١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} تقدم في إبراهيم. {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } أي ما تبطنونه وما تظهرونه. وقد تقدم جميع هذا مستوفًى.
البيضاوي
تفسير : {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } لا تضبطوا عددها فضلاً أن يطيقوا القيام بشكرها، أتبع ذلك تعداد النعم وإلزام الحجة على تفرده باستحقاق العبادة تنبيهاً على أن وراء ما عَدَّدَ نعماً لا تنحصر، وأن حق عبادته تعالى غير مقدور. {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ } حيث يتجاوز عن التقصير في أداء شكرها. {رَّحِيمٌ } لا يقطعها لتفريطكم فيه ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تضبطوها فضلاً أن تطيقوا شكرها {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } حيث ينعم عليكم مع تقصيركم وعصيانكم.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا تُحْصُوهَآ} لا تحفظوها، أو لا تشكروها.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ...} الآية: وبحسب العَجْز عن عدِّ نعم اللَّه تعالى يلزمُ أنْ يكون الشاكرُ لها مقصِّراً عن بعْضها؛ فلذلك قال عزَّ وجلَّ: {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }، أي: عن تقصيركُمْ في الشكْر عن جميعها؛ نحا هذا المنحَى الطبريُّ؛ ويَرِدُ عليه أن نعمةَ اللَّهِ في قولِ العبدِ: «الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ»، مع شرطها من النيَّة والطاعةِ يوازي جميعَ النِّعَمَ، ولكنْ أين قولها بشُرُوطها، والمخاطَبةُ بقوله: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ}. عامَّةٌ لجميع الناس. {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ }؛ أي: تدعونهم آلهةً، و{أَمْوَاتٌ }: يراد به الذين يَدْعُونَ مِنْ دونِ اللَّهِ، ورفع {أَمْوَاتٌ }؛ على أنه خبر مبتدإٍ مضمرٍ، تقديره: هم أمواتٌ، وقوله: {غَيْرُ أَحْيَاءٍ}: أي: لم يقبلوا حياةً قطُّ، ولا ٱتصفوا بها، وقوله سبحانه: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ }: أي: وما يشعر الكُفَّار متَى يبعثون إِلى التعذيب.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} لمَّا بيَّن أنَّ الاشتغال بعبادة غير الله باطلٌ، بيَّن ههنا أنَّ العبد لا يمكنه الإتيانُ بعبادة الله، وشكر نعمه على سبيل التَّمامِ، والكمال، بل العبد وإن أتعب نفسه في القيام بالطاعاتِ، والعبادات، وبالغ في شُكْرِ نعم الله؛ فإنه يكون مقصِّراً؛ لأنَّ الاشتغال بشكر النِّعم مشترطٌ بعلمه بتلك النعم على سبيل التفصيل، فإنَّ من لا يكون متصوراً، ولا مفهوماً يمتنع الاشتغال بشكره، والعلم بنعمة الله على سبيل التفصيل غير حاصل للعبد؛ لأنَّ نعم الله كثيرة، وأقسامها عظيمة، وعقول الخلق قاصرة عن الإحاطة بمبادئها فضلاً عن غايتها، لكنَّ الطريق إلى ذلك أن يشكر الله على جميع نعمه مفصَّلها، ومجملها. ثم قال - جلَّ ذكره-: {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}، "لَغَفُورٌ" لتقصيركم في شكر نعمه، "رَحِيمٌ" بكم حيث لم يقطع نعمه عنكم لتقصيركم. قال بعضهم: إنَّه ليس لله على [الكافر] نعمةٌ. وقال الأكثرون: لله على الكافر والمؤمن نعمٌ كثيرةٌ؛ لأنَّ الإنعامَ بخلق السمواتِ، والأرض، وخلق الإنسان من نطفةٍ، والإنعام بخلق الخيلِ، والبغال والحمير، وجميع المخلوقات المذكورة للإنعام يشترك فيها المؤمن، والكافر. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} قرأ العامة "تُسِرُّونَ" و "تُعْلِنُونَ" بتاء الخطاب، وأبو جعفرٍ، وشيبة بالياء من تحت، وقرأ عاصم وحده: "يَدْعُونَ" بالياء، والباقون بالتاء من فوق، وقراءة "يُدْعَونَ" مبنيًّا للمفعول، وهن واضحات، والمعنى: أنَّ الكفار كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله يسرُّون ضروباً من المكر بمكايد الرسول؛ فذكر هذا زجراً لهم عنها. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} تكريرٌ؛ لأن قوله تعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ} يدلُّ على أنَّ الأصنام لا تخلق شيئاً. فالجواب: أنَّ الأول أنَّهم لا يخلقون شيئاً، وههنا أنَّهم لا يخلقون شيئاً، وأنهم مخلوقون كغيرهم؛ فكان هذا زيادة في المعنى. قوله "أمْوات" يجوز أن يكون خبراً ثانياً، أي: وهم يخلقون وهم أمواتٌ، ويجوز أن يكون "يُخْلَقُونَ"، و "أمْواتٌ" كلاهما خبر من باب: هذا حُلْوٌ حَامِضٌ ذكره أبو البقاء رحمه الله تعالى، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هم أمواتٌ. قوله: {غَيْرُ أَحْيَآءٍ} يجوز فيه ما تقدم ويكون تأكيداً. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون قصد بها أنهم في الحال غير أحياء؛ ليدفع به توهُّم أنَّ قوله تعالى: {أَمْوَاتٌ} فيما بعد، إذ قال تعالى: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر: 30]. قال شهابُ الدِّين: "وهذا لا يخرجه عن التأكيد الذي ذكره قبل ذلك". فصل في وصف الأصنام اعلم أنه - تعالى - وصف الأصنام بصفات: أولها: أنها لا تخلق شيئاً. وثانيها: أنها مخلوقة. وثالثها: أنهم أموات غير أحياءٍ، أي: أنها لو كانت آلهة حقيقية؛ لكانت أحياء غير أموات، أي: لا يجوز عليها الموت، كالحيِّ الذي لا يموت - سبحانه - وهذه الأصنام بالعكسِ. فإن قيل: لما قال "أمْواتٌ" علم أنَّها "غَيْرُ أحياءٍ"، فما فائدة قوله تعالى: {غَيْرُ أَحْيَاءٍ}؟. والجواب: أنَّ الإله هو الحيُّ الذي لا يحصل عقيب حياته موتٌ، وهذه الأصنام أموات لا يحصل عقيب موتها حياة، وأيضاً: فهذا الكلام مع عبدة الأوثان، وهم في نهاية الجهالة، ومن تكلَّم مع الجاهل الغرِّ الغبي، فقد يعبر عن المعنى الواحد، بعباراتٍ كثيرة، وغرضه الإعلام بأنَّ ذلك المخاطب في غاية الغباوة، وإنما يعيد تلك الكلمات؛ لأنَّ ذلك السامع في نهاية الجهالة، وأنه لا يفهم المعنى المقصود بالعبارة الواحدة. ورابعها: قوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} والضمير في قوله: "يَشْعرُونَ" عائد على الأصنام، وفي الضمير في قوله: "يُبْعَثُونَ" قولان: أحدهما: أنه عائد إلى العابد للأصنام، أي: ما يدري الكفار عبدةُ الأصنام متى يبعثون. الثاني: أنه يعود إلى الأصنام، أي: الأصنام لا يشعرون متى يبعثها الله تعالى. قال ابن عباس - رضي الله عنه: إنَّ الله - تعالى - يبعث الأصنام لها أرواحٌ، ومعها شياطينها، فتتبرَّأ من عابديها، فيؤمرُ بالكلِّ إلى النَّارِ. فصل هل توصف الأصنام بموت أو حياة الأصنام جمادات، والجمادات لا توصف بأنها أمواتٌ، ولا توصف بأنها لا تشعر بكذا وكذا. فالجواب من وجوه: الأول: أنَّ الجماد قد يوصف بكونه ميتاً؛ قال تعالى: {أية : يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} تفسير : [الأنعام: 95]. الثاني: أنهم لما وصفوا بالإلهيَّة قيل لهم: ليس الأمر كذلك؛ بل هي أمواتٌ، لا يعرفون شيئاً، فخوطبوا على وفق معتقدهم. الثالث: أنَّ المراد بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الملائكة] وكان أناسٌ من الكفَّار يعبدونهم؛ فقال الله تعالى: إنهم "أمْواتٌ" أي: لا بدَّ لهم من الموت "غَيْرُ أحْيَاءٍ" أي: غير باقيةٍ حياتهم، {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} أي لا علم لهم بوقت بعثهم. انتهى. قوله تعالى: "أيَّانَ" منصوب بما بعده لا بما قبله؛ لأنَّه استفهام، وهو معلق لـ "مَا يَشْعرُونَ" فجملته في محل نصب على إسقاطِ الخافض، هذا هو الظاهر. وقيل: إن "أيَّانَ" ظرف لقوله {أية : إِلَٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ} تفسير : [النحل: 22] يعني: أنَّ الإله واحدٌ يوم القيامة، ولم يدَّع أحد [تعدُّد] الآلهةِ في ذلك اليوم، بخلاف أيَّام الدنيا، فإنه قد وجد فيها من ادَّعى ذلك، وعلى هذا فقد تم الكلام على قوله "يَشْعُرونَ" إلاَّ أنَّ هذا القول مخرجٌ لـ "أيَّانَ" عن [موضوعها]، وهو إمَّا الشرط، وإمَّا الاستفهام إلى محضِ الظرفية، بمعنى وقت مضاف للجملة بعده؛ كقولك "وقْتَ يَذهَبُ عَمرٌو مُنْطلِقٌ" فـ "وَقْتَ": منصوبٌ بـ "مُنْطَلِقٌ" مضاف لـ "يَذْهَبُ".
