١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} قرأ أبو بكر عن عاصم «نُنبِت» بالنون على التعظيم. العامة بالياء على معنى ينبت الله لكم؛ يقال: نبتت الأرض وأنبتت بمعنًى، ونبت البقل وأنبت بمعنى. وأنشد الفراء:شعر : رأيت ذوِي الحاجاتِ حول بيوتهم قطِينا بها حتى إذا أنبت البقل تفسير : أي نبت. وأنبته الله فهو منبوت، على غير قياس. وأنبت الغلام نبتت عانته. ونَبّتَ الشجرَ غرسه؛ يقال: نبِّت أجلكَ بين عينيك. ونَبّتُّ الصبيّ تنبيتاً رَبّيته. والمَنْبَت موضع النبات؛ يقال: ما أحسنَ نابِتةَ بني فلان؛ أي ما يَنْبُت عليه أموالهم وأولادهم. وَنَبَتَتْ لهم نابتةٌ إذا نشأ لهم نشء صغار. وإن بني فلان لنابتةُ شر. والنوابت من الأحداث الأغمار. والنبيت حيّ من اليمن. والينبوت شجر؛ كلّه عن الجوهريّ. {وَٱلزَّيْتُونَ} جمع زيتونة. ويقال للشجرة نفسها: زيتونة، وللثمرة زيتونة. وقد مضى في سورة «الأنعام» حكم زكاة هذه الثمار فلا معنى للإِعادة. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الإنزال والإنبات. {لآيَةً} أي دلالة. {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.]
المحلي و السيوطي
تفسير : {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَٰبَ وَمِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور {لآيَةً } دالة على وحدانيته تعالى {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في صنعه فيؤمنون.
التستري
تفسير : وسئل عن قوله: {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً}[11] وقال بعدها: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ}[12] فقال: لأن الثمرات من نوع واحد، والليل والنهار نوعان، وكذلك الشمس والقمر، فقال: {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}[12]. واعلم أن الله تعالى لما أراد إظهار علمه أودع علمه العقل، وحكم أنه لا يصل أحد إلى شيء منه إلا بالعقل، فمن فاته العقل فقد فاته العلم.
الجنابذي
تفسير : لمّا كان كون انزال الماء وانبات النّبات والاشجار آية محتاجاً الى تأمّلٍ وترتيب مقدّمات قال: لقوم يتفكّرون.
اطفيش
تفسير : {يُنْبِتُ} أى الله وقرأ أبو بكر ننبت بالنون على التعظيم وقرىء ينبت بالتحتية والتشديد والزرع وما بعده منصوبات وقرأ أبى بن كعب بتحتية مفتوحة وإِسكان النون وضم الموحدة ورفع الزرع وما بعده {لَكُم بِهِ الزَّرْعَ} ما يزرع كالبر والشعير والجزر واللفت {وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ} قدم ما يسيمون فيه من الشجر لأَنه يصير غذاء حيوانياً أشرف الأَغذية وهو اللبن وما يتولد منه واللحم والشحم ثم قدم ما يشتمل نحو البر والشعير لأَنه به قوام بدن الإِنسان ولو شمل أيضاً الفواكه التى تزرع ثم قدم الزيتون لأَنه إِنما هو إِدام للطعام ودهن ثم النخيل لأَن التمر غذاء وفاكهة ثم العنب لأَنه كالتمر فى التفكه والتغذية {وَمِن كُلِّ} أى وشيئا ثابتا من كل {الثَّمَرَاتِ} التى تعرفونها، هذا ما ظهر لى وهو أولى من قول بعضهم المعنى وبعض كل الثمرات معللا بأَنه لم ينبت فى الأَرض كل ما يمكن من الثمار لأَن كل الثمرات لا يكون إِلا فى الجنة وذكر الثمرات إجمالا بعد تفصيل فقد يقال أراد بالزرع ما يكون طعاماً فقط كالبر والشعير وكل ما فى الأَرض من الثمار فإِنما هو تذكير لثمار الجنة والمؤمن يعرف أن ثمار الجنة أفضل وتذكير لأَهل الجنة فى الجنة ما بين ثمار الجنة وثمار الدنيا من التفاوت {إِنَّ فِى ذَلِكَ} المذكور من إِنزال الماء وإِنبات الشجر والزرع وإِخراج الثمار {لآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} علامة واضحة ينتفع بها المتفكرون وهم المؤمنون تدلهم على وجود الله سبحانه وإِنه الفاعل لذلك باختياره لا غيره فلا يصح أن يكون غيره شريكا له وعلى كمال قدرته وحكمته وعلى قدرته على إِحياء الموتى إِذ كانت الحبة ميتة يابسة تقع فى الأَرض وتصلها التلاوة فينشق أعلاها فيكون منها ساق وأسفلها فيكون منها عروق وتنمو وتخرج منها أوراق وأزهار وأكمام وإِثمار فى اختلاف ألوان وأشكال وأطباع مع اتحاد الماء والأَرض والحر والبرد والريح ولعله فضل لذلك التنبيه العظيم بقوله: إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون، بين قوله ينبت لكم به إِلى آخره وقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ}
اطفيش
تفسير : {يُنْبِتُ} المضارعَ للتجدد على مر الدهور أو لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة {لَكُمْ بِهِ الزَّرع وَالزَّيتُونَ والنَّخِيل وَالأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ} أَى وبعض كل نوع من الثمرات التى قضى الله بها، أو المراد ينبت لكم بعض كل الثمرات، وكلها لا يوجد إلا فى الجنة وفى الأرض إلا بعض أو بعض ما فى البقاع إلا مكان من ثمر القدرة وذاك شبه قوله: "أية : ويخلق ما لا تعلمون"تفسير : [النحل: 8] قدم المرعى لأَنه يتحول لبنا ولحما وهما أَفضل الأَغذيةِ، وعقبه بالحبوب فى قوله: الزرع، ولا شك أن البر والشعير معظم ما يؤكل وأَقواه، وذكر بعدهما الفواكه وقدم منها الزيتون لأَنه فاكهة من وجه وإدام من وجه ودهن فى مصالح ودواءٌ وأَكل وطلى واستصباح وغير ذلك، وفى الحديث: "حديث : كلوا الزيت وادهنوا به فإِنه من شجرة مباركة" تفسير : ، وذكره الله فى القرآن بأَنه سبغ للآكلين، ومثل به نوره، وعقبه بالنخل، ولا يخفى منافع البسر والرطب والتمر وهو أفضل من العنب، ولا يخفى أن العنب يشبه النخل فى التغذى والتفكه وفى عمل الخل منها، وفى الآية تلويح إلى أن يهتم الإنسان بمن تحت يده وذلك من مكارم الأَخلاق، وفى سورة أُخرى تقديم طعام الإنسان "أية : كلوا وارعوا أنعامكم"تفسير : [طه: 54] لأنه مما لا دخل للإنسان فيه، أَو رجوعا إلى الأصل كما قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول"تفسير : فلو توقفت الحياة على قليل لا يوجد غيره ولا يكفى إلا واحدا لقدم صاحبه نفسه، ومات غيره إلا النبى صلى الله عليه وسلم فإنه أَولى بالمؤمنين من أَنفسهم، كما يقدم الإنسان فى الدعاءِ نفسه شرعا {إنَّ فِى ذلِك} المذكور من إنزال الماءِ وما فصل {لآيةً} على وجود الله ووحدته وكمال قدرته، يخرج من نقرة نخلة ومن أَسفل الحبة وهو ما اتصل بالشجرة عروقا ومن أعلاها أَوراقا وأَزهارا وأكماما مع اختلاف الأَشكال والأَلوان والمنافع والرائحة والطعم واتحاد التراب والماءِ وحرارة الأَرض والشمس وبرودة الأَرض والهواءِ، وكيف يشرك به أخص الأَشياءِ فى الذات والصفة، وذلك يدرك والحمد لله بأَدنى تفكر {لِقَوْمٍ يَتَفكَّرُونَ} جعل هذا فاصله ليستعملوا العقول فى تلك الاختلافات مع اتحاد المادة والسبب، وفى ذلك رد على الطبيعيين - لعنهم الله - بأَن للعالم صانعا جل وعلا، وأيضا فمن خلق الطبع ونوعه تنويعا، وعلى الفلاسفة القائلين بأَن الأَشياءَ تكونت من الله بلا اختيار منه - لعنهم الله -، وأيضا يقال لهم لم اختلفت مع اتحاد المؤثر.
