١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما احتج على إثبات الإله في المرتبة الأولى بأجرام السموات، وفي المرتبة الثانية ببدن الإنسان ونفسه، وفي المرتبة الثالثة بعجائب خلقة الحيوانات، وفي المرتبة الرابعة بعجائب طبائع النبات ذكر في المرتبة الخامسة الاستدلال على وجود الصانع بعجائب أحوال العناصر فبدأ منها بالاستدلال بعنصر الماء. واعلم أن علماء الهيئة قالوا: ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة في الماء وذاك هو البحر المحيط وهو كلية عنصر الماء وحصل في هذا الربع المسكون سبعة من البحار كما قال بعده: { أية : وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } تفسير : [لقمان: 27] والبحر الذي سخره الله تعالى للناس هو هذه البحار، ومعنى تسخير الله تعالى إياها للخلق جعلها بحيث يتمكن الناس من الانتفاع بها إما بالركوب أو بالغوص. واعلم أن منافع البحار كثيرة والله تعالى ذكر منها في هذه الآية ثلاثة أنواع: المنفعة الأولى: قوله تعالى: {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن الأعرابي لحم طري غير مهموز، وقد طرو يطرو طراوة، وقال الفراء: طرا يطرا طراء ممدوداً وطراوة كما يقال شقى يشقى شقاء وشقاوة. واعلم أن في ذكر الطري مزيد فائدة، وذلك لأنه لو كان السمك كله مالحاً، لما عرف به من قدرة الله تعالى ما يعرف بالطري فإنه لما خرج من البحر الملح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة علم أنه إنما حدث لا بحسب الطبيعة، بل بقدرة الله وحكمته حيث أظهر الضد من الضد. المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رحمه الله: لو حلف لا يأكل اللحم فأكل لحم السمك لا يحنث قالوا: لأن لحم السمك ليس بلحم، وقال آخرون: إنه يحنث لأنه تعالى نص على كونه لحماً في هذه الآية وليس فوق بيان الله بيان. روي أن أبا حنيفة رحمه الله لما قال بهذا القول وسمعه سفيان الثوري فأنكر عليه ذلك، واحتج عليه بهذه الآية بعث إليه رجلاً وسأله عن رجل حلف لا يصلي على البساط فصلى على الأرض هل يحنث أم لا؟ قال سفيان: لا يحنث فقال السائل: أليس أن الله تعالى قال: { أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً } تفسير : [نوح: 19] قال فعرف سفيان أن ذلك كان بتلقين أبي حنيفة. ولقائل أن يقول: هذا الكلام ليس بقوي، لأن أقصى ما في الباب أنا تركنا العمل بظاهر القرآن في لفظ البساط للدليل الذي قام عليه فكيف يلزمنا ترك العمل بظاهر القرآن في آية أخرى والفرق بين الصورتين من وجهين: الأول: أنه لما حلف لا يصلي على البساط فلو أدخلنا الأرض تحت لفظ البساط لزمنا أن نمنعه من الصلاة، لأنه إن صلى على الأرض المفروشة بالبساط لزمه الحنث لا محالة، ولو صلى على الأرض التي لا تكون مفروشة لزمه الحنث أيضاً على تقدير أن يدخل الأرض تحت لفظ البساط، فهذا يقتضي منعه من الصلاة، وذلك مما لا سبيل إليه بخلاف ما إذا أدخلنا لحم السمك تحت لفظ اللحم، لأنه ليس في منعه من أكل اللحم على الإطلاق محذور فظهر الفرق. الثاني: أنا نعلم بالضرورة من عرف أهل اللغة أن وقوع اسم البساط على الأرض الخالصة مجاز أما وقوع اسم اللحم على لحم السمك فلم يعرف أنه مجاز، فظهر الفرق، والله أعلم. وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن: مبنى الأيمان على العادة، وعادة الناس إذا ذكر اللحم على الإطلاق أن لا يفهم منه لحم السمك بدليل أنه إذا قال الرجل لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار. والجواب: أنا رأيناكم في كتاب الأيمان تارة تعتبرون اللفظ وتارة تعتبرون العرف، وما رأيناكم ذكرتم ضابطاً بين القسمين والدليل عليه أنه إذا قال لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحماً فجاء بلحم العصفور كان حقيقاً بالإنكار عليه، مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور، فثبت أن العرف مضطرب، والرجوع إلى نص القرآن متعين، والله أعلم. المنفعة الثانية: من منافع البحر قوله تعالى: {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } والمراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان كما قال تعالى: { أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } تفسير : [الرحمن: 22] والمراد: بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم، ولأن إقدامهن على التزين بها إنما يكون من أجلهم فكأنها زينتهم ولباسهم،ورأيت بعض أصحابنا تمسكوا في مسألة أنه لا يجب الزكاة في الحلي المباح بحديث عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : لا زكاة في الحلي » تفسير : فقلت هذا الحديث ضعيف الرواية وبتقدير الصحة فيمكن أن يقال فيه لفظ الحلي لفظ مفرد محلى بالألف واللام، وقد بينا في أصول الفقه أن هذا اللفظ يجب حمله على المعهود السابق، والحلي الذي هو المعهود السابق هو الذي ذكره الله تعالى في كتابه في هذه الآية وهو قوله: {وَتَسْتَخْرِجُونَ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } فصار بتقدير صحة ذلك الخبر لا زكاة في اللآلىء، وحينئذ يسقط الاستدلال به، والله أعلم. المنفعة الثالثة: قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها، وعن الفراء: أنه صوت جري الفلك بالرياح. إذا عرفت هذا فقول ابن عباس: {مَوَاخِرَ } أي جواري، إنما حسن التفسير به، لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية. وقوله تعالى: {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } يعني لتركبوه للتجارة فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضل الله تعالى وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه تسع مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ} تسخير البحر هو تمكين البشر من التصرف فيه وتذليله بالركوب والإِرفاء وغيره، وهذه نعمة من نعم الله علينا، فلو شاء سلطه علينا وأغرقنا. وقد مضى الكلام في البحر وفي صيده. وسماه هنا لحماً واللحوم عند مالك ثلاثة أجناس: فلحم ذوات الأربع جنس، ولحم ذوات الريش جنس، ولحم ذوات الماء جنس. فلا يجوز بيع الجنس من جنسه متفاضلاً، ويجوز بيع لحم البقر والوحش بلحم الطير والسمك متفاضلاً، وكذلك لحم الطير بلحم البقر والوحش والسمك يجوز متفاضلاً. وقال أبو حنيفة: اللحوم كلها أصناف مختلفة كأصولها؛ فلحم البقر صنف، ولحم الغنم صنف، ولحم الإبل صنف، وكذلك الوحش مختلف، وكذلك الطير، وكذلك السمك، وهو أحد قولي الشافعيّ. والقول الآخر أن الكل من النَّعمَ والصيد والطير والسمك جنس واحد لا يجوز التفاضل فيه. والقول الأوّل هو المشهور من مذهبه عند أصحابه. ودليلنا هو أن الله تعالى فرّق بين أسماء الأنعام في حياتها فقال: {أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ} تفسير : [الأنعام: 143] ثم قال: {أية : وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ} تفسير : [الأنعام: 144] فلما أن أم بالجميع إلى اللحم قال: {أية : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} تفسير : [المائدة: 1] فجمعها بِلحم واحد لتقارب منافعها كتقارب لحم الضأن والمعز. وقال في موضع آخر: {أية : وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} تفسير : [الواقعة: 21] وهذا جمع طائر الذي هو الواحد، لقوله تعالى: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 38] فجمع لحم الطير كله باسم واحد. وقال هنا: «لَحْماً طَرِيًّا» فجمع أصناف السمك بذكر واحد، فكان صغاره ككباره في الجمع بينهما. وقد روي عن ٱبن عمر أنه سئل عن لحم المَعْز بلحم الكباش أشيء واحد؟ فقال لا؛ ولا مخالف له فصار كالإجماع، والله أعلم. ولا حجة للمخالف في نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام إلا مِثْلاً بمثل؛ فإن الطعام في الإطلاق يتناول الحنطة وغيرها من المأكولات ولا يتناول اللحم؛ ألا ترى أن القائل إذا قال: أكلت اليوم طعاماً لم يسبِق الفهم منه إلى أكل اللحم، وأيضاً فانه معارَض بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» تفسير : وهذان جنسان، وأيضاً فقد اتفقنا على جواز بيع اللحم بلحم الطير متفاضلاً لعلة أنه بَيْع طعام لا زكاة له بِيع بلحم ليس فيه الزكاة، كذلك بيع السمك بلحم الطير متفاضلاً. الثانية ـ وأما الجراد فالمشهور عندنا جواز بيع بعضه ببعض متفاضلاً. وذكر عن سُحْنون أنه يمنع من ذلك، وإليه مال بعض المتأخرين ورآه مما يدّخر. الثالثة ـ اختلف العلماء فيمن حلف ألا يأكل لحماً؛ فقال ابن القاسم: يحنَث بكل نوع من هذه الأنواع الأربعة. وقال أشهب في المجموعة. لا يحنث إلا بأكل لحوم الأنعام دون الوحش وغيره، مراعاة للعرف والعادة، وتقديماً لها على إطلاق اللفظ اللغويّ، وهو أحسن. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} يعني به اللؤلؤ والمَرْجان؛ لقوله تعالى: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} تفسير : [الرحمن: 22]. وإخراج الحِلية إنما هي فيما عرف من الملح فقط. ويقال: إن في الزمرذ بحريا. وقد خُطِّىء الهُذَليّ في قوله في وصف الدرّة:شعر : فجاء بها من دُرّة لَطَمِيّة على وجهها ماء الفرات يَدوم تفسير : فجعلها من الماء الحلو. فالحلية حق وهي نِحلة الله تعالى لآدم وولده. خلق آدم وتُوّج وكُلِّل بإكليل الجنة، وختم بالخاتم الذي ورثه عنه سليمان بن داود صلوات الله عليهم، وكان يقال له خاتم العز فيما روي. الخامسة ـ امتن الله سبحانه على الرجال والنساء امتناناً عاماً بما يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنما حرم الله تعالى على الرجال الذهب والحرير. روى الصحيح عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة»تفسير : . وسيأتي في سورة «الحج» الكلام فيه إن شاء الله. وروى البخاريّ عن ابن عمر: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من ذهب، وجعل فصّه مما يلي باطن كفه، ونقش فيه محمد رسول الله؛ فاتخذ الناس مثله، فلما رآهم قد اتخذوها رمى به وقال: «لا ألبسه أبداً» ثم اتخذ خاتماً من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة. قال ابن عمر: فلبس الخاتمَ بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، حتى وقع من عثمان في بئر أرِيستفسير : . قال أبو داود: لم يختلف الناس على عثمان حتى سقط الخاتم من يده. وأجمع العلماء على جواز التختم بالوَرِق على الجملة للرجال. قال الخطابيّ: وكره للنساء التختم بالفضة؛ لأنه من زِيّ الرجال، فإن لم يجدن ذهباً فليصفّرنه بزعفران أو بشبهه. وجمهور العلماء من السلف والخلف على تحريم اتخاذ الرجال خاتم الذهب؛ إلا ما روي عن أبي بكر بن عبد الرحمن وخَبّاب، وهو خلاف شاذ، وكل منهما لم يبلغهما النهي والنسخ. والله أعلم. وأما حديث : ما رواه أنس بن مالك: أنه رأى في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من وَرِق يوماً واحداً، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتم من وَرِق ولبِسوها، فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه فطرح الناس خواتيمهمتفسير : ـ أخرجه الصحيحان واللفظ للبخاريّ ـ فهو عند العلماء وَهَم من ابن شهاب؛ لأن الذي نبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو خاتم الذهب. رواه عبد العزيز بن صُهيب وثابت وقتادة عن أنس، وهو خلاف ما روى ابن شهاب عن أنس فوجب القضاء بالجماعة على الواحد إذا خالفها، مع ما يشهد للجماعة من حديث ابن عمر. السادسة ـ إذا ثبت جواز التختم للرجال بخاتم الفضة والتحلّي به، فقد كره ابن سِيرين وغيره من العلماء نقشه وأن يكون فيه ذكر الله. وأجاز نقشه جماعة من العلماء. ثم إذا نقش عليه اسم الله أو كلمة حكمة أو كلمات من القرآن وجعله في شماله، فهل يدخل به الخلاء ويستنجي بشماله؟ خفّفه سعيد بن المُسيِّب ومالك. قيل لمالك: إن كان في الخاتم ذكر الله ويلبسه في الشمال أيُستنجَى به؟ قال: أرجو أن يكون خفيفاً. وروي عنه الكراهة وهو الأوْلى. وعلى المنع من ذلك أكثر أصحابه. وقد روى همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه. قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زيادة بن سعد عن الزهري عن أنس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من وَرِق ثم ألقاه. قال أبو داود: لم يحدّث بهذا إلا همام. السابعة ـ روى البخاري عن أنس بن مالك. حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من فضة ونقش فيه «محمد رسول الله» وقال: إني اتخذت خاتماً من ورِق ونقشت فيه محمد رسول الله فلا ينقشنّ أحد على نقشه».تفسير : قال علماؤنا: فهذا دليل على جواز نقش اسم صاحب الخاتم على خاتمه. قال مالك: ومن شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم على خواتيمهم، ونهيه عليه السلام: لا ينقشنّ أحد على نقش خاتمه، من أجل أن ذلك اسمه وصفته برسالة الله له إلى خلقه. وروى أهل الشام أنه لا يجوز اتخاذ الخاتم لغير ذي سلطان. ورووا في ذلك حديثاً عن أبي رَيحانة، وهو حديث لا حجة فيه لضعفه. وقوله عليه السلام: «حديث : لا ينقشنّ أحد على نقشه» تفسير : يردّه، ويدل على جواز اتخاذ الخاتم لجميع الناس، إذا لم ينقش على نقش خاتمه. وكان نقش خاتم الزهريّ «محمد يسأل الله العافية». وكان نقش خاتم مالك «حسبي الله ونعم الوكيل». وذكر الترمذيّ الحكيم في (نوادر الأصول) أن نقش خاتم موسى عليه السلام «لكل أجل كتاب» وقد مضى في الرعد. وبلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنه اشترى خاتماً بألف درهم فكتب إليه: إنه بلغني أنك اشتريت خاتماً بألف درهم، فبِعْه وأطعم منه ألف جائع، واشتر خاتماً من حديد بدرهم، واكتب عليه «رحم الله ٱمرأ عرف قدر نفسه». الثامنة ـ من حلف ألاّ يلبسَ حليًّا فلبس لؤلؤا لم يحنث؛ وبه قال أبو حنيفة. قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: لأن هذا وإن كان الاسم اللغوي يتناوله فلم يقصده باليمين، والأيمان تُخَصّ بالعرف؛ ألا ترى أنه لو حلف ألا ينام على فراش فنام على الأرض لم يحنَث، وكذلك لا يستضيء بسراج فجلس في الشمس لا يحنث، وإن كان الله تعالى قد سَمّى الأرض فراشاً والشمس سراجاً. وقال الشافعيّ وأبو يوسف ومحمد: من حلف ألا يلبس حلياً ولبس اللؤلؤ فإنه يحنث؛ لقوله تعالى:{وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} والذي يخرج منه: اللؤلؤ والمرجان. التاسعة ـ قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} قد تقدم ذكر الفُلْك وركوب البحر في «البقرة» وغيرها. وقوله: {مَوَاخِرَ} قال ابن عباس: جَوارِيَ، من جَرَت تجري. سعيد بن جُبير: معترضة. الحسن: مواقر. قتادة والضحاك: أي تذهب وتجيء، مقبلةً ومدبرة بريح واحدة. وقيل: «مواخر» ملججة في داخل البحر؛ وأصل المَخْر شقّ الماء عن يمين وشمال. مَخَرت السفينة تَمْخَر وتَمْخُر مَخْراً ومخوراً إذا جرت تشق الماء مع صوت؛ ومنه قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} يعني جَوارِيَ. قال الجوهري: ومَخَر السابحُ إذا شق الماء بصدره، ومَخَر الأرض شقها للزراعة، ومخرها بالماء إذا حبس الماء فيها حتى تصير أرِيضة؛ أي خليقةً بجودة نبات الزرع. وقال الطبري: المَخْرُ في اللغة صوت هبوب الريح؛ ولم يقيّد كونه في ماء، وقال: إن من ذلك قول واصل مولى أبي عُيينة: إذا أراد أحدكم البول فليتمخّر الريح؛ أي لينظر في صوتها في الأجسام من أين تَهُبّ، فيتجنّب استقبالها لئلا تردّ عليه بَوْلَه. {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي ولتركبوه للتجارة وطلب الربح. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تقدم جميع هذا في «البقرة» والحمد لله.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج، ويمتن على عباده بتذليله لهم وتيسيرهم للركوب فيه، وجعله السمك والحيتان فيه، وإحلاله لعباده لحمها حيها وميتها في الحل والإحرام، وما يخلقه فيه من اللآلىء والجواهر النفيسة، وتسهيله للعباد استخراجهم من قراره حلية يلبسونها، وتسخيره البحر لحمل السفن التي تمخره، أي: تشقه، وقيل: تمخر الرياح، وكلاهما صحيح، وقيل تمخره بجؤجئها - وهو صدرها المسنم - الذي أرشد العباد إلى صنعتها، وهداهم إلى ذلك إرثاً عن أبيهم نوح عليه السلام، فإنه أول من ركب السفن، وله كان تعليم صنعتها، ثم أخذها الناس عنه قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، يسيرون من قطر إلى قطر، ومن بلد إلى بلد، ومن إقليم إلى إقليم، لجلب ما هناك إلى ما هنا، وما هنا إلى ما هناك، ولهذا قال تعالى: {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: نعمه وإحسانه. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: وجدت في كتابي عن محمد بن معاوية البغدادي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو عن سهل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كلم الله البحر الغربي، وكلم البحر الشرقي، فقال للبحر الغربي: إني حامل فيك عباداً من عبادي، فكيف أنت صانع فيهم؟ قال: أغرقهم، فقال: بأسك في نواحيك، وأحملهم على يدي، وحرمت الحلية والصيد، وكلم هذا البحر الشرقي فقال: إني حامل فيك عباداً من عبادي فما أنت صانع بهم؟ فقال: أحملهم على يدي وأكون لهم كالوالدة لولدها، فأثابه الحلية والصيد، ثم قال البزار: لا نعلم من رواه عن سهل غير عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو، وهو منكر الحديث. وقد رواه سهل عن النعمان بن أبي عياش عن عبد الله بن عمر موقوفاً. ثم ذكر تعالى الأرض وما ألقى فيها من الرواسي الشامخات، والجبال الراسيات؛ لتقر الأرض ولا تميد، أي: تضطرب بما عليها من الحيوانات، فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك، ولهذا قال: {أية : وَٱلْجِبَالَ أَرْسَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 32] وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن قتادة، سمعت الحسن يقول: لما خلقت الأرض، كانت تميد، فقالوا: ما هذه بمقرة على ظهرها أحداً، فأصبحوا وقد خلقت الجبال، فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال. وقال سعيد عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عبادة: أن الله لما خلق الأرض جعلت تمور، فقالت الملائكة: ما هذه بمقرة على ظهرها أحداً، فأصبحت صبحاً وفيها رواسيها. وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثني حجاج بن منهال، حدثنا حماد عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما خلق الله الأرض، قَمَصَت وقالت: أي رب تجعل علي بني آدم يعملون الخطايا، ويجعلون علي الخبث؟ قال: فأرسى الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان إقرارها كاللحم يترجرج. وقوله: {وَأَنْهَـٰراً وَسُبُلاً} أي: جعل فيها أنهاراً تجري من مكان إلى مكان آخر رزقاً للعباد، ينبع في موضع، وهو رزق لأهل موضع آخر، فيقطع البقاع والبراري والقفار، ويخترق الجبال والآكام، فيصل إلى البلد الذي سخر لأهله، وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة، وجنوباً وشمالاً. وشرقاً وغرباً، ما بين صغار وكبار، وأودية تجري حيناً، وتنقطع في وقت، وما بين نبع وجمع، وقوي السير وبطيئه بحسب ما أراد وقدر وسخر ويسر، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه، وكذلك جعل فيها سبلاً، أي: طرقاً يسلك فيها من بلاد إلى بلاد، حتى إنه تعالى ليقطع الجبل حتى يكون ما بينهما ممراً ومسلكاً، كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً} تفسير : [الأنبياء: 31] الآية. وقوله: {وَعَلامَـٰتٍ} أي: دلائل من جبال كبار، وآكام صغار، ونحو ذلك، يستدل بها المسافرون براً وبحراً إذا ضلوا الطرق. وقوله: {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} أي: في ظلام الليل، قاله ابن عباس، وعن مالك في قوله: { وَعَلامَـٰتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} يقول: النجوم، وهي الجبال، ثم نبه تعالى على عظمته، وأنه لا تنبغي العبادة إلا له دون ما سواه من الأوثان التي لا تخلق شيئاً بل هم يخلقون، ولهذا قال: { أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} ثم نبههم على كثرة نعمه عليهم وإحسانه إليهم، فقال: { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه، لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به، لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم، لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازي على اليسير، وقال ابن جرير: يقول: إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، رحيم بكم لا يعذبكم بعد الإنابة والتوبة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ } ذلّله لركوبه والغوص فيه {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا } هو السمك {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } هي اللؤلؤ والمرجان {وَتَرَى } تبصر {ٱلْفُلْكِ } السفن {مَوَاخِرَ فِيهِ } تمخر الماء، أي تشقه بجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحد {وَلِتَبْتَغُواْ } عطف على( لتأكلوا)، تطلبوا {مِن فَضْلِهِ } تعالى بالتجارة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله على ذلك.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{وَتَرَى الفلك مواخِرَ فيه} فيه خمسة أوجه: أحدها: أن المواخر المواقر، قاله الحسن. الثاني: أنها التي تجري فيه معترضة، قاله أبو صالح. الثالث: أنها تمخر الريح من السفن، قاله مجاهد: لأن المخر في كلامهم هبوب الريح. الرابع: أنها تجري بريح واحدة مقبلة ومدبرة، قاله قتادة. الخامس: أنها التي تشق الماء من عن يمين وشمال، لأن المخر في كلامهم شق الماء وتحريكه قاله ابن عيسى. {ولتبتغوا من فضله} يحتمل وجهين: أحدهما: بالتجارة فيه. الثاني: بما تستخرجون من حليته، وتأكلونه من لحومه. قوله عز وجل: {وعلاماتٍ وبالنجم هم يهتدون} في العلامات ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها معالم الطريق بالنهار، وبالنجوم يهتدون بالليل، قاله ابن عباس. الثاني: أنها النجوم أيضاً لأن من النجوم ما يهتدي بها، قاله مجاهد وقتادة والنخعي. الثالث: أن العلامات الجبال. وفي{النجم} قولان: أحدهما: أنه جمع النجوم الثابتة، فعبر عنها بالنجم الواحد إشارة إلى الجنس. الثاني: أنه الجدي وحده لأنه أثبت النجوم كلها في مركزه. وفي المراد بالاهتداء بها قولان: أحدهما: أنه أراد الاهتداء بها في جميع الأسفار، قاله الجمهور. الثاني: أنه أراد الاهتداء به في القِبلة. قال ابن عباس: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى{وبالنجم هم يهتدون}قال "حديث : هو الجدي يا ابن عباس عليه قبلتكم، وبه تهتدون في بركم وبحركم ". تفسير : قوله عز وجل:{وإن تعدوا نعمة اللهِ لا تحصوها}فيه وجهان: أحدهما: لا تحفظوها، قال الكلبي. الثاني: لا تشكروها وهو مأثور. ويحتمل المقصود بهذا الكلام وجهين: أحدهما: أن يكون خارجاً مخرج الامتنان تكثيراً لنعمته أن تحصى. الثاني: أنه تكثير لشكره أن يؤدى. فعلى الوجه الأول يكون خارجاً مخرج الامتنان. وعلى الوجه الثاني خارجاً مخرج الغفران.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَوَاخِرَ} تشق الماء عن يمين وشمال، والمخر: شق الماء وتحريكه، أو ما تمخر الريح من السفن والمخر صوت هبوب الريح، أو تجري بريح واحدة مقبلة ومدبرة، أو تجري معترضة، أو المواخر: المواقد.
النسفي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّاً} هو السمك، ووصفه بالطراوة لأن الفساد، يسرع إليه فيؤكل سريعاً طرياً خيفة الفساد وإنما لا يحنث بأكله إذا حلف لا يأكل لحماً لأن مبني الإيمان على العرف. ومن قال لغلامه: اشتر بهذه الدراهم لحماً، فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً } هي اللؤلؤ والمرجان {تَلْبَسُونَهَا } المراد بلبسهم لبس نسائهم ولكنهن إنما يتزين بها من أجلهم فكأنها زينتهم ولباسهم. {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ } جواري تجري جرياً وتشق الماء شقاً والمخرشق الماء بحيزومها {فِيهِ } في البحر {وَلِتَبْتَغوُا مِن فَضْلِهِ } هو عطف على محذوف أي لتعتبروا ولتبتغوا وابتغاء الفضل التجارة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله على ما أنعم عليكم به {وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ} جبالاً ثوابت {أَن تَمِيدَ بِكُمْ } كراهية أن تميل بكم وتضطرب أو لئلا تميد بكم لكن حذف المضاف أكثر. قيل: خلق الله الأرض فجعلت تميد فقالت الملائكة: ما هي بمقر أحد على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت {وَأَنْهَـٰراً } وجعل فيها أنهاراً لأن ألقى فيه معنى جعل {وَسُبُلاً } طرقاً {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } إلى مقاصدكم أو إلى توحيد ربكم {وَعَلامَـٰتٍ } هي معالم الطرق وكل ما يستدل به السابلة من جبل وغير ذلك {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } المراد بالنجم الجنس أو هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدى. فإن قلت: {وبالنجم هم يهتدون} مخرج عن سنن الخطاب مقدم فيه النجم مقحم فيه هم كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء خصوصاً يهتدون فمن المراد بهم؟ قلت: كأنه أراد قريشاً فلهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم ولهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم، فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا
البقاعي
تفسير : ولما دل على قدرته واختياره سبحانه دلالة على القدرة على كل ما أخبر به لاسيما الساعة، بخلق السماوات والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس، ثم ذكر بعض ما في المكشوف من الأرض المحيط به الهواء من التفاوت الدال على تفرد الصانع واختياره، وختمه باللون، أتبع ذلك بالمغمور بالماء الذي لا لون له في الحقيقة، إشارة إلى أنه ضمنه من المنافع والحيوانات التي لها من المقادير والكيفيات والأشكال والألوان البديعة التخطيط، الغريبة الصباغ - ما هو أدل من ذلك فقال: {وهو} أي لا غيره {الذي سخر البحر} أي ذلَّله وهيأه لعيش ما فيه من الحيوان وتكون الجواهر، وغير ذلك من المنافع، والمراد به السبعة الأبحر الكائنة في الربع المرتفع عن الماء، وهو المسكون من كرة الأرض المادَّة من البحر المحيط الغامر لثلاثة أرباع الأرض، فجعله بالتسخير بحيث يتمكن الناس من الانتفاع به بالركوب والغوص وغيرهما {لتأكلوا منه} أي بالاصطياد وغيره من لحوم الأسماك {لحماً طرياً} لا تجد أنعم منه ولا ألين، وهو أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيبادر إلى أكله عذباً لذيذاً مع نشبه في ملح زعاق {وتستخرجوا منه} أي بجهدكم في الغوص وما يتبعه {حلية تلبسونها} أي نساؤكم، وهن بعضكم لكم، فكأن اللابس أنتم، وهي من الحجارة التي لا ترى أصلب منها ولا أصفى من اللؤلؤ وكذا من المرجان وغيره، مع نسبة هذا الصلب وذاك الطري إلى الماء، فلو أنه فاعل بطبعه لاستويا. ولما ذكر المنافع العامة مخاطباً لهم بها، وكان المخر - وهو أن تجري السفينة مستقبلة الريح، فتشق الماء، فيسمع لجريها صوت معجب، وذلك مع الحمل الثقيل - آية عظيمة لا يتأملها إلا أرباب القلوب خص بالخطاب أعلى أولي الألباب، ومن قاربه في ابتغاء الصواب، فقال: {وترى الفلك} ولما كان النظر إلى تعداد النعم هنا أتم منه في سورة فاطر، قدم المخر في قوله: {مواخر فيه} أي جواري تشق الماء مع صوت، لتركبوها فتستدلوا - بعدم رسوبها فيه مع ميوعه ورقته وشدة لطافته - على وحدانية الإله وقدرته. ولما علل التسخير بمنفعة البحر نفسه من الأكل وما تبعه، عطف على ذلك النفع به، فقال تعالى: {ولتبتغوا} أي تطلبوا طلباً عظيماً بركوبه {من فضله} أي الله بالتوصل بها إلى البلدان الشاسعة للمتاجر وغيرها {ولعلكم تشكرون *} هذه النعم التي أنتم عاجزون عنها لولا تسخيره؛ والمخر: شق الماء عن يمين وشمال، وهو أيضاً صوت هبوب الريح إذا اشتد هبوبها، وقد ابتدىء فيه بما يغوص تارة ويطف أخرى بالاختيار، وثنى بما طبعه الرسوب، وثلث بما من طبعه الطفوف.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن مطر أنه كان لا يرى بركوب البحر بأساً، وقال: ما ذكره الله في القرآن إلا بخير. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر: أنه كان يكره ركوب البحر إلا لثلاث: غازٍ أو حاج أو معتمر. وأخرج عبد الرزاق، عن علقمة بن شهاب القرشي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لم يدرك الغزو معي فليغز في البحر، فإن أجر يوم في البحر كأجر يوم في البر وإن القتل في البحر، كالقتلتين في البر، وإن المائد في السفينة، كالمتشحط في دمه، وان خيار شهداء أمتي أصحاب الكف، قالوا. وما أصحاب الكف يا رسول الله؟ قال: قوم تتكفأ بهم مراكبهم في سبيل الله . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص، عن كعب الأحبار: إن الله قال للبحر الغربي حين خلقه: قد خلقتك فأحسنت خلقك وأكثرت فيك من الماء وإني حامل فيك عباداً لي يكبروني ويهللوني ويسبحوني ويحمدوني، فكيف تعمل بهم؟ قال: أغرقهم، قال الله: إني أحملهم على كفي، وأجعل بأسك في نواحيك، ثم قال للبحر الشرقي: قد خلقتك فأحسنت خلقك، وأكثرت فيك من الماء، وإني حامل فيك عباداً لي يكبروني ويهللوني ويسبحوني ويحمدوني، فكيف أنت فاعل بهم؟ قال أكبرك معهم، وأحملهم بين ظهري وبطني، فأعطاه الله الحلية والصيد الطيب. وأخرج البزار، عن أبي هريرة قال: كلم الله البحر الغربي، وكلم الشرقي، فقال للبحر الغربي: إني حامل فيك عباداً من عبادي، فما أنت صانع بهم؟ قال: أغرقهم. قال: بأسك في نواحيك، وحرمه الحلية والصيد وكلم هذا البحر الشرقي، فقال: إني حامل فيك عباداً من عبادي، فما أنت صانع بهم؟ قال: أحملهم على يدي، وأكون لهم كالوالدة لولدها، فأثابه الحلية والصيد. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً} يعني حيتان البحر {وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} قال هذا اللؤلؤ. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله {لتأكلوا منه لحماً طرياً} قال هو السمك وما فيه من الدواب. وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة: إنه سئل عن رجل قال لامرأته: إن أكلت لحماً فأنت طالق؟ فأكلت سمكاً، قال: هي طالق. قال الله {لتأكلوا منه لحماً طرياً}. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عطاء قال: يحنث قال الله {لتأكلوا منه لحماً طرياً}. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي جعفر قال: ليس في الحلي زكاة، ثم قرأ {وتستخرجوا منه حلية تلبسونها}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {وترى الفلك مواخر} قال جواري. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وترى الفلك مواخر فيه} قال تمخر السفن الرياح، ولا تمخر الريح من السفن، إلا الفلك العظام. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة {وترى الفلك مواخر فيه} قال تشق الماء بصدرها. وأخرج ابن ألمنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله {وترى الفلك مواخر فيه} قال السفينتان تجريان بريح واحدة؛ كل واحدة مستقبلة الأخرى. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله {وترى الفلك مواخر فيه} قال تجري بريح واحدة مقبلة ومدبرة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله {ولتبتغوا من فضله} قال هو التجارة والله أعلم بالصواب.
ابو السعود
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ} شروعٌ في تعداد النعمِ المتعلقة بالبحر إثرَ تفصيل النعمِ المتعلقة بالبر حيواناً ونباتاً، أي جعله بحيث تتمكنون من الانتفاع به للركوب والغَوْص والاصطياد {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا} هو السمك، والتعبـيرُ عنه باللحم مع كونه حيواناً للتلويح بانحصار الانتفاعِ به في الأكل، ووصفُه بالطراوة للإشعار بلطافته والتنبـيهِ على وجوب المسارعةِ إلى أكله كيلا يتسارع إليه الفسادُ كما ينبىء عنه جعلُ البحر مبتدأَ أكلِه، وللإيذان بكمال قدرتِه تعالى في خلقه عذباً طرياً في ماء زعاق، ومن إطلاق اللحمِ عليه ذهب مالكٌ والثوري أن مَنْ حلف لا يأكلُ اللحم حنِث بأكله، والجوابُ أن مبنى الأيمان العُرفُ، ولا ريب في أنه لا يُفهم من اللحم عند الإطلاق، ولذلك لو أمر خادمه بشراء اللحمِ فجاء بالسمك لم يكن ممتثلاً بالأمر، ألا يرى إلى أن الله تعالى سمّى الكافرَ دابة حيث قال: { أية : إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الأنفال، الآية 55] ولا يحنَث بركوبه من حلَف لا يركب دابة {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً} كاللؤلؤ والمَرْجان {تَلْبَسُونَهَا} عبر في مقام الامتنان عن لُبس نسائِهم بلبسهم لكونهن منهم أو لكون لُبسِهن لأجلهم {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ} السفن {مَوَاخِرَ فِيهِ} جواريَ فيه مُقبلةً ومدبرة ومعترضة بريح واحدة تشقه بحَيزومها، من المخْر وهو شقُّ الماء، وقيل: هو صوتُ جَرْي الفلك {وَلِتَبْتَغُواْ} عطف على تستخرجوا وما عُطف هو عليه، وما بـينهما اعتراضٌ لتمهيد مبادي الابتغاءِ ودفعِ توهم كونِه باستخراج الحِلية، أو على علة محذوفة أي لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا، ذكره ابن الأنباري أو متعلقة بفعل محذوفٍ أي وفعَل ذلك لتبتغوا {مِن فَضْلِهِ} من سَعة رزقِه بركوبها للتجارة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي تعرِفون حقوقَ نعمِه الجليلةِ فتقومون بأدائها بالطاعة والتوحيد، ولعل تخصيصَ هذه النعمةِ بالتعقيب بالشكر من حيث إن فيها قطعاً لمسافة طويلة مع أحمال ثقيلةٍ في مدة قليلة من غير مزاولةِ أسبابِ السفر، بل من غير حركة أصلاً مع أنها في تضاعيف المهالكِ وعدمُ توسيط الفوزِ بالمطلوب بـين الابتغاء والشكر للإيذان باستغنائه عن التصريح به وبحصولهما معاً. {وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ} أي جبالاً ثوابتَ، وقد مر تحقيقُه في أول سورة الرعد {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} كراهةَ أن تميل بكم وتضطربَ، أو لئلا تميدَ بكم فإن الأرضَ قبل أن تُخلقَ فيها الجبالُ كانت كرةً خفيفةً بسيطةَ الطبع، وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك أو تتحركَ بأدنى سبب محرِّك، فلما خُلقت الجبال تفاوتت حافّاتُها وتوجهت الجبالُ بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد، وقيل: لما خلق الله تعالى الأرض جعلت تمورُ فقالت الملائكة: ما هي بمقر أحدٍ على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال {وَأَنْهَـٰراً} أي وجعل فيه أنهاراً لأن في ألقى معنى الجعل {وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} بها إلى مقاصدكم.
