشرة العضاه تخرج في أيام الخريف لدنة تتثنى في أطراف الأغصان، وهي خوصة تخرج فيها، وفي كثير من الشجر في تلك الأيام، أو هي الأغصان، أو هي الأغصان الرطبة قبل أن تتلون وتشتد - سميت بذلك لخروجها وتوجهها إلى منظر العين، أو توجه النظر إليها للسرور بها، والقصيد: العصا - لأنها تقصد ويقصد بها، وأقصد السهم: أصاب فقتل مكانه، وأقصد فلاناً: طعنه فلم يخطئه، والحية: لدغت فقتلت - يمكن أن يكون ذلك من الاستقامة لأن قصد فاعله القتل، فكأنه استقام قصده بنفوذه، ويمكن أن يكون من السلب أي أنه أزال الاستقامة لأن من مات فقد زالت استقامة حياته، ومنه المقصد كمخرج، وهو من يمرض ويموت سريعاً، والقصيد بمعنى اليابس من اللحم - فعيل بمعنى مفعل، أي أقصد فزالت استقامته بأن هلك جفافاً يبساً. والصدق ضد الكذب، وهو من أعدل العدل وأقوم القصد، والصدق: الشدة، إذ بها يمتحن الصادق من الكاذب، ومنه رجل صدق، أي يصدق ما يعزم عليه أو يقوله بفعله، فهو شديد العزم سديد الأمر، والصديق - كأمير: الحبيب الذي يصدق قوله في الحب بفعل، والمصادقة والصداق - بالكسر: المخالة كالتصادق، والصيدق - كصقيل: الأمين - لأنه مصدق في قوله، والملك - لأن محله يقتضي الصدق لعدم حاجته إلى الكذب، والقطب - لأنه أصدق النجوم دلالة لثباته، وقال أبو عبد الله القزاز: هو اسم للسها، وهو النجم الخفي الذي مع بنات نعش، والصدق - بالفتح: الصلب المستوي من الرماح - لأنه صدق ظن الطاعن به، وكذا من الرجال، والكامل من كل شيء، ورجل صدق اللقاء والنظر، ومصداق الشيء: ما يصدقه، وشجاع ذو مصدق - كمنبر: صادق الحملة، أي شديدها، والصدقة - محركة: ما أعطيته في ذات الله لأنها تصدق دعوى الإيمان لدلالتها على شدة العزم فيه، والصدقة - بضم الدال وسكونها: مهر المرأة لأنه يصدق العزم فيه وكسكيت: الكثير الصدق، وصدقت الله حديثاً إن لم أفعل كذا - يمين لهم، أي لا صدقت، وفعله غب صادقة، أي بعد ما تبين له الأمر، وصدقه تصديقاً - ضد كذبه، والوحشي: عدا ولم يلتفت لما حمل عليه، والمصدق - كمحدث: آخذ الصدقات، والمتصدق: معطيها. ولما كان أكثر الخلق ضالاً، كان ربما توهم متوهم أنه خارج عن الإرادة، فنفي هذا التوهم بقوله - عطفاً على ما تقديره: فمن شاء هداه قصد السبيل، ومن شاء أسلكه الجائر، وهو قادر على ما يريد من الهداية والإضلال -: {ولو شاء} هدايتكم {لهداكم أجمعين *} بخلق الهداية في قلوبكم بعد بيان الطريق القصد، ولكنه لم يشأ ذلك فجعلكم قسمين. ولما كان ما مضى كفيلاً ببيان أنه الواحد المختار، شرع يوضح ذلك بتفصيل الآيات إيضاحاً يدعه في أتم انكشاف في سياق معدّد للنعم مذكر بها داع إلى شكرها، فقال بعد ما دل به من الإنسان وما يليه في الشرف من الحيوان مبتدئاً بما يليهما في الشرف من النبات الذي هو قوام حياة الإنسان وما به قوام حياته من الحيوان: {هو} لا غيره مما تدعي فيه الإلهية {الذي أنزل} أي بقدرته الباهرة {من السماء} قيل: نفسها. وقيل: جهتها، وقيل: السحاب - كما هو مشاهد {ماء} أي واحداً تحسونه بالذوق والبصر {لكم منه} أي خاصة {شراب} ظاهر على وجه الأرض من العيون والأنهار والغدران وغيرها. ولما كان أول ما يقيم الآدمي شراب اللبن الناشىء عن الماء فقدمه، أتبعه ما ينشأ منه أشرف أغذيته وهو الحيواني، فقال تعالى: {ومنه شجر} لسريانه في الأرض الواحدة واختلاطه بها، فينعقد من ذلك نبات {فيه تسيمون *} أي ترعون على سبيل الإطلاق ليلاً ونهاراً ما خلق لكم من البهائم، والشجر هنا - بما أفهمته الإسامة - عام لما يبقى في الشتاء حقيقة، ولغيره مجازاً؛ قال القزاز: الشجر ما بقي له ساق في الشتاء إلى الصيف، ثم يورق، والبقل ما لا يبقى له ساق، قال الخليل: جل الشجر عظامه وما يبقى منه في الشتاء، ودقه صنفان: أحدهما تبقى له أرومة في الأرض في الشتاء، وينبت في الربيع، ومنه ما ينبت من الأرض كما تنبت البقلة، والفرق بينه وبين البقل أن الشجر يبقى له أرومة على الشتاء ولا يبقى للبقل، وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أن النبات ثلاثة أقسام: شجر وهو ما يبقى في الشتاء، ولا يذهب فرعه ولا أصله، وما نبت في بزر ولم ينبت في أرومة ثابتة فهو البقل، وما نبت في أرومة - أي أصل - وكان مما يهلك فرعه وأصله في الشتاء فهو الجنبة، لأنه فارق الشجر الذي يبقى فرعه وأصله، والبقل الذي يبيد فرعه وأصله، فكان جنبة بينهما. ولما كان الشجر عاماً، شرع سبحانه يفصله تنويعاً للنعم وتذكيراً بالتفاوت، إشارة إلى أن الفعل بالاختيار، فقال مبتدئاً بالأنفع في القوتية والائتدام والتفكه: {ينبت} أي هو سبحانه {لكم} أي خاصة {به} مع كونه واحداً في أرض واحدة {الزرع} الذي تشاهدونه من أقل الشجر مكثاً وأصغره قدراً، {والزيتون} الذي ترونه من أطول الأشجار عمراً وأعظمها قدراً. ولما كانت المنافع كثيرة في شجر التمر، سماه باسمه فقال تعالى: {والنخيل} ولما كانت المنفعة في الكرم بغير ثمرته تافهة، قال تعالى: {والأعناب} وهما من أوسط ذلك {ومن كل الثمرات} وأما كلها فلا يكون إلا في الجنة، وهذا الذي في الأرض بعض من ذلك الكل مذكر به ومشوق إليه {إن في ذلك} أي الماء العظيم المحدث عنه وعن فروعه، أو في إنزاله على الصفة المذكورة {لآية} بينة على أن فاعل ذلك تام القدرة يقدر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وأنه مختار يفعل ذلك في الوقت الذي يريده. ولما كان ذلك ممن يحس، وكان شغل الحواس بمنفعته - لقربه وسهولة ملابسته - ربما شغل عن الفكر في المراد به، فكان التفطن لدلالته يحتاج إلى فضل تأمل ودقة نظر، قال تعالى: {لقوم يتفكرون *} أي في أن وحدته وكثرة ما يتفرع عنه دليل على وحدة صانعه وفعله بالاختيار، وأفرد الآية لوحدة المحدث عنه، وهو الماء - كما قال تعالى في آية {أية : تسقى بماء واحد} تفسير : [ الرعد:4] وسيأتي في آية النحل كلام الإمام أبي الحسن الحرالي في هذا. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هذه السورة في التحامها بسورة الحجر مثل الحجر بسورة إبراهيم من غير فرق، لما قال تعالى{ أية : فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون}تفسير : [الحجر:92] وقال تعالى بعد ذلك في وعيد المستهزئين { فسوف يعلمون} أعقب هذا ببيان تعجيل الأمر فقال تعالى {أية : أتى أمر الله فلا تستعجلوه} تفسير : [النحل:1] وزاد هذا بياناً قوله {سبحانه وتعالى عما يشركون} فنزه سبحانه نفسه عما فاهوا به في استهزائهم وشركهم وعظيم بهتهم، وأتبع ذلك تنزيهاً وتعظيماً فقال تعالى {خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون} ثم أتبع ذلك بذكر ابتداء خلق الإنسان وضعف جبلته { خلق الإنسان من نطفة} ثم أبلغه تعالى حداً يكون فيه الخصام والمحاجة، كل ذلك ابتلاء منه واختبار ليميز الخبيث من الطيب، وأعقب هذا بذكر بعض ألطافه في خلق الأنعام وما جعل فيها من المنافع المختلفة، وما هو سبحانه عليه من الرأفة والرحمة اللتين بهما أخر العقوبة عن مستوجبها، وهدى من لم يستحق الهداية بذاته بل كل هداية فبرأفة الخالق ورحمته، ثم أعقب ما ذكره بعد من خلق الخيل والبغال والحمير وما في ذلك كله بقوله { ولو شاء لهداكم أجمعين} فبين أن كل الواقع من هداية وضلال خلقه وفعله، وأنه أوجد الكل من واحد، وابتدأهم ابتداء واحداً {خلق الإنسان من نطفة} فلا بعد في اختلاف غاياتهم بعد ذلك، فقد أرانا سبحانه مثال هذا الفعل ونظيره في قوله {وهو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر - إلى قوله: لآية لقوم يتفكرون} انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {وعلى الله قصد السبيل} يقولون البيان {ومنها جائر} قال الأهواء المختلفة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {وعلى الله قصد السبيل} يقول: على الله يبين الهدى والضلالة، {ومنها جائر} قال السبيل المتفرقة. واخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله {وعلى الله قصد السبيل} قال طريق الحق على الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {وعلى الله قصد السبيل} قال: على الله بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته {ومنها جائر} قال: على السبيل ناكب عن الحق وفي قراءة ابن مسعود "ومنكم جائر". وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف، عن علي أنه كان يقرأ هذه الآية "فمنكم جائر". وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في قوله {وعلى الله قصد السبيل} قال طريق الهدى، {ومنها جائر} قال: من السبل جائر عن الحق، وقرأ {أية : ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} تفسير : [الأنعام: 153] {ولو شاء لهداكم أجمعين} لقصد السبيل الذي هو الحق وقرأ {أية : ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعاً} تفسير : [يونس: 99] {أية : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} تفسير : [السجدة: 13] والله أعلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {فيه تسيمون} قال ترعون فيه أنعامكم. وأخرج الطستي، عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {فيه تسيمون} قال فيه ترعون. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت الأعشى وهو يقول: شعر : ومشى القوم بالعماد إلى الدو حاء أعماد المسيم بن المساق تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {وما ذرأ لكم في الأرض} قال ما خلق لكم في الأرض مختلفاً: من الدواب، والشجر، والثمار. نعم من الله متظاهرة، فاشكروها لله عز وجل، والله أعلم بالصواب.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} [الآية: 9]. قال الواسطى: على الله أن يهدى إلى قصد السبيل ما هو جائر والله تعالى سبب الجائر والسبيل القصد وهو السلوك على أنوار اليقين والجائر من السبل، سبل التوهم والدعاوى.

