Verse. 1914 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَمَا ذَرَاَ لَكُمْ فِي الْاَرْضِ مُخْتَلِفًا اَلْوَانُہٗ۝۰ۭ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيَۃً لِّقَوْمٍ يَّذَّكَّرُوْنَ۝۱۳
Wama tharaa lakum fee alardi mukhtalifan alwanuhu inna fee thalika laayatan liqawmin yaththakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» سخر لكم «ما ذرَأ» خلق «لكم في الأرض» من الحيوان والنبات وغير ذلك «مختلفاً ألوانه» كأحمر وأصفر وأخضر وغيرها «إن في ذلك لآية لقوم يذكَّرون» يتعظون.

13

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَمَا ذَرَأَ} أي وسخّر ما ذرأ في الأرض لكم. «ذَرَأَ» أي خلق؛ ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذَرْءاً خلقهم، فهو ذاريء؛ ومنه الذُّرِّية وهي نسل الثقلين، إلا أن العرب تركت همزها، والجمع الذراري. يقال: أنمي الله ذَرْأَك وذَرْوَك، أي ذرّيتك. وأصل الذَّرْو والذَّرْء التفريق عن جمع. وفي الحديث: ذرء النار؛ أي أنهم خلقوا لها. الثانية ـ ما ذرأه الله سبحانه منه مسخر مذلل كالدواب والأنعام والأشجار وغيرها، ومنه غير ذلك. والدليل عليه ما رواه مالك في الموطأ عن كعب الأحبار قال: لولا كلمات أقولهن لجعلتني يهودُ حماراً. فقيل له: وما هن؟ فقال: أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بَرٌّ ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلِّها ما علمت منها وما لم أعلم، من شرّ ما خلق وبَرَأ وذرأ. وفيه عن يحيـى بن سعيد أنه قال: أُسْرِي برسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار، الحديث. وفيه: وشر ما ذَرَأ في الأرض. وقد ذكرناه وما في معناه في غير هذا الموضع. الثالثة ـ قوله تعالى: {مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} «مختلِفا» نصب على الحال. و «ألوانُه» هيئاته ومناظره، يعني الدواب والشجر وغيرها. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي في اختلاف ألوانها. {لآيَةً} أي لعبرة. {لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} أي يتّعظون ويعلمون أن في تسخير هذه المكونَّات لعلامات على وحدانية الله تعالى، وأنه لا يقدر على ذلك أحد غيره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} سخر لكم {مَا ذَرَأَ } خلق {لَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ } من الحيوان والنبات وغير ذلك {مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ } كأحمر وأصفر وأخضر وغيرها {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } يتعظون.

ابن عطية

تفسير : {ذرأ} معناه بث ونشر، والذرية من هذا في أحد الأقوال في اشتقاقها، وقوله {ألوانه} معناه أصنافه، كما تقول هذه ألوان من التمر ومن الطعام، ومن حيث كانت هذه المبثوثات في الأرض أصنافاً فأعدت في النعمة وظهر الانتفاع بها أنه على وجوه، ولا يظهر ذلك من حيث هي متلونة حمرة وصفرة وغير ذلك، ويحتمل أن يكون التنبيه على اختلاف الألوان حمرة وصفرة والأول أبين. وقوله تعالى: {وهو الذي سخر البحر} الآية تعديد نعم، وتسخير البحر هو تمكين البشر من التصرف فيه وتذليله للركوب والإرفاق وغيره، و {البحر} الماء الكثير ملحاً كان أو عذباً، كله يسمى بحراً، و {البحر} هنا اسم جنس، وإذا كان كذلك فمنه أكل اللحم الطري ومنه "استخراج الحلية"، و"أكل اللحم" يكون من ملحه وعذبه، وإخراج الحلية إنما يكون فيما عرف من الملح فقط، ومما عرف من ذلك اللؤلؤ والمرجان والصدف والصوف البحري، وقد يوجد في العذب لؤلؤ لا يلبس إلا قليلاً، وإنما يتداوى به، ويقال إن في الزمرد بحرياً وقد خطىء الهذلي في وصف الدرة. [الطويل] شعر : فجاء بها من درة لطمية على وجهها ماء الفرات يدوم تفسير : فجعلها من الماء الحلو. قال القاضي أبو محمد: وتأمل أن قوله يخرج على أنه وصف بريقها ومائيتها فشبهه بماء الفرات، ولم يذهب إلى الغرض الذي خطىء فيه، و"اللحم الطري"، و"الحلية" ما تقدم، و {الفلك} هنا جمع، و {مواخر} جمع ماخرة، والمخر في اللغة الصوت الذي يكون من هبوب الريح على شيء يشق أو يصعب في الجملة الماء فيترتب منه أن يكون من السفينة ونحوها وهو في هذه الآية من السفن، ويقال للسحاب بنات مخر تشبيهاً، إذ في جريها ذلك الصوت الذي هو عن الريح والماء الذي في السحاب، وأمرها يشبه أمر البحر على أن الزجاج قد قال: بنات المخر سحاب بيض لا ماء فيها، وقال بعض اللغويين المخر في كلام العرب الشق يقال: مخر الماء الأرض. قال القاضي أبو محمد: فهذا بين أن يقال فيه للفلك {مواخر}، وقال قوم {مواخر} معناه تجيء وتذهب بريح واحدة، وهذه الأقوال ليست تفسير اللفظة، وإنما أرادوا أنها مواخر بهذه الأحوال، إذ هي موضع النعمة المعددة، إذ نفس كون الفلك ماخرة لا نعمة فيه، وإنما النعمة في مخرها بهذه الأحوال في التجارات والسفر فيها وما يمنح الله فيها من الأرباح والمن، وقال الطبري: المخر في اللغة صوت هبوب الريح ولم يقيد ذلك بكون في ماء، وقال إن من ذلك قول واصل مولى ابن عيينة إذا أراد أحدكم البول فليتمخر الريح أي لينظر في صوتها في الأجسام من أين تهب، فيتجنب استقبالها لئلا ترد عليه بوله، وقوله {ولتبتغوا} عطف على {تأكلوا}، وهذا ذكر نعمة لها تفاصيل لا تحصى، فيه إباحة ركوب البحر للتجارة وطلب الأرباح، وهذه ثلاثة أسباب في تسخير البحر، وقوله {وألقى في الأرض} الآية، قال المتأولون {ألقى} بمعنى خلق وجعل. قال القاضي أبو محمد: وهي عندي أخص من خلق وجعل، وذلك أن {ألقى} تقتضي أن الله أحدث الجبال ليس من الأرض لكن من قدرته واختراعه، ويؤيد هذا النظر ما روي في القصص عن الحسن عن قيس بن عباد، أن الله تعالى لما خلق الأرض، وجعلت تمور، فقالت الملائكة ما هذه بمقرة على ظهرها أحداً، فأصبحت ضحى وفيها رواسيها. و"الرواسي" الثوابت، رسا الشيء يرسو إذا ثبت، ومنه قول الشاعر في صفة الوتد: شعر : وأشعث أرسته الوليدة بالفهد تفسير : و {أن} مفعول من أجله، و"الميد" الاضطراب، وقوله {أنهاراً} منصوب بفعل مضمر تقديره وجعل أو وخلق أنهاراً. قال القاضي أبو محمد: وإجماعهم على إضمار هذه الفعل دليل على خصوص لـ {ألقى} ولو كانت {ألقى} بمعنى خلق لم يحتج إلى هذا الإضمار، و"السبل" الطرق، وقوله {لعلكم تهتدون} في مشيكم وتصرفكم في السبل، ويحتمل {لعلكم تهتدون} بالنظر في هذه المصنوعات على صانعها، وهذا التأويل هو البارع، أي سخر وألقى وجعل أنهاراً وسبلاً لعل البشر يعتبر ويرشد ولتكون علامات.

