١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن أشرف أجسام العالم السفلي بعد الحيوان النبات، فلما قرر الله تعالى الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات، أتبعه في هذه الآية بذكر الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال النبات. واعلم أن الماء المنزل من السماء هو المطر، وأما أن المطر نازل من السحاب أو من السماء فقد ذكرناه في هذا الكتاب مراراً، والحاصل: أن ماء المطر قسمان: أحدهما: هو الذي جعله الله تعالى شراباً لنا ولكل حي، وهو المراد بقوله: {لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ } وقد بين الله تعالى في آية أخرى أن هذه النعمة جليلة فقال: { أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَيْء حيّ } تفسير : [الأنبياء: 30]. فإن قيل: أفتقولون إن شرب الخلق ليس إلا من المطر، أو تقولون قد يكون منه وقد يكون من غيره، وهو الماء الموجود في قعر الأرض؟ أجاب القاضي: بأنه تعالى بين أن المطر شرابنا ولم ينف أن نشرب من غيره. ولقائل أن يقول: ظاهر الآية يدل على الحصر، لأن قوله: {لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ } يفيد الحصر لأن معناه منه لا من غيره. إذا ثبت هذا فنقول: لا يمتنع أن يكون الماء العذب تحت الأرض من جملة ماء المطر يسكن هناك، والدليل عليه قوله تعالى في سورة المؤمنين: { أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [المؤمنون: 18] ولا يمتنع أيضاً في غير العذب وهو البحر أن يكون من جملة ماء المطر، والقسم الثاني من المياه النازلة من السماء ما يجعله الله سبباً لتكوين النبات وإليه الإشارة بقوله: {وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ } إلى آخر الآية، وفيه مباحث: البحث الأول: ظاهر هذه الآية يقتضي أن أسامة الشجر ممكنة، وهذا إنما يصح لو كان المراد من الشجر الكلأ والعشب، وههنا قولان: القول الأول: قال الزجاج: كل ما ثبت على الأرض فهو شجر وأنشد: شعر : يطعمها اللحم إذا عز الشجر تفسير : يعني أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض، وقال ابن قتيبة في هذه الآية المراد من الشجر الكلأ، وفي حديث عكرمة لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت يعني الكلأ. ولقائل أن يقول: إنه تعالى قال: { أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } تفسير : [الرحمن: 6] والمراد من النجم ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق، ومن الشجر ما له ساق، هكذا قال المفسرون، وبالجملة فلما عطف الشجر على النجم دل على التغاير بينهما، ويمكن أن يجاب عنه بأنه عطف الجنس على النوع وبالضد مشهور وأيضاً فلفظ الشجر مشعر بالاختلاط، يقال: تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض وتشاجرت الرماح إذا اختلطت وقال تعالى: { أية : حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } تفسير : [النساء: 65] ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ، فوجب جواز إطلاق لفظ الشجر عليه. القول الثاني: أن الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار الكبار، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى ما ذكرناه في القول الأول. البحث الثاني: قوله: {فِيهِ تُسِيمُونَ } أي في الشجر ترعون مواشيكم يقال: أسمت الماشية إذا خليتها ترعى، وسامت هي تسوم سوماً إذا رعت حيث شاءت فهي سوام وسائمة قال الزجاج: أخذ ذلك من السومة وهي العلامة. وتأويلها أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات، وقال غيره: لأنها تعلم للإرسال في المرعى، وتمام الكلام في هذا اللفظ قد ذكرناه في سورة آل عمران في قوله تعالى: { أية : وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ } تفسير : [آل عمران: 14]. أما قوله تعالى: {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَـٰبَ } ففيه مباحث: البحث الأول: هو أن النبات الذي ينبته الله من ماء السماء قسمان: أحدهما: معد لرعي الأنعام وأسامة الحيوانات، وهو المراد من قوله: {فِيهِ تُسِيمُونَ }. والثاني: ما كان مخلوقاً لأكل الإنسان وهو المراد من قوله: {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ }. فإن قيل: إنه تعالى بدأ في هذه الآية بذكر ما يكون مرعى للحيوانات، وأتبعه بذكر ما يكون غذاء للإنسان، وفي آية أخرى عكس هذا الترتيب فبدأ بذكر مأكول الإنسان، ثم بما يرعاه سائر الحيوانات فقال: { أية : كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَـٰمَكُمْ } تفسير : [طه: 54] فما الفائدة فيه؟ قلنا: أما الترتيب المذكور في هذه الآية فينبه على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بمن يكون تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، وأما الترتيب المذكور في الآية الأخرى، فالمقصود منه ما هو المذكور في قوله عليه السلام: « حديث : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول » تفسير : . البحث الثاني: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: {ننبت} بالنون على التفخيم والباقون بالياء، قال الواحدي: والياء أشبه بما تقدم. البحث الثالث: اعلم أن الإنسان خلق محتاجاً إلى الغذاء، والغذاء إما أن يكون من الحيوان أو من النبات. والغذاء الحيواني أشرف من الغذاء النباتي، لأن تولد أعضاء الإنسان عند أكل أعضاء الحيوان أسهل من تولدها عند أكل النبات لأن المشابهة هناك أكمل وأتم والغذاء الحيواني إنما يحصل من أسامة الحيوانات والسعي في تنميتها بواسطة الرعي، وهذا هو الذي ذكره الله تعالى في الأسامة، وأما الغذاء النباتي فقسمان: حبوب. وفواكه، أما الحبوب فإليها الإشارة بلفظ الزرع وأما الفواكه فأشرفها الزيتون. والنخيل. والأعناب، أما الزيتون فلأنه فاكهة من وجه وإدام من وجه آخر لكثرة ما فيه من الدهن ومنافع الأدهان كثيرة في الأكل والطلي واشتعال السرج، وأما امتياز النخيل والأعناب من سائر الفواكه، فظاهر معلوم، وكما أنه تعالى لما ذكر الحيوانات التي ينتفع الناس بها على التفصيل، ثم قال في صفة البقية: { أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [النحل: 8] فكذلك ههنا لما ذكر الأنواع المنتفع بها من النبات، قال في صفة البقية: {وَمِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } تنبيهاً على أن تفصيل القول في أجناسها وأنواعها وصفاتها ومنافعها لا يمكن ذكره في مجلدات، فالأولى الاقتصار فيه على الكلام المجمل. ثم قال: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } وههنا بحثان: البحث الأول: في شرح كون هذه الأشياء آيات دالة على وجود الله تعالى فنقول: إن الحبة الواحدة تقع في الطين فإذا مضت على هذه الحالة مقادير معينة من الوقت نفذت في داخل تلك الحبة أجزاء من رطوبة الأرض ونداوتها فتنتفخ الحبة فينشق أعلاها وأسفلها، فيخرج من أعلى تلك الحبة شجرة صاعدة من داخل الأرض إلى الهواء. ومن أسفلها شجرة أخرى غائصة في قعر الأرض وهذه الغائصة هي المسماة بعروق الشجرة، ثم إن تلك الشجرة لا تزال تزداد وتنمو وتقوى، ثم يخرج منها الأوراق والأزهار والأكمام والثمار، ثم إن تلك الثمرة تشتمل على أجسام مختلفة الطبائع مثل العنب، فإن قشره وعجمه باردان يابسان كثيفان، ولحمه وماؤه حاران رطبان لطيفان. إذا عرفت هذا فنقول: نسبة الطبائع السفلية إلى هذا الجسم متشابهة ونسبة التأثيرات الفلكية والتحريكات الكوكبية إلى الكل متشابهة. ومع تشابه نسب هذه الأشياء ترى هذه الأجسام مختلفة في الطبع والطعم واللون والرائحة والصفة، فدل صريح العقل على أن ذلك ليس إلا لأجل فاعل قادر حكيم رحيم فهذا تقدير هذه الدلالة. البحث الثاني: أنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } والسبب فيه أنه تعالى ذكر أنه: {أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً... يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَـٰبَ }. ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه تعالى هو الذي أنبتها ولم لا يجوز أن يقال: إن هذه الأشياء إنما حدثت وتولدت بسبب تعاقب الفصول الأربعة وتأثيرات الشمس والقمر والكواكب؟ وإذا عرفت هذا السؤال فما لم يقم الدليل على فساد هذا الاحتمال لا يكون هذا الدليل تاماً وافياً بإفادة هذا المطلوب، بل يكون مقام الفكر والتأمل باقياً، فلهذا السبب ختم هذه الآية بقوله: {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }.
القرطبي
تفسير : الشراب ما يُشرب، والشجر معروف. أي ينبت من الأمطار أشجاراً وعروشاً ونباتاً. و {تُسِيمُونَ} ترعون إبلكم؛ يقال: سامت السائمة تسوم سَوْماً أي رعت، فهي سائمة. والسَّوَام والسائم بمعنًى، وهو المال الراعي. وجمع السائم والسائمة سوائم. وأسمتها أنا أي أخرجتها إلى الرَّعْيِ، فأنا مُسِيم وهي مُسامة وسائمة. قال:شعر : أوْلـى لك ٱبـنَ مُسِيمـة الأجمـال تفسير : وأصل السَّوْم الإبعاد في المرعى. وقال الزجاج: أخِذ من السُّومة وهي العلامة؛ أي أنها تؤثر في الأرض علامات برعيها، أو لأنها تُعلَّم للإرسال في المرعى. قلت: والخيل المسومة تكون المرعيّة. وتكون المُعَلَّمة. وقوله: «مُسَوّمِين» قال الأخفش تكون مُعَلَّمين وتكون مُرْسَلين؛ من قولك: سوّم فيها الخيل أي أرسلها، ومنه السائمة، وإنما جاء بالياء والنون لأن الخيل سُوِّمت وعليها ركبانها.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم من الأنعام والدواب، شرع في ذكر نعمته عليهم في إنزال المطر من السماء، وهو العلو، مما لهم فيه بلغة ومتاع لهم ولأنعامهم، فقال: {لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ} أي: جعله عذباً زلالاً يسوغ لكم شرابه، ولم يجعله ملحاً أجاجاً {وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ}: أي: وأخرج لكم منه شجراً ترعون فيه أنعامكم. كما قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة وابن زيد في قوله: {فيه تسيمون}، أي: ترعون، ومنه الإبل السائمة، والسوم: الرعي. وروى ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السوم قبل طلوع الشمس. وقوله: {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ} أي: يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد، على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها، ولهذا قال: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي: دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: {أية : أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} تفسير : [النمل: 60].
المحلي و السيوطي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَآء لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ } تشربونه {وَمِنْهُ شَجَرٌ } ينبت بسببه {فِيهِ تُسِيمُونَ } ترعون دوابكم.
الشوكاني
تفسير : لما استدل سبحانه على وجوده وكمال قدرته وبديع صنعته بعجائب أحوال الحيوانات، أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال: {هُوَ ٱلَّذِى أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء } أي: من جهة السماء، وهي السحاب {مَاء } أي: نوعاً من أنواع الماء، وهو المطر {لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ } يجوز أن يتعلق {لكم} بـ {أنزل} أو هو خبر مقدّم، وشراب مبتدأ مؤخر، والجملة صفة لماء، {وَمِنْهُ } في محل نصب على الحال، والشراب: اسم لما يشرب كالطعام لما يطعم، والمعنى: أن الماء النازل من السماء قسمان: قسم يشربه الناس، ومن جملته ماء الآبار والعيون، فإنه من المطر لقوله: {أية : فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [الزمر: 21] وقسم يحصل منه شجر ترعاه المواشي. قال الزجاج: كل ما ينبت من الأرض فهو شجر، لأن التركيب يدل على الاختلاط، ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق. وقال ابن قتيبة: المراد من الشجر في الآية الكلأ، وقيل: الشجر: كل ماله ساق كقوله تعالى: {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ }تفسير : [الرحمٰن: 6]. والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له، وجب أن يكون الشجر ماله ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز {فِيهِ تُسِيمُونَ } أي: في الشجر ترعون مواشيكم، يقال: سامت السائمة تسوم سوماً رعت فهي سائمة، وأسمتها، أي: أخرجتها إلى الرعي فأنا مسيم وهي مسامة وسائمة، وأصل السوم: الإبعاد في المرعى. قال الزجاج: أخذ من السومة، وهي العلامة، لأنها تؤثر في الأرض علامات برعيها. {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَـٰبَ } قرأ أبو بكر عن عاصم "ننبت" بالنون، وقرأ الباقون بالياء التحتية، أي: ينبت الله لكم بذلك الماء الذي أنزله من السماء، وقدّم الزرع لأنه أصل الأغذية التي يعيش بها الناس، وأتبعه بالزيتون لكونه فاكهة من وجه وإداما من وجه لكثرة ما فيه من الدّهن، وهو جمع زيتونة. ويقال للشجرة نفسها: زيتونة. ثم ذكر النخيل لكونه غذاء وفاكهة وهو مع العنب أشرف الفواكه، وجمع الأعناب لاشتمالها على الأصناف المختلفة، ثم أشار إلى سائر الثمرات فقال: {وَمِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها فيما سبق بقوله: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وقرأ أبيّ بن كعب "ينبت لكم به الزرع" يرفع الزرع وما بعده {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي: الإنزال والإنبات {لآيَةً } عظيمة دالة على كمال القدرة والتفرّد بالربوبية {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في مخلوقات الله ولا يهملون النظر في مصنوعاته. {وَسَخَّر لَكُمُ الليل والنهار} معنى تسخيرهما للناس: تصييرهما نافعين لهم بحسب ما تقتضيه مصالحهم وتستدعيه حاجاتهم، يتعاقبان دائماً، كالعبد الطائع لسيده لا يخالف ما يأمره به ولا يخرج عن إرادته ولا يهمل السعي في نفعه. وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم، فإنها تجري على نمط متحد يستدل بها العباد على مقادير الأوقات، ويهتدون بها ويعرفون أجزاء الزمان. ومعنى مسخرات: مذللات. وقرأ ابن عامر وأهل الشام: "والشمس والقمر والنجوم مسخرات" بالرفع على الابتداء والخبر. وقرأ الباقون بالنصب عطفاً على {الليل والنهار}، وقرأ حفص عن عاصم برفع {النجوم} على أنه مبتدأ وخبره {مسخرات بِأَمْرِهِ} وعلى قراءة النصب في مسخرات يكون حالاً مؤكدة، لأن التسخير قد فهم من قوله: {وَسَخَّرَ }؛ وقرأ حفص في رواية برفع مسخرات مع نصب ما قبله على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي مسخرات، {إِنَّ فِى ذَلِكَ } التسخير {لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي: يعملون عقولهم في هذه الآثار الدالة على وجود الصانع وتفرّده، وعدم وجود شريك له. وذكر الآيات لأن الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة. وجمعها ليطابق قوله {مسخرات}؛ وقيل: إن وجه الجمع هو أن كلا من تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها، بخلاف ما تقدّم من الإنبات، فإنه آية واحدة، ولا يخلو كل هذا عن تكلف، والأولى أن يقال: إن هذه المواضع الثلاثة التي أفرد الآية في بعضها وجمعها في بعضها كل واحد منها يصلح للجمع باعتبار، وللإفراد باعتبار، فلم يجرها على طريقة واحدة افتناناً وتنبيهاً على جواز الأمرين وحسن كل واحد