القشيري

تفسير : قومٌ هداهم السبيل، وعرَّفَهم الدليل، فصرفَ عن قلوبهم خواطر الشكِّ، وَعصَمَهم عن الجُحْدِ والشِّرْك، وأَطْلَعَ في قلوبهم شمسَ العرفان، وأفردهم بنور البيان. وآخرون أضلّهم وأغواهم، وعن شهود الحُجَجِ أعماهم، وفي سابقُ حكْمِه من غير سببٍ أَذَلَّهم وقمعهم، ولو شاء لعرَّفهم وهداهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} اى على الله الطريق المستقيم ان يعرّفه من اصطفاه فى الازل بمحبته وولايته والايمان به والايقان فى معرفته بربوبيته اى على الله الهداية لا على غيره من العرش الاى الثرى اى انه لا شريك له فى الوهيّته بان يجد احد سبيلا اليه بغير ارادته ومشيته او ياخذ طريقا من طرق معرفته بسبب من الاسباب او علة من العلل {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} اى من السبيل مائل عن طريق الصواب وهو طريق قهره اجلس شيخ الضلالة على راس وادى الطغيان فمن طرده عن طريق المستقيم سلط عليه الملعون حتى يغويه فى اودية الشهوات وقفر الظلمات فان الضلالة والهدى يتعلقان بقهره ولطفه ولو اراد ان يحيز الكل فى حيز الرحمة لكان كما اراد ولكن يضل من يشاء ويهدى من يشاء تصديق ذلك قوله {وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} قال الواسطى على الله ان يهدى الى قصد السبيل ومن السبيل ما هو جائر والله سبب الجائر والسبيل القصد والسلوك على انوار اليقين والجائر فى السبيل على سبيل التوهم والدعاوى.

