١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على وجود القادر الحكيم على الترتيب الأحسن والنظم الأكمل وكانت تلك الدلائل كما أنها كانت دلائل، فكذلك أيضاً كانت شرحاً وتفصيلاً لأنواع نعم الله تعالى وأقسام إحسانه أتبعه بذكر إبطال عبادة غير الله تعالى والمقصود أنه لما دلت هذه الدلائل الباهرة، والبينات الزاهرة القاهرة على وجود إله قادر حكيم، وثبت أنه هو المولي لجميع هذه النعم والمعطي لكل هذه الخيرات فكيف يحسن في العقول الاشتغال بعبادة موجود سواه لا سيما إذا كان ذلك الموجود جماداً لا يفهم ولا يقدر، فلهذا الوجه قال بعد تلك الآيات: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ } والمعنى: أفمن يخلق هذه الأشياء التي ذكرناها كمن لا يخلق بل لا يقدر ألبتة على شيء أفلا تذكرون فإن هذا القدر لا يحتاج إلى تدبر وتفكر ونظر. ويكفي فيه أن تتنبهوا على ما في عقولكم من أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم، وأنتم ترون في الشاهد إنساناً عاقلاً فاهماً ينعم بالنعمة العظيمة، ومع ذلك فتعلمون أنه يقبح عبادته فهذه الأصنام جمادات محضة، وليس لها فهم ولا قدرة ولا اختيار فكيف تقدمون على عبادتها، وكيف تجوزون الاشتغال بخدمتها وطاعتها. المسألة الثانية: المراد بقوله: {مَّن لاَّ يَخْلُقُ } الأصنام، وأنها جمادات فلا يليق بها لفظة «من» لأنها لأولي العلم. وأجيب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن الكفار لما سموها آلهة وعبدوها، لا جرم أجريت مجرى أولي العلم ألا ترى إلى قوله على أثره: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ }. والوجه الثاني: في الجواب أن السبب فيه المشاكلة بينه وبين من يخلق. والوجه الثالث: أن يكون المعنى أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف من لا علم عنده كقوله: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا } يعني أن الآلهة التي تدعونها حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب، لأن هؤلاء أحياء وهم أموات فكيف يصح منهم عبادتها، وليس المراد أنه لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا. فإن قيل: قوله: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } المقصود منه إلزام عبدة الأوثان، حيث جعلوا غير الخالق مثل الخالق في التسمية بالإله، وفي الاشتغال بعبادتها، فكان حق الإلزام أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق. والجواب: المراد منه أن من يخلق هذه الأشياء العظيمة ويعطي هذه المنافع الجليلة كيف يسوى بينه وبين هذه الجمادات الخسيسة في التسمية باسم الإله، وفي الاشتغال بعبادتها والإقدام على غاية تعظيمها فوقع التعبير عن هذا المعنى بقوله: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ }. المسألة الثالثة: احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه فقال: إنه تعالى ميز نفسه عن سائر الأشياء التي كانوا يعبدونها بصفة الخالقية لأن قوله: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } الغرض منه بيان كونه ممتازاً عن الأنداد بصفة الخالقية وأنه إنما استحق الإلهية والمعبودية بسبب كونه خالقاً، فهذا يقتضي أن العبد لو كان خالقاً لبعض الأشياء لوجب كونه إلهاً معبوداً، ولما كان ذلك باطلاً علمنا أن العبد لا يقدر على الخلق والإيجاد قالت المعتزلة الجواب: عنه من وجوه: الوجه الأول: أن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والنجوم والجبال كمن لا يقدر على خلق شيء أصلاً، فهذا يقتضي أن من كان خالقاً لهذه الأشياء فإنه يكون إلهاً ولم يلزم منه أن من يقدر على أفعال نفسه أن يكون إلهاً. والوجه الثاني: أن معنى الآية: أن من كان خالقاً كان أفضل ممن لا يكون خالقاً، فوجب امتناع التسوية بينهما في الإلهية والمعبودية، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقاً فإنه يجب أن يكون إلهاً. والدليل عليه قوله تعالى: { أية : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 195] ومعناه: أن الذي حصل له رجل يمشي بها يكون أفضل من الذي حصل له رجل لا يقدر أن يمشي بها، وهذا يوجب أن يكون الإنسان أفضل من الصنم، والأفضل لا يليق به عبادة الأخس، فهذا هو المقصود من هذه الآية، ثم إنها لا تدل على أن من حصل له رجل يمشي بها أن يكون إلهاً، فكذلك ههنا المقصود من هذه الآية بيان أن الخالق أفضل من غير الخالق، فيمتنع التسوية بينهما في الإلهية والمعبودية، ولا يلزم منه أن بمجرد حصول صفة الخالقية يكون إلهاً. والوجه الثالث في الجواب: أن كثيراً من المعتزلة لا يطلقون لفظ الخالق على العبد. قال الكعبي في «تفسيره» إنا لا نقول: إنا نخلق أفعالنا: قال ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله تعالى كقوله: { أية : وَإِذَ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } تفسير : [المائدة: 110] وقوله: { أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون: 14]. واعلم أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد، حتى أن أبا عبد الله البصير بالغ وقال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز، لأن الخالق عبارة عن التقدير، وذلك عبارة عن الظن والحسبان، وهو في حق العبد حاصل وفي حق الله تعالى محال. واعلم أن هذه الأجوبة قوية والاستدلال بهذه الآية على صحة مذهبنا ليس بقوي، والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بين بالآية المتقدمة أن الاشتغال بعبادة غير الله باطل وخطأ بين بهذه الآية أن العبد لا يمكنه الإتيان بعبادة الله تعالى وشكر نعمه والقيام بحقوق كرمه على سبيل الكمال والتمام، بل العبد وإن أتعب نفسه في القيام بالطاعات والعبادات، وبالغ في شكر نعمة الله تعالى فإنه يكون مقصراً، وذلك لأن الاشتغال بشكر النعم مشروط بعلمه بتلك النعم على سبيل التفصيل والتحصيل، فإن من لا يكون متصوراً ولا مفهوماً ولا معلوماً امتنع الاشتغال بشكره، إلا أن العلم بنعم الله تعالى على سبيل التفصيل غير حاصل للعبد، لأن نعم الله تعالى كثيرة وأقسامها وشعبها واسعة عظيمة، وعقول الخلق قاصرة عن الإحاطة بمباديها فضلاً عن غاياتها وأنها غير معلومة على سبيل التفصيل، وما كان كذلك امتنع الاشتغال بشكره على الوجه الذي يكون ذلك الشكر لائقاً بتلك النعم. فهذا هو المفهوم من قوله: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } يعني: أنكم لا تعرفونها على سبيل التمام والكمال، وإذا لم تعرفوها امتنع منكم القيام بشكرها على سبيل التمام والكمال، وذلك يدل على أن شكر الخالق قاصر عن نعم الحق، وعلى أن طاعات الخلق قاصرة عن ربوبية الحق وعلى أن معارف الخلق قاصرة عن كنه جلال الحق، ومما يدل قطعاً على أن عقول الخلق قاصرة عن معرفة أقسام نعم الله تعالى أن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لتنغص العيش على الإنسان، ولتمنى أن ينفق كل الدنيا حتى يزول عنه ذلك الخلل. ثم إنه تعالى يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الأكمل الأصلح، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بكيفية مصالحه ولا بدفع مفاسده، فليكن هذا المثال حاضراً في ذهنك، ثم تأمل في جميع ما خلق الله في هذا العالم من المعادن والنبات والحيوان، وجعلها مهيأة لانتفاعك بها، حتى تعلم أن عقول الخلق تفنى في معرفة حكمة الرحمن في خلق الإنسان فضلاً عن سائر وجوه الفضل والإحسان. فإن قيل: فلما قررتم أن الاشتغال بالشكر موقوف على حصول العلم بأقسام النعم، ودللتم على أن حصول العالم بأقسام النعم محال أو غير واقع، فكيف أمر الله الخلق بالقيام بشكر النعم؟ قلنا: الطريق إليه أن يشكر الله تعالى على جميع نعمه مفصلها ومجملها. فهذا هو الطريق الذي به يمكن الخروج عن عهدة الشكر. والله أعلم. المسألة الثانية: قال بعضهم: إنه ليس لله على الكافر نعمة وقال الأكثرون: لله على الكافر والمؤمن نعم كثيرة. والدليل عليه: أن الإنعام بخلق السموات والأرض والإنعام بخلق الإنسان من النطفة، والإنعام بخلق الأنعام وبخلق الخيل والبغال والحمير، وبخلق أصناف النعم من الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، وبتسخير البحر ليأكل الإنسان منه لحماً طرياً ويستخرج منه حلية يلبسها كل ذلك مشترك فيه بين المؤمن والكافر، ثم أكد تعالى ذلك بقوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } وذلك يدل على أن كل هذه الأشياء نعم من الله تعالى في حق الكل، وهذا يدل على أن نعم الله واصلة إلى الكفار، والله أعلم. أما قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } اعلم أنه تعالى قال في سورة إبراهيم: { أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } تفسير : [إبراهيم: 34] وقال ههنا: {إن الله لغفور رحيم} والمعنى: أنه لما بين أن الإنسان لا يمكنه القيام بأداء الشكر على سبيل التفصيل: قال: {إن الله لغفور رحيم} أي غفور للتقصير الصادر عنكم في القيام بشكر نعمه، رحيم بكم حيث لم يقطع نعمه عليكم بسبب تقصيركم. أما قوله: {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} ففيه وجهان: الأول: أن الكفار كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله تعالى يسرون ضروباً من الكفر في مكايد الرسول عليه السلام فجعل هذا زجراً لهم عنها. والثاني: أنه تعالى زيف في الآية الأولى عبادة الأصنام بسبب أنه لا قدرة لها على الخلق والإنعام وزيف في هذه الآية أيضاً عبادتها بسبب أن الإله يجب أن يكون عالماً بالسر والعلانية، وهذه الأصنام جمادات لا معرفة لها بشيء أصلاً فكيف تحسن عبادتها؟ أما قوله: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } فاعلم أنه تعالى وصف هذه الأصنام بصفات كثيرة. فالصفة الأولى: أنهم لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون قرأ حفص عن عاصم يسرون ويعلنون ويدعون كلها بالياء على الحكاية عن الغائب، وقرأ أبو بكر عن عاصم {يَدَّعُونَ } بالياء خاصة على المغايبة وتسرون وتعلنون بالتاء على الخطاب، والباقون كلها بالتاء على الخطاب عطفاً على ما قبله. فإن قيل: أليس أن قوله في أول الآية: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } يدل على أن هذه الأصنام لا تخلق شيئاً وقوله ههنا: {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا } يدل على نفس هذا المعنى، فكان هذا محض التكرير. وجوابه: أن المذكور في أول الآية أنهم لا يخلقون شيئاً، والمذكور ههنا أنهم لا يخلقون شيئاً وأنهم مخلوقون لغيرهم، فكان هذا زيادة في المعنى، وكأنه تعالى بدأ بشرح نقصهم في ذواتهم وصفاتهم فبين أولاً أنها لا تخلق شيئاً، ثم ثانياً أنها كما لا تخلق غيرها فهي مخلوقة لغيرها. والصفة الثانية: قوله: {أَمْوٰتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ } والمعنى: أنها لو كانت آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات، أي غير جائز عليها الموت كالحي الذي لا يموت سبحانه وتعالى وأمر هذه الأصنام على العكس من ذلك. فإن قيل: لما قال: {أَمْوَاتٌ } علم أنها غير أحياء فما الفائدة في قوله: {غَيْرُ أَحْيَاءٍ }. والجواب من وجهين: الأول: أن الإله هو الحي الذي لا يحصل عقيب حياته موت، وهذه الأصنام أموات لا يحصل عقيب موتها الحياة. والثاني: أن هذا الكلام مع الكفار الذين يعبدون الأوثان، وهم في نهاية الجهالة والضلالة، ومن تكلم مع الجاهل الغر الغبي فقد يحسن أن يعبر عن المعنى الواحد بالعبارات الكثيرة، وغرضه منه الإعلام بكون ذلك المخاطب في غاية الغباوة وأنه إنما يعيد تلك الكلمات لكون ذلك السامع في نهاية الجهالة، وأنه لا يفهم المعنى المقصود بالعبارة الواحدة. الصفة الثالثة: قوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } والضمير في قوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ } عائد إلى الأصنام، وفي الضمير في قوله: {يُبْعَثُونَ } قولان: أحدهما: أنه عائد إلى العابدين للأصنام يعني أن الأصنام لا يشعرون متى تبعث عبدتهم، وفيه تهكم بالمشركين وأن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم. والثاني: أنه عائد إلى الأصنام يعني أن هذه الأصنام لا تعرف متى يبعثها الله تعالى قال ابن عباس: إن الله يبعث الأصنام ولها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بها إلى النار. فإن قيل: الأصنام جمادات، والجمادات لا توصف بأنها أموات، ولا توصف بأنهم لا يشعرون كذا وكذا. والجواب عنه من وجوه: الأول: أن الجماد قد يوصف بكونه ميتاً قال تعالى: { أية : يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } تفسير : [الروم: 19]. والثاني: أن القوم لما وصفوا تلك الأصنام بالإلهية والمعبودية قيل لهم؛ ليس الأمر كذلك، بل هي أموات ولا يعرفون شيئاً، فنزلت هذه العبارات على وفق معتقدهم. والثالث: أن يكون المراد بقوله: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } الملائكة، وكان ناس من الكفار يعبدونهم فقال الله إنهم أموات لا بد لهم من الموت غير أحياء، أي غير باقية حياتهم: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } أي لا علم لهم بوقت بعثهم، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ} هو الله تعالى. {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} يريد الأصنام. {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} أخبر عن الأوثان التي لا تخلق ولا تضر ولا تنفع، كما يُخبر عمن يعمل على ما تستعمله العرب في ذلك؛ فإنهم كانوا يعبدونها فذكرت بلفظ «مَن» كقوله: {أية : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ} تفسير : [الأعراف: 195]. وقيل: لاقتران الضمير في الذكر بالخالق. قال الفراء: هو كقول العرب: اشتبه عليّ الراكب وجمله فلا أدري مَن ذا ومَن ذا؛ وإن كان أحدهما غير إنسان. قال المَهْدَوِيّ: ويسأل بـ «ـمَن» عن البارىء تعالى ولا يسأل عنه بـ «ـما»؛ لأن «ما» إنما يسأل بها عن الأجناس، والله تعالى ليس بذي جنس، ولذلك أجاب موسى عليه السلام حين قال له: {أية : فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 49] ولم يجب حين قال له: {أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 26] إلا بجواب «مَن» وأضرب عن جواب «ما» حين كان السؤال فاسداً. ومعنى الآية: من كان قادراً على خلق الأشياء المتقدمة الذكر كان بالعبادة أحقّ ممن هو مخلوق لا يضر ولا ينفع؛ {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} تفسير : [لقمان: 11] {أية : أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ}. تفسير : [فاطر: 40].
