Verse. 1913 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّہَارَ۝۰ۙ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ۝۰ۭ وَالنُّجُوْمُ مُسَخَّرٰتٌۢ بِاَمْرِہٖ۝۰ۭ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيٰتٍ لِّقَوْمٍ يَّعْقِلُوْنَ۝۱۲ۙ
Wasakhkhara lakumu allayla waalnnahara waalshshamsa waalqamara waalnnujoomu musakhkharatun biamrihi inna fee thalika laayatin liqawmin yaAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وسخَّر لكم الليل والنهار والشمس» بالنصب عطفاً على ما قبله والرفع مبتدأ «والقمر والنجوم» بالوجهين «مسخرات» بالنصب حال والرفع خبر «بأمره» بإرادته «إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون» يتدبرون.

12

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الله تعالى لما أجاب في هذه الآية عن السؤال الذي ذكرناه من وجهين: الأول: أن نقول: إن حدوث الحوادث في هذا العالم السفلي مسندة إلى الاتصالات الفلكية والتشكلات الكوكبية إلا أنه لا بد لحركاتها واتصالاتها من أسباب، وأسباب تلك الحركات إما ذواتها وإما أمور مغايرة لها، والأول باطل لوجهين: الأول: أن الأجسام متماثلة، فلو كان جسم علة لصفة لكان كل جسم واجب الاتصاف بتلك الصفة وهو محال، والثاني: أن ذات الجسم لو كانت علة لحصول هذا الجزء من الحركة لوجب دوام هذا الجزء من الحركة بدوام تلك الذات، ولو كان كذلك، لوجب بقاء الجسم على حالة واحدة من غير تغير أصلاً، وذلك يوجب كونه ساكناً، ويمنع من كونه متحركاً، فثبت أن القول بأن الجسم متحرك لذاته يوجب كونه ساكناً لذاته وما أفضى ثبوته إلى عدمه كان باطلاً، فثبت أن الجسم يمتنع أن يكون متحركاً لكونه جسماً، فبقي أن يكون متحركاً لغيره، وذلك الغير إما أن يكون سارياً فيه أو مبايناً عنه، والأول باطل، لأن البحث المذكور عائد في أن ذلك الجسم بعينه لم اختص بتلك القوة بعينها دون سائر الأجسام، فثبت أن محرك أجسام الأفلاك والكواكب أمور مباينة عنها، وذلك المباين إن كان جسماً أو جسمانياً عاد التقسم الأول فيه، وإن لم يكن جسماً ولا جسمانياً فإما أن يكون موجباً بالذات أو فاعلاً مختاراً والأول باطل، لأن نسبة ذلك الموجب بالذات إلى جميع الأجسام على السوية، فلم يكن بعض الأجسام بقبول بعض الآثار المعينة أولى من بعض، ولما بطل هذا ثبت أن محرك الأفلاك والكواكب هو الفاعل المختار القادر المنزه عن كونه جسماً وجسمانياً، وذلك هو الله تعالى، فالحاصل أنا ولو حكمنا بإسناد حوادث العالم السفلي إلى الحركات الفلكية والكوكبية فهذه الحركات الكوكبية والفلكية لا يمكن إسنادها إلى أفلاك أخرى وإلا لزم التسلسل وهو محال، فوجب أن يكون خالق هذه الحركات ومدبرها هو الله تعالى، وإذا كانت الحوادث السفلية مستندة إلى الحركات الفلكية، وثبت أن الحركات الفلكية حادثة بتخليق الله تعالى وتقديره وتكوينه، فكان هذا اعترافاً بأن الكل من الله تعالى وبإحداثه وتخليقه، وهذا هو المراد من قوله: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } يعني إن كانت تلك الحوادث السفلية لأجل تعاقب الليل والنهار وحركات الشمس والقمر، فهذه الأشياء لا بد وأن يكون حدوثها بتخليق الله تعالى وتسخيره قطعاً للتسلسل، ولما تم هذا الدليل في هذا المقام لا جرم ختم هذه الآية بقوله: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يعني أن كل من كان عاقلاً علم أن القول بالتسلسل باطل ولا بد من الانتهاء في آخر الأمر إلى الفاعل المختار القدير فهذا تقرير أحد الجوابين. والجواب الثاني عن ذلك السؤال أن نقول: نحن نقيم الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث النبات والحيوان لأجل تأثير الطباع والأفلاك والأنجم، وذلك لأن تأثير الطبائع والأفلاك والأنجم والشمس والقمر بالنسبة إلى الكل واحد، ثم نرى أنه إذا تولد العنب كان قشره على طبع وعجمه على طبع ولحمه على طبع ثالث وماؤه على طبع رابع، بل نقول: إنا نرى في الورد ما يكون أحد وجهي الورقة الواحدة منه في غاية الصفرة، والوجه الثاني من تلك الورقة في غاية الحمرة وتلك الورقة تكون في غاية الرقة واللطافة، ونعلم بالضرورة أن نسبة الأنجم والأفلاك إلى وجهي تلك الورقة الرقيقة، نسبة واحدة، والطبيعة الواحدة في المادة الواحدة لا تفعل إلا فعلاً واحداً، ألا ترى أنهم قالوا: شكل البسيط هو الكرة لأن تأثير الطبيعة الواحدة في المادة الواحدة يجب أن يكون متشابهاً، والشكل الذي يتشابه جميع جوانبه هو الكرة، وأيضاً إذا وضعنا الشمع فإذا استضاء خمسة أذرع من ذلك الشمع من أحد الجوانب، وجب أن يحصل مثل هذا الأثر في جميع الجوانب، لأن الطبيعة المؤثرة يجب أن تتشابه نسبتها إلى كل الجوانب. إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أن نسبة الشمس والقمر والأنجم والأفلاك والطبائع إلى وجهي تلك الورقة اللطيفة الرقيقة نسبة واحدة، وثبت أن الطبيعة المؤثرة متى كانت نسبتها واحدة كان الأثر متشابهاً وثبت أن الأثر غير متشابه، لأن أحد جانبي تلك الورقة في غاية الصفرة، والوجه الثاني في غاية الحمرة فهذا يفيد القطع بأن المؤثر في حصول هذه الصفات والألوان والأحوال ليس هو الطبيعة، بل المؤثر فيها هو الفاعل المختار الحكيم، وهو الله سبحانه وتعالى، وهذا هو المراد من قوله: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ }. واعلم أنه لما كان مدار هذه الحجة على أن المؤثر الموجب بالذات وبالطبيعة يجب أن يكون نسبته إلى الكل نسبة واحدة، فلما دل الحس في هذه الأجسام النباتية على اختلاف صفاتها وتنافر أحوالها ظهر أن المؤثر فيها ليس واجباً بالذات بل فاعلاً مختاراً فهذا تمام تقرير هذه الدلائل وثبت أن ختم الآية الأولى بقوله: {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } والآية الثانية بقوله: {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } والآية الثالثة بقوله: {لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } هو الذي نبه على هذه الفوائد النفيسة والدلائل الظاهرة والحمد لله على ألطافه في الدين والدنيا. المسألة الثانية: قرأ ابن عامر: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومُ } كلها بالرفع على الابتداء والخبر هو قوله: {مُسَخَّرٰتٌ } وقرأ حفص عن عاصم: {وَٱلنُّجُومُ } بالرفع على أن يكون قوله: {وَٱلنُّجُومَ } ابتداء وإنما حملها على هذا لئلا يتكرر لفظ التسخير، إذ العرب لا تقول سخرت هذا الشيء مسخراً فجوابه أن المعنى أنه تعالى سخر لنا هذه الأشياء حال كونها مسخرة تحت قدرته وإرادته، وهذا هو الكلام الصحيح، والتقدير: أنه تعالى سخر للناس هذه الأشياء وجعلها موافقة لمصالحها حال كونها مسخرة تحت قدرة الله تعالى وأمره وإذنه، وعلى هذا التقدير فالتكرير الخالي عن الفائدة غير لازم والله أعلم. بقي في الآية سؤالات: السؤال الأول: التسخير عبارة عن القهر والقسر، ولا يليق ذلك إلا بمن هو قادر يجوز أن يقهر، فكيف يصح ذلك في الليل والنهار وفي الجمادات والشمس والقمر؟ والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى لما دبر هذه الأشياء على طريقة واحدة مطابقة لمصالح العباد صارت شبيهة بالعبد المنقاد المطواع، فلهذا المعنى أطلق على هذا النوع من التدبير لفظ التسخير. وعن الوجه الثاني في الجواب: وهو لا يستقيم إلا على مذهب أصحاب علم الهيئة، وذلك لأنهم يقولون: الحركة الطبيعية للشمس والقمر هي الحركة من المغرب إلى المشرق والله تعالى يحرك هذه الكواكب بواسطة حركة الفلك الأعظم من المشرق إلى المغرب، فكانت هذه الحركة قسرية، فلهذا السبب ورد فيها اللفظ التسخير. السؤال الثاني: إذا كان لا يحصل للنهار والليل وجود إلا بسبب حركات الشمس كان ذكر النهار والليل مغنياً عن ذكر الشمس. والجواب: أن حدوث النهار والليل ليس بسبب حركة الشمس، بل حدوثهما بسبب حركة الفلك الأعظم الذي دللنا على أن حركته ليست إلا بتحريك الله سبحانه، وأما حركة الشمس فإنها علة لحدوث السنة لا لحدوث اليوم. السؤال الثالث: ما معنى قوله: {مُسَخَّرٰتٌ بِأَمْرِهِ } والمؤثر في التسخير هو القدرة لا الأمر. والجواب: أن هذه الآية مبنية على أن الأفلاك والكواكب جمادات أم لا، وأكثر المسلمين على أنها جمادات، فلا جرم حملوا الأمر في هذه الآية على الخلق والتقدير، ولفظ الأمر بمعنى الشأن والفعل كثير قال تعالى: { أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [النحل: 40] ومن الناس من يقول إنها ليست جمادات فههنا يحمل الأمر على الأذن والتكليف، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ} أي للسكون والأعمال؛ كما قال: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [القصص: 73]. {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} أي مُذَلَّلات لمعرفة الأوقات ونضج الثمار والزرع والاهتداء بالنجوم في الظلمات. وقرأ ابن عباس وٱبن عامر وأهل الشام «والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ» بالرفع على الابتداء والخبر. الباقون بالنصب عطفاً على ما قبله. وقرأ حفص عن عاصم برفع «والنجومُ مسخراتٌ» خبره. وقرىء «والشمسَ والقمرَ والنجومَ» بالنصب. عطفاً على الليل والنهار، ورفع النجوم على الابتداء «مسخراتٌ» بالرفع، وهو خبر ابتداء محذوف أي هي مسخرات، وهي في قراءة من نصبها حال مؤكدة؛ كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً} تفسير : [البقرة: 91]. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي عن الله ما نبّههم عليه ووفقّهم له.