اسماعيل حقي

تفسير : {وعلى الله قصد السبيل} القصد مصدر بمعنى الفاعل يقال سبيل قصد وقاصد اى مستقيم على نهج اسناد حال سالكه اليه كأنه يقصد الوجه الذى يؤمه السالك لا يعدل عنه والمراد بالسبيل الطريق بدليل اضافة القصد اليه اى حق عليه سبحانه بموجب رحمته ووعده المحتوم لا واجب اذ لا يجب عليه شئ من بيان الطريق المستقيم الموصل لمن يسلكه الى الحق الذى هو التوحيد بنصب الادلة وارسال الرسل وانزال الكتب لدعوة الناس اليه {ومنها} فى محل الرفع على الابتداء اما باعتبار مضمونه واما بتقدير الموصوف اى بعض السبيل او بعض من السبيل فانها تذكر وتؤنث. قال ابن الكمال الفرق بين الطريق والصراط والسبيل انها متساوية فى التذكير والتأنيث اما فى المعنى فبينهما فرق لطيف وهو ان الطريق كل ما يطرقه طارق معتادا كان او غير معتاد والسبيل من الطرق ما هو معتاد السلوك والصراط من السبيل مالا التواء فيه اى لا اعوجاج بل يكون على سبيل القصد فهو اخص {جائر} اى مائل عن الحق منحرف عنه لا يوصل سالكه إليه وهو طريق الضلال التى لا يكاد يحصى عددها المندرج كلها تحت الجائر كاليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر ملل الكفر واهل الاهواء والبدع ومن هذا علم ان قصد السبيل هو دين الاسلام والسنة والجماعة جعلنا الله واياكم على قصد السبيل وحسن الاعتقاد والعمل وحفظنا واياكم من الجائر والزيغ والزلل. قال مرجع طريقة الجلوتية بالجيم اعنى حضرة الشيخ محمود هدايى الاسكدارى قدس سره رأيت صور اعلام اهل الاديان فى مبشرتى ليلة الاثنين والعشرين من جماد الآخرة لسنة اثنتي عشرة والف وهى هذه- هذا علم اهل الايمان وصورة استمدادهم من الحق تعالى بالتوجه الى العلو اقتداء بمن قال فى حقه المولى الاعلى ما زاغ البصر وما طغى 88- هذا علم النصارى وصورة انحرافهم عن الحق 88- هذا علم اليهود وصورة انحرافهم عن الحق اكتفاء بالقلب انتهى {ولو شاء لهديكم اجمعين} اى ولو شاء الله ان يهديكم الى ما ذكر من التوحيد هداية موصلة اليه البتة مستلزمة لاهتدائكم اجميعن لفعل ذلك ولكن لم يشأ لان مشيئته تابعة للحكمة الداعية اليها ولا حكمة فى تلك المشيئة لما ان مدار التكليف والثواب والعقاب انما هو الاختيار الجزئى الذى يترتب عليه الاعمال التى بها نيط الجزاء. وقال ابو الليث فى تفسيره لو علم الله ان الخلق كلهم اهل للتوحيد لهداهم انتهى. يقول الفقير هو معنى لطيف مبنى على ان العلم تابع للمعلوم فلا يظهر من الاحوال الا ما اعطته الاعيان الى العلم الالهى كالايمان والكفر والطاعة والعصيان والنقصان والكمال فمن كان مقتضى ذاته الايمان والطاعة والكمال وكان اهلالها فى عالم عينه الثابتة اعطاها للعلم فشاء الله هدايته فى هذه النشأة بحكمته ومن كان مقتضى استعداده خلاف لم يشأ الله هدايته حين النزول الى مرتبة وجوده العنصرى والالزم التغير فى علم الله تعالى وهو محال وفى الحديث "حديث : انما انا رسول وليس الى شئ من الهداية ولو كانت الهداية الىّ لآمن كل من الارض وانما ابليس مزين وليس له من الضلالة شيء ولو كانت الضلالة اليه لأضل كل من فى الارض ولكن الله يضل من يشاء"تفسير : كذا فى تقليح الاذهان قال الحافظ شعر : مكن بجشم حقارت ملامت من مست كه نيست معصيت وزهد بى مشيت او تفسير : وقال شعر : درين جمن نكم سرزنش بخود رويى جنانكه برورشم مى دهند ومى رويم تفسير : وقال شعر : رضا بداده بده وزجبين كره بكشاى كه برمن وتو در اختيار نكشادست تفسير : فعليك بترك القيل والقال ورفض الاعتزال والجدال فان الرضى والتسليم سبب القبول وخلافه يؤدى الى غصب الحبيب المقبول - يحكى - عن حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر انه قال اقمت بمدينة قرطبة بمشهد فارانى الله اعيان رسله عليهم السلام من لدن آدم الى نبينا عليه الصلاة والسلام فخاطبنى منهم هود عليه السلام واخبرنى فى سبب جمعيتهم وهو انهم اجتمعوا شفعاء للحلاج الى نبينا عليه الصلاة والسلام وذلك انه كان قد اساء الادب بان قال فى حياته الدنيوية ان رسول الله صلى الله عليه وسلم همته دون منصبه قيل له ولم ذلك قال لان الله تعالى قال {أية : ولسوف يعطيك ربك فترضى}تفسير : وكان من حقه لا يرضى الا ان يقبل الله تعالى شفاعته فى كل كافر ومؤمن لكنه ما قال الا "حديث : شفاعتى لاهل الكبائر من امتى"تفسير : فلما صدر منه هذا القول جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى واقعة وقال له يا منصور انت الذى انكرت على الشفاعة فقال يا رسول الله قد كان ذلك فقال ألم تسمع اننى حكيت عن ربى عز وجل "حديث : اذا احببت عبدا كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا"تفسير : فقال بلى يا رسول الله فقال حديث : أو لم تعلم انى حبيب اللهتفسير : قال بلى يا رسول الله قال فاذا كنت حبيب الله كان هو لسانى القائل فاذا هو الشافع والمشفوع اليه وانا عدم فى وجوده فأى عتاب علىّ يا منصور فقال يارسول الله حديث : انا تائب من قولى هذا فما كفارة ذنبىتفسير : قال قرب نفسك لله قربانا فاقتل نفسك بسيف شريعتى فكان من امره ما كان ثم قال هود عليه السلام وهو من حيث فارق الدنيا محجوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والآن هذه الجمعية لاجل الشفاعة له الى رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. يقول الفقير سامحه الله القدير فى هذه القصة امران احدهما عظم شأن الحلاج قدس سره بدلالة عظم شأن الشفعاء والثانى انه قتل فى بغداد فى آخر سنة ثلاثمائة وتسع ومات حضرة الشيخ الاكبر بالشام سنة ثمان وثلاثين وستمائة فبينهما من المدة ثلاثمائة وتسع وعشرون سنة والظاهر والله اعلم ان روح الحلاج كان محجوبا عن روح رسول الله صلى الله عليه وسلم اكثر من ثلاثمائة سنة تقريبا وذلك سبب كلمة صدرت منه على خلاف الادب فان من كان على بساط القرب والحضور ينبغى ان يراعى الادب فى كل امر من الامور فما ظنك بمن جاوز حد الشريعة ورخص نظم القرآن ومعانيه اللطيفة وعمل بالخيالات والاوهام فليس اولئك الا كالانعام نسأل الله العافية والعفو والانعام {هو الذى انزل} بقدرته القاهر {من السماء} الى السحاب ومنه الى الارض{ماء} نوعا منه وهو المطر. وفى بحر العلوم تنكيره للتبعيض اى بعض الماء فأنه لم ينزل من السماء الماء كله {لكم منه} اى من ذلك الماء المنزل {شراب} اى ما تشربونه والظرف الاول وهو لكم خبر مقدم لشراب والثانى حال منه ومن تبعيضية {ومنه شجر}من ابتدائية اى ومنه وبسببه يحصل شجر ترعاه المواشى والمراد به ما ينبت من الارض سواء كان له ساق اولا وفى حديث عكرمة {لا تأكلون ثمن الشجر فانه سحت} يعني الكلأ وهو بالقصر ما رعته الدواب من الرطب واليابس وانما كان ثمنه سحتا لما فى حديث آخر "حديث : الناس شركاء فى ثلاث الماء والكلأ والنار"تفسير : اى فى اصطلائها وضوئها لا فى الجمر كما ان المراد بالماء ماء الانهار والآبار لا الماء المحرز فى الظروف والحيلة فيه ان يستأجر موضعا من الارض ليضرب فيه فسطاطا او ليجعله حظيره لغنمه فتصح الاجارة ويبيح صاحب المرعى الانتفاع له بالرعى فيحصل مقصودها كذا فى الكافى ويجوز بيع الاوراق على الشجرة لا بيع الثمرة قبل ظهورها والحيلة فى ذلك بيعها مع الاوراق اول ما تخرج من وردها فيجوز البيع فى الثمر تبعا للبيع فى الاوراق كما فى انوار المشارق {فيه تسيمون} الاسامة بالفارسية {بيرون هشتن رمه بجرا} يقال سامت الماشية رعت واسمامها صاحبها من السومة بالضم وهى العلامة لانها تؤثر بالرعى علامات فى الارض اى ترعون مواشيكم قدم الشجر لحصوله بغير صنع من البشر ثم استأنف اخبار عن منافع الماء فقال لمن قال هل له منفعة غير ذلك {ينبت} الله تعالى {لكم} لمصالحكم ومنافعكم{به} اى بما انزل من السماء{الزرع} الذى هو اصل الاغذية وعمود المعاش. قال الكاشفى [مراد حبوب غاذيه است كه زراعت ميكنند}. قال في بحر العلوم الزرع كل ما استنبت بالبذر مسمى بالمصدر وجمع زروع. قال كعب الاحبار لما اهبط الله تعالى آدم جاء ميكائيل بشئ من حب الحنطة وقال هذا رزقك ورزق اولادك قم فاضرب الارض وابذر البذر قال ولم يزل الخب من عهد آدم الى زمن ادريس كبيضة النعام فلما كفر الناس نقص الى بيضة الدجاج ثم الى بيضة الحمام ثم الى قدر البندقة ثم الى قدر الحمصة ثم الى المقدار المحسوس الا ان يقال ان البوم لا يأكل الحنطة ولا يشرب الماء اما الاول فلان آدم عصى بالحنطة ربه واما الثانى فلان قوم نوح اهلكوا بالماء {والزيتون} الذى هو ادام من وجه وفاكهة من وجه. وقال الكاشفى يعني [درخت زيتون را]. قال فى انسان العيون شجرة الزيتون تعمر ثلاثة آلاف سنة وكان زاده صلى الله عليه وسلم وقت تخليه بغار حراء بالمد والقصر الكعك والزيت وجاء (ائتدموا بالزيت وادهنوا به فانه يخرج من شجرة مباركة) وهى الزيتون وقبل لها مباركة لانها لا تكاد تنبت الا فى شريف البقاع التى بورك فيها كارض بيت المقدس {والنخيل}[وخرما بنانرا] والنخيل والنخل بمعنى واحد وهواسم جمع والواحدة نخلة كالثمرة والثمر وفى الحديث "حديث : اكرموا عمتكم النخلة فانها خلقت من فضل طينة آدم وليس من الشجر شجرة اكرم على الله من شجرة ولدت تحتها مريم ابنة عمران فاطعموا نساءكم الولد الرطب فان لم يكن رطب فتمر"تفسير : كما فى المقاصد الحسنة {والاعناب} [وتا كهارا] جمع الاعناب للاشارة الى ما فيها من الاشتمال على الاصناف المختلفة. وفيه اشارة الى ان تسمية العنب كرما لم يكن يوضع الواضع ولكنه كان من الجاهيلة كأنهم قصدوا به الاشتقاق من الكرم لكون الخمر المتخذة منه تحت على الكرم والسخاء فنهى النبى عليه السلام عن ان يسموه بالاسم الذى وضعه الجاهلية وامرهم بالتسمية اللغوية بوضع الواضع حيث قال"حديث : لا تقولوا الكرم ولكن قولوا العنب والحبلة"تفسير : ثم بين قبح تلك الاستعارة بقوله (إنما الكرم قلب المؤمن) يعني ان ما ظنوه من السخاء والكرم فانما هو من قلب المؤمن لا من الخمر اذا اكثر تصرفات السكران عن غلبة من عقله فلا يعتبر ذلك العطاء كرما ولا سخاء اذهو في تلك الحالة كصبى لا يعقل السخاء ويؤثر بماله سرفا وتبذيرا فكما لا يحمل ذلك على الكرم فكذا اعطاء السكران كذا فى ابكار الافكار. وخصص هذه الانواع المعدودة بالذكر للاشعار بفضلها وشرفها ثم عمم فقال {ومن كل الثمرات} من تبعضية اى بعض كلها لانه لم يخرج بالمطر جميع الثمرات وانما يكون فى الجنة اى لم يقل كل الثمرات لان كلها لا تكون الا فى الجنة وانما انبت فى الارض من كلها للتذكرة ولعل المراد ومن كل الثمرات التى يحتملها هذه النشأة الدنيوية وترى بها وهى الثمرات المتعارفة عند الناس بانواعها واصنافها فتكون كلمة من صلة كما فى قوله تعالى {أية : يغفر لكم من ذنوبكم}تفسير : على رأى الكوفية وهو اللائح {ان فى ذلك} اى فى انزال الماء وانبات ما فصل {لآية}عظيمة دالة على تفرده تعالى بالالوهية لاشتماله على كمال العلم والقدرة والحكمة {لقوم يتفكرون} فان من تفكر فى ان الحبة والنواة تقع فى الارض وتصل اليها نداوة تنفذ فيها فينشق اسفلها فيخرج منه عروق تنبسط فى اعماق الارض وينشق اعلاها ان كانت منتكسة فى الوقوع ويخرج منه ساق فينمو ويخرج منه الاوراق والازهار والحبوب والثمار على اجسام مختلفة الاشكال والالوان والخواص والطبائع وعلى نواة قابلة توليد الامثال على النمط المحرر لا الى نهاية مع اتحاد المواد واستواء نسبة الطبائع السفلية والتأثيرات العلوية بالنسبة الى الكل علم ان من هذه افعاله وآثاره لا يمكن ان يشبهه شئ فى شئ من صفات الكمال فضلا عن ان يشاركه اخس الاشياء فى صفاته التى هى الالوهية واستحقاق العبادة تعالى عن ذلك علو كبيرا شعر : روضه جابنخش جانها آفريد بغجه كون ومكانها آفريد كرد ازهر شاخها كل برك وبار جلوه او نقش ديكر آشكار تفسير : والتفكر تصرف القلب فى معانى الاشياء لدرك المطلوب قالوا الذكر طريق والفكر وسيلة المعرفة التى هى اعظم الطاعات. قال بعضهم الذكر افضل للعامة لما فى الفكر لهم من خوف الوقوع فى الاباطيل وتمكن الشبه عندهم كما يعرض ذلك لكثير من العوام في زماننا والفكر افضل لأرباب العلم عند التمكن من الفكر المستقيم فانهم كلما عرضت لهم شبهة تطلبوا دليلا يزيلها فكان الفكر لهم افضل من الذكر اذا لم يتمكنوا من حصول الفكر البليغ مع الذكر واليه اشار عليه السلام بقوله "حديث : تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة"تفسير : - روى - ان عثمان رضى الله عنه ختم القرآن فى ركعة الوتر لتمكنه من التدبر والتفكر ولم يبح ذلك لمن لم يتمكن من تدبيره ومعرفة فقهه واجل له مدة يتمكن فيها من ذلك كالثلاثة والسبعة. والاشارة فى الآية {هو الذى انزل من السماء ماء} الفيض {لكم منه شراب} المحبة لقلوبكم {ومنه شجر} قوى البشرية ودواعيها فيه ترعون مواشى نفوسكم ينبت لغذاء ارواحكم به زرع الطاعات وزيتون الصدق ونخيل الاخلاق الحميدة واعناب الواردات الربانية ومن كل ثمرات المعقولات والمشاهدات والمكاشفات والمكالمات والاحوال كلها {ان فى ذلك لآية لقوم يتفكرون} ينظر العقل فى هذه الصنائع الحكيمة.