القشيري
تفسير : سخر البحر في الظاهر، وسهَّل ركوبه في الفُلْك، ويَسَّر الانتفاع بما يستخرج منه من الحُلِيِّ كاللؤلؤ والدُّرِّ، وما يقْتَاتُ به من السمك وحيوان البحر. ومن وجوه المعاني خلق صنوفاً من البحر، فقومٌ غَرْقَى في بحار الشغل وآخرون في بحار الحزن، وآخرون في بحار اللهو. فالسلامةُ من بحر الشغل في ركوب سفينة التوكل، والنجاة من بحر الحزن في ركوب سفينة الرضا، والسلامة من بحر اللهو في ركوب سفينة الذكر، وأنشد بعضهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وهو الذى سخر البحر} قال فى القاموس البحر الماء الكثير أو الملح فقط والجمع ابحر وبحور وبحار انتهى. وفى الكواشى سخر البحر العذب والملح اى جعله بحيث تتمكنون من الانتفاع به بالركوب والغوص والاصطياد. قال بعضهم هذه البحور على وجه الارض ماء السماء النازل وقت الطوفان فان الله تعالى امر الارض بعد هلاك القوم فابتلعت ماءها وبقى ماء السماء لم تبتلعه الارض واما البحر المحيط فغير ذلك بل هو جزر عن الارض حين خلق الله الارض من زبده. ويجوز ركوب البحر بشرط علم السباحة وعدم دوران الرأس والا فقد القى نفسه الى التهلكة واقدم على ترك الفرائض وذلك للرجال والنساء كما قاله الجمهور وكره ركوبه للنساء لان حالهن على الستر واذ متعسر فى السفينة غالبا لا سيما فى الزورق وهى السفينة الصغيرة {لتأكلوا منه} اى من العذب والملح كما فى الكواشى {لحما طريا} من الطراوة فلا يهمز وهو بالفارسية [تازه] والمراد السمك والتعبير عنه باللحم مع كونه حيوانا للتلويح بانحصار الانتفاع به فى الاكل كما فى الارشاد وللايذان بعدم احتياجه للذبح كسائر الحيوانات غير الجراد كا هو اللائح وصفه بالطراوة ارشادا لان يتناول طريا فان اكله قديدا اضر ما يكون كما هو المقرر عند الاطباء وفيه بيان لكمال قدرته حيث خلقه عذبا طريا فى ماء زعاق وهو كغراب الماء المر الغليظ لا يطاق شربه ومن اطلاق اللحم عليه ذهب مالك والثورى الى ان من حلف لا يأكل اللحم حنث باكله والجواب ان مبنى الايمان الغرف ولا ريب فى انه لا يفهم من اللحم عند الاطلاق ألا ترى ان الله تعالى سمى الكافر دابة حيث قال {أية : ان شر الدواب عند الله الذين كفروا}تفسير : ولا يحنث بركوبه من حلف لا يركب دابة. وفى حياة الحيوان المذهب المفتى به حل الجميع من الحيوانات التى فى البحر الا السرطان والضفدع والتمساح سواء كان على صورة كلب او خنزير ام لا وفى الحديث "حديث : اكل السمك يذهب بالحسد"تفسير : كما فى بحر العلوم. والسمك يستنشق الماء كما يستنشق بنوا آدم وحيوان البر الهواء الا ان حيوان البر يستنشق الهواء بالانوف ويصل بذلك الى قصبة الرئة والسمك يسنشق باصداغه فيقوم له الماء قى تولد الروح الحيوانى فى قلبه مقام الهواء فى اقامة الحياة ولم نستغن نحن وما اشبهنا من الحيوان عنه لان عالم السماء والارض دون عالم الهواء ونحن من عالم الارض ونسيم البرّ لو مرّ على السمك ساعة لهلك: وفى المثنوى شعر : ما هيانرا بحر نكذارد برون خاكيانرا بحر نكذارد درون اصل ما هى آب وحيوان ازكلست حيله وتدبير اينجا باطلست تفسير : {وتستخرجوا منه} اى من البحر الملح {حلية} الحلية الزينة من ذهب او فضة والمراد بها فى الآية اللؤلؤ والحجر الاحمر الذى يقال له المرجان {تلبسونها} تنزين بها نساؤكم وانما اسند اليهم لكونهن منهم ولبسهن لاجلهم فكأنها زينتهم ولباسهم {وترى الفلك} اى لو حضرت ايها المخاطب لرأيت السفن {مواخر فيه} جوارى فى البحر مقبلة ومدبره ومعترضة بريح واحدة بحيزومها من المخر وهو شق الماء يقال مخرت السفينة كمنع جرت وشقت الماء بجآجئها جمع جؤجؤ بالضم وهو صدر السفينة. وقال الفراء المخرصوت جرى الفلك بالرياح {ولتبتغوا من فضله} عطف على تستخرجوا اى لتطلبوا من سعة رزقه بركوبها للتجارة فان تجارته اربح من تجارة البر والية اشارة حضرة سعدى بقوله شعر : سود دريانيك بودى كرنبودى بيم موج صحبت كل خوش بدى كرنيستى تشويس خار تفسير : وفي الحديث "حديث : من ركب البحر فى ارتجاجه ففرق برئت منه الذمة"تفسير : وارتجاجه هيجانه من الموج وهو الحركة الشديدة ومعناه ان لكل احد من الله عهدا وذمة بالحفظ فاذا القى نفسه الى التهلكة فقد انقطع عنه عهد الله فلندور السلامة حين الموج الشديد لم يجز ركوبه وعصى فاعله {ولعلكم تشكرون} اى تعرفون حقوق نعمه الجليلة فتقومون بادائها بالطاعة والتوحيد ولعل مستعار لمعنى الارادة كما فى بحر العلوم ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لانه اقوى في باب الانعام من حيث انه جعل المهالك سببا للانتفاع وتحصيل المعاش. قال صاحب كشف الاسرار [آورده اندكه حق سبحانه وتعالى ازروى ظاهر درزمين درياها آفريد جون قلزم وعمان ومحيط وجزائر وبرى عبور بران كشتيها مقرّ ر فرموده وازروى باطن درنفس آدمى درياها بديد كرده جون درياهاى شغل وغم وحرص وغفلت وتفرقه وبراى عبور ازان كشتيها تعيين نموده. هركه دركشتى توكل نشيند ازدرياى شغل بساحل فراغت رسد. وهركه در كشتى رضا در آيد از بحر غم بساحل فرح رسد. وهركه دركستى قناعت جاى كند از درياى حرص بساحل زهد آيد وهركه دركشتى ذكر نشيند ازدرياى غفلت بساحل آكاهى رسد. وهركه بكشتى توحيد در آيد از درياى تفرقه بساحل جمعيت رسد وبحقيقت تفرقه در بقاست وجميعت درفنا باوجود آن در مملكت تفرقه وبيخودان در مرتبه جمع] شعر : بحساب خودى قلم دركش درره بيخودى علم بركش تا بجاروب "لا" نرو بى راه كى رسى در حريم الا الله تفسير : والاشارة وهو الذى سخر لكم بحر العلوم لتأكلوا منه الفوائد الغيبية والمواهب السنية وتستخرجوا من بحر العلوم جواهر المعانى ودرر الحقائق حلية لقلوبكم تلبس بها ارواحكم النور والبهاء وترى سفائن الشرائع والمذاهب جاريات فى بحر العلوم ولتبتغوا من فضله وهو الاسرار الخفيات عن الملائكة المقربين ولعلكم تشكرون هذه النعم الجسيمة والعطيات العظيمة التى اختصكم بها عن العالمين كما فى التأويلات النجمية.
الطوسي
تفسير : وهذا تعداد لنوع آخر من نعمه، فقال {وهو الذي سخر البحر} أي ذلـله لكم وسهل لكم الطريق الى ركوبه واستخراج ما فيه من انواع المنافع فتصطادون منه أَنواع السمك، فتأكلون لحمه طرياً، ولا يجوز ان تهمز طرياً، لانه من الطراوة لا من الطراءة، و {تستخرجوا} من البحر حلية يعني اللؤلؤ والمرجان الذي يخرج من البحار {تلبسونها} وتتزينون بها {وترى الفلك} يعني السفن {مواخر فيه} قال الحسن معناه مقبلة ومدبرة بريح واحدة، وقال قوم: معناه منقلة، والمواخر جمع ماخرة، والمخر شق الماء من عن يمين وشمال، يقال: مخرت السفينة الماء تمخره مخراً، فهي ماخرة، والمخر ايضاً صوت هبوب الريح إِذا اشتد هبوبها. وقوله {ولتبتغوا من فضله} اي ولتكتسبوا من فضل الله ونعمه بركوب البحر، ولكي تشكروه على أياديه، والواو دخلت ليعلم ان الله خلق ذلك وأراد جميع ذلك وقصده. ثم أخبر انه القى في الأرض رواسي، وهو جمع راسية وهي الجبل العالي الثابت {أن تميد بكم} اي لئلا تميد بكم الارض. وقال الزجاج: معناه كراهة ان تمتد، ولم يجز حذف (لا) والميد الميل يميناً وشمالاً، وهو الاضطراب: ماد يميد ميداً، وهو مائد. وقوله {وأنهاراً و سبلاً} تقديره وجعل لكم انهاراً، لدلالة {ألقى} عليه، لانه لا يجوز ان يكون عطفاً على {ألقى} ومثله قول الشاعر: شعر : تسمع في اجوافهن صرداً وفي اليدين جسأة وبددا تفسير : اي وترى في اليدين يبساً وتفرقاً، ومثله قولهم: (علفتها تبناً وماء بارداً) والمعنى وسقيتها ماء، ومثله كثير، و {سبلاً} عطف على {أنهاراً} لكي تهتدوا بها في سلوككم، وانتقالكم في أغراضكم. وقوله {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} اي جعل لكم علامات. وقيل انها الجبال ونحوها. قال ابن عباس: يعني الجبال يهتدى بها نهاراً، والنجم يهتدى به ليلاً، وهو اختيار الطبري. و (العلامة) صورة يعلم بها المعنى، من خط او لفظ او إِشارة او هيئة، وقد تكون وضعية، وقد تكون برهانية. وقوله و {بالنجم هم يهتدون} فالنجم هو الكوكب، ويقال: نجم النبت إذا طلع تشبيهاً بطلوع النجم، وانما قال - ها هنا - و {بالنجم} فوحد، وقال فيما تقدم {والنجوم مسخرات} لان النجوم على ثلاثة أضرب: ضرب يهتدى بها مثل الفرقدين، والجدي، لانها لا تزول، وضرب هي الشهب، وضرب هي زينة السماء، كما قال {أية : زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب}تفسير : فقوله {وبالنجم} يجوز ان يريد به النجوم، فأخبر بالواحد عن الجميع، كما قال {أية : أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء}تفسير : والنجم في قوله {أية : النجم الثاقب}تفسير : يريد الثريا فقط {أية : والنجم إذا هوى}تفسير : يعني نزول القرآن إذا نزل به جبرائيل (ع) وقوله {أية : والنجم والشجر يسجدان}تفسير : يريد كلما نجم من الارض اي نبت، مما لا يقوم على ساق كالبطيخ والقرع والضغابيس وهو الفتاء الصغار، ويشبه الخسيس بالضغبوس أنشد ابن عرفة: شعر : قد جربت عركي في كل معترك غلب الاسود فما بال الضغابيس
الجنابذي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} كأنواع ما يخرج من البحر {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} جوارى من المخر وهو شقّ الماء او صوت شقّ الماء {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} بالتّجارات {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} يعنى غاية الكلّ ان تنظروا الى الانعام وتشكروا حقّ النّعمة برؤيتها من المنعم.
الهواري
تفسير : قوله: { وَهُوَ الَّذِي سَخَّر البَحْرَ} أي: خلق البحر { لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً} أي: الحيتان { وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} أي: اللؤلؤ. { وَتَرَى الفُلْكَ} أي: السفن { مَوَاخِرَ فِيهِ} يعني شقها الماء في وقت جريها. وقال بعضهم: {مَوَاخِرَ فِيهِ} أي: سفن البحر مقبلة مدبرة تجري فيه بريح واحدة. وقال مجاهد: ولا تُجري الريح من السفن إلا العظام { وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} يعني طلب التجارة في البحر. { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: لكي تشكروا. وهو مثل قوله: (أية : لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) تفسير : [النحل:81]. قوله: { وَأَلْقَى في الأَرْضِ رَوَاسِيَ} وهي الجبال { أَن تَمِيدَ بِكُمْ} أي: لئلا تتحرك بكم. وقال مجاهد: أن تكفأ بكم. وقد فسّرناه في غير هذا الموضع. { وَأَنْهَاراً} أي: جعل فيها أنهاراً { وَسُبُلاً} أي: طرقاً { لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي: لكي تهتدوا الطرق. { وَعَلاَمَاتٍ} أي: جعلها في الطرق تعرفونها بها. { وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} والنجم جماعة النجوم التي يهتدون بها. قوله: { أَفَمَن يَخْلُقُ} يعني نفسه { كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} يعني الأوثان، على الاستفهام، هل يستويان. أي: لا يستوي الذي يخلق والأوثان التي لا تخلق والتي تعبدون من دون الله، التي لا تملك ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، والنشور البعث. { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} يقوله للمشركين. والمؤمنون هم المتذكرون. يقول: أفمن يخلق كمن لا يخلق. والله هو الخالق، وهذه الأوثان التي تعبدون من دون الله تُخلَق ولا تَخلق شيئاً.
اطفيش
تفسير : {وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ} جعله كما تنتفعون به مع أنه فى نفسه مهلك ضار ألا ترى عمقه ووسعه وملوحة مائه ودوابه ولله در القائل: شعر : ما فيه مستغرب إلا سلامته تفسير : ومع ذلك مكننا الله برحمته من الركوب فيه وقطعه والاصطياد منه والغوص فيه {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً} هو السمك وصفه بطريا لأَنه أرطب اللحوم حتى أنه إِن لم يسارع لأَكله أسرع إِليه الفساد ولإِظهار قدرته إِذ خلق ما هو طرى فى ماء غليظ وهو أيضا عذب اللحوم مع أنه فى ماء أملح المياه فيعلم الناس أنه تعالى قادر بالذات لا بواسطة طبع الأَماكن والأَزمان وموافقتها وإِلا لم يقدر أن يخرج الشىء من ضده تعالى الله، وبدأ بذكر الأَكل لأَنه أعظم وأهم ومن خلف لا يَأكل اللحم فأَكل السمك حنث عند مالك والثورى لأَن الله سبحانه سماه لحما، واعترض بأَن التحقيق أن مبنى الإِيمان على العرف لا على اللفظ فلو حلف أحد أن لا يبيت تحت سقف لم يحنث بالسماء ولو سماه الله سقفا، ولو حلف أن لا يركب دابة لم يحنث بركوب الكافر مع أن الله سبحانه سماه دابة فى نحو قوله: إن شر الدواب عند الله الذين كفروا، إِلا إِن عنى شيئاً من ذلك {وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً} ما يتحلى به أى يتزين به كاللؤلؤ والمرجان {تَلْبَسُونَهَا} رجالكم ونساؤكم ولا يمنع الرجل من لباس اللؤلؤ والمرجان وقد أباحته الآية له ويحتمل أن يكون المراد النساء نظرا للغالب من غير تحريمه على الرجال، وعليه فيقدر مضاف أى تلبسه نساؤكم أو يجعل الخطاب لهم ولهن والحكم على المجموع وأسند إِليهم اللباس لأَنهن يتزين بذلك لهم والامتنان بأَن استخراج الحلية منه دليل على أن البحر مراده به المالح لأَنها منه ويجوز أن يراد به المالح والعذب وإخراج الحلية من مجموعه لا من جمعه كما قال يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان {وَتَرَى الْفُلْكَ} السفن {مَوَاخِرَ فِيهِ} شاقات للماء بجريها جمع ماخرة يقال مخر الماء أو غيره أى شقه ومخر الماء الأَرض شقها وقيل صابتات والمخر صوت جرى الفلك فى الماء أو صمات بضرب الريح فيهن ويحتملهما كلام مجاهد وقال الحسن ممتلئات بالمتاع وقال قتادة مقبلة ومدبرة ترى سفينة مقبلة وسفينة مدبرة تجريان كل تجرى بريح مسخر لها يناسب جهتها التى وجهت إِليها فى وقت واحد كسائقين لدابتين كل يسوق دابته إِلى ضد الجهة التى يسوق إِليها الآخر دابته وقول بعض تجريان بريح واحدة إِحداهما مقبلة والأُخرى مدبرة بعيد غير شاهد والله قادر على ذلك {وَلِتَبْتَغُوا} عطف على لتَأكلوا أى ولتطلبوا الأَرباح بالتجارة {مِن فَضْلِهِ} سعة رزق {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الله تستعملون جوارحكم وقلوبكم فى عبادته وذكر الشكر هنا لعظم هذه النعمة حيث جعل ما هو مهلك سببا للانتفاع والمعاش.