ابن كثير

تفسير : ينبه تعالى عباده على آياته العظام ومننه الجسام في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان، والشمس والقمر يدوران، والنجوم الثوابت والسيارات في أرجاء السموات نوراً وضياء ليهتدى بها في الظلمات، وكل منها يسير في فلكه الذي جعله الله تعالى فيه، يسير بحركة مقدرة لا يزيد عليها ولا ينقص عنها، والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقديره وتسهيله، كقوله: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلاَْمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الأعراف: 54] ولهذا قال: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي: لدلالات على قدرته تعالى الباهرة، وسلطانه العظيم، لقوم يعقلون عن الله، ويفهمون حججه. وقوله: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ} لما نبه تعالى على معالم السموات نبه على ما خلق في الأرض من الأمور العجيبة، والأشياء المختلفة من الحيوانات والمعادن، والنباتات والجمادات على اختلاف ألوانها وأشكالها، وما فيها من المنافع والخواص {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} أي: آلاء الله ونعمه، فيشكرونها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ } بالنصب عطفاً على ما قبله والرفع مبتدأ {وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ } بالوجهين {مُسَخَّرٰت } بالنصب حال والرفع خبر {بِأَمْرِهِ } بإرادته {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَٰتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يَتَدَبَّرُونَ.

البقاعي

تفسير : ولما كان ربما قال بعض الضلال: إن هذه الأشياء مستندة إلى تأثير الأفلاك، نبه على أنها لا تصلح لذلك بكونها متغيرة فلا بد لها من قاهر أثر فيها التغير، ولا يزال الأمر كذلك إلى أن ينتهي إلى واحد قديم فاعل بالاختيار، لما تقرر من بطلان التسلسل، فقال تعالى: {وسخر لكم} أي أيها الناس لإصلاح أحوالكم {الَّيل} للسكنى {والنهار} للابتغاء؛ ثم ذكر آية النهار فقال تعالى: {والشمس} أي لمنافع اختصها بها، ثم ذكر آية الليل فقال: {والقمر} لأمور علقها به {والنجوم} أي لآيات نصبها لها، ثم نبه على تغيرها بقوله: {مسخرات} أي بأنواع التغير لما خلقها له على أوضاع دبرها {بأمره} سبباً لصلاحكم وصلاح ما به قوامكم، دلالة على وحدانيته وفعله بالاختيار، ولو شاء لأقام أسباباً غيرها أو أغنى عن الأسباب. ولما كان أمرها مع كونه محسوساً - ليس فيه من المنافع القريبة الأمر السهلة الملابسة ما يشغل عن الفكر فيه، لم يحل أمره إلى غير مطلق العقل، إشارة إلى وضوحه وإن كان لا بد فيه من استعمال القوة المفكرة، ولأن الآثار العلوية أدل على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة، فقال: {إن في ذلك} أي التسخير العظيم {لآيات} أي كثيرة متعددة عظيمة {لقوم يعقلون} وجمع الآيات لظهور تعدادها بالتحديث عنها مفصلة. ولما كان ما مضى موضعاً للتفكر المنتج للعلم بوحدة الصانع واختياره، وكان التفكر في ذلك مذكراً بما بعده من سر التفاوت في اللون الذي لا يمكن ضبط أصنافه على التحرير، وكان في ذلك تمام إبطال القول بتأثير الأفلاك والطبائع، لأن نسبتها إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة الواحدة واحدة، قال تعالى عطفاً على الليل: {وما ذرأ} أي خلق وبث وفرق التراب والماء {لكم} أي خاصة، فاشكروه واعلموا أنه ما خصكم بهذا التدبير العظيم إلا لحكم كبيرة أجلَّها إظهار جلاله يوم الفصل {في الأرض} أي مما ذكر ومن غيره حال كونه {مختلفاً ألوانه} حتى في الورقة، الواحدة، فترى أحد وجهيها - بل بعضه - في غاية الحمرة، والآخر في غاية السواد أو الصفرة ونحو ذلك، فلو كان المؤثر موجباً بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت في الآثار، فعلم قطعاً أنه إنما هو قادر مختار، ولم يذكر اختلاف الصور لأن دلالتها - لأجل اختلاف أشكال النجوم من السماء وصور الجبال والروابي والوهاد من الأرض - ليست على إبطال الطبيعة كدلالة اختلاف اللون. ولما كان ذلك - وإن كان خارجاً عن الحد في الانتشار - واحداً من جهة كونه لوناً، وحد الآية فقال: {إن في ذلك} الذي ذرأه في هذه الحال على هذا الوجه العظيم {لآية} ولما نبه في التي قبلها على أن الأمر وصل في الوضوح إلى حد لا يحتاج معه إلى غير بديهة العقل، نبه هنا على أن ذلك معلوم طرأ عليه النسيان والغفلة، حثاً على بذل الجهد في تأمل ذلك، وإشارة إلى أن دلالته على المقصود في غاية الوضوح فقال: {لقوم يذكرون *} ولو لم يمنعوا - بما أفاده الإدغام؛ والتذكر: طلب المعنى بالتفكر في متعلقه، فلا بد من حضور معنى يطلب به غيره، وقد رتب سبحانه ذلك أبدع ترتيب، فذكر الأجسام المركبة عموماً، ثم خص الحيوان، ثم مطلق الجسم النامي وهو النبات، ثم البسائط من الماء ونحوه، ثم الأعراض من الألوان.