منهما. {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ } أي: خلق يقال: ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءاً: خلقهم، فهو ذارىء، ومنه الذرّية، وهي: نسل الثقلين، وقد تقدّم تحقيق هذا، وهو معطوف على النجوم رفعاً ونصباً، أي: وسخر لكم ما ذرأ في الأرض. فالمعنى: أنه سبحانه سخر لهم تلك المخلوقات السماوية والمخلوقات الأرضية. وانتصاب {مختلفاً ألوانه} على الحال، و{ألوانه}: هيئاته ومناظره، فإن ذرء هذه الأشياء على اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكلّ في الطبيعة الجسمية آية عظيمة دالة على وجود الصانع سبحانه وتفرّده {إِنَّ فِى ذَلِكَ } التسخير لهذه الأمور {لآيَةً } واضحة {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } فإن من تذكر اعتبر، ومن اعتبر، استدلّ على المطلوب، قيل: وإنما خصّ المقام الأوّل بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة. وخصّ المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة، وإراحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالوحداينة فلا عقل له. وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة. فمن شك بعد ذلك، فلا حسّ له. وفي هذا من التكلف ما لا يخفى. والأولى: أن يقال هنا كما قلنا فيما تقدّم في إفراد الآية في البعض، وجمعها في البعض الآخر. وبيانه أن كلا من هذه المواضع الثلاثة يصلح لذكر التفكر، ولذكر التعقل، ولذكر التذكر، لاعتبارات ظاهرة غير خفية. فكان في التعبير في كل موضع بواحد منها افتنان حسن لا يوجد في التعبير بواحد منها في جميع المواضع الثلاثة. {وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ } امتنّ الله سبحانه بتسخير البحر بإمكان الركوب عليه واستخراج ما فيه من صيد وجواهر، لكونه من جملة النعم التي أنعم الله بها على عباده مع ما فيه من الدلالة على وحدانية الربّ سبحانه وكمال قدرته، وقد جمع الله سبحانه لعباده في هذا المقام بين التذكير لهم بآياته الأرضية والسماوية والبحرية، فأرشدهم إلى النظر والاستدلال بالآيات المتنوّعة المختلفة الأمكنة إتماماً للحجة، وتكميلاً للإنذار، وتوضيحاً لمنازع الاستدلال، ومناطات البرهان، ومواضع النظر والاعتبار، ثم ذكر العلة في تسخير البحر فقال: {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا } المراد به: السمك، ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } أي: لؤلؤاً ومرجاناً كما في قوله سبحانه: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ }تفسير : [الرحمٰن: 22] وظاهر قوله: {تَلْبَسُونَهَا } أنه يجوز للرجال أن يلبسوا اللؤلؤ والمرجان أي: يجعلونه حلية لهم كما يجوز للنساء، ولا حاجة لما تكلفه جماعة من المفسرين في تأويل قوله: {تَلْبَسُونَهَا } بقوله تلبسه نساؤهم، لأنهنّ من جملتهم، أو لكونهنّ يلبسنها لأجلهم، وليس في الشريعة المطهرة ما يقتضي منع الرجال من التحلي باللؤلؤ والمرجان ما لم يستعمله على صفة لا يستعمله عليها إلاّ النساء خاصة، فإن ذلك ممنوع من جهة كونه تشبهاً بهنّ، وقد ورد الشرع بمعنه لا من جهة كونه حلية لؤلؤ أو مرجان. {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ } أي: ترى السفن شواق للماء تدفعه بصدرها. ومخر السفينة: شقها الماء بصدرها. قال الجوهري: مخر السابح: إذا شقّ الماء بصدره، ومخر الأرض: شقها للزراعة، وقيل: مواخر جواري، وقيل: معترضة. وقيل: تذهب وتجيء، وقيل: ملججة. قال ابن جرير: المخر في اللغة: صوت هبوب الريح، ولم يقيد بكونه في ماء {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } معطوف على {تستخرجوا}، وما بينهما اعتراض، أو على علة محذوفة تقديره: لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا، أو على تقدير فعل ذلك لتبتغوا أي: لتتجروا فيه، فيحصل لكم الربح من فضل الله سبحانه: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي: إذا وجدتم فضله عليكم وإحسانه إليكم، اعترفتم بنعمته عليكم فشكرتم ذلك باللسان والأركان. قيل: ولعلّ وجه تخصيص هذه النعمة بالتعقيب بالشكر من حيث أن فيها قطعاً لمسافة طويلة مع أحمال ثقيلة من غير مزاولة أسباب السفر، بل من غير حركة أصلاً مع أنها في تضاعيف المهالك، ويمكن أن يضم إلى ما ذكر من قطع المسافة على الصفة المذكورة ما اشتمل عليه البحر من كون فيه أطيب مأكول وأنفس ملبوس وكثرة النعم مع نفاستها وحسن موقعها من أعظم الأسباب المستدعية للشكر الموجبة له. ثم أردف هذه النعم الموجبة للتوحيد، المفيدة للاستدلال على المطلوب بنعمة أخرى وآية كبرى، فقال: {وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ } أي: جبالاً ثابتة، يقال: رسا يرسو: إذا ثبت وأقام، قال الشاعر:شعر : فصبرت عارفة لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع تفسير : {أَن تَمِيدَ بِكُمْ } أي: كراهة أن تميد بكم على ما قاله البصريون، أو لئلا تميد بكم على ما قاله الكوفيون، والميد: الاضطراب يميناً وشمالاً، ماد الشيء يميد ميداً تحرّك، ومادت الأغصان تمايلت، وماد الرجل تبختر {وَأَنْهَـٰراً } أي: وجعل فيها أنهاراً، لأن الإلقاء، ها هنا بمعنى الجعل والخلق كقوله: {أية : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى }تفسير : [طه: 39]. {وَسُبُلاً } أي: وجعل فيها سبلاً وأظهرها وبينها لأجل تهتدون بها في أسفاركم إلى مقاصدكم. والسبل: الطرق {وَعَلامَـٰتٍ } أي: وجعل فيها علامات، وهي معالم الطرق، والمعنى: أنه سبحانه جعل للطرق علامات يهتدون بها {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } المراد بالنجم: الجنس، أي: يهتدون به في سفرهم ليلاً. وقرأ ابن وثاب "وبالنجم" بضم النون والجيم، ومراده: النجوم فقصره، أو هو جمع نحو كسقف وسقف. وقيل: المراد بالنجم هنا: الجدي والفرقدان قاله الفراء؛ وقيل: الثريا، وقيل: العلامات الجبال، وقيل: هي النجوم، لأن من النجوم ما يهتدى به، ومنها ما يكون علامة لا يهتدى بها. وذهب الجمهور إلى أن المراد في الآية الاهتداء في الأسفار؛ وقيل: هو الاهتداء إلى القبلة، ولا مانع من حمل ما في الآية على ما هو أعمّ من ذلك. قال الأخفش: ثمّ الكلام عند قوله {وعلامات}، وقوله: {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } كلام منفصل عن الأول؛ ثم لما عدّد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته وكمال قدرته أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: {أَفَمَن يَخْلُقُ } هذه المصنوعات العظيمة ويفعل هذه الأفاعيل العجيبة {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } شيئاً منها ولا يقدر على إيجاد واحد منها، وهو هذه الأصنام التي تعبدونها وتجعلونها شركاء لله سبحانه. وأطلق عليها لفظ «من» إجراء لها مجرى أولى العلم جرياً على زعمهم بأنها آلهة، أو مشاكلة لقوله: {أَفَمَن يَخْلُقُ } لوقوعها في صحبته، وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ للكفار ما لا يخفى، وما أحقهم بذلك، فإنهم جعلوا بعض المخلوقات شريكاً لخالقه تعالى الله عما يشركون.{أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } مخلوقات الله الدالة على وجوده وتفرّده بالربوبية وبديع صنعته فتستدلون بها على ذلك، فإنها لوضوحها يكفي في الاستدلال بها مجرّد التذكر لها. ثم لما فرغ من تعديد الآيات، التي هي بالنسبة إلى المكلفين نعم، قال: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } وقد مرّ تفسير هذا في سورة إبراهيم. قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء الإنسان لو ظهر فيه أدنى خلل وأيسر نقص لنغص النعم على الإنسان، وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل، فهو سبحانه يدير بدن هذا الإنسان على الوجه الملائم له، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك فكيف يطيق حصر بعض نعم الله عليه أو يقدر على إحصائها، أو يتمكن من شكر أدناها؟. يا ربنا هذه نواصينا بيدك خاضعة لعظيم نعمك معترفة بالعجز عن بادية الشكر لشيء منها، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، ولا نطيق التعبير بالشكر لك، فتجاوز عنا واغفر لنا وأسبل ذيول سترك على عوارتنا فإنك إن لا تفعل ذلك نهلك بمجرّد التقصير في شكر نعمك، فكيف بما قد فرط منا من التساهل في الائتمار بأوامرك والانتهاء عن مناهيك، وما أحسن ما قال من قال:شعر : العفو يرجى من بني آدم فكيف لا يرجى من الربّ تفسير : فقلت مذيلاً لهذا البيت الذي هو قصر مشيد:شعر : فإنه أرأف بي منهم حسبي به حسبي به حسبي تفسير : وما أحسن ما ختم به هذا الامتنان الذي لا يلتبس على إنسان مشيراً إلى عظيم غفرانه وسعة رحمته فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: كثير المغفرة والرحمة لا يؤاخذكم بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها، والعجز عن القيام بأدناها، ومن رحمته إدامتها عليكم وإدرارها في كل لحظة وعند كل نفس تتنفسونه وحركة تتحركون بها. اللهم إني أشكرك عدد ما شكرك الشاكرون بكلّ لسان في كل زمان، وعدد ما سيشكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان، فقد خصصتني بنعم لم أرها على كثير من خلقك، وإن رأيت منها شيئاً على بعض خلقك لم أرَ عليه بقيتها، فأني أطيق شكرك وكيف أستطيع بادية أدنى شكر أدناها فكيف أستطيع أعلاها؟ فكيف أستطيع شكر نوع من أنواعها؟ ثم بين لعباده بأنه عالم بجميع ما يصدر منهم، لا تخفى عليه منه خافية فقال: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ } أي: تضمرونه من الأمور {وَمَا تُعْلِنُونَ } أي: تظهرونه منها. وفيه وعيد وتعريض وتوبيخ، وتنبيه على أنّ الإلٰه يجب أن يكون عالماً بالسرّ والعلانية، لا كالأصنام التي يعبدونها، فإنها جمادات لا شعور لها بشيء من الظواهر فضلاً عن السرائر فكيف يعبدونها؟. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ } قال: ما خلق لكم في الأرض مختلفاً من الدواب، والشجر والثمار، نعم من الله متظاهرة، فاشكروها لله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا } يعني: حيتان البحر {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } قال: هذا اللؤلؤ. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا } قال: هو السمك وما فيه من الدواب. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جعفر، قال: ليس في الحلى زكاة، ثم قرأ {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا }. أقول: وفي هذا الاستدلال نظر، والذي ينبغي التعويل عليه أن الأصل البراءة من الزكاة حتى يرد الدليل بوجوبها في شيء من أنواع المال فتلزم، وقد ورد في الذهب والفضة ما هو معروف، ولم يرد في الجواهر على اختلاف أصنافها ما يدلّ على وجوب الزكاة فيها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {مَوَاخِرَ } قال: جواري. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة {مَوَاخِرَ } قال: تشقّ الماء بصدرها. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك {مَوَاخِرَ } قال: السفينتان تجريان بريح واحدة مقبلة ومدبرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } قال: هي التجارة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {رَوَاسِىَ } قال: الجبال، {أَن تَمِيدَ بِكُمْ } قال: حتى لا تميد بكم، كانوا على الأرض تمور بهم لا تستقرّ، فأصبحوا صبحاً وقد جعل الله الجبال، وهي الرواسي أوتاداً في الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {وَسُبُلاً } قال: السبل هي الطرق بين الجبال. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخطيب عن قتادة {وَسُبُلاً } قال: طرقاً {وَعَلامَـٰتٍ } قال: هي النجوم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في الآية قال: علامات النهار الجبال. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن الكلبي {وَعَلامَـٰتٍ } قال: الجبال: وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس {وَعَلامَـٰتٍ } يعني: معالم الطرق بالنهار {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } يعني بالليل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } قال: الله هو الخالق الرازق، وهذه الأوثان التي تعبد من دون الله تخلق ولا تُخلق شيئاً، ولا تملك لأهلها ضرّاً ولا نفعاً.
ابن عطية
تفسير : هذا تعديد نعمة الله في المطر، وقوله {ومنه شجر} أي يكون منه بالتدريج، إذ يسقي الأرض فينبت عن ذلك السقي الشجر، وهذا من التجوز، كقول الشاعر: [الرجز] شعر : أسنمة الآبال في ربابه تفسير : وكما سمى الآخر العشب سماء، في قوله: [الوافر] شعر : إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا تفسير : قال أبو إسحاق: يقال لكل ما نبت على الأرض شجر، وقال عكرمة لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت يعني الكلأ. و {تسيمون} معناه ترعون أنعامكم وسومها من الرعي وتسرحونها، ويقال للأنعام السائمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : وفي سائمة الغنم الزكاة تفسير : ، يقال أسام الرجل ماشيته إسامة إذا أرسلها ترعى، وسومها أيضاً وسامت هي، ومن ذلك قول الأعشى: شعر : ومشى القوم بالأنعام إلى الرَّو حي وأعيى المسيم أين المساق تفسير : ومنه قول الآخر: [الكامل] شعر : مثل ابن بزعة أو كآخر مثله أولى لك ابن مسيمة الأجمال تفسير : أي راعية للأجمال وفسر المتأولون بترعون، وقرأ الجمهور "ينبت" بالياء على معنى ينبت الله، يقال نبت الشجر وأنبته الله، وروي أنبت الشجر بمعنى نبت، وكان الأصمعي يأبى ذلك ويتمم قصيدة زهير التي فيها: حتى إذا أنبت البقل، وقرأ أبو بكر عن عاصم، "ننبت" بنون العظمة، وخص عز وجل ذكر هذه الأربعة لأنها أشرف ما ينبت وأجمعها للمنافع، ثم عم بقوله {من كل الثمرات} ، ثم أحال القول على الفكرة في تصاريف النبات والأشجار وهي موضع عبر في ألوانها واطراد خلقها وتناسب ألطافها، فسبحان الخلاق العليم. وقوله تعالى: {وسخر لكم الليل والنهار} الآية، قرأ الجمهور بإعمال {سخر} في جميع ما ذكر ونصب "مسخراتٍ" على الحال المؤكدة، كما قال تعالى: {أية : وهو الحق مصدقاً} تفسير : [فاطر: 31] وكما قال الشاعر: [البسيط] شعر : أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي تفسير : ونحو هذا وقرأ ابن عامر "والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ" برفع هذا كله، وقرأ حفص عن عاصم "والنجومُ مسخراتٌ بأمره" بالرفع ونصب ما قبل ذلك، والمعنى في هذه الآية أن هذه المخلوقات مسخرات على رتبة قد استمر بها انتفاع البشر من السكون بالليل والسعي في المعايش وغير ذلك بالنهار، وأما منافع الشمس والقمر فأكثر من أن تحصى، وأما النجوم فهدايات، وبهذا الوجه عدت من جملة النعم على بني آدم، ومن النعمة بها ضياؤها أحياناً، قال الزجاج: وعلم عدد السنين والحساب بها. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وقرأ ابن مسعود والأعمش وطلحة بن مصرف "والرياح مسخرات" في موضع "النجوم"، ثم قال {إن في ذلك لآيات} لعظم الأمر لأن كل واحد مما ذكر آية في نفسه لا يشترك مع الآخر، وقال في الآية قبل الآية لأن شيئاً واحداً يعم تلك الأربعة وهو النبات، وكذلك في ذكر {أية : ما ذرأ} تفسير : [النحل: 13] ليسارته بالإضافة، وأيضاً فـ "آية" بمعنى "آيات" واحد يراد به الجمع.