الالوسي
تفسير : {يُنبِتُ} أي الله عز وجل يقال نبت الشيء وأنبته الله تعالى فهو منبوت وقياس هذا منبت، وقيل: يقال أنبت الشجر لازماً وأنشد الفراء:شعر : رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطيناً بها حتى إذا أنبت البقل تفسير : أي نبت، وكان الأصمعي ينكر مجىء أنبت بمعنى نبت. وقرأ أبو بكر {ننبت} بنون العظمة، والزهري {يُنبِتُ} بالتشديد وهو للتكثير في قول، واستظهر أبو حيان أنه تضعيف التعدية. وقرأ أبـي {ينبِت} بفتح الياء ورفع المتعاطفات بعد على الفاعلية، وجملة ينبت {لَكُمْ بِهِ} أي بما أنزل من السماء {ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَـٰبَ} يحتمل أن تكون صفة أخرى ـ لماء ـ وأن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنه قيل: وهل له منافع أخر؟ فقيل: ينبت لكم به الخ، وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة على التجدد والاستمرار وأن الإنبات سنته سبحانه الجارية على ممر الدهور أو لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة، وتقديم الظرفين على المفعول الصريح لما أشرنا إليه آنفاً مع ما في تقديم أولهما من الاهتمام به لإدخال المسرة ابتداءً، وتقديم الزرع على ما عداه قيل: لأنه أصل الأغذية وعمود المعاش وقوت أكثر العالم وفيه مناسبة للكلأ المرعي، ثم الزيتون لما فيه من الشرف من حيث أنه إدام من وجه وفاكهة من وجه، وقد ذكر الأطباء له منافع جمة، وذكر غير يسير منها في "التذكرة"، والظاهر من كلام اللغويين أنه اسم جنس جمعي واحده زيتونة وأنه يطلق على الشجر المخصوص وعلى ثمرته. واستظهر أن المراد به هنا الأول وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى تمام الكلام في ذلك، وأكثر ما ينبت في المواضع التي زاد عرضها على الميل واشتد بردها وكانت جبلية ذات تربة بيضاء أو حمراء، ثم النخيل على الأعناب لظهور دوامها بالنسبة إليها فإن الواحدة منها كثيراً ما تتجاوز مائة سنة وشجرة العنب ليست كذلك، نعم الزيتون أكثر دواماً منهما فإن الشجرة منه قد تدوم ألف سنة مع أن ثمرتها كثيراً ما يقتات بها حتى جاء في الخبر «ما جاع بيت وفيه تمر» وأكثر ما تنبت في البلاد الحارة اليابسة التي يغلب عليها الرمل كالمدينة المشرفة والعراق وأطراف مصر، وهي على ما قال الراغب جمع نخل وهو يطلق على الواحد والجمع ويقال للواحدة نخلة، وأما الأعناب فجمع عنبة بكسر العين وفتح النون والباء وقد جاءت ألفاظ مفردة على هذا الوزن غير قليلة. وقد ذكر في «القاموس» عدة منها، ونسب الجوهري إلى قلة الاطلاع في قوله: إن هذا البناء في الواحد نادر وجاء منه العنبة والتولة والحبرة والطيبة والخيرة ولا أعرف غير ذلك، وذكر الجوهري أنه إن أردت جمعه في أدنى العدد جمعته بالتاء وقلت عنبات وفي الكثير عنب وأعناب اهـ، ولينظر هذا مع عدهم أفعالاً من جموع القلة، ويطلق العنب كما قال الراغب على ثمرة الكرم وعلى الكرم نفسه، والظاهر أن المراد هو الثاني. / وذكر أبو حيان في وجه تأخير الأعناب أن ثمرتها فاكهة محضة، وفيه إنه إن أراد بثمرتها العنب ما دام طرياً قبل أن يتزبب فيمكن أن يسلم وإن أراد به المتزبب فغير مسلم، وفي كلام كثير من الفقهاء في بحث زكاة الفطر أن في الزبيب اقتياتاً بل ظاهر كلامهم أنه في ذلك بعد التمر وقبل الأرز، والباحث في هذا لا ينفي الاقتيات كما لا يخفى على الواقف على البحث، وفي جمع النخيل والأعنـاب إشارة إلى أن ثمارها مختلفة الأصناف ففي "التذكرة" عند ذكر التمر أنه مختلف كثير الأنواع كالعنب حتى سمعت أنه يزيد على خمسين صنفاً، وعند ذكر العنب أنه يختلف بحسب الكبر والاستطالة وغلظ القشر وعدم العجم وكثرة الشحم واللون والطعم وغير ذلك إلى أنواع كثيرة كالتمر اهـ، وأنا قد سمعت من والدي عليه الرحمة أنه سمع في مصر حين جاءها بعد عوده من الحج لزيارة أخيه المهاجر إليها لطلب العلم أن في نواحيها من أصناف التمر ما يقرب من ثلثمائة صنف والعهدة على من سمع منه هذا، وللعلامة أبـي السعود هنا ما يشعر ظاهره بالغفلة وسبحان من لا يغفل. وكان الظاهر تقديم غذاء الإنسان لشرفه على غذاء ما يسام لكن قدم ذاك ـ على ما قال الإمام ـ للتنبيه على مكارم الأخلاق وأن يكون اهتمام الإنسان بمن تحت يده أقوى من اهتمامه بنفسه، والعكس في قوله تعالى: {أية : كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَـٰمَكُمْ } تفسير : [طه: 54] للإيذان بأن ذلك ليس بلازم وإن كان من الأخلاق الحميدة، وهو على طبق ما ورد في الخبر «حديث : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»تفسير : وقيل: لأن ذلك مما لا دخل للخلائق فيه ببذر وغرس فالامتنان به أقوى، وقيل: لأن أكثر المخاطبين من أصحاب المواشي وليس لهم زرع ولا شيء مما ذكر، وقال شهاب الدين في وجه ذلك: ولك أن تقول لما سبق ذكر الحيوانات المأكولة والمركوبة ناسب تعقيبها بذكر مشربها ومأكلها لأنه أقوى في الامتنان بها إذ خلقها ومعاشها لأجلهم فإن من وهب دابة مع علفها كان أحسن، كما قيل: من الظرف هبة الهدية مع الظرف اهـ ولا يخلو عن حسن. والأولى عليه أن يراد من قوله تعالى: {أية : لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ } تفسير : [النحل: 10] ما يشرب، وأما ما قيل: إن ما قدم من الغذاء غذاء للإنسان أيضاً لكن بواسطة فإنه غذاء لغذائه الحيواني فلا يدفع السؤال لأنه يقال بعد: كان ينبغي تقديم ما كان غذاء له بغير واسطة، لا يقال: هذا السؤال إنما يحسن إذا كان المراد من المتعاطفات المذكورات ثمراتها لا ما يحصل منها الثمرات لأن ذلك ليس غذاء الإنسان لأنا نقول: ليس المقصود من ذكرها إلا الامتنان بثمراتها إلا أنها ذكرت على نمط سابقها المذكور في غذاء الماشية ويرشد إلى أن الامتنان بثمراتها قوله سبحانه: {وَمِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ} وإرادة الثمرات منها من أول الأمر بارتكاب نوع من المجاز في بعضها لهذا إهمال لرعاية غير أمر يحسن له حملها على ما قلنا دون ذلك، منه {يُنبِتُ} إذ ظاهره يقتضي التعلق بنفس الشجرة لا بثمرتها فليعمل بما يقتضيه في صدر الكلام وإن اقتضى آخره اعتبار نحو ما قيل في:شعر : علفتها تبناً وماءً بارداً تفسير : كذا قيل وفيه تأمل، ومنع بعضهم كون الإنبات مما يقتضي التعلق المذكور فقد قال سبحانه: {أية : فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَـٰكِهَةً وَأَبّاً } تفسير : [عبس: 27-31] وجوز أن لا يكون الملحوظ فيما عد مجرد الغذائية بل ما يعمها وغيرها على معنى ينبت به لنفعكم ما ذكر والنفع يكون بما فيه غذاء وغيره، و {مِنْ} للتبعيض والمعنى وينبت لكم بعض كل الثمرات، وإنما قيل ذلك لما في «الكشاف» وغيره من أن كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة وإنما أنبت في الأرض بعض من كل للتذكرة، وقال بعض الأجلة: المراد بعض مما في بقاع الإمكان من ثمر القدرة الذي لم تجنه راحة الوجود، وهو أظهر وأشمل وأنسب بما تقدم لأنه سبحانه كما عقب ذكر الحيوانات المنتفع/ بها على التفصيل بقوله تعالى: {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [النحل: 8] عقب ذكر الثمرات المنتفع بها بمثله. {إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور من إنزال الماء وإنبات ما فصل {لآيَةً} عظيمة دالة على تفرده تعالى بالإلهية لاشتماله على كمال العلم والقدرة والحكمة {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فإن من تفكر في أن الحبة والنواة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة تنفذ فيها فينشق أسفلها فيخرج منه عروق تنبسط في الأرض وربما انبسطت فيها وإن كانت صلبة وينشق أعلاها وإن كانت منتكسة في الوقوع فيخرج منها ساق فينمو فيخرج منه الأوراق والأزهار والحبوب والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الأشكال والألوان والخواص والطبائع وعلى نواة قابلة لتوليد الأمثال على النمط المحرر لا إلى نهاية مع اتحاد الماء والأرض والهواء وغيرها بالنسبة إلى الكل علم أن من هذه آثاره لا يمكن أن يشبهه شيء في شيء من صفات الكمال فضلاً عن أن يشاركه في أخص صفاته التي هي الألوهية واستحقاق العبادة أخس الأشياء كالجماد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولله تعالى در من قال:شعر : تأمل في رياض الورد وانظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات على أهدابها ذهب سبيك على قضب الزبر جد شاهدات بأن الله ليس له شريك تفسير : وحيث كان الاستدلال بما ذكر لاشتماله على أمر خفي محتاج إلى التفكر والتدبر لمن له نظر سديد ختم الآية بالتفكر.