الجنابذي

تفسير : {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} لمّا ذكر فى خلقة الانسان جملة ما يحتاج اليه فى معاشه ووصوله الى خيراته وكان السّبيل المقتصد الخارج عن الافراط والتّفريط فى كلّ شيءٍ ان يكون اسباب وصوله الى خيراته الاوّليّة الذّاتيّة والى خيراته الثّانويّة بقدر حاجته موجودة، والسّلوك اى خيراته الاوّليّة الذّاتيّة والى خيراته الثّانويّة بقدر حاجته، موجودة وكان السّلوك الى خيراته غير متعسّرٍ قال: لا اختصاص لقصد السّبيل بالانسان بل على الله قصد السّبيل لكلّ شيءٍ {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} وبعض السّبل حائدٌ عن الاعتدال او المقصود انّ خلقتكم وخلقة ما تحتاجون اليه هى السّبيل الى خيراتكم البدنيّة وكمالاتكم الدّنيويّة التّكوينيّة الغير الاختياريّة، وامّا خيراتكم الرّوحيّة الاخرويّة وكمالاتكم الانسانيّة الاختاريّة فعلى الله قصد السّبيل فى ذلك باعطاء العلم والمعرفة وارسال الرّسل وانزال الكتب وتهيّة جميع ما تحتاجون اليه فى تحصيل هذه، فان وقع حيف وميل ونقص وجور فهو من عند انفسكم غير راجع الى الله، فمن خرج عن الاقتصاد فى الطّريق الى الجور فيه فهو بشآمة استعداده وكسبه {وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} بالايصال الى قصد الطّريق والسّير عليه.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {وعلى الله قصد السبيل} أي عليه بيان قصد السبيل، عن ابن عباس: أي بيان الهدى من الضلال، قال جابر: أراد بيان الشرائع والفرائض، وقيل: بيان الذي كلف الخلق، وقيل: على الله بيان سبيل الجنة فمتى بيّنه ولم يعمل به فقد أتى من جهة نفسه {ومنها} الكناية ترجع إلى السبيل {جائر}، قيل: من السبيل ما هو جائر أي عادل عن الخلق، جائر عن طريق الهدى، والجائر اليهودية وأنواع الكفر، وقصد السبيل الإِسلام، وقيل: الجائر البدع والأهواء {ولو شاء لهداكم أجمعين}، قيل: بالانجاء إلى الهدى، وقيل: هو بمعنى القدرة {هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه} فيه {شراب} أي ماء شراب، وقيل: هو شراب {فيه تسيمون} أي ترعون أنعامكم وترسلونها في المراعي {ينبت لكم} أي لأجلكم {به} أي بالماء الذي ينزل من السماء {الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} في الدلائل {وسخّر لكم الليل والنهار} أي ذلك لمنافعكم {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات} لحجج {لقوم يعقلون} {وما ذرأ لكم} أي خلق لكم {في الأرض} سوى ما تقدم ذكره من أنواع النبات، وأجناس الحبوب كالدواب والسباع والطير، وقيل: المراد المعادن وسائر النعم {مختلفاً ألوانه} أجناسه {إن في ذلك لآيات لقوم يذكرون} {وهو الذي سخّر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً} يعني السمك {وتستخرجوا منه حليةً} هو اللؤلؤ والمرجان {تلبسونها} المراد بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهنَّ {وترى الفلك مواخر فيه} أي تشق الماء بحيزومها، وقيل: قواطع لحاجتها، وقيل: جواري {ولتبتغوا من فضله} أي لتطلبوا من رزقه تركبون البحر طلباً للتجارة والمنافع {ولعلكم تشكرون} على هذه النعم {وألقى في الأرض رواسي} أي جبالاً ثوابت {أن تميد بكم} أي لئلا تميد بكم {وأنهاراً وسبلاً} أي جعل فيها طرقاً مختلفة {لعلكم تهتدون} أي لكي تهتدون {وعلامات} أي معالم تعلم بها الطرق، وقيل: هي الجبال، وقيل: الجبال علامات النهار، والنجوم علامات الليل، قال قتادة: خلق الله النجوم زينة للسماء ومعالم للناس ورجوما للشياطين.