النسفي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ } {لكم} متعلق بـ «أنزل» أو خبر لـ «شراب» وهو ما يشرب {وَمِنْهُ شَجَرٌ } يعني الشجر الذي ترعاه المواشي {فِيهِ تُسِيمُونَ } من سامت الماشية إذا رعت فهي سائمة وأسامها صاحبها وهي من السومة وهي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات في الأرض {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلاعْنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرٰتِ } ولم يقل كل الثمرات لأن كلها لا تكون إلا في الجنة وإنما أنبت في الأرض بعض من كل للتذكرة {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيستدلون بها عليه وعلى قدرته وحكمته والآية الدلالة الواضحة {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرٰتٌ بِأَمْرِهِ } بنصب الكل: عليّ وجعل النجوم مسخرات والنجوم مسخرات فقط: حفص {والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخرات} شامي على الابتداء والخبر {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } جمع الآية. وذكر العقل لأن الآثار العلوية أطهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ } معطوف على {الليل والنهار} أي ما خلق فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك {مُخْتَلِفًا } حال {أَلْوَانُهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } يتعظون
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً} لمَّا استدلَّ على وجود الصانع الحكيم بأحوال الحيوان، أتبعه بذكر الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال النبات. واعلم أنَّ الماء المنزَّل من السماء هو المطر وهو قسمان: أحدهما: الذي جعله الله شراباً لنا، ولكل حيٍّ. فإن قيل: دلت الآية على أنَّ شراب الخلق ليس إلاَّ من المطرِ، ومن المعلوم أنَّ الخلق يشربون من المياه التي في قعر الأرض؛ وأجاب القاضي - رحمه الله-: بأنه تعالى بين أنَّ المطر شرابنا، ولم ينفِ أن نشرب من غيره. وأجاب غيره: بأنه لا يمتنع أن يكون الماء العذب تحت الأرض من جملة ما ينزل من السماء؛ لقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [المؤمنون: 18] ولا يمتنع أيضاً في العِذاب من الأنهار أن يكون أصلها من المطر. والقسم الثاني من المياه النازلة من السماء ما يجعله الله سبباً لتكوين النبات، وهو قوله {وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ}. قوله: "لَكُمْ" يجوز أن يتعلق بـ "أنْزَلَ" ويجوز أن يكون صفة لـ "مَاءً" فيتعلق بمحذوفٍ، فعلى الأول يكون ["شراب" مبتدأ، و "منه" خبره مقدم عليه، والجملة أيضاً صفة لـ "ماء"، وعلى الثاني يكون "شراب" فاعلاً] بالظرف، و "مِنْهُ" حال من "شَرابٌ"، و "مِنَ" الأولى للتبعيض، وكذا الثانية عند بعضهم، لكنَّه مجازٌ؛ لأنَّه لما كان سقاه بالماء جعل كأنه من الماء؛ كقوله: [الرجز] شعر : 3303- أسْنِمَةُ الآبَالِ في رَبَابَهْ تفسير : أي: في سحابة، يعني به المطر الذي ينبت به الكلأ الذي تأكله الإبل فتسمن أسنمتها. وقال ابنُ الأنباري - رحمه الله-: "هو على حذف مضافٍ إمَّا من الأول؛ يعني قبل الضمير، أي: ومن جهته أو سقيه شجر، وإمَّا من الثاني، يعني قبل شجر، أي: شربُ شجرٍ أو حياة شجر". وجعل أبو البقاءِ: الأولى للتبعيض، والثانية للسببية؛ أي: وبسببه إنباتُ شجرٍ، ودل عليه قوله - سبحانه وتعالى - {يُنبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ}. والشجر ها هنا: كلُّ نباتٍ من الأرض حتَّى الكلأ، وفي الحديث: "حديث : لا تَأكلُوا ثمنَ الشَّجرِ فإنَّهُ سُحْتٌ" تفسير : يعني: الكلأ ينهى عن تحجر المباحاتِ المحتاج إليها، وأنشدوا شعراً: [الرجز] شعر : 3304- نُطْعِمُهَا اللَّحْمَ إذَا عَزَّ الشَّجَرْ تفسير : يريد: يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض، قاله الزجاج. وقال ابن قتيبة في هذه الآية: المراد من الشجر: الكلأ. فإن قيل: قال المفسرون في قوله تعالى: {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} تفسير : [الرحمن: 6]: إن المراد بالنجم: ما ينجم من الأرض ممَّا ليس له ساق، ومن الشجر ما له ساق، وأيضاً: عطف الشجر على النَّجم؛ فيوجب مغايرة الشجر للنجم. فالجواب: أنَّ عطف الجنس على النوع وبالضدِّ مشهور وأيضاً: فلفظ الشجرِ يشعر بالاختلاط، يقال: تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم ببعض، وتشاجرتِ الرِّماح إذا اختلطت، وقال تعالى: {أية : حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} تفسير : [النساء: 65]، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب، والكلأ؛ فوجب إطلاق لفظ الشجر عليه. وقيل المراد بالشجر ما له ساقٌ؛ لأنَّ الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار الكبار وإطلاق الشجر على الكلأ مجازٌ. قوله: {فِيهِ تُسِيمُونَ} هذه صفة أخرى لـ "مَاءً"، والعامة على "تُسِيمُونَ" بضم التاء من أسام، أي: [أرسلها] لترعى. وقرأ زيد بن علي بفتحها، فيحتمل أن يكون متعدياً، ويكون فعل وأفْعَل بمعنى، ويحتمل أن يكون لازماً على حذف مضافٍ، أي: تُسِيمُ مَواشِيكُمْ. يقال: أسمت الماشية إذا خلَّيتها ترعى، وسامت هي تسُومُ سَوْماً، إذا رعتْ حيثُ شاءتَ فهي سَوام وسَائِمَة. قال الزجاج - رحمه الله-: "أخذ ذلك من السومةِ وهي العلامة؛ لأنَّها تؤثر في الأرض برعيها علاماتٍ". وقال غيره: لأنها تعلَّم الإرسال والمرعى، وتقدم الكلام في هذه المادة في آل عمران عند قوله تعالى: {أية : وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ} تفسير : [الآية: 14]. قوله تعالى: {يُنبِتُ لَكُم} تحتمل هذه الجملة الاستئناف والتبعيَّة، كما في نظيرتها، ويقال: أنْبتَ الله الزَّرْعَ فهو منبُوت، وقياسه: مُنْبَت. وقيل: أنْبتَ قد يجيء لازماً، كـ "نَبَتَ"؛ وأنشد الفراء: [الطويل] شعر : 3305- رَأيْتُ ذَوِي الحَاجَاتِ حولَ بُيوتهِمْ قَطِيناً لهُمْ حتَّى إذَا أنْبتَ البَقْلُ تفسير : وأباه الأصمعيُّ؛ والبيت حجة عليه، وتأويله: بـ "أنبت" البقل نفسه على المجاز بعيد جدًّا. وقرأ أبو بكر "نُنْبِتُ" بنون العظمة، والزهري "تنَبِّتُ" بالتشديد، والظاهر أنَّهُ تضعيف التَّعدي، وقيل: بل للتَّكرير، وقرأ أبي: "تُنْبُتُ" بفتح الياء وضمِّ الباءِ. "الزَّرْعَ" وما بعده رفع بالفاعلية، وتقدم خلافُ القراء في رفع "الشَّمْس" وما بعدها ونصبها، وتوجيه ذلك في سورة الأعراف. فصل النبات قسمان: أحدهما: لرعي الأنعام؛ وهو المراد من قوله "تُسِيمُونَ". والثاني: المخلوق لأكل الإنسانِ؛ وهو المراد من قوله: {يُنبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ}. فإن قيل: إنه - تعالى - بدأ في هذه الآية بذكر مأكول [الحيوان] وأتبعه بذكر مأكولِ الإنسانِ، وفي آية أخرى عكس الترتيب؛ فقال: {أية : كُلُواْ وَٱرْعَوْاْ أَنْعَامَكُم} تفسير : [طه: 54] فما الفائدة فيه؟. فالجواب: أنَّ هذه الآية مبنيَّةٌ على مكارم الأخلاق؛ وهو أن يكون اهتمام الإنسانِ بمن يكون تحت يده، أكمل من اهتمامه بنفسه، وأمَّا الآية الأخرى، فمبنيةٌ على قوله - عليه الصلاة والسلام-: "حديث : ابْدَأ بِنفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ ". تفسير : فصل اعلم أنَّ الإنسان خلق محتاجاً إلى الغذاء، والغذاء، إمَّا من الحيوانات، وإمَّا من النبات، والغذاء الحيوانيُّ أشرف من الغذاء النباتي؛ لأنَّ تولد أعضاءِ الإنسانِ من [أكل] أعضاء الحيوان أسهل من تولدها من غذاء النبات؛ لأنَّ المشابهة هناك أكمل وأتم، والغذاء الحيواني إنما يحصل من إسامةِ الحيواناتِ وتنميتها بالرعي؛ وهو الذي ذكره الله في الإسامةِ. وأمَّا الغذاء النباتيُّ، فقسمان: حبوب، وفواكه: أمَّا الحبوب، فإليها الإشارة بقوله: "الزَّرْعَ"، وأما الفواكه، فأشرفها: الزيتونُ، والنَّخيلُ، والأعناب أما الزيتون؛ فلأنه فاكهة من وجه، وإدامٌ من وجه آخر؛ لما فيه من الدهنِ، ومنافع الدهنِ كثيرة: للأكلِ، والطلاءِ، وإشعالِ السِّراج. وأما امتياز النَّخيل والأعناب من سائر الفواكه، فظاهر معلوم، وكما أنَّه - تعالى - لما ذكر الحيوانات المنتفع بها على التفصيل، ثم وصف البقية بقوله تعالى: {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 8] فكذلك ههنا، لمَّا ذكر الأنواع المنتفع بها من النبات، قال في وصف البقية: {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} تنبيهاً على أن تفصيل أنواعها، وأجناسها، وصفاتها، ومنافعها، ما لم يكن ذكره، فالأولى أن يقتصر فيه على الكلام المجملِ، ثم قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. واعلم أن وجه الدَّلالة من هذه الآية على وجود الله - تعالى -: هو أنَّ الحبة الواحدة تقع في الطين، فإذا مضى عليها زمنٌ معينٌ، نفذت في تلك الحبة أجزاء من رطوبة الأرض؛ فتنتفخ وتنشقُّ أعلاها وأسفلها؛ فيخرج من أعلاها شجرة صاعدة إلى الهواء، ومن أسفلها شجرة أخرى غائصة في [قعرِ] الأرض؛ وهي عروقُ الشجرِ، ثمَّ إنَّ تلك الشجرة لا تزال تزدادُ، وتنمو وتقوى، ثم يخرج منها الأوراق، والأزهارُ، والأكمام، والثمار، ثمَّ إنَّ تلك الشجرة تشتمل على أجسام مختلفة الطبائع؛ كالعنب فإنَّ قشوره وعجمه باردان يابسان كثيفان، ولحمه وماؤه حارٌ رطبٌ، فنسبة هذه الطبائع السفلية إلى هذا الجسم متشابهة، ونسبة التأثيرات الفلكية، والتحريكات الكوكبيَّة إلى الكلِّ متشابهة، فمع تشابه هذه الأشياء، ترى هذه الأجسام مختلفة في الطبع، والطَّعم، واللَّون، والرائحة، والصفة؛ فدلَّ صريح العقل على أنَّ ذلك ليس إلا بفعل فاعل قادرٍ حكيمٍ رحيمٍ. وختم هذه الآية بقوله: {يَتَفَكَّرُونَ} لأنه تعالى ذكر أنَّه أنزل من السماءِ ماء، فأنبت به الزرع، والزيتون، والنخيل، والأعناب، فكأنَّ قائلاً قال: لا نسلِّم أنه - تعالى - هو الذي أنبتها، بل يجوز أن يكون حدوثها لتعاقبِ الفصولِ الأربعةِ، وتأثيرات الشمس والقمر والكواكب، فما لم يقُم الدليل على فساد هذا الاحتمالِ لا يكون هذا الدليل وافياً بإفادة هذا المطلوب، بل يكون مقام الفكر والتأمل باقياً، فلهذا ختم الآية بقوله: {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} الآية وهذه الآية هي الجواب عن السؤال المتقدم تقريره من وجهين: الأول: أن يقول: هبْ أن حدوث الحوادث في هذا العالم السفلي مستندة إلى الاتِّصالات الفكليَّة إلاَّ أنه لا بدَّ لحركتها واتصالاتها من أسباب، وأسباب تلك الحركات: إما ذواتها، وإمَّا أمورٌ مغايرةٌ لها، والأول باطل من وجهين: الأول: أنَّ الأجسام متماثلةٌ، فلو كان الجسم علَّة لصفة، لكان كل جسمٍ واجب الاتصاف بتلك الصفةِ؛ وهو محالٌ. والثاني: أنَّ ذات الجسم لو كانت علَّة لحصول هذه الحركة، لوجب دوامُ هذه الحركة بدوام تلك الذات، ولو كان كذلك لوجب بقاءُ الجسم على حالةٍ واحدةٍ من غير تغيير أصلاً؛ وذلك يوجبُ كونه ساكناً لذاته، وما أفضى ثبوته إلى عدمه، كان أصلاً باطلاً. فثبت أنَّ الجسم يمتنع أن يكون متحرِّكاً لكونه جسماً، فبقي أن يكون متحركاً لغيره، وذلك الغير: إمَّا أن يكون سارياً فيه، أو مبايناً عنه، والأول باطلٌ لأن البحث المذكور عائد في أن ذلك الجسم بعينه لم اختص بتلك القوة بعينها دون سائر الأجسام؛ فثبت أن محرك أجسام الأفلاك والكواكب أمور مباينة عنها، وذلك المباين إن كان جسماً أو جسمانياً، عاد التقسيم الأول فيه، وإن لم يكن جسماً ولا جسمانياً، فإما أن يكون موجباً بالذات أو فاعلاً مختاراً، والأول باطل لأنَّ نسبة ذلك الموجب بالذات إلى جميع الأجسام على التسوية؛ فلم يكن بعض الأجسام بقبولِ بعض الآثار المعينة أولى من بعض؛ فثبت أنَّ محرك تلك الأفلاك والكواب هو الفاعل القادر المختار المنزَّهُ عن كونه جسماً، وجسمانيًّا؛ وذلك هو الله - تعالى -. فالحاصل أنَّا وإن حكمنا باستثناء حوادث العالم السفليِّ إلى الحركات الفلكية والكوكبية، فهذه الحركاتُ الفلكية لا يمكن إسنادها إلى [أفلاكٍ أخرى]؛ وإلاَّ لزم التَّسلسلُ؛ وهو محالٌ؛ فوجب أن يكون خالق هذه الحركات ومدبرها هو الله - تعالى - وإذا كان كذلك، كان هذا اعترافاً بأنَّ الكُلَّ من الله - تبارك وتعالى - وبإحداثه وتخليقه، وهذا هو المراد من قوله عز وجل: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} يعني: أنَّ تلك الحوادث كانت لأجل تعاقبِ الليل والنَّهار، وحركاتِ الشَّمس والقمر، فهذه الأشياء لا بدَّ وأن يكون حدوثها بتخليق الله - تعالى - وتسخيره؛ قطعاً للتسلسل. ولمَّا تم هذا الدليل، ختم الآية بقوله: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي: كلّ عاقل يعلم أنَّ القول بالتسلسل باطل، وأنه لا بدَّ من الانتهاءِ إلى الفاعل المختار. والجواب الثاني عن ذلك السؤال: أنَّ تأثير الطبائع، والأفلاك، والكواكب؛ بالنسبة إلى الكلِّ واحد، ثمَّ إنَّا نرى تولد العنب: قشره على طبع، وعجمه على طبعٍ، ولحمه على طبع ثالثٍ، وماؤه على طبع رابع، ونرى في الورد ما يكون أحد وجهي الورقة الواحدة منه في غاية الصُّفرةِ، والوجه الثاني من تلك الورقةِ في غاية الحمرة، وتلك الورقة في غاية الرقة واللَّطافة، ونعلم بالضرورة أنَّ نسبة الأنجم، والأفلاكِ، إلى وجهي تلك الورقة الرقيقة نسبة واحدة، والطبيعة الواحدة هي المادة الواحدة لا تفعل إلا فعلاً واحداً؛ ألا ترى