ابو السعود

تفسير : {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلَّليلَ وَٱلنهار} يتعاقبان خِلْفةً لمنامكم ومعاشِكم ولعقد الثمار وإنضاجها {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} يدأبان في سيرهما وإنارتهما أصالةً وخلافةً وإصلاحِهما لما نيط بهما صلاحُه من المكونات التي من جملتها ما فُصّل وأُجْمل، كلُّ ذلك لمصالحكم ومنافعكم، وليس المرادُ بتسخيرها لهم تمكينَهم من تصريفها كيف شاءوا كما في قوله تعالى: { أية : سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا} تفسير : [الزخرف: 13] ونظائرِه، بل هو تصريفُه تعالى لها حسبما يترتب عليه منافعُهم ومصالحُهم كأن ذلك تسخيرٌ لهم وتصرفٌ من قبلهم حسب إرادتِهم، وفي التعبـير عن ذلك التصريف بالتسخير إيماءٌ إلى ما في المسخَّرات من صعوبة المأخذ بالنسبة إلى المخاطبـين، وإيثارُ صيغةِ الماضي للدلالة على أن ذلك أمرٌ واحدٌ مستمر وإن تجددت آثارُه. {وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرٰتٌ بِأَمْرِهِ} مبتدأٌ وخبرٌ، أي سائرُ النجومِ في حركاتها وأوضاعها من التثليث والتربـيع ونحوهما مسخراتٌ لله تعالى أو لما خُلقن له بإرادته ومشيئتِه، وحيث لم يكن عَودُ منافعِ النجوم إليهم في الظهور بمثابة ما قبلها من المَلَوَين والقمَرَين لم يُنسَبْ تسخيرُها إليهم بأداة الاختصاص بل ذُكر على وجه يفيد كونَها تحت ملكوتِه تعالى من غير دِلالةٍ على شيء آخرَ ولذلك عُدِل عن الجملة الفعليةِ الدالة على الحدوث إلى الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار. وقرىء برفع الشمسَ والقمرَ أيضاً، وقرىء بنصب النجوم على أنه مفعولٌ أولٌ لفعل مقدر ينبىء عنه الفعلُ المذكور، ومسخراتٌ حالٌ من الكل والعامل ما في (سخّر) من معنى نفعَ أي نفعكم بها حالَ كونها مسخراتٍ لله الذي خلقها ودبرها كيف شاء، أو لما خُلقن له بإيجاده وتقديرِه أو لحكمه، أو مصدرٌ ميميّ جُمع لاختلاف الأنواعِ أي أنواعاً من التسخير، وما قيل من أن فيه إيذاناً بالجواب عما عسى يقال أن المؤثرَ في تكوين النباتِ حركاتُ الكواكب وأوضاعُها بأن ذلك إنْ سَلِم فلا ريب في أنها أيضاً أمورٌ ممكنةُ الذات والصفات، واقعةٌ على بعض الوجوه الممْكِنة فلا بد لها من موجد مخصّصٍ مختار واجبِ الوجود دفعاً للدَّوْر والتسَلْسُل، فمبناه حسبانُ ما ذُكر أدلةً على وجود الصانع تعالى وقدرته واختيارِه، وأنت تدري أنْ ليس الأمرُ كذلك فإنه ليس مما ينازَع فيه الخصمُ ولا يتلعثم في قبوله، قال تعالى: { أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}تفسير : [العنكبوت: 61]، وقال تعالى: { أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [العنكبوت: 63] الآية، وإنما ذلك أدلةُ التوحيد من حيث إن مَنْ هذا شأنُه لا يتوهم أن يشاركه شيءٌ في شيء فضلاً عن أن يشاركه الجمادُ في الألوهية. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي فيما ذكر من التسخير المتعلّق بما ذكر مُجملاً ومفصلاً {لاَيَاتٍ} باهرةً متكاثرة {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وحيث كانت هذه الآثارُ العلويةُ متعددةً ودلالةُ ما فيها ـ من عظيم القدرة والعلم والحكمةِ على الوحدانية أظهرَ ـ جُمع الآياتُ وعُلّقت بمجرد العقلِ من غير حاجةٍ إلى التأمل والتفكر، ويجوز أن يكون المرادُ لقوم يعقلون ذلك، فالمشار إليه حينئذ تعاجيبُ الدقائق المُودعةِ في العلويات المدلولِ عليها بالتسخير التي لا يتصدَّى لمعرفتها إلا المهَرةُ من أساطين علماءِ الحكمة، ولا ريب في أن احتياجَها إلى التفكر أكثرُ.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} [الآية: 12]. قال جعفر الصادق: سخر لكم ما فى السماوات من الأمطار وما فى الأرض من النبات وما فى الليل والنهار من أنواع الدواب وسخر لك الملائكة يسبحون لك وما فى الأرض من الأنعام والبهائم والفلك والخلق وسخر لكم الكل لك لا يشغلك منه شىء وتكون مسخرًا لمن سخر لك هذه الأشياء. فإنه سخر لك كل شىء وسخر قلبك لمحبته، ومعرفته وهو حظ العبد من ربه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلْنَّهَارَ}. الليل والنهار ظرفا الفعل، والناس في الأفعال مختلفون: فموفَّقٌ ومخذول؛ قالموفَّق يجري وقته في طاعة ربه، والمخذول يجري وقته في متابعة هواه. العابد، يكون في فَرْضِ يقيمه أو نَفْلٍ يديمه، والعارف في ذكره وتحصيل أوراده بما يعود على قلبه فيؤنسه، وأما أرباب التوحيد فهم مُخْتَطَفُون عن الأحيان والأوقات بغلبة ما يَرِدُ عليهم من الأحوال كما قيل: شعر : لستُ أدري أطال لَيْلِي أم لا كيف يدري بذاك مَنْ يَتَقَلَّى؟ لو تَفَرَّغْتُ لاستطالة لَيْلِي ورعيت النجومَ كنت مُخِلاَّ تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. هذا في الظاهر، وفي الباطن نجوم العلم وأقمار المعرفة وشموس التوحيد.