الخازن

تفسير : {وما ذرأ لكم في الأرض} يعني وما خلق لكم في الأرض، وسخر لأجلكم من الدواب والأنعام والأشجار والثمار {مختلفاً ألوانه} يعني في الخلقة والهيئة والكيفية واختلاف ألوان المخلوقات مع كثرتها، حتى لا يشبه بعضها بعضاً من كل الوجوه، فيه دليل قاطع على كمال قدرة الله ولذلك ختم هذه الآية بقوله تعالى {وهو الذي سخر لكم البحر} لما ذكر الله سبحانه وتعالى الدلائل الدالة على قدرته، ووحدانيته من خلق السموات والأرض، وخلق الإنسان من نطفة وخلق سائر الحيوان والنبات وتسخير الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك, من آثار قدرته، وعجائب صنعته وذكر إنعامه في ذلك على عباده، ذكر بعد ذلك إنعامه على عباده بتسخير البحر لهم نعمة من الله عليهم، ومعنى تسخير الله البحر لعباده جعله بحيث يتمكن الناس من الانتفاع به. فقال تعالى: وهو الذي سخر البحر {لتأكلوا منه لحماً طرياً} فبدأ بذكر الأكل لأنه أعظم المقصود، لأن به قوام البدن وفي ذكر الطري مزيد فائدة دالة على كمال قدرة الله تعالى، وذلك أن السمك لون كان كله مالحاً لما عرف به من قدرة الله تعالى، ما يعرف بالطري لأنه لما لما خرج من البحر الملح الزعاق، الحيوان الطري الذي لحمه في غاية العذوبة علم أنه إنما حدث بقدرة الله، وخلقه لا بحسب الطبع وعلم بذلك أن الله قادر على إخراج الضد من الضد. المنفعة الثانية قوله تعالى {وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} يعني اللؤلؤ والمرجان، كما قال تعالى: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأن زينة النساء بالحلي، وإنما هو لأجل الرجال فكان ذلك زينة لهم. المنفعة الثالثة قوله تعالى {وترى الفلك} يعني السفن {مواخر فيه} يعني جواري فيه قال قتادة: مقبلة ومدبرة وذلك أنك ترى سفينتين أحداهما تقبل والأخرى تدبر تجريان بريح واحدة, وأصل المخر في اللغة الشق يقال: مخرت السفينة مخراً إذا شقت الماء بجؤجؤها. وقال مجاهد: تمخر الرياح السفن يعني أنها إذا جرت يسمع لها صوت قال أبو عبيدة: يعني من صوائح والمخر صوت هبوب الريح عند شدتها وقال الحسن: مواخر يعني مواقر أي مملوءة متاعاً {ولتبتغوا من فضله} يعني الأرباح بالتجارة في البحر {ولعلكم تشكرون} يعني إنعام الله عليكم إذا رأيتم نعم الله فيما سخر لكم {وألقى في الأرض رواسي} يعني جبالاً ثقالاً {أن تميد بكم} يعني لئلا تميل وتضطرب بكم، والميد هو اضطراب الشيء العظيم كالأرض، وقال وهب: لما خلق الله سبحانه وتعالى الأرض جعلت تمور وتتحرك فقالت الملائكة: إن هذه غير مقرة أحداً على ظهرها فأصبحوا، وقد أرسيت بالجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال {وأنهاراً} يعني وجعل فيها أنهاراً لأن في ألقى معنى الجعل، فقوله سبحانه وتعالى: وأنهاراً معطوف على وألقى، ولما ذكر الله الجبال ذكر بعدها الأنهار لأن معظم عيون الأنهار، وأصولها تكون من الجبال {وسبلاً} يعني وجعل فيها طرقاً مختلفة تسلكونها في أسفاركم، والتردد في حوائجكم من بلد إلى بلد ومن مكان إلى مكان {لعلكم تهتدون} يعني بتلك السبل إلى ما تريدون فلا تضلون {وعلامات} يعني وجعل فيها علامات تهتدون بها في أسفاركم قال بعضهم: تم الكلام عند قوله: وعلامات ثم ابتدأ {وبالنجم هم يهتدون} قال محمد بن كعب والكلبي: أراد بالعلامات الجبال والنجوم، فالجبال علامات النهار، والنجوم علامات الليل. وقال مجاهد: أراد بالكل النجوم فمنها ما يكون علامات ومنها ما يهتدي به. وقال السدي: أراد بالنجم الثريا وبنات نعش والفرقدين والجدي، فهذه يهتدى بها إلى الطريق والقبلة. وقال قتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاثة أشياء لتكون زينة السماء ومعالم الطريق ورجوماً للشياطين فمن قال غير هذا فقد تكلف ما لا علم له به. قوله سبحانه وتعالى {أفمن يخلق كمن لا يخلق} لما ذكر الله عز وجل من عجائب قدرته وغرائب صنعته، وبديع خلقه ما ذكر على الوجه الأحسن والترتيب الأكمل، وكانت هذه الأشياء المخلوقة المذكورة في الآيات المتقدمة كلها دالة على كمال قدرة الله تعالى، ووحدانيته وأنه تعالى هو المنفرد بخلقها جميعاً قال على سبيل الإنكار على من ترك عبادته واشتغل بعبادة هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تقدر على شيء {أفمن يخلق} يعني هذه الأشياء الموجودة المرئية بالعيان، وهو الله تعالى الخالق لها {كمن لا يخلق} يعني هذه الأصنام العاجزة التي لا تخلق شيئاً ألبتة، لأنها جمادات لا تقدر على شيء، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بعبادتها ويترك عبادة من يستحق العبادة وهو الله خالق هذه الأشياء كلها، ولهذا المعنى ختم هذه الآية بقوله {أفلا تذكرون} يعني أن هذا القدر ظاهر غير خافٍ على أحد فلا يحتاج فيه إلى دقيق الفكر والنظر بل مجرد التذكر فيه، كفاية لمن فهم وعقل واعتبر بما ذكره. بقي في الآية سؤلان: الأول: قوله: كمن لا يخلق المراد به الأصنام وهي جمادات لا تعقل فكيف يعبر عنها بلفظة من وهي لمن يعقل، والجواب عنه أن الكفار لما سموا هذه الأصنام آلة وعبدوها أجريت مجرى من يعقل في زعمهم ألا ترى إلى قوله: بعد هذا والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً فخاطبهم على قدر زعمهم، وعقولهم. السؤال الثاني: قوله: أفمن يخلق كمن لا يخلق المقصود منه إلزام الحجة على من عبد الأصنام حيث جعل غير الخالق مثل الخالق، فكيف قال على سبيل الاستفهام أفمن يخلق كمن لا يخلق والجواب عنه أنه ليس المراد منه الاستفهام بل المراد منه أن من خلق الأشياء العظيمة وأعطى هذه النعم الجزيلة، كيف يسوى بينه وبين هذه الجمادات الخسيسة في التسمية والعبادة، وكيف يليق بالعاقل أن يترك عبادة من يستحق العبادة لأنه خالق هذه الأشياء الظاهرة