اطفيش
تفسير : {وَهُو الَّذِى سَخَّر الْبَحْرَ} المالح وإنما يفسر به لعظمه وتبادره باسم البحر دون هؤلاءِ البحور الجارية، ولو كانت تسمى بحرا كبحر النيل، وأيضا البحر المالح هو المعروف باستخراج اللؤلؤ والمرجان منه والياقوت والحوت بخلاف البحر الحلو كالنيل فإنه لا يكون فيه ذلك الحلى، وقل فيه السمك، وهو دون سمك البحر المالح، والمراد بالبحر الجنس الشامل، ولا يدخل المحيط لأَنه لا يطاق على الغوص إلى أرضه، والمراد سخره للركوب إلى حيث شئْتم من البحر أَو البر، والغوص فيه للسمك ونحو اللؤلؤ كما قال: {لِتأْكُلوا مِنْهُ} أى من سمكة فحذف المضاف، أَو المعنى لتأَخذوا منه {لَحْما طَرِيّاً وتَسْتخْرِجُوا مِنهُ حِلْيةً} ما يتزين به من لؤلؤ ومرجان {تلْبَسُونهَا} ذكوركم ونساؤكم كما يثقب للصبى فيعلق فى أُذنه لؤلؤة أَو مرجانة، وكما يركب التاج بهما، ومن حلف على حلى حنث بأَحدهما عند أَبى يوسف للآية لا عند أبى حنيفة لعدم العرف بذلك، والأَكثر فى لباسهما النساء، ولذلك يجوز أَن يقدر تلبسها نساؤكم أَو أُسند اللباس إٍليهم حكما على المجموع لأَن النساءَ والرجال جنس البشر، ولأَنهن يلبسن ذلك لأَجلهم، كما قيل المراد بالبحر ما يشمل العذب فيكون نسبة استخراج الحلية بالنسبة إلى العذب حكما على المجموع كما فى قوله تعالى " أية : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان" تفسير : [الرحمن: 22] "أية : ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية"تفسير : [فاطر: 12] إلخ أَو تلبسونها بمعنى تخالطونها فى نسائكم ومتاجركم، أَو استعار اللباس للاستلذاذ بجامع التمتع، أَو ذلك مجاز مرسل لأَن التمتع لازم للباس، ووصف السمك بالطراوية لأَنه أَرطب اللحوم، وهو أسرع فسادا من سائر اللحوم إن لم يشرح ويملح، وكذلك يسرع إلى أكله لئلا يفسد، وسماه لحما مع أَنه ليس حيواناً لذلك، ولكونه يصلح للأَكل فقط لا كالأَنعام، ولدقة عظامه كأَنها لم تكن فيه دلالة عظيمة على قدرته أنه خلق لحما طريا شهيا للأَكل فى ماءٍ مالح تتصلب أَشياؤه، ومن حلف لا يأْكل لحما حنث بالسمك لأَن الله عز وجل سماه لحما، والصحيح عندى القول بأَن اليمين على العرف فلا يحنث فى عرف من لا يذكره باسم اللحم، ولو كان لحما فى اللغة والقرآن لأَن العمل بالنية، سمع سفيان الثورى عن أبى حنيفة أنه لا يحنث به من حلف على اللحم فأَنكر عليه لهذه الآية، فأَرسل إليه أبو حنيفة من سأله عن حالف لا يصلى على البساط إن صلى على الأَرض فقال: لا يحنث، فقال السائل: قد سماها الله بساطا، فعلم أن ذلك السؤال من أبى حنيفة فرجع إِلى قول أبى حنيفة، فلا يحنث حالف على ركوب دابة بركوبه إنسانا مع أنه دابة لأنها فى العرف الحمار أو ذات الأربع، والمرجان شجر أحمر ينبت فى البحر المالح على صورة شجرة التين مثلا، قال أبو بكر الطرطوشى: إنه عروق حمر تطلع من البحر كأصابع الكف، لا صغار اللؤلؤ كما قيل وإنما يزداد حمرة بالعمل، والحوت كله حلال ولو على صورة إنسان أَو خنزير أو كلب أو طفا على الماء ميتا أَو ذهب عنه الماءُ أَو مات بضرب أو بأَكل شىءٍ أو غير ذلك، أو وجد فى بطن حيوان آخر أَو بحر أَو برد أَو ضيق أَو مات فى جب ماء أَو قتله طائر أَو غيره أَو طال موته وأَنتن، وما قطع منه وما بقى، إلا أَن أَكله بعد ذهاب طراوته أَضر شىءٍ قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : كل ما فى البحر فهو ذكى"تفسير : وقال: " حديث : هو الطهور ماؤه والحل ميتته"تفسير : أَى ميتته حيوانه ولو مات فى غيره، ولا أَستثنى شيئاً منه، ولهذا الحديث ونحوه علمنا أَن حديث: ما أَبين من حى فهو ميتة إِنما هو فى حيوان البر، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما نضب عنه الماء فكلوا وما لفظه الماء كلوا وما طفا فلا تأكلوا"تفسير : روى عن جابر بن عبد الله فإن صح فالنهى عن طافٍ كراهة لا تحريم {وتَرَى الْفُلْك موَاخِرَ فِيهِ} جمع ماخر، والميم أَصل، تمخر أى تشقه ذاهبة وراجعة بريح، وربما اتحدت الريح ذهابا ورجوعاً أَو تصوت مع الماءِ للجرى فيه أَو تجرى {وَلِتَبْتغُوا} عطف على تأكلوا أى ولتطلبوا، قيل: أو الواو زائدة لسقوطها فى قوله تعالى: "أية : فيه مواخر لتبتغوا"تفسير : [فاطر: 12] أَو عطفت على محذوف أَى لتعتبروا ولتبتغوا، أَو لتنتفعوا ولتبتغوا، قيل: وفعل ذلك لتبتغوا {مِن فَضْلِهِ} من سعة رحمته بركوبها للتجر {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الله على ذلك وسائر نعمه، وذكر اشكر هنا لأَنه جعل البحر المهلك سببا فى الوصول إِلى المرام، وأَخرج البزار عن أَبى هريرة موقوفا: كلم الله البحر الغربى إنى حامل فيك عباداً من عبادى فما أَنت صانع بهم؟ قال: أَغرقهم قال: بأسد فى نواحيك وحرمة الحلية والصيد، وكلم البحر الشرقى إنى حامل فيك عبادا من عبادى فما أنت صانع بهم؟ قال: أحملهم على يدى وأَكون لهم كالوالدة لولدها فأَثابه الحلى والصيد، ومثل ذلك لابن أبى حاتم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن كعب الأَحبار وهو كلام لم يثبت وكأَنه موضوع، والمشاهد أَيضا فى الغربى الصيد والحلى.
الالوسي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ} شروع في نوع آخر من النعم متعلق بالبحر إثر تفصيل النوع المتعلق بالبر، وجعله بعضهم عديلاً لقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَآء لَّكُم } تفسير : [النحل: 10] فلذا جاء على أسلوبه جملة اسمية معرفة الجزءين، وما وقع في البين إما مترتب على ذلك الماء المنزل وإما متضمن لمصلحة ما يترتب عليه، والبحر على ما في «البحر» يشمل الملح والعذب، والمعنى جعل لكم ذلك بحيث تتمكنون من الانتفاع به بالركوب والغوص والاصطياد {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا} وهو السمك، والتعبير عنه باللحم مع كونه حيواناً للإشارة إلى قلة عظامه وضعفها في أغلب ما يصطاد للأكل بالنسبة إلى الأنعام الممتن بالأكل منها فيما سبق، وقيل: للتلويح بانحصار الانتفاع به في الأكل. / و {مِنْ} متعلق ـ بتأكلوا ـ أو حال مما بعده وهي ابتدائية، وجوز أن تكون تبعيضية والكلام على حذف مضاف أي من حيوانه، وحينئذٍ يجوز أن [يراد] من اللحم الطري لحم السمك كما يجوز أن يراد منه السمك، والطري فعيل من طرو يطرو طراوة مثل سرو يسرو سراوة، وقال الفراء: من طرى يطرى طراء وطراوة كشقى يشقى شقاء وشقاوة، والطراوة ضد اليبوسة، ووصفه بذلك للإشعار بلطافته والتنبيه إلى أنه ينبغي المسارعة إلى أكله فإنه لكونه رطباً مستعد للتغير فيسرع إليه الفساد والاستحالة، وقد قال الأطباء: إن تناوله بعد ذهاب طراوته من أضر الأشياء ففيه إدماج لحكم طبـي؛ وهذا على ما قيل لا ينافي تقديده وأكله محللاً كما توهم، وفي جعل البحر مبتدأ أكله على أحد الاحتمالين إيذان بالمسارعة أيضاً. وزعم بعضهم أن في الوصف إيذاناً أيضاً بكمال قدرته تعالى في خلقه عذباً طرياً في ماء مر لا يشرب، وفيه شيء لا يخفى. ولا يؤكل عندنا من حيوان البحر إلا السمك، ويؤيده تفسير اللحم به المروي عن قتادة وغيره، وعن مالك وجماعة من أهل العلم إطلاق جميع ما في البحر، واستثنى بعضهم الخنزير والكلب والإنسان، وعن الشافعي أنه أطلق ذلك كله، ويوافقه ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن السدي أنه قال: هو السمك وما في البحر من الدواب. نعم يكره عندنا أكل الطافي منه وهو الذي يموت حتف أنفه في الماء فيطفو على وجه الماء لحديث جابر عن النبـي صلى الله عليه وسلم «حديث : ما نضب الماء عنه فكلوا وما لفظه الماء فكلوا وما طفا فلا تأكلوا»تفسير : وهو مذهب جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وميتة البحر في خبر «حديث : هو الطهور ماؤه الحل ميتته»تفسير : ما لفظه ليكون موته مضافاً إليه لا ما مات فيه من غير آفة، وما قطع بعضه فمات يحل أكل ما أبين وما بقي لأن موته بآفة وما أبين من الحي فهو ميت وإن كان ميتاً فميتته حلال، ولو وجد في بطن السمكة سمكة أخرى تؤكل لأن ضيق المكان سبب موتها، وكذا إذا قتلها طير الماء وغيره أو ماتت في جب ماء، وكذا إن جمع السمك في حظيرة لا يستطيع الخروج منه وهو يقدر على أخذه بغير صيد فمات فيها، وإن كان لا يؤخذ بغير صيد فلا خير في أكله لأنه لم يظهر لموته سبب، وإذا ماتت السمكة في الشبكة وهي لا تقدر على التخلص منها أو أكلت شيئاً ألقاه في الماء لتأكل منه فماتت منه وذلك معلوم فلا بأس بأكلها لأن ذلك في معنى ما انحسر عنه الماء، وفي موت الحر والبرد روايتان: إحدهما وهي مروية عن محمد يؤكل لأنه مات بسبب حادث وكان كما لو ألقاه الماء على اليبس، والأخرى ورويت عن الإمام أنه لا يؤكل لأن الحر والبرد صفتان من صفة الزمان وليسا من أسباب الموت في الغالب، ولا بأس بأكل الجِرِّيث والمارماهي، واشتهر عن الشيعة حركة أكل الأول فليراجع، واستدل قتادة كما أخرج ابن أبـي شيبة عنه بالآية على حنث من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لما فيها من إطلاق اللحم عليه، وروي ذلك عن مالك أيضاً. وأجيب بأن مبنى الأيمان على ما يتفاهمه الناس في عرفهم لا على الحقيقة اللغوية ولا على استعمال القرآن، ولذا لما أفتى الثوري بالحنث في المسألة المذكورة للآية وبلغ أبا حنيفة عليه الرحمة قال للسائل: ارجع واسأله عمن حلف لا يجلس على بساط فجلس على الأرض هل يحنث لقوله تعالى: {أية : جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً } تفسير : [نوح: 19] فقال له: كأنك السائل أمس؟ فقال: نعم، فقال: لا يحنث في هذا ولا في ذاك ورجع عما أفتى به أولاً، والظاهر أن متمسك الإمام قد كان العرف وهو الذي ذهب إليه ابن الهمام لا ما في "الهداية" كما قال/ من أن القياس الحنث، ووجه الاستحسان أن التسمية القرآنية مجازية لأن منشأ اللحم والدم ولا دم في السمك لسكونه الماء مع انتقاضه بالألية فإنها تنعقد من الدم ولا يحنث بأكلها. واعترض بأنه يجوز أن يكون في المسألة دليلان ليس بينهما تناف، وما ذكر من النقض مدفوع بأن المذكور كل لحم ينشأ من الدم ولا يلزم عكسه الكلي وتعقب بأن إطلاق اللحم على السمك لغة لا شبهة فيه فينتقض الطرد والعكس فمراد المعترض الرد عليه بزيادة في الإلزام. نعم قد يقال: مراده بالمجاز المذكور أنه مجاز عرفي كالدابة إذا أطلقت على الإنسان فيرجع كلامه إلى ما قاله الإمام وحينئذ لا غبار عليه، وما ذكره بيان لوجه الاستعمال العرفي فلا يرد عليه شيء وهو كما ترى، وعلى طرز ما قاله الإمام يقال فيمن حلف لا يركب دابة فركب كافراً أنه لا يحنث مع أن الله سبحانه سمى الكافر دابة في قوله تعالى: {أية : إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الأنفال: 55] وفي «الكشاف» بياناً لعدم إطلاق اللحم على السمك عرفاً أنه إذا قال واحد لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار عليه أي وهو دليل على عدم إطلاق اللحم عليه في العرف فحيث كانت الأيمان مبنية على العرف لم يحنث بأكله. واعترض بأنه لو قال لغلامه: اشتر لحماً فاشترى لحم عصفور كان حقيقاً بالإنكار مع الحنث بأكله. وتعقب بأن الإنكار إنما جاء من ندرة اشتراء مثله لأنه غير متعارف وفيما نحن فيه اشتراء السمك ولحمه متعارف فليس محل الإنكار إلا عدم إطلاق اللحم عليه. {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً} كاللؤلؤ والمرجان {تَلْبَسُونَهَا} أي تلبسها نساءكم وجهه ذلك بأنه أسند إلى الرجال لاختلاطهم بالنساء وكونهم متبوعين أو لأنهم سبب لتزينهن فإنهن يتزين ليحسن في أعين الرجال فكان ذلك زينتهم ولباسهم. قال ابن المنير: ((ولله تعالى در مالك رضي الله تعالى عنه حيث جعل للزوج الحجر على زوجته فيما له بال من مالها، وذلك مقدر بالزائد على الثلث لحقه فيه بالتجمل، فانظر إلى مكنة حظ الرجال من مال النساء ومن زينتهن حتى جعل كحظ المرأة من مالها وزينتها [حلية له] فعبر عن حظه في لبسها بلبسه كما يعبر عن حظها سواء مؤيداً بالحديث المروي في الباب)) اهـ. ويفهم منه جواز اعتبار المجاز في الطرف، وصرح بذلك بعضهم وفسر {تَلْبِسُونَ} بتتمتعون وتتلذذون، ويجوز أن يكون المجاز في النقص وما أظهر في التفسير مراد في النظم، وقيل: الكلام على التغليب أو من باب بنو فلان قتلوا زيداً ففيه إسناد ما للبعض إلى الكل. وتعقب بأنه وجه لكلا الوجهين أما الأول: فلعدم التلبس بالمسند وهو اللبس، وأما الثاني: فلأنه لا يتم بدون المجاز في الطرف فلا وجه للعدول عن اعتباره على النحو السابق إلى هذا، وقال بعضهم: لا حاجة إلى كل ذلك فإنه لا مانع من تزين الرجال باللؤلؤ. وتعقب بأنه بعد تسليم أنه لا مانع منه شرعاً مخالف للعادة المستمرة فيأباه لفظ المضارع الدال على خلافه، ولا يصح ما يقال: إن في «البحر» زمرذاً بحرياً وبفرض الصحة يجيء هذا أيضاً، ولعله لما أن النساء مأمورات بالحجاب وإخفاء الزينة عن غير المحارم اخفي التصريح بنسبة اللبس إليهن ليكون اللفظ كالمعنى. واستدل أبو يوسف ومحمد عليهما الرحمة بالآية على أن اللؤلؤ يسمى حلياً حتى لو حلف لا يلبس حلياً فلبسه حنث. وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يقول: لا يحنث لأن اللؤلؤ وحده لا يسمى حلياً في العرف وبائعه لا يقال له الحلي كذا في "أحكام الجصاص". واستدل بعضهم بالآية على أنه لا زكاة في حلي النساء، فأخرج ابن جرير عن أبـي جعفر أنه سئل هل في حلي النساء صدقة؟ قال: لا هي كما قال الله تعالى {حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} وهو كما ترى. ثم إن اللحم الطري يخرج من البحر العذب والبحر/ الملح والحلية إنما تخرج من الملح، وقيل: إن العذب يخرج منه لؤلؤ أيضاً إلا أنه لا يلبس إلا قليلاً والكثير التداوي به، ولم نر من ذكر ذلك في أكثر الكتب المصنفة لذكر مثل ذلك. وأخرج البزار عن أبـي هريرة قال: كلم الله تعالى البحر الغربـي وكلم البحر الشرقي فقال للبحر الغربـي: إني حامل فيك عباداً من عبادي فما أنت صانع بهم؟ قال: أغرقهم قال: بأسك في نواحيك وحرمه الحلية والصيد وكلم هذا البحر الشرقي فقال: إني حامل فيك عباداً من عبادي فما أنت صانع بهم؟ قال: أحملهم على يدي وأكون لهم كالوالدة لولدها فأثابه سبحانه الحلية والصيد، وأخرج نحو ذلك ابن أبـي حاتم من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص عن كعب الأحبار، والله تعالى أعلم بصحة ذلك، وظاهر كلام الأكثرين حمل {ٱلْبَحْرِ} في الآية على البحر الملح وهو مملوء من السمك بل قيل إن السمك يطلق على كل ما فيه من الحيوانات ولا يكون اللؤلؤ إلا في مواضع مخصوصة منه. {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ} السفن {مَوَاخِرَ فِيهِ} جواري فيه جمع ماخرة بمعنى جارية، وأصل المخر الشق يقال: مخر الماء الأرض إذا شقها وسميت السفن بذلك لأنها تشق الماء بمقدمها، وقال الفراء: هو صوت جري الفلك بالرياح {وَلِتَبْتَغُواْ} عطف على {تَسْتَخْرِجُواْ} وما عطف عليه وما بينهما اعتراض لتمهيد مبادىء الابتغاء ودفع كونه باستخراج الحلية، وعدل عن نمط الخطاب السابق واللاحق ـ أعني خطاب الجمع إلى خطاب المفرد ـ المراد به كل من يصلح للخطاب إيذاناً بأن ذاك غير مسوق مساقهما، وأجاز ابن الأنباري أن يكون معطوفاً على علة محذوفة أي لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا، وأن يكون متعلقاً بفعل محذوف أي فعل ذلك لتبتغوا، وهو تكلف يغني الله تعالى عنه. {مِن فَضْلِهِ} من سعة رزقه بركوبها للتجارة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تقومون بحق نعم الله تعالى بالطاعة والتوحيد، ولعل تخصيص هذه النعمة بالتعقيب بالشكر لأنها أقوى في باب الإنعام من حيث إنه جعل ركوب البحر مع كونه مظنة الهلاك لأن راكبيه كما قال عمر رضي الله تعالى عنه دود على عود سبباً للانتفاع وحصول المعاش وهو من كمال النعمة لقطع المسافة الطويلة في زمن قصير مع عدم الاحتياج إلى الحل والترحال والحركة مع الاستراحة والسكون، وما أحسن ما قيل في ذلك:شعر : وإنا لفي الدنيا كركب سفينة نظن وقوفاً والزمان بنا يسري تفسير : وعدم توسيط الفوز بالمطلوب بين الابتغاء والشكر قيل للإيذان باستغنائه عن التصريح به وبحصولهما معاً. واستدل بالآية على جواز ركوب البحر للتجارة بلا كراهة وإليه ذهب جماعة، وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان يكره ركوب البحر إلا لثلاث غاز أو حاج أو معتمر.