البيضاوي
تفسير : {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } إنكار بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته وتناهي حكمته، والتفرد بخلق ما عدد من مبدعاته لأن يساويه ويستحق مشاركته ما لا يقدر على خلق شيء من ذلك بل على إيجاد شيء ما، وكان حق الكلام أفمن لا يخلق كمن يخلق، لكنه عكس تنبيهاً على أنهم بالإشراك بالله سبحانه وتعالى جعلوه من جنس المخلوقات العجزة شبيهاً بها، والمراد بمن لا يخلق كل ما عبد من دون الله سبحانه وتعالى مغلباً فيه أولو العلم منهم أو الأصنام، وأجروها مجرى أولي العلم لأنهم سموها آلهة ومن حق الإِله أن يعلم، أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق أو للمبالغة وكأنه قيل: إن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده، {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } فتعرفوا فساد ذلك فإنه لجلائه كالحاصل للعقل الذي يحضر عنده بأدنى تذكر والتفات.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَمَن يَخْلُقُ } وهو الله {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } وهو الأصنام حيث تشركونها معه في العبادة؟ لا {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } هذا فتؤمنون؟.
النسفي
تفسير : {أَفَمَن يَخْلُقُ } أي الله تعالى {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } أي الأصنام وجيء بـ {من} الذي هو لأولي العلم لزعمهم حيث سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولي العلم، أو لأن المعنى أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده. وإنما لم يقل أفمن لا يخلق كمن يخلق مع اقتضاء المقام بظاهره إياه لكونه إلزاماً للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيهاً بالله لأنهم حين جعلوا غير الله مثل الله في تسميته باسمه والعبادة له فقد جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبيهاً بها فأنكر عليهم ذلك بقوله {أفمن يخلق كمن لا يخلق} وهو حجة على المعتزلة في خلق الأفعال {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } فتعرفون فساد ما أنتم عليه {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم فضلاً أن تطيقوا القيام بحقها من أداء الشكر، وإنما اتبع ذلك ما عدد من نعمه تنبيهاً على أن ما رواءها لا ينحصر ولا يعد {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكر النعمة ولا يقطعها عنكم لتفريطكم. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } من أقوالكم وأفعالكم وهو وعيد {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ } والآلهة الذين يدعوهم الكفار {مِن دُونِ ٱللَّهِ } وبالتاء: غير عاصم {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ } أي هم أموات {غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } نفى عنهم خصائص الإلٰهية بنفي كونهم خالقين وأحياء لا يموتون وعالمين بوقت البعث، وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون أموات جاهلون بالبعث، ومعنى {أموات غير أحياء} أنهم لو كانوا آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات أي غير جائز عليها الموت وأمرهم بالعكس من ذلك. والضمير في {يبعثون} للداعين أي لا يشعرون متى تبعث عبدتهم، وفيه تهكم بالمشركين وأن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء أعمالهم منهم على عبادتهم، وفيه دلالة على أنه لا بد من البعث
القشيري
تفسير : تدل هذه الآية على نفي التشبيه بينه - سبحانه - وبين خَلْقِه. وصفاتُ القِدَم لله مُسْتَحَقَّة، وما هو من خصائصِ الحدثان وسِماتِ الخْلق يتقدَّس الحقُّ - سبحانه - عن جميع ذلك. ولا تُشَبّه ذاتُ القديم بذواتِ المخلوقين، ولا صفاتُه بصفاتِهم، ولا حُكمُه بحُكمِهم، وأصلُ كلِّ ضلالةٍ التشبيهُ، ومِنْ قُبْحِ ذلك وفسادِه أنَّ كلَّ أحدٍ يتبرَّأُ منه ويستنكِفُ من انتحاله.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفمن يخلق} هذه المصنوعات العظيمة وهو الله تعالى. وبالفارسية [آيا كسى كه مرا آفريند اين همه مخلوقات راكه مذكور شد] {كمن لا يخلق} كمن لا يقدر على شئ اصلا وهو الاصنام ومن اللعقلاء لانهم سموها آلهة فاجريت مجرى العقلاء او لانه قابله بالخالق وجعله معه كقوله تعالى {أية : فمنهم من يمشى على بطنه ومنه من يمشى على رجلين}تفسير : والهمز للانكار اى ابعد ظهور دلائل التوحيد تتصور المشابهة والمشاركة: يعنى {خالق را بامخلوق هيج مشابهتى نسيت بس عاجزرا شريك قادر ساختن غايت عناد ونهايت جهلست] واختير تشبيه الخالق بغير الخالق مع اقتضاء المقام بظاهره عكس ذلك مراعاة لحق سبق الملكة على العدم {أفلا تذكرون} اى ألا تلاحظون فلا تذكرون ذلك فتعرفون فساد ما انتم عليه يا هل مكة فانه بوضوحه بحيث لا يفتقر الى شئ سوى التذكر وهو بالفارسية {ياد كردن]