كلها، ويشتغل بعبادة جمادات لا يخلق شيئاً البتة والله أعلم. وقوله تعالى {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} يعني أن نعم الله على العبد فيما خلق الله فيه من صحة البدن وعافية الجسم، وإعطاء النظر الصحيح والعقل السليم، والسمع الذي يفهم به الأشياء وبطش اليدين وسعي الرجلين إلى غير ذلك مما أنعم به عليه في نفسه، وفيما أنعم به عليه مما خلق له من جميع ما يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا لا تحصى حتى لو رام أحد معرفة أدنى نعمة من هذه النعم لعجز عن معرفتها وحصرها فكيف بنعمة العظام التي لا يمكن الوصول إلى حصرها لجميع الخلق فذلك قوله تعالى {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} يعني ولو اجتهدتم في ذلك وأتبعتم نفوسكم لا تقدرون عليه {إن الله لغفور} يعين لتقصيركم في القيام بشكر نعمته كما يجب عليكم {رحيم} يعني بكم حيث وسع عليكم النعم، ولم يقطعها عنكم بسبب التقصير، والمعاصي {والله يعلم ما تسرّون وما تعلنون} يعني أن الكفار مع كفرهم كانوا يسرون أشياء. وهو ما كانوا يمكرون بالنبي صلى الله عليه وسلم، وما يعلنون يعني، وما يظهرون من إيذائه فأخبرهم الله عز وجل أنه عالم بكل أحوالهم سرها وعلانيتها لا تخفى عليه خافية وإن دقت وخفيت، وقيل: إن الله سبحانه تعالى لما ذكر الأصنام وذكر عجزها في الآية المتقدمة ذكر في هذه الآية أن الإله الذي يستحق العبادة، يجب أن يكون عالماً بكل المعلومات سرها وعلانيتها، وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تستحق العبادة ثم وصف الله هذه الأصنام بصفات فقال تعالى {والذين تدعون من دون الله} يعني الأصنام التي تدعونها آلهة من دون الله {لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون} فإن قلت: قوله سبحانه وتعالى في الآية المتقدمة أفمن يخلق كمن لا يخلق، يدل على أن هذه الأصنام لا تخلق شيئاً فقوله سبحانه وتعالى: لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون هذا هو نفس المعنى المذكور في تلك الآية فما فائدة التكرار؟ قلت: فائدته أن المعنى المذكور في الآية المتقدمة أنهم لا يخلقون شيئاً فقط والمذكور في هذه الآية أنهم لا يخلقون شيئاً وإنهم مخلوقون كغيرهم، فكان هذا زيادة في المعنى وهو فائدة التكرار {أموات} أي جمادات ميتة لا حياة فيها {غير أحياء} كغيرها، والمعنى لو كانت هذه الأصنام آلهة كما تزعمون لكانت أحياء غير جائز عليها الموت لأن الإله الذي يستحق أن يعبد هو الحي الذي لا يموت وهذه أموات غير أحياء، فلا تستحق العبادة فمن عبدها فقد وضع العبادة في غير موضعها. وقوله {وما يشعرون} يعني هذه الأصنام {أيان يبعثون} يعني متى يبعثون وفيه دليل على أن الأصنام تجعل فيها الحياة، وتبعث يوم القيامة حتى تتبرأ من عابديها. وقيل: معناها ما يدري الكفار الذين عبدوا الأصنام متى يبعثون. قوله سبحانه وتعالى {إلهكم إله واحد} يعني أن الذي يستحق العبادة هو إله واحد، وهذه أصنام متعددة فكيف تستحق العبادة {فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة} يعني جاحدة لهذا المعنى {وهم مستكبرون} يعني عن اتباع الحق لأن الحق إذا تبين كان تركه تكبراً {لا جرم} يعني حقاً {أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين} يعني عن اتباع الحق (م) عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"تفسير : فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً وفعله حسناً قال: "إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق، وغمط الناس" قوله بطر الحق هو أن يجعل ما جعله الله حقاً من توحيده، وعبادته باطلاً وهذا على قول من جعل أصل البطر من الباطل، ومن جعله من الحيرة فمعناه يتحير عند سماء الحق فلا يقبله، ولا يجعله حقاً، وقيل:البطر التكبر يعني أنه يتكبر عند سماع الحق فلا يقبله، وقوله: وغمط الناس يقال: غمطت حق فلان إذا احتقرته ولم تره شيئاً وكذا معنى غمصته أي انتقصت به وازدريته.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ }: ذرأ: معناه: بثَّ ونَشَرَ. و{مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ } أي أصنافه، ويحتمل أنْ يكون التنبيهُ على ٱختلافِ الألوان من حُمْرةٍ وصُفْرةٍ وغير ذلك، والأول أبْيَنُ. وقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: البَحْر: الماءُ الكثيرُ، ملْحاً كان أو عَذْباً. قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»: قولُهُ تعالى: {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا}: يعني به اللؤلُؤَ والمَرْجان، وهذا ٱمتنانٌ عامٌّ للرجال والنساء، فلا يحرم عليهم شيءٌ من ذلك. انتهى. و{مَوَاخِرَ }: جمعَ مَاخِرَة، والمَخْر؛ في اللغة: الصَّوْت الذي يكون من هبوبِ الريح علَى شيءٍ يشقُّ أو يصحب في الجملة الماءَ؛ فيترتَّب منه أنْ يكون المَخْر من الريحِ، وأنْ يكون من السفينةِ ونحوها، وهو في هذه الآيةِ من السُّفُنِ، وقال بعضُ النحَاةِ: المَخْزُ؛ في كلامِ العرب: الشَّقُّ؛ يقال: مَخَرَ المَاءُ الأَرْضَ، وهذا أيضاً بيِّن أن يقال فيه للفلْكِ مَوَاخِر. وقوله: {وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}: يحتملُ: تهتدون فِي مَشْيِكم وتصرُّفَكُمْ في السُّبُل، ويحتملُ تهتدُونَ بالنَّظَر في دَلاَلة هذه المَصْنُوعات علَى صَانِعِها. {وَعَلَٰمَـٰتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ }: قال ابن عبَّاسٍ: العلامَاتُ: معالمُ الطُّرُق بالنهار، والنجومُ: هدايةُ الليل، وهذا قولٌ حَسَن؛ فإِنه عمومٌ بالمعنَى، واللفظةُ عامَّة؛ وذلك أَنَّ كُلَّ مَا دَلَّ على شيْءٍ وأعلَمَ به، فهو علامةٌ، و{ٱلنَّجْمِ }؛ هنا: اسمُ جنسٍ، وهذا هو الصَّواب.