اسماعيل حقي

تفسير : {وسخر لكم} اى لمنامكم ومعاشكم ولعقد الثمار وانضاجها {الليل والنهار} يتعاقبان خلفة كما قال تعالى {وهو الذى جعل الليل والنهار خلفة} قال بعضهم الليل ذكر كآدم والنهار انثى كحواء والليل من الجنة والنهار من النار ومن ثمة كان الانس بالليل اكثر {والشمس والقمر} تسخرا فى سيرهما وانارتهما اصالة وخلافة واصلاحهما لما نيط بهما صلاحه كل ذلك لمصالحكم ومنافكم: قال السعدى شعر : ابر وباد ومه وخورشيد وفلك دركارند تاتو نانى بكف آرى وبغفلت نخورى همه از بهرنو سركشته وفرمان بردار شرط انصاف نباشد كه توفرمان نبرى تفسير : والتسخير بالفارسية [رام كردانيدن] وليس المراد بتسخير هذه لهم تمكنهم من تصريفها كيف شاؤا كما فى قوله تعالى {أية : سبحان الذى سخر لنا هذا}تفسير : ونظائره بل هو تصريفه تعالى لها حسبما يترتب عليه منافهم ومصالحهم لا ان ذلك تسخير لهم وتصرف من قبلهم حسب ارادتهم {والنجوم مسخرات بامره} مبتدأ وخبر اى سائر النجوم فى حركاتها واوضاعها من التثليث والتربيع ونحوهما مسخرات اى مذللات لله خلقها ودبرها كيف شاء او لما خلقن له بامره اى بارادته ومشيئته وحيث لم يكن عود منافع النجوم اليهم فى الظهور بمثابة ما قبلها من الملوين والقمرين لم ينسب تسخيرها اليهم باداة الاختصاص بل ذكر على وجه يفيد كونها تحت ملوكته تعالى من غير دلالة على شئ آخر ولذلك عدل عن الجملة الفعلية الدالة على الحدوث الى الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار. وقرئ بنصب النجوم على تقدير وجعل النجوم مسخرات بامره او على انه معطوف على المنصوبات المتقدمة ومسخرات حال من الكل والعالم ما فى سخر من معنى نفع اى نفعكم بها حال كونها مسخرات لله او لما خلقن له بايجاده وتقديره {ان فى ذلك} اى فيما ذكر من التسخير المتعلق بما ذكر مجملا ومفصلا {لآيات} باهرة متكاثرة {لقوم يعقلون} يفتحون عقولهم للنظر والاستدلال ويعتبرون وحيث كانت هذه الآثار العلوية متعددة ودلالة ما فيها من عظيم القدرة والعلم والحكمة على الوحدانية أظهر جميع الآيات علقت بمجرد العقل من غير حاجة الى التأمل والتفكر. قال اهل العلم العقل جوهر مضيئ خلقه الله فى الدماغ وجعل نوره فى القلب يدرك الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة وهو للقلب بمنزلة الروح للجسد فكل قلب لا عقل له فهو ميت وهو بمنزلة قلب البهائم وسئل النبى صلى الله عليه وسلم من احسن الناس عقلا قال "حديث : المسارع الى مرضاة الله تعالى والمجتنب عن محارم الله تعالى"تفسير : قالوا اخف حلما من العصفور قال حسان بن ثابت الانصارى رضى الله عنه شعر : لا بأس بالقوم من طول ومن عظم جسم البغال واحلام العصافير

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر {والشمس والقمر والنجوم مسخرات} بالرفع فيهن كلهن، وافقه حفص في رفع {والنجوم مسخرات} الباقون بالنصب فيهن كلهن، امّا ابن عامر فانما رفع ذلك، لانه جعل الواو، واو حال، وابتدأ، {والشمس} رفع بالابتداء و {النجوم} نسق عليها، {والقمر} نسق عليها (والمسخرات) رفع خبرها، ومن نصبها كلها جعلها منسوقة على قوله {وسخر لكم الليل والنهار}. واما حفص فانما رفع {النجوم مسخرات} فقطعها مما قبلها، فعلى هذا حجة من نصب ان يقدر فعلا آخر ينصبه به، وتقديره وجعل النجوم مسخرات. ووجه تسخير الشمس والقمر والليل والنهار، ان الليل والنهار إِنما يكون بطلوع الشمس وغروبها، فما بين غروب الشمس الى طلوع الفجر، وهو غياب ضوء الشمس، فهو ليل. وما بين طلوع الفجر الى غروب الشمس، فهو نهار، فالله تعالى سخر الشمس على هذا التقدير لا تختلف؛ لمنافع خلقه ومصالحهم وليستدلوا بذلك على ان المسخر لذلك والمقدر له حكيم ثم بين ان في ذلك التسخير لدلالات لقوم يعقلون عن الله ويتبينون مواضع الاستدلال بادلته. وقوله {وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه} معنى (ما) الذي وموضعه النصب والتقدير وخلق لكم (ما). أخبر الله تعالى ان الذي خلقه وأظهره من الاجسام المختلفة الألوان ان في ذلك دلالة لقوم يذكرون وأصله يتذكرون، فادغمت التاء في الذال. والذرء إظهار الشيء بإِيجاده ذرأه يذرؤه ذرءاً. وذرأه، وفطره، وانشاءه نظائر. وملح ذرءاني ظاهر البياض والاختلاف هو الامتناع من ان يسد احد الشيئين مسد الآخر ونقيضه الاتفاق. قال قتادة: قوله {وما ذرأ لكم في الأرض} معناه خلق لكم {مختلفاً ألوانه} من الدواب والشجر والثمار، نعماً ظاهرة فاشكروها لله، قال المؤرج: ذرأ بمعنى خلق بلغة قريش.

الجنابذي

تفسير : {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} قرئ الشّمس والقمر والنّجوم مسخّرات كلّها بالرّفع، وقرئ الشّمس والقمر بالنّصب والنّجوم مسخّرات بالرّفع، وقرئ الجميع بالنّصب وفائدة الحال المؤكّدة تأكيد التّسخير وبيان واسطة التّسخير وهو عالم الامر {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يكفيه العقل من غير فكر لظهور دلالة المذكورات بالنّسبة الى انزال الماء وانبات النّبات وجمع الآيات لكون كلّ منها آية على حياله.