أنهم قالوا: شكل البسيط هو الكرة؛ لأن تأثير الطبيعة الواحدة في المادة الواحدة يجب أن يكون متشابهاً، والشكل الذي يتشابه جميع جوانبه هو الكرة، وأيضاً إذا أضأنا الشمع، فإذا استضاء خمسة أذرع من ضوء ذلك الشمع من أحد الجوانب، وجب أن يحصل مثل هذا الأثر في جميع الجوانب؛ لأن الطبيعة المؤثرة يجب أن تتشابه نسبتها إلى كل الجوانب، وإذا ثبت هذا، فنسبة الشمس، والقمر، والأنجم، والأفلاك، والطبائع إلى وجهي تلك الورقة اللطيفة نسبة واحدة، والطبائع إلى وجهي تلك الورقة اللطيفة نسبة واحدة، وثبت أنَّ الطبيعة المؤثرة، متى كانت نسبتها واحدة كان الأثر متشابهاً، وثبت أنَّ الأثر غير متشابهٍ؛ لأنَّ أحد وجهي تلك الورقة في غاية الصفرة، والوجه الثاني منها في غاية الحمرة، وهذا يفيد القطع بأنَّ المؤثِّر في حصول تلك الصفات، والألوان، والأحوال - ليس هو الطبيعة؛ بل الفاعل فيها هو الفاعل المختار الحكيم، وهو الله - تعالى - وهذا هو المراد من قوله تعالى: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ}. ولما كان مدار هذه الحجَّة على أنَّ المؤثر الموجب بالذاتِ وبالطبيعةِ، يجب أن تكون نسبته إلى الكل متشابهة - لا جرم ختم الآية بقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} فلمَّا دلَّ الحسُّ في هذه الأحكام النباتيَّة على اختلاف صفاتها، وتنافر أحوالها - على أنَّ المؤثِّر فيها ليس هو الطبيعة - ظهر أنَّ المؤثر فيها ليس موجباً بالذاتِ؛ بل الفاعل المختار - سبحانه وتعالى-. فإن قيلك لا يقال: سخَّرتُ هذا الشيء مسخَّراً. فالجواب: أنَّ المعنى: أنه - تعالى - سخر لنا هذه الأشياء حال كونها مسخرةً تحت قدرته وإذنه. فإن قيل: التسخيرُ عبارة عن القهر والقسر، ولا يليق ذلك إلاَّ بمن هو قادر يجوز أن يقهر؛ فكيف يصحُّ ذلك في اللَّيل والنهار، وفي الجمادات؛ كالشمس والقمر؟. فالجواب من وجهين: الأول: أنه - تعالى - لما دبَّر هذه الأشياء على طريقة واحدة مطابقة لمصالح العباد، صارت شبيهة بالعبدِ المنقادِ المطواع؛ فلهذا المعنى أطلق على هذا النَّوع من التَّدبير لفظ التَّسخيرِ. والجواب الثاني: لا يستقيمُ إلاَّ على مذهب علماء الهيئة؛ لأنهم يقولون: الحركة الطبيعية للشمس والقمر، هي الحركة من المغرب إلى المشرقِ، والله تعالى سخر هذه الكواكب بواسطة حركة الفلك الأعظم من المشرق إلى المغرب، فكانت هذه الحركة قسرية؛ فلذلك أطلق عليها لفظ التسخير. فإن قيل: إذا كان لا يحصل للنهار والليل وجود إلا بسبب حركات الشمس؛ كان ذكر الليل والنهار مغنياً عن ذكر الشمس، فالجواب: حدوث النهار واللّيل ليس بسبب [حدوث] حركةِ الشمس؛ بل حدوثهما سبب حركة الفلك الأعظم الذي دلَّ الدليل على أن حركته ليست إلا بتحريكِ الله - تعالى - وأما حركةُ الشمسِ، فَإنَّها علة لحدوث السنة، لا لحدوث اليومِ. فإن قيل: المؤثر في التسخير هو القدرة، لا الأمر؛ فكيف قال الله: {مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ}؟. فالجواب: هذه الآية مبنيّة على أنَّ الأفلاك والكواكب جماداتٌ، أم لا، وأكثر المسلمين على أنَّها جمادات؛ فلهذا حملوا الأمر في هذه الآيةِ على الخلق [والتقدير]، ولفظ الأمر بمعنى الشَّأنِ والفعل كثيرٌ؛ قال تعالى: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [النحل: 40]. ومنهم من قال: إنها ليست بجماداتٍ، فههنا يحمل الأمر على الإذنِ والتكليفِ. قوله: {وَمَا ذَرَأَ} عطف على الليل والنهار؛ قاله الزمخشري؛ يعني: ما خلق فيها من حيوانٍ وشجر. وقال أبو البقاء: "في موضعِ نصبٍ بفعلٍ محذوفٍ؛ أي: وخلق، أو أنبت". كأنه استبعد تَسلطَ "وسَخَّرَ" على ذلك؛ فقدَّر فعلاً لائقاً، و "مُخْتلِفاً" حال منه، و "ألْوانهُ" فاعل به. وختم الآية الأولى بالتفكُّر؛ لأنَّ ما فيها يحتاج إلى تأملٍ ونظر، والثانية بالعقل؛ لأنَّ مدار ما تقدم عليه، والثالثة بالتذكر؛ لأنه نتيجة ما تقدم. وجمع "آيَاتٍ" في الثانية دون الأولى والثالثة؛ لأنَّ ما يناط بها أكثر؛ ولذلك ذكر معها الفعل. قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا} الآية لما استدلَّ على إثباتِ الإله أولاً بأجرامِ السَّمواتِ، وثانياً ببدن الإنسان، وثالثاً بعجائبِ خلق الحيوانات، ورابعاً بعدائب النبات - ذكر خامساً عجائب العناصرِ فبدأ بالاستدلال بعنصر الماءِ. قال علماء الهيئةِ: ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة بالماءِ، وذلك هو البحر المحيط، وحصل في هذا الرابع المسكون سبعة أبحرٍ؛ قال تعالى: {أية : وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ}تفسير : [لقمان: 27] والبحر الذي سخره الله للناس هو هذه البحار، ومعنى تسخيرها للخلق: جعلها بحيث يتمكن [الناس] من الانتفاع بها: إمَّا بالركوبِ، أو بالغوصِ. واعلم أنَّ منافع البحارِ كثيرةٌ، فذكر منها - تعالى - هنا ثلاثة أنواعٍ: الأول: قوله تعالى {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا} يجوز في "منهُ" تعلقه بـ "لِتَأكُلوا" وأن يتعلق بمحذوفٍ؛ لأنه حال من النكرة بعده، و "مِنْ" لابتداءِ الغاية أو للتبعيض، ولا بدَّ من حذف مضافٍ، أي: من حيوان، و "طَريًّا" فعيلٌ من: طَرُوَ يَطْرُو طَراوَةً؛ كـ "سَرُوَ يَسْرُو سَرَاوَة". وقال الفراء: [بل يقال:] "طَرِيَ يَطْرَى طَرَاءً ممدوداً وطَراوَةً؛ كما يقال: شَقِيَ يَشْقَى شَقاءً وشَقاوةً". والطَّراوَةُ ضد اليُبوسَةِ أي: غضًّا جديداً، ويقال: طَريْتُ كذا، أي: جدَّدْتهُ، ومنه الثياب المُطرَّاة، والإطْراءُ: مدحٌ تجدَّد ذكرهُ؛ وأمَّا "طَرَأ" بالهمز، فمعناه: طَلَعَ. قال ابن الأعرابي - رحمه الله-: لحمٌ طَريٌّ غير مهموز، وقد طَرُوَ يَطْرُو طَراوَةً. فصل اعلم أنَّه - تعالى - لما أخرج من البحر الملح الزُّعاقِ الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنَّه إنَّما حدث لا بحسبِ الطب؛ بل بقدرة الله - تعالى - وحكمته بحيث أظهر الضد من الضدِّ. فصل لو حلف لا يأكل اللحم فأكل لحم السَّمك، قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: لا يحنثُ؛ لأنَّ لحم السَّمك ليس بلحم. وقال آخرون: يحنثُ لأنَّ الله - تعالى - نصَّ على تسميته لحماً، وليس فوق بيان الله بيانٌ. روي أنَّ أبا حنيفة - رضي الله عنه - لما قال بهذا، وسمعه سفيان الثوري فأنكر عليه ذلك محتجاً بهذه الآية؛ فبعث إليه أبو حنيفة رجلاً وسأله عن رجلٍ حلف لا يصلِّي على البساطِ فصلَّى على الأرضِ، هل يحنث أم لا؟. فقال سفيان - رحمه الله -: لا يحنثُ، فقال السائل: أليس أنَّ الله - تعالى - قال: {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً} تفسير : [نوح: 19] قال: فعرف سفيان أنَّ ذلك بتلقين أبي حنيفة - رضي الله عنه - قاله ابن الخطيب. وهذا ليس بقويِّ؛ لأنَّ أقصى ما في الباب أنَّا تركنا العمل بظاهرِ القرآنِ في لفظ البساط لدليل قام، فكيف يلزمنا ترك العمل بظاهر القرآن في آية أخرى من غير دليل، والفرق بين الصورتين من وجهين: الأول: أنه لما حلف لا يصلِّي على البساط، فلو أدخلنا الأرض تحت لفظ البساطِ؛ لزمنا أن نمنعه من الصلاة؛ لأنه إن صلَّى على الأرض حنث، وإن صلَّى على البساط حنث، بخلاف ما إذا أدخلنا لحم السمك تحت لفظِ اللحم؛ لأنه ليس في منعه من أكل اللَّحم على الإطلاق محذورٌ. الثاني: أنَّا نعلم بالضرورة من عرف أهل اللغة، أنَّ وقوع اسم البساط على الأرض مجازٌ ولم نعرف أن وقوع اسم اللحم على لحم السمك مجاز وحجة أبي حنيفة - رضي الله عنه-: أنَّ الأيمان مبناها على العرف؛ لأن الناس إذا ذكروا اللحم على الإطلاقِ، لا يفهم منه لحم السَّمك؛ بدليل أنَّه إذا قال لغلامه: "اشْترِ بهذا الدِّرهمِ لحماً" فجاء بلحمِ سمكٍ استحق الإنكار. والجواب: أنا رأيناكم في كتاب الأيمان تارة تعتبرون اللفظ، وتارة تعتبرون المعنى، وتارة تعتبرون العرف، وليس لكم ضابط؛ بدليل أنَّه إذا قال لغلامه: اشتر بهذا الدرهم لحماً فجاء بلحم العصفور استحق الإنكار، مع أنَّكم تقولون: إنه يحنث بأكل لحم العصفور؛ فثبت أنَّ العرف مضطربٌ، والرجوع إلى نصِّ القرآن متعين. النوع الثاني من منافع البحر: قوله: {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} "الحليةُ: اسم لما يتحلَّى به، وأصلها الدَّلالةُ على الهيئة؛ كالعِمَّة والخِمرة". "تَلْبَسُونهَا" صفة، و "مِنْهُ" يجوز فيه ما جاز في "مِنْهُ" قبل، والمراد بالحلية: اللؤلؤ والمرجان. فصل المراد: يلبسهم لبس نسائهم؛ لأنَّهن من جملتهم، ولأنَّ تزينهنَّ لأجلهم فكأنها زينتهم، وتمسك بعض العلماءِ في عدم وجوب الزكاةِ في الحليِّ المباح لقوله - عليه الصلاة والسلام-: "حديث : لا زَكَاةَ في الحُلِيّ ". تفسير : ويمكن أن يجاب على تقدير صحَّة الحديث: بأنَّ لفظ "الحُلِيّ" مفرد محلى بالألف واللام؛ فيحمل على المعهود السابق، وهو المذكور في هذه الآية، فيصير تقدير الحديث: لا زكاة في اللآلىء، وحينئذٍ يسقط الاستدلال بالحديث. النوع الثالث من منافع البحر: قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} قال أهل اللغة: مَخْرُ السَّفينةِ شقُّها الماء بصدرها. وعن الفراء: أنه صوتُ جَرْي الفلك بالرِّياحِ. إذا عرفت هذا، فقول ابن عبَّاسٍ: "مَواخِرَ" أي: جَوارِي، إنما حسن التفسير به؛ لأنها لا تشقُّ الماء إلاَّ إذا كانت جارية. وقوله تعالى: {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} يعني: لتركبوه للتجارة؛ فتطلبوا الريح من فضل الله، وإذا وجدتم فضل الله تعالى وإحسانه؛ فلعلكم تقدمون على شكره. قال القرطبي: امتنَّ الله على الرِّجالِ والنساء امتناناً عامًّا بما يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنَّما حرَّم الله - تعالى - على الرجال الذهب والحرير. قال - صلوات الله وسلامه عليه - في الحرير والذهب: "حديث : هَذا حَرامٌ على ذُكورِ أمَّتِي حلٌّ لإنَاثهَا ". تفسير : وروى البخاريُّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم اتَّخذَ خاتماً من فضَّة ونقش فيه محمَّد رسول الله. فصل من حلف لا يلبس حلياً، فلبس لؤلؤاً لم يحنث، وهو قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -. وقال بعض المالكية: "هذا، وإن كان الاسم اللغويُّ يتناوله فلم يقصده باليمين، والأيمان مبنية على العرف، ألا ترى أنه لو حلف لا ينام على فراش فنام على الأرض لم يحنث وكذلك لو حلف لا يستضيء بسراج، وجلس في ضوء الشمس لا يحنث، وإن كان الله سمى الأرض فراشاً والشمس سراجاً". قوله: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ}، "تَرَى" جملة معترضة بين التعليلين: وهما "لِتأكُلوا"، "ولِتَبْتغُوا"، وإنما كانت اعتراضاً، لأنه خطاب لواحدٍ بين خطابين لجمعٍ. و "فِيهِ" يجوز أن يتعلَّق بـ "تَرَى" وأن يتعلق بـ "مَوَاخِرَ" لأنها بمعنى شواقٍّ، وأن يتعلق بمحذوفٍ؛ لأنه حال من "مَواخِرَ" أو من الضمير المستكنِّ فيه. و "مَواخِرَ" جمع مَاخِرَة، والمَخْرُ: الشقُّ، يقال: مَخرتِ السَّفينةُ البَحْرَ، أي: شقَّتهُ، تَمْخرُه مَخْراً ومُخوراً، ويقال للسُّفنِ: بَناتُ مَخْرٍ وبَخْرٍ، بالميم والباء بدل منها. وقال الفراء: هُوَ صوتُ جري الفلك، وقيل: صوتُ شدَّة هُبوبِ الرِّيح، وقيل بنات مَخْر لسحاب [ينشأ] صيفاً، وامْتخَرْتَ الرِّيحَ واسْتَخْرْتَهَا: إذا استقبلتها بأنفك. وفي الحديث: "حديث : اسْتَمخِرُوا الرِّيحَ وأعِدُّوا النبْلَ" تفسير : يعني في الاستنجاءِ، أي: ينظر أين مجراها وهبوبها؛ فليستدبرها؛ حتَّى لا يرد عليه البول. والمَاخُورُ: الموضع الذي يباع فيه الخمر، و "تَرَى" هنا بصرية فقط. قوله {وَلِتَبْتَغُواْ} فيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: عطفٌ على "لِتَأكُلوا" وما بينهما اعتراضٌ كما تقدم، وهذا هو الظاهر. وثانيها: أنه عطفٌ على علَّةٍ محذوفةٍ، تقديره: لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا، ذكره ابن الأنباري. وثالثها: أنه متعلق بفعلٍ محذوفٍ، أي: فعل ذلك لتبتغوا. وفيهما تكلُّف لا حاجة إليه. ومعنى {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} يعني: لتركبوها للتجارة؛ لتطلبوا الرِّبْحَ من فضلِ الله، فإذا وجدتم فضل الله فلعلكم تشكرونه. قوله تعالى: {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} والمقصود منه: ذكرُ بعض النعم التي خلقها الله في الأرض، وتقدم ذكر الرواسي. قوله {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} أي: كراهة أن تميدَ، أو لئلاَّ تميد، أي: تتحرَّك، والميدُ: هو الاضطرابُ [والتكفؤ]، ومنه قيل للدوار الذي يعتري راكب البحرِ: ميدٌ. قال وهب: "لما خلق الله الأرض جعلت تمورُ؛ فقالت الملائكة: إنَّ هذه غير مقرَّة أحدٍ على ظهرها، [فأصبحت] وقد أُرسيتْ بالجبالِ، فلم تدر الملائكة ممَّ خلقت الجبال؛ كالسفينة إذا ألقيت في الماءِ، فإنها تميل من جانب إلى جانب، وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة فيها، استقرت على وجه الماء". قال ابن الخطيب - رحمه الله - وهذا مشكلٌ من وجوهٍ: الأول: أنَّ هذا التعليل؛ إمَّا أن يكون مع القولِ بأن حركاتِ هذه الأجسام بطبعها، أو ليست بطبعها؛ بل هي واقعةٌ بتحريكِ الفاعل المختارِ، أمَّا على التقدير الأول فمشكلٌ؛ لأن الأرض أثقل من الماءِ، والأثقل من الماء يغوص في الماءِ، ولا يبقى طافياً عليه، وإذا لم يبق طافياً، امتنع أن يقال: إنَّها تميلُ، وتميدُ وتضطرب، وهذا بخلافِ السفينة؛ لأنها متخذة من الخشب، وفي داخل الخشب تجويفات مملوءة من الهواء، فلهذا السَّبب تبقى الخشبةُ طافية على الماء، [فحينئذ] تميل وتميد وتضطرب على وجه الماء، فإذا أرسيت بالأجرام الثقيلة، استقرت وسكنت؛ فافترقا. وأمَّا على التقدير الثاني: وهو أنَّه ليس للأرض والماء طبع يوجب الثقل والرسوب، وإنَّما - الله تعالى - أجرى عادته بجعلها كذلك، وصار الماء محيطاً بالأرض لمجردِ إجراءِ العادة، وليس ههنا طبيعة للأرض، ولا للماء، توجب حالة مخصوصة، فعلى هذا التقدير؛ علَّة سكون الأرض: هي أنَّ الله - تعالى - خلق فيها السكون. وعلة كونها مائدة مضطربة: هي أنَّ الله يخلق فيها الحركة، وعلى هذا، فيفسد القول بأنَّ الأرض كانت مائدة مائلة، فخلق الله تعالى الجبال وأرساها بها؛ لتبقى ساكنة؛ لأنَّ هذا إنما يصح إذا كانت طبيعة الأرض توجبُ الميلان، وطبيعة الجبال توجبُ الإرساء، والثبات، ونحن نتكلم على تقدير نفي الطبائع الموجبة لهذه الأحوال، فثبت أن هذا التعليل مشكلٌ على كلِّ تقديرٍ. الثاني: أنَّ إرساء الأرض بالجبال إنَّما كان؛ لأجل أن تبقى الأرض على وجه الماء ساكنة من غير أن تميد وتميل، وهذا إنما يعقل إذا كان الماء الذي استقرت الأرض على وجهه واقفاً. فنقول: فما المقتضي لسكونه في ذلك الحيِّز المخصوص؟ فإن كان طبعه المخصوص أوجب وقوفه في ذلك الحيز المعين، فلم لا نقولُ مثله في الأرض؟ وهو أنَّ طبيعة الأرض المخصوصة أوجبت وقوفها في ذلك الحيِّز المعيَّن، وحينئذٍ يفسد القول بأنَّ الأرض إنما وقفت؛ بسبب أنَّ الله أرساها بالجبال، وإن كان المقتضي لسكون الماء في حيِّزه المعين، هو أنَّ الله - تعالى - سكَّن الماء بقدرته في ذلك الحيز المخصوص، فلم لا نقول مثله في سكون الأرض؟ وحينئذ يفسد هذا التعليل أيضاً. الثالث: أنَّ الأرض كلها جسم، فبتقدير أن تميل وتضطرب على وجه البحر المحيط، فلم لم تظهر تلك الحالة للناس؟. فإن قيل: أليس أنَّ الأرض تحرِّكها البخارات المحتبسة في داخلها عند الزلزال، وتظهر تلك الحركات للناس، فبم تنكرون على من يقول: إنه لولا الجبال لتحركت الأرض، إلاَّ أنَّه - تعالى - لما أرساها بالجبال الثقالِ، لم تقو الريحُ على تحريكها؟. قلنا: تلك البخارات احتبست في [داخل] قطعة صغيرة من الأرض، فلما حصلت الحركة في تلك القطعة الصغيرة، ظهرت تلك الحركة، فظهور تلك الحركة في تلك القطعة المعينة من الأرض يجري مجرى اختلاج يحصل في عضوٍ معينٍ من بدن الإنسانِ، أما لو تحركت كلية الأرض لم تظهر تلك الحركةُ؛ ألا ترى أنَّ الساكن في السفينة لا يحسُّ بحركة كليةِ السفينة، وإنْ كانت على أسرع الوجوه، وأقواها، فكذا ها هنا. قال ابن الخطيب - رحمه الله-: والذي عندي ههنا أن يقال: ثبت بالدلائل اليقينية أنَّ الأرض كرة، وثبت أنَّ الجبال على سطح الكرة جاريةٌ مجرى خشوناتٍ تحصل على وجه هذه الكرة. وإذا ثبت هذا فنقول: لو فرضنا أنَّ هذه الخشوناتِ ما كانت حاصلة؛ بل كانت الأرض كرة حقيقية، خالية عن الخشونات، والتضريسات - لصارت بحيث تتحركُ بالاتسدارة بأدنى سبب؛ لأنَّ الجرم البسيط المستدير: إمَّا ن يجب كونه متحركاً بالاستدارة؛ وإن لم يجب ذلك عقلاً، إلاَّ أنَّها بأدنى سبب تتحركُ على [هذا الوجه]، فلما حصل على ظاهر سطح الكرة من الأرض هذه الجبال، وكانت الخشونات الواقعة على وجهِ الكرةِ، فكل واحدٍ من هذه الجبال إنَّما يتوجه بطبعه نحو مركز العالم، وتوجُّه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم، وقوته الشديدة، يكون جارياً مجرى الوتد الذي يمنع كرة الأرض من الاستدارة، فكان تخليقُ هذه الجبال على وجه الأرض كالأوتادِ المغروزةِ في الكرة المانعة من الحركة المستديرة، فكانت مانعة للأرض من المَيْدِ، والمَيْلِ، والاضطرابِ، بمعنى أنها منعت الأرض من الحركةِ المستديرة والله أعلم. قوله: "وأنْهَاراً" عطف على "رَواسِيَ"؛ لأنَّ الإلقاء بمعنى الخلقِ، وادَّعى ابن عطيَّة رحمه الله: أنَّه منصوب بفعلٍ مضمرٍ، أي: وجعل فيها أنهاراً. وليس كما ذكر. وقيل: الإلقاءُ معناه الجعلُ، قال تعالى: {أية : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا} تفسير : [فصلت: 10] وقدره أبو البقاء: "وشقَّ فيها أنْهاراً" وهو مناسبٌ. واعلم أنَّه ثبت في العلوم العقليَّة، أنَّ أكثر الأنهار إنما يتفجرُ منابعها في الجبال، فلهذا [السبب] لمَّا ذكر الجبال، أتبع ذكرها بتفجير العيون والأنهار. قوله "وسُبُلاً" أي: وذلَّل، أو وجعل فيها طرقاً؛ لتهتدوا بها في أسفاركم؛ كقوله تعالى: {أية : وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} تفسير : [طه: 53] إلى ما تريدون. وقوله: {وَعَلامَاتٍ} أي: وضع فيها علاماتٍ. قوله: "وبِالنَّجْمِ" متعلق بـ "يَهْتَدُون" والعامة على فتح النون، وسكون الجيم، بالتوحيد، فقيل: المراد به: كوكب بعينه وهو الجَدْي أو الثُّريَّا. وقيل: بل هو اسم جنس، وقرأ ابنُ وثَّاب: بضمهما، والحسن: بضمِّ النون فقط، وعكس بعضهم النقل عنهما. فأمَّا قراءة الضمتين، ففيها تخريجان: أظهرهما: أنه جمع صريح؛ لأنَّ فعلاء يجمع على فعل؛ نحو: "سَقْفٌ وسُقُف، وزَهْر وزُهُر". والثاني: أنَّ أصله النجوم، وفعل يجمع على فعول؛ نحو: فَلْس وفُلُوس، ثم خفِّف بحذف الواو، كما قالوا: أسُد وأسُود وأسْد. قال أبو البقاء: وقالوا في "خِيَام: خُيُم" يعني أنَّه نظيرهُ من حيث حذفوا فيه حرف المدِّ. وقال ابن عصفورٍ: "إنَّ قولهم: "النُّجُم" من ضرورات الشِّعر" وأنشد: [الرجز] شعر : 3306- إنَّ الذي قَضَى بِذَا قاضٍ حَكمْ أن تَرِدَ الماءَ إذَا غَابَ النُّجُمْ تفسير : يريد النجوم. كقوله: [الرجز] شعر : 3307- حَتَّى إذَا بُلَّتْ حَلاقِيمُ الحُلُقْ تفسير : يريد الحُلُوق. وأمَّا قراءة الضمِّ، والسكون، ففيها وجهان: أحدهما: أنها تخفيف من الضمِّ. والثاني: أنها لغة مستقلة. وتقديم كلِّ من الجارِّ، والمبتدأ، يفيد الاختصاص، قال الزمخشريُّ - رحمه الله-: "فإن قلت: قوله تعالى: {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} مخرج عن سنن الخطاب مقدم فيه "النجم" مقحم فيه "هُمْ" كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء خصوصاً، فمن المراد بهم؟. قلت: كأنه أراد قريشاً كان لهم اهتداءٌ بالنجوم في مسائرهم، وكان لهم به علمٌ لم يكن لغيرهم؛ فكان الشكر عليهم أوجب، ولهم ألزم". وقال بعض المفسرين: قوله تعالى: {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} مختصٌّ بسفرِ البحر؛ لأنه تعالى لما ذكر صفة البحر، ومنافعه، بيَّن أنَّ من يسير فيه يهتدون بالنجم. وقال بعضهم: هو مطلقٌ في سفر البحر والبرِّ. فصل في المراد بالعلامات المراد بالعلاماتِ: معالمُ الطريق، وهي الأشياء التي يهتدى بها، وهذه العلامات هي الجبالُ والرياحُ. قال ابنُ الخطيب: "ورايتُ جماعة يشمُّون التراب؛ فيعرفون الطرقان بشمِّه". قال الأخفش - رحمه الله-: تم الكلام عند قوله: "وعَلامَاتٍ" ثم ابتدأ: {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}. وقال محمد بن كعبٍ القرظيِّ، والكلبيُّ - رحمهما الله-: الجبالُ علاماتُ النَّهار، والنجوم علامات الليل. قال السديُّ: أراد بالنجم: الثُّريَّا، وبنات نعش، والفرقدين، والجدي، يهتدى بها إلى الطرق، والقبلة. قال القرطبيُّ: "حديث : سأل ابنُ عباس رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرَّف وكرَّم - عن النَّجم؛ فقال - صلوات الله وسلامه عليه-:هُوَ الجَديُ عليْهِ قِبْلتكُمْ وبِهِ تَهْتَدونَ في بَرِّكُمْ وبَحْرِكُمْ"تفسير : ، وذلك أنَّ آخر الجدي بناتُ نعشٍ الصغرى، والقطب الذي تستوي عليه القبلة بينهما. قوله تعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} الآية لمَّا ذكر الدَّلائلَ الدالة على وجود الإله القادر الحكيم، أتبعه بذكر إبطال عبادة غير الله - تعالى - والمقصود أنَّه لما دلت الدلائل [القاهرة] على وجود إله قادرٍ حكيمٍ، وثبت أنَّه هو المُولِي لجميع هذه النعم، والمعطي لكلِّ هذه الخيراتِ، فكيف يحسنُ في العقولِ الاشتغال بعبادة غيره، لا سيَّما إن كان غيره جماداً لا يفهم، ولا يعقل؟. فلهذا قال تعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ} هذه الأشياء التي ذكرناها {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ}، أي كمن لا يقدر على شيء ألبتة؛ {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} فإنَّ هذا القدر لا يحتاج إلى تدبُّر، ونظر؛ بل يكفي فيه أن تتنبهوا على ما في عقولكم، من أنَّ العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم، وأنتم ترون في الشاهد إنساناً عاقلاً فاهماً ينعم بالنعم العظيمة ومع ذلك فتعلمون أنَّ عبادته تقبح، فهذه الأصنام جمادات محضة، ليس لها فهمٌ، ولا قدرة ولا إحساس، فكيف تعبدونها؟. قوله {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} إن أريد بـ {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} جميع ما عبد من دون الله، كان ورود "مَنْ" واضحاً؛ لأنَّ العاقل يغلب على غيره، فيعبر عن الجميع بـ "مَنْ" ولو جيء أيضاً بـ "ما" لجاز، وإن أريد به الأصنام، ففي إيقاع "مَنْ" عليهم أوجهٌ: أحدها: إجراؤهم لها مجرى أولي العلم في عبادتهم إيَّاها، واعتقادِ أنَّها تضرُّ، وتنفع كقول الشاعر: [الطويل] شعر : 3308- بَكيْتُ إلى سِرْبِ القَطَا إذْ مَرَرْنَ بِي فقُلْتُ: ومِثْلِي بالبُكَاءِ جَدِيرُ أسِرْبَ القَطَا هَلْ مَنْ يُعِيرُ جَناحَهُ؟ لَعلِّي إلى مَنْ قَدْ هَويتُ أطِيرُ تفسير : فأوقع "مَنْ" على السرب، لمَّا عاملها معاملة العقلاء. الثاني: المشاكلة بينه وبين "مَنْ يَخْلقُ". [الثالث: تخصيصه بمن يعلم، والمعنى: أنه إذا حصل التباين بين من يخلق] وبين "مَنْ لا يخلقُ" من أولي العلم، وأنَّ غير الخالق لا يستحقُّ العبادة ألبتة، فكيف يستقيم عبادة الجمادِ المنحطِّ رتبة، السَّاقط منزلة عن المخلوقِ من أولي العلم؛ كقوله تعالى: {أية : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ} تفسير : [الأعراف: 195] إلى آخره؛ وأمَّا من يجيز إيقاع "مَنْ" على غيرِ العقلاءِ من غير شرطِ كقطرب فلا يحتاج إلى تأويل. قال الزمخشري - رحمه الله-: فإن قلت: هو إلزامٌ للذين عبدوا الأوثان، ونحوها؛ تشبيهاً بالله تعالى - جلَّ ذكره - وقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق - سبحانه لا إله إلا هو - فكان حقُّ الإلزامُ أن يقال لهم: أفمن لا يخلق كمن يخلق. قلت: حين جعلوا غير الله مثل الله عز وجل، بتسميتهم والعبادة له، جعلوا الله من جنسِ المخلوقات، وتشبيهاً بها، فأنكر عليهم ذلك بقوله: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ}. فصل في الاحتجاج بالآية احتجَّ أهل السنَّة بهذه الآية على أنَّ العبد غير خالقٍ لأفعالِ نفسه؛ لأنَّه سبحانه - عز وجل - ميَّز نفسه عن الأشياءِ التي يعبدونها بصفة الخالقية؛ لأنَّ الغرض من قوله تعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} بيان تميُّزه عن الأصنام بصفة الخالقية، وأنَّه إنَّما يستحق الإلهية، والمعبوديَّة؛ لكونه خالقاً، وهذا يقتضي أنَّ العبد لو كان خالقاً لشيءٍ؛ وجب أن يكون إلهاً معبوداً، ولما كان ذلك باطلاً، علمنا أنَّ العبد لا يقدر على الخلق، والإيجاد. أجاب المعتزلة من وجوه: الأول: المراد من قوله تعالى {أَفَمَن يَخْلُقُ} ما تقدم ذكره من السماوات والأرض، والإنسان، والحيوان، والنبات، والبحار، والنجوم، والجبال، كمن لا يقدر على خلق شيءٍ أصلاً، وهذا يقتضي أنَّ من كان خالقاً لهذه الأشياءِ؛ فإنه يكون إلهاً، ولم يلزم منه أنه إن قدر على خلق أفعال نفسه أن يكون إلهاً. الثاني: أنَّ معنى الآية: أنَّ من كان خالقاً كان أفضل ممَّن لا يكون خالقاً، فوجب امتناع التسوية بينهما في الإلهيَّة، والمعبوديَّة، وهذا القدر لا يدلُّ على انَّ كلَّ من كان خالقاً؛ فإنَّه يجب أن يكون إلهاً؛ لقوله: {أية : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ} تفسير : [الأعراف: 195]. ومعناه أنَّ الذي له رجلٌ يمشي بها يكون أفضل من الذي له رجلٌ لا يمشي بها، وهذا يوجب كون الإنسان أفضل من الصَّنم، والأفضل لا يليقُ به عبادة الأخسِّ. فهذا هو المقصود من هذه الآية، ثم إنها لا تدل على أن من له رجل يمشي بها أن يكون إلهاً، فلذلك ها هنا المقصود من هذه الآية: أنَّ الخالق أفضل من غير الخالق، فيمتنع التسويةُ بينهما في الإلهية والمعبودية، ولا يلزم منه أنَّه بمجرَّد حصول صفة الخالقيَّة يكون إلهاً. الثالث: أنَّ كثيراً من المعتزلةِ لا يطلقون لفظ الخالق على العبد. قال الكعبيُّ في تفسيره: إنا لا نقول: إنا لا نخلق أفعالنا، ومن أطلق ذلك ققد أخطأ؛ إلاَّ في مواضع ذكرها الله تعالى؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ} تفسير : [المائدة: 110]؛ وفي قوله عز وجل: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14] واعلمْ أنَّ أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد حقيقة؛ حتَّى إنَّ أبا عبد الله البصري بالغ وقال: إطلاقُ لفظ الخالق حقيقة على العبد، وعلى الله مجاز؛ لأنَّ الخلق عبارةٌ عن التقدير، وذلك عبارة عن الظنِّ، والحسبان، وهو في حقِّ العبد حاصلٌ، وفي حق الله تعالى محالٌ.