ابو السعود

تفسير : {وَمَا ذَرَأَ} عطفٌ على قوله تعالى: {وَٱلنُّجُوم} رفعاً ونصباً على أنه مفعولٌ لجعل أي وما خلق {لَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ} من حيوان ونبات حالِ كونه {مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ} أي أصنافُه، فإن اختلافها غالباً يكون باختلاف اللون مسخرٌ لله تعالى أو لما خُلق له من الخواصّ والأحوال والكيفياتِ، أو جُعل ذلك مختلفَ الألوان أي الأصنافِ لتتمتعوا من ذلك بأي صنف شئتم، وقد عُطف على ما قبله من المنصوبات، وعُقِّب بأن ذكرَ الخلق لهم مغنٍ عن ذكر التسخير، واعتُذر بأن الأولَ يستلزم الثانيَ لزوماً عقلياً لجواز كونِ ما خُلق لهم عزيزَ المرام صعبَ المنال، وقيل: هو منصوبٌ بفعل مقدر أي خلق وأنبت على أن قوله: (مختلفاً ألوانه) حالٌ من مفعوله {إِنَّ فِى ذَلِكَ} الذي ذكر من التسخيرات ونحوها {لآيَةً} بـينةَ الدِلالةِ على أن مَنْ هذا شأنُه واحد لا نِدَّ له ولا ضِدّ {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} فإن ذلك غيرُ محتاج إلا إلى تذكرِ ما عسى يُغفَل عنه من العلوم الضرورية، وأما ما يقال من أن اختلافها في الطباع والهيئات والمناظر ليس إلا بصنع صانعٍ حكيم، فمدارُه ما لوّحنا به من حسبان ما ذُكر دليلاً على إثبات الصانعِ تعالى، وقد عرفتَ حقيقةَ الحال فإن إيراد ما يدل على اتصافه سبحانه بما ذكر من صفات الكمالِ ليس بطريق الاستدلالِ عليه، بل من حيث إن ذلك من المقدِّمات المسلَّمةِ جيء به للاستدلال به على ما يقتضيه ضرورةُ وحدانيته تعالى واستحالةُ أن يشاركَه شيء في الألوهية.

القشيري

تفسير : أقوامٌ خَلَقَ لهم في الأرض الرياضَ والغياض، والدور والقصور، والمساكن والمواطن، وفنون النِّعم وصنوف القِسَم.. وآخرون لا يقع لهم طير على وكر، ولا لهم في الأرض شِبْر؛ لا ديار تملكهم، ولا علاقة تُمْسِكُهُم - أولئك ساداتُ الناس وضياء الحق.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما ذرأ لكم} عطف على قوله والنجوم رفعا ونصبا على انه مفعول لجعل المقدر اى وما خلق {فى الارض} من حيوان ونبات حال كونه {مختلفا الوانه} اى اصنافه فان اختلافها غالبا يكون باختلاف اللون سخر لله تعالى او لما خلق من الخواص والاحوال والكيفيات او جعل ذلك مختلف الاصناف لتتمتعوا من ذلك بأى صنف شئتم. وفى بحر العلوم مختفا الوانه هيآته من خضرة وبياض وحمرة وسواد وغير ذلك. وفي اكثر التفاسير وما ذرأ معطوف على الليل والنهار اى وسخر لكم ما خلق لاجلكم وتعقب بان ذكر الخلق لهم مغن عن ذكر التسخير واعتذر بان الاول لا يستلزم الثانى لزوما عقليا لجواز كون ما خلق لهم عزيز المرام صعب المنال {ان فى ذلك} الذى ذكر من التسخيرات ونحوها {لآية} دالة على ان من هذا شأنه واحد لا شريك له {لقوم يتذكرون} فان ذلك غير محتاج الا الى تذكر ما عسى يغفل عنه من العلوم الضرورية. والاشارة {أية : وسخر لكم الليل}تفسير : ليل البشرية {أية : والنهار}تفسير : نهار الروحانية {أية : والشمس}تفسير : شمس الروح {أية : والقمر}تفسير : فمر القلب {أية : والنجوم} تفسير : نجوم القوى والحواس الخمس {مسخرات بامره} وهو خطاب وتسخيرها استعمالها على وفق الشريعة وقانون الطريقة بمعالجة طبيب حاذق البصيرة والولاية كامل التصرف فى الهداية مخصوص بالعناية {ان في ذلك لآيات} لشاهدات {أية : لقوم يعقلون}تفسير : بشواهد الحق من غير التفكر بل بالمعاينات {وما ذرأ لكم} وما خلق لمصالحكم {فى الارض} فى ارض جبلتكم من الاستعدادات {مختلفا الوانه} منها ملكية ومنها شيطانية ومنها حيوانية {ان فى ذلك لآيات لقوم يتذكرون} عبور ارواحهم على هذه العوالم المختلفة وتلونها فى كل عالم بلون ذلك العالم من عوالم الملكية والشيطانية والحيوانية الى ان ردت الى اسفل سافلين القالب كذا فى التأويلات النجمية. فعلى العاقل ان يتخلص من قيد الغفلة ويربط نفسه بسلسلة اهل التذكر. قال محمد بن فضل ذكر اللسان كفارات ودرجات وذكر القلب زلفى وقربات والتذكر من شأن القلب والقلب امير الجسد واسير الحق وفى الحديث "حديث : لولا ان الشياطين يحومون على قلوب بنى آدم لنظروا الى ملكوت السموات"تفسير : وفى هذه اشارة الى الاسباب التى هى حجاب بين القلب وبين الملكوت واصحاب القلوب من الانس ثلاثة صنف كالبهائم قال الله تعالى {أية : لهم قلوب لا يفقهون بها}تفسير : وصنف اجسادهم اجساد بنى آدم وارواحهم ارواح الشياطين وصنف فى ظل الله تعالى يوم لا ظل الا ظله كذا فى الخالصة: قال السعدى قدس سره شعر : ترا ديده درسر نهادند وكوش دهن جاى كفتار ودل جاى هوش مكر باز دانى نشيب از فراز نكويى كه اين كوتهست يادراز تفسير : يعنى ان الله تعالى خلق كل عضو من الاعضاء بالحكمة فاستعملوها فيما خلقت له.