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {وما يشعرون أيان يبعثون}، الضمير الأول للأصنام، والثاني للكفار الذين عبدوهم، وقيل: للأصنام فيهما، وقيل: للكفار فيهما، و {لا جرم}: إما أن يكون بمعنى لا شك، أو لا بدّ، أو تكون "لا" نفيًا لِمَا تقدم. و "جَرَم": فعل، بمعنى وجب، أو حق، و {أن الله}: فاعل بجَرَم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {أفمن يَخلُقُ} كل شيء، ويَقدر على كل شيء، {كمن لا يَخْلُق} شيئًا، ولا يقدر على شيء، بل هو أعجز من كل شيء؟ وهو إنكار على من أشرك مع الله غيره، بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته، وباهر حكمته، بذكر ما تقدم من أنواع المخلوقات وبدائع المصنوعات، وكان حق الكلام: أفمن لا يخلق كمن يخلق، لكنه عكس؛ تنبيهًا على أنهم، بالإشراك بالله، جعلوه من جنس المخلوقات العجزة، شبيهًا بها. والمراد بمن لا يخلق، كل ما عُبد من دون الله، وغلب أولي العلم منهم، فعبَّر بمن، أو يريد الأصنام، وأجراها مجرى أولي العلم؛ لأنهم سموها آلهة، ومن حق الإله أن يعلم، أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق. {أفلا تذكَّرون}؛ فتعرفوا فساد ذلك؛ فإنه لظهوره كالحاصل للعقل الذي يحضر عنده بأدنى تذكر والتفات. ولما ذكر أنواعًا من المخلوقات على وجه الاستدلال على وحدانيته - وفي ضمنها: تعداد النِعَم على خلقه - أعقبها بقوله: {وإن تعدوا نِعمةَ الله لا تُحصوها} أي: لا تطيقوا عدها، فضلاً أن تطيقوا القيام بشكرها. ثم أعقبها بقوله: {إنَّ الله لغفور رحيم}؛ تنبيهًا على أن العبد في محل التقصير، لولا أن الله يغفر له تقصيره في أداء شكر نعمه، ويرحمه ببقائها مع تقصيره في شكرها. {والله يعلم ما تُسِرُّون وما تُعلنون} من عقائدكم وأعمالكم، وهو وعيد لمن كفر النعم وأشرك مع الله غيره، سرًا أو علانية، ثم قال تعالى: {والذين تدعون} أي: والأصنام الذين تعبدونهم {من دون الله لا يَخْلُقون شيئًا}؛ لظهور عجزهم. لَمَّا نفى المشاركة بين من يخلق ومن لا يخلق، بيَّن أنها لا تخلق شيئًا؛ ليتحقق نفي الألوهية عنها؛ ضرورةً. ثم علل عجزها، وعدم استحقاقها للألوهية بقوله: {وهم يُخْلقون} أي: وهم مخلوقون مفتقرون في وجودهم إلى التخليق، والإله لا بدّ أن يكون واجب الوجود. وهم، أيضًا، {أمواتٌ غير أحياء} أي: لم تكن لهم حياة قط، ولا تكون، وذلك أغرق في موتها ممن تقدمت له حياة، ثم مات. والإله ينبغي أن يكون حيًا بالذات لا يعتريه الممات. {وما يشعرون أيّان يُبعثون} أي: لا يعلمون وقت بعثهم، أو بعثِ عَبَدَتِهِمْ، فكيف يكون لهم وقت يجازون فيه من عبدهم، والإله ينبغي أن يكون عالمًا بالغيوب، قادرًا على الجزاء لمن عبده؟ وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف. قاله البيضاوي. قال ابنُ جُزَيْ: نفى عن الأصنام صفة الربوبية، وأثبت لهم أضدادها؛ وهي أنهم مخلوقون غير خالقين، وغير أحياء، وغير عالمين وقت البعث، فلما قام البرهان على بطلان ربوبيتهم، أثبت الربوبية لله وحده، فقال: {إلهكم إله واحد}. هـ. وهو تصريح بما أقام عليه الحجج والبراهين بما تقدم. ثم ذكر سبب إصرارهم على الكفر - وهو إنكار البعث والتكبر - فقال: {فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم مُنْكِرةٌ وهم مستكبرون} أي: فالمنكرون للبعث قلوبهم منكرة لوحدانيته تعالى، وهم مستكبرون عن اتّباع الرسل فيما جاؤوا به، والخضوع لهم؛ لأن المؤمن بالآخرة يكون طالبًا للدلائل، متأملاً فميا يسمع، فينتفع به، خاضعًا للحق، متبعًا لمن جاء به، بخلاف الكافر، يكون حاله بالعكس؛ منهمكًا في الغفلة، متبعًا للهوى، يُنكر بقلبه ما لا يعرف إلا بالبرهان، اتّباعًا للأسلاف، وتقليدًا لهم، وركونًا إلى المالوف. قال تعالى: تهديدًا لمن هذا وصفه: {لا جَرَمَ}: لا بدّ، أو لا شك، أو حَقٌّ {أنَّ الله يعلم ما يُسرون وما يعلنون}، فيجازيهم عليه؛ {إنه لا يحب المستكبرين} مطلقًا، فضلاً عن الذين استكبروا عن توحيده واتّباع رسوله. ومفهومه: أنه يحب المتواضعين الخاضعين للحق، ولمن جاء به، وهم المؤمنون. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد تضمنت الآية ثلاث خصال من خصال أهل التوحيد: الأولى: رفع الهمة عن الخلق، وتعلقها بالخالق في جميع المطالب والمآرب؛ إذ لا يترك العبد من هو خالق كل شيء، قادر على كل شي، دائم لا يموت، ويتعلق بعبد عاجز ضعيف، لا يقدر على نفع نفسه، فكيف ينفع غيره؟ {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون}، {والذين تدعون من دون الله لا يَخلقون شيئًا وهم يُخلقون أموات غير أحياء}. وأنشدوا في هذا المعنى: شعر : حَرَامٌ على مَنْ وَحَّد الله رَبَّهُ وأفْرَدَهُ أَنْ يَحْتَذِي أحدًا رِفْدَا فَيَا صَاحِبي قفْ بي عَلَى الحَقِّ وَقْفةً أَمُوتُ بها وَجْدًا وأحْيَا بِها وَجْدا وقُلْ لمُلوكِ الأرْضِ تَجْهَدُ جُهدها فَذَا المُلك مُلكٌ لا يُباع ولا يُهدى تفسير : والخصلة الثانية: تذكر البعث وما بعده، وتقريبُه وجعله نصب العين؛ إذ بذلك يحصل الزهد في هذه الدار الفانية، والاستعداد والتأهب للدار الباقية، وبه تلين القلوب، وتتحقق بعلم الغيوب، وبه يحصل الخضوع للحق، والتعظيم لمن جاء به. بخلاف من أنكره، أو استبعده، قال تعالى: {فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون}. الخصلة الثالثة: التواضع والخضوع لله، ولمن دعا إلى الله، وهو سبب المحبة من الله، ورفع الدرجات عند الله؛ قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ، ومَنْ تَكَبر وَضَعَهُ الله"تفسير : . وقال أيضًا: "حديث : مَنْ تَوَاضَعَ دُون قَدْره، رَفَعَهُ الله فوق قَدْره"تفسير : . بخلاف المتكبر؛ فإنه ممقوت عند الله، مطرود عن باب الله؛ قال تعالى: {إنه لا يحب المستكبرين}. وفي الحديث: "حديث : لاَ يَدْخُلُ الجنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَرْدلٍ مِنْ كِبْرٍ"تفسير : ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، حديث : والتكبر: بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناستفسير : ، أي: جحد الحق، واحتقار الناس. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : في هذه الآية ردّ على عباد الاصنام والاوثان بأن يقال: أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والارض والشمس والقمر والنجوم وغير ذلك من أنواع العجائب، كمن لا يخلق ذلك من الاصنام التي هي جمادات، فكيف توجه العبادة اليها، ويسوّى بينها، وبين خالق جميع ذلك {أفلا يتفكرون} في ذلك ويعتبرون به، فان ذلك من الخطأ الفاحش. وجعل (من) فيما لا يعقل لما اتصلت بذكر الخالق. ويتعلق بهذه الآية المجبرة، فقالوا: أعلمنا الله تعالى ان احداً لا يخلق، لانه خلاف الخالق، وانه لو كان خالق غيره لوجب ان يكون مثله، ونظيره. وهذا باطل، لان الخلق في حقيقة اللغة هو التقدير والاتقان في الصنعة وفعل الشيء لا على وجه السهو والمجازفة بدلالة قوله {أية : وتخلقون إِفكاً}تفسير : وقوله {أية : وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير}تفسير : وقوله {أية : أحسن الخالقين}تفسير : كما لا يجوز أنه اعظم الآلهة لما لم يستحق الآلهية غيره، وقال زهير: شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعــ ــض القوم يخلق ثم لا يفري تفسير : وقال الججاج: لا أعد إِلا وفيت ولا أخلق إِلا فريت وقال الشاعر: شعر : ولا يئط بأيدي الخالقين ولا أيدى الخوالق الاجبد الأدم تفسير : فعلمنا بذلك جواز تسمية غيره بأنه خالق إِلا انّا لا نطلق هذه الصفة إِلا لله تعالى، لان ذلك توهم، فاذا ثبت ذلك فالوجه في الآية ما قدمنا ذكره من الرد على عباد الاصنام والجمادات التي لا تقدر على ضرر ولا نفع ولا خلق شيء ولا استطاعة لها على فعل، وان من سوّى بينها وبين من خلق ما تقدم ذكره من أنواع النعم وأشرك بينهما في العبادة، كان جاهلاً بعيداً عن الصواب عادلاً عن طريق الهدى. ويقوي ذلك انه قال عقيب هذه الآية {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون أموات غير أحياء} فعلمنا انه أراد بذلك ما قدمنا من اسقاط رأيهم وتسويتهم بين الجماد والحي والفاعل ومن ليس بفاعل، وهذا واضح. وقوله {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} قال الحسن: لا تحصوها بأداء حقها وتعظيمها. وقال الجبائي: لا تحصوها مفصلة لكثرتها وإِن صح منكم احصاؤها على وجه الجملة.
الجنابذي
تفسير : {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} من الاصنام والكواكب وغيرها {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} حتّى لا تجعلوا المخلوق مشاركاً للخالق.
الأعقم
تفسير : {أفمن يخلق} يعني الله سبحانه في استحقاق العبادة والإِلهية {كمن لا يخلق} يعني الأصنام جماد لا تخلق شيئاً ولا تنفع ولا تضر {وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها} أي لا يمكنكم إحصاءها من كثرتها {إن الله لغفور رحيم} بكم حيث وسع النعم عليكم { والله يعلم ما تسرّون وما تعلنون} قوله تعالى: {والذين تدعون} من دونه يعني الأصنام تدعونها إلهاً {لا يخلقون شيئاً} أي لا يقدرون على خلق شيء لا ينفع ولا يضر {وهم يخلقون} لأنهم محدثون فلا بدّ لهم من محدث صانع {أموات غير أحياء} يعني هذه الأصنام حكم الأموات {وما يشعرون أيَّان يبعثون} أي وما يعلم هؤلاء متى يبعثون، وقيل: أراد بالذين يعبدون الملائكة وكان ناس منهم يعبدونهم كأنهم أموات لا بد لهم من الموت غير أحياء باقية حياتهم ما يشعرون، ولا علم لهم بوقت بعثهم {إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة} لوحدانيته {وهم مستكبرون عنها} وعن الاقرار بها {لا جرم} حقاً {إن الله يعلم} سرهم وعلانيتهم فيجازيهم وهو وعيد لهم {إنه لا يحب المستكبرين}، قيل: أراد المستكبرين عن التوحيد يعني المشركين ويجوز أن يعم كل مستكبر {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} الآية، قيل: نزلت في المشركين الذين اقتسموا عقاب مكة من قريش سألهم الوفود على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعما أنزل إليه فقالوا: أساطير الأولين {ليحملوا أوزارهم} أي ذنوب أنفسهم الذين يفعلونها والمراد عقاب الذنوب التي تلزم على الأفعال {كاملة} أي تامة {ومن أوزار الذين يضلونهم} أي يصدونهم عن الإِيمان يعني يلزمهم عقاب اضلالهم، وهو ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أيما داع دعا إلى هذا فله مثل أجر من يتبعه ولا ينقص من أجورهم شيئاً وكذلك من دعا إلى الضلالة فإن عليه مثل أوزار من تبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً" تفسير : بغير علم يعني لا يعلمون الحق وإنما يتبع التقليد والهوى {ألا ساء ما يزرون} أي بئس الحمل حملهم.