ابن عاشور
تفسير : جملة {ينبت} حال من ضمير {أية : أنزل} تفسير : [سورة النحل: 10]، أي ينبت الله لكم. وإنما لم يعطف هذا على جملة {أية : لكم منه شراب} تفسير : [سورة النحل: 10] لأنّه ليس مما يحصل بنزول الماء وحده بل لا بدّ معه من زرع وغرس. وهذا الإنبات من دلائل عظيم القدرة الربّانية، فالغرض منه الاستدلال ممزوجاً بالتذكير بالنّعمة، كما دلّ عليه قوله: لكم} على وزان ما تقدم في قوله تعالى: {أية : والأنعام خلقها لكم فيها دفء} تفسير : [سورة النحل: 5] الآية، وقوله تعالى: {أية : والخيل والبغال والحمير لتركبوها} تفسير : [سورة النحل: 8] الآية. وأسند الإنبات إلى الله لأنه الملهم لأسبابه والخالق لأصوله تنبيهاً للناس على دفع غرورهم بقدرة أنفسهم، ولذلك قال: {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} لكثرة ما تحت ذلك من الدقائق. وذكر الزرع والزيتون وما معهما تقدم غير مرة في سورة الأنعام. والتفكّر تقدم عند قوله تعالى: {أية : قل هل يستوي الأعمى والبصيرأفلا تتفكرون} تفسير : في سورة الأنعام (50). وإقحام لفظ قوم للدلالة على أن التفكّر من سجاياهم، كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : لآيات لقوم يعقلون} تفسير : في سورة البقرة (164). {ومن كل الثمرات} عطف على {الزرع والزيتون}، أي وينبت لكم به من كل الثمرات مما لم يذكر هنا. والتعريف تعريف الجنس. والمراد: أجناس ثمرات الأرض التي ينبتها الماء، ولكل قوم من الناس ثمرات أرضهم وجَوّهم. و{من} تبعيضية قصد منها تنويع الامتنان على كل قوم بما نالهم من نعم الثمرات. وإنما لم تدخل على الزرع وما عطف عليه لأنها من الثمرات التي تنبت في كل مكان. وجملة {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} تذييل. والآية: الدلالة على أنه تعالى المبدع الحكيم. وتلك هي إنبات أصناف مختلفة من ماء واحد، كما قال: {أية : تسقى بماء واحد} تفسير : في سورة الرعد (4). ونيطت دلالة هذه بوصف التفكير لأنها دلالة خفية لحصولها بالتدريج. وهو تعريض بالمشركين الذين لم يهتدوا بما في ذلك من دلالة على تفرّد الله بالإلهية بأنهم قوم لا يتفكرون. وقرأ الجمهور {ينبت} بياء الغيبة. وقرأه أبو بكر عن عاصم بنون العظمة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلأَعْنَابَ} {ٱلثَّمَرَاتِ} {لآيَةً} (11) - فَيُخْرِجُ اللهُ مِنَ الأَرْضِ، بِمَا يُنْزِلُهُ مِنَ المَطَرِ، الزُّرُوعَ وَالحُبُوبَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَالثِّمَارَ الأُخْرَى، المُخْتَلِفَةَ فِي طُعُومِهَا وَأَلْوَانِهَا وَأَشْكَالِهَا، مَعَ أَنَّهَا كُلَّهَا تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَتَخْرُجُ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ. وَفِي ذلِكَ آيَاتٌ بَاهِرَاتٌ لِلَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ بِصُنْعِ اللهِ وَيَعْقِلُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا يُعلِمنا الله أن النبات لا ينبت وحده، بل يحتاج إلى مَنْ يُنبِته، وهنا يَخصُّ الحق سبحانه ألواناً من الزراعة التي لها أَثَر في الحياة، ويذكر الزيتون والنخيل والأعناب وغيرها من كل