الجنابذي

تفسير : {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ} وسخّر لكم ما خلق لكم {فِي ٱلأَرْضِ} من المواليد من المعادن واصناف النّبات وانواع الحيوان والعناصر وما فى الارض من الجبال والوهاد والتّلال، والمراد بتسخيرها تسخيرها فيما خلق لاجله لا تسخيرها للانسان نحو تسخير الحيوان للانسان ولكن تسخيرها بالمطاوعة للانسان فى وجه الانتفاع بها وان كان وجه الانتفاع ببعضها مخفيّاً، او ما ذرأَ مبتدء ولكم خبره او فى الارض خبره والجملة حال او عطف على جملة هو الّذى انزل، اوعلى جملة سخّر لكم اللّيل {مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} اكتفى ببيان اختلاف اللّون عن ذكر اختلاف النّوع وجهات الانتفاع لانّه الظّاهر على الابصار والاغلب انّ الانواع المختلفة بالّذات مختلفة باللّون {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} لا يكفيه العقل فقط ولا يحتاج الى التّفكّر بل يكفيه تذكّر العقل.

اطفيش

تفسير : {وَمَا ذَرَأَ} خلقه أو بثه ونشره بخلقه إِياه فى مواضع لا تحصى والعطف على الليل أو النجوم وعلى الليل أو النهار فى قراءة ابن عامر وعلى الليل أو القمر فى قراءة حفص كأَنه قيل وسخر لكم ما خلقه {لَكُمْ فِى الأَرْضِ} من حيوان ونبات وثمار وغير ذلك {مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} كأحمر وأصفر وأبيض وأخضر وأسود وغير ذلك. وقال الحسن المراد ما ذرأ لكم من النبات والثمار فقط والأَول أفيد لأَنه أعم واختلاف أكوان المخلوقات حتى لا يشبه بعضها بعضاً من كل الوجوه دليل قاطع على كمال قدرة الله تعالى وإِخبار بعضهم أن الأَلوان بمعنى الأَصناف {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآَيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} ينتبهون بأَن اختلافها طبعاً وهيئة ولونا إِنما كان بصانع حكيم وهم المؤمنون.

اطفيش

تفسير : {وَما} عطف على النجوم أَو على الليل، ولا بأس بالتكرار وشبهه للتأْكيد أَو زيادة البيان أو نحو ذلك وذلك أن لام لكم للنفع، وسخر لكم فى معنى ينفعكم، ولا سيما أَن الآية سيقت كالفذلكة لما قبلها، ولذلك ختمت بالتذكر كأَنه قيل: وسخر ما ذرأَ، ويجوز نصبه بخلق محذوفا كأَنه قيل: وخلق، لكن فيه تكرير الخلق بقوله: {ذرَأَ} خلق {لكُمْ فِى الأَرْضِ} من الحيوانات والنبات والثمار والمعادن {مُخْتَلِفاً أَلْوَانهُ} ببياض وحمرة وصفرة وحضرة، أَو أَلوانه أَصنافه أَو أَحواله وكيفياته فإنها تتخالف بالنوع غالبا ومن غير الغالب التخالف بالطعم والشكل {إنَّ فِى ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يذَّكَّرُونَ} يدركون بنظرهم أَن اختلاف ذلك بفاعل مختار اختار أحد الجائزات فى الأَلوان والطعوم والأشكال والطبائع وكثيرا ما يتحد اللون أَو الشكل ويختلف الطعم كالرمان الحلو والحامض، وكالحنطة والبطيخ الأَخضر.