ابن عاشور
تفسير : القول في هذا الاستدلال وإدماج الامتنان فيه كالقول فيما سبق. وتقدّم الكلام على تسخير الفلك في البحر وتسخير الأنهار في أثناء سورة إبراهيم. ومن تسخير البحر خلقه على هيئة يمكن معها السبح والسير بالفلك، وتمكين السابحين والماخرين من صيد الحيتان المخلوقة فيه والمسخّرة لحيل الصائدين. وزيد في الامتنان أن لحم صيده طريّ. و (مِن) ابتدائية، أي تأكلوا لحماً طريّاً صادراً من البحر. والطريّ: ضد اليابس. والمصدر: الطراوة. وفعله: طَرو، بوزن خَشُن. والحلية: ما يتحلّى به الناس، أي يتزينون. وتقدم في قوله تعالى {أية : ابتغاء حلية} تفسير : في سورة الرعد (17). وذلك اللؤلؤ والمَرجان؛ فاللؤلؤ يوجد في بعض البحار مثل الخليج الفارسي، والمرجان يوجد في جميع البحار ويكثر ويقلّ. وسيأتي الكلام على اللؤلؤ في سورة الحجّ، وفي سورة الرحمان. ويأتي الكلام على المَرجان في سورة الرحمٰن. والاستخراج: كثرة الإخراج، فالسين والتاء للتأكيد مثل: استجاب لمعنى أجاب. واللبس: جعل الثوب والعمامة والمصوغ على الجسد. يقال: لبس التاج، ولبس الخاتم، ولبس القميص. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : قد أنزلنا عليكم لباسا} تفسير : في سورة الأعراف (26). وإسناد لباس الحلية إلى ضمير جمع الذكور تغليب، وإلا فإن غالب الحلية يلبسها النساء عدا الخواتيم وحلية السيوف. وجملة {وترى الفلك مواخر فيه} معترضة بين الجمل المتعاطفة مع إمكان العطف لقصد مخالفة الأسلوب للتعجيب من تسخير السير في البحر باستحضار الحالة العجيبة بواسطة فعل الرؤية. وهو يستعمل في التعجيب كثيراً بصيغ كثيرة نحو: ولو ترى، وأرأيت، وماذا تَرى. واجتلاب فعل الرؤية في أمثاله يفيد الحثّ على معرفة ذلك. فهذا النظم للكلام لإفادة هذا المعنى ولولاها لكان الكلام هكذا: وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وتبتغوا من فضله في فُلْكٍ مواخرَ. وعطف {ولتبتغوا} على {وتستخرجوا} ليكون من جملة النّعم التي نشأت عن حكمة تسخير البحر. ولم يجعل علة لمخر الفلك كما جعل في سورة فاطر (12) {أية : وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله} تفسير : لأن تلك لم تصدر بمنّة تسخير البحر بل جاءت في غرض آخر. وأعيد حرف التعليل في قوله تعالى: {ولتبتغوا من فضله} لأجل البعد بسبب الجملة المعترضة. والابتغاء من فضل الله: التجارة كما عبّر عنها بذلك في قوله تعالى {أية : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} تفسير : في سورة البقرة (198). وعطف {ولعلكم تشكرون} على بقية العلل لأنه من الحكم التي سخّر الله بها البحر للناس حملاً لهم على الاعتراف لله بالعبودية ونبذهم إشراك غير ربّه فيها. وهو تعريض بالذين أشركوا.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه سخر البحر. أي لله لعباده حتى تمكنوا من ركوبه، والانتفاع بما فيه من الصيد والحلية، وبلوغ الأقطار التي تحول دونها البحار، للحصول على أرباح التجارات ونحو ذلك. فتسخير البحر للركوب من أعظم آيات الله. كما بينه في مواضع آخر. كقوله: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} تفسير : [يس: 41-42]، وقوله: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [الجاثية: 12] إلى غير ذلك من الآيات. وذكر في هذه الآية أربع نعم من نعمه على خلقه بتسخير البحر لهم: الأولى: قوله: {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً} وكرر الامتنان بهذه النعمة في القرآن. كقوله: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} تفسير : [المائدة: 96] الآية، وقوله: {أية : وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّا} تفسير : [فاطر: 12] الآية. الثانية - قوله: {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} وكرر الامتنان بهذه النعمة أيضاً في القرآن. كقوله: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 22-23] واللؤلؤ والمرجان: هما الحليه التي يستخرجونها من البحر للبسها، وقوله: {أية : وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} تفسير : [فاطر: 12]. الثالثة - قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} وكرر في القرآن الامتنان بشق أمواج البحر على السفن، كقوله: {أية : وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ} تفسير : [يس: 42-43] الآية، وقوله: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}تفسير : [إبراهيم: 32]. الرابعة - الابتغاء من فضله بأرباح التجارات بواسطة الحمل على السفن المذكور في قوله هنا: {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي كأرباح التجارات. وكرر في القرآن الامتنان بهذه النعمة أيضاً. كقوله في "سورة البقرة": {أية : وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ}تفسير : [البقرة: 164]، وقوله في "فاطر": {أية : وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [فاطر: 12]، وقوله في "الجاثية": {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [الجاثية: 12] إلى غير ذلك من الآيات. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة: المسألة الأولى - لا مفهوم مخالفة لقوله {لَحْماً طَرِيّاً} فلا يقال: يفهم من التقييد بكونه طرياً أن اليابس كالقديد مما في البحر لا يجوز أكله. بل يجوز أكل القديد مما في البحر بإجماع العلماء. وقد تقرر في الأصول: أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون النص مسوقاً للامتنان. فإنه إنما قيد بالطري لأنه أحسن من غيره، فالامتنان به أتم. وقد أشار إلى هذا صاحب مراقي السعود بقوله عاطفاً على موانع اعتبار مفهوم المخالفة: شعر : أو امتنان أو وفاق الواقع والجهل والتأكيد عند السامع تفسير : ومحل الشاهد قوله "أو امتنان" وقد قدمنا هذا في "سورة المائدة". المسألة الثانية- اعلم أن علماء المالكية قد أخذوا من هذه الآية الكريمة: أن لحوم ما في البحر كلها جنس واحد. فلا يجوز التفاضل بينها في البيع، ولا بيع طريها بيابسها لأنها جنس واحد. قالوا: لأن الله عبر عن جميعها بلفظ واحد، وهو قوله في هذه الآية الكريمة: {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّا} وهو شامل لما في البحر كله. ومن هنا جعل علماء المالكية، للحوم أربعة أجناس لا خامس لها: الأول - لحم ما في البحر كله جنس واحد، لما ذكرنا. الثاني - لحوم ذوات الأربع من الأنعام والوحوش كلها عندهم جنس واحد. قالوا: لأن الله فرق بين أسمائها في حياتها فقال: {أية : مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ} تفسير : [الأنعام: 143]، ثم قال: {أية : وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ} تفسير : [الأنعام: 144] أمّا بعد ذبحها فقد عبر عنها باسم واحد فقال: {أية : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَام} تفسير : [المائدة: 1] فجمعها بلحم واحد. وقال كثير من العلماء: يدخل في بهيمة الأنعام الوحش كالظباء. الثالث - لحوم الطير بجميع أنواعها جنس واحد. لقوله تعالى: {أية : وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ}تفسير : [الواقعة: 21] فجمع لحومها باسم واحد. الرابع - الجراد هو جنس واحد عندهم. وقد قدمنا في "سورة البقرة" الإشارة إلى الاختلاف في ربويته عندهم. ومشهور مذهب مالك عدم ربويته، بناء على أن غلبة العيش بالمطعوم من أجزاء العلة في الربا. لأن علة الربا في الربويات عند مالك: هي الاقتيات والادخار. قيل: وغلبة العيش. وقد قدمنا: أن الاختلاف في اشتراط غلبة العيش تظهر فائدته في أربعة أشياء: وهي الجراد، والبيض، والتين، والزيت. وقد قدمنا تفصيل ذلك في "سورة البقرة". فإذا علمت ذلك - فاعلم أن كل جنس من هذه الأجناس المذكورة يجوز بيعه بالجنس الآخر متفاضلا يداً بيد. ويجوز بيع طريه بيابسه يداً بيد أيضاً في مذهب مالك رحمه الله تعالى. ومذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله: أن اللحوم تابعة لأصولها، فكل لحم جنس مستقل كأصله - فلحم الإبل عنده جنس مستقل، وكذلك لحم الغنم ولحم البقر، وهكذا. لأن اللحوم تابعة لأصولها وهي مختلفة كالأدقة والأدهان. أما مذهب الشافعي وأحمد في هذه المسألة - فكلاهما عنه فيها روايتان. أما الروايتان عن الشافعي فإحداهما - أن اللحوم كله جنس واحد لاشتراكها في الاسم الخاص الذي هو اللحم. الثانية - أنها أجناس كأصولها: كقول أبي حنيفة. وقال صاحب المهذب: إن هذا قول المزني وهو الصحيح. وأما الروايتان في مذهب الإمام أحمد فإحداهما - أن اللحوم كلها جنس واحد. وهو ظاهر كلام الخرقي، فإنه قال: وسائر اللحمان جنس واحد. قال صاحب المغني: وذكره أبو الخطاب وابن عقيل رواية عن أحمد. ثم قال: وأنكر القاضي أبو يعلى كون هذا رواية عن أحمد، وقال: الأنعام والوحوش والطير ودواب الماء أجناس، يجوز التفاضل فيها رواية واحدة، وإنما في اللحم روايتان. إحداهما- أنه أربعة أجناس كما ذكرنا. الثانية- أنه أجناس باختلاف أصوله. انتهى من المغني بتصرف يسير، بحذف ما لا حاجة له فهذه مذاهب الأربعة في هذه المسألة. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: اختلاف العلماء في هذه المسألة من الاختلاف. في تحقيق مناط نص من نصوص الشرع، وذلك أنه ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد" تفسير : فعلم أن الاختلاف الصنفين مناط جواز التفاضل. واتحادهما مناط منع التفاضل، واختلاف العلماء في تحقيق هذا المناط. فبعضهم يقول: اللحم جنس واحد يعبر عنه باسم واحد، فمناط تحريم التفاضل موجود فيه. وبعضهم يقول: هي لحوم مختلفة الجنس، لأنها من حيوانات مختلفة الجنس. فمناط منع التفاضل غير موجود. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة - لا يجوز بيع اللحم بالحيوان الذي يجوز أكله من جنسه. وهذا مذهب أكثر العلماء: منهم مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز بيع اللحم بالحيوان. لأن الحيوان غير ربوي، فأشبه بيعه باللحم بيع اللحم بالإثمان. واحتج الجمهور بما رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم حديث : عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوانتفسير : . وفي "الموطأ" أيضاً عن مالك عن داود بن الحصين: أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: من ميسر أهل الجاهلية بيع الحيوان باللحم بالشاة والشاتين. وفي "الموطأ" أيضاً عن مالك عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: نهى عن بيع الحيوان باللحم. قال أبو الزناد: فقلت لسعيد بن المسيب: أرأيت رجلا اشترى شارفاً بعشر شياه؟ فقال سعيد: إن كان اشتراها لينحرها فلا خير في ذلك. قال أبو الزناد: وكل من أدركت من الناس ينهون عن بيع الحيوان باللحم. قال أبو الزناد: وكان ذلك يكتب في عهود العمال في زمان أبان ابن عثمان وهشان بن إسماعيل ينهون عن ذلك اهـ من الموطأ. وقال ابن قدامة في المغني: لايختلف المذهب أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه، وهو مذهب مالك والشافعي، وقول فقهاء المدينة السبعة. وحكي عن مالك: أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان معد للحم ويجوز بغيره. وقال أبو حنيفة: يجوز مطلقاً لأنه باع مال الربا بما لا ربا فيه. فأشبه بيع اللحم بالدراهم، أو بلحم من غير جنسه ولنا ما روي: حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع اللحم بالحيوان" تفسير : رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم، وعن سعيد بن المسيب، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عبد البر: هذا أحسن أسانيده. وروي حديث : عن النَّبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى أن يباع حي بميت" تفسير : ذكره الإمام أحمد. وروي عن ابن عباس: "أن جزوراً نحرت فجاء رجل بعناق فقال أعطوني جزءاً بهذه العناق - فقال أبو بكر: لا يصلح هذا قال الشافعي: لا أعلم مخالفاً لأبي بكر في ذلك، وقال أبو الزناد: كل من أدركت ينهى عن بيع اللحم بالحيوان، ولأن اللحم نوع فيه الربا بيع بأصله الذي فيه مثله فلم يجز. كبيع السمسم بالشيرج اهـ. وقال صاحب المهذب: ولا يجوز بيع حيوان يؤكل لحمه بلحمه، لما روى سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لا يباع حي بميت"تفسير : وروى ابن عباس رضي الله عنهما: "أن جزوراً نحرت على عهد أبي بكر رضي الله عنه. فجاء رجل بعناق فقال: أعطوني بها لحماً فقال أبو بكر: لا يصلح هذا" ولأنه جنس فيه الربا بيع بأصله الذي فيه مثله فلم يجز كبيع الشيرج بالسمسم اهـ. وقال ابن السبكي في تكملته لشرح المهذب: حديث سعيد بن المسيب رواه أبو داود من طريق الزهري عن سعيد كما ذكره المصنف، ورواه مالك في الموطأ، والشعافعي في المختصر والأم، وأبو داود من طريق زيد بن أسلم حديث : عن سعيد بن المسيب: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان" تفسير : هذا لفظ الشافعي عن مالك، وأبي داود عن القعنبي عن مالك، وكذلك هو في موطأ ابن وهب. ورأيت في موطأ القعنبي عن بيع الحيوان باللحم، والمعنى واحد، وكلا الحديثين - أعني رواية الزهري وزيد بن أسلم - مرسل، ولم يسنده واحد عن سعيد. وقد روي من طرق أخر، منها عن الحسن حديث : عن سمرة: "أن النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى ان تباع الشاة باللحم" تفسير : رواه الحاكم في المستدرك وقال: رواته عن آخرهم أئمة حفاظ ثقات. وقد احتج البخاري بالحسن عن سمرة، وله شاهد مرسل في الموطأ، هذا كلام الحاكم. ورواه البيهقي في سننه الكبير وقال: هذا إسناد صحيح. ومن أثبت سماع الحسن عن سمرة عده موصولاً. ومن لم يثبته فهو مرسل جيد انضم إلى مرسل سعيد. ومنها عن سهل بن سعد قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع اللحم بالحيوان" رواه الدارقطني وقال: تفرد به يزيد بن مروان عن مالك بهذا الإسناد ولم يتابع عليه. وصوابه في الموطأ عن ابن المسيب مرسلاً. وذكره البيهقي في سننه الصغير، وحكم بأن ذلك من غلط يزيد بن مروان، ويزيد المذكور تكلم فيه يحيى بن معين. وقل ابن عدي: وليس هذا بذلك المعروف. ومنها عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الحيوان باللحم" قال عبد الحق: أخرجه البزار في مسنده من رواية ثابت بن زهير عن نافع، وثابت رجل من أهل البصرة منكر الحديث لا يستقل به. ذكره أبو حاتم الرازي. انتهى محل الغرض من كلام صاحب تكملة المجموع. قال مقيده عفا الله عنه: لا يخفى أن هذا الذي ذكرنا يثبت به منع بيع اللحم بالحيوان. أما على مذهب من يحتج بالمرسل كمالك وأبي حنيفة وأحمد فلا إشكال وأما على مذهب من لا يحتج بالمرسل فمرسل سعيد بن المسيب حجة عند كثير ممن لا يحتج بالمرسل، ولا سيما أنه اعتضد بحديث الحسن عن سمرة. فعلى قوله من يصحح سماع الحسن عن سمرة فلا إشكال في ثبوت ذلك، لأنه حينئذ حديث صحيح متصل وأما على قول من لا يثبت سماع الحسن عن سمرة - فأقل درجاته أنه مرسل صحيح، اعتضد بمرسل صحيح. ومثل هذا يحتج به من يحتج بالمرسل ومن لا يحتج به وقد قدمنا في "سورة المائدة" كلام العلماء في سماع الحسن عن سمرة، وقدمنا في "سورة الأنعام" أن مثل هذا المرسل يحتج به بلا خلاف عنه الأئمة الأربعة، فظهر بهذه النصوص أن بيع الحيوان باللحم من جنسه لا يجوز خلافاً لأبي حنيفة. وأما إن كان من غير جنسه كبيع شاة بلحم حوت، أو بيع طير بلحم إبل فهو جائز عند مالك، لأن المزابنة تنتفي باختلاف الجنس، وحمل معنى الحديث على هذا وإن كان ظاهره العموم. ومذهب الشافعي مع اختلاف الجنس فيه قولان: أحدهما - جواز بيع اللحم بالحيوان إذا اختلف جنسهما. والثاني - المنع مطلقاً لعموم الحديث. ومذهب أحمد في المسألة ذكره ابن قدامة في المغني بقوله: وأما بيع اللحم بحيوان من غير جنسه فظاهر كلام أحمد والخرقي: أنه لا يجوز. فإن أحمد سئل عن بيع الشاة باللحم فقال: لا يصح، حديث : لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم "نهى أن يباع حيّ بميت" تفسير : واختار القاضي جوازه وللشافعي فيه قولان. واحتج من منعه بعموم الأخبار، وبأن اللحم كله جنس واحد ومن أجازه قال: مال الربا بيع بغير أصله ولا جنسه، فجاز كما لو باعه بالأثمان. وإن باعه بحيوان غير مأكول اللحم جاز في ظاهر قول أصحابنا، وهو قول عامة الفقهاء - انتهى كلام صاحب المغني - قال مقيدة عفا الله عنه: قد عرفت مما تقدم أن بعض العلماء قال: إن اللحم كله جنس واحد. وبعضهم قال: إن اللحوم أجناس، فعلى أن اللحم جنس واحد - فمنع بيع الحيوان باللحم هو الظاهر. وعلى أن اللحوم أجناس مختلفة - فبيع اللحم بحيوان من غير جنسه الظاهر فيه الجواز. لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم"تفسير : والعلم عند الله تعالى. تنبيه اشترط المالكية في منع بيع الحيوان باللحم من جنسه: ألا يكون اللحم مطبوخاً. فإن كان مطبوخاً جاز عندهم بيعه بالحيوان من جنسه، وهو معنى قول خليل في مختصره. وفسد منهي عنه إلا بدليل كحيوان بلحم جنسه إن لم يطبخ. واحتجوا لذلك بأن الطبخ ينقل اللحم عن جنسه فيجوز التفاضل بينه وبين اللحم الذي لم يطبخ. فبيعه بالحيوان من باب أولى - هكذا يقولون والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة - اعلم أن ظاهر هذه الآية الكريمة يدل على أنه يجوز للرجل أن يلبس الثوب المكلل باللؤلؤ والمرجان. لأن الله جل وعلا قال فيها في معرض الامتنان العام على خلقه عاطفاً على الأكل {أية : وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا}تفسير : [النحل: 14] وهذا الخطاب خطاب الذكور كما هو معروف. ونظير ذلك قوله تعالى في سورة فاطر: {أية : وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} تفسير : [فاطر: 12] قال القرطبي في تفسيره: امتن الله سبحانه على الرجال والنساء امتناناً عاماً بما يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنما حرم تعالى على الرجال الذهب والحرير. وقال صاحب الإنصاف: يجوز للرجل والمرأة التحلي بالجوهر ونحوه، وهو الصحيح من المذهب: وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز للرجل أن يلبس الثوب المكلل باللؤلؤ مثلاً، ولا أعلم للتحريم مستنداً إلى عموم الأحاديث الواردة بالزجر البالغ عن تشبه الرجال بالنساء، كالعكس!