اطفيش
تفسير : {أَفَمَن يَخْلُقُ} الهمزة للاستفهام التوبيخى والإِنكارى أى لا يصح ولا يمكن أن يكون من الخلق كل ما أراد كالأَشياء العظام المذكورة وهو الله سبحانه وتعالى {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} شيئاً وما هو فى نفسه مخلوق الله تعالى وهو الأَصنام، وما عبد من دون الله من جماد وملك وإِنسان ونجم والشمس والقمر فمن سواها به فى العبادة مكابر لعقله ومعاند له وكيف والأَصنام وهى أيضا لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع ولا تدفع عن نفسها ولا تجلب لها وإِنما لم يقل أفمن يخلق كمن لا يخلق مع أن القاعدة فى الكلام العربى تشبيه الناقص بالكامل لأَن المعنى كيف تنقصون حق الخالق وتسوونه بغير الخالق هذا ما ظهر لى. وقال القاضى للتنبيه على أنهم بالإشراك بالله جعلوه من جنس المخلوقات العجزة شبيها بها انتهى، ثم ظهر لى أن مراده ما ذكرت وإِنما قال كمن لا يخلق ولم يقل كما لا يخلق تغليبا للعقلاء المعبودين كالملائكة وعزير وعيسى على غير العقلاء كالصنم والنجم، وإِن أُريد بمن لا يخلق الأَصنام فقط أو الأَصنام ونحوها مما لا عقل له فإِنما عبر بمن لأَن من عبد شيئاً فقد نزله منزلة العاقل أو لأَنهم سموها آلهة ومن حق الإِله أن يكون عالما أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق من للعقلاء ويجوز أن يكون من لغير الأَصنام ونحوها بل هى للعقلاء مطلقا أو للعقلاء المعبودين إلزاما لحجة على طريق المبالغة كأَنه قيل ليس العالم الخالق كالعالم الذى لا يخلق فكيف يكون كمن لا يعلم ولا يخلق كما يقول فى الرد على من قال فلان كسيبويه إِنه ليس كالذى علم من النحو كلمة بل دونه لا يعلم ولو كلمة واحدة؛ وكقوله رد على من يعبد الأَصنام ألهم أرجل يمشون بها أى ليسوا كمن له أرجل فضلا عن أن يكونوا كالله تعالى {أََفَلاَ تَذَكَّرُونَ} فتعرفوا فساد ذلك فإِن فساده جلى يعرف بأَدنى تأَمل لا يحتاج إِلى تدقيق الفكر.
اطفيش
تفسير : {أَفَمَنْ يَخْلُقُ} كل ما يشاء كما شاهدتم ما ذكر وأَقررتم به، وليس المراد ما ذكر فإنه مضى خلقه إلا بتأَويل الحال له كأَنهم حضروا وشاهدوا خلقه، بل المراد الإطلاق والتجدد والاعتياد فيشمل الماضى والحاضر والآتى وكل ما ذكر خلق له {كَمنْ لاَ يخْلُقُ} شيئاً ألبتة، المعنى، أَسويتم الله الخالق بمن لا يخلق فى العبادة ولم تخصوه بها، ولذلك لم يكن الكلام، أَفمن لا يخلق كمن يخلق، أَو جعلوه كأَنه من جنس المخلوقات العجزة شبيها بها، ولا يصح أن يقال: بالغوا حتى جعلوا الله فرعا فى العبادة على أصنامهم لأَن قولهم: تقربنا إلى الله زلفى ينافيه، ومن الثانية للأَصنام على اعتقادهم عظمتها حتى كأَنها عاقلة أَو للعقلاءِ وغيرهم، فإِن ممن يعبد من الخلق الملائكة وعيسى وغيرهم ومن قريش من يعبد الملائِكة، أَو على مشاكلة من الأُولى الى للعالم أَو ذلك على تأْكيد نفى المساواة كأَنه قيل: أَيكون الله الخالق كالملائِكة وعيسى الذين لا يخلقون وهم يعلمون فكيف من لا يعلم كالأصنام {أَفلاَ تَذكَّرُونَ} فإِن الحق فى ذلك يدرك بأَدنى تأَمل بل بمجرد التفات فى الشأْن، وما ذكر تذكير تفصيلى بطائفة من النعم عقبه بتذكير إجمالى بقوله: {وَإِنْ تَعُدُّوا} إن أردتم العد {نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا} تنبيها على أن وراءَ تلك النعم نعما لا تقدرون على حصرها بعدد أَفرادها ولا أنواعها فضلا عن أَن تقوموا بشكرها، وحق عبادته غير مقدور، لكن أُمرتم بالشكر على حسب الطاقة {إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ} لمن تاب {رَّحِيمُ} قدم الغفران لأَن التخلى قبل التحلى، وهو أَنسب بالفاصلة، ومن رحمته أنه لم يعاجلكم بالعقاب وتوسيع النعمة عليكم بعد تقصيركم ومبالغتكم فى المعاصى، ومن الجائز أَن يقال: غفور يستر الذنب فى الدنيا ولا يكشفه بالإِظهار ولا بالعقاب عليه، رحيم بنعم الدنيا ونعم الآخرة للتائِب.
الالوسي
تفسير : {أَفَمَن يَخْلُقُ} ما ذكر من المخلوقات البديعة أو يخلق كل شيء يريده {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} شيئاً ما جليلاً أو حقيراً، وهو تبكيت للكفرة وإبطال لإشراكهم وعبادتهم غيره تعالى شأنه من الأصنام بإنكار ما يستلزمه ذلك من المشابهة بينه سبحانه وبينه بعد تعداد ما يقتضي ذلك اقتضاء ظاهراً،/ وتعقيب الهمزة بالفاء لتوجيه الإنكار إلى ترتب توهم المشابهة المذكورة على ما فعل سبحانه من الأمور العظيمة الظاهرة الاختصاص به تعالى شأنه المعلومة كذلك فيما بينهم حسبما يؤذن به غير آية؛ والاقتصار على ذكر الخلق من بين ما تقدم لكونه أعظمه وأظهره واستتباعه إياه أو لكون كل من ذلك خلقاً مخصوصاً أي أبعد ظهور اختصاصه سبحانه بمبدئية هذه الشؤون الواضحة الدالة على وحدانيته تعالى وتفرد بالألوهية واستحقاق العبادة يتصور المشابهة بينه وبين ما هو بمعزل عن ذلك بالمرة كما هو قضية إشراككم، وكان حق الكلام بحسب الظاهر في بادىء النظر أفمن لا يخلق كمن يخلق، لكن قيل: حيث كان التشبيه نسبة تقوم بالمنتسبين اختير ما عليه النظم الكريم مراعاة لحق سبق الملكة على العدم وتفادياً عن توسيط عدمها بينها وبين جزئياتها المفصلة قبلها وتنبيهاً على كمال قبح ما فعلوه من حيث إن ذلك ليس مجرد رفع أصنامهم عن محلها بل هو حط لمنزلة الربوبية إلى مرتبة الجماد ولا ريب أنه أقبح من الأول، والمراد بمن لا يخلق كل ما هذا شأنه من ذوي العلم كالملائكة وعيسى عليهم السلام وغيرهم كالأصنام، وأتى (بِمَنِ) تغليباً لذوي العلم على غيرهم مع ما فيه من المشاكلة أو ذوو العلم خاصة ويعرف منه حال غيرهم بدلالة النص، فإن من يخلق حيث لم يكن كمن لا يخلق وهو من جملة ذوي العلم فما ظنك بالجماد، وقيل: المراد به الأصنام خاصة، والتعبير بمن إما للمشاكلة أو بناء على ما عند عبدتهما، والأولى ما تقدم، ودخول الأصنام في حكم عدم المشابهة إما بطريق الاندراج أو بطريق الانفهام بدلالة النص على الطريق البرهاني قاله بعض المحققين. واستدل بالآية على بطلان مذهب المعتزلة في زعمهم أن العباد خالقون لأفعالهم. وقال الشهاب بعد أن قرر تقدير المفعول عاماً على طرز ما ذكرنا: وجوز أن يكون العموم فيه مأخوذاً من تنزيل الفعل منزلة اللازم أنه علم من هذا عدم توجه الاحتجاج بها على المعتزلة في إبطال قولهم بخلق العباد أفعالهم كما وقع في كتب الكلام لأن السلب الكلي لا ينافي الإيجاب الجزئي اهـ حسبما وجدناه في النسخ التي بأيدينا ولعلها سقيمة وإلا فلا أظن ذلك إلا كبوة جواد وهو ظاهر. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي ألا تلاحظون فلا تتذكرون ذلك فإنه لجلائه لا يحتاج إلى شيء سوى التذكر وهو مراجعة ما سبق تصوره وذهل عنه، وقدر بعضهم المفعول عدم المساواة، وذكر أنه لعدم سبقه حتى يتصور فيه حقيقة التذكر بأن يتصور ويذهل عنه جعل التذكر استعارة تصريحية للعلم به، وقيل: الاستعارة مكنية في المفعول المقدر وإثبات التذكر تخييل فتذكر.