القشيري
تفسير : أنزل المطر وجعل به سُقيا النبات، وأجرى العادة بأن يديمَ به الحياة، وينبت به الأشجار، ويخرج الثمار، ويجري الأنهار. ثم قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ثم قال بعده بآيات: {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، ثم قال بعده: {لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}، وعلى هذا الترتيب تحصل المعرفة؛ فأولاً التفكر ثم العلم ثم التذكر، أولاً يضع النظر موضعه فإذا لم يكن في نظره خَلَلٌ وجب له العلم لا محالة، ولا فرق بين العلم والعقل في الحقيقة، ثم بعده استدامة النظر وهو التذكر. ويقال إنما قال: {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}: على الجمع لأنه يحصل له كثير من العلوم حتى يصير عارفاً، وكل جزء من العلم تحصل له آية ودليل، فللعالِم حتى يكون عارفاً بربِّه آياتٌ ودلائل، لأن دليل هذه المسألة خلاف دليل تلك المسألة، فبدليل واحد يعلم وَجْهَ النظر، وبأدلة كثيرة يصير عارفاً بربه.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {لكم منه شراب}: يحتمل أن يتعلق بأنزل، أو يكون في موضع خبر {شراب}، أو صفة لماء؛ و {مواخر}: جمع ماخرة، يقال: مخرت السفينة الماء مخرًا: شقّته، وقيل: المخر: صوت جَرْىِ الفلك في البحر من هبوب الريح. وقيل: معناه: تجيء وتذهب بريح واحدة. و {لتبتغوا}: عطف على "لتأكلوا"، و {أن تميد}: مفعول من أجله، أي: كراهة أن تميد بكم. و {أنهارًا وسُبلاً}: مفعول بمحذوف، أي: وخلق أو وجعل أنهارًا، وقيل: معطوف على "رواسي"؛ لأن ألقى، فيه معنى الجعل، و {علامات}: عطف على {أنهارًا وسبلاً}، أو نصب على المصدر، أي: ألقى ذلك؛ لعلكم تعتبرون، وعلامات دالة على وحدانيته. يقول الحقّ جلّ جلاله: {هو الذي أنزل من السماء} أي: السحاب، أو جانب السماء، {ماء}: مطراً {لكم منه شراب} تشربونه بلا واسطة، أو بواسطة العيون والأنهار والآبار؛ لأنه يُحبس فيها، ثم يشرب منها، لقوله: {أية : فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الأَرْضِ} تفسير : [الزُّمَر: 21]، وقوله: {أية : فَأَسْكَنَّاهُ فِى الأَرْضِ} تفسير : [المؤمنون: 18]، {ومنه شجرٌ} أي: ومنه يكون شجر، يعني: الشجر الذي ترعاه المواشي، وقيل: كل ما نبت على الأرض فهو شجر، {فيه تُسِيمُون}: ترعون مواشيكم، من أسام الماشية: رعاها، وأصلها: السومة، التي هي العلامة؛ لأنها تؤثر بالرعي علامات. {يُنبتُ لكم به الرزعَ} وقرأ أبو بكر بالنون؛ على التفخيم، {والزيتونَ والنخيلَ والأعناب ومن كل الثمرات} أي: ومن بعض كل الثمرات؛ إِذْ لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار. قال البيضاوي: ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه؛ لأنه سيصير غذاءً حيوانيًّا هو أشرف الأغذية - يعني اللحم -، ومن هذا: تقديم الزرع، والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها. هـ. {إن في ذلك لآية لقوم يتفكّرون}، فيستدلون على وجود الصانع وباهر قدرته، فإن من تأمل الحبة تقع في الأرض يابسة، ويصل إليها نداوة تنفذ فيها، فينشق أعلاها، ويخرج منه ساق الشجر، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها، ثم ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار، والأكمام والثمار، ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطبائع، مع اتحاد المواد، عَلِمَ أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار، مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد، ولعل وصل الآية به؛ لذلك. قاله البيضاوي باختصار. {وسخَّر لكم الليلَ والنهارَ والشمس والقمرَ والنجومَ}؛ بأن هيأها لمنافعكم، {مسخراتٍ بأمره}، أي: مذللات لما يريد منها، وهو حال من الجميع، أي: نفعكم بها حال كونها مسخرات لله، منقادة لحكمه، أو لما خلقن له، {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} أي: لأهل العقول السليمة الصافية من ظلمة الغفلة والشهوات، وإنما جمع هنا، دون ما قبله وما بعده؛ لأن الأولى راجعة إلى إنزال المطر، وهو متحد، والثالثة راجعة إلى ما ذرأ في الأرض، وهو متحد في الجنس والهيئة، بخلاف العوالم العلوية، فإنها مختلفة في الجنس والهيئة. وقال البيضاوي: جمع الآية وذكر العقل؛ لأنها تتضمن أنواعًا من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة، غير مُحْوِجَةٍ إلى استيفاء فكر، كأحوال النبات. هـ. {وما ذرأ} أي: وسخر لكم ما ذرأ، فهو عطف على الليل، أي: سخر لكم ما خلق لكم في الأرض من حيوانات ونبات، {مختلفاً ألوانه}؛ أبيض وأسود، أحمر وأصفر، مع اتحاد المادة، فالماء واحد والزهر ألوان، {إن في ذلك لآية لقوم يذّكرون}؛ يتذكرون أن اختلافها في الألوان والطبائع، والهيئات والمناظر، ليس إلا بصنع صانع حكيم. {وهو الذي سخَّر البحرَ}: ذللـه بحيث هيأه للتمكن من الانتفاع به؛ بالركوب فيه، والاصطياد، والغوص، {لتأكلوا منه لحمًا طريًّا} هو السمك، ووصفة بالطراوة؛ لأنه أرطب اللحوم، فيسرع إليه الفساد، فيسارع إلى أكله طريًّا، ولإظهار قدرته في خلقه؛ عذبًا طريًّا في ماء زُعاق أُجاج، واحْتَج به مالك على أن من حلف ألا يأكل لحمًا حنث بأكل السمك، وأجيب بأن مبني الأيمان على العُرف، وهو لا يُفهم منه عند الإطلاق؛ ألا ترى أن الله سمى الكافر دابة، ولا يحنث من حلف ألا يركب دابة بركوبه. قاله البيضاوي. ويجاب بالاحتياط؛ فالحنث يقع بأدنى شيء، بخلاف البِر، لا يقع إلا بأتم الأشياء. {وتستخرجوا منه حِلْيةً}؛ كاللؤلؤ والمرجان، {تلْبسونها}؛ يلبسها نساؤكم، وأسند اللباس إليهم؛ لأن لباس النساء تزين للرجال، فكأنه مقصودٌ لهم، {وترى الفلك}: السفن {مواخر فيه}؛ جواري فيه تمخر الماء، أي: تشقه، أو تُصوت من هبوب الريح، {ولتبتغوا من فضله}: من سعة رزقه؛ بركوبه للتجارة، أو: وترى الفلك جواري فيه؛ لتركبوها، ولتبتغوا من سعة رزقه. قال ابن عطية: فيه إباحة ركوب البحر للتجارة وطلب الأرباح. هـ. {ولعلكم تشكرون} أي: تعرفون نعم الله فتقوموا بشكرها. ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر؛ لأنه أقوى في باب الإنعام؛ من حيث جعل المهالك سببًا للانتفاع، وتحصيل المعاش. قاله البيضاوي. {وألقى في الأرض رواسي}؛ جبالاً رواسي أرست الأرض؛ كراهة {أن تميد بكم}؛ تميل وتضطرب؛ لأن الأرض قبل أن تُخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة، وكان من حقها أن تتحرك كالسفينة على البحر، فلما خُلقت الجبال تقاومت جوانبها؛ بثقلها نحو المركز، فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة. وقيل: لما خلق الله الأرض جعلت تمور - أي: تتحرك - فقالت الملائكة: ما يستقر أحد على ظهرها، فأصبحت وقد أرْسيَتْ بالجبال. {وأنهارًا} أي: وجعل فيها أنهارًا تطرد؛ لسقي الناس والبهائم، وسائر المنافع، وذكره بعد الجبال؛ لأن الغالب انفجارها منها، {وسُبلاً} أي: وجعل فيها طُرقًا {لعلكم تهتدون} لمقاصدكم، أو لمعرفة ربكم، بالنظر في دلالة هذه المصنوعات المتقدمة، على صانعها. {و} جعل فيها {علاماتٍ}: معالم يَسْتَدِلُّ بها السابلة على معرفة الطرق؛ من الجبال، والمناهل، والرياح، وغير ذلك، {وبالنجم هم يهتدون} إلى الطرق بالليل، في البراري والبحار، والمراد بالنجم: الجنس، بدليل قراءة: "وبالنُّجُمِ"؛ بضمتين؛ على الجمع. وقيل: المراد: الثريا، والفرقدان وبنات نعش، والجَدْي. والضمير لقريش؛ لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة، مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم، وإخراج الكلام عن سنن الخطاب، وتقديم النجم، وإقحام الضمير؛ للتخصيص، كأنه قيل: وبالنجم خصوصًا، هؤلاء خصوصًا يهتدون، يعني: قريشًا، فالاعتبار بذلك، والشكر عليهم ألزم لهم وأوجب عليهم. هـ. وأصله للزمخشري. الإشارة: هو الذي أنزل من سماء الغيوب ماء، أي: علمًا لدنيًا تحيا به القلوب، وتتطهر به النفوس من أدناس العيوب. لكم منه شراب، خمرة تحيا بها الأرواح، وتغيب عن حضرة الأشباح، ويخرج منه على الجوارح أشجار العمل، تثمر بالأذواق، فيه تسيمون، أي: في أذواق العمل ترعون بنفوسكم وقلوبكم، ثم ترحلون عنه إلى حلاوة شهود ربكم، فمن وقف مع حلاوة العمل، أو المقامات أو الكرامات، بقي محجوبًا عن ربه، وعليه نبّه صاحب البردة بقوله: شعر : وَراعِها، وهْيَ في الأعْمَالِ سَائِمَةٌ وإنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ المَرْعَى فلا تُسِم تفسير : وقال في الحكم: "ربما وقفت القلوب مع الأنوار، كما حُجِبَت النفوس بكثائف الأغيار". وقال الششتري: شعر : وقد تحْجُبُ الأنوار للعبْدِ مثْل ما تبعد من إظلام نفْس حوَتْ ضِغنا تفسير : يُنبت بذلك العلم طعام نَفوسكم من قوت الشريعة، ومصباح قلوبكم من عمل الطريقة، وثمرة الأعمال في عوالم الحقيقة، وفواكه العلوم من مخازن الفهوم. وسخر لكم ليل القبض، ونهار البسط؛ لتسكنوا فيه؛ لِمَا خصكم فيه من مقام التسليم والرضا، ولتبتغوا من فضله؛ من فيض العلوم وكشف الغطاء، فتشرق حينئذ شمس العرفان، ويستنير قمر الإيمان، وتطلع نجوم العلم، كل مسخر في محله، لا يستتر أحد بنور غيره، وهذا مقام أهل التمكين، يستعملون كل شيء في محله. وما ذرأ لكم في أرض نفوسكم من أنواع العبادات وأحوال العبودية، متلونة باعتبار الأزمنة والأمكنة، وهو الذي سخر بحر المعاني؛ لتأكلوا منه لحمًا طريًا؛ علمًا جديدًا لم يخطر على قلب بشر، وتستخرجوا منه جواهر ويواقيت من الحِكَم، تلبسونها وتتزين قلوبكم وألسنتكم بها. وترى الفلك، أي: سفن الفكرة، فيه مواخر؛ عائمة في بحر الوحدة، بين أنوار الملكوت وأسرار الجَبروت؛ لتبتغوا من فضله، وهي معرفة الحق بذاته وأسمائه وصفاته، ولعلكم تشكرون، فتقيدوا هذه النعم الجسام؛ لئلا تزول. وألقى في أرض البشرية جبال العقول؛ لئلا يلعب بها ريحُ الهوى، وأجرى عليها أنهارًا من العلوم حين انزجرت عن هواها، وجعل لها طُرقًا تهتدي بها إلى معرفة ربّها، فَتهتدي أولاً إلى نجم الإسلام، ثم إلى قمر توحيد البرهان، ثم إلى شهود شمس العرفان. وبالله التوفيق. ولما ذكر دلائل التوحيد أنكره من اشرك بعد هذا البيان. ثم ذكر بقية التجليات، فقال: {هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ...}
الطوسي
تفسير : قرأ أبو بكر عن عاصم إِلا الأعشى والبرجمي {ننبت} بالنون. الباقون. بالياء من قرأ بالياء فلما تقدم من قوله {هو الذي أنزل من السماء ماء... ينبت لكم} وهو أشكل بما تقدم، والنون لا يمتنع ايضاً، يقال نبت البقل وانبته الله، وقد روي انبت البقل، وأنكر ذلك الأصمعي، وقال قصيدة زهير التي فيها (حتى إذا أنبت البقل) مبهمة قال أبو علي فأمّا قوله {أية : تنبت بالدهن}تفسير : فيجوز أن تكون الباء زائدة، كقوله {أية : ولا تلقوا بأيديكم}تفسير : قال {أية : وألقى في الأرض رواسي أن تميد}تفسير : فعدى {ألقى} مرة بالباء وأخرى بغير باء، وإِذا ثبت أن (انبت) في معنى (نبت) جاز ان تكون الباء للتعدي، كما لو كانت مع (نبت) كان كذلك، ويجوز ان تكون الهمزة في (انبت) للتعدي، والمفعول محذوف، والباء للحال، كأنه قال تنبت ثمرة بالدهن، فحذف المفعول و (بالدهن) في موضع حال، كأنه قال تنبت، وفيه دهن، ويجوز في (تنبت بالدهن) ان تنبت ما فيه دهن. اخبر الله تعالى انه الذي ينزل من السماء ماء يعني غيثاً ومطراً لمنافع خلقه، من ذلك الماء شراب تشربونه، ومن ذلك نبات الشجر، والشجر ما ينبت من الارض وقام على ساق وله ورق وجمعه أشجار، ومنه المشاجرة لتداخل بعض الكلام في بعض كتداخل ورق الشجر وقال الازهري: ما نبت من الأرض شجر، قام على ساق أَو لم يقم ترعاه الإبل والأنعام كلها. وقوله {فيه تسيمون} اي ترعون؛ يقال: اسمت الابل إِذا رعيتها، وقد سامت تسوم، فهي سائمة اذا رعت. واصل السوم الابعاد في المرعى، والسوم في البيع الارتفاع في الثمن، والانبات اخراج الزرع، والانسان يزرع، والله تعالى ينبت. وقوله {ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات} اي ينبت بذلك المطر هذه الاشياء التي عددها لينتفعوا بها. ثم اخبر ان في ذلك لدلالة وحجة واضحة لمن يفكر فيه، فيعرف الله به؛ وإِنما أضاف الدلالة اليهم، لانهم الذين انتفعوا بها، ولأن من لم يفكر فيها فكأنها لم تنصب له.
الجنابذي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ} اعمّ من النبات {فِيهِ تُسِيمُونَ} فى الشّجر ترعون مواشيكم.
الهواري
تفسير : قال: { هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ}. أي: ترعون أنعامكم، أي: تسرحونها فيه. وقال مجاهد: {تُسِيمُونَ} أي: تُرْعون. قوله: { يُنبِتُ لَكُم بِهِ} أي: بذلك الماء { الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} ذكر بعضهم قال: إن الله أهبط إلى الأرض من الجنة ثلاثين ثمرة؛ عشر يؤكل داخلها ولا يؤكل خارجها، وعشر يؤكل خارجها ولا يؤكل داخلها، وعشر يؤكل داخلها وخارجها. قال: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} وهم المؤمنون. قال: فالذي ينبت من ذلك الماء الواحد هذه الألوان المختلفة قادر على أن يحيي الموتى. قوله: { وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ} يختلفان عليكم { وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} يذكر عباده نعمته عليهم، وينبههم بها على لسان نبيه مما لم ينتبهوا له إلا بالمنبهين، وهم الأنبياء. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وهم المؤمنون. قوله: { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ} أي: وما خلق لكم في الأرض { مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} قال الحسن: من النبات. وقال بعضهم: من الدواب والشجر والثمار. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} وهم المؤمنون.
اطفيش
تفسير : {هُوَ الَّذِى أنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} الوقف هنا ويستأنف بقوله {لَّكُم} متعلق بمحذوف خبر {مِّنْهُ} متعلق بما تعلق به الأَول أو بالأَول لنيابته عن المحذوف حال من ضمير الاستقرار فى الأَول وهى للابتداء أو للتبعيض وأُجيز تعليقها بشراب {شَرَابٌ} مبتدأ أو يكون الوقف على قوله لكم فيعلق بأَنزل ويعلق منه بمحذوف خبر وشراب مبتدأ وقدم منه على هذا الوجه للحصر فإِن الشرب ولو كان يقع أيضاً من العين والبئر لكنه لا ماء فى الأَرض إِلا وقد نزل من السماء {وَمِنْهُ شَجَرٌ} هذا يقوى أن يكون لكم فيستأْنف منه شراب ومنه شجر وإما على الوجه الأَول وهو الوقف على ماء فإِما أن يقدر ولكم منه شجر وإِما أن يقال غير الأَسلوب لأَن الشراب أهم ومعنى كون الشجر من الماء أنه ينبت به والمراد الشجر الذى ترعاه الماشية بأَفواهها أو بهش الراعى عليها ويدل لذلك ذكر الإِسامة فيه عقب هذا، ويحتمل أن يريد مطلق الشجر فمعنى الإِسامة فيه الإِسامة فى مجموعه بعضه تَأكله الماشية وبعضه لا وكذا الشراب المراد منه ما يشرب من المياه أو مجموع الماء وفائدة المجموع فى الموضعين إِنما لا منفعة فيه بشربكم أو شرب دوابكم من لاماء وما لا منفعة فيه لهن من الشجر فيهما منافع لغير ذلك والشجر ما له ساق من النبات وقيل كل نبات واستدل له الزجاج بقول الشاعر: شعر : يعلفها اللحم إِذا عز الشجر والخيل فى إِطعامها اللحم ضرر تفسير : وفى رواية اضجر أراد الشاعر أن اللائق أن تسقى اللبن إِذا عز الشجر لا أن تطعم اللحم، والتحقيق عندى أن الشجر فى البيت ماله ساق لا تناله الماشية بفمها دليل قوله يعلفها، وفسر قتادة الشجر فى الآية بالحشيش. قال عكرمة لا تأكلوا من الشجرة يعنى نبات المطر فإِنه سحت {فِيهِ تُسِيمُونَ} ترسلون مواشيكم للرعى فيه سامت الماشية رعت فهى سائمة وأسامها صاحبها رعاها وكذلك من السومة وهى العلامة لأَنها إِذا رعت بقى أثرها فى الأَرض من وضع حافرها وظلفها وخفها وبعر وبول وبقى أثرها فى النبات يرى مقطوفاً ومقلوعاً ومكسوراً وضد السائمة التى يؤتى لها بالعلف.