اطفيش

تفسير : {وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} القصد مصدر فى الأصل يستعمل بمعنى المستقيم بإِضافته إِلى السبيل للتبعيض والسبيل جنس يقال طريق قصد وطريق قاصد أى مستقيم موصل إِلى المراد الحسن كأَنه يقصد الوجه الذى يقصده السالك لا يميل ويقدر مضاف فكأَنه قيل وعلى الله بيان المستقيم من السبل وهو دين الإِسلام أو على الله هداية المستقيم منها ويجوز أن لا يقدر بأَن يكون المعنى من سلك المستقيم من السبل وصل إِلى الله كما تقول جنان فلان على الطريق تريد من اتبع الطريق وصل إِليه {وَمِنْهَا} أى ومن السبيل لأَن المراد بالسبيل كما مر الجنس {جَائِرٌ} سبيل مائل عن الاستقامة أو عن الله وهو ما عدا دين الإِسلام، ويجوز أن يراد بالسبيل سبيل الله المعهود، فتكون الإِضافة للبيان أى وعلى الله بيان قصد هو سبيله فيكون الضمير فى قوله ومنها عائدا إِلى السبل الكثيرة التى تفهم من الآية أو عائداً إِلى السبيل المذكور على طريق الاستخدام بأَن ذكر على معنى العهد وأُعيد عليه الضمير على معنى الجنس وكل طريق غير طريق الإِسلام يصدق عليه أنه من السبل وأنه جائر وإنما غير الأسلوب فلم يقل وعليه جائرها أو الجائر كما قال وعلى الله قصد السبيل، لأَن المقصود بيان سبيله المستقيم لا تقسيم السبيل إِلى مستقيم ومائل فذكر الجائر أن ما جاء بالعرض تتميماً للكلام بذكر ضد المستقيم هذا ما كنت أقول ثم رأيت القاضى ذكره والحمد لله لولا أنه لم يبق الكلام محتاجا إِلى ذكر المائل بعد ذكر المستقيم فإِن المائل هو ما عداه، فبأَى عبارة ذكر كان الكلام فصيحا بليغا إِذ خلا عما يوجب زكاته أو لأَنه ليس بحق على الله أن يبين طرق الضلالة لكن اقتضت رحمته ورأفته أن بينها كما بين قصد السبيل تَأكيدا وإِيضاحاً ولو كان بيان طريق الهدى مغنياً، أما الوجوب فلا واجب على الله ولكن اقتضت الحكمة أن بين طريق الهدى ولما اقتضته صار كالواجب فكان التعبير بعلى قبل أو غير الأسلوب ليعلم بما يجوز إضافته إليه من السبيلين، وقرأ ابن مسعود ومنكم جائر أى مائل عن القصد باختياره والله منه برئ {وَلَوْ شَاءَ} هدايتكم أجمعين هداية إِيصال وتوفيق إِلى قصد السبيل {لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} باختياركم فيثيبكم أو بالجبر فيثيبكم ولكن الحكمة تقتضى أن لا يجبر أحداً على إِيمان ولا كفر لأَن المدح والذم والثواب والعقاب يبطلن فى الجبر فهو كالعبث تعالى عنه وأما هداية البيان فقد هدى المكلفين كلهم.

اطفيش

تفسير : {وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} بيان السبيل القاصد وهو المستقيم دين الإسلام، أو السبيل المقصود وهو دين الإسلام، أو جعله كذلك وذلك بإرسال الرسل وإنزال الكتب فضلا منه ولا واجب عليه ولكن ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة {وَمِنْهَا جَائِرٌ} عن الاستقامة أو عن الله ورحمته برد الضمير إلى السبيل بلا قيد أنها قاصدة، وذلك استخدام لأَن السبيل المذكورة مستقيمة فلا يتصور أن يكون منها جائِر، وذلك إِذا فسرنا قصد السبيل بإِضافة إِلى الموصوف كما رأَيت، ولو جعلناه إضافة خاص لعام أى القاصد أَو المقصود من السبيل رد الضمير إليه بلا استخدام، والسبيل يؤَنث كما قال: منها وكقوله تعالى: "أية : قل هذه سبيلى " تفسير : [يوسف: 108] ويذكر كما قال جائِر أى سبيل جائِر، أَو أُنث على إِرادة معنى السبل المتعددة، ويجوز عود الضمير إلى الخلائِق كما قرأَ عيسى وابن مسعود: {ومنكم جائر} وعلى فمنكم جائر، ولم يقل وجائرها حتى يوافق ما قبله لأَن المقصود بالذات بيان سبيله المستقيم، وأما الجائر فبالعرض، وأيضاً ذكر سبيل الاستقامة مع قوله: على الله ترجيحاً لرحمته، والحق إضافة الضلال إلى الله سبحانه بمعنى خالقه، وأَخطأَ المعتزلة إذ قالوا لم يخلقه وذكر بعض أنه عبر بذلك تأْديباً {ولَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} والله لم يشأْ هداية الشقى ولم يردها فهو مخذول، ولكن أمره بالهدى وأحب له الاهتداءَ بمعنى أَمره به ولو شاءَ لهداه باختياره، كما أنه لو شاءَ لأَجبره على الاهتداءِ، والمراد بالهداية الهداية الموصلة إلى المطلوب وأَما هدى البيان فعم السعيد والشقى، ولولاها لم تكن السعادة والشقاوة.