اطفيش

تفسير : {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ} ذللها بأَن هيأَها لنفعكم فلم تقدروا على الامتناع ومن انتفاعهم سكونهم بالليل وابتغاؤهم من فضل الله بالنهار ومعرفتهم عدد السنين والحساب والأَوقات والاهتداء فى البر والبحر بالشمس والقمر والنجوم وخروج الثمار ونموها ونضجها بحرارة الشمس والقمر بأَن جعلهما الله ونحوهما وغيرها أسبابا بالافاعلات بذاتها ومن قال المؤثر فى ذلك حركات الكواكب وأوضاعها والشمس والقمر بذاتها أَشرك وإِنما ذلك بإِيجاد الله لها وتقديره كما قال {مُسَخَّرَاتٌ} لكم أو لما خلقن له من المنافع أو لكم ولغيركم مما لا تعلمون أو معنى مسخرات مجعولات كما يشاء وهو اسم مفعول حال من الجميع مؤكدة على الأَول مؤسسة بعض تأسيس على الباقى أو مصدر ميمى بصيغة اسم المفعول لأَنه من غير الثلاثى مفعول مطلق بمعنى تسخيرات أى أنواع من التسخير {بِأَمْرِهِ} بإِيجاده وتقديره أو بحكمه أو بإِرادته فكيف يعتقد فلسفى أو منجم أن النجوم والشمس والقمر هى المتصرفات فى السفلى قبحهم الله وقرأ ابن عامر برفع الشمس على الابتداء وما بعده على العطف ورفع مسخرات على الإِخبار وقرأ حفص بنصب الشمس والقمر عطفا على ما قبل ورفع النجوم ومسخرات على الابتداء والإِخبار {إِنَّ فِى ذَلِكَ} التسخير {لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ذكر هنا العقل دون الفكر لأَن كل من له عقل صحيح يستدل به فى تلك الآيات العلوية لأَنها أوضح دليل وأظهره بخلاف النبات فإنه يحتاج إِلى استيفاء الفكر فى أحواله فذكر فيه التفكر والمراد مع ذلك بقوم يعقلون المؤمنون.

اطفيش

تفسير : {وَسَخَّرَ} سهل أَو هيأَ فى مصالحكم، وسمى ذلك تسخيرا إطلاقا للخاص على العام، أَو استعارة؛ لأَن حقيقة التسخير قهر الحى على ما يكرهه وذلك بجامع الصعوبة فى الجملة، ولا صعب على الله عز وجل، أَو لما كانت حركة القمر والشمس الطبيعية من المغرب إلى المشرق، وكان الفلك الأعظم يجرى بهما من المشرق إلى المغرب مخالفا لحركتهما كانا كمقهور على مالا يريد، وحدوث الليل والنهار ليس إِلا لحركة الفلك الأَعظم، وأَما حركة الشمس فسبب لحدوث السنة، ولذا لم يغن ذكر الليل والنهار عن ذكر الشمس {لكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} اليوم عبارة عن دورة فلك الكواكب من النطح إلى النطح ومن الشريطين إلى الشريطين ومن البطين إلى البطين وهكذا إلى آخر المنازل، ومن درجة المنزلة ودقيقتها وأخفى من ذلك إلى اقصى ما يمكن الوقوف عليه، وما من يوم من طلوع الشمس أخفى إلى طلوعها، أَو من غروبها إلى غروبها، أَو ما بين ذلك إلى ما بين ذلك إلا وفيه نهاية ثلثمائة وستين يوما فاليوم طول ثلثمائة وستين درجة لأَنه يظهر فيه الفلك كله وتعمه الحركة {والشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} بإرادته وإيجاده وحكمه وموافقة ما أراده بها من المنافع بلا تخلف، والنصب على الحال المؤكدة لعاملها وهو اسم مفعول، أَو على المفعولية المطلقة وهو مصدر ميمى لأَنه من كل رباعى أو خماسى أَو سداسى بوزن اسم مفعوله، أَى تسخيرات والمصدر يجمع وثنى للدلالة على الأَنواع، ولو قيل تلك النباتات بالكواكب والأَفلاك، لقيل لم اختصت ببعض الجائزات فبان أَن لها مانعا مختارا لبعض الجائزات كمقدار من الطعم ونوع منه، ومقدار من الأَلوان والطول والقصر {إنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقوْمٍ يَعْقِلُونَ} جعل هذا فاصلة لما قبله لأَن العلويات أَظهر دلالة بها وجود الباهرة، وأَبين شهادة للكبرياءِ والعظمة فيكفى فى الدلالة بها وجود العقل مع استعمال وتدبر ما بخلاف النبات وما معه فلا بد فيه من الحد واستعمال العقل فختم بالتفكر، وجمع الآية هنا لأَن ما هنا أَنواع من الدلالة ظاهرة بالمشاهدة.