اطفيش
تفسير : {هُو الَّذِى أَنْزلَ مِنَ السَّماءِ ماءً} السحاب أو من جهة السماءِ، أَو من السماء نفسها، والله قادر، وكذا تقول فى غير هذا المحل، ومن السحاب ما ينعقد من ماءِ البحور والعيون بالبخار وبنفس ماءِ البحر المالح يرتفع إلى طبقة البرودة فيحلو بإذن الله عز وجل {لَكُم} قدم على طريق الاهتمام والامتنان وكذا قوله: {مِّنْهُ} من ذلك الماءٍ أو قدم منه للحصر لأَن كل ما فى الأرض نزل من السماءِ سوى الماءِ الأَول قال الله تعالى: " أية : فسلكه ينابيع "تفسير : [الزمر: 21] وقال تعالى "أية : فأَسكناه فى الأَرض"تفسير : [المؤمنون: 18] وقال تعالى: " أية : وما أَنتم له بخازنين" تفسير : [الحجر: 22] {شَرَابٌ} مشروب لكم، ومن للتبعيض أَو للابتداءِ متعلق بلكم أَو متعلقة لأَنه خبر لشراب، أَو حال من المستتر فى لكم، وشراب مبتدأٌ، أَو يتعلق بأَنزل، والخبر منه ولا تقل منه متعلق بمحذوف حال من شراب مع أن شراب مبتدأٌ لا رافع المبتدأَ وهو الابتداءُ لا يتقيد بالحال، {وَمِنهُ شَجَرٌ} مبتدأ أَو خبر أَو عطف منه على منه وشجر على شراب، وهذا على أن لكم خبر، ويجوز تقدير وينبت منه شجر بالبناءِ للفاعل أَو للمفعول، وشجر نكرة عمت فى الإِنبات لجواز ذلك مع قرينة، ألا ترى أَنه ليس المراد شجرات مخصوصات والمراد بالشجر النبات الذى يرعى مما لا ساق له مجازا، أَو له ساق لا يسمى به فى العرف شجراً ففى حديث عكرمة لا تأكلوا ثمن الشجر فإٍنه سحت ولعله فيمن منع الماءَ فى الفلاة ليختص بالكلأَ، قال الشاعر: شعر : نطعمها اللحم إذا عز الشجر والخيل فى إطعامها اللحم ضرر تفسير : ويروى نعلفها اللحم، أَراد بالشجر النبات، واللحم ضرع الشاة أَو نحوه يشير إلى اللبن، ومعنى الضرر أَنه لا يكفيها قال الزجاج: كل نبات شجر حقيقة {فِيهِ تُسِيمُونَ} تجعلون دوابكم سائمة أَى راعية فيه، قال الزجاج: أَصل السوم بمعنى الرعى السوم بمعنى العلامة لأَنه يحصل من الرعى آثار فى الأرض والنبات.
الالوسي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَآء} شروع في نوع آخر من النعم الدالة على توحيده سبحانه، والمراد من الماء نوع منه وهو المطر ومن السماء إما السحاب على سبيل الاستعارة أو المجاز المرسل، وإما الجرم المعروف والكلام على حذف مضاف أي من جانب السماء أو جهتها وحملها على ذلك بدون هذا يقتضيه ظاهر بعض الأخبار ولا أقول به، و {مِنْ} على كل تقدير ابتدائية وهو متعلق بما عنده، وتأخير المفعول الصريح عنه ليظمأ الذهن إليه فيتمكن أتم تمكن عند وروده عليه، وقوله تعالى: {لَكُمْ} يحتمل أن يكون خبراً مقدماً، وقوله سبحانه: {مِنْهُ} في موضع الحال من قوله عز وجل: {شَرَابٌ} أي ما تشربون وهو مبتدأ مؤخر أو هو فاعل بالظرف الأول والجملة صفة لماء و {مِنْ} تبعيضية وليس في تقديمها إيهام حصر، ومن توهمه قال: لا بأس به لأن جميع المياه العذبة المشروبة بحسب الأصل منه كما ينبـىء عنه قوله تعالى: {أية : فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الزمر: 21] وقوله سبحانه: {أية : فَأَسْكَنَّاهُ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [المؤمنون: 18] ويحتمل أن يكون متعلقاً بما عنده {وَمِنْهُ شَرَابٌ} مبتدأ وخبر أو شراب فاعل بالظرف والجملة ومن كما تقدم. وتعقب بأن توسيط المنصوب بين المجرورين وتوسيط الثاني منهما بين الماء وصفته مما لا يليق بجزالة النظم الجليل وهو كذلك {وَمِنْهُ شَجَرٌ} أي نبات مطلقاً سواء كان له ساق أم لا كما نقل عن الزجاج وهو حقيقة في الأول، ومن استعماله في الثاني قول الراجز:شعر : نعلفها اللحم إذا عز الشجر والخيل في إطعامها اللحم ضرر تفسير : فإنه قيل: الشجر فيه بمعنى الكلأ لأنه الذي يعلف، وكذا فسره في "النهاية" بذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت» تفسير : ولعل ذلك لأنه جاء في الحديث النهي عن منع فضل الماء كمنع فضل الكلأ وتشارك الناس في الماء والكلأ والنار، وأبقاه بعضهم على حقيقته ولم يجعله مجازاً شاملاً، و {مِنْ} إما للتبعيض مجازاً لأن الشجر لما كان حاصلاً بسقيه جعل كأنه منه كقوله:شعر : أسنمة الابال في ربابه تفسير : يعني به المطر الذي ينبت به ما تأكله الإبل فتسمن أسنمتها، وإما للابتداء أي وكائن منه شجر، والأول أولى بالنسبة إلى ما قبله. وقال أبو البقاء: هي سببية أي وبسببه إنبات شجر، ودل على ذلك {أية : يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ } تفسير : [النحل: 11] وجوز ابن الأنباري الوجهين الأولين على ما يقتضيه ظاهر قوله: الكلام على تقدير مضاف إما قبل الضمير أي من جهته أو من سقيه شجر/ وأما قبل شجر أي ومنه شراب شجر كقوله تعالى: {أية : وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ } تفسير : [البقرة: 93] أي حبه اهـ وهو بعيد وإن قيل: الإضمار أولى من المجاز لا العكس الذي ذهب إليه البعض وصحح المساواة لاحتياج كل منهما إلى قرينة. {فِيهِ تُسِيمُونَ } أي ترعون يقال: أسام الماشية وسومها جعلها ترعى وسامت بنفسها فهي سائمة وسوام رعت حيث شاءت، وأصل ذلك على ما قال الزجاج السومة وهي كالسمة العلامة لأن المواشي تؤثر علامات في الأرض والأماكن التي ترعاها. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {تسيمون} بفتح التاء فإن سمع سام متعدياً كان هو وأسام بمعنى وإلا فتأويل ذلك أن الكلام على حذف مضاف أي تسيم مواشيكم.
ابن عاشور
تفسير : استئناف لذكر دليل آخر من مظاهر بديع خلق الله تعالى أدمج فيه امتنان بما يأتي به ذلك الماء العجيب من المنافع للناس من نعمة الشراب ونعمة الطعام للحيوان الذي به قوام حياة الناس وللناس أنفسهم. وصيغة تعريف المسند إليه والمسند أفادت الحصر، أي هُوَ لا غيرُه. وهذا قصر على خلاف مقتضى الظاهر، لأن المخاطبين لا ينكرون ذلك ولا يدّعون له شريكاً في ذلك، ولكنهم لما عَبدوا أصناماً لم تنعم عليهم بذلك كان حالهم كحال من يدّعي أن الأصنام أنعمت عليهم بهذه النّعم، فنزلوا منزلة من يدّعي الشركة لله في الخلق، فكان القصر قصر إفراد تخريجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر. وإنزال الماء من السماء تقدم معناه عند قوله تعالى: {أية : وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم} تفسير : في سورة البقرة (22). وذكرَ في الماء منّتين: الشّراب منه، والإنبات للشجر والزّرع. وجملة {لكم منه شراب} صفة لــــ{ماء}، و{لكم} متعلق بــــ{شراب} قدم عليه للاهتمام، و{منه} خبر مقدم كذلك، وتقديمه سوّغ أن يكون المبتدأ نكرة. والشراب: اسم للمشروب، وهو المائع الذي تشتفّه الشفتان وتُبلغه إلى الحلق فيبلعَ دون مضغ. و (من) تبعيضية. وقوله تعالى: {ومنه شجر} نظير قوله: {منه شراب}. وأعيد حرف (من) بعد واو العطف لأن حرف (من) هنا للابتداء، أو للسببية فلا يحسن عطف {شجر} على {شراب}. والشجرَ: يطلق على النبات ذي الساق الصُلبة، ويطلق على مطلق العُشب والكلأ تغليباً. وروعي هذا التغليب هنا لأنه غالب مرعى أنعام أهل الحجاز لقلة الكلأ في أرضهم، فهم يرعون الشعاري والغابات. وفي حديث «حديث : ضالة الإبل تَشرب الماء وتَرعى الشجر حتى يأتيها ربّها»تفسير : . ومن الدقائق البلاغية الإتيان بحرف (في) الظرفية، فالإسامة فيه تكون بالأكل منه والأكل مما تحته من العشب. والإسامة: إطلاق الإبل للسّوْم وهو الرعي. يقال: سامت الماشية فهي سائمة وأسامها ربّها.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ}. تقدم الكلام على ما يوضح معنى هذه الآية الكريمة في سورة الحجر. وقوله جل وعلا: {وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 10-11]. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن إنباته بالماء ما يأكله الناس من الحبوب والثمار، وما تأكله المواشي من المرعى - من أعظم نعمه على بني آدم، ومن أوضح آياته الدالة على أنه المستحق لأن يعبد وحده. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [السجدة: 27] وقوله: {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ}تفسير : [طه: 54]، وقوله: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} تفسير : [النازعات: 30-33]، وقوله: {أية : وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ} تفسير : [ق: 9-11] الآية وقوله: {أية : أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ}تفسير : [النمل: 60] وقوله: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً}تفسير : [النبأ: 14-16] والآيات بمثل هذا كثيرة جداً. تنبيهان الأول - اعلم أن النظر في هذه الآيات واجب، لما تقرر في الأصول "أن صيغة الأمر تقتضي الوجوب إلا لدليل يصرفها عن الوجوب". والله جل وعلا أمر الإنسان أن ينظر إلى طعامه الذي به حياته، ويفكر في الماء الذي هو سبب إنبات حبه - من أنزله!؟ ثم بعد إنزال الماء وري الأرض من يقدر على شق الأرض عن النبات وإخراجه منها!؟ ثم من يقدر على إخراج الحب من ذلك النبات!؟ ثم من يقدر على تنميته حتى يصير صالحاً للأكل!؟ {أية : ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ}تفسير : [الأنعام: 99] الآية. وذلك في قوله تعالى: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} تفسير : [عبس: 24-32]. وكذلك يجب على الإنسان النظر في الشيء الذي خلق منه، لقوله تعالى: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} تفسير : [الطارق: 5] وظاهر القرآن: أن النظر في ذلك واجب، ولا دليل يصرف عن ذلك. التنبيه الثاني: اعلم أنه جل وعلا أشار في هذه الآيات من أول سورة "النحل" إلى براهين البعث الثلاثة، التي قدمنا أن القرآن العظيم يكثر فيه الاستدلال بها على البعث. الأول - خلق السموات والأرض المذكور في قوله: {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [النحل: 3] الآية. والاستدلال بذلك على البعث كثير في القرآن، كقوله: {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا} تفسير : [النازعات: 27-28] إلى قوله: {أية : مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}تفسير : [النازعات: 33]، وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [الأحقاف: 33]، وقوله: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ}تفسير : [غافر: 57] الآية، وقوله: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [يس: 81] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم. البرهان الثاني- خلق الإنسان أولاً المذكور في قوله: {أية : خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ} تفسير : [النحل: 4] لأن من اخترع قادر على الإعادة ثانياً. وهذا يكثر الاستدلال به أيضاً على البعث، كقوله: {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يس: 79]، وقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَن} تفسير : [الروم: 27] الآية، وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} تفسير : [الحج: 5]، وقوله: {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}تفسير : [ق: 15] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم. البرهان الثالث - إحياء الأرض بعد موتها المذكور هنا في قوله: {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ} [النحل:11] الآية، فإنه يكثر في القرآن الاستدلال به على البعث أيضاً، كقوله: {أية : فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [فصلت: 39]، وقوله: {أية : وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ} تفسير : [ق: 11] أي كذلك الأحياء خروجكم من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله: {أية : وَيُحْيِي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} تفسير : [الروم: 19] أي من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الأعراف: 57] وقوله: {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [الحج: 5-6] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم فهذه البراهين الثلاثة يكثر جداً الاستدلال على البعث في كتاب الله كما رأيت وكما تقدم. وهناك برهان رابع يكثر الاستدلال به على البعث أيضاَ ولا ذكر له في هذه الأيات، وهو إحياء الله بعض الموتى في دار الدنيا، كنا تقدمت الإشارة إليه في "سورة البقرة"، لأن من أحيا نفساً واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} تفسير : [لقمان: 28]. وقد ذكر جل وعلا هذا البرهان في "سورة البقرة" في خمسة مواضع. الأول - قوله: {أية : ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [البقرة: 56]. الثاني - قوله: {أية : فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 73]. الثالث - قوله جل وعلا: {أية : فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} تفسير : [البقرة: 243]. الرابع - قوله: {أية : فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [البقرة: 259]. الخامس - قوله تعالى: {أية : قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تفسير : [البقرة: 260]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10] أي ترعون مواشيكم السائمة في ذلك الشجر الذي هو المرعى. والعرب تطلق اسم الشجر على كل ما تنبته الأرض من المرعى. ومنه قل النمر بن تولب العكلي: شعر : إنا أتيناك وقد طال السفر نقود خيلا ضمرا فيها صعر نطعمها اللحم إذا عز الشجر تفسير : والعرب تقول: سامت المواشي إذا رعت في المرعى الذي ينبته الله بالمطر. وأسامها صاحبها: أي رعاها فيه، ومنه قول الشاعر: شعر : مثل ابن بزعة أو كآخر مثله أولى لك ابن مسيمة الأجمال تفسير : يعني يا بن راعية الجمال التي تسيمها في المرعى. وقوله: {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ} [النحل: 11] قرأه شعبة عن عاصم "ننبت" بالنون والباقون بالياء التحتية.