البقاعي
تفسير : ولما كانت المقدورات لا تحصر، وأكثرها نعم العباد مذكرة لهم بخالقهم، قال تعالى ممتناً عليهم بإحسانه من غير سبب منهم: {وإن تعدوا } أي كلكم {نعمة الله} أي إنعام الملك الذي لا رب غيره، عليكم وإن كان في واحدة فإن شعبها تفوت الحصر {لا تحصوها} أي لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم مع كفرها وإعراضكم جملة عن شكرها، فلو شكرتم لزادكم من فضله. ولما كانوا مستحقين لسلب النعم بالإعراض عن التذكير، والعمى عن التبصر، أشار إلى سبب إدرارها، فقال تعالى: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال بجميع صفات الإكرام والانتقام {لغفور رحيم *} فلذلك هو يدر عليكم نعمه وأنتم منهمكون فيما يوجب نقمه. ولما جرت العادة بأن المكفور إحسانه يبادر إلى قطعه عند علمه بالكفر، فكان ربما توهم متوهم أن سبب مواترة الإحسان عدم العلم بالكفران، أو عدم العلم بكفران لا يدخل تحت المغفرة، قال مهدداً مبرزاً للضمير بالاسم الأعظم الذي بنيت عليه السورة للفصل بالفرق بين الخالق وغيره ولئلا يتوهم تقيد التهديد بحيثية المغفرة إيماء إلى أن ذلك نتيجة ما مضى: {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة بجميع صفات الإكرام والانتقام {يعلم} أي على الإطلاق {ما تسرون} أي كله. ولما كان الإسرار ربما حمل على حالة الخلوة، فلم يكن علمه دالاً على الإعلان، قال تعالى: {وما تعلنون *} ليعلم مقدار المضاعفة لموجبات الشكر وقباحة الكفر، وأما الأصنام فلا تعلم شيئاً فلا أسفه ممن عبدها. ولما أثبت لنفسه تعالى كمال القدرة وتمام العلم وأنه المنفرد بالخلق، شرع يقيم الأدلة على بعد ما يشركونه به من الإلهية بسلب تلك الصفات فقال تعالى: {والذين يدعون} أي دعاء عبادة {من دون الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {لا يخلقون شيئاً} ولما كان ربما ادعى مدع في شيء أنه لا يخلق ولا يخلق، قال: {وهم يخلقون *}. ولما كان من المخلوقات الميت والحي، وكان الميت أبعد شيء عن صفة الإله، قال نافياً عنها الحياة - بعد أن نفى القدرة والعلم - المستلزم لأن يكون عبدتها أشرف منها المستلزم لأنهم بخضوعهم لها في غاية السفه: {أموات} ولما كان الوصف قد يطلق على غير الملتبس به مجازاً عن عدم نفعه بضده وإن كان قائماً به عريقاً فيه قال: {غير أحياء} مبيناً أن المراد بذلك حقيقة سلب الحياة على ضد ما عليه الله { ألا له الخلق} من كونه حياً لا يموت، ولعله اقتصر على وصفهم - مع أنهم موات - بأنهم أموات لأن ذلك مع كونه كافياً في المقصود من السياق - وهو إبعادهم عن الإلهية - يكون صالحاً لكل مخلوق ادعى فيه الإلهية وإن اتصف بالحياة، لأن حياته زائلة يعقبها الموت، ومن كان كذلك كان بعيداً عن صفة الإلهية. ولما كانوا - مع علمهم بأن الأصنام حجارة لا حياة لها - يخاطبون من أجوافها بألسنة الشياطين - كما هو مذكور في السير وغيرها من الكتب المصنفة في هواتف الجان، فصاروا يظنون أن لها علماً بهذا الاعتبار، ولذلك كانوا يظنون أنها تضر وتنفع، احتيج إلى نفي العلم عنها، ولما كانوا يخبرون على ألسنتها ببعض ما يسترقونه من السمع، فيكون كما أخبروا، لم ينف عنها مطلق العلم، بل نفي ما لا علم لأحد غير الله به، لأنهم لا يخبرون عنه بخبر إلا بان كذبه، فقال تعالى عادّاً للبعث عداد المتفق عليه: {وما يشعرون} أي في هذا الحال كما هو مدلول ما {أيان} أي أيّ حين {يبعثون *} فنفى عنهم مطلق الشعور الذي هو أعم من العلم، فينتفي كل ما هو أخص منه.
