١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر بعض النعم التي خلقها الله تعالى في الأرض. فالنعمة الأولى: قوله: {وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {أَن تَمِيدَ بِكُمْ } يعني لئلا تميد بكم على قول الكوفيين وكراهة أن تميد بكم على قول البصريين، وذكرنا هذا عند قوله تعالى: { أية : يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } تفسير : [النساء: 176] والميد الحركة والاضطراب يميناً وشمالاً يقال: ماد يميد ميداً. المسألة الثانية: المشهور عن الجمهور في تفسير هذه الآية أن قالوا: إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء، فإنها تميد من جانب إلى جانب، وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فاستوت. قالوا فكذلك لما خلق الله تعالى الأرض على وجه الماء اضطربت ومادت، فخلق الله تعالى عليها هذه الجبال الثقال فاستقرت على وجه الماء بسبب ثقل هذه الجبال. ولقائل أن يقول: هذا يشكل من وجوه: الأول: أن هذا التعليل إما أن يذكر مع تسليم كون الأرض والماء ثقيلة بالطبع أو مع المنع من هذا الأصل ومع القول بأن حركات هذه الأجسام بطباعها أو ليست بطباعها بل هي واقعة بتخليق الفاعل المختار، أما على التقدير الأول فهذا التعليل مشكل، لأن على هذا الأصل لا شك أن الأرض أثقل من الماء، والأثقل من الماء يغوص في الماء ولا يبقى طافياً عليه وإذا لم يبق طافياً عليه امتنع أن يقال: إنها تميد وتميل وتضطرب، وهذا بخلاف السفينة لأنها متخذة من الخشب وفي داخل الخشب تجويفات مملوءة من الهواء، فلهذا السبب تبقى الخشبة طافية على الماء فحينئذ تضطرب وتميد وتميل على وجه الماء فإذا أرسيت بالأجسام الثقيلة استقرت وسكنت فظهر الفرق، وأما على التقدير الثاني وهو أن يقال: ليس للأرض ولا للماء طبائع توجب الثقل والرسوب والأرض إنما تنزل، لأن الله تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك وإنما صار الماء محيطاً بالأرض لمجرد إجراء العادة، وليس ههنا طبيعة للأرض ولا للماء توجب حالة مخصوصة فنقول: فعلى هذا التقدير علة سكون الأرض هي أن الله تعالى يخلق فيها السكون وعلة كونها مائدة مضطربة هي أن الله تعالى يخلق فيها الحركة وعلى هذا التقدير فإنه يفسد القول بأن الأرض كانت مائلة فخلق الله الجبال وأرساها عليها لتبقى ساكنة، لأن هذا إنما يصح إذا كان طبيعة الأرض توجب الميدان وطبيعة الجبال توجب الإرساء والثبات، ونحن إنما نتكلم الآن على تقدير نفي الطبائع الموجبة لهذه الأحوال، فثبت أن هذا التعليل مشكل على كل التقديرات. السؤال الثاني: هو أن إرساء الأرض بالجبال إنما يعقل لأجل أن تبقى الأرض على وجه الماء من غير أن تميد وتميل من جانب إلى جانب، وهذا إنما يعقل إذا كان الماء الذي استقرت الأرض على وجهه واقفاً فنقول: فما المقتضى لسكون ذلك الماء ووقوفه في حيزه المخصوص، فإن قلت: المقتضي لسكونه في ذلك الحيز المخصوص هو أن طبيعته المخصوصة توجب وقوفه في ذلك المعين، فلم لا تقول: مثله في الأرض وهو أن الطبيعة المخصوصة التي للأرض توجب وقوفها في ذلك الحيز المعين وذلك يفيد القول بأن الأرض إنما وقفت بسبب أن الله تعالى أرساها بالجبال. فإن قلت: المقتضى لسكون الماء في حيزه المعين هو أن الله تعالى سكن الماء بقدرته في ذلك الحيز المخصوص، فلم لا تقول مثله في سكون الأرض، وحينئذ يفسد هذا التعليل أيضاً. السؤال الثالث: أن مجموع الأرض جسم عظيم، فبتقدير أن تميد كليته وتضطرب على وجه البحر المحيط لم تظهر تلك الحالة للناس. فإن قيل: أليس أن الأرض تحركها البخارات المحتقنة في داخلها عند الزلازل، وتظهر تلك الحركات للناس فبم تنكرون على من يقول: إنه لولا الجبال لتحركت الأرض، إلا أنه تعالى لما أرساها بالجبال الثقال لم تقو الرياح على تحريكها. قلنا: تلك البخارات إنما احتقنت في داخل قطعة صغيرة من الأرض، فلما حصلت الحركة في تلك القطعة الصغيرة ظهرت تلك الحركة. قال القائلون بهذا القول: إن ظهور الحركة في تلك القطعة المعينة من الأرض يجري مجرى اختلاج يحصل في عضو معين من بدن الإنسان أما لو حركت كلية الأرض لم تظهر تلك الحركة، ألا ترى أن الساكن في السفينة لا يحس بحركة كلية السفينة وإن كانت واقعة على أسرع الوجوه وأقواها فكذا ههنا، فهذا ما في هذا الموضع من المباحث الدقيقة العميقة والذي عندي في هذا الموضع المشكل أن يقال ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كرة، وثبت أن هذه الجبال على سطح هذه الكرة جارية مجرى خشونات تحصل على وجه هذه الكرة. إذا ثبت هذا فنقول: لو فرضنا أن هذه الخشونات ما كانت حاصلة بل كانت الأرض كرة حقيقية خالية عن الخشونات والتضريسات لصارت بحيث تتحرك بالاستدارة بأدنى سبب لأن الجرم البسيط المستدير إما أن يجب كونه متحركاً بالاستدارة على نفسه وإن لم يجب ذلك عقلاً إلا أنه بأدنى سبب يتحرك على هذا الوجه، أما لما حصل على ظاهر سطح كرة الأرض هذه الجبال وكانت كالخشونات الواقعة على وجه الكرة فكل واحد من هذه الجبال إنما يتوجه بطبعه نحو مركز العالم وتوجه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم وقوته الشديدة يكون جارياً مجرى الوتد الذي يمنع كرة الأرض من الاستدارة، فكان تخليق هذه الجبال على وجه الأرض كالأوتاد المغروزة في الكرة المانعة لها عن الحركة المستديرة، فكانت مانعة للأرض من الميد والميل والاضطراب بمعنى أنها منعت الأرض من الحركة المستديرة، فهذا ما وصل إليه بحثي في هذا الباب. والله أعلم بمراده. النعمة الثانية: من النعم التي أظهرها الله تعالى على وجه الأرض هي أنه تعالى أجرى الأنهار على وجه الأرض واعلم أنه حصل ههنا بحثان: البحث الأول: أن قوله: {وَأَنْهَاراً } معطوف على قوله: {وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ } والتقدير وألقى رواسي وأنهاراً. وخلق الأنهار لا يبعد أن يسمى بالإلقاء فيقال: ألقى الله في الأرض أنهاراً كما قال: { أية : وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوٰسِيَ } تفسير : [قَ: 7] والإلقاء معناه الجعل ألا تر أنه تعالى قال في آية أخرى: { أية : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا } تفسير : [فصلت: 10] والإلقاء يقارب الإنزال، لأن الإلقاء يدل على طرح الشيء من الأعلى إلى الأسفل، إلا أن المراد من هذا الإلقاء الجعل والخلق قال تعالى: { أية : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى } تفسير : [طه: 39]. البحث الثاني: أنه ثبت في العلوم العقلية أن أكثر الأنهار إنما تتفجر منابعها في الجبال، فلهذا السبب لما ذكر الله تعالى الجبال أتبع ذكرها بتفجير العيون والأنهار. النعمة الثالثة: قوله: {وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } وهي أيضاً على قوله: {وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ } والتقدير: وألقى في الأرض سبلاً ومعناه: أنه تعالى أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم ونظيره قوله تعالى في آية أخرى: { أية : وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } تفسير : [طه: 53] وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } أي لكي تهتدوا. واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلاً معينة ذكر أنه أظهر فيها علامات مخصوصة حتى يتمكن المكلف من الاستدلال بها فيصل بواسطتها إلى مقصوده فقال: {وَعَلامَـٰتٍ } وهي أيضاً معطوفة على قوله: {فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ } والتقدير: وألقى في الأرض رواسي وألقى فيها أنهاراً وسبلاً وألقى فيها علامات والمراد بالعلامات معالم الطرق وهي الأشياء التي بها يهتدي، وهذه العلامات هي الجبال والرياح ورأيت جماعة يشمون التراب وبواسطة ذلك الشم يتعرفون الطرق. قال الأخفش تم الكلام عند قوله: {وَعَلامَـٰتٍ } وقوله: {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } كلام منفصل عن الأول، والمراد بالنجم الجنس كقولك: كثر الدرهم في أيدي الناس. وعن السدي هو الثريا، والفرقدان، وبنات نعش، والجدي، وقرأ الحسن: {وَبِٱلنَّجْمِ } بضمتين وبضمة فسكون، وهو جمع نجم كرهن ورهن والسكون تخفيف. وقيل: حذف الواو من النجم تخفيفاً. فإن قيل: قوله: {أَن تَمِيدَ بِكُمْ } خطاب الحاضرين وقوله: {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } خطاب للغائبين فما السبب فيه؟ قلنا: إن قريشاً كانت تكثر أسفارها لطلب المال، ومن كثرت أسفاره كان علمه بالمنافع الحاصلة من الاهتداء بالنجوم أكثر وأتم فقوله: {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } إشارة إلى قريش للسبب الذي ذكرناه، والله أعلم. واختلف المفسرون فمنهم من قال قوله: {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } مختص بالبحر، لأنه تعالى لما ذكر صفة البحر وما فيه من المنافع بين أن من يسيرون فيه يهتدون بالنجم، ومنهم من قال: بل هو مطلق يدخل فيه السير في البر والبحر وهذا القول أولى، لأنه أعم في كونه نعمة ولأن الاهتداء بالنجم قد يحصل في الوقتين معاً، ومن الفقهاء من يجعل ذلك دليلاً على أن المسافر إذا عميت عليه القبلة فإنه يجب عليه أن يستدل بالنجوم وبالعلامات التي في الأرض، وهي الجبال والرياح، وذلك صحيح، لأنه كما يمكن الاهتداء بهذه العلامات في معرفة الطرق والمسالك فكذلك يمكن الاستدلال بها في معرفة طلب القبلة. واعلم أن اشتباه القبلة إما أن يكون بعلامات لائحة أو لا يكون، فإن كانت لائحة وجب أن يجب الاجتهاد ويتوجه إلى حيث غلب على الظن أنه هو القبلة، فإن تبين الخطأ وجب الإعادة، لأنه كان مقصراً فيما وجب عليه، وإن لم تظهر العلامات فههنا طريقان: الطريق الأول: أن يكون مخيراً في الصلاة إلى أي جهة شاء لأن الجهات لما تساوت وامتنع الترجيح لم يبق إلا التخيير. والطريق الثاني: أن يصلي إلى جميع الجهات فحينئذ يعلم بيقين أنه خرج عن العهدة وهذا كما يقوله الفقهاء: فيمن نسي صلاة لا يعرفها بعينها أن الواجب عليه في القضاء أن يأتي بالصلوات الخمس ليكون على يقين من قضاء ما لزمه، ومنهم من يقول: الواجب منها واحدة فقط وهذا غلط لأنه لما لزمه أن يفعل الكل كان الكل واجباً وإن كان سبب وجوب كل هذه الصلوات فوت الصلاة الواحدة، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ} أي جبالاً ثابتة. رَسَا يرسو إذا ثبت وأقام. قال:شعر : فصَبَرْتُ عارِفةً لذلك حُرّةً ترسو إذا نفسُ الجبان تطلَّعُ تفسير : {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} أي لئلا تَميد؛ عند الكوفيين. وكراهية أن تميد؛ على قول البصريين. والمَيْد: الاضطراب يميناً وشمالاً؛ ماد الشيء يميد ميداً إذا تحرك؛ ومادت الأغصان تمايلت، وماد الرجل تبختر. قال وهب بن مُنَبِّه: خلق الله الأرض فجعلت تميد وتمور، فقالت الملائكة: إن هذه غير مقرّة أحداً على ظهرها فأصبحت وقد أرْسِيت بالجبال، ولم تدر الملائكة ممّ خلقت الجبال. وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: لما خلق الله الأرض قَمَصَت ومالت وقالت: أيْ رَب أتجعل عليّ من يعمل بالمعاصي والخطايا، ويلقي عليّ الجِيف والنّتْن! فأرسى الله تعالى فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون. وروى الترمذيّ في آخر (كتاب التفسير) حدّثنا محمد بن بشار حدّثنا يزيد بن هارون أخبرنا العوّام بن حَوْشَب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما خلق الله الأرض جعلت تَمِيد فخلق الجبال فعاد بها عليها فاستقرّت فعجب الملائكة من شدّة الجبال فقالوا يا رَبّ هل مِن خلقك شيء أشدّ من الجبال قال نعم الحديد قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشدّ من الحديد قال نعم النار فقالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشدّ من النار قال نعم الماء قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشدّ من الماء قال نعم الريح قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشدّ من الريح قال نعم ابنُ آدم تصدّق بصدقة بيمينه يخفيها من شماله».تفسير : قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه. قلت: وفي هذه الآية أدلّ دليل على استعمال الأسباب، وقد كان قادراً على سكونها دون الجبال. وقد تقدّم هذا المعنى. {وَأَنْهَاراً} أي وجعل فيها أنهاراً، أو ألقى فيها أنهاراً. {وَسُبُلاً} أي طُرُقاً ومسالك. {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي إلى حيث تقصِدون من البلاد فلا تضلون ولا تتحيّرون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ } جبالاً ثوابت لــ {أن} لا {تَمِيدَ } تتحرّك {بِكُمْ } جعل فيها {أَنْهَارَاً } كالنيل {وَسُبُلاً } طرقاً {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } إلى مقاصدكم.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر الأغوار، الهابطة الضابطة للبحار، أتبعها الأنجاد الشداد، التي هي كالأوتاد، تذكيراً بما فيها من النعم فقال: {وألقى في الأرض} أي وضع فيها وضعاً، كأنه قذفه فيها قذفاً، جبالاً {رواسي} مماسة لها ومزينة لنواحيها، كراهة {أن تميد} أي تميل مضطربة يميناً وشمالاً، أي فيحصل لكم الميد، وهو دوار يعتري راكب البحر {بكم} فهي ثابتة لأجل ذلك الإلقاء، ثابتة مع اقتضائها بالكرية التحرك. ولما ذكر الأوهاد، وأتبعها الأوتاد، تلاها بما تفجره غالباً منها، عاطفاً على { رواسي} لما تضمنه العامل من معنى "جعل" فقال: {وأنهاراً} وأدل دليل على ثبات الأرض ما سبقها من ذكر البحار، ولحقها من الحديث عن الأنهار، فإنها لو تحركت ولو بمقدار شعرة في كل يوم لأغرقت البحارُ من إلى جانب الانخفاض، وتعاكست مجاري الأنهار، فعادت منافعها أشد المضار، ولو زادت البحار، بما تصب فيها الأنهار، على مر الليل وكر النهار، لأغرقت الأرض، ولكنه تعالى دبر الأمر بحكمته تدبيراً تعجز عن الاطلاع على كنهه أفكار الحكماء، بأن سلط حرارة الشمس على الأرض في جميع مدة الصيف وبعض غيره من الفصول، فسرت في أغوارها، وحميت في أعماقها في الشتاء، فأسخنت مياه البحار وغيرها فتصاعدت منها بخارات كما يتصاعد من القدر المغلي بقدر ما صبت فيها الأنهار، فانعقدت تلك البخارات في الجو مياهاً لما بردت، فنزل منها المطر، فأحيا الأرض بعد موتها، وتخلل أعماقها منه ما شاء الله، فأمد الأنهار، ولذلك تزيد بزيادة المطر وتنقص بنقصه، وهكذا في كل عام، فأوجب ذلك بقاء البحر على حاله من غير زيادة، فسبحان المدبر الحكيم العزيز العليم! ولما ذكر ذلك، أتبعه ما يتوصل به إلى منافع كل منه فقال تعالى: {وسبلاً}. ولما كانت الجبال والبحار والأنهار أدلة على السبل الحسية والمعنوية، قال تعالى: {لعلكم تهتدون *} أي يحصل الاهتداء فتهتدوا إلى مقاصدكم. ولما كانت الأدلة في الأرض غير محصورة فيها، قال: {وعلامات} أي من الجبال وغيرها، جمع علامة وهي صورة يعلم بها المعنى من خط، أو لفظ أو إشارة أو هيئة، وقد تكون علامة وضعية، وقد تكون برهانية. ولما كانت الدلالة بالنجم أنفع الدلالات وأعمها وأوضحها براً وبحراً ليلاً ونهاراً، نبه على عظمها بالالتفات إلى مقام الغيبة لإفهام العموم لئلا يظن أن المخاطب مخصوص، وأن الأمر لا يتعداه، فقال تعالى: {وبالنجم هم} أي أهل الأرض كلهم، وأولى الناس بذلك أول المخاطبين، وهم قريش ثم العرب كلها، لفرط معرفتهم بالنجوم {يهتدون *} وقدم الجار تنبيهاً على أن دلالة غيره بالنسبة إليه سافلة. ولما لم يبق - بذكر الدلائل على الوحدانية على الوجه الأكمل، والترتيب الأحسن، والنظم الأبلغ - شبهة في أن الخالق إنما هو الله، لما ثبت من وحدانيته، وتمام علمه وقدرته، وكمال حكمته، لجعله تلك الدلائل نعماً عامة، ومنناً تامة، مع اتضاح العجز في كل ما يدعون فيه الإلهية من دونه، واتضاح أنه سبحانه في جميع صنعه مختار، للمفاوتة في الوجود والكيفيات بين ما لا مقتضى للتفاوت فيه غير الاختيار، فثبت بذلك أنه قادر على الإًّتيان بما يريد. قال مسبباً عن ذلك: {أفمن يخلق} أي يجدد ذلك حيث أراد ومتى أراد فلا يمكن عجزه بوجه لتمكن شركته {كمن} شركته ممكنة، فهو أصل في ذلك بسبب أنه {لا يخلق} أي لا يقع ذلك منه وقتاً ما من الأصنام وغيرها، في العجز عن الإتيان بما يقوله؛ المستلزم لأن يكون ممكناً مخلوقاً، ولو كان التشبيه معكوساً كما قيل لم يفد ما أفاد هذا التقدير من الإبلاغ في ذمهم بإنزال الأعلى عن درجته، وعبر بـ "من" لأنهم سموها آلهة، وأنهى أمرها أن تكون عاقلة، فإذا انتفى عنها وصف الإلهية معه لعدم القدرة على شيء انتفى بدونه من باب الأولى. ولما سبب عن هذه الأدلة إنكار تسويتهم الخالق بغيره في العجز، سبب عن هذا الإنكار إنكار تذكرهم، حثاً لهم على التذكر المفيد لترك الشرك فقال: {أفلا تذكرون *} بما تشاهدونه من ذلك ولو من بعض الوجوه - بما أفاده الإدغام - لتذكروا ما يحق اعتقاده.