الالوسي

تفسير : {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ} يتعاقبان خلفة لمنامكم واستراحتكم وسعيكم في مصالحكم من الإسامة وتعهد حال الزرع ونحو ذلك {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ } يدأبان في سيرهما وإنارتهما أصالة وخلافة وأدائهما ما نيط بهما من تربية الأشجار والزروع وإنضاج الثمرات وتلوينها وغير ذلك من التأثيرات المترتبة عليهما بإذن الله تعالى حسبما يقوله السلف في الأسباب والمسببات، وليس المراد بتسخير ذلك للمخاطبين تمكينهم من التصرف به كيف شاؤا كما في قوله تعالى: {أية : سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا } تفسير : [الزخرف: 13] ونحوه بل تصريفه سبحانه لذلك حسبما يترتب عليه منافعهم ومصالحهم كأن ذلك تسخير لهم وتصرف من قبلهم حسب إرادتهم قاله بعض المحققين. وقال آخرون: إن أصل التسخير السوق قهراً ولا يصح إرادة ذلك لأن القهر والغلبة مما لا يعقل فيما لا شعور له من الجمادات كالشمس والقمر وعدم تعقله في نحو الليل والنهار أظهر من ذلك فهو هنا مجاز عن الإعداد والتهيئة لما يراد من الانتفاع، وفي ذلك إيماءً إلى ما في المسخر من صعوبة المأخذ بالنسبة إلى المخاطبين. وذكر الإمام في المراد من التسخير نحو ما ذكر أولاً ثم ذكر وجهاً آخر قال فيه: إنه لا يستقيم إلا على مذهب أصحاب الهيئة وهو أنهم يقولون: الحركة الطبيعية للشمس والقمر هي الحركة من المغرب إلى المشرق فالله تعالى سخر هذه الكواكب بواسطة حركة الفلك الأعظم من المشرق إلى المغرب فكانت هذه الحركة قسرية فلذا ورد فيها لفظ التسخير، وذكر أيضاً أن حدوث الليل والنهار ليس إلا بسبب حركة الفلك الأعظم دون حركة الشمس وأما حركتها فهي سبب لحدوث السنة ولذا لم يكن ذكر الليل والنهار مغنياً عن ذكر الشمس اهـ؛ ولا يعترض عليه بأن ما ذكره من قوله: إن حدوث الليل والنهار إلى آخره لا يتأتى في عرض تسعين لأن الليل والنهار لا يحصلان إلا بغروب الشمس وطلوعها وهي هناك لا تغرب ولا تطلع بحركة الفلك الأعظم بل بحركتها الخاصة ولذا كانت/ السنة يوماً وليلة لما أن ذلك العرض غير مسكون وكذا ما يقرب منه فلا يدخل في حيز الامتنان. نعم في كلامه عند المتمسكين بأذيال الشريعة غير ذلك فلينظر؛ وفي كون الشمس والقمر مما لا شعور لهما خلاف بين العلماء فذهب البعض إلى أنهما عالمان وهو الذي تقتضيه الظواهر وإليه ذهب الصوفية والفلاسفة، ولم أشعر بوقوع خلاف في أن الليل والنهار مما لا شعور لهما، نعم رأيت في "البهجة القادرية" عن القطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره العزيز أن الشهر أو الأسبوع يأتيه في صورة شخص فيخبره بما يحدث فيه من الحوادث، ولعل هذا على نحو ظهور القرآن يوم القيامة في صورة الرجل الشاحب وقوله لمن كان يحفظه. «أنا الذي أسهرتك في الدياجي وأظمأتك في الهواجر» وظهور الموت في صورة كبش أملح وذبحه بين الجنة والنار يوم القيامة كما جاء في الخبر، وعليك بالإيمان بما جاء عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وأنت في الإيمان بغيره بالخيار، وإيثار صيغة الماضي قيل للدلالة على أن ذلك التسخير أمر واحد مستمر وإن تجددت آثاره. {وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} مبتدأ وخبر أي وسائر النجوم البيبانية وغيرها في حركاتها وأوضاعها المتبدلة وغير المتبدلة وسائر أحوالها مسخرات لما خلقت له بخلقه تعالى وتدبيره الجاري على وفق مشيئته فالأمر واحد الأمور، وجوز أن يكون واحد الأوامر ويراد منه الأمر التكويني عند من لا يقول بإدراك النجوم، والمعنى أنها مسخرة لما خلقت له بقدرته تعالى وإيجاده، قيل: وحيث لم يكن عود منافع النجوم إليهم في الظهور بمثابة ما قبلها من الجديدين والنيرين لم ينسب تسخيرها إليهم بأداة الاختصاص بل ذكر على وجه يفيد أنها تحت ملكوته عز وجل من غير دلالة على شيء آخر، ولذلك عدل عن الجملة الفعلية الدالة على الحدوث إلى الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار، وقرأ ابن عامر برفع {الشمس والقمر} أيضاً فيكون المبتدأ الشمس والبواقي معطوفة عليه و {مسخرات} خبر عن الجميع، ولا يتأتى على هذه القراءة ما في وجه عدم نسبة تسخير ذلك إليهم بأداة الاختصاص كما لا يخفى، واعتبار عدم كون ظهور المنافع بمثابة السابق بالنظر إلى المجموع كما ترى. ومن الناس من قال في ذلك: إن المراد بتسخير الليل والنهار لهم نفعهم بهما من حيث إنهما وقتا سعي في المصالح واستراحة ومن حيث ظهور ما يترتب عليه منافعهم مما نيط به صلاح المكونات التي من جملتها ما فصل وأجمل مثلاً كالشمس والقمر فيهما، ويؤل ذلك بالآخرة إلى النفع بذلك وهو معنى تسخيره لهم، فيكون تسخير الليل والنهار لهم متضمناً لتسخير ذلك لهم فحيث أفاده الكلام أولاً استغنى عن التصريح به ثانياً وصرح بما هو أعظم شأناً منه وهو أن تلك الأمور لم تزل ولا تزال مقهورة تحت قدرته منقادة لإرادته ومشيئته سواء كنتم أو لم تكونوا فليتدبر، وقرأ الجمهور {والنجوم - و - مسخرات} بالنصب فيهما، وكذا فيما تقدم، وخرج ذلك على أن النجوم مفعول أول لفعل محذوف ينبـىء عنه الفعل المذكور و {مُسَخَّرٰتٌ} مفعول ثان له، أي وجعل النجوم مسخرات، وجوز جعل ـ جعل ـ بمعنى خلق المتعدي لمفعول واحد ـ فمسخرات ـ حال، واستظهر أبو حيان كون {ٱلنُّجُومِ } معطوفاً على ما قبله بلا إضمار و {مُسَخَّرٰتٌ} حينئذٍ قيل حال من الجميع على أن التسخير مجاز عن النفع أي أنفعكم بها حال