ابو السعود
تفسير : {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} تذكيرٌ إجمالي لنعمه تعالى بعد تعدادِ طائفة منها، وكان الظاهرُ إيرادَه عقيبَها تكملةً لها على طريقة قوله تعالى: { أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 8] ولعل فصلَ ما بـينهما بقوله تعالى: {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} تفسير : [النحل، الآية 17] للمبادرة إلى إلزام الحجةِ وإلقامِ الحجر إثرَ تفصيلِ ما فُصل من الأفاعيل التي هي أدلةُ الوحدانية مع ما فيه من سر ستقف عليه إن شاء الله، ودَلالتُها عليها وإن لم تكن مقصورةً على حيثية الخلق ضرورةَ ظهور دلالتِها عليها من حيثية الإنعام أيضاً لكنها حيث كانت مستتبعاتِ الحيثيةِ الأولى، استُغنيَ عن التصريح بها ثم بُـين حالها بطريق الإجمال أي إن تعدوا نعمته الفائضةَ عليكم مما ذكر وما لم يذكر حسبما يُعرب عنه قوله تعالى: { أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [البقرة، الآية 29] {لاَ تُحْصُوهَا} أي لا تطيقوا حصرَها وضبطَ عددِها ولو إجمالاً، فضلاً عن القيام بشكرها وقد خرجنا عن عُهدة تحقيقه في سورة إبراهيمَ بفضل الله سبحانه {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ} حيث يستُر ما فرَط منكم من كفرانها والإخلالِ بالقيام بحقوقها، ولا يعاجلُكم بالعقوبة على ذلك {رَّحِيمٌ} حيث يُفيضها عليكم مع استحقاقكم للقطع والحِرمان بما تأتون وتذرون من أصناف الكفرِ التي من جملتها عدمُ الفرق بـين الخالقِ وغيرِه، وكلٌّ من ذلك نعمةٌ وأيُّما نعمة، فالجملة تعليلٌ للحكم بعدم الإحصاءِ وتقديمُ وصفِ المغفرة على نعت الرحمةِ لتقدم التخلية على التحلية. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ} تُضمرونه من العقائد والأعمال {وَمَا تُعْلِنُونَ} أي تظهرونه منهما، وحُذف العائد لمراعاة الفواصلِ أي يستوي بالنسبة إلى علمه المحيطِ سرُّكم وعلنُكم، وفيه من الوعيد والدِلالة على اختصاصه سبحانه بنعوت الإلٰهية ما لا يخفى، وتقديمُ السرِّ على العلن لما ذكرناه في سورة البقرة وسورة هودٍ من تحقيق المساواة بـين عِلْميه المتعلِّقَين بهما على أبلغ وجهٍ كأن عِلمَه تعالى بالسرّ أقدمُ منه بالعلن، أو لأن كلَّ شيء يعلن فهو قبل ذلك مضمرٌ في القلب، فتعلّقُ علمه تعالى بحالته الأولى أقدمُ من تعلقه بحالته الثانية. {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} شروع في تحقيق كونِ الأصنام بمعزل من استحقاق العبادةِ وتوضيحُه بحيث لا يبقى فيه شائبةُ ريب بتعديد أوصافِها وأحوالِها المنافية لذلك منافاةً ظاهرةً، وتلك الأحوالُ وإن كانت غنيةً عن البـيان لكنها شُرحت للتنبـيه على كمال حماقةِ عبدَتِها وأنهم لا يعرفون ذلك إلا بالتصريح، أي والآلهةُ الذين يعبدهم الكفار {مِن دُونِ ٱللَّهِ} سبحانه، وقرىء على صيغة المبني للمفعول وعلى الخطاب {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا} من الأشياء أصلاً أي ليس من شأنهم ذلك، ولما لم يكن بـين نفي الخالقية وبـين المخلوقية تلازمٌ بحسب المفهومِ وإن تلازما في الصدق أُثبت لهم ذلك صريحاً فقيل: {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي شأنُهم ومقتضىٰ ذاتِهم المخلوقيةُ لأنها ذواتٌ ممكنةٌ مفتقرةٌ في ماهياتها ووجوداتها إلى الموجد، وبناء الفعل للمفعول لتحقيق التضادّ والمقابلة بـين ما أثبت لهم وبـين ما نُفي عنهم من وصفي المخلوقية والخالقية، وللإيذان بعدم الافتقار إلى بـيان الفاعلِ لظهور اختصاصِ الفعل بفاعله جل جلاله، ويجوز أن يُجعل الخلقُ الثاني عبارةً عن النحت والتصوير رعايةً للمشاكلة بـينه وبـين الأول ومبالغةً في كونهم مصنوعين لعبدتهم وأعجز عنهم وإيذاناً بكمال ركاكةِ عقولهم حيث أشركوا بخالقهم مخلوقَهم، وأما جعلُ الأول أيضاً عبارةً عن ذلك كما فعل فلا وجه له، إذ القدرةُ على مثل ذلك الخلقِ ليست مما يدور عليه استحقاقُ العبادة أصلاً، ولِما أن إثباتَ المخلوقية لهم غيرُ مستدعٍ لنفي الحياة عنهم لِما أن بعض المخلوقين أحياءٌ صرح بذلك فقيل: {أَمْوَاتٌ} وهو خبرٌ ثان للموصول لا للضمير كما قيل، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ. وحيث كان بعضُ الأموات مما يعتريه الحياة سابقاً أو لاحقاً كأجساد الحيوان والنطفِ متى يُنشِئها الله تعالى حيواناً احتُرز عن ذلك فقيل: {غَيْرُ أَحْيَاء} أي لا يعتريها الحياة أصلاً فهي أمواتٌ على الإطلاق وأما قوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} أي