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن عبد حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق قتادة، عن الحسن عن قيس بن عباد قال: إن الله لما خلق الأرض جَعَلتْ تَمور، فقالت الملائكة ما هذه بمُقِرَّة على ظهرها أحداً، فأصبحت صبحاً، وفيها رواسيها، فلم يدروا من أين خلقت، فقالوا ربنا هل من خلقك شيء أشد من هذا؟ قال: نعم، الحديد، فقالوا: هل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار. قالوا: ربنا، هل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم! الماء. قالوا: ربنا، هل من خلقك شيء هو أشد من الماء؟ قال: نعم الريح. قالوا: ربنا، هل من خلقك شيء هو أشد من الريح؟ قال: نعم الرجل. قالوا: ربنا، هل من خلقك شيء هو أشد من الرجل؟ قال: نعم المرأة. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {رواسي} قال: الجبال {أن تميد بكم} قال: أثبتها بالجبال، ولولا ذلك ما أقرت عليها خلقاً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {رواسي أن تميد بكم} قال: حتى لا تميد بكم. كانوا على الأرض تمور بهم لا يستقر بها، فأصبحوا صبحاً، وقد جعل الله الجبال، وهي الرواسي أوتاداً في الأرض. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله {أن تميد بكم} قال: أن تكفأ بكم، وفي قوله وأنهاراً قال بكل بلدة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله {وسبلاً} قال: السبل هي الطرق بين الجبال. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم و الخطيب في كتاب النجوم، عن قتادة في قوله {وسبلاً} قال: طرقاً {وعلامات} قال: هي النجوم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله {وعلامات} قال: أنهار الجبال. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن الكلبي في قوله {وعلامات} قال: الجبال. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله {وعلامات} يعني معالم الطرق بالنهار {وبالنجم هم يهتدون} يعني بالليل. وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن إبراهيم {وعلامات} قال: هي الاعلام التي في السماء {وبالنجم هم يهتدون} قال: يهتدون به في البحر في أسفارهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} قال منها ما يكون علامة، ومنها ما يهتدى به. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد أنه كان لا يرى بأساً أن يتعلم الرجل منازل القمر. وأخرج ابن المنذر، عن إبراهيم، أنه كان لا يرى بأساً أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {أفمن يخلق كمن لا يخلق} قال: الله هو الخالق الرازق، وهذه الأوثان التي تعبد من دون الله تُخْلَقُ ولا تخلقُ شيئاً، ولا تملك لأهلها ضراً ولا نفعاً. قال الله {أفلا تذكرون} وفي قوله {والذين يدعون من دون الله} الآية. قال: هذه الأوثان التي تعبد من دون الله أموات لا أرواح فيها، ولا تملك لأهلها خيراً ولا نفعاً {إلهكم إله واحد} قال: الله إلهنا ومولانا وخالقنا ورازقنا ولا نعبد ولا ندعو غيره. {الذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة} يقول منكرة لهذا الحديث {وهم مستكبرون} قال مستكبرون عنه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس في قوله {لا جرم} يقول بلى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك في قوله {لا جرم} يعني الحق. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله {لا جرم} قال لا كذب. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {إنه لا يحب المستكبرين} قال: هذا قضاء الله الذي قضى {إنه لا يحب المستكبرين} وذكر لنا، حديث : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، إنه ليعجبني الجمال، حتى أود أن علاقة سوطي، وقبالة نعلي حسن، فهل ترهب عليّ الكبر؟ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجد قلبك؟ قال: أجده عارفاً للحق مطمئناً إليه. قال: فليس ذاك بالكبر، ولكن الكبر أن تبطر الحق وتغمص الناس، فلا ترى أحداً أفضل منك، وتغمص الحق، فتجاوزه إلى غيره . تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وعبد بن حميد وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسين بن علي، أنه كان يجلس إلى المساكين ثم يقول: {إنه لا يحب المستكبرين} . وأخرج ابن أبي حاتم، عن علي قال: ثلاث من فعلهن لم يكتب مستكبراً: من ركب الحمار ولم يستنكف، ومن اعتقل الشاة واحتلبها، وأوسع للمسكين وأحسن مجالسته. وأخرج مسلم والبيهقي في الشعب، عن عياض بن حمار المجاشعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في خطبته "حديث : إن الله أوحى إليّ، أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن عمر بن الخطاب رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله: "من تواضع لي هكذا - وأشار بباطن كفه إلى الأرض وأدناه من الأرض - رفعته هكذا - وأشار بباطن كفه إلى السماء - ورفعها نحو السماء. وأخرج الخطيب والبيهقي، عن عمر أنه قال على المنبر: يا أيها الناس تواضعوا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من تواضع لله رفعه الله وقال: انتعش رفعك الله، فهو في نفسه صغير، وفي أعين الناس عظيم، ومن تكبر، وضعه الله، وقال: اخسأ خفضك الله، فهو في أعين الناس صغير، وفي نفسه كبير، حتى لهو أهون عليهم من كلب أو خنزير ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من آدمي إلا وفي رأسه سلسلتان - سلسلة في السماء وسلسلة في الأرض - وإذا تواضع العبد، رفعه الملك الذي بيده السلسلة من السماء، وإذا تجبر جذبته السلسلة التي في الأرض ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من أدمي إلا وفي رأسه حكمة - الحكمة بيد ملك - فإن تواضع قيل للملك: ارفع حكمته، وإن ارتفع، قيل للملك: ضع حكمته ". تفسير : وأخرج البيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تكبر تعظماً وضعه الله، ومن تواضع لله تخشعاً رفعه الله ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان". فقال رجل: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً؟ فقال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر من بطر الحق وغمص الناس" ". تفسير : وأخرج ابن سعد وأحمد والبيهقي، عن أبي ريحانة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : "لا يدخل شيء من الكبر الجنة" قال قائل: يا رسول الله، إني أحب أن أتجمل بعلاقة سوطي وشسع نعلي؟ فقال: إن ذلك ليس بالكبر "إن الله جميل يحب الجمال، إنما الكبر من سفه الحق، وغمص الناس بعينيه""تفسير : . وأخرجه البغوي في معجمه والطبراني، حديث : عن سوار بن عمرو الأنصاري قال:قلت يا رسول الله، إني رجل حبب إلي الجمال، وأعطيت منه ما ترى، فما أحب أن يفوقني أحد في شسع افمِنَ الكبر ذاك؟ قال: لا. قلت: فما الكبر يا رسول الله؟ قال: "من سفه الحق وغمص الناس" ". تفسير : وأخرج البغوي والطبراني، عن سوار بن عمرو الأنصاري قال: حديث : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني رجل حبب إلي الجمال، حتى إني لا أحب أحداً يفوقني بشراك، افمن الكبر ذاك؟ قال: لا. "ولكن الكبر من غمص الناس وبطر الحق" ". تفسير : وأخرج ابن عساكر، عن ابن عمر، حديث : عن أبي ريحانة قال: "يا رسول الله، إني لأحب الجمال حتى في نعلي وعلاقة سوطي، أفمن الكبر ذلك؟ قال: "إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده، الكبر من سفَّه الحق، وغمص الناس أعمالهم" ". تفسير : وأخرج ابن عساكر، حديث : عن خريم بن فاتك أنه قال: يا رسول الله، إني لأحب الجمال، حتى إني لأحبه في شراك نعلي، وجلاد سوطي، وإن قومي يزعمون أنه من الكبر، فقالليس الكبر أن يحب أحدكم الجمال، ولكن الكبر أن يسفه الحق ويغمص الناس ". تفسير : وأخرج سمويه في فوائده، والباوردي، وابن قانع، والطبراني، عن ثابت بن قيس بن شماس قال: ذكر الكبر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "حديث : إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً، فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله، إن ثيابي لتغسل، فيعجبني بياضها، ويعجبني علاقة سوطي، وشراك نعلي، فقال النبي:- صلى الله عليه وسلم - ليس ذاك من الكبر، إنما الكبر: أن تسفه الحق وتغمص الناس ". تفسير : وأخرج الطبراني، عن أسامة قال: أقبل رجل من بني عامر فقال: يا رسول الله،حديث : بلغنا أنك شددت في لبس الحرير والذهب، وإني لأحب الجمال، فقال رسول الله:- صلى الله عليه وسلم - "إن الله جميل يحب الجمال، إنما الكبر من جهل الحق وغمص الناس بعينيه". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "حديث : أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني رجل حبب إليَّ الجمال، وأعطيت منه ما ترى؛ حتى ما أحب أن يفوقني أحد بشراك، أو شسع، أفمن الكبر هذا؟ قال: "لا، ولكن الكبر من بطر الحق وغمص الناس" ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن مسعود رضي الله عنه مثله، وفيه: إن الرجل مالك الرهاوي، وقال البغي بدل الكبر. وأخرج أحمد في الزهد، عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أوصى نوح ابنه، فقال: إني موصيك بوصية وقاصرها عليك حتى لا تنسى، أوصيك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين، فأما اللتان أوصيك بهما، فإني رأيتهما يكثران الولوج على الله عز وجل، ورأيت الله تبارك وتعالى يستبشر بهما، وصالح خلقه، قل: سبحان الله وبحمده، فإنها صلاة الخلق وبها يرزق الخلق، وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فإن السموات والأرض لو كُنَّ حلقة لقصمتها، ولو كُنَّ في كفةٍ لرجحت بهن، وأما اللتان أنهاك عنهما، فالشرك والكبر، فقال عبد الله بن عمرو: يا رسول الله، الكبر أن يكون لي حلة حسنة ألبسها؟ قال: "لا إن الله جميل يحب الجمال" قال: فالكبر أن يكون لي دابة صالحة أركبها؟ قال: لا، قال: فالكبر أن يكون لي أصحاب يتبعوني وأطعمهم؟ قال: لا، قال: فأيما الكبر يا رسول الله؟ قال: "أن تسفه الحق وتغمص الناس" ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن عمرو قال: لا يدخل حظيرة القدس متكبر. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: المتكبرون يجعلون يوم القيامة في توابيت من نار فتطبق عليهم. وأخرج أحمد والدارمي والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن حبان والحاكم، عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من فارق الروح جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة، الكبر والدين والغلول" تفسير : قال ابن الجوزي: في جامع المسانيد كذا روى لنا الكبر، وقال الدارقطني إنما هو الكنز بالنون والزاي. وأخرج الطبراني عن السائب بن يزيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" قالوا يا رسول الله هلكنا وكيف لنا أن نعلم ما في قلوبنا من دأب الكبر؟ وأين هو؟ فقال: "من لبس الصوف، أو حلب الشاة، أو أكل مع من ملكت يمينه، فليس في قلبه إن شاء الله الكبر" ". تفسير : وأخرج تمام في فوائده وابن عساكر، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لبس الصوف وانتعل المخصوف وركب حماره وحلب شاته وأكل معه عياله، فقد نحى الله عنه الكبر. أنا عبد ابن عبد أجْلِس جلسة العبد وآكل أكل العبد، أني قد أوحي إلي أن تواضعوا ولا يبغ أحد على أحد، أن يد الله مبسوطة في خلقه، فمن رفع نفسه وضعه الله، ومن وضع نفسه رفعه الله، ولا يمشي امرؤ على الأرض شبراً يبتغي سلطان الله الا أكبه الله ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن يزيد بن ميسرة قال: قال عيسى عليه السلام: ما لي لا أرى فيكم أفضل العبادة؟ قالوا: وما أفضل العبادة يا روح الله؟ قال: التواضع لله. وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي، عن عائشة رضي الله عنها قالت: إنكم لتدعون أفضل العبادة: التواضع. وأخرج البيهقي عن يحيى بن أبي كثير قال: أفضل العمل الورقع، وخير العبادة التواضع. وأخرج ابن ابي شيبة والبيهقي، عن ابن عمرو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، كبّه الله على وجهه في النار ". تفسير : وأخرج البيهقي عن النعمان بن بشير: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن للشيطان مصالي وفخوخاً، وإن من مصاليه وفخوخه البطر بنعم الله والفخر بعطاء الله والكبر على عباد الله واتباع الهوى في غير ذات الله تعالى ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل فظ غليظ مستكبر. الا أنبئكم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف ذي طمرين، لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره ". تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه والبيهقي، عن جبير بن مطعم قال: يقولون في التيه: وقد ركبت الحمار ولبست الشملة وحلبت الشاة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من فعل هذا فليس فيه من الكبر شيء ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد، عن عبد الله بن شداد رفع الحديث قال: من لبس الصوف واعتقل الشاة وركب الحمار وأجاب دعوة الرجل الدون أو العبد، لم يكتب عليه من الكبر شيء. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وأبو يعلى والحاكم وصححه والبيهقي، عن عبد الله بن سلام أنه رؤي في السوق على رأسه حزمة حطب، فقيل له: أليس قد أوسع الله عليك؟ قال: بلى، ولكني أردت أن أدفع الكبر، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ". تفسير : وأخرج البيهقي عن جابر قال: حديث : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل رجل، فلما رآه القوم أثنوا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأرى على وجهه سفعة من النار. فلما جاء وجلس قال: أنشدك بالله، أجئت وأنت ترى أنك أفضل القوم؟ قال: نعم ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن المبارك، أنه سئل عن التواضع فقال: التكبر على الأغنياء. وأخرج البيهقي عن ابن المبارك قال: من التواضع أن تضع نفسك عند من هو دونك في نعمة الدنيا، حتى تعلمه أنه ليس لك فضل عليه لدنياك، وأن ترفع نفسك عند من هو فوقك في دنياه، حتى تعلمه أنه ليس لدنياه فضل عليك. وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: من خضع لغني ووضع له نفسه اعظاماً له وطمعاً فيما قبله، ذهب ثلثا مروءته وشطر دينه. وأخرج أحمد في الزهد عن عون بن عبد الله قال: قال عبد الله بن مسعود: لا يبلغ عبد حقيقة الإِيمان حتى يحل بذروته، ولا يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى والتواضع أحب إليه من الشرف، وحتى يكون حامده وذامّه سواء. قال: ففسرها أصحاب عبد الله قالوا: حتى يكون الفقر في الحلال أحب إليه من الغني في الحرام. وحتى يكون التواضع في طاعة الله أحب إليه من الشرف في معصية الله، وحتى يكون حامده وذامّه في الحق سواء.
القشيري
تفسير : الرواسي في الظاهر الجبال، وفي الإشارة الأولياء الذين هم غياث الخَلْق، بهم يرحمهم، وبهم يغيثهم.. ومنهم أبدال ومنهم أوتاد ومنهم القطب. وفي الخبر: "حديث : الشيخ في قومه كالنبي في أمته" تفسير : وقال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}تفسير : [الأنفال: 33]، كما قال تعالى:{أية : وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ}تفسير : ، [الفتح: 25] وأنشد بعضهم: شعر : واحسرتا من فراق قوم هم المصابيح والأمن والمزن
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} لما اشرقت ارض القلوب بانوار عظمة الآزال والاباد سنا سبحات الذات والصفات وتزلزلت واهتزت وكادت ان ترتفع فى هواء الهوية فالقى الحق سبحانه رواسى علومه الغيبية ومعارفه السرمدية حتى لا تطير باشباحها وارواحها وارباب هذه القلوب رواسى الاكوان والحدثان ولولاهم لطار الاكوان فى الغيب وغيب الغيب ثم وصف ارض القلوب كيف اجرى فيها انهار المعرفة والمكاشفة والمحبة والشوق والعشق والحكمة والفطنة واوضح فيها سبلا للارواح والعقول والاسرار منها الى الحق وتلك السبل بلا نهاية لان الطرق الى الله غير متناهية لانه تعالى غير متناه فبعض سبلها للعقول الى انوار الايات وبعض سبلها للارواح الى انوار الصفات وبعض سبلها للاسرار الى انوار الذات وان الله سبحانه يظهر بجلاله وجماله فى تلك السبل لاسراره القلوب كشفا وعيانا ولولا ذلك الكشوف والظهور لم يهتد الارواح والعقول والاسرار اليه قال تعالى لعلكم تهتدون اى تهتدون به اليه ثم زاد سبب العرفان بان يريهم علامات مشاهدته من لوائح كشف الملكوت وانجم الجبروت.