ابن عاشور
تفسير : بعد أن أقيمت الدلائل على انفراد الله بالخلق ابتداء من قوله تعالى {أية : خلق السماوات والأرض بالحق} تفسير : [سورة النحل: 3] وثبتت المنّة وحقّ الشّكر، فرع على ذلك هاتان الجملتان لتكونا كالنتيجتين للأدلّة السابقة إنكاراً على المشركين. فالاستفهام عن المساواة إنكاري، أي لا يستوي من يخلق بمن لا يخلق. فالكاف للمماثلة، وهي مورد الإنكار حيث جعلوا الأصنام آلهة شريكة لله تعالى. ومن مضمون الصّلتين يعرف أي الموصولين أولى بالإلهية فيظهر مورد الإنكار. وحين كان المراد بمن لا يخلق الأصنام كان إطلاق من الغالبة في العاقل مشاكلة لقوله {أفمن يخلق}. وفرع على إنكار التسوية استفهامٌ عن عدم التذكّر في انتفائها. فالاستفهام في قوله: {أفلا تذكرون} مستعمل في الإنكار على انتفاء التذكر، وذلك يختلف باختلاف المخاطبين، فهو إنكار على إعراض المشركين عن التذكر في ذلك. جملة {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} عطف على جملة {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون}. وهي كالتكملة لها لأنها نتيجة لما تضمنّته تلك الأدلّة من الامتنان كما تقدم. وهي بمنزلة التذييل للامتنان لأن فيها عموماً يشمل النعم المذكورة وغيرها. وهذا كلام جامع للتنبيه على وفرة نعم الله تعالى على الناس بحيث لا يستطيع عدّها العادّون، وإذا كانت كذلك فقد حصل التّنبيه إلى كثرتها بمعرفة أصولها وما يحويها من العوالم. وفي هذا إيماء إلى الاستكثار من الشكر على مجمل النعم، وتعريض بفظاعة كفر من كفروا بهذا المنعم، وتغليظ التهديد لهم. وتقدم نظيرها في سورة إبراهيم. وجملة {إن الله لغفور رحيم} استئناف عُقب به تغليظ الكفر والتّهديد عليه تنبيهاً على تمكّنهم من تدارك أمرهم بأن يقلعوا عن الشرك، ويتأهبوا للشكر بما يطيقون، على عادة القرآن من تعقيب الزواجر بالرغائب كيلا يقنط المسرفون. وقد خولف بين ختام هذه الآية وختام آية سورة إبراهيم، إذ وقع هنالك {أية : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} تفسير : [سورة إبراهيم: 34] لأن تلك جاءت في سياق وعيد وتهديدٍ عقب قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة الله كفرا} تفسير : [سورة إبراهيم: 28] فكان المناسب لها تسجيل ظلمهم وكفرهم بنعمة الله. وأما هذه الآية فقد جاءت خطاباً للفريقين كما كانت النّعم المعدودة عليهم منتفعاً بها كلاهما. ثم كان من اللطائف أن قوبل الوصفان اللذان في آية سورة إبراهيم {لظلوم كفار} بوصفين هنا {لغفور رحيم} إشارة إلى أن تلك النّعم كانت سبباً لظلم الإنسان وكفره وهي سبب لغفران الله ورحمته. والأمر في ذلك منوط بعمل الإنسان.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} الآية. تقدم بيان مثل هذه الآية في موضعين.