الالوسي

تفسير : {وَمَا ذَرَأَ} أي خلق ومنه الذرية على قول والعطف عند بعض على {أية : ٱلنُّجُومُ } تفسير : [النحل: 12] رفعاً ونصباً على أنه مفعول ـ لجعل ـ و {مَا} موصولة أي والذي ذرأه {لَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ} من حيوان ونبات، وقيل: من المعادن ولا بأس في التعميم فيما أرى حال كونه {مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ} أي أصنافه كما قال جمع من المفسرين وهو مجاز معروف في ذلك، قال الراغب: الألوان يعبر بها عن الأجناس والأنواع يقال: فلان أتى بألوان من الحديث والطعام وكان ذلك لما أن اختلافها غالباً يكون باختلاف اللون، وقيل: المراد المعنى الحقيقي أي مختلفاً ألوانه/ من البياض والسواد وغيرهما والأول أبلغ أي ذلك مسخر لله تعالى أو لما خلق له من الخواص والأحوال والكيفيات أو جعل ذلك مختلف الألوان والأصناف لتتمتعوا بأي صنف شئتم منه، وذهب بعضهم إلى أن الموصول معطوف على الليل وقيل عليه: إن في ذلك شبه التكرار بناءً على أن اللام في {لَكُمْ} للنفع وقد فسر {أية : سَخَّرَ لَكُمُ } تفسير : [النحل: 12] لنفعكم فمآل المعنى نفعكم بما خلق لنفعكم فالأولى جعله في محل نصب بفعل محذوف أي خلق أو أنبت كما قاله أبو البقاء ويجعل {مُخْتَلِفًا} حالاً من مفعوله واعتذر بأن الخلق للإنسان لا يستلزم التسخير لزوماً عقلياً، فإن الغرض قد يتخلف مع أن الإعادة لطول العهد لا تنكر. ورد بأنه غفلة عن كون المعنى نفعكم وما ذكر علاوة مبني على كون {لَكُمْ} متعلقة ـ بسخر ـ أيضاً وهي عند ذلك الذاهب متعلقة كما هو الظاهر بذرأ وفي «الحواشي الشهابية» أن هذا ليس بشيء لأن التكرار لما ذكر وللتأكيد أمر سهل، وكون المعنى نفعكم لا يأباه مع أن هذه الآية سيقت كالفذلكة لما قبلها ولذا ختمت بالتذكر، وليس لمن يميز بين الشمال واليمين أن يقول: {ما} مبتدأ و {مُخْتَلِفًا} حال من ضميره المحذوف. وجملة قوله تعالى: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} خبره والرابط اسم الإشارة على حد ما قيل في قوله تعالى: {أية : وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ } تفسير : [الأعراف: 26] كأنه قيل، وما ذرأه لكم في الأرض إن فيه لآية، وحاصله إن فيما ذرأ لآية لظهور مخالفة الآية عليه السباق والسياق بل عدم لياقته لأن يكون محملاً لكلام الله تعالى الجليل أظهر من أن ينبه عليه، و {أَلْوَانُهُ}، على ألوان الاحتمالات مرفوع بمختلفاً وقدر بعضهم ليصح رفعه به موصوفاً وقال: أي صنفاً مختلفاً ألوانه وهو مما لا حاجة إليه كما يخفى على من له أدنى تدرب في علم النحو، ثم إن المشار إليه ما ذكر من التسخير ونحوه، وقيل: اختلاف الألوان وتنوين آية للتفخيم آية فخيمة بينة الدلالة على أن من هذا شأنه واحد لا ينبغي أن يشبهه شيء في شيء وختم الآية بالتذكر إما لما في «الحواشي الشهابية» من أنها كالفذلكة لما قبلها وإما للإشارة إلى أن الأمر ظاهر جداً غير محتاج إلا إلى تذكر ما عسى يغفل عنه من العلوم الضرورية، وقال بعضهم: يذكرون أن اختلاف طبائع ما ذكر وهيآته وأشكاله مع اتحاد مادته يدل على الفاعل الحكيم المختار، وهو ظاهر في أن ما ذكر دليل على إثبات وجود الصانع كما أنه دليل على وحدانيته وهو الذي ذهب إليه الإمام واقتدى به غيره، ولم يرتضه شيخ الإسلام بناءً على أن الخصم لا ينازع في الوجود وإنما ينازع في الوحدانية فجىء بما هو مسلم عنده من صفات الكمال للاستدلال به على ما يقتضيه ضرورة من وحدانيته تعالى واستحالة أن يشاركه شيء في الألوهية، وقال بعضهم: لا مانع من أن يكون المراد الاستدلال بما ذكر من الآيات على مجموع الوجود والوحدانية والخصم ينكر ذلك وإن لم ينكر الوجود وكان في أخذ الوجود في المطلوب إشارة إلى أن القول به مع زعم الشركة في الألوهية مما لا يعتد به وليس بينه وبين عدم القول به كثير نفع فتدبر ذاك والله تعالى يتولى هداك.

ابن عاشور

تفسير : عطف على {أية : الليل والنهار} تفسير : [سورة النحل: 12]، أي وسخّر لكم ما ذرأ لكم في الأرض. وهو دليل على دقيق الصّنع والحكمة لقوله تعالى: {مختلفاً ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون}. وأومىء إلى ما فيه من منّة بقوله {لكم}. والذرء: الخلق بالتناسل والتوّلد بالحمل والتفريخ، فليس الإنبات ذرءاً، وهو شامل للأنعام والكراع (وقد مضت المنّة به) ولغيرها مثل كلاب الصيد والحراسة، وجوارح الصيد، والطيور، والوحوش المأكولة، ومن الشجر والنبات. وزيد هنا وصف اختلاف ألوانه وهو زيادة للتعجيب ولا دخل له في الامتنان، فهو كقوله تعالى: {أية : تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} تفسير : في سورة الرعد (4)، وقوله تعالى: {أية : ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه} تفسير : في سورة فاطر [27 - 28]. وبذلك صار هذا آية مستقلة فلذلك ذيّله بجملة {إن في ذلك لآية لقوم يذكرون}، ولكون محل الاستدلال هو اختلاف الألوان مع اتّحاد أصل الذرء أفردت الآية في قوله تعالى: {إن في ذلك لآية}. والألوان: جمع لون. وهو كيفية لسطوح الأجسام مدركة بالبصر تنشأ من امتزاج بعض العناصر بالسطح بأصل الخلقة أو بصبغها بعنصر ذي لون معروف. وتنشأ من اختلاط عنصرين فأكثر ألوانٌ غير متناهية. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : قالوا ادع لنا ربك يبيّن لنا ما لونها} تفسير : في سورة البقرة (69). ونيط الاستدلال باختلاف الألوان بوصف التذكّر لأنه استدلال يحصل بمجرّد تذكّر الألوان المختلفة إذ هي مشهورة. وإقحام لفظ (قوم) وكون الجملة تذييلاً تقدم آنفاً. وأبدى الفخر في "درة التنزيل" وجهاً لاختلاف الأوصاف في قوله تعالى: {أية : لقوم يتفكرون} تفسير : [سورة النحل: 11] وقوله: {أية : لقوم يعقلون} تفسير : [سورة النحل: 12] وقوله: {لقوم يذكرون}: بأن ذلك لمراعاة اختلاف شدّة الحاجة إلى قوة التأمل بدلالة المخلوقات الناجمة عن الأرض يحتاج إلى التفكر، وهو إعمال النظر المؤدي إلى العلم. ودلالة ما ذرأه في الأرض من الحيوان محتاجة إلى مزيد تأمّل في التفكير للاستدلال على اختلاف أحوالها وتناسلها وفوائدها، فكانت بحاجة إلى التذكّر، وهو التفكّر مع تذكّر أجناسها واختلاف خصائصها. وأما دلالة تسخير الليل والنهار والعوالم العلوية فلأنها أدقّ وأحوج إلى التعمّق. عبر عن المستدلّين عليها بأنهم يعقلون، والتعقّل هو أعلى أحوال الاستدلال ا هــــ.