اسماعيل حقي
تفسير : {والقى} الله تعالى بقدرته القاهرة {فى الارض} هى كروية الشكل محلها وسط العالم وسميت بالارض لانها تأرض اى تأكل اجساد بنى آدم {رواسى} اى جبالا ثوابت من غير سبب ولا ظهير كأنها حصيات قبضهن قابض بيده فنبذهن فى الارض فهو تصوير لعظمته وتمثيل لقدرته وان كل عسير فهو عليه يسر اى وجعل فيها رواسى بان قال لها كونى فكانت فاصبحت الارض وقد ارسيت بالجبال بعد ان كانت تمور مورا فلم يدر احد مم خلقت من رسا الشئ اذا نبت جمع راسية والتاء للتأنيث على انها صفة جبال {ان تميد بكم} مفعول له والميد الحركة والميل يقال ماد يميد ميدا تحرك ومنه سميت المائدة. والمعنى كراهة ان تميل بكم وتضطرب. وبالفارسية [تاميلى نكند بشمازمين يعني متحرك ومضطرب نكردد وشمارا نيكودارد] وقد خلق الله الارض مضطربة لكونها على الماء ثم ارساها بالجبال وهى ستة آلاف وستمائة وثلاثة وسبعون جبلا سوى التلول على جريان عادته فى جعل الاشياء منوطة بالاسباب فالارض بلا جبال كاللحم بلا عظام فكما ان وجود الحيوان وجسده انما يستمسك بالعظم فكذا الارض انما تقوم بالرواسى ألا ترى ان سطيحا الكاهن لم يكن فى بدنه عظم سوى القفا لكونه من ماء المرأتين وكان لا يستمسك وانما يخرج فى السنة مرة ملفوفا فى خرقة او موضوعا على صحيفة من فضة {وانهارا} جمع نهر ويحرك مجرى الماء اى وجعل فيها انهارا لان فى القى معنى الجعل اذا لا لقاء جعل مخصوص وذلك مثل الفرات نهر الكوفة ودجلة نهر بغداد وجيحون نهر بلخ وجيحان نهر اذنه فى بلاد الارمن وسيحون نهر الهند وسيحان نهر المصيصة والنيل نهر مصر وغيرها من الانهار الجارية فى اقطار الارض {وسبلا} وطرقا مختلفة جمع سبيل وهو الطريق وما وضح يعنى {بديد كرديم در زمين راهها ازهر موضعى بموضعى]{لعلكم تهتدون} ارادة ان تهتدوا بها الى مقاصدكم ومنازلكم. قال بعضهم خذوا الطريق ولو دارت واسكنوا المدن ولو جارت وتزوجوا البكر ولو بارت اى ولو كانت البكر بورا اى فاسدة هالكة لا خير فيهاشعر : > زن نوكن اى دوست هر نوبهار كه تقويم بارين نيايد بكار
الجنابذي
تفسير : {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} كراهة ان تميد الارض بكم باضطرابها. اعلم، انّ الارض كرويّة الشّكل حيّزها حول مركز العالم بحيث انّ كلّ جزءٍ من اجزائها لتوافقها مع الكلّ فى الطّبع لو خلّى وطبعه لما استقرّ الاّ فى حيّز المركز كما هو المشهود، ولو كان الاجزاء طالبة للكلّ ولسنخها كما قيل للزم عدم افتراق ما اتّصل بقلل الجبال الى السّفل والارض ساكنة فى حيّزها غير متحرّكة، وان قال بحركتها المتحدّسون بقوّة الحسّ وليست تلك الكرة كالكرة الواقعة فى الماء الطّافية فوق الماء حتّى تحتاج الى ما يسكنها عن الحركة والانقلاب وليست الجبال ما يزيد فى سكونها لانّه ليس ارتفاع الجبال المرتفعة البالغة غاية الارتفاع بالنّسبة الى قطر الكرة الاّ مقدار شعيرةٍ او اقلّ، وظاهر الآية يدلّ على انّ تلك الكرة لو لم يكن الجبال تضطرب وتنقلب وتتحرّك ولا يمكن التّعيّش عليها الاّ بالجبال فنقول: انّ الجبال وان لم تكن اسباباً لسكون الكرة كما عرفت لكنّه قد يقع الزلزلة القويّة باسباب سماويّة وارضيّة ولولا الجبال لسرت تلك الزّلزلة الى مجاورات القطعة الّتى وقعت فيها الزّلزلة مسافات كثيرة والجبال تمنع من تلك السّراية كما لا يخفى، وهذا القدر كافٍ فى صدق ظاهر الآية مع انّ المقصود بطونها، وايضاً قد سلف منّا انّ العالم بتمام اجزائه مظاهر لاسماء الله وانّ خلفاء الله اسماء الله العظماء والجبال مظاهر لها بسكونها وارتفاعها وثقلها وصلابتها وجريان المياه من تحتها، وقد يجرى احاكم الظّاهر على المظاهر كما مضى من جريان احكام القلب والصّدر على بيت الله ومكّة، وقد ورد فى الاخبار لولا الامام لماجت الارض بأهلها، او لو فقد الحجّة لساخت الارض باهلها، وغير ذلك من الاخبار فبوجود خلفاء الله (ع) وجود الارض وسكونها وقرارها. ولمّا كانت الجبال مظاهر لخلفاء الله حكم عليها انّ بها قرار الارض وسكونها اجراءً لحكم الظّاهر على المظهر، هذا بحسب التّنزيل، وامّا بحسب التّأويل فالعقول الكلّيّة المعبّر عنها بالقيام لا ينظرون وبالمقرّبين بوجهٍ جبال الارض، والعقول العرضيّة المعبّر عنها بالصّافّات صفّاً جبال الارض، والنّفوس الكلّيّة المعبّر عنها بالمدبّرات امراً والنّفوس الجزئيّة المعبّر عنها بالرّكّع والسّجّد والاقدار المثاليّة المعبّر عنها بذوى الاجنحة كلّها جبال الارض، وخلفاء الله فى الارض اعظم جبال الارض، هذا فى الكبير وكلّ ما فى الكبير فهو بعينه جارٍ فى العالم الصّغير {وَأَنْهَاراً} بواسطة الرّواسى {وَسُبُلاً} فى الارض {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} بالسّبل الى مقاصدكم من الاسفار البعيدة والامتعة الّتى فى غير امكنتكم او لعلّكم تهتدون الى المقصد الحقيقىّ من التّوجّه الى الله والسير على سبيله الّذى جعل لكم من الانبياء والاولياء (ع).
اطفيش
تفسير : {وَأَلْقَى فِى الأَرْضِ رَوَاسِىَ} جبالا رواسى أى ثوابت لثقلها {أَن تَمِيدَ} أن تتحرك وتضطربَ فى تأويل مصدر مفعول لأَجله على حذف مضاف أى كراهة ميدها، ويجوز تقدير المصدر مخفوضا على الإِضافة غير نائب عن المضاف فى النصب وذلك لأَنه غير صريح بل عبر عنه بالفعل وجر فى المصدر، وقيل الأَصل لئلا تميد بلام الجر ولا النافية فحذفتا {بِكُمْ} كانت الأَرض تتحرك بأَدنى سبب من ماء أو ريح سواء قلنا إِنها بسيطة أو كرة أو بسيطة الطبع كرة الحقيقة أو تتحرك كالأَفلاك فقالت الملائكة لا يقر على ظهرها أحد فأرسل الله على وسطها الجبال فأَصبحت لا تتحرك ولم يدروا ما خلق الجبال {وَأَنْهَاراً} عطف على رواسى لأَن فى الإِلقاء معنى الجعل أو التقدير وجعل فيها أنهارا ودل على هذا قوله ألقى فيها وذكر الأَنهار عقب الْجبال لأَن معظم العيون وأُصولها من الجبال {وَسُبُلاً} طرقا من مكان إِلى مكان تسلكونها فى حوائجكم {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} إِلى مقاصدكم بتلك السبل وعبر بلعل لأَنهم قد يخطئون فيصلون فعبر لهم بما يترجون به أو لعل للتعليل أى لتهتدوا وقيل المراد لعلكم تهتدون بإِلقاء الرواسى والأَنهار والسبل إِلى معرفة الله بالتفكر والنظر فى المصنوعات.