قال البخاري في صحيحه: "باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال": حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن قتادة عن عكرمة حديث : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبيهن من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال"تفسير : . فهذا الحديث نص صريح في أن تشبه الرجال بالنساء حرام، لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم لا يلعن أحداَ إلا على ارتكاب حرام شديد الحرمة. ولا شك أن الرجل إذا لبس اللؤلؤ والمرجان فقد تشبه بالنساء. فإن قيل: يجب تقديم الآية على هذا الحديث، وما جرى مجراه من الأحاديث من وجهين: الأول - أن الآية نص متواتر، والحديث المذكور خبر آحاد، والمتواتر مقدم على الآحاد. الثاني - أن الحديث عام في كل أنواع التشبه بالنساء، والآية خاصة في إباحة الحلية المستخرجة من البحر، والخاص مقدم على العام؟ فالجواب: أنا لم نر من تعرض لهذا. والذي يظهر لنا والله تعالى أعلم: أن الآية الكريمة وإن كانت أقوى سنداً وأخص في محل النزاع فإن الحديث أقوى دلالة على محل النزاع منها. وقوة الدلالة في نص صالح للاحتجاج على محل النزاع أرجح من قوة السند. لأن قوله: {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} يحتمل معناه احتمالاً قوياً: أن وجه الامتنان به أن نساءهم يتجملن لهم به، فيكون تلذذهم وتمتعهم بذلك الجمال والزينة الناشىء عن تلك الحلية من نعم الله عليهم. وإسناد اللباس إليهم لنفعهم به، وتلذذهم بلبس أزواجهم له. بخلاف الحديث فهو نص صريح غير محتمل في لعن من تشبه بالنساء. ولا شك أن المتحلي باللؤلؤ مثلاً متشبه بهن. فالحديث يتناوله بلا شك. وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث المذكور، واستدل به على أنه يحرم على الرجل لبس الثوب المكلل باللؤلؤ، وهو واضح، لورود علامات التحريم وهو لعن من فعل ذلك -: وأما قول الشافعي: ولا أكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا لأنه من زي النساء فليس مخالفاً لذلك. لأن مراده لم يرد في النهي عنه بخصوصه شيء. المسالة الخامسة - لا يخفى أن الفضة والذهب يمنع الشرب في آنيتهما مطلقاً، ولا يخفى أيضاً أنه يجوز لبس الذهب والحرير للنساء ويمنع للرجال. وهذا مما لا خلاف فيه، لكثرة النصوص الصحيحة المصرحة به عن النَّبي صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين على ذلك، ومن شذ فهو محجوج بالنصوص الصريحة وإجماع من يعتد به من المسلمين على ذلك. وسنذكر طرفاً قليلاً من النصوص الكثيرة الواردة في ذلك. أما الشرب في آنيتهما - فقد أخرج الشيخان والإمام أحمد وأصحاب السنن عن حذيفة رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : ولا تشربوا في آنية الذهب والفضَّة، ولا تأْكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة"تفسير : . ولفظة "ولا تأكلوا في صحافها" في صحيح مسلم: وعن أم سلمة رضي الله عنها أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم"تفسير : متفق عليه. وفي رواية لمسلم: "حديث : إن الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم"تفسير : والأحاديث بمثل هذا كثيرة. وأما لبس الحرير والديباح الذي هو نوع من الحرير- فعن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة"تفسير : أخرجه الشيخان وباقي الجماعة وعن عمر رضي الله عنه سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"تفسير : متفق عليه وعن أنس رضي الله عنه: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة"تفسير : متفق عليه أيضاً. والأحاديث بمثل هذا كثير جداً. وأما لبس الذهب- فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث حديث : البراء بن عازب رضي الله عنه: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم "نهاهم عن خاتم الذهب" تفسير : :قال البخاري في صحيحه: حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا أشعث بن سليم قال: سمعت معاوية بن سويد بن مقرن قال: سمعت البراء بن عازب رضي الله عنهما يقول: "نهانا النَّبي صلى الله عليه وسلم عن سبع: نهى عن خاتم الذهب - أو قال حلقة الذهب - وعن حرير، والاستبرق، والدِّيباج، والميثرة الحمراء، والقسي، وآنية الفضة، وأمرنا بسبع بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السَّلام، وإجابة الداعي، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم" ولفظ مسلم في صحيحه قريب منه، إلا أن مسلماً قدم السبع المأمور به على السبع المنهي عنها. وقال في حديثه: "ونهانا عن خواتيم، أو عن تختم بالذَّهب" وهذا الحديث المتفق عليه يدل على أن لبس الذهب لا يحل للرجال. لأنه إذا منع الخاتم منه فغيره أولى، وهو كالمعلوم من الدين بالضرورة والأحاديث فيه كثيرة. وأما جواز لبس النساء للحرير - فله أدلة كثيرة، منها "حديث : حديث علي رضي الله عنه: أهديت للنَّبي صلى الله عليه وسلم حلة سيراء، فبعث بها إلي فلبستها فعرفت الغضب في وجهه، فقال: "ني لم أبعث بها إليك لتلبسها إنما بعثت بها إليك لتشقها خمراً بين نسائك"تفسير : متفق عليه. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم برد حلة سيراء. أخرجه البخاري والنسائي وأبو داود والأحاديث بمثل ذلك كثيرة. وإباحة الحرير للنساء كالمعلوم بالضرورة. ومخالفة عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما في ذلك لا أثر لها، أنه محجوج بالنصوص الصحيحة، واتفاق عامة علماء المسلمين. وأما جواز لبس الذهب للنساء - فقد وردت فيه أحاديث كثيرة. منها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وصححاه والطبراني من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه" أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها"تفسير : وفي هذا الحديث كلام. لأن راويه عن أبي موسى وهو سعيد بن أبي هند، قال بعض العلماء: لم يسمع من أبي موسى. قال مقيده عفا الله عنه: ولو فرضنا أنه لم يسمع منه فالحديث حجة. لأنه مرسل معتضد بأحاديث كثيرة، منها ما هو حسن، ومنها ما إسناده مقارب، كما بينه الحافظ في التلخيص وبإجماع المسلمين - وقد قال البيهقي رحمه الله في سننه الكبرى "باب سياق أخبار تدل على تحريم التحلي بالذهب" وساق أحاديث في ذلك ثم قال: "باب سياق أخبار تدل على إباحته للنساء" ثم ساق في ذلك أحاديث، وذكر منها حديث سعيد بن أبي هند المذكور عن أبي موسى، ثم قال ورويناه من حديث علي بن أبي طالب وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وذكر منها أيضاً حديث عائشة قالت: حديث : قدمت على النَّبي صلى الله عليه وسلم حلية من عند النجاشي أهداها له، فيها خاتم من ذهب فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معرضاً عنه أو ببعض أصابعه. ثم دعا أمامة بنت أبي العاصي بنت ابنته زينب فقال: "تحلي هذا يا بنية"تفسير : وذكر منها أيضاً حديث بنت أسعد بن زرارة رضي الله عنه: أنها كانت هي وأختاها في حجر النَّبي صلى الله عليه وسلم. لأن أباهن أوصى إليه بهن، قالت: فكان صلى الله عليه وسلم يحلينا الذهب واللؤلؤ وفي رواية "يحلينا رعاثاً من ذهب ولؤلؤ" وفي رواية "يحلينا التبر واللؤلؤ" ثم قال البيهقي: قال أبو عبيد قال أبو عمرو: وواحد الرعاث رعثة ورعثة وهو القرط. ثم قال البيهقي: فهذه الأخبار وما ورد في معناها تدل على إباحة التحلي بالذهب للنساء، واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة. وقد قال بعض أهل العلم: إن موافقة الإجماع لخبر الآحاد تصيره قطعياً لاعتضاده بالقطعي وهو الإجماع. وقد تقدم ذلك في "سورة التوبة" والله اعلم. فتحصل أنه لا شك في تحريم لبس الذهب والحرير على الرجال، وإباحته للنساء. المسألة السادسة - أما لبس الرجال خواتم الفضة فهو جائز بلا شك، وأدلته معروفة في السنة، ومن أوضحها خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضة المنقوش فيه "محمد رسول الله" الذي كان يلبسه بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. حتى سقط في بئر أريس كما هو ثابت في الصحيحين. أما لبس الرجال لغير الخاتم من الفضة ففيه خلاف بين العلماء، وسنوضح هذه المسألة إن شاء الله. اعلم أولاً- أن الرجل إذا لبس من الفضة مثل ما يلبسه النساء من الحلي كالخلخال والسوار والقرط والقلادة ونحو ذلك، فهذا لا ينبغي أن يختلف في منعه. لأنه تشبه بالنساء، ومن تشبه بهن من الرجال فهو ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما مر آنفاً. وكل من كان ملعوناً على لسانه صلى الله عليه وسلم فهو ملعون في كتاب الله، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه. لأن الله يقول: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر: 7]. وأما غير ذلك كجعل الرجل الفضة في الثوب، واستعمال الرجل شيئاً محلى بأحد النقدين فجماهير العلماء منهم الأئمة الأربعة على أن ذلك ممنوع، مع الإجماع على جواز تختم الرجل بخاتم الفضة. والاختلاف في أشياء كالمنطقة وآلة الحرب ونحوه والمصحف. والاتفاق على جعل الأنف من الذهب وربط الأسنان بالذهب والفضة. وسنذكر بعض النصوص من فروع المذاهب الأربعة في ذلك. قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره الذي قال في ترجمته مبيناً لما به الفتوى ما نصه: وحرم استعمال ذكر محلى ولو منطقة وآلة حرب. إلا السيف والأنف، وربط سن مطلقاً، وخاتم فضة. لا ما بعضه ذهب ولو قل، وإناء نقد واقتناؤه وإن لامرأة. وفي المغشي والمموه والمضبب وذي الحلقة وإناء الجوهر قولان. وجاز للمرأة الملبوس مطلقاً ولو نعلا لا كسرير. انتهى الغرض من كلام خليل مع اختلاف في بعض المسائل التي ذكرها عند المالكية. وقال صاحب تبيين الحقائق في مذهب الإمام أبي حنيفة ما نصه: ولا يتحلى الرجل بالذهب والفضة إلا بالخاتم والمنطقة وحلية السيف من الفضة اهـ. وقال النووي في شرح المهذب في مذهب الشافعي: "فصل فيما يحل ويحرم من الحلي" فالذهب أصله على التحريم في حق الرجال، وعلى الإباحة للنساء- إلا أن قال: وأما الفضة فيجوز للرجل التختم، بها وهل له ما سوى الخاتم من حلي الفضة كالدملج والسوار والطوق والتاج. فيه وجهان. قطع الجمهور بالتحريم. انتهى محل الغرض من كلام النووي. وقال ابن قدامة في المقنع في مذهب الإمام أحمد: ويباح للرجال من الفضة الخاتم، وفي حلية المنطقة روايتان، وعلى قياسها الجوشن والخوذة والخف والران والحمائل. ومن الذهب قبيعة السيف. ويباح للنساء من الذهب والفضة كل ما جرت عادتهن بلبسه قل أو كثر. انتهى محل الغرض من المقنع. فقد ظهر من هذه النقول: أن الأئمة الأربعة في الجملة متفقون على منع استعمال المحلى بالذهب أو الفضة من ثوب أو آلة أو غير ذلك إلا في أشياء استثنوها على اختلاف بينهم في بعضها. وقال بعض العلماء: لا يمنع لبس شيء من الفضة. واستدل من قال بهذا بأمرين: أحدهما - أنها لم يثبت فيها تحريم. قال صاحب الإنصاف في شرح قول صاحب المقنع: وعلى قياسها الجوشن والخوذة الخ ما نصه: وقال صاحب الفروع فيه: ولا أعرف على تحريم الفضة نصاً عن أحمد. وكلام شيخنا يدل على إباحة لبسها للرجال إلا ما دل الشرع على تحريمه - انتهى. وقال الشيخ تقي الدين أيضاً: لبس الفضة إذا لم يكن فيه لفظ عام لم يكن لأحد أن يحرم منه إلا ما قام الدليل الشرعي على تحريمه. فإذا أباحت السنة خاتم الفضة دل على إباحة ما في معناه، وما هو أولى منه بالإباحة، وما لم يكن كذلك فيحتاج إلى نظر في تحليله وتحريمه، والتحريم يفتقر إلى دليل، والأصل عدمه. ونصره صاحب الفروع ورد جميع ما استدل به الأصحاب. انتهى كلام صاحب الإنصاف. الأمر الثاني- حديث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك. قال أبو داود في سننه: حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد عن أسيد بن ابي أسيد البراد عن نافع بن عياش عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقاً من نار فليطوقه طوقاً من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه سواراً من نار فليسوره سواراً من ذهب، ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها"تفسير : هذا لفظ أبي داود. قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر لي والله أعلم أن هذا الحديث لا دليل فيه على إباحة لبس الفضة للرجال. ومن استدل بهذا الحديث على جواز لبس الرجال للفضة فقط غلط. بل معنى الحديث: أن الذهب كان حراماً على النساء، وأن النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى الرجال عن تحلية نسائهم بالذهب، وقال لهم: "حديث : العبوا بالفضة"تفسير : أي حلو نسائكم منها بما شئتم. ثم بعد ذلك نسخ تحريم الذهب على النساء. والدليل على هذا الذي ذكرنا أمور: الأول - أن الحديث ليس في خطاب الرجال بما يلبسونه بأنفسهم. بل بما يحلون به أحبابهم، والمراد نساؤهم. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: "من أحب أن يحلق حبيبه"، "أن يطوق حبيبه"، "أن يسور حبيبه" ولم يقل: من أحب أن يحلق نفسه، ولا أن يطوق نفسه، ولا أن يسور نفسه. فدل ذلك دلالة واضحة لا لبس فيها على أن المراد بقوله: "فالعبوا بها" أي حلوا بها أحبابكم كيف شئتم. لارتباط آخر الكلام بأوله. الأمر الثاني - أنه ليس من عادة الرجال أن يلبسوا حلق الذهب، ولا أن يطوقوا بالذهب، ولا يتسوروا به في الغالب. فدل ذلك على أن المراد بذلك من شأنه لبس الحلقة والطوق والسوار من الذهب وهن النساء بلا شك. الأمر الثالث - أن أبا داود رحمه الله قال بعد الحديث المذكور متصلاً به: حدثنا مسدد ثنا أبو عوانة عن منصور عن ربعي بن خراش عن امرأته عن أخت لحذيفة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا معشر النساء، أما لكن في الفضة ما تحلين به، أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهباً تظهره إلا عذبت به ". تفسير : حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبان بن زيد يزيد العطار ثنا يحيى أن محمد بن عمرو الأنصاري حدثه أن أسماء بنت يزيد حدثته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدت في عنقها مثله من النار يوم القيامة. وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصا من ذهب جعل في أذنها مثله من النار يوم القيامة ". تفسير : فهذان الحديثان يدلان على أن المراد بالحديث الأول منع الذهب للنساء، وأن قوله: "فالعبوا بها". معناه: فحلوا نسائكم من الفضة بما شئتم كما هو صريح في الحديثين الأخيرين. وهذا واضح جداً كما ترى. ويدل له أن الحافظ البيهقي رحمه الله ذكر الأحاديث الثلاثة المذكورة التي من جملتها "وعليكم بالفضة فالعبوا بها" في سياق الأحاديث الدالة على تحريم الذهب على النساء أولاً دون الفضة. ثم بعد ذلك ذكر الأحاديث الدالة على النسخ ثم قال: واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة. والله أعلم انتهى. ومن جملة تلك الأحاديث المذكورة حديث: "فالعبوا بها" وهو واضح جداً فيما ذكرنا. فإن قيل: قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور "يحلق حبيبه"، "أن يطوق حبيبه"، "أن يسور حبيبه" يدل على أن المراد ذكر. لأنه لو أراد الأنثى لقال حبيبته بتاء الفرق بين الذكر والأنثى. فالجواب - أن إطلاق الحبيب على الأنثى باعتبار إرادة الشخص الحبيب مستفيض في كلام العرب لا إشكال فيه. ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه: شعر : منع النوم بالعشاء الهموم وخيال إذا تغار النجوم من حبيب أصاب قلبك منه سقم فهو داخل مكتوم تفسير : ومراده بالحبيب أنثى. بدليل قوله بعده: شعر : لم تفتها شمس النهار بشيء غير أن الشباب ليس يدوم تفسير : وقول كثير عزة: شعر : لئن كان برد الماء هيمان صاديا إلى حبيبا إنها لحبيب تفسير : ومثل هذا كثير في كلام العرب فلا نطيل به الكلام. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي من كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم: أن لبس الفضة حرام على الرجال، وأن من لبسها منهم في الدنيا لم يلبسها في الآخرة.وإيضاح ذلك أن البخاري قال في صحيحه في باب: "لبس الحرير للرجال وقدر ما يجوز منه": حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى قال: كان حذيفة بالمدائن فاستسقى فأتاه دهقان بماء في إناء من فضة، فرماه به، وقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الذَّهب والفضَّة والحرير والدِّيباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ". تفسير : فقول النَّبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح: "الذَهب والفضَّة والحرير والدِّيباج هي لهم في الدينا ولكم في الآخرة" يدخل في عمومه تحريم لبس الفضة. لأن الثلاث المذكورات معها يحرم لبسها بلا خلاف. وما شمله عموم نص ظاهر من الكتاب والسنة لا يجوز تخصيصه إلا بنص صالح للتخصيص. كما تقرر في علم الأصول. فإن قيل: الحديث وارد في الشرب في إناء الفضة لا في لبس الفضة؟ فالجواب - أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، لا سيما أن النَّبي صلى الله عليه وسلم ذكر في الحديث ما لا يحتمل غير اللبس كالحرير والديباج. فإن قيل: جاء في بعض الروايات الصحيحة ما يفسر هذا ويبين أن المراد بالفضة الشرب في آنيتها لا لبسها. قال البخاري في صحيحه "باب الشرب في آنية الذهب" حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى قال، كان حذيفة بالمدائن فاستسقى، فأتاه دهقان بقدح فضة فرماه به فقال: إني لم أرمه، إلا أني نهيته فلم ينته، وأن النَّبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: "حديث : هن لهم في الدُّنيا ولكم في الآخرة"تفسير : " باب آنية الفضة" حدثنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن ابن عون عن مجاهد عن ابن أبي ليلى قال: خرجنا مع حذيفة وذكر النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تلبسوا الحرير والدِّيباج، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة"تفسير : انتهى. فدل هذا التفصيل الذي هو النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة، والنهي عن لبس الحرير والديباج - على أن ذلك هو المراد بما في الرواية الأولى. وإذن فلا حجة في الحديث على منع لبس الفضة. لأنه تعين بهاتين الروايتين أن المراد الشرب في آنيتها لا لبسها، لأن الحديث حديث واحد. فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول - أن الرواية المتقدمة عامة بظاهرها في الشرب واللبس معاً، والروايات المقتصرة على الشرب في آنيتها دون اللبس ذاكرة بعض أفراد العام، ساكتة عن بعضها. وقد تقرر في الأصول: "أن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه" وهو الحق كما بيناه في غير هذا الموضع. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله عاطفاً على ما لا يخصص به العموم على الصحيح: شعر : وذكر ما وافقه من مفرد ومذهب الراوي على المعتمد تفسير : الوجه الثاني - أن التفصيل المذكور لو كان هو مراد النَّبي صلى الله عليه وسلم لكان الذهب لا يحرم لبسه، وإنما يحرم الشرب في آنيته فقط، كما زعم مدعي ذلك التفصيل في الفضة. لأن الروايات التي فيها التفصيل المذكور "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة" فظاهرها عدم الفرق بين الذهب والفضة. ولبس الذهب حرام إجماعاً على الرجال. الوجه الثالث - وهو أقواها، ولا ينبغي لمن فهمه حق الفهم أن يعدل عنه لظهور وجهه، وهو: أن هذه الأربعة المذكورة في هذا الحديث، التي هي: الذهب، والفضة، والحرير، والديباج - صرح النَّبي صلى الله عليه وسلم أنها للكفار في الدنيا، وللمسلمين في الآخرة. فدل ذلك على أن من استمتع بها من الدنيا لم يستمتع بها في الآخرة، وقد صرح جل وعلا في كتابه العزيز بأن أهل الجنة يتمتعون بالذهب والفضة من جهتين: إحداهما - الشراب في آنيتهما. والثانية - التحلي بهما. وبين أن أهل الجنة يتنعمون بالحرير والديباج من جهة واحدة وهي لبسها، وحكم الاتكاء عليهما داخل في حكم لبسهما. فتعين تحريم الذهب والفضة من الجهتين المذكورتين. وتحريم الحرير والديباج من الجهة الواحدة. لقوله صلى الله عليه وسلم الثابت في الروايات الصحيحة في الأربعة المذكورة: "حديث : هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" تفسير : لأنه لو أبيح التمتع بالفضة في الدنيا والآخرة لكان ذلك معارضاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة"تفسير : . وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى من كتاب الله جل وعلا. اعلم أولاً - أن الديباج هو المعبر عنه في كتاب الله بالسندس والاستبرق. فالسندس: رقيق الديباج. والاستبرق: غليظه. فإذا علمت ذلك فاعلم أن الله جل وعلا بين تنعم أهل الجنة بلبس الذهب والديباج الذي هو السندس والاستبرق في "سورة الكهف" في قوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ}تفسير : [الكهف: 31] الآية. فمن لبس الذهب والديباج في الدنيا منع من هذا التنعم بهما المذكور في "الكهف". ذكر جل وعلا تنعم أهل الجنة بلبس الحرير والذهب في "سورة الحج" في قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ} تفسير : [الحج: 23-24]. وبين أيضاً تنعمهم بلبس الذهب والحرير في "سورة فاطر" في قوله: {أية : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} تفسير : [فاطر: 33-34] الآية. فمن لبس الذهب والحرير في الدنيا منع من هذا التنعم بهما المذكور في "سورة الحج وفاطر". وذكر جل وعلا تنعمهم بلبس الحرير في "سورة الإنسان" في قوله: و {أية : وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً} تفسير : [الإنسان: 12] وفي "الدخان" بقوله {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ}تفسير : [الدخان: 51-53] الآية. فمن لبس الحرير في الدنيا منع من هذا التنعم به المذكور في "سورة الإنسان والدخان". وذكر جل وعلا تنعمهم بالاتكاء على الفرش التي بطائنها من استبرق في "سورة الرحمن" بقوله: {أية : مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ}تفسير : [الرحمن: 54] الآية. فمن اتكأ على الديباج في الدنيا منه هذا التنعم المذكور في "سورة الرحمن". وذكر جل وعلا تنعم أهل الجنة بلبس الديباج الذي هو السندس والاستبرق ولبس الفضة في "سورة الإنسان" أيضاً في قوله: {أية : عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} تفسير : [الإنسان: 21]. فمن لبس الديباج أو الفضة في الدنيا منع من التنعم بلبسهما المذكور في "سورة الإنسان"، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة"تفسير : فلو أبيح لبس الفضة في الدنيا مع قوله في نعيم أهل الجنة: {وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} لكان ذلك مناقضاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة". وذكر تنعم أهل الجنة بالشرب في آنية الذهب في "سورة الزخرف" في قوله تعالى: {أية : يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ}تفسير : [الزخرف: 71] الآية. فمن شرب في الدنيا في أواني الذهب منع من هذا التنعم بها المذكور في "الزخرف". وذكر جل وعلا تنعم أهل الجنة بالشرب في آنية الفضة في "سورة الإنسان" في قوله: {أية : وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً}تفسير : [الإنسان: 15-18] فمن شرب في آنية الفضة في الدنيا منع هذا التنعم بها المذكور في "سورة الإنسان" فقد ظهر بهذا للمنصف دلالة القرآن والسنة الصحيحة على منع لبس الفضة. والعلم عند الله تعالى. تنبيه فإن قيل عموم حديث حذيفة المذكور الذي استدللتم به، وببيان القرآن أنه شامل للبس الفضة والشرب فيها، وقلتم: إن كونه وارداً في الشرب في آنية الفضة لا يجعله خاصاً بذلك. فما الدليل في ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ فالجواب - أن النَّبي صلى الله عليه وسلم سئل عما معناه: هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ فأجاب بما معناه: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان حديث : عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزلت عليه {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} [هود:114] قال الرجل: ألي هذه؟ قال: "لمن عمل بها من أمتي" اهـ هذا لفظ البخاري في التفسير في "سورة هود" وفي رواية في الصحيح قال "لجميع أمَّتي كلهم" تفسير : اهـ. فهذا أصاب القبلة من المرأة نزلت في خصوصه آية عامة اللفظ، فقال للنَّبي صلى الله عليه وسلم: ألي هذه؟ ومعنى ذلك: هل النص خاص بي لأني سبب وروده؟ أو هو على عموم لفظه؟ وقول النَّبي صلى الله عليه وسلم له:"لجميع أمتي" معناه أن العبرة بعموم لفظ {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} لا بخصوص السبب. والعلم عند الله تعالى. وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ} أي السفن. وقد دل القرآن على أن "الْفُلْك" يطلق على الواحد وعلى الجمع، وأنه إن أطلق على الواحد ذكر، وإن أطلق على الجمع أنث. فأطلقه على المفرد مذكراً في قوله: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} تفسير : [يس: 41-42]. وأطلقه على الجمع مؤنثاً في قوله: {أية : وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ}تفسير : [البقرة: 164]. وقوله: {مَوَاخِرَ} جمع ماخرة، وهم اسم فاعل، مخرت السفينة تمخر- بالفتح - وتمخر - بالضم - مخراً ومخوراً: جرت في البحر تشق الماء مع صوت. وقيل: استقبلت الريح في جريتها. والأظهر في قوله {ولتبتغوا من فضله} أنه معطوف على قوله: {لتأْكلُوا منهُ لحماً طرياً} ولعل هنا للتعليل كما تقدم. والشكر في الشرع: يطلق من العبد لربه. كقوله هنا {ولعلكم تشكرون} وشكر العبد لربه: هو استعماله نعمه التي أنعم عليه بها في طاعته. وأما من يستعين بنعم الله على معصيته فليس من الشاكرين. وإنما هو كنود كفور. وشكر الرب لعبده المذكور في القرآن كقوله {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 158] وقوله {أية : إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} تفسير : [فاطر: 34] هو أن يثيب عبده الثواب الجزيل من العمل القليل. والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: حلية تلبسونها: هي اللؤلؤ والمرجان. مواخر فيه: أي تشقه بجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحدة وبالبخار اليوم. من فضله: أي من فضل الله تعالى بالتجارة. أن تميد بكم: أي تميل وتتحرك فيخرب ما عليها ويسقط. لا تحصوها: أي عداً فتضبطوها فضلاً عن شكرها للمنعم بها عز وجل. ما تسرون وما تعلنون: من المكر بالنبي صلى الله عليه وسلم ومن أذاه علانية هذا بالنسبة إلى أهل مكة، إذ الخطاب يتناولهم أولاً ثم اللفظ عام فالله يعلم كل سرٍ وعلانية في أي أحد. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته تلك المظاهر الموجبة لتوحيده وعبادته وشكره وذكره قال تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ} وهو كل ماء غمر كثير عذباً كان أو ملحاً وتسخيره تيسير الغوص فيه وجرى السفن عليه. وقوله {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} بيان لعلة تسخير البحر وهي ليصيد الناس منه السمك يأكلونه، ويستخرجون اللؤلؤ والمرجان حلية لنسائهم. وقوله: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} أي وترى أيها الناظر إلى البحر ترى السفن تمخر الماء أي تشقه ذاهبة وجائية. وقوله: {وَلِتَبْتَغُواْ} أي سخَّر البحر والفلك لتطلبوا الرزق بالتجارة بنقل البضائع والسلع من إقليم إلى إقليم وذلك كله من فضل الله وحوله {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي كي تشكروا الله تعالى. أي سخر لكم ذلك لتحصلوا على الرزق من فضل الله فتأكلوا وتشكروا الله على ذلك والشكر يكون بحمد الله والاعتراف بنعمته وصرفها في مرضاته وقوله: {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ} أي ألقى في الأرض جبالاً ثوابت {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} كي لا تميد بكم، وميدانها ميلها وحركتها إذ لو كانت تتحرك لما استقام العيش عليها والحياة فيها. وقوله {وَأَنْهَاراً} أي وأجرى لكهم أنهاراً في الأرض كالنيل والفرات وغيرهما {وَسُبُلاً} أي وشَّق لكم طرقاً {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} إلى منازلكم في بلادكم وقوله {وَعَلامَاتٍ} أي وجعل لكم علامات للطرق وأمارات كالهضاب والأودية والأشجار وكل ما يستدل به على الطريق والناحية، وقوله {وَبِٱلنَّجْمِ} أي وبالنجوم {هُمْ يَهْتَدُونَ} فركاب البحر لا يعرفون وجهة سيرهم في الليل إلا بالنجوم وكذا المسافرون في الصحارى والوهاد لا يعرفون وجهة سفرهم إلا بالنجوم وذلك قبل وجود آلة البوصلة البحرية ولم توجد إلا على ضوء النجم وهدايته وقوله في الآية [17] {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} هذا تأنيب عظيم لأولئك الذين يصرون على عبادة الأصنام ويجادلون عليها ويجالدون فهل عبادة من يخلق ويرزق ويدبر حياة الإنسان وهو الله رب العالمين كعبادة من لا يخلق ولا يرزق ولا يدير؟ فمن يسوي من العقلاء بين الحي المحيي الفعال لما يريد واهب الحياة كلها وبين الأحجار والأوثان؟ فلذا وبخهم بقوله {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} فتذكرون فتعرفون أن عبادة الأصنام باطلة وأن عبادة الله حق فتتوبوا إلى ربكم وتسلموا له قبل أن يأتيكم العذاب. وقوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} بعدما عدد في هذه الآيات من النعم الكثيرة أخبر أن الناس لو أرادوا أن يعدوا نعم الله ما استطاعوا عدها فضلاً عن شكرها، ولذا قال {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} ولولا أنه كذلك ليؤاخذهم على تقصيرهم في شكر نعمه عليهم ولَسَلَبَهَا منهم عند كفرها وعدم الاعتراف بالمنعم بها عز وجل وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} هذه آخر مظاهر القدرة والعلم والحكمة والنعمة في هذا السياق الكريم فالله وحده يعلم سر الناس وجهرهم فهو يعلم إذاً حاجاتهم وما تتطلبه حياتهم، فإذا عادوه وكفروا به فكيف يأمنون على حياتهم ولما كان الخطاب في سياق دعوة مشركي مكة إلى الإِيمان والتوحيد فالآية إخطار لهم بأن الله عليم بمكرهم برسوله وتبييت الشر له وأذاهم له بالنهار. فهي تحمل التهديد والوعيد لكفار مكة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان العلة في الرزق وأنها الشكر فالله سبحانه وتعالى يرزق لِيُشكر. 2- إباحة أكل الحوت وكل دواب البحر. 3- لا زكاة في اللؤلؤ والمرجان لأنه من حلية النساء. 4- المقارنه بين الحي الخلاق العليم، وبين الأصنام الميتة المخلوقة لتقرير بطلان عبادة غير الله تعالى لأن من يَخلُق ليس كمن يَخلَق. 5- عجز الإِنسان عن شكر نعم الله تعالى يتطلب منه أن يشكر ما يمكنه منها وكلمة (الحمد لله) تعد رأس الشكر والاعتراف بالعجز عن الشكر من الشكر، والشكر صرف النعم فيما من أجله أنعم الله تعالى بها.