الالوسي

تفسير : {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} القصد مصدر بمعنى الفاعل، يقال: سبيل قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك ولا يعدل عنه، فهو نحو نهر جار وطريق سائر و {عَلَىٰ} للوجوب مجازاً والكلام على حذف مضاف أي متحتم عليه تعالى متعين كالأمر الواجب لسبق الوعد بيان، وقيل: هداية الطريق المستقيم الموصل لمن سلكه إلى الحق الذي هو التوحيد بنصب الأدلة وإرسال الرسل عليهم السلام وإنزال الكتب لدعوة الناس إليه، أو هو مصدر بمعنى الإقامة والتعديل و {عَلَىٰ} على حالها المار إلا أنه لا حاجة إلى تقدير المضاف أي عليه سبحانه تقويم السبيل وتعديلها أي جعلها بحيث يصل سالكها إلى الحق على حد صغر البعوضة وكبر الفيل وحقيقته راجعة إلى ما ذكر من نصب الأدلة وإرسال الرسل عليهم السلام وإنزال الكتب. وجوز أن يكون القصد بمعنى القاصد أي المستقيم كما في التفسير الأول و {عَلَىٰ} ليست للوجوب واللزوم والمعنى أن قصد للسبيل ومستقيمه موصل إليه تعالى ومار عليه سبحانه، وفيه تشبيه ما يدل على الله عز وجل بطريق مستقيم شأنه ذلك، وقد ذكر نحو هذا ابن عطية وهو كما ترى، وأل في السبيل للجنس عند كثير فهو شامل للمستقيم وغير، وإضافة القصد بمعنى المستقيم إليه من إضافة العام إلى الخاص، وإضافة الصفة إلى الموصوف خلاف الظاهر على ما قيل؛ وقيل: أل للعهد. والمراد سبيل الشرع. وقوله تعالى: {وَمِنْهَا جَائِرٌ } أي عادل عن المحجة منحرف عن الحق لا يوصل سالكه إليه ظاهر في إرادة الجنس إذ البعضية إنما تتأتى على ذلك، فإن الجائر على إرادة العهد ليس من ذلك بل قسيمه، ومن اراده أعاد الضمير على المطلق الذي في ضمن ذلك المقيد أو على المذكور بتقدير مضاف أي ومن جنسها جائر، وقال ابن عطية: يحتمل أن يعود على سبيل الشرع، والمراد بهذا البعض فرق الضلالة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو جائر عن قصد السبيل؛ وزعم بعضهم أن الضمير يعود على الخلائق أي ومن الخلائق جائر عن الحق، وأيد بقراءة عيسى، ورويت عن ابن مسعود {ومنكم} وأخرجها ابن الأنباري في "المصاحف" عن علي كرم الله تعالى وجهه لكن بالفاء بدل الواو وليس بذاك، والتأنيث لأن السبيل تؤنث وتذكر، والجار والمجرور قيل خبر مقدم و {جَائِرٌ} مبتدأ مؤخر، وقيل: هو في محل رفع بالابتداء إما باعتبار مضمونه وإما بتقدير الموصوف أي بعض السبيل/ أو بعض من السبيل جائر. والجملة على ما اختاره بعض المحققين اعتراضية جيء بها لبيان الحاجة إلى البيان أو التعديل بنصب الأدلة والإرسال والإنزال الأمور المذكورة سابقاً وإظهار جلالة قدر النعمة في ذلك، وذلك هو الهداية المفسرة بالدلالة على ما يوصل إلى المطلوب لا الهداية المستلزمة للاهتداء إليه فإن ذلك ليس على الله سبحانه اصلاً بل هو مخل بحكمته كما يشير إليه قول تعالى: {وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} فإن معناه ولو شاء هدايتكم إلى ما ذكر من التوحيد هداية مستلزمة للاهتداء إليه لفعل ولكن لم يشأ لأن مشيئته تابعة للحكمة ولا حكمة في تلك المشيئة لما أن الذي يدور عليه فلك التكليف إنما هو الاختيار الذي عليه ترتب الأعمال التي بها يرتبط الجزاء، وقيد {أَجْمَعِينَ} للمنفى لا للنفي فيكون المراد سلب العموم لا عموم السلب؛ وذكر بعضهم أنه كان الظاهر أن يقال: وعلى الله قصد السبيل وجائرها أو وعليه جائرها إلا أنه عدل عنه إلى ما في النظم الكريم لأن الضلال لا يضاف إليه تعالى تأدباً فهو كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } تفسير : [الفاتحة: 7]. وزعم الزمخشري أن المخالفة بين أسلوبـي الجملتين للإيذان بما يجوز إضافته من السبيلين إليه تعالى وما لا يجوز وعنى الإشارة إلى ما ذهب إليه إخوانه المعتزلة من عدم جواز إضافة الضلال إليه سبحانه لأنه غير خالقه وجعلوا الآية للمخالفة حجة لهم في هذه المخالفة. وأجاب بعض الجماعة بأن المراد على الله تعالى بحسب الفضل والكرم بيان الدين الحق والمذهب الصحيح فأما بيان كيفية الإغواء والإضلال فليس عليه سبحانه، وبحث فيه بأنه كما أن بيان الهداية وطريقها متحتم فكذا ضده وليس إرسال الرسل عليهم السلام وإنزال الكتب إلا لذلك. وقال ابن المنير: ((إن المخالفة بين الأسلوبين لأن سياق الكلام لإقامة الحجة على الخلق بأنه تعالى بين السبيل القاصد والجائر وهدى قوماً اختاروا الهدى وأضل آخرين اختاروا الضلالة، وقد حقق أن كل فعل صدر على يد العبد فله اعتباران هو من حيث كونه موجوداً مخلوق لله تعالى ومضاف إليه سبحانه بهذا الاعتبار، وهو من حيث كونه مقترناً باختيار العبد له وتيسره عليه يضاف إلى العبد وأن تعدد هذين الاعتبارين ثابت في كل فعل فناسب إقامة الحجة على العباد إضافة الهداية إلى الله تعالى باعتبار خلقه لها وإضافة الضلال إلى العبد باعتبار اختياره له. والحاصل أنه ذكر في كل واحد من الفعلين نسبة غير النسبة المذكورة في الآخر ليناسب ذلك إقامة الحجة ألا لله الحجة البالغة)). وأنكر بعض المحققين أن يكون هناك تغيير الأسلوب لأمر مطلوب بناء على أن ذلك إنما يكون فيها اقتضى الظاهر سبكاً معيناً ولكن يعدل عن ذلك لنكتة أهم منه، وليس المراد من بيان قصد السبيل مجرد إعلام أنه مستقيم حتى يصح إسناد أنه جائر إليه تعالى فيحتاج إلى الاعتذار عن عدم ذلك على أنه لو أريد ذلك لم يوجد لتغيير الأسلوب نكتة، وقد بين ذلك في مواضع غير معدودة بل المراد نصب الأدلة للهداية إليه ولا إمكان لإسناد مثله إليه تعالى بالنسبة إلى الطريق الجائر بأن يقال: وجائرها حتى يصرف ذلك الإسناد منه تعالى إلى غيره سبحانه لنكتة ولا يتوهمه متوهم حتى يقتضي الحال دفع ذلك بأن يقال لا جائرها ثم يغير سبك النظم عنه لداعية أقوى منه، وذكر أن الجلمة اعتراضية حسبما نقلناه سابقاً، وهو كلام يلوح عليه مخايل التحقيق، بيد أن لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يراد ببيان السبيل المستقيم وببيان السبيل الجائر نصب الأدلة الدالة على حقية الأول ليهدي إليه وبطلان الثاني ليحذر ولا يعول عليه وهذا غير مجرد الإعلام الذي ذكره؛ ونسبته إليه تعالى ممكنة بل قال بعضهم: إن الحق أن المعنى على الله تعالى بيان طريق الهداية ليهتدوا إليه وبيان غيرها ليحذروه لكن اكتفى بأحدهما للزوم الآخر له. / وفي «الكشف» أن تغاير الأسلوبين على أصل أهل السنة واضح أيضاً إذ لا منكر أن الأول هو المقصود لذاته فبيان طريق الضلالة إجمالاً قدر ما يمتاز قصد السبيل منه في ضمن بيان قصد السبيل ضرورة وبيانه التفصيلي ليس مما لا بد من وقوعه ولا أن الوعد جرى به على مذهب اهـ فليتأمل، ثم إن الآية منادية على خلاف ما زعمه المعتزلة ومنهم الزجاج من عدم استلزام تعلق مشيئته تعالى بشيء وجوده وقد التجأوا إلى التزام تفسيرها بالقسرية، وقال أبو علي منهم: المعنى لو شاء لهداكم إلى الثواب أو إلى الجنة بغير استحقاق وكل ذلك خلاف الظاهر كما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : جملة معترضة.. اقتضَتْ اعتراضَها مناسبة الامتنان بنعمة تيسير الأسفار بالرواحل والخيل والبغال والحمير. فلما ذكرت نعمة تيسير السبيل الموصلة إلى المقاصد الجثمانية ارتُقِي إلى التذكير بسبيل الوصول إلى المقاصد الرُّوحانية وهو سبيل الهدى، فكان تعهّد الله بهذه السبيل نعمة أعظمَ من تيسير المسالك الجثمانية لأن سبيل الهدى تحصل به السعادة الأبدية. وهذه السبيل هي موهبةُ العقل الإنساني الفارق بين الحقّ والباطل، وإرسال الرسل لدعوة الناس إلى الحقّ، وتذكيرهم بما يغفلون عنه، وإرشادهم إلى ما لا تصل إليه عقولهم أو تصل إليه بمشقّة على خطر من التورّط في بنيّات الطريق. فالسبيل: مجاز لما يأتيه الناس من الأعمال من حيث هي موصلة إلى دار الثواب أو دار العقاب، كما في قوله: {أية : قل هذه سبيلي} تفسير : [سورة يوسف: 108]. ويزيد هذه المناسبة بياناً أنه لما شرحت دلائل التوحيد ناسب التنبيه على أن ذلك طريق للهدى، وإزالة للعذر، وأن من بين الطرق التي يسلكها الناس طريق ضلال وجور. وقد استعير لتعهّد الله بتبيين سبيل الهدى حرف {على} المستعار كثيراً في القرآن وكلام العرب لمعنى التعهّد، كقوله تعالى: {إن علينا للهدى}. شبه التزام هذا البيان والتعهّد به بالحقّ الواجب على المحقوق به. والقصد: استقامة الطريق. وقع هنا وصفاً للسبيل من قبيل الوصف بالمصدر، لأنه يقال: طريق قاصد، أي مستقيم، وطريق قصد، وذلك أقوى في الوصف بالاستقامة كشأن الوصف بالمصادر، وإضافة {قصد} إلى {السبيل} من إضافة الصفة إلى الموصوف، وهي صفة مخصّصة لأن التعريف في {السبيل} للجنس. ويتعين تقدير مضاف لأن الذي تعهّد الله به هو بيان السبيل لا ذات السبيل. وضمير {ومنها} عائد إلى {السبيل} على اعتبار جواز تأنيثه. و{جائر} وصف لــــ{السبيل} باعتبار استعماله مذكراً. أي من جنس السبيل الذي منه أيضاً قصد سبيل جائر غير قَصْد. والجائر: هو الحائد عن الاستقامة. وكنّي به عن طريق غير موصل إلى المقصود، أي إلى الخير، وهو المفضي إلى ضُرّ، فهو جائر بسالكه. ووصفه بالجائر على طريقة المجاز العقلي. ولم يضف السبيل الجائر إلى الله لأن سبيل الضلال اخترعها أهل الضلالة اختراعاً لا يشهد له العقل الذي فطر الله الناس عليه، وقد نهى الله الناس عن سلوكها. وجملة {ولو شاء لهداكم أجمعين} تذييل.