القطان
تفسير : تسيمون: ترعون الماشية، تجعلونها ترعى النبات. ذرأ: خلق. سخر البحر: ذللـه وجعله في خدمتكم. مواخر: جمع ماخرة: جارية فيه، مخر الماء شقة. الرواسي: الجبال. ان تميد بكم: ان تميل وتضطرب. وسبلا: طرقا.وعلامات: اشارات، ومعالم يستدل الانسان بها. {هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ}. بعد أن ذكر اللهُ نعمته على الناس بتسخيرِ الدوابّ والأنعام، شرع يَذْكُر نعمتَه عليهم بإنزالِ المطرِ والخلْق وتسخير الكونِ كلّه لهذا الإنسان. إن الذي خلقَ لكم الأنعام والخيلَ وسائرَ البهائم لمنافِعِكم ومصالِحِكم هو الذي أنزلَ المطر من المساءِ عذباً زلالاً تشربون منه وتسقون الشَجر والنبات. وهذا الشجرُ والنبات هو الذي تجعلون أنعامكم ترعاه وتمدّكم باللّبن واللّحم والأصواف والأوبارِ والأشعار والجلود. {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ}. إن هذا الماء ينزله اللهُ من السماء بقدْرته فيحيي به الأرضَ وينبتُ لكم زرعكم المختلفَ من جميع أنواع الثمرات وتيجعله رِزقاً لكمن ونعمةً منه عليكم، وحجةً على من كفر به. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. ان فيما ذُكر من الآيات الداّلة على قدرة الله وما فيها من نعم لا تحصى لأدلّةً وحُجَجاً لقومٍ لهم عقول تفكّر، بها يدركون حكمةَ الله، ويفهمونها حق الفهم. قراءات: قرأ ابو بكر: "ننبت لكم" بالنون، والباقون: "ينبت لكم" بالياء. {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ}. ومن نِعمة تعالى عليكم ان جعل لكم الليلَ مهَّيئاً لراحتكم، والنارَ جعله مناسباً لِسعيكم وحركتكم وأعمالكم، والشمس تمدّكم بالدفء والضوءِ، والقمرَ لتعرفوا به عددَ السنين والحساب، والنجوم مسخَّرات بأمر الله لتهتدوا بها في أسفاركم في ظُلمات البرّ والبحر. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. إن في كلّ هذه النعمِ والدلائلِ لآياتٍ لقوم لهم عقول تدرك وتتدبّر ما وراء هذه الظواهر من قدرة. {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ}. ومن نعمه التي لا تُحصى عليكم ما خلقَ لكم في الأرضِ من أنواعِ الحيوان والنبات والجماد، وجعل في جوفها من المعادن المختلفة الألوانِ والأشكال، وجعلَ كلَّ ذلك لمنافِعِكم، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} ان في ذلك كله لأدلة واضحة لقوم يذكرون ولا ينسون. {أية : وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [البقرة:269]. قرأ حفص: "والنجوم مسخرات" بالرفع. وقرأ ابن عامر: "والشمس والقمر والنجوم مسخرات" بالرفع. والباقون "والشمس والقمر والنجوم مسخرات" كلها بالنصب. {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا}. ومن هذه النعمِ الكبرى نعمةُ البحر وما فيه من أنواع الحيوان، فإن الله تعالى جعلَ هذا كلَّه للإنسان ليأكلَ منه ذلك اللحمَ الطريَّ الشهيّ، ويستخرجَ من جوفه أنواعَ اللؤلؤ والمرجان حِيلةً جميلة تلبَسونها ايها الناس وتتلحَّوْن بها. {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. وترى أيُّها الناظرُ تلك السفنَ تمخر عبابَ الماء وتشقّه.. كلّ ذلك في خِدمتكم، سخَّره الّلهُ لكم أيها الناسُ لتنتَفِعوا بما فيه، وتطلبوا من فضلِ الله الرزقَ عن طريق التجارةِ وغيرها، فلْتشركوا اللهَ على ما هيَّأ لكم وأنعمَ به عليكم. {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} وجعل في الأرض جبالاً ثابتة حتى لا تميل بكم وتضطربَ بما عليها. {وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}. وجعل في هذه الأرضِ أنهاراً تجري فيها المياهُ الصالحة للشرُّب والزرع، وجعلَ فيها طُرُقاً ممهَّدة لتهتدوا بها في السَّير إلى مقاصدكم. {وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}. وجعلَ لكم في هذا الكون علاماتٍ ودلائلَ يهتدي بها الساري ويسترشدُ في أثناء سيرِه ليلاً بالنجوم التي أودعَها اللهُ في السماء. بعد ان بيّن الله الدلائل على وجودِ الإله القادر، الذي خلَقَ هذا الكونَ على أحسنِ نظام، وان جميع ما في هذا الكونِ في خدمة الإنسان - أخذَ يردُّ على المشركين ويُبطل شِرْكَهم وعبادتَهم غيرَ الله من الأصنام والأوثان، وأنهم عاجِزون لا يستطيعون ان يخلقوا شيئا فقال: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}. أفمنْ يخلُق كلَّ هذه الأشياءَ التي مرَّ ذِكُرها وغيرها، كمن لا يخلُق شيئاً لا كبيراً ولا صغيرا، أتَعْمُون أيّها المشرِكون عن آثار قدرةِ الله فلا تعتَبروا وتشركوا الله عليها!؟. ثم بعد ان نبّههم سبحانه إلى عظَمته وقدرته، ذكَّر الناسَ بنعمه عليهم واحسانه فقال: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. إنْ تحاولوا عدَّ نِعم الله عليكم فلن تستطيعوا احصاءَها لكثرتها.. وأكثرُ النعمِ لا يدري بها الإنسانُ لأنه يألفُها فلا يشعر بها إى حينَ يفتقدها. إن الله لغفورٌ، يستُرُ عليكم تقصيركم في القيام بشكرها، رحيم بكم يُفيض عليكم نعمه. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ}. لا يخفى عليه شيء من سركم وجهركم.
د. أسعد حومد
تفسير : (10) - ثُمَّ يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنْ إِنْزَالِ المَطَرِ عَلَيْهِمْ لِيَشْرَبُوا مِنْهُ، هُمْ وَأَنْعَامَهُمْ وَزُرُوعُهُمْ، وَلِيَخْرُجَ بِالمَاءِ الزَّرْعُ وَالنَّبَاتُ وَالأَشْجَارُ، فَيَأْكُلَ النَّاسُ مِنْهُ، وَيَرْعَوْا أَنْعَامَهُمْ. تُسِيمُونَ - تَرْعَوْنَ أَنْعَامَكُمْ، وَالسَّوْمُ هُوَ الرَّعْيُ.
الثعلبي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ} أي من ذلك الماء {شَرَابٌ} يشربونه {وَمِنْهُ شَجَرٌ} شراب أشجاركم حياة غروسكم ونباتكم {فِيهِ}، في الشجرة وهو اسم [عام]، وإنما ذكَر الكناية، لأنه ردّه إلى لفظ الشجر. {تُسِيمُونَ} ترعون، وننسيكم يقال: أسام فلان إبله يسيمها إسامة، إذا رعاها، فهو مسيم وسامت هي تسوم فهي سائمة. قال الشاعر: شعر : ومشى القوم بالعماد إلى المرعى وأعيا المسيم اين المساق تفسير : يعني يدخلون العماد تحت بطون الزرعى [....]. قال الشاعر: شعر : أولى لك ابن مسيمة الأجمال تفسير : أي يابن راعية الإبل. {يُنبِتُ لَكُمْ} . قرأه العامّة بالياء يعني: ينبت لكم. وقرأ عاصم برواية المفضل وحماد ويحيى بالنون، والأوّل الاختيار. {بِهِ} بالماء الذي أنزل {ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ} قرأه العامّة بالنصب نسقاً على ماقبله. وروى حفص عن عاصم، {وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ}: بالرفع على الخبر والإبتداء، وقرأ ابن عامر {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ} كلها بالرفع على الإبتداء والخبر. {بِأَمْرِهِ} بأذنه {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ} يعني وسخّر ما ذرأ {لَكُمُ} أي خلق لأجلكم من الدواب والأشجار والثمار وغيرها {فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} نصب على الحال. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}. {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً} يعني السمك {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً} يعني اللؤلؤ والمرجان. روى حماد بن يحيى عن إسماعيل بن عبد الملك قال: جاء رجل إلى ابن جعفر قال: في حليّ النساء صدقة؟ قال: لا، هي كما قال الله: {حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا}. {تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ}. قال ابن عبّاس: جواري. سعيد بن جبير: معترضة. قتادة ومقاتل: [تذهب وتجي] مقبلة ومدبرة بريح واحدة. الحسن: مواقر. عكرمة والفراء والأخفش: شقاق يشق الماء بجناحيها. مجاهد: يمخر السفن الرياح ولا يمخر الريح من السفن إلاّ الملك العظيم. أبو عبيدة: سوابح. وأصل المخرّ الدفع والشق، ومنه مخر الأرض، ويقال: امتخرت الريح وتمخّرتها، إذا نظرت من أين مبعوثها، وفي الحديث: "حديث : إذا أراد أحدكم البول فليمتخر الريح" تفسير : أي لينظر من أين مخرها وهبوبها فيستدبرها حتّى لا يرد عليه البول. {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} يعني التجارة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} يعني لئلاّ تميد بكم، أي تتحرك وتميل، والميل: هو الاضطراب والتكفّؤ، ومنه قيل للدوار الذي يعتري راكب البحر: ميد. قال وهب: لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتمور، فقالت الملائكة: إن هذه غير مقرّة أحداً على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال ولم تدر الملائكة ممّ خلقت الجبال. وقال علي (رضي الله عنه): لما خلق الله الأرض رفضت وقالت: أي رب أتجعل عليَّ بني آدم يعملون عليَّ الخطيئة ويلقون عليّ الخبث، فأرسى الله فيها من الجبال ماترون ومالا ترون. {وَأَنْهَاراً} يعني وجعل فيها أنهاراً {وَسُبُلاً} طرقاً مختلفة {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} {وَعَلامَاتٍ} فلا تضلون ولا تتحيرون، يعني معالم الطرق. وقال بعضهم: هاهنا تم الكلام ثمّ ابتدأ. {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}. قال محمّد بن كعب القرظي والكلبي: أراد بالعلامات الجبال، فالجبال علامات النهار والنجوم علامات الليل. وقال مجاهد وإبراهيم: أراد بهما جميعاً النجوم، فمنها ما يكون علامات ومنها ما يهتدون به. قال السدي: يعني بالثريا وبنات نعش والفرقدين والجدي فيهتدون إلى الطرق والقبلة. قتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاث أشياء: لتكون زينة للسماء، وعلامات للطريق ورجوماً للشياطين. فمن قال غير هذا فقد قال برأيه وتكلّف ما لا علم به. {أَفَمَن يَخْلُقُ} يعني الله تعالى {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} يعني الأصنام {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} نظيرها قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} تفسير : [لقمان: 11] وقوله عزّ وجلّ: {أية : أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [فاطر: 40]. {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ} لما كان منكم من تقصير شكر نعمه {رَّحِيمٌ} بكم حيث وسّع عليكم نعمه ولم يقطعها منكم بتقصيركم ومعاصيكم. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقوله: {أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً ..} [النحل: 10]. يبدو قولاً بسيطاً؛ ولكن إنْ نظرنا إلى المعامل التي تُقطِّر المياه وتُخلِّصها من الشوائب لَعلِمْنَا قَدْر العمل المبذول لنزول الماء الصافي من المطر. والسماء - كما نعلم - هي كل ما يعلونا، ونحن نرى السحاب الذي يجيء نتيجة تبخير الشمس للمياه من المحيطات والبحار، فيتكوَّن البخار الذي يتصاعد، ثم يتكثَّف ليصيرَ مطراً من بعد ذلك؛ وينزل المطر على الأرض. ونعلم أن الكرة الأرضية مُكوَّنة من محيطات وبحار تُغطِّي ثلاثة أرباع مساحتها، بينما تبلغ مساحة اليابسة رُبْع الكرة الأرضية؛ فكأنه جعل ثلاثة أرباع مساحة الكرة الأرضية لخدمة رُبْع الكرة الأرضية. ومن العجيب أن المطر يسقط في مواقع قد لا تنتفع به، مثل هضاب الحبشة التي تسقط عليها الأمطار وتصحب من تلك الهضاب مادة الطمي لِتُكوِّن نهر النيل لنستفيد نحن منه. ونجد الحق سبحانه يقول: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ ..} تفسير : [النور: 43]. وهنا يقول الحق سبحانه: {أية : هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} تفسير : [النحل: 10]. ولولا عملية البَخْر وإعادة تكثيف البخار بعد أن يصير سحاباً؛ لَمَا استطاع الإنسانُ أنْ يشربَ الماء المالح الموجود في البحار، ومن حكمة الحق سبحانه أن جعل مياه البحار والمحيطات مالحةً؛ فالمِلْح يحفظ المياه من الفساد. وبعد أن تُبخِّر الشمسُ المياه لتصير سحاباً، ويسقط المطر يشرب الإنسانُ هذا الماء الذي يُغذِّي الأنهار والآبار، وكذلك ينبت الماء الزرع الذي نأكل منه. وكلمة {شَجَرٌ} تدلُّ على النبات الذي يلتفُّ مع بعضه. ومنها كلمة "مشاجرة" والتي تعني التداخل من الذين يتشاجرون معاً. والشجر أنواع؛ فيه مغروس بمالك وهو مِلْك لِمَنْ يغرسه ويُشرِف على إنباته، وفيه ما يخرج من الأرض دون أنْ يزرعه أحد وهو مِلْكية مشاعة، وعادة ما نترك فيه الدَّواب لترعى، فتأكل منه دون أنْ يردَّها أحد. وهنا يقول الحق سبحانه: {فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10]. من سَام الدابة التي تَرْعى في المِلْك العام، وساعة ترعى الدابة في المِلْك العام فهي تترك آثارها من مَسَارب وعلامات. ويُسَمُّون الأرضَ التي يوجد بها نبات ولا يقربها حيوان بأنها "روضة أنُف" بمعنى أن أحداً لم يَأتِ إِليها أو يَقربها؛ كأنها أنفت أنْ يقطف منها شيء. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فِيهِ تُسِيمُونَ} معناه تَرعَون.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن النقم بعد النقم والكرم بعد الكرم بقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم} [النحل: 10] إلى قوله: {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17] للإشارة فيه {هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ} [النحل: 10] سماء الكرم {مَآءً} [النحل: 10] الفيض ليكون لكم أي: لمصالحكم ومنافعكم {مِّنْهُ شَرَابٌ} [النحل: 10] المحبة لقلوبكم {وَمِنْهُ شَجَرٌ} [النحل: 10] قوى البشرية ودواعيها {فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10] ترعون مواشي نفوسكم. {يُنبِتُ لَكُمْ} [النحل: 11] أي: لفداء أرواحكم {بِهِ ٱلزَّرْعَ} زرع الطاعات {وَٱلزَّيْتُونَ } [النحل: 11] زيتون الصدق {وَٱلنَّخِيلَ} [النحل: 11] نخيل الأخلاق الحميدة {وَٱلأَعْنَابَ} [النحل: 11] أعناب الواردات الربانية {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} [النحل: 11] أي: ثمرات المعقولات والمشاهدات والمكاشفات والمكالمات والأحوال كلها {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 11] بنظر العقل في هذه الصنائع الحكمية {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ} [النحل: 12] أي: ليل البشرية {وَٱلْنَّهَارَ} [النحل: 12] نهار الروحانية {وَٱلشَّمْسَ} [النحل: 12] شمس الروح {وَٱلْقَمَرَ} [النحل: 12] قمر القلب {وَٱلْنُّجُومُ} [النحل: 12] نجوم القوى والحواس الخمس {مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} [النحل: 12] وهو خطاب كن وتسخيرها واستعمالها عن وفق الشريعة وقانون الطريقة يعالجها الطبيب الحاذق صاحب البصيرة والولاية كامل التصرف في الهداية مخصوص بالعناية {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} [النحل: 12] شاهدات {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 12] بشواهد الحق من غير التفكر بل بالمعاينات. {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ} [النحل: 13] أي: خلق لمصالحكم {فِي ٱلأَرْضِ} [النحل: 13] أرض جبلتكم من الاستعداد أي: {مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} [النحل: 13] منها ملكية ومنها شيطانية ومنها حيوانية {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [النحل: 13] أي: يتذكرون عبود أرواحكم على هذه العوالم المختلفة وتتلون في كل عالم بلون ذلك العالم من عوالم الملكية والشيطانية والحيوانية إلى أن ردت إلى أسفل سافلين القالب {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ} [النحل: 14] بحر العلوم {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً} [النحل: 14] أي: الفوائد الغيبية والمواهب السنية {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ} [النحل: 14] جواهر المعاني ودرر الحقائق {حِلْيَةً} [النحل: 14] لقلوبكم: {تَلْبَسُونَهَا} [النحل: 14] أي: تلبسون بها أرواحكم النور والبهاء {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ} [النحل: 14] سفائن الشرائع والمذاهب {مَوَاخِرَ فِيهِ} [النحل: 14] أي: جاريات في بحر العلوم {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} [النحل: 14] وهو الأسرار الخفيات عن الملائكة المقربين {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14] هذه النعم الجسيمة والعطيات العظيمة التي اختصكم بها عن العالمين. {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ} [النحل: 15]، أرض البشرية {رَوَاسِيَ } [النحل: 15] أي: جبال الوقار والسكينة {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} [النحل: 15] أي: لئلا تميل صفات البشرية عن جادة الشريعة والطريقة {وَأَنْهَاراً } [النحل: 15] من ماء الحكمة {وَسُبُلاً } [النحل: 15] أي: طرق الهداية {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [النحل: 15] إلى الله تعالى {وَعَلامَاتٍ} [النحل: 16] من الشواهد والكشوف {وَبِٱلنَّجْمِ} [النحل: 16] أي: بنجم الهداية من الله {هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] إلى الله وهو جذبة العناية يخرجكم بها من ظلمات وجودكم المجازي إلى نور الوجود الحقيقي. {أَفَمَن يَخْلُقُ} [النحل: 17] يعني: الله فيكم هذه الكمالات منكم {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} [النحل: 17] فيه من الملائكة {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17] لتعرفوا قدر هذه النعم المخصوصة بكم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : بذلك على كمال قدرة الله الذي أنزل هذا الماء من السحاب الرقيق اللطيف ورحمته حيث جعل فيه ماء غزيرا منه يشربون وتشرب مواشيهم ويسقون منه حروثهم فتخرج لهم الثمرات الكثيرة والنعم الغزيرة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 485 : 2 : 10 - سفين {وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} قال، المراعي. [الآية 10].
همام الصنعاني
تفسير : 1476- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ}: [الآية: 10]، قال: تَرْعُونَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):