ما يشعر أولئك الآلهةُ أيان يُبعث عَبَدتُهم فعلى طريقة التهكمِ بهم لأن شعورَ الجماد بالأمور الظاهرة بديهيُّ الاستحالة عند كل أحد فكيف بما لا يعلمه إلا العليم الخبـير وفيه إيذانٌ بأن البعث من لوازم التكليفِ وأن معرفةَ وقته مما لا بد منه في الألوهية. {إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} لا يشاركه شيءٌ في شيء، وهو تصريحٌ بالمدعىٰ وتمحيضٌ للنتيجة غِبَّ إقامةِ الحجة {فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأخِرَةِ} وأحوالِها التي من جملتها ما ذكر من البعث وما يعقُبه من الجزاء المستلزِمِ لعقوبتهم وذِلتهم {قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} للوَحدانية جاحدةٌ لها أو للآيات الدالة عليها {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} عن الاعتراف بها، أو عن الآيات الدالة عليها، والفاء للإيذان بأن إصرارَهم على الإنكار واستمرارَهم على الاستكبار وقعَ موقع النتيجة للدلائل الظاهرةِ والبراهينِ الباهرة، والمعنى أنه قد ثبت بما قُرّر من الحجج والبـينات اختصاصُ الإلٰهية به سبحانه فكان من نتيجة ذلك إصرارُهم على ما ذكر من الإنكار والاستكبار، وبناءُ الحكم المذكورِ على الموصول للإشعار بكونه معللاً بما في حيّز الصلة، فإن الكفرَ بالآخرة وبما فيها من البعث والجزاءِ المتنوِّع إلى الثواب على الطاعة والعقابِ على المعصية يؤدِّي إلى قصر النظر على العاجل، والإعراضِ عن الدلائل السمعية والعقليةِ الموجبِ لإنكارها وإنكارِ مؤدّاها، والاستكبارِ عن اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام وتصديقِه، وأما الإيمانُ بها وبما فيها فيدعو لا محالة إلى التأمل في الآيات والدلائلِ رغبةً ورهبة فيورث ذلك يقيناً بالوحدانية وخضوعاً لأمر الله تعالى. {لاَ جَرَمَ} أي حقاً وقد مر تحقيقُه في سورة هود {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} من إنكار قلوبِهم {وَمَا يُعْلِنُونَ} من استكبارهم وقولِهم للقرآن أساطيرُ الأولين وغيرِ ذلك من قبائحهم فيجازيهم بذلك {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ} تعليلٌ لما تضمنه الكلامُ من الوعيد، أي لا يحب المستكبرين عن التوحيد أو عن الآيات الدالةِ عليها أو لا يحب جنسَ المستكبرين، فكيف بمن استكبر عما ذكر.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} [الآية: 18]. قال ابن عطاء: إن لك نفسًا وقلبًا وروحًا وعقلاً ومحبة ومعرفة ودينًا وطاعة ومعصية وابتداءً وانتهاءً وحنينًا وأصلاً ووصلاً فنعمة النفس الطاعات والإحسان والنفس فيهما. تتنعم ونعمة القلب والروح الخوف والرجاء وهى فيهما تنعم ونعمة القلب اليقين والإيمان وهو فيها يتقلب ونعمة العقل الحكمة والبيان وهو فيهما يتقلب ونعمة المعرفة الذكر والقرآن وهو فيها يتقلب ونعمة المحبة والألفة والمواصلة والأمن من الهجران وهو فيهما يتقلب هذا تفسير قوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ}.
القشيري
تفسير : الموجوداتُ لا تحصوها لِتقاصُرِ علومِكم عنها، وما هو من نِعمَ الدفع فلا نهاية له. وهو غفور رحيم حيث يتجاوز عنكم إذا عجزتم عن شكره، ويرضى بمعرفتكم (....) لكم عن شكره.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان تعدوا} العد بالفارسية [شمردن {نعمة الله} الفائضة عليكم مما لم يذكر {لا تحصوها} لا تطيقوا حصرها وضبط عددها ولو اجمالا فضلا عن القيام بشكرها يقال احصاه اى عده كما فى القاموس واصله ان الحساب كان اذا بلغ عقدا وضعت له حصاة ثم استؤنف العدد. والمعنى لا توجد له غاية فتوضع له حصاة شعر : عطا ييست هرمو ازو برتنم جكونه بهر موى شكرى كنم تفسير : {ان الله لغفور} ستور يتجاوز عن تقصيركم فى شكرها {رحيم} عظيم الرحمة والنعمة لا يقطعها عنكم مع استحقاقكم للقطع والحرمان بسبب ما انتم عليه من العصيان ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها وتقديم وصف المغفرة على نعت الرحمة لتقدم التخلية على التحلية. قال ابن عطاء ان لك نفسا وقلبا وروحا وعقلا ومحبة ودينا ودنيا وطاعة ومعصية وابتداء وانتهاء وحينا واصالا وفصلا فنعمة النفس الطاعات والاحسان والنفس فيهما تتقلب ونعمة القب اليقين والايمان وهو فيهما يتقلب ونعمة الروح الخوف والرجاء وهو فيهما يتقلب ونعمة العقل الحكمة والبيان وهو فيهما يتقلب ونعمة المعرفة الذكر والقرآن وهى فيهما تتقلب ونعمة المحبة الالفة والمواصلة والامن من الهجران. وهى فيها تتقلب وهذا تفسير قوله {وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها} انتهى. واعلم انه لو صرف جميع عمر الانسان الى الاعمال الصالحة واقامة الشكر لما كافأ نعمة الوجود فضلا عن سائر النعم شعر : لو عشت الف عام فى سجدة لربى شكرا لفضل يوم لم اقض بالتمام والعام الف شهر والشهر الف يوم واليوم الف حين والحين الف عام تفسير : قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : عذر تقصير خدمت آوردم كه ندارم بطاعت استطهار عاصيان از كناه توبه كنند عارفان از عبادت استغفار تفسير : المراد رؤية العمل لا ترك العمل وينبغى للعبد از يكون تحت طاعة المولى لا تحت طاعة النفس والشيطان فان المطيع والعاصى لا يستويان - حكى - ان عابدا من بنى اسرائيل عبد الله تعالى سبعين سنة فاراد الله ان يظهره على الملائكة فارسل اليه ملكا يخبره انه مع تلك العبادة لا يليق بالجنة فقال العابد نحن خقلنا للعبادة فينبغى ان نعبد خالقنا امتثالا لامره فرجع الملك فقال الهى انت تعلم بما قال فقال الله تعالى اذا لم يعرض عن عبادتنا فنحن مع الكرم لا نعرض عنه اشهدوا انى قد غفرت له فللعبد ان يكون قصده مراعاة الامر واخراج النفس عن البين وهو حجاب عظيم للوصول الى الحقيقة وعلى تقدر الزلة فالمسارعة الى الاستغفار فانه نعم المطهر من درن الذنوب والاوزار.
الجنابذي
تفسير : {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ} فلا يؤاخذكم بالتّقصير فى القيام بشكرها {رَّحِيمٌ} فلا يقطعها عنكم بتقصيركم بل يزيدها يوماً فيوماً.
الهواري
تفسير : قوله: { وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ} أي: ما يسر المشركون من نجواهم في أمر النبي، أي: ما يتشاورون في أمره، مثل قوله: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: الذين أشركوا {هَلْ هَذَا} يعنون محمداً (أية : إِلآَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ) تفسير : [الأنبياء:3] أي: أنه سحر. يعنون القرآن. قال الله: { وَمَا تُعْلِنُونَ} أي: من شركهم وجحودهم. {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ} يعني الأوثان { لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي: يصنعون بأيديهم. قال إبراهيم: (أية : أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) تفسير : [الصافات:95-96] أي: بأيديكم. قوله: {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ} أي: الأوثان أموات لا أرواح فيها { وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}. قال بعضهم: تحشر الأوثان بأعيانها فتخاصم عابديها عند الله بأنها لم تدعهم إلى عبادتها، وإنما كان دعاهم إلى عبادتها الشيطان. قال الله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً} أي: أمواتاً لا أرواح فيها (أية : وَإن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً) تفسير : [النساء:117]. قوله: { إِلَهُكُم إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ} أي: لا يصدّقون. بالآخرة { قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} أي: لهذا القرآن. وبعضهم يقول منكرة لا إله إلا الله { وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} عن عبادة الله وعما جاء به رسول الله. وقال بعضهم: عن القرآن، وهو واحد. ثم قال: { لاَ جَرَمَ} وهي كلمة وعيد. { أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}. وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ}.
اطفيش
تفسير : {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ} يريدوا عدها أو تشرعوا فى عدها فردا فردا أو نوعا نوعا {لاَ تُحْصُوهَا} لا تستوفوا عددها ولو اجتهدتم كل الاجتهاد فضلا عن أن تقوموا بشكرها عد الله نعما وبينها ثم نبه أن وراء ذلك نعما لا تحصى وتضمن ذلك أنه لا مستحق للعبادة سواه وإِن حق عبادته غير مقدور {إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ} إِذ سامحكم فى التقصير فى القيام بشكر النعم فإِن المكلف ولو ملكاً أو رسولا لا يقوم بحقها والخطاب للناس كلهم {رَّحِيمٌ} لا يقطعها بتفريطكم وإلا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها {وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ} من عقائدكم وأعمالكم ومكركم بالرسول. {وَمَا تُعْلِنُونَ} تظهرون من ذلك، وذلك تهديد للكفار بأَنه قد علم ما عندهم فهو مجاز لهم أو المعنى هو يعلم ما تسرون وما تعلنون ولا يعلم ذلك ما تعبدون فهو المستحق للعبادة دون ما تعبدون.