اطفيش
تفسير : {وأَلْقَى} وضع ببعض شدة من جهة السماءِ، وفسر بخلق من الأَرض والأَول أَصح {فِى الأَرْضِ رَوَاسِىَ} جبالا رواسى أَى ثوابت {أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} على حذف مضاف كراهة أَن تميد بكم بلا النافية أَى لئلا تميد بكم، والميد الميل من جانب لجانب بتكرر والباء للتعدية، خلق الله الأَرض على الماءِ فجعلت تمور، وذلك بخلق الله تعالى فيها، وذات الشىءِ لا تقتضى الحركة، وإِنما هى بإِرادة الله تعالى فقال الملائِكة: لا يستقر عليها أَحد، فأَصبحت وقد أُرسيت بالجبال على جريان عادته تعالى فى جعل الأَشياءِ منوطة بالأَسباب وإِذا شاءَ لم يعلقها بالأَسباب، وفى ذلك رد على من زعم من الكفار أَنها تميل على استقامة إِلى المشرق فيكون الليل، وإِلى المغرب فيكون النهار، والشمس والقمر لا جريان لهما وذلك إِنكار لجريانهما المذكور فى القرآن وإِنكار لتحرك جوانبهما فأَرست عليها الجبال فسكنت وزعموا أَن فى الإقليم الأَول عشرين جبلا، وفى الثانى سبعة وعشرين وفى الثالث ثلاثة وثلاثين، وفى الرابع خمسة وخمسين، وفى الخامس ثلاثين وفى كل من السادس والسابع أَحد عشر، وذلك مائة وسبع وثمانون والله اَعلم، ولعله لا يصح ذلك، قال علماء: الهيئة: ثلاثة أَرباع كورة الأَرض غائصة فى البحر المحيط، وفى الربع المسكون سبعة أَبحر سخرها الله عز وجل للناس، وكانت تميل من جانت لجانب فأَلقى الله عليها الجبال فثبتت كسفينة تتحرك، وجعل فيها الأَثقال فثبتت وكانت لها كالأَوتاد قال الله عز وجل: "أية : والجبال أَوتادا"تفسير : [النبأ: 7] وأَن الأَرض كرة وأَن أَعظم جبل فى الأَرض ارتفاعا فرسخان وثلث فرسخ نسبته إلى جميع الأَرض نسبة خمس سبع شعيرة إِلى كرة قطرها ذراع، وهذا القدر من الشعير لا يخرج الكرة المذكورة عن صحة الاستدارة بحيث يمنعها عن سلاسة الحركة، فكذلك ينبغى أَن يكون حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض ومن حلف لا يجلس على الأرض وأَراد مقابل الفراش حنث بالجلوس على الجبل، وإِن أَهمل الإِرادة لم يحنث به فى عرفنا أَنه يقال: سكن فى الأَرض أَو سكن فى الجبل، وإذا كان الكلام فيما يقابل السماءَ حنث بالجبل، وهكذا يبحث، أَلا ترى أَنها من غير الأرض جعلت فى الأرض، وأَلا ترى الأَرض تقابل بالبحر مع أَنه فيها {وَأَنْهَاراً} عطفه على رواسى على تأْويل، أَلقى بخلق، أَى خلق رواسى، وأَما على نصبه بأَلقى بمعنى وضع بشدة فلا يعطف عليه إِذ لا معنى لوضع الأَنهار والسبل والعلامات بشدة فيقدر لهن خلق أو وضع بلا قيد شده أَو شق كقوله: علفتها تبنا وماءً باردا، إِلا أَن فسر أَلقى بمطلق الوضع بلا شدة أَو ضمن أَلقى معنى جعل، والمراد بالأَنهار ما يشمل الصغار والكبار، وجعل بعض منها، النيل وسيحون وجيحون والفرات وفيه نظر إِن أريد بالنهر ما ينبع لأَنهن أَودية جارية من الجنة إِلا أَن اعتبر منبعهن، أَو اعتبر ما يزاد إليهن من عيون الجبال فإِن فيهن ماءَ عيون وأَمطار، وذكر الأنهار عقب الجبال لأن معظم العيون وأَصولها من الجبال، وأَخر الأَنهار لأَن غالبها من الجبال {وَسُبُلاً} طرقا إِلى ما تحبون الذهاب إليه {لَعلَّكُمْ تَهُتَدُونَ} إلى ما تحبون الذهاب إليه أَو إِلى ما تطلبون فى الجهات، أَو إِلى معرفة الله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ} أي جبالاً ثوابت، وقد مر تمام الكلام في ذلك {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} أي كراهة أن تميد أو لئلا تميد، والميد اضطراب الشيء العظيم، ووجه كون الإلقاء مانعاً عن اضطراب الأرض بأنها كسفينة على وجه الماء والسفينة إذا لم يكن فيها أجرام ثقيلة تضطرب وتميل من جانب إلى جانب بأدنى شيء وإذا وضعت فيها أجرام ثقيلة تستقر فكذا الأرض لو لم يكن عليها هذه الجبال لاضطربت فالجبال بالنسبة إليها كالأجرام الثقيلة الموضوعة في السفينة بالنسبة إليها. وتعقبه الإمام لوجوه. الأول: على مذهب الحكماء القائلين بأن حركة الأجسام أو سكونها لطبائعها أن الأرض أثقل من الماء فيلزم أن تغوص فيه لا أن تطفو أو ترسي بالجبال وهذا بخلاف السفينة فإنها متخذة من الخشب/ وبين أجزائه هواء يمنعه من السكون ويفضي به إلى الميد لولا الثقيل. والثاني: على مذهب أهل الحق القائلين بأنه ليس للأجسام طبائع تقتضي السكون أو الحركة فما سكن ساكن وما تحرك متحرك في بر وبحر إلا بمحض قدرة الله تعالى وحده. والثاني: أن إرساء الأرض بالجبال لئلا تميد وتبقى واقفة على وجه الماء إنما يعقل إذا كان الماء الذي استقرت على وجهه ساكناً وحينئذ يقال: إن قيل إن سبب سكونه في حيزه المخصوص طبيعته المخصوصة فلم لا يقال في سكون الأرض في هذا الحيز أنه بسبب طبيعتها المخصوصة أيضاً، وإن قلنا: إنه بمحض قدرته سبحانه فلم لم يقل: إن سكون الأرض أيضاً كذلك فلا يعقل الإرساء بالجبال على التقديرين. والثالث: أنه يجوز أن تميد الأرض بكليتها ولا تظهر حركتها ولا يشعر بها أهلها ويكون ذلك نظير حركة السفينة من غير شعور راكبها بها ولا يأبى ذلك الشعور بحركتها عند احتقان البخار فيها لأن ذلك يكون في قطعة صغيرة منها وهو يجري مجرى الاختلاج الذي يحصل في عضو معين من البدن، ثم قال: والذي عندي في هذا الموضع المشكل أن يقال: ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كرة وثبت أن هذه الجبال على سطح الكرة جارية مجرى خشونات تحصل على وجه هذه الكرة وحينئذ نقول لو فرضنا أن هذه الخشونات ما كانت حاصلة بل كانت ملساء خالية عنها لصارت بحيث تتحرك على الاستدارة كالأفلاك لبساطتها أو تتحرك بأدنى سبب للتحريك فلما خلقت هذه الجبال وكانت كالخشونات على وجهها تفاوتت جوانبها وتوجهت الجبال بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد لمنعها إياها عن الحركة المستديرة اهـ؛ وقد تابع الإمامَ في هذا الحل العلامة البيضاوي، واعترض عليه بأنه لا وجه لما ذكره على مذهب أهل الحق ولا على مذهب الفلاسفة، أما الأول: فلأن ذات شيء لا تقتضي تحركه وإنما ذلك بإرادة الله تعالى، وأما الثاني: فلأن الفلاسفة لم يقولوا: إن حق الأرض أن تتحرك بالاستدارة لأن في الأرض ميلاً مستقيماً وما هو كذلك لا يكون فيه مبدأ ميل مستدير على ما ذكروا في الطبيعي. وأورد أيضاً على منع الجبال لها من الحركة أنه قد ثبت في الهندسة أن أعظم جبل في الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى قطر الأرض نسبة خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع ولا ريب في أن ذلك القدر من الشعيره لا يخرج تلك الكرة عن الاستدارة بحيث يمنعها عن الحركة، وكذا حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض، ثم قيل: الصحيح أن يقال خلق الله تعالى الأرض مضطربة لحكمة لا يعلمها إلا هو ثم أرساها بالجبال على جريان عادته في جعل الأشياء منوطة بالأسباب، وقال بعض المحققين في الجواب: إن المقصود أن الأرض من حيث كونها كرة حقيقية بسيطة مع قطع النظر عن كونها عنصراً كان حقها أحد الأمرين لأنها من تلك الحيثية إما ذو ميل مستدير كالأفلاك فكان حقها حينئذ أن تتحرك مثلها على الاستدارة وإما ذو ميل مستقيم فحقها السكون لكنها تتحرك بأدنى قاسر، أما السكون فلأن الجسم الحاصل في الحيز الطبيعي لما يتحرك حركة طبيعية آنية لاستلزامها الخروج عن الحيز الطبيعي ولا يتصور من الأرض الحركة الإرادية لكونها عديمة الشعور، وأما التحرك بأدنى قاسر فيحكم به بالضرورة من له تخيل صحيح، واستوضح ذلك من كرة حقيقية على سطح حقيقي فإنها لا تماسه إلا بنقطة فبأدنى شيء ولو نفخة تتدحرج عن مكانها. نعم الواقع في نفس الأمر أحد الأمرين معيناً