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ}. اعلم أولاً - أن قصد السبيل: هو الطريق المستقيم القاصد، الذي لا اعوجاج فيه، وهذا المعنى معروف في كلام العرب. ومنه قول زهير بن أبي سلمى المزني: شعر : صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله وعرى أفراس الصبا ورواحله وأقصرت عما تعلمين وسددت علي سوى قصد السبيل معادله تفسير : وقول امرىء القيس: شعر : ومن الطريقة جائر وهدى قصد السبيل منه ذو دخل تفسير : فإذا علمت ذلك فاعلم أن في معنى الآية الكريمة وجهين معروفين للعلماء، وكل منهما له مصداق في كتاب الله، إلا أن أحدهما أظهر عندي من الآخر. الأول منهما - أن معنى {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ}: أن طريق الحق التي هي قصد السبيل على الله، أي موصلة إليه، ليست حائدة، ولا جائرة عن الوصول إليه وإلى مرضاته. {وَمِنْهَا جَآئِرٌ}. أي ومن الطريق جائر لا يصل إلى الله، بل هو زائغ وحائد عن الوصول إليه. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}تفسير : [الأنعام: 153]، وقوله: {أية : وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} تفسير : [يس: 61]. ويؤيد هذا التفسير قوله بعده: {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} وهذا الوجه أظهر عندي. واستظهره ابن كثير وغيره، وهو قول مجاهد. الوجه الثاني - أن معنى الآية الكريمة: {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} أي عليه جل وعلا أن يبين لكم طريق الحق على ألسنة رسله. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [النساء: 165]، وقوله: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15]، وقوله: {أية : فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ}تفسير : [التغابن: 12] إلى غير ذلك من الآيات. وعلى هذا القول، فمعنى قوله: {وَمِنْهَا جَآئِرٌ} غير واضح، لأن المعنى: ومن طريق جائر عن الحق، وهو الذي نهاكم الله عن سلوكه، والجائر: المائل عن طريق الحق. والوجهان المذكوران في هذه الآية جاريان في قوله: {أية : إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ}تفسير : [الليل: 12] الآية. قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِين}. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لو شاء هداية جميع خلقه لهداهم أجمعين. وأوضح هذا المعنى في آيات أخر، كقوله: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [الأنعام: 35]، وقوله: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}تفسير : [السجدة: 13] الآية، وقوله: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ}تفسير : [الأنعام: 107]، وقوله: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً}تفسير : [يونس: 99] الآية، وقوله: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً...} تفسير : [هود: 118] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا هذا في سورة يونس.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَآئِرٌ} {لَهَدَاكُمْ} (9) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى الحَيَوانَاتِ التِي يَرْكَبُونَهَا لِيَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَاتِهِمْ، شَرَعَ فِي ذِكْرِ الطَّرِيقِ التِي يَسْلُكُهَا النَّاسُ إِلى رَبِّهِمْ. فَقَالَ إِنَّ هُنَاكَ طُرُقاً كَثِيرَةً يَسْلُكُهَا النَّاسُ، وَلَكِنْ لاَ يَصِلُ مِنْهَا إِلَيْهِ إِلاَّ طَرِيقُ الحَقِّ، وَهُوَ الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ الذِي شَرَعَهُ وَرَضِيَهُ، وَأَمَرَ بِهِ، وَهُوَ طَرِيقُ الإِسْلاَمِ لَهُ، وَالإِخْبَاتِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ، وَهُوَ تَعَالَى الذِي هَدَى النَّاسَ إِلَيْهِ رَحْمَةً مِنْهُ بِهِمْ. أَمَّا مَا عَدَاها مِنَ الطُّرُقِ فَإِنَّهَا مَسْدُودَةٌ، وَالأَعْمَالُ فِيهَا مَرْدُودَةٌ. وَمِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ مَا هُوَ مُعْوَجٌّ وَمُنْحَرِفٌ عَنِ الحَقِّ (جَائِرٌ)، وَكُلُّ ذلِكَ كَائِنٌ بِقَدَرِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَلَوُ شَاءَ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً. وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ - بَيَانُ الطَّرِيقِ القَاصِدِ المُسْتَقِيمِ. مِنْهَا جَائِرٌ - مِنَ السَّبِيلِ مَائِلٌ عَنِ الحَقِّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والسبيل هو الطريق؛ والقَصْد هو الغاية، وهو مصدر يأخذون منه القول (طريق قاصد) أي: طريق لا دورانَ فيه ولا التفاف. والحق سبحانه يريد لنا أنْ نصلَ إلى الغاية بأقلِّ مجهود. ونحن في لغتنا العاميّة نسأل جندي المرور "هل هذا الطريق ماشي؟" رغم أن الطريق لا يمشي، بل أنت الذي تسير فيه، ولكنك تقصد أن يكون الطريق مُوصِّلاً إلى الغاية. وأنت حين تُعجِزك الأسباب تقول "خلِّيها على الله" أي: أنك ترجع بما تعجزك أسبابه إلى المُسبِّب الأعلى. وهكذا يريد المؤمن الوصول إلى قَصْده، وهو عبادة الله وُصولاً إلى الغاية، وهي الجنة، جزاءً على الإيمان وحُسْن العمل في الدنيا. وأنت حين تقارن مَجْرى نهر النيل تجد فيه التفافاتٍ وتعرُّجات؛ لأن الماء هو الذي حفر طريقه؛ بينما تنظر إلى الريَّاح التوفيقي مثلاً فتجده مستقيماً؛ ذلك أن البشر هم الذين حفروه إلى مَقْصد معين. وحين يكون قَصْد السبيل على الله؛ فالله لا هَوى له ولا صاحبَ، ولا ولدَ له، ولا يحابي أحداً، وكلُّ الخَلْق بالنسبة له سواء؛ ولذلك فهو حين يضع طريقاً فهو يضعُه مستقيماً لا عِوجَ فيه؛ وهو الحق سبحانه القائل: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الفاتحة: 6]. أي: الطريق الذي لا التواءَ فيه لأيِّ غَرَض، بل الغرض منه هو الغاية بأيسَرِ طريق. وقول الحق سبحانه هنا: {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ ..} [النحل: 9]. يجعلنا نعود بالذاكرة إلى ما قاله الشيطان في حواره مع الله قال: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 82-83]. وردَّ الحق سبحانه: {أية : قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} تفسير : [الحجر: 41]. والحق أيضاً هو القائل: {أية : إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ} تفسير : [الليل: 12]. أي: أنه حين خلق الإنسان أوضح له طريق الهداية، وكذلك يقول سبحانه: {أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} تفسير : [البلد: 10]. أي: أن الحق سبحانه أوضح للإنسان طُرق الحق من الباطل، وهكذا يكون قوله هنا: {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ ..} [النحل: 9]. يدلُّ على أن الطريق المرسوم غايتُه موضوعة من الله سبحانه، والطريق إلى تلك الغاية موزونٌ من الحق الذي لا هَوى له، والخَلْق كلهم سواء أمامه. وهكذا .. فعلى المُفكِّرين ألاَّ يُرهِقوا أنفسهم بمحاولة وَضْع تقنين من عندهم لحركة الحياة، لأن واجدَ الحياة قد وضع لها قانون صيانتها، وليس أدلّ على عَجْز المفكرين عن وضع قوانين تنظيم حياة البشر إلا أنهم يُغيِّرون من القوانين كل فَتْرة، أما قانون الله فخالد باقٍ أبداً، ولا استدراكَ عليه. ولذلك فمِنَ المُرِيح للبشر أنْ يسيروا على منهج الله والذي قال فيه الحق سبحانه حكماً عليهم أنْ يُطبِّقوه؛ وما تركه الله لنا نجتهد فيه نحن. وقوله الحق: {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ ..} [النحل: 9]. أي: أنه هو الذي جعل سبيلَ الإيمان قاصداً للغاية التي وضعها سبحانه، ذلك أن من السُّبل ما هو جائر؛ ولذلك قال: {وَمِنْهَا جَآئِرٌ ..} [النحل: 9]. ولكي يمنع الجَوْر جعل سبيلَ الإيمان قاصداً، فهو القائل: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ ..} تفسير : [المؤمنون: 71]. بينما السبيل العادلة المستقيمة هي السبيل المُتكفّل بها سبحانه، وهي سبيل الإيمان، ذلك أن من السُّبل ما هو جائر أي: يُطِيل المسافة عليك، أو يُعرِّضك للمخاطر، أو توجد بها مُنْحنيات تُضِل الإنسانَ، فلا يسيرُ إلى الطريق المستقيم. ونعلم أن السبيل تُوصِّل بين طرفين (من وإلى) وكل نقطة تصل إليها لها أيضاً (من وإلى) وقد شاء الحق سبحانه ألاَّ يقهرَ الإنسانَ على سبيل واحد، بل أراد له أنْ يختار، ذلك أن التسخير قد أراده الله لغير الإنسان مِمَّا يخدم الإنسان. أما الإنسان فقد خلق له قدرة الاختيار، ليعلم مَنْ يأتيه طائعاً ومَنْ يعصي أوامره، وكل البشر مَجْموعون إلى حساب، ومَن اختار طريق الطاعة فهو مَنْ يذهب إلى الله مُحِباً، ويُثبِت له المحبوبية التي هي مراد الحق من خَلْق الاختيار، لكن لو شاء أنْ يُثبِتَ لنفسه طلاقة القَهْر لخَلقَ البشر مقهورين على الطاعة كما سخَّر الكائنات الأخرى. والحق سبحانه يريد قلوباً لا قوالب؛ ولذلك يقول في آخر الآية: {وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [النحل: 9]. وكل أجناس الوجود كما نعلم تسجد لله: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } تفسير : [الإسراء: 44]. وفي آية أخرى يقول: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ..} تفسير : [النور: 41]. إذن: لو شاء الحق سبحانه لهدى الثقلين أي: الإنس والجن، كما هدى كُلَّ الكائنات الأخرى، ولكنه يريد قلوباً لا قوالبَ. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} معناهُ بَيانُ الهُدى.