الالوسي
تفسير : {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تذكير إجمالي لنعمه تعالى بعد تعداد طائفة منها، وفصل ما بينهما بقوله تعالى: {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } تفسير : [النحل: 17] كما قيل للمبادرة إلى إلزام الحجة والقام الحجر إثر تفصيل ما فصل من الأفاعيل التي هي أدلة التوحيد، ودلالتها عليه وإن لم تكن مقصورة على حيثية الخلق ضرورة ظهور دلالتها عليه من حيثية الإنعام أيضاً لكنها حيث كانت من مستتبعات الحيثية الأولى استغنى عن التصريح بها ثم بين حالها بطريق الإجمال أي إن تعدوا نعمه تعالى الفائضة عليكم مما ذكر ومما يذكر لا تطيقوا حصرها وضبط عددها فضلاً عن القيام بشكرها، وقد تقدم الكلام في تحقيق ذلك حسبما منَّ الله تعالى به. {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ} حيث يستر ما فرط منكم من كفرانها والإخلال بالقيام بحقوقها ولا يعاجلكم بالعقوبة على ذلك {رَّحِيمٌ} حيث يفيضها عليكم مع استحقاقكم للقطع والحرمان بما تأتون وما تذرون من أصناف الكفر والعصيان/ التي من جملتها المساواة بين الخالق وغيره، وكل من ذينك الستر والإفاضة نعمة وأيما نعمة، فالجملة تعليل للحكم بعدم الإحصاء، وتقديم المغفرة على الرحمة لتقدم التخلية على التحلية.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن بني آدم لا يقدرون على إحصاء نعم الله لكثرتها عليهم، وأتبع ذلك بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} فدل ذلك على تقصير بني آدم في شكر تلك النعم، وأن الله يغفر لمن تاب منهم، ويغفر لمن شاء أن يغفر له ذلك التقصير في شكر النعم. وبين هذا المفهوم المشار إليه هنا بقوله: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : [إبراهيم: 34]. وبين في موضع آخر: أن كل النعم على بني آدم منه جل وعلا، وذلك في قوله: {أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 53] الآية. وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن المفرد إذا كان اسم جنس وأضيف إلى معرفة أنه يعم كما تقرر في الأصول. لأن "نعمة الله" مفرد أضيف إلى معرفة فعم النعم. وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود عاطفاً على صيغ العموم: شعر : أوبإضافة إلى معرف إذا تحقق الخصوص قد نفي
الواحدي
تفسير : {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} مرَّ تفسيره {إنَّ الله لغفور} لتقصيركم في شكر نعمه {رحيم} بكم حيث لم يقطعها عنكم بتقصيركم.
د. أسعد حومد
تفسير : (18) - وَيُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِأَنَّهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ شُكْرِهِ عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ عَلَيْهِم، التِي لاَ تُعَدُّ وَلاَ تُحْصَى، وَلاَ يُمْكِنُ لِعُقُولِ هؤُلاَءِ حَصْرُهَا، وَلَوْ طَالَبَهُمْ بِالشُّكْرِ عَلَى جَمِيعِ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ لَعَجَزُوا، وَإِذَا عَذَبَّهُمْ لِتَقْصِيرِهِمْ فِي شُكْرِهِ لَكَانَ ذَلِكَ بِذَنْبِهِمْ، وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَغْفِرُ الكَثِيرَ، وَيُثِيبُ عَلَى اليَسِيرِ. لاَ تُحْصُوهَا - لاَ تُطِيقُوا حَصْرَهَا لِعَدْمِ تَنَاهِيهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذه الآية سبقتْ في سورة إبراهيم؛ فقال الحق سبحانه هناك: {أية : وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : [إبراهيم: 34]. وكان الحديث في مجال مَنْ لم يعطوا الألوهية الخالقة، والربوبية الموجدة، والمُمِدَّة حَقَّها، وجحدوا كل ذلك. ونفس الموقف هنا حديث عن نفس القوم، فيُوضِّح الحق سبحانه: أنتم لو استعرضتم نِعمَ الله فلن تحصوها، ذلك أن المعدود دائماً يكون مكرر الأفراد؛ ولكن النعمة الواحدة في نظرك تشتمل على نِعَم لا تُحصَى ولا تُعَد؛ فما بالك بالنِّعم مجتمعة؟ أو: أن الحق سبحانه لا يمتنُّ إلا بشيء واحد، هو أنه قد جاء لكم بنعمة، وتلك النعمة أفرادها كثير جداً. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 18]. أي: أنكم رغم كُفْركم سيزيدكم من النعم، ويعطيكم من مناط الرحمة، فمنكم الظلم، ومن الله الغفران، ومنكم الكفر ومن الله الرحمة. وكأنَّ تذييل الآية هنا يرتبط بتذييل الآية التي في سورة إبراهيم حيث قال هناك: {أية : إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : [إبراهيم: 34]. فهو سبحانه غفور لجحدكم ونُكْرانكم لجميل الله، وهو رحيم، فيوالي عليكم النِّعَم رغم أنكم ظالمون وكافرون. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن غاية هذه النعم أنها بلا نهاية بقوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} [النحل: 18] إلى قوله: {فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} [النحل: 29]. {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} [النحل: 18] إشارة إلى أن النعمة نعمتين: إعطاف إعطائه ونعمة ألطافه، فنعمة إعطاف إعطائه ما يتعلق بوجود النعمة وهو على ضربتين: نعمة ظاهرة، ونعمة باطنة، ونعمة ألطافه ما يتعلق بوجود المنع وهو على ضربتين: نعمة ذات بالألوهية، ونعمة صفات بالربوبية، وهي بلا نهاية فلا تعد ولا تحصى، وقال ابن عطاء: إن لك نفساً وقلباً وروحاً وعقلاً ومحبة وديناً ودنيا وطاعةً ومعصيةً وابتداءً وانتهاءً وحيناً وأصلاً وفصلاً فنعمة النفس: الطاعات والإحسان والنفس فيهما تتقلب. ونعمة الروح: الخوف والرجاء وهو فيهما يتقلب. ونعمة القلب: اليقين والإيمان وهو فيهما يتقلب. ونعمة العقل: الحكمة والبيان وهو فيهما يتقلب. ونعمة المعرفة: الذكر والقرآن وهو فيهما يتقلب. ونعمة المحبة: الألفة والمواصلة والأمن من الهجران وهو فيهما يتقلب، وهذا تفسير قوله: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ} [النحل: 18] لمن عجز عن شكر نعمه وجوده {رَّحِيمٌ} [النحل: 18] لمن عجز عن شكر نعمة وجوده. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ } [النحل: 19] من أداء شكر نعمه بالقلوب {وَمَا تُعْلِنُونَ} [النحل: 19] من القيام بشكر نعمه بالأجساد {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [النحل: 20] من الهوى والدنيا {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً} [النحل: 20] من قضاء الحوائج {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [النحل: 20] يعني: الهوى والدنيا وما تعبدون من دون الله {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النحل: 22] أي: الذي خلقكم وخلق ما يعبد من دون الله {إِلٰهُكُمْ} [النحل: 22] أي: الذي خلقكم وخلق ما يعبد من دون الله {إِلٰهٌ وَاحِدٌ فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} [النحل: 22] وهي ما في الغيب وهم مستكبرون {قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} [النحل: 22] لا يعرفون الله؛ لأنهم أهل الحس الحيواني لا يؤمنون بها في الغيب فينكرون غيب الغيب {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 22] على أهل الحق عند إظهار الحق والله الحق {لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} [النحل: 23] من الإنكار للحق {وَمَا يُعْلِنُونَ} [النحل: 23] من الاستكبار عند قبول الحق: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل: 23] فيوقعهم بالخذلان في الطغيان. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} [النحل: 24] أي: للمستكبرين {مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} [النحل: 24] على قلوب المتواضعين لله من حقائق الأنوار وكشف الأسرار {قَالُواْ} [النحل: 24] يعني: المستكبرين الذين لهم قلوب منكرة {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [النحل: 24] يعني: يعدون درر أنفاس أهل الحقيقة من جملة الأباطيل والمناكير، ويضلون الضعفاء في الدين بهذه المنكرات وتقديره المحالات {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ} [النحل: 25] من حجب الإنكار والاستكبار {كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [النحل: 25] عند ابتلاء السرائر بإفشاء ما في الضمائر {وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} [النحل: 25] من حجب الإنكار والاستكبار، أي: من حجب إضلالهم إياهم وحجب ضلالتهم بإضلالهم {بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل: 25] بل يمحص الجهل {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل: 25] يحملون من أنواع الحجب {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ} [النحل: 26] أي: الذين بنوا بالمكر {مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} [النحل: 26] أي: خرب بنيان مكرهم من أصوله {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} [النحل: 26] وقع سقف مكرهم عليهم فأهلكهم {وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ} [النحل: 26] أي: عذاب مكرهم {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [النحل: 26] يعني: أهلك الله أرواحهم بعذاب مكرهم بجهلهم حيث لا شعور لأجسادهم به. {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [النحل: 27] وهو العرض الأكبر {يُخْزِيهِمْ} [النحل: 27] بإظهار عذاب الأرواح على الأجساد {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ} [النحل: 27] من الهوى والدنيا وغيرها {ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} [النحل: 27] ليدفعوا عنكم العذاب الخزي {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} [النحل: 27] من الأنبياء والأولياء {إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ * ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النحل: 27-28] بالإنكار والاستكبار {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ} [النحل: 28] استسلموا في الآخرة وقالوا: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} [النحل: 28] يريدون أن يبرءوا أنفسهم مما عملوا في الدنيا فتقول لهم الملائكة {بَلَىٰ} [النحل: 28] في الدنيا ما ألذ مكر الخزي والعذاب {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 28] في الدنيا وبما يقولون اليوم دفعاً للعذاب {فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} [النحل: 29] لا من باب واحد؛ لأن لأهل كل عمل من أنواع المعاصي والكفر والنفاق باباً يدخل بذلك العمل فيه وأنتم عملتم من أنواع المعاصي ما استحققتم دخول الأبواب كلها {خَالِدِينَ فِيهَا } [النحل: 29] لأنكم أهل التكبر وجزاء المتكبر الخلود {فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} [النحل: 29] المستوجبين لنار القطيعة أبداً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):