الثمرات. والزيتون - كما نعلم - يحتوي على مواد دُهْنية؛ والعنب يحتوي على مواد سُكرية، وكذلك النخيل الذي يعطي البلح وهو يحتوي على مواد سُكرية، وغذاء الإنسان يأتي من النشويات والبروتينات. وما ذكره الحق سبحانه أولاً عن الأنعام، وما ذكره عن النباتات يُوضِّح أنه قد أعطى الإنسان مُكوِّنات الغذاء؛ فهو القائل: {أية : وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [التين: 1-4]. أي: أنه جعل للإنسان في قُوته البروتينات والدُّهنيات والنشويات والفيتامينات التي تصون حياته. وحين يرغب الأطباء في تغذية إنسان أثناء المرض؛ فهم يُذِيبون العناصر التي يحتاجها للغذاء في السوائل التي يُقطِّرونها في أوردته بالحَقْن، ولكنهم يخافون من طول التغذية بهذه الطريقة؛ لأن الأمعاء قد تنكمش. ومَنْ يقومون بتغذية البهائم يعلمون أن التغذية تتكَّون من نوعين؛ غذاء يملأ البطن؛ وغذاء يمدُّ بالعناصر اللازمة، فالتبن مثلا يملأ البطن، ويمدُّها بالألياف التي تساعد على حركة الأمعاء، ولكن الكُسْب يُغذِّي ويضمن السِّمنة والوَفْرة في اللحم. وحين يقول الحق سبحانه: {يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} [النحل: 11]. فعليك أنْ تستقبلَ هذا القول في ضَوْء قَوْل الحق سبحانه: {أية : أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} تفسير : [الواقعة: 64]. ذلك أنك تحرثُ الأرض فقط، أما الذي يزرع فهو الحق سبحانه؛ وأنت قد حرثتَ بالحديد الذي أودعه الله في الأرض فاستخرجْتَه أنت؛ وبالخشب الذي أنبته الله؛ وصنعتَ أنت منهما المحراث الذي تحرث به في الأرض المخلوقة لله، والطاقة التي حرثتَ بها ممنوحة لك من الله. ثم يُذكِّرك الله بأن كُلَّ الثمرات هي من عطائه، فيعطف العام على الخاص؛ ويقول: {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ..} [النحل: 11]. أي: أن ما تأخذه هو جزء من كل الثمرات؛ ذلك أن الثمرات كثيرة، وهي أكثر من أن تُعَد. ويُذيِّل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 11]. أي: على الإنسان أنْ يُعمِلَ فكره في مُعْطيات الكون، ثم يبحث عن موقفه من تلك المُعْطيات، ويُحدِّد وَضْعه ليجد نفسه غير فاعل؛ وهو قابل لأنْ يفعَل. وشاء الحق سبحانه أن يُذكِّرنا أن التفكُّر ليس مهمةَ إنسان واحد بل مهمة الجميع، وكأن الحق سبحانه يريد لنا أنْ تتسانَد أفكارنا؛ فَمْن عنده لَقْطة فكرية تؤدي إلى الله لا بُدَّ أنْ يقولها لغيره. ونجد في القرآن آيات تنتهي بالتذكُّر والتفكُّر وبالتدبُّر وبالتفقُّه، وكُلٌّ منها تؤدي إلى العلم اليقيني؛ فحين يقول "يتذكرون" فالمعنى أنه سبق الإلمام بها؛ ولكن النسيان محاها؛ فكأن مِنْ مهمتك أنْ تتذكَّر. أما كلمة "يتفكرون" فهي أُمّ كل تلك المعاني؛ لأنك حين تشغل فكرك تحتاج إلى أمرين، أنْ تنظرَ إلى مُعْطيات ظواهرها ومُعْطيات أدبارها. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ ..} تفسير : [النساء: 82]. وهذا يعني ألاَّ تأخذ الواجهة فقط، بل عليك أنْ تنظرَ إلى المعطيات الخلفية كي تفهم، وحين تفهم تكون قد عرفتَ، فالمهمة مُكوَّنة من أربع مراحل؛ تفكُّر، فتدبُّر، فتفقُّه؛ فمعرفة وعِلْم. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):