كونها مسخرات لما خلقت له مما هو طريق لنفعكم وإلا فالحمل على الظاهر دال على أن التسخير في حال التسخير بأمره ولا كذلك لتأخر الأول، وقيل: لذلك أيضاً: إن المراد مستمرة على التسخير بأمره الإيجادي لأن الإحداث لا يدل على الاستمرار، وجوز بعض أجلة المعاصرين أن يكون حالاً موكدة بتقدير {بِأَمْرِهِ} متعلقاً {بسخر} والكلام من باب التنازع، وقبوله مفوض إليك، وقيل: هو مصدر/ ميمي كمسرح منصوب على أنه مفعول مطلق ـ لسخر ـ المذكور أولاً وسخرها مسخرات على منوال ضربته ضربات، وجمع إشارة إلى اختلاف الأنواع، وفي إفادة تسخير ما ذكر إيذان بالجواب عما عسى يقال: إن المؤثر في تكوين النبات حركات الكواكب وأوضاعها فإن ذلك إن سلم فلا ريب في أنها ممكنة الذات والصفات واقعة على بعض الوجوه المحتملة فلا بد من موجد ضرورة احتياج الممكن في وجوده إلى مخصص لئلا يلزم من الوقوع على بعض الوجوه مع احتمال غيره ترجيح بلا مرجح مختار لما أن الإيجاب ينافي الترجيح واجب الوجود دفعاً للدور أو التسلسل كذا قاله بعض الأجلة، واعترضه المولى العمادي بأنه مبني على حسبان ما ذكر أدلة الصانع تعالى وقدرته واختياره، وليس الأمر كذلك فإنه مما لا ينازع فيه الخصم ولا يتلعثم في قبوله قال تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } تفسير : [العنكبوت: 61] وقال سبحانه: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [العنكبوت: 63] الآية وإنما ذلك أدلة التوحيد من حيث أن من هذا شأنه لا يتوهم أن يشاركه شيء في شيء فضلاً أن يشاركه الجماد في الألوهية اهـ، وتعقب بأن كون ما ذكر أدلة التوحيد لا يأبـى أن يكون فيه إيذان بالجواب عما عسى يقال وأي ضرر في أن يساق شيء لأمر ويؤذن بأمر آخر، ولعمري لا أرى لهذا الاعتراض وجهاً بعد قول القائل في ذلك إيذان بالجواب عما عسى يقال الخ حيث لم يبت القول وأقحم عسى في البين لكن للقائل كلام يدل دلالة ظاهرة على أنه اعتبر الأدلة المذكورة أدلة على وجود الصانع عز شأنه أيضاً وقد سبقه في ذلك الإمام. {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي التسخير المتعلق بما ذكر {لآَيَاتٍ} باهرة متكاثرة على ما يقتضيه المقام {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وحيث كانت هذه الآثار العلوية متعددة ودلالة ما فيها من عظيم القدرة والعلم والحكمة على الوحدانية أظهر جمع الآيات وعلقت بمجرد العقل من غير تأمل وتفكر كأنها لمزيد ظهورها مدركة ببداهة العقل بخلاف الآثار السفلية في ذلك كذا قالوا، وهو ظاهر على تقدير كون الاستدلال على الوحدانية لا على الوجود أيضاً، وأما إذا كان الاستدلال على ذلك ففي دعوى الظهور المذكور بحث لانجرار الكلام على ذلك إلى إبطال التسلسل فكيف تكون الدلالة ظاهرة غير محوجة إلى فكر. وأجيب عنه بأن الاستدلال بالدور أو التسلسل إنما هو بعد التفكر في بدء أمرها وما نشأ منه من اختلاف أحوالها فافهم. وجوز أن يكون المراد لقوم يعقلون ذلك والمشار إليه نهاية تعاجيب الدقائق المودعة في العلويات المدلول عليها بالتسخير التي لا يتصدى لمعرفتها إلا المهرة الذين لهم نهاية الإدراك من أساطين علماء الحكمة وحينئذٍ قطع الآية بقوله تعاجيب الدقائق المودعة في العلويات المدلول عليها بالتسخير التي لا يتصدى لمعرفتها إلا المهرة الذين لهم نهاية الإدراك من أساطين علماء الحكمة وحينئذٍ قطع الآية بقوله سبحانه هنا: {يَعْقِلُونَ} للإشارة إلى احتياج ذلك إلى التفكر أكثر من غيره والأول أولى كما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : آيات أخرى على دقيق صنع الله تعالى وعلمه ممزوجة بامتنان. وتقدم ما يفسّر هذه الآية في صدر سورة يونس. وتسخير هذه الأشياء تقدم عند قوله تعالى: {أية : والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره ألا له الخلق والأمر} تفسير : في أوائل سورة الأعراف (54) وفي أوائل سورة الرعد وفي سورة إبراهيم. وهذا انتقال للاستدلال بإتقان الصنع على وحدانية الصانع وعلمه، وإدماج بين الاستدلال والامتنان. ونيطت الدلالات بوصف العقل لأن أصل العقل كاف في الاستدلال بها على الوحدانية والقدرة، إذ هي دلائل بيّنة واضحة حاصلة بالمشاهدة كل يوم وليلة. وتقدم وجه إقحام لفظ (قوم) آنفاً، وأن الجملة تذييل. وقرأ الجمهور جميع هذه الأسماء منصوبة على المفعولية لِفعل سخر. وقرأ ابن عامر {والشمسُ والقمرُ والنجومُ} بالرفع على الابتداء ورفع {مسخرات} على أنه خبر عنها. فنكتة اختلاف الإعراب الإشارة إلى الفرق بين التسخيرين. وقرأ حفص برفع {النجومُ} و{مسخراتٌ}. ونكتة اختلاف الأسلوب الفرق بين التسخيرين من حيث إن الأول واضح والآخر خفيّ لقلّة من يرقب حركات النجوم. والمراد بأمره أمر التكوين للنظام الشمسي المعروف. وقد أبدى الفخر في كتاب «درّة التنزيل» وجهاً للفرق بين إفراد آية في المرة الأولى والثالثة وبين جمع آيات في المرة الثانية: بأن ما ذكر أول وثالثاً يرجع إلى ما نجم من الأرض، فجميعه آية واحدة تابعة لخلق الأرض وما تحتويه (أي وهو كله ذو حالة واحدة وهي حالة النبات في الأرض في الأول وحالة واحدة وهي حالة الذرء في التناسل في الحيوان في الآية الثالثة) وأما ما ذكر في المرة الثانية فإنه راجع إلى اختلاف أحوال الشمس والقمر والكواكب، وفي كل واحد منها نظام يخصّه ودلائل تخالف دلائل غيره، فكان ما ذكر في ذلك مجموع آيات (أي لأن بعضها أعراض كالليل والنهار وبعضها أجرام لها أنظمة مختلفة ودلالات متعددة).