د. أسعد حومد
تفسير : (17) - أَفَمَنْ يَخْلُقُ هَذِهِ الخَلاَئِقَ العَجِيبَةَ، وَيُنْعِمُ هَذِهِ النِّعَمَ العَظِيمَةَ، كَمَنْ لاَ يَخْلُقَ شَيْئاً، وَلاَ يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلاَ لِعَابِدِيهِ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً؟ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ هَذِهِ النِّعَمَ، وَهَذِهِ القُدْرَةِ العَظِيمَةِ لِتُدْرِكُوا أَنَّ العِبَادَةَ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِ اللهِ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ عَلَى خَلْقِهِ. أَمَّا الأَصْنَامُ وَالأَوْثَانُ فَإِنَّهَا حِجَارَةٌ لاَ تَنْفَعُ وَلاَ تَضُرُّ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ شَيْئاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونعلم أن الكلام الذي يلقيه المتكلم للسامع يأخذ صوراً متعددة؛ فمرَّة يأخذ صورة الخبر، كأن يقول: مَنْ لا يخلق ليس كَمنْ يخلق. وهذا كلام خبريّ، يصح أنْ تُصدِّقه، ويصحّ ألاَّ تُصدّقه. أما إذا أراد المتكلم أن يأتي منك أنت التصديق، ويجعلك تنطق به؛ فهو يأتي لك بصيغة سؤال، لا تستطيع إلا أنْ تجيبَ عليه بالتأكيد لِمَا يرغبه المتكلِّم. ونعلم أن قريشاً كانت تعبد الأصنام؛ وجعلوها آلهة؛ وهي لم تكلمهم، ولم تُنزِل منهجاً، وقالوا ما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ..} تفسير : [الزمر: 3]. فلماذا إذن لا يعبدون الله مباشرة دون وساطة؟ ولماذا لا يرفعون عن أنفسهم مشقة العبادة، ويتجهون إلى الله مباشرة؟ ثم لنسأل: ما هي العبادة؟ نعلم أن العبادة تعني الطاعة في "افعل" و "لا تفعل" التي تصدر من المعبود. وبطبيعة الحال لا توجد أوامر أو تكاليف من الأصنام لِمَنْ يعبدونها، فهي معبودات بلا منهج، وبلا جزاء لِمَن خالف، وبلا ثواب لِمَنْ أطاع، وبالتالي لا تصلح تلك الأصنام للعبادة. ولنناقش المسألة من زاوية أخرى، لقد أوضح الحق سبحانه أنه هو الذي خلق السماوات والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، وسخر كل الكائنات لخدمة الإنسان الذي أوكل إليه مهمة خلافته في الأرض. وكلُّ تلك الأمور لا يدعيها أحد غير الله، بل إنك إنْ سألتَ الكفار والمشركين عمَّن خلقهم ليقولن الله. قال الحق سبحانه: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الزخرف: 87]. ذلك أن عملية الإيجاد والخَلْق لا يجرؤ أحدٌ أنْ يدَّعيَها إنْ لم يكُنْ هو الذي أبدعها، وحين تسألهم: مَنْ خلق السماوات والأرض لقالوا: إنه الله. وقد أبلغهم محمد صلى الله عليه وسلم أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وأن منهجه لإدارة الكون يبدأ من عبادته سبحانه. وما دام قد ادَّعى الحق سبحانه ذلك، ولم يوجد مَنْ ينازعه؛ فالدعوة تثبُت له إلى أنْ يوجد معارض، ولم يوجد هذا المُعَارض أبداً. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ لم يَقُل الحق سبحانه "أتجعلون مَنْ لا يخلق مِثْل من يخلق". بل قال: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17]. ووراء ذلك حكمة؛ فهؤلاء الذين نزل إليهم الحديث تعاملوا مع الأصنام وكأنها الله؛ وتوهَّموا أن الله مخلوق مثل تلك الأصنام؛ ولذلك جاء القول الذي يناسب هذا التصوُّر. والحق سبحانه يريد أنْ يبطل هذا التصوُّر من الأساس؛ فأوضح أن مَنْ تعبدونهم هم أصنام من الحجارة وهي مادة ولها صورة، وأنتم صنعتموها على حَسْب تصوُّركم وقدراتكم. وفي هذه الحالة يكون المعبود أقلَّ درجة من العابد وأدنى منه؛ فضلاً عن أن تلك الأصنام لا تملك لِمَنْ يعبدها ضراً ولا نفعاً. ثم: لماذا تدعون الله إنْ مسَّكُم ضُرٌّ؟ إن الإنسان يدعو الله في موقف الضر؛ لأنه لحظتها لا يجرؤ على خداع نفسه، أما الآلهة التي صنعوها وعبدوها فهي لا تسمع الدعاء: {أية : إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} تفسير : [فاطر: 14]. فكيف إذن تساوون بين مَنْ لا يخلق، ومن يخلق؟ إن عليكم أنْ تتذكَّروا، وأنْ تتفكَّروا، وأن تُعْمِلوا عقولكم فيما ينفعكم. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى ما خلقه من المخلوقات العظيمة، وما أنعم به من النعم العميمة ذكر أنه لا يشبهه أحد ولا كفء له ولا ند له فقال: { أَفَمَنْ يَخْلُقُ } جميع المخلوقات وهو الفعال لما يريد { كَمَنْ لا يَخْلُقُ } شيئا لا قليلا ولا كثيرا، { أَفَلا تَذَكَّرُونَ } فتعرفون أن المنفرد بالخلق أحق بالعبادة كلها، فكما أنه واحد في خلقه وتدبيره فإنه واحد في إلهيته وتوحيده وعبادته. وكما أنه ليس له مشارك إذ أنشأكم وأنشأ غيركم، فلا تجعلوا له أندادا في عبادته بل أخلصوا له الدين، { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ } عددا مجردا عن الشكر { لا تُحْصُوهَا } فضلا عن كونكم تشكرونها، فإن نعمه الظاهرة والباطنة على العباد بعدد الأنفاس واللحظات، من جميع أصناف النعم مما يعرف العباد، ومما لا يعرفون وما يدفع عنهم من النقم فأكثر من أن تحصى، { إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } يرضى منكم باليسير من الشكر مع إنعامه الكثير. وكما أن رحمته واسعة وجوده عميم ومغفرته شاملة للعباد فعلمه محيط بهم، { يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } بخلاف من عبد من دونه، فإنهم { لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا } قليلا ولا كثيرا { وَهُمْ يُخْلَقُونَ } فكيف يخلقون شيئا مع افتقارهم في إيجادهم إلى الله تعالى؟!! ومع هذا ليس فيهم من أوصاف الكمال شيء لا علم، ولا غيره { أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ } فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئا، أفتتخذ هذه آلهة من دون رب العالمين، فتبا لعقول المشركين ما أضلها وأفسدها، حيث ضلت في أظهر الأشياء فسادا، وسووا بين الناقص من جميع الوجوه فلا أوصاف كمال، ولا شيء من الأفعال، وبين الكامل من جميع الوجوه الذي له كل صفة كمال وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها، فله العلم المحيط بكل الأشياء والقدرة العامة والرحمة الواسعة التي ملأت جميع العوالم، والحمد والمجد والكبرياء والعظمة، التي لا يقدر أحد من الخلق أن يحيط ببعض أوصافه، ولهذا قال: { إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } وهو الله الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يكن له كفوا أحد. فأهل الإيمان والعقول أجلته قلوبهم وعظمته، وأحبته حبا عظيما، وصرفوا له كل ما استطاعوا من القربات البدنية والمالية، وأعمال القلوب وأعمال الجوارح، وأثنوا عليه بأسمائه الحسنى وصفاته وأفعاله المقدسة، { فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ } لهذا الأمر العظيم الذي لا ينكره إلا أعظم الخلق جهلا وعنادا وهو: توحيد الله { وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ } عن عبادته. { لا جَرَمَ } أي: حقا لا بد { أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } من الأعمال القبيحة { إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ } بل يبغضهم أشد البغض، وسيجازيهم من جنس عملهم {أية : إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):