الجيلاني

تفسير : {وَ} كما يدبر سبحانه أمور معاش عباده على الوجه الأليق الأحسن بحالهم، كذلك له أن يدبر أمور معادكم، بل هي أولى للتبدير؛ لذلك {عَلَىٰ ٱللَّهِ} المصلح لأحوال عباده {قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} أي: إرشادهم وهدياتهم إلى طريق مستقيم موصل إلى توحيده؛ ليصلوا إليه، ويفوزوا بما وعدوا عنده {وَ} كيف لا يرشدهم سبحانه إلى سواء السبيل {مِنْهَا} أي: من السبيل {جَآئِرٌ} مائل منصرف عن الحق وتوحيده على مقتضى أوصافه الجلالية المذلة المضلة تتميماً للقدرة الكاملة، والسلطنة العامة الشاملة لكلا طرفي اللطف والقهر، والجمال والجلال {وَلَوْ شَآءَ} وأراد سبحانه هدايتكم {لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [النحل: 9] على مقضى تجليات الأوصاف اللطيفة الجمالية، المثمرة للّذة الدائمة، والسرور المستمر الغير المنقطعة، لكن اقتضى حكمته البالغة أن يكون جنابه رفيعاً متعالياً عن أن يطّلع عله واحد بعد واحدٍ؛ لذلك تجلى على بعض المظاهر بالأوصاف القهرية الجلالية المورثة للحزن الدائم، والألم المخلَّد. وكيف لا يدبر سبحانه أمور عباده {هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ} وأفاض {مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً} محيياً لموات الأرض، مثل إحياء الروح الأراضي الأجساد؛ ليحصل {لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ} تشربون منه، أو تعصرونه من القصب والفواكه {وَ} يحل {مِنْهُ شَجَرٌ} أي: أنواع النباتات المستخرجة من الأرض لرعي مواشيكم؛ {فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10] وتُسرحون دوابكم للرعي إلى أن يسمن فيؤكل. وأيضاً {يُنبِتُ لَكُمْ} أي: لقوتكم المقوم لقوتكم المقوم لمزاجكم {بِهِ ٱلزَّرْعَ} بأنواعها؛ لتتخذوا منها أخباراً {وَٱلزَّيْتُونَ} للإدام {وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ} للتفكه والتقوت أيضاً {وَ} بالجملة: يخرج لكم به {مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} تتميماً لأمور معاشكم، وتقويماً لمزاجكم؛ لتفكروا في آلائه ونعمائه، وتتذكروا ذاته؛ كي تفوزوا بمعرفته وتوحيده {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: إنعام هه النعم العظام المذكورة {لآيَةً} عظيمة، وبينة واضحة لائحة {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 11] أي: يستعملون عقولهم في تفكر آلاء الله ونعمائه؛ ليواظبوا على أداء شكرها. {وَ} من آياته سبحانه المتعلقة لتدبير أحوالكم: إنه {سَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ} لستكنوا فيه وتستريحوا {وَٱلْنَّهَارَ} لتعيشوا فيه وتكتسبوا {وَ} أيضاً {ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} لإنضاج ما تتقون، إصلاح ما تتفكهون {وَ} سخر {ٱلْنُّجُومُ} أيضاً؛ لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، حل كون كل منها {مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} تابعاتٍ لحكمه وتقديره على تقدير النصب، أو مع أن الكل مسخرات في قبضة قضائه، يصرفها حسب إرادته ومشيئته على تقدير الرفع {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: التسخير المذكور {لآيَاتٍ} أي: في كلٍ منها دليل واضح، وبرهان لائح {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 12] ويستدلون من الآثار إلى المؤثر، ومن المصنوعات إلى الصانع الحكيم. {وَ} سخر لكم أيضاً {مَا ذَرَأَ} وخلق {لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} أشكاله وطبعه على مقتضى أهويتكم وأمزجتكم من الحوائج المتعلقة لحظوظكم وترفهكم {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [انحل: 13] ويتفطنون منها إلى كرامة الإنسان من بين سائر الأكوان، وإلى خلافته ونيابته عن الله. {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ} لكم {ٱلْبَحْرَ} من كمال لطفه وتكريمه إياكم {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً} وهو السمك {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً} وزينة من الجواهر النفيسة {تَلْبَسُونَهَا} وتتزينون بها ترفهاً وتنعماً {وَتَرَى} أيها الرائي {ٱلْفُلْكَ} أي: السفن {مَوَاخِرَ فِيهِ} أي: جواري مشققات للبحر، مسيرات لمن فيها على الماء {وَ} ما ذلك إلاَّ {لِتَبْتَغُواْ} وتطلبوا {مِن فَضْلِهِ} وجوده ما يعينكم، ويليق بكم من الحوائج والأرباح وغير ذلك {وَ} إنما سخر سبحاه ما سخر عليكم من البرح والبحر {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14] رجاء أن تواظبوا وتداوموا على شكر نعمه، وتصرفوها طلباً لمرضاته. {وَ} من رحمته ولطفه أيضاً {أَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ} التي هي مستقركم ومشؤكم {رَوَاسِيَ} مخافة {أَن تَمِيدَ} وتتحرك {بِكُمْ} ولا يمكن استقراركم علهيا لاضطرابها وتزلزلها؛ إذ هي في طبعها كرة حقيقية، ملقاة على الماء، مغمورة فيه، فلما ألقاها سبحانه عنايةً منه رواسي ثقالاً، صارت متفارقة الأطراف في الثقل، فاستقرت وتثبتت {وَ} أيضاً جرى لكم {أَنْهَاراً} عليها؛ كي يمكنكم الاستقساء منها لدى الحاجة {وَ} عين لكم بين الجبال الراسيات {سُبُلاً} نافذات {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [النحل: 15] إلى ما تقصدون من البلدان البعيدة.

همام الصنعاني

تفسير : 1475- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمِنْهَا جَآئِرٌ}: [الآية: 9]، قال: في حرف ابن مسعود: (ومنكم جاير)؟.