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه سخر لخلقه خمسة أشياء عظام، فيها من عظيم نعمته ما لا يعلمه إلا هو، وفيها الدلالات الواضحات لأهل العقول على أنه الواحد المستحق لأن يعبد وحده. والخمسة المذكورة هي: الليل، والنهار، والشمس، والقمر، والنجوم. وكرر في القرآن ذكر إنعامه بتسخير هذه الأشياء، وأنها من أعظم أدلة وحدانيته واستحقاقه للعبادة وحده. كقوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأعراف: 54] وإغشاؤه الليل النهار: هو تسخيرهما، وقوله: {أية : وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} تفسير : [إبراهيم: 33] الآية، وقوله: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} تفسير : [يس: 37-39]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ} تفسير : [الملك: 5] الآية، وقوله: {أية : وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}تفسير : [النحل: 16] إلى غير ذلك من الآيات. وفي هذه الآية الكريمة ثلاث قراءات سبعيات في الأسماء الأربعة الأخيرة، التي هي الشمس، والقمر، والنجوم، ومسخرات، فقرأ بنصبها كلها نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية شعبة. وقرأ برفع الأسماء الأربعة ابن عامر، على أن {وَٱلشَّمْسَ} مبتدأ وما بعده معطوف عليه و {مُسَخَّرَاتٌ} خبر المبتدأ. وقرأ حفص عن عاصم بنصب {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} عطفاً على {ٱللَّيْلَ وَٱلْنَّهَارََ} ورفع {وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ} على أنه مبتدأ وخبر. وأظهر أوجه الإعراب في قوله {مُسَخَّرَاتٌ} على قراءة النصب أنها حال مؤكدة لعاملها. والتسخير في اللغة: التذليل.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱللَّيْلَ} {مُسَخَّرَاتٌ} {لآيَاتٍ} (12) - ثُمَّ يُنَبِّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ إِلى آيَاتِهِ العِظَامِ فِي تَسْخِيرِهِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، يَتَعَاقَبَانِ، وَفِي اللّيْلِ سَكَنٌ وَرَاحَةٌ لِلْمَخْلُوقَاتِ مِنْ عَنَاءِ النَّهَارِ، وَفِي النَّهَارِ سَعْيٌ، وَعَمَلٌ، وَمَعَاشٌ، وَفِي تَسْخِيرِهِ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ فِي السَّمَاوَاتِ لِتَكُونَ نُوراً وَضِيَاءً وَحَرَارَةً، وَلِيُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ اللَّيْلِ، وَلِيَعْلَمَ النَّاسُ عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَابَ، وَكُلٌّ مِنْهَا يَسِيرُ فِي فَلَكِهِ الذِي جَعَلَهُ اللهُ فِيهِ بِحَرَكَةٍ مُقَدَّرَةٍ مُعَيَّنَةٍ: مِنْ تَسْخِيرٍ وَمَنَافِعَ وَنِظَامٍ ... إِلخ وَالجَمِيعُ تَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ وَتَقْدِيرِهِ. وَفِي ذلِكَ لآيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَدَلاَلاَتٌ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ البَاهِرَةِ، وَسُلْطَانِهِ العَظِيمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعلم أن الليل والنهار آيتان واضحتان؛ والليل يناسبه القمر، والنهار تناسبه الشمس، وهم جميعاً متعلقون بفعل واحد، وهم نَسَق واحد، والتسخير يعني قَهْر مخلوق لمخلوق؛ لِيُؤدِّي كُلٌّ مهمته. وتسخير الليل والنهار والشمس والقمر؛ كُلٌّ له مهمة، فالليل مُهِمته الراحة. قال الحق سبحانه: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [القصص: 73]. والنهار له مهمة أنْ تكدحَ في الأرض لتبتغي رِزْقاً من الله وفَضْلاً، والشمس جعلها مصدراً للطاقة والدِّفْء، وهي تعطيك دون أنْ تسألَ، ولا تستطيع هي أيضاً أن تمتنعَ عن عطاء قَدَّره الله. وهي ليست مِلْكاً لأحد غير الله؛ بل هي من نظام الكون الذي لم يجعل الحق سبحانه لأحد قدرةً عليه، حتى لا يتحكَّم أحدٌ في أحدٍ، وكذلك القمر جعل له الحق مهمة أخرى. وإياك أنْ تتوهَم أن هناك مهمة تعارض مهمة أخرى، بل هي مهام متكاملة. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل: 1-4]. أي: أن الليل والنهار وإنْ تقابلا فليسَا متعارضين؛ كما أن الذكر والأنثى يتقابلان لا لتتعارض مهمة كل منهما بل لتتكامل. ويضرب الحق سبحانه المثل لِيُوضّح لنا هذا التكامل فيقول: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [القصص: 72]. وأيُّ إنسان إنْ سهر يومين متتابعين لا يستطيع أنْ يقاومَ النوم؛ وإن أدَّى مهمة في هذين اليومين؛ فقد يحتاج لراحة من بعد ذلك تمتدُّ أسبوعاً؛ ولذلك قال الله: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً} تفسير : [النبأ: 10-11]. والإنسان إذا ما صلَّى العشاء وذهب إلى فراشه سيستيقظ حَتْماً من قبل الفجر وهو في قِمّة النشاط؛ بعد أنْ قضى ليلاً مريحاً في سُبَاتٍ عميق؛ لا قلقَ فيه. ولكن الإنسان في بلادنا استورد من الغرب حثالة الحضارة من أجهزة تجعله يقضي الليل ساهراً، ليتابع التليفزيون أو أفلام الفيديو أو القنوات الفضائية، فيقوم في الصباح مُنْهكاً، رغم أن أهل تلك البلاد التي قدَّمتْ تلك المخترعات؛ نجدهم وهم يستخدمون تلك المخترعات يضعونها في موضعها الصحيح، وفي وقتها المناسب؛ لذلك نجدهم ينامون مُبكِّرين، ليستيقظوا في الفجر بهمَّة ونشاط. ويبدأ الحق سبحانه جملة جديدة تقول: {وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ..} [النحل: 12]. نلحظ أنه لم يَأْتِ بالنجوم معطوفةً على ما قبلها، بل خَصَّها الحق سبحانه بجملة جديدة على الرغم من أنها أقلُّ الأجرام، وقد لا نتبيّنها لكثرتها وتعدُّد مواقعها ولكِنَّا نجد الحق يُقسِم بها فهو القائل: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}تفسير : [الواقعة: 75-76]. فكلُّ نجم من تلك النجوم البعيدة له مُهمة، وإذا كنتَ أنت في حياتك اليومية حين ينطفىء النور تذهب لترى: ماذا حدث في صندوق الأكباس الذي في منزلك؛ ولكنك لا تعرف كيف تأتيك الكهرباء إلى منزلك، وكيف تقدَّم العلم ليصنعَ لك المصباح الكهربائي. وكيف مدَّتْ الدولة الكهرباء من مواقع توليدها إلى بيتك. وإذا كنتَ تجهل ما خَلْف الأثر الواحد الذي يصلك في منزلك، فما بالك بقول الحق سبحانه: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ}تفسير : [الواقعة: 75]. وهو القائل: {أية : وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} تفسير : [النحل: 16]. وقد خصَّها الحق سبحانه هنا بجملة جديدة مستقلة أعاد فيها خبر التسخير، ذلك أن لكلٍّ منها منازلَ، وهي كثيرة على العَدِّ والإحصاء، وبعضها بعيد لا يصلنا ضوؤه إلا بعد ملايين السنين. وقد خصَّها الحق سبحانه بهذا الخبر من التسخير حتى نتبينَ أن لله سراً في كل ما خلق بين السماء والأرض. ويريد لنا أن نلتفتَ إلى أن تركيبات الأشياء التي تنفعنا مواجهةً وراءها أشياء أخرى تخدمها. ونجد الحق سبحانه وهو يُذيِّل الآية الكريمة بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 12]. ونعلم أن الآيات هي الأمورُ العجيبة التي يجب ألاَّ يمرَّ عليها الإنسان مراً مُعرِضاً؛ بل عليه أنْ يتأملَها، ففي هذا التأمل فائدة له؛ ويمكنه أنْ يستنبطَ منها المجاهيل التي تُنعِّم البشر وتُسعِدهم. وكلمة {يَعْقِلُونَ} تعني إعمالَ العقل، ونعلم أن للعقل تركيبةً خاصة؛ وهو يستنبط من المُحسّات الأمورَ المعنوية، وبهذا يأخذ من المعلوم نتيجةً كانت مجهولةً بالنسبة له؛ فيَسعد بها ويُسعد بها مَنْ حوله، ثم يجعل من هذا المجهول مقدمةً يصل بها إلى نتيجة جديدة. وهكذا يستنبط الإنسان من أسرار الكون ما شاء له الله أنْ يستنبطَ ويكتشف من أسرار الكون. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: سخر لكم هذه الأشياء لمنافعكم وأنواع مصالحكم بحيث لا تستغنون عنها أبدا، فبالليل تسكنون وتنامون وتستريحون، وبالنهار تنتشرون في معايشكم ومنافع دينكم ودنياكم، وبالشمس والقمر من الضياء والنور والإشراق، وإصلاح الأشجار والثمار والنبات، وتجفيف الرطوبات، وإزالة البرودة الضارة للأرض، وللأبدان، وغير ذلك من الضروريات والحاجيات التابعة لوجود الشمس والقمر. وفيهما وفي النجوم من الزينة للسماء والهداية في ظلمات البر والبحر، ومعرفة الأوقات وحساب الأزمنة ما تتنوع دلالاتها وتتصرف آياتها، ولهذا جمعها في قوله { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي: لمن لهم عقول يستعملونها في التدبر والتفكر فيما هي مهيأة له مستعدة تعقل ما تراه وتسمعه، لا كنظر الغافلين الذين حظهم من النظر حظ البهائم التي لا عقل لها.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 486 : 3 : 11 - سفين قال، كان أصحاب عبد الله يقرءونها {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ} ويقرءونها {الرياح مسخرات بأمره}. [الآية 12].