الشنقيطي

تفسير : قوله: {وَمَا} في محل نصب عطفاً على قوله {أية : وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ}تفسير : [النحل: 12] أي وسخر لكم ما ذرأ لكم في الأرض، أي ما خلق لكم فيها في حال كونه مختلفاً ألوانه. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة امتنانه على خلقه بما سخر لهم مما خلق لهم في الأرض منبهاً على أن خلقه لما خلق لهم في الأرض مع ما فيه من النعم العظام - فيه الدلالة الواضحة لمن يذكر ويتعظ على وحدانيته واستحقاقه لأن يعبد وحده. وكرر هذا المعنى في مواضع كثيرة، كقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [البقرة: 29] الآية، وقوله: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} تفسير : [الجاثية: 13] الآية. وقوله: {أية : وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 10-13]، وقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} تفسير : [الملك: 15]. وأشار في هذه الآية الكريمة إلى أن اختلاف ألوان ما خلق في الأرض من الناس والدواب وغيرهما من أعظم الأدلة على أنه خالق كل شيء، وأنه الرب وحده، المستحق أن يعبد وحده. وأوضح هذا في آيات أخر. كقوله في "سورة فاطر": {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ}تفسير : [فاطر: 27-28]، وقوله: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} تفسير : [الروم: 22] ولا شك أن اختلاف الألوان والمناظر والمقادير والهيئات وغير ذلك - فيه الدلالة القاطعة على أن الله جل وعلا واحد، لا شبيه له ولا نظير ولا شريك، وأنه المعبود وحده. وفيه الدلالة القاطعة على أن كل تأثير فهو بقدرة وإرادة الفاعل المختار، وأن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بمشيئته جل وعلا. كما أوضح ذلك في قوله: {أية : وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [الرعد: 4] فالأرض التي تنبت فيها الثمار واحدة. لأن قطعها متجاورة، والماء الذي تسقى به ماء واحد، والثمار تخرج متفاضلة، مختلفة في الألوان والأشكال والطعوم، والمقادير والمنافع. فهذا أعظم برهان قاطع على وجود فاعل مختار، يفعل ما يشاء كيف يشاء، سبحانه جل وعلا عن الشركاء والأنداد. ومن أوضح الأدلة على أن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بمشيئته جل وعلا - أن النار مع شدة طبيعة الإحراق فيها ألقى فيها الحطب وإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولا شك أن الحطب أصلب وأقسى وأقوى من جلد إبراهيم ولحمه. فأحرقت الحطب بحرها. وكانت على إبراهيم برداً وسلاماً لما قال لها خالقها:{أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَمَا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنبياء: 69] فسبحان من لا يقع شيء كائناً ما كان إلا بمشيئته جل وعلا، فعال لما يريد. وقوله في هذه الآية الكريمة: {يذكرون} أصله يتذكرون، فأدغمت التاء في الذال. والاذكار: الاعتبار والاتعاظ.