د. أسعد حومد
تفسير : (14) - ثُمَّ يَلْفِتُ اللهُ تَعَالَى نَظَرَ عِبَادِهِ إِلى البَحْرِ المُتَلاَطِمِ الأَمْوَاجِ، وَمَا فِيهِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ يَأْكُلُ مِنْهَا الإِنْسَانُ لَحْماً طَرِيّاً، وَمَا جَعَلَ فِيهِ مِنْ مَنَافِعَ لِلْبَشَرِ، إِذْ يَسْتَخْرِجُونَ مِنْهُ اللآلِىءَ وَالمَرْجَانَ وَغَيْرَهَا، وَيَجْعَلُونَ مِنْهَا الحُلِيَّ، وَإِذْ يُسَيِّرُونَ فِيهِ السُّفُنَ وَالمَرَاكِبَ، تَشُقُّ أَمْوَاجَهُ (تَمْخُرُ فِيهِ)، لِيَنْتَقِلُوا بِوَاسِطَتِهَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ لِلتِّجَارَةِ وَنَقْلِ البَضَائِعِ وَتَأْمِينِ الرِّزْقِ، وَقَدْ هَدَاهُمُ اللهُ تَعَالَى إِلَى صُنْعِ السُّفُنِ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ صَنَعَ سَفِينَةً هُوَ نُوحٌ، عَلَيهِ السَّلاَمُ. وَيُذَكِّرُ اللهُ النَّاسَ بِجِمِيعِ هذِهِ النَّعَمِ التِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَذْكُرُونَهَا، وَيُقَدِّرُونَهَا، فَيَشْكُرُوا اللهَ تَعَالَى عَلَيْهَا، وَيَعْرِفُوا عَظِيمَ قُدْرَتِهِ عَلَى الخَلْقِ وَالبَعْثِ وَالحَشْرِ وَالحِسَابِ. مَوَاخِرَ - جَوَارِيَ فِيهِ تَشُقُّ المَاءَ شَقّاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والتسخير كما علمنا من قَبْل هو إيجاد الكائن لمهمة لا يستطيع الكائن أنْ يتخلَّف عنها، ولا اختيارَ له في أنْ يؤدِّيها أو لا يُؤدِّيها. ونعلم أن الكون كله مُسخَّر للإنسان قبل أنْ يُوجدَ؛ ثم خلق الله الإنسان مُخْتاراً. وقد يظن البعض أن الكائنات المُسخَّرة ليس لها اختيار، وهذا خطأ؛ لأن تلك الكائنات لها اختيار حَسمتْه في بداية وجودها، ولنقرأْ قوله الحق: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ..} تفسير : [الأحزاب: 72]. وهكذا نفهم أن الحق سبحانه خيَّر خلقه بين التسخير وبين الاختيار، إلا أن الكائنات التي هي ما دون الإنسان أخذتْ اختيارها مرَّة واحدة؛ لذلك لا يجب أنْ يُقال: إن الحق سبحانه هو الذي قهرها، بل هي التي اختارتْ من أول الأمر؛ لأنها قدرتْ وقت الأداء، ولم تقدر فقط وقت التحمل كما فعل الإنسان، وكأنها قالت لنفسها: فلأخرج من باب الجَمال؛ قبل أن ينفتحَ أمامي باب ظلم النفس. ونجد الحق سبحانه يصف الإنسان: {أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. فقد ظلم الإنسانُ نفسَه حين اختار أنْ يحملَ الأمانة؛ لأنه قدر وقت التحمُّل ولم يقدر وقت الأداء. وهو جَهُول لأنه لم يعرف كيف يُفرِّق بين الأداء والتحمُّل، بينما منعت الكائنات الأخرى نفسها من أن تتحمَّل مسئولية الأمانة، فلم تظلم نفسها بذلك. وهكذا نصل إلى تأكيد معنى التسخير وتوضيحه بشكل دقيق، ونعرف أنه إيجاد الكائن لمهمة لا يملك أن يتخلَّف عنها؛ أما الاختيار فهو إيجاد الكائن لِمُهِمة له أنْ يُؤدِّيها أو يتخلَّف عنها. وأوضحنا أن المُسخَّرات كان لها أنْ تختارَ من البداية، فاختارتْ أن تُسخِّر وألاَّ تتحملَ الأمانة، بينما أخذ الإنسانُ المهمةَ، واعتمد على عقله وفِكْره، وقَبِل أن يُرتِّب أمور حياته على ضوء ذلك. ومع ذلك أعطاه الله بعضاً من التسخير كي يجعل الكون كله فيه بعض من التسخير وبعض من الاختيار؛ ولذلك نجد بعضاً من الأحداث تجري على الإنسان ولا اختيارَ له فيها؛ كأن يمرضَ أو تقع له حادثة أو يُفلس. ولذلك أقول: إن الكافر مُغفّل لاختياره؛ لأنه ينكر وجود الله ويتمرَّد على الإيمان، رغم أنه لا يقدر أن يصُدَّ عن نفسه المرض أو الموت. وفي الآية التي نحن بصددها الآن يقول الحق سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ ..} [النحل: 14]. فهذا يعني أنه هو الذي خلق البحر، لأنه هو الذي خلق السماوات والأرض؛ وجعل اليابسة ربع مساحة الأرض؛ بينما البحار والمحيطات تحتل ثلاثة أرباع مساحة الأرض. أي: أنه يُحدِّثنا هنا عن ثلاثة أرباع الأرض، وأوجد البحار والمحيطات على هيئة نستطيع أن نأخذَ منها بعضاً من الطعام فيقول: {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ..} [النحل: 14]. ومن بعض عطاءات الحق سبحانه أن يأتي المَدُّ أحياناً ثم يَعْقبه الجَزْر؛ فيبقى بعض من السمك على الشاطىء، أو قد تحمل موجة عفيّة بعضاً من السمك وتلقيه على الشاطئ. وهكذا يكون العطاء بلا جَهْد من الإنسان، بل إن وجودَ بعض من الأسماك على الشاطىء هو الذي نبَّه الإنسان إلى أهمية أنْ يحتالَ ويصنع السِّنارة؛ ويغزل الشبكة؛ ثم ينتقل من تلك الوسائل البدائية إلى التقنيّات الحديثة في صيد الأسماك. لكن الحلية التي يتم استخراجها من البحر فهي اللؤلؤ، وهي تقتضي أن يغوصَ الإنسان في القاع ليلتقطها. ويلفتنا الحق سبحانه إلى أسرار كنوزه فيقول: {أية : لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} تفسير : [طه: 6]. وكل كنوز الأمم توجد تحت الثَّرى. ونحن إنْ قسمنا الكرة الأرضية كما نقسم البطيخة إلى قِطَع كالتي نُسمِّيها "شقة البطيخ" سنجد أن كنوز كل قطعة تتساوى مع كنوز القطعة الأخرى في القيمة النفعية؛ ولكن كُلّ عطاء يوجد بجزء من الأرض له ميعاد ميلاد يحدده الحق سبحانه. فهناك مكان في الأرض جعل الله العطاء فيه من الزراعة؛ وهناك مكان آخر صحراوي يخاله الناس بلا أيِّ نفع؛ ثم تتفجَّر فيه آبار البترول، وهكذا. وتسخير الحق سبحانه للبحر ليس بإيجاده فقط على الهيئة التي هو عليها؛ بل قد تجد له أشياء ومهام أخرى مثل انشقاق البحر بعصا موسى عليه السلام؛ وصار كل فِرْق كالطَّوْد العظيم. ومن قبل ذلك حين حمل اليَمَّ موسى عليه السلام بعد أن ألقتْه أمه فيه بإلهام من الله: {أية : فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ ..} تفسير : [طه: 39]. وهكذا نجد أن أمراً من الله قد صدر للبحر بأن يحملَ موسى إلى الشاطىء فَوْر أنْ تُلقيَه أمه فيه. وهكذا يتضح لنا معنى التسخير للبحر في مهام أخرى، غير أنه يوجد به السمك ونستخرج منه الحُليّ. ونعلم أن ماءَ البحر مالح؛ عكس ماء النهر وماء المطر؛ فالمائيّة تنقسم إلى قِسْمين؛ مائية عَذْبة، ومائية مِلْحية. وقوله الحق عن ذلك: {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ..} تفسير : [فاطر: 12]. ويسمُّونهم الاثنين على التغليب في قوله الحق: {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} تفسير : [الرحمن: 19]. والمقصود هنا الماء العَذْب والماء المالح، وكيف يختلطان، ولكن الماء العَذْب يتسرَّب إلى بطن الأرض، وأنت لو حفرتَ في قاع البحر لوجدتَ ماء عَذْباً، فالحق سبحانه هو الذي شاء ذلك وبيَّنه في قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الزمر: 21]. وهنا يقول سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ..} [النحل: 14]. واللحم إذا أُطلِق يكون المقصود به اللحم المأخوذ من الأنعام، أما إذا قُيّد بـ"لحم طري" فالمقصود هو السمك، وهذه مسألة من إعجازية التعبير القرآني؛ لأن السمك الصالح للأكل يكون طَرّياً دائماً. ونجد مَنْ يشتري السمك وهو يَثْني السمكة، فإنْ كانت طريَّة فتلك علامةٌ على أنها صالحةٌ للأكل، وإنْ كانت لا تنثني فهذا يعني أنها فاسدة، وأنت إنْ أخرجتَ سمكة من البحر تجد لحمها طَرِّياً؛ فإنْ ألقيتَها في الماء فهي تعود إلى السباحة والحركة تحت الماء؛ أما إن كانت ميتة فهي تنتفخ وتطفو. لذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل السمك الطَّافي لأنه المَيْتة، وتقييد اللحم هنا بأنه طريّ كي يخرجَ عن اللحم العادي وهو لَحْم الأنعام؛ ولذلك نجد العلماء يقولون: مَنْ حلفَ ألاَّ يأكل لَحْماً؛ ثم أكل سمكاً فهو لا يحنث؛ لأن العُرْف جرى على أن اللحم هو لَحْم الأنعام. ويقول الحق سبحانه في نفس الآية عن تسخير البحر: {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ..} [النحل: 14]. وهكذا نجد أن هذه المسألة تأخذ جهداً؛ لأنها رفاهية؛ أما السمك فقال عنه مباشرة: {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ..} [النحل: 14]. والأكْل أمر ضروري لذلك تكفّله الله وأعطى التسهيلات في صَيْده، أما الزينة فلكَ أنْ تتعبَ لتستخرجه، فهو تَرَفٌ. وضروريات الحياة مَجْزولة؛ أما تَرَف الحياة فيقتضي منك أنْ تغطسَ في الماء وتتعبَ من أجله. وفي هذا إشارة إلى أن مَنْ يريد أنْ يرتقيَ في معيشته؛ فَلْيُكثِر من دخله ببذل عرقه؛ لا أنْ يُترِف معيشته من عرق غيره. ويقول سبحانه: {تَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ..} [النحل: 14]. والحِلْية كما نعلم تلبسها المرأة. والمَلْحظ الأدنى هنا أن زينةَ المرأة هي من أجلْ الرجل؛ فكأن الرجلَ هو الذي يستمتع بتلك الزينة، وكأنه هو الذي يتزّين. أو: أن هذه المُسْتخرجات من البحر ليست مُحرَّمة على الرجال مِثْل الذهب والحرير؛ فالذهب والحرير نَقْد؛ أما اللؤلؤ فليس نَقْداً. واللبس هو الغالب الشائع، وقد يصِحّ أنْ تُصنعَ من تلك الحلية عَصاً أو أي شيء مما تستخدمه. ويتابع سبحانه في نفس الآية: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ..} [النحل: 14]. ولم تكُن هناك بواخر كبيرة كالتي في عصرنا هذا بل فُلُك صغيرة. ونعلم أن نوحاً عليه السلام هو أول مَنْ صنع الفُلْك، وسَخِر منه قومه؛ ولو كان ما يصنعه أمراً عادياً لَمَا سَخِروا منه. وبطبيعة الحال لم يَكُنْ هناك مسامير لذلك ربطها بالحبال؛ ولذلك قال الحق سبحانه عنه: {أية : وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} تفسير : [القمر: 13]. وكان جَرْي مركب نوح بإرادة الله، ولم يكُنْ العلْم قد تقدَّم ليصنع البشر المراكب الضخمة التي تنبّأ بها القرآن في قوله الحق: {أية : وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} تفسير : [الرحمن: 24]. ونحن حين نقرؤها الآن نتعجَّب من قدرة القرآن على التنبؤ بما اخترعه البشر؛ فالقرآن عالم بما يَجِدّ؛ لا بقهريات الاقتدار فقط؛ بل باختيارات البشر أيضاً. وقوله الحق: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ..} [النحل: 14]. والمَاخِر هو الذي يشق حلزومه الماء، والحُلْزوم هو الصدر. ونجد مَنْ يصنعون المراكب يجعلون المقدمة حادةً لتكون رأس الحربة التي تشق المياه بخرير. وفي هذه الآية امتنَّ الحق سبحانه على عباده بثلاثة أمور: صيد السمك، واستخراج الحُليّ، وسَيْر الفلْك في البحر؛ ثم يعطف عليهم ما يمكن أن يستجدّ؛ فيقول: {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ..} [النحل: 14]. وكأن البواخر وهي تشقّ الماء ويرى الإنسان الماءَ اللين، وهو يحمل الجسم الصَّلْب للباخرة فيجد فيه متعة، فضلاً عن أن هذه البواخر تحمل الإنسانَ من مكان إلى مكان. ويُذيِّل الحق سبحانه الآية بقوله: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14]. ولا يُقال ذلك إلا في سَرْد نعمة آثارُها واضحة ملحوظة تستحقّ الشكر من العقل العادي والفطرة العادية، وشاء سبحانه أنْ يتركَ الشُّكر للبشر على تلك النعم، ولم يُسخرهم شاكرين. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} [الآية: 14]. يقول: تمخر الرياح السفن ولا تمخر منها إِلا الفلك العظام. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} [الآية: 15]. يقول: أَن تكفأَ بكم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} [الآية: 25]. يعني: يحملون ذنوبهم وذنوب من أَطاعهم ولا يخفف ذلك عن من أَطاعهم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الآية: 26]. يعني: مكر نمروذ بن كنعان، وهو الذي حاجّ إِبراهيم في ربه.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} وهي السُّفنُ التي تَشقُّ المَاءَ شقاً ذَاهِبةً وجَائيةً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: هو وحده لا شريك له { الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ } وهيأه لمنافعكم المتنوعة. { لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا } وهو السمك والحوت الذي يصطادونه منه، { وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } فتزيدكم جمالا وحسنا إلى حسنكم، { وَتَرَى الْفُلْكَ } أي: السفن والمراكب { مَوَاخِرَ فِيهِ } أي: تمخر في البحر العجاج الهائل بمقدمها حتى تسلك فيه من قطر إلى آخر، تحمل المسافرين وأرزاقهم وأمتعتهم وتجاراتهم التي يطلبون بها الأرزاق وفضل الله عليهم. { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الذي يسر لكم هذه الأشياء وهيأها وتثنون على الله الذي منَّ بها، فلله تعالى الحمد والشكر والثناء، حيث أعطى العباد من مصالحهم ومنافعهم فوق ما يطلبون، وأعلى ما يتمنون، وآتاهم من كل ما سألوه، لا نحصي ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه.
همام الصنعاني
تفسير : 1477- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قَتَادَةَ، في قوله تعالى: {مَوَاخِرَ فِيهِ}: [الآية: 14]، قال: تجري مقبلة ومدبرة بِريحٍ واحدة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):