وذكرهما توسيع للدائرة وهو أمر شائع فيما بينهم فيندفع قوله. وأما الثاني: فلأن الفلاسفة الخ، وأما قوله: إنه قد ثبت في الهندسة الخ فجوابه أنهم قد صرحوا في "كتب الهيئة" بأن في كل اقليم ثلاثين جبلاً بل أكثر فنسبة كل جبل وإن كانت كالنسبة المذكورة لكن يجوز أن يكون مجموعها مانعاً عن حركتها كالحبل المؤلف من الشعرات المخالف/ حكمه حكم كل شعرة، على أن تلك النسبة باعتبار الحجم ومنعها عن حركتها باعتبار الثقل وثقل هذه الجبال يكاد أن يقاوم ثقل الأرض لأن الجبال أجسام صلبة حجرية والأرض رخوة متخلخلة كالكرة الخشبية التي ألزقت عليها حبات من حديد، وما يقال: من أن فيه غير ذلك ابتناء على قواعد الفلسفة فلا يطعن فيه لأن ذلك الابتناء غير مضر إن لم يخالف القواعد الشرعية كما فيما نحن فيه، واعترض على ما ادعى المعترض صحته بأنه يرد عليه ما أورده، وظني أنه بعد الوقوف على مراده لا يرد عليه شيء مما ذكر، ونحن قد أسلفنا نحوه واطنبنا الكلام في هذا المقام ومنه يظهر ما هو الأوفق بقواعد الإسلام، ثم ما ذكره المجيب من أن المصرح به في "كتب الهيئة" أن في كل إقليم ثلاثين جبلاً بل أكثر خلاف المشهور وهو أن في الإقليم الأول عشرين وفي الثاني سبعة وعشرين وفي الثالث ثلاثة وثلاثين وفي الرابع خمسة وخمسين وفي الخامس ثلاثين وفي كل من السادس والسابع أحد عشر والمجموع مائة وسبعة وثمانون جبلاً على أن كلامه لا يخلو عن مناقشة فتدبر. ومعنى {أَلْقَىٰ } على ما نقل ابن عطية عن المتأولين خلق وجعل، واختار هو أنه أخص من ذلك وذلك أنه يقتضي أن الله سبحانه أوجد الجبال من محض قدرته واختراعه لا من الأرض ووضعها عليها وأيد بأخبار رووها في هذا المقام وقد تقدم بعضها، ولم يعد بعلى كما في قوله تعالى: {أية : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى } تفسير : [طه: 39] للإشارة إلى كمال الجبال ورسوخها وثباتها في الأرض حتى كأنها مسامير في ساجة وانظر هل تعد من الأرض فيحنث من حلف لا يجلس على الأرض إذا جلس عليها أم لا فلا يحنث لم يحضرني من تعرض لذلك، والظاهر الأول لعد العرف إياها منها وإن كان ظاهر هذه الآية كغيرها عدم العد. وقوله تعالى: {وَأَنْهَـٰراً} عطف على {رَوَاسِيَ} والعامل فيه {أَلْقَىٰ} إلا أنه تسلطه عليه باعتبار ما فيه من معنى الجعل والخلق أو تضمينه إياه، وعلى التقديرين لا إضمار وهو الذي اختاره غير واحد، وجوز أن يكون مفعولاً به لفعل مضمر وليس إجماعاً خلافاً لابن عطية، أي وجعل أو خلق أنهاراً نظير ما قيل في قوله:شعر : علفتهـا تبنـاً ومـاء بـارداً تفسير : وقدر أبو البقاء شق والعطف حينئذ من عطف الجمل وكأنه لما كان أغلب منابع الأنهار من الجبال ذكر الأنهار بعدما ذكر الجبال، وقوله تعالى: {وَسُبُلاً} عطف على {أَنْهَاراً } أي وجعل طرقاً لمقاصدكم {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} لها فالتعليل بالنظر إلى قوله تعالى: {وَسُبُلاً} كما هو الظاهر، ويجوز أن يكون تعليلاً بالنظر إلى جميع ما تقدم لأن تلك الآثار العظام تدل على بطلان الترك، وقيل: تدل على وجود فاعل حكيم ففي قوله تعالى: {تَهْتَدُونَ} تورية حينئذ.
ابن عاشور
تفسير : انتقال إلى الاستدلال والامتنان بما على سطح الأرض من المخلوقات العظيمة التي في وجودها لطف بالإنسان. وهذه المخلوقات لما كانت مجعولة كالتكملة للأرض وموضوعة على ظاهر سطحها عبّر عن خلقها ووضعها بالإلقاء الذي هو رمي شيء على الأرض. ولعلّ خلقها كان متأخراً عن خلق الأرض، إذ لعلّ الجبال انبثقت باضطرابات أرضيّة كالزلزال العظيم ثم حدثت الأنهار بتهاطل الأمطار. وأما السبل والعلامات فتأخّر وجودها ظاهر، فصار خلق هذه الأربعة شبيهاً بإلقاء شيء في شيء بعد تمامه. ولعل أصل تكوين الجبال كان من شظايا رمت بها الكواكب فصادفت سطح الأرض، كما أن الأمطار تهاطلت فكوّنت الأنهار؛ فيكون تشبيه حصول هذين بالإلقاء بيّناً. وإطلاقه على وضع السبل والعلامات تغليب. ومن إطلاق الإلقاء على الإعطاء ونحوه قوله تعالى: {أية : ءألقي الذكر عليه من بيننا} تفسير : [سورة القمر: 25]. و{رواسي} جمع راس. وهو وصف من الرسْو ــــ بفتح الراء وسكون السين ــــ. ويقال ــــ بضم الراء والسين مشددة وتشديد الواو ــــ. وهو الثبات والتمكن في المكان، قال تعالى: {أية : وقدور راسيات} تفسير : [سورة سبأ: 13]. ويطلق على الجبل راس بمنزلة الوصف الغالب. وجمعه على زنة فواعل على خلاف القياس. وهو من النوادر مثل عَواذل وفوارس. وتقدم بعض الكلام عليه في أول الرعد. وقوله تعالى: {أن تميد بكم} تعليل لإلقاء الرواسي في الأرض. والمَيْد: الاضطراب. وضمير {تميد} عائد إلى {الأرض} بقرينة قرنه بقوله تعالى: {بكم}، لأن الميد إذا عُدّي بالباء علم أن المجرور بالباء هو الشيء المستقرّ في الظرف المَائد، والاضطراب يعطّل مصالح الناس ويلحق بهم آلاماً. ولما كان المقام مقام امتنان علم أن المعلل به هو انتفاء الميد لا وقوعُه. فالكلام جار على حذفٍ تقتضيه القرينة، ومثله كثير في القرآن وكلام العرب، قال عمرو بن كلثوم:شعر : فعجّلنا القِرى أن تشتمونا تفسير : أراد أن لا تشتمونا. فالعلّة هِي انتفاء الشتم لا وقوعه. ونحاة الكوفة يخرجون أمثال ذلك على حذف حرف النّفي بعد {أنْ}. والتقدير: لأن لا تميد بكم ولئلا تشتمونا، وهو الظاهر. ونحاة البصرة يخرجون مثله على حذف مضاف بين الفعل المعلل و{أنْ}. تقديره: كراهيّة أن تميد بكم. وهذا المعنى الذي أشارت إليه الآية معنى غامض. ولعلّ الله جعَل نتوء الجبال على سطح الأرض معدّلاً لكرويتها بحيث لا تكون بحدّ من الملاسة يخفّف حركتها في الفضاء تخفيفاً يوجب شدّة اضطرابها. ونعمة الأنهار عظيمة، فإن منها شرابهم وسقي حرثهم، وفيها تجري سفنهم لأسفارهم. ولهذه المنّة الأخيرة عطف عليها {وسبلاً} جمع سبيل. وهو الطريق الذي يسافر فيه براً. وجملة {لعلكم تهتدون} معترضة، أي رجاء اهتدائكم. وهو كلام موجه يصلح للاهتداء إلى المقاصد في الأسفار من رسم الطرق وإقامة المراسي على الأنهار واعتبار المسافات. وكل ذلك من جعل الله تعالى لأن ذلك حاصل بإلهامه. ويصلح للاهتداء إلى الدّين الحقّ وهو دين التوحيد، لأن في تلك الأشياء دلالة على الخالق المتوحّد بالخلق. والعلامات: الأمارات التي ألهم الله الناس أن يضعوها أو يتعارفوها لتكون دلالة على المسافات والمسالك المأمونة في البرّ والبحر فتتبعها السابلة. وجملة {وبالنجم هم يهتدون} معطوفة على جملة {وألقى في الأرض رواسي}، لأنها في معنى: وهداكم بالنجم فأنتم تهتدون به. وهذه منّة بالاهتداء في الليل لأن السبيل والعلامات إنما تهدي في النهار، وقد يضطرّ السالك إلى السير ليلاً؛ فمواقع النجوم علامات لاهتداء الناس السائرين ليلاً تعرف بها السماوات، وأخصّ من يهتدي بها البحّارة لأنهم لا يستطيعون الإرساء في كل ليلة فهم مضطرّون إلى السير ليلاً، وهي هداية عظيمة في وقت ارتباك الطريق على السائر، ولذلك قدم المتعلق في قوله تعالى: {وبالنجم} تقديماً يفيد الاهتمام، وكذلك بالمسند الفعلي في قوله تعالى: {هم يهتدون}. وعدل عن الخطاب إلى الغيبة التفاتاً يومىء إلى فريق خاص وهم السيّارة والملاّحون فإن هدايتهم بهذه النجوم لا غير. والتعريف في «النجم» تعريف الجنس. والمقصود منه النجوم التي تعارفها الناس للاهتداء بها مثل القطب. وتقدم في قوله تعالى: {أية : وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها}تفسير : في [سورة الأنعام: 97]. وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله تعالى {هم يهتدون} لمجرّد تقوي الحكم، إذ لا يسمح المقام بقصد القصر وإن تكلّفه في «الكشاف».