الواحدي

تفسير : {وما ذرأ لكم} أَيْ: وسخَّر لكم ما خلق في الأرض {مختلفاً ألوانه} أَيْ: هيئته ومناظره، يعني: الدَّوابَّ والأشجار وغيرهما. {وهو الذي سخر البحر} ذلَّله للرُّكوب والغوص {لتأكلوا منه لحماً طرياً} السَّمك والحيتان {وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} الدُّرَّ والجواهرَ {وترى الفلك} السُّفن {مواخر فيه} شواقّ للماء تدفعه بِجُؤْجُئِها بصدرها {ولتبتغوا من فضله} لتركبوه للتِّجارة، فتطلبوا الرِّبح من فضل الله. {وألقى في الأرض رواسي} جبالاً ثابتةً {أن تميد} لئلا تميد، أَيْ: لا تتحرَّك {بكم وأنهاراً} وجعل فيها أنهاراً كالنِّيل والفرات ودجلة {وسبلاً} وطرقاً إلى كلِّ بلدةٍ {لعلكم تهتدون} إلى مقاصدكم من البلاد. فلا تضلُّوا. {وعلامات} يعني الجبال، وهي علاماتُ الطُّرق بالنَّهار {وبالنجم} يعني: جميع النُّجوم {هم يهتدون} إلى الطُّرق والقِبلة في البرِّ والبحر. {أفمن يخلق} يعني: ما ذُكر في هذه السُّورة، وهو الله تعالى {كمَنْ لا يخلق} يعني: الأوثان. يقول: أَهما سواءٌ حتى يسوَّى بينهما في العبادة؟ {أفلا تذكرون} أفلا تتَّعظون كما اتَّعظ المؤمنون.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 13- وبجوار ما خلقه لكم فى السماء وهيأه لمنافعكم، خلق لكم على سطح الأرض كثيرا من أنواع الحيوان والنبات والجماد، وجعل فى جوفها كثيرا من المعادن المختلفة الألوان والأشكال والخواص، وجعل كل ذلك لمنافعكم. إن فى ذلك كله لأدلة واضحة كثيرة لقوم يتدبرون فيها فيتعظون، ويعرفون من خلالها قدرة خالقهم ورحمته بهم. 14- وهو الذى ذلل البحر وجعله فى خدمتكم لتصطادوا ولتأكلوا منه لحم الأسماك طريا طازجا، وتستخرجوا منه ما تتحلون به كالمرجان واللؤلؤ. وترى - أيها الناظر المتأمل - السفن تجرى فيه شاقة مياهه تحمل الأمتعة والأقوات. سخره اللَّه لذلك لتنتفعوا بما فيه وتطلبوا من فضل اللَّه الرزق عن طريق التجارة وغيرها. ولتشكروه على ما هيَّأه لكم، وذلك لخدمتكم. 15- وجعل اللَّه فى الأرض جبالا ثابتة تحفظها أن تضطرب، وجعل فيها أنهارا تجرى فيها المياه الصالحة للشرب والزرع، وطرقا ممهدة لتهتدوا بها فى السير إلى مقاصدكم. 16- وجعل علامات ترشد الناس فى أثناء سيرهم فى الأرض، وهم فى ذلك يسترشدون فى أثناء سيرهم بالنجوم التى أودعها السماء إذا عميت عليهم السبل والتبست معالم الطرق. 17- هل يستوى فى نظر العقل السليم التسوية بين القادر والعاجز فيجعل من يخلق هذه الأشياء كمن لا يستطيع خلق أى شئ؟ أتعمون - أيها المشركون - عن آثار قدرة اللَّه. فلا تعتبروا وتشكروا عليها اللَّه؟ 18- وإن تحاولوا عد أنعم اللَّه عليكم فلن يمكنكم إحصاؤها، إن اللَّه كثير المغفرة واسع الرحمة، فتوبوا إليه وأخلصوا العبادة له، يغفر لكم ويرحمكم. 19- واللَّه يدرك بعلمه الشامل ما تخفون وما تظهرون، لا يخفى عليه شئ من سركم وجهركم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَلْوَانُهُ} {لآيَةً} (13) - ثُمَّ يُنَبِّهُ تَعَالَى البَشَرَ إِلَى مَا خَلَقَ فِي الأَرْضِ مِنَ الأَشْيَاءِ وَالمَخْلُوقَاتِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالمَعَادِنِ عَلَى اخْتِلاَفِ أَشْكَالِهَا وَأَلْوَانِها، وَمَا فِيهَا مِنَ المَنَافِعِ وَالخَوَاصِّ، وَيَقُولُ تَعَالَى لَهُمْ إِنَّ فِي كُلِّ ذَلِكَ لآياتٍ وَدَلالاتٍ لِمَنْ يَتَذَكَّرُونَ نِعَمَ اللهِ وَآلاءَهُ فَيَشْكُرُونَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ. ذَرَأَ - خَلَقَ وَأَبْدَعَ لِمَنَافِعِكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة {ذَرَأَ} تعني أنه خلق خَلْقاً يتكاثر بذاته؛ إما بالحَمْل للأنثى من الذَّكَر؛ في الإنسان أو الحيوان والنبات؛ وإما بواسطة تفريخ البيض كما في الطيور. وهكذا نفهم الذَّرْءَ بمعنى أنه ليس مطلقَ خَلْق؛ بل خلق بذاته في التكاثر بذاته، والحق سبحانه قد خلق آدم أولاً، ثم أخرج منه النسل ليتكاثر النسلُ بذاته حين يجتمع زوجان ونتجا مثيلاً لهما، ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14]. وهكذا شاء الحق سبحانه أن يفيض على عباده بأن يُعطِيهم صفة أنهم يخلقون، ولكنهم لا يخلقون كخَلْقه؛ فهو قد خلق آدم ثم أوجدهم من نسله. والبشر قد يخلقون بعضاً من مُعِدات وأدوات حياتهم، لكنهم لا يخلقون كخَلْق الله؛ فهم لا يخلقون من معدوم؛ بل من موجود، والحق سبحانه يخلق من المعدوم مَنْ لا وجودَ له؛ وهو بذلك أحسَنُ الخالقين. والمَثل الذي أضربه دائماً هو الحبة التي تُنبِت سبْعَ سنابل وفي كل سُنْبلة مائة حَبّة؛ وقد أوردها الحق سبحانه ليشوِّق للإنسان عملية الإنفاق في سبيل الله، وهذا هو الخَلْق الماديّ الملموس؛ فمن حَبَّة واحدة أنبت سبحانه كل ذلك. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ..} [النحل: 13]. أي: ما خلق لنا من خَلْق متكاثر بذاته تختلف ألوانه. واختلاف الألوان وتعدُّدها دليل على طلاقة قدرة الله في أن الكائنات لا تخلق على نَمَطٍ واحد. ويعطينا الحق سبحانه الصورة على هذا الأمر في قوله سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} تفسير : [فاطر: 27-28]. وأنت تمشي بين الجبال، فتجدها من ألوان مختلفة؛ وعلى الجبل الواحد تجد خطوطاً تفصل بين طبقاتٍ مُتعدّدة، وهكذا تختلف الألوان بين الجمادات وبعضها، وبين النباتات وبعضها البعض، وبين البشر أيضاً. وإذا ما قال الحق سبحانه: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ..} تفسير : [فاطر: 28]. فلَنا أن نعرفَ أن العلماء هنا مقصودٌ بهم كُلّ عالم يقف على قضية كونية مَرْكوزة في الكون أو نزلتْ من المُكوِّن مباشرة. ولم يقصد الحق سبحانه بهذا القول علماء الدين فقط، فالمقصود هو كل عالم يبحث بحثاً ليستنبط به معلوماً من مجهول، ويُجلّي أسرار الله في خلقه. وقد أراد صلى الله عليه وسلم أن يفرق فَرْقاً واضحاً في هذا الأمر، كي لا يتدخَّل علماء الدين في البحث العلميّ التجريبيّ الذي يُفيد الناس، ووجد صلى الله عليه وسلم الناس تُؤبّر النخيل؛ بمعنى أنهم يأتون بطَلْع الذُّكورة؛ ويُلقِّحون النخيل التي تتصف بالأنوثة، وقال: لو لم تفعلوا لأثمرتْ. ولما لم تثمر النخيل، قَبِل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر؛ وأمر بإصلاحه وقال القولة الفصل "حديث : أنتم أعلَمُ بشئون دنياكم ". تفسير : أي: أنتم أعلم بالأمور التجريبية المعملية، ونلحظ أن الذي حجز الحضارة والتطوُّر عن أوربا لقرون طويلة؛ هو محاولة رجال الدين أنْ يحجُروا على البحث العلمي؛ ويتهموا كُلَّ عالم تجريبيّ بالكفر. ويتميز الإسلام بأنه الدين الذي لم يَحُلْ دون بَحْث أي آية من آيات الله في الكون، ومن حنان الله أنْ يُوضِّح لخَلْقه أهمية البحث في أسرار الكون، فهو القائل: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105]. أي: عليك أيُّها المؤمن ألاَّ تُعرِض عن أيِّ آية من آيات الله التي في الكون؛ بل على المؤمن أنْ يُعمِلَ عقله وفِكْره بالتأمُّل ليستفيد منها في اعتقاده وحياته. يقول الحق: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..} تفسير : [فصلت: 53]. أما الأمور التي يتعلَّق بها حساب الآخرة؛ فهي من اختصاص العلماء الفقهاء. ويذيل الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [النحل: 13]. أي: يتذكَّرون شيئاً مجهولاً بشيء معلوم. وبعد ذلك يعود الحق سبحانه إلى التسخير، فيقول: {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ} معناه مَا خَلَقَ لَكُمْ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: فيما ذرأ الله ونشر للعباد من كل ما على وجه الأرض، من حيوان وأشجار ونبات، وغير ذلك، مما تختلف ألوانه، وتختلف منافعه، آية على كمال قدرة الله وعميم إحسانه، وسعة بره، وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، { لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } أي: يستحضرون في ذاكرتهم ما ينفعهم من العلم النافع، ويتأملون ما دعاهم الله إلى التأمل فيه حتى يتذكروا بذلك ما هو دليل عليه.

همام الصنعاني

تفسير : 1474- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ}: [الآية: 13]، قال: من الدواب، والأشجار، والثمار.