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هاتين الآيتين أربع نعم من نعمه على خلقه، مبيناً لهم عظيم منته عليهم بها: الأولى - إلقاؤه الجبال في الأرض لتثبت ولا تتحرك، وكرر الامتنان بهذه النعمة في القرآن كقوله: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً} تفسير : [النبأ: 6-7]، وقوله: {أية : وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ}تفسير : [الأنبياء: 31] الآية، وقوله: {أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ} تفسير : [المرسلات: 27]، وقوله جل وعلا: {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ}تفسير : [لقمان: 10] الآية، وقوله: {أية : وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا} تفسير : [النازعات: 32] والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. ومعنى تميد: تميل وتضطرب. وفي معنى قوله {أّن} وجهان معروفان للعلماء: أحدهما - كراهة أن تميد بكم. والثاني - أن المعنى: لئلا تميد بكم. وهما متقاربان. الثانية - إجراؤه الأنهار في الأرض المذكور هنا في قوله: {وَأَنْهَاراً} وكرر تعالى في القرآن الامتنان بتفجيره الماء في الأرض لخلقه: كقوله: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ... } تفسير : [إبراهيم: 32-33] الآية، وقوله: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} تفسير : [الواقعة: 68-70]، وقوله: {أية : وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} تفسير : [يس: 34-35] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. الثالثة - جعله في الأرض سبلاً يسلكها الناس، ويسيرون فيها من قطر إلى قطر طلب حاجاتهم المذكور هنا في قوله: {وَسُبُلاً} وهو جمع سبيل بمعنى الطريق. وكرر الامتنان بذلك في القرآن. كقوله: {أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 31]، وقوله: {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} تفسير : [نوح: 19-20]، وقوله: {أية : قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} تفسير : [طه: 52-53]، وقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا}تفسير : [الملك: 15] الآية، وقوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 9-10]، إلى غير ذلك من الآيات. الرابعة - جعله العلامات لبني آدم. ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر المذكور هنا في قوله: {وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}. وقد ذكر الامتنان بنحو ذلك في القرآن في قوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}تفسير : [الأنعام: 97] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {رَوَاسِيَ} {وَأَنْهَاراً} (15) - وَأَلْقَى اللهُ فِي الأَرْضِ جِبَالاً شَامِخَاتٍ وَأَرْسَاهَا فِي الأَرْضِ لِتَسْتَقِرَّ الأَرْضُ بِهَا، فَلاَ تَمِيدَ وَلاَ تَضْطَرِبَ بِمَنْ عَلَيْهَا مِنَ المَخْلُوقَاتِ، وَجَعَلَ فِي الأَرْضِ أَنْهَاراً تَجْرِي مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ لِيَنْتَفِعَ النَّاسُ بِمَا يَسْتَخْرِجُونَهُ مِنْهَا مِنْ رِزْقٍ، وَبِمَا يُفِيدُونَهُ مِنْهَا مِنْ تَسِييِرِ المَرَاكِبِ لِلْحُمُولَةِ وَالانْتِقَالِ، وَبِمَا يَشْرَبُونَ مِنْهَا مِنْ مَاءٍ، وَبِمَا يَرْوُوْنَ أَرْضَهُمْ وَأَنْعَامَهُمْ مِنْهُ، وَجَعَلَ فِي الأَرْضِ طُرُقاً (سُبُلاً) يَسْلُكَهَا النَّاسُ فِي انْتِقَالِهِمْ مِنْ أَرْضٍ إِلى أَرْضٍ، وَلِيَهْتَدُوا بِهَا فَلاَ يَضِلُّوا. رَوَاسِيَ - جِبَالاً ثَوَابِتَ. أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ - لِكَيْلاَ تَتَحَرَّكَ وِتَضْطَرِبَ بِكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا يدلُّنا الحق سبحانه على أن الأرض قد خُلِقت على مراحل، ويشرح ذلك قوله سبحانه: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} تفسير : [فصلت: 9-10]. وهكذا عَلِمنا أن جِرْم الأرض العام قد خُلِق أولاً؛ وهو مخلوق على هيئة الحركة؛ ولأن الحركة هي التي تأتي بالمَيدان - التأرجُّح يميناً وشمالاً - وعدم استقرار الجِرْم على وَضْع، لذلك شاء سبحانه أن يخلق في الأرض الرواسي لتجعلها تبدو ثابتة غير مُقلقة والرَّاسي هو الذي يَثبت. ولو كانت الأرض مخلوقة على هيئة الاستقرار لما خلق الله الجبال، ولكنه خلقَ الأرض على هيئة الحركة، ومنع أنْ تميدَ بخَلْق الجبال ليجعلَ الجبال رواسيَ للأرض. وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ..}تفسير : [النمل: 88]. وكلمة {وَأَلْقَىٰ} تدلُّ على أن الجبال شيء متماسك وُضِع ليستقر. ثم يعطف سبحانه على الجبال: {وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً ..} [النحل: 15]. ولم يَأْتِ الحق سبحانه بفعل يناسب الأنهار، ومن العجيب أن الأسلوب يجمع جماداً في الجبال، وسيولة في الأنهار، وسبلاً أي طرقاً، وكُلُّ ذلك: {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [النحل: 15]. أي: أن الجَعْل كلَّه لعلنا نهتدي. ونعلم أن العرب كانوا يهتدون بالجبال، ويجعلون منها علامات، والمثَل هو جبل "هرشا" الذي يقول فيه الشاعر: شعر : خُذُوا بَطْن هرشا أو قَفَاهَا فإنَّهُ كِلاَ جَانِبي هرشا لَهُنَّ طَريقُ تفسير : وأيضاً جبل التوباد كان يُعتبر علامة. وكذلك قَوْل الحق سبحانه: {أية : وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ ..} تفسير : [مريم: 52]. وهكذا نجد من ضمن فوائد الجبال أنها علاماتٌ نهتدي بها إلى الطرق وإلى الأماكن، وتلك من المهام الجانبية للجبال. أو: {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [النحل: 15]. باتعاظكم بالأشياء المخلوقة لكم، كي تهتدوا لِمَنْ أوجدها لكم. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} معناهُ تَمِيلُ بكُمْ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { وَأَلْقَى } الله تعالى لأجل عباده { فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ } وهي: الجبال العظام لئلا تميد بهم وتضطرب بالخلق فيتمكنون من حرث الأرض والبناء والسير عليها، ومن رحمته تعالى أن جعل فيها أنهارا، يسوقها من أرض بعيدة إلى أرض مضطرة إليها لسقيهم وسقي مواشيهم وحروثهم، أنهارا على وجه الأرض، وأنهارا في بطنها يستخرجونها بحفرها، حتى يصلوا إليها فيستخرجونها بما سخر الله لهم من الدوالي والآلات ونحوها، ومن رحمته أن جعل في الأرض سبلا أي: طرقا توصل إلى الديار المتنائية { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } السبيل إليها حتى إنك تجد أرضا مشتبكة بالجبال مسلسلة فيها وقد جعل الله فيما بينها منافذ ومسالك للسالكين.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 487 : 4 : 12 - سفين {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ} الجبال. {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} قال، إن تضلْ بكم. [الآية 15]. 488 : 5 : 13 - سفين {وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} قال، الطرق {وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً} قال، دائماً. [الآية 15- 52].
همام الصنعاني
تفسير : 1478- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}: [الآية: 15]، قال: طُرُقاً. 1479- معمر، عنْ قتادة، عن الحسن، في قوله: {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ}: [الآية: 15]، قال: الجبال أن تميد بكم. قال قتادة: وسَمِعْتُ الحسنَ يقول: لمّا خُلِقَت الأرضُ كادت أن تميد، فقالوا: ما هذه بمقرة علَى ظهرها أحد، فأصبحوا وقد خُلِقت الجبالُ، فلم تدرِ الملائكةُ مِمَّ خُلِقَت الجبالُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):