Verse. 1921 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَالَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللہِ لَا يَخْلُقُوْنَ شَـيْـــًٔـا وَّہُمْ يُخْلَقُوْنَ۝۲۰ۭ
Waallatheena yadAAoona min dooni Allahi la yakhluqoona shayan wahum yukhlaqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين تدعون» بالتاء والياء تعبدون «من دون الله» وهم الأصنام «لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون» يصورون من الحجارة وغيرها.

20

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} قراءة العامة «تدعون» بالتاء لأن ما قبله خطاب. روى أبو بكر عن عاصم وهُبيرة عن حفص «يدعون» بالياء، وهي قراءة يعقوب. فأما قوله: {مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} فكلهم بالتاء على الخطاب؛ إلا ما روى هُبيرة عن حفص عن عاصم أنه قرأ بالياء. {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً} أي لا يقدرون على خلق شيء {وَهُمْ يُخْلَقُونَ}. {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ} أي هم أموات، يعني الأصنام، لا أرواح فيها ولا تسمع ولا تبصر، أي هي جمادات فكيف تعبدونها وأنتم أفضل منها بالحياة. {وَمَا يَشْعُرُونَ} يعني الأصنام. {أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} وقرأ السُّلَمِيّ «إيّان» بكسر الهمزة، وهما لغتان، موضعه نصب بـ «ـيبعثون» وهي في معنى الاستفهام. والمعنى: لا يدرون متى يبعثون. وعبر عنها كما عبر عن الآدميين؛ لأنهم زعموا أنها تعقل عنهم وتعلم وتشفع لهم عند الله تعالى، فجرى خطابهم على ذلك. وقد قيل: إن الله يبعث الأصنام يوم القيامة ولها أرواح فتتبرأ من عبادتهم، وهي في الدنيا جماد لا تعلم متى تبعث. قال ابن عباس؛ تبعث الأصنام وتركب فيها الأرواح ومعها شياطينها فيتبرؤون من عبدتها، ثم يؤمر بالشياطين والمشركين إلى النار. وقيل: إن الأصنام تطرح في النار مع عبدتها يوم القيامة؛ دليله {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98]. وقيل: تَمّ الكلام عند قوله: «لا يَخلقون شيئاً وهم يُخلقون» ثم ابتدأ فوصف المشركين بأنهم أموات، وهذا الموت موت كفر. «وما يشعرون أيان يبعثون» أي وما يدري الكفار متى يبعثون، أي وقت البعث؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث حتى يستعدّوا للقاء الله. وقيل: أي وما يدريهم متى الساعة، ولعلها تكون قريباً.

البيضاوي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي والآلهة الذين تعبدونهم من دونه. وقرأ أبو بكر «يدعون» بالياء. وقرأ حفص ثلاثتها بالياء. {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا} لما نفى المشاركة بين من يخلق ومن لا يخلق بين أنهم لا يخلقون شيئاً لينتج أنهم لا يشاركونه، ثم أكد ذلك بأن أثبت لهم صفات تنافي الألوهية فقال: {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} لأنهم ذوات ممكنة مفتقرة الوجود إلى التخليق، والإِله ينبغي أن يكون واجب الوجود.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ } بالتاء والياء يعبدون {مِن دُونِ ٱللَّهِ } وهم الأصنام {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } يُصَوّرونَ من الحجارة وغيرها.

الشوكاني

تفسير : شرع سبحانه في تحقيق كون الأصنام التي أشار إليها بقوله: {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } عاجزة على أن يصدر منها خلق شيء فلا تستحق عبادة فقال: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي: الآلهة الذين يدعوهم الكفار من دون الله سبحانه صفتهم هذه الصفات المذكورة، وهي أنهم {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا } من المخلوقات أصلاً، لا كبيراً ولا صغيراً، ولا جليلاً ولا حقيراً. {وَهُمْ يُخْلَقُونَ } أي: وصفتهم أنهم يخلقون، فكيف يتمكن المخلوق من أن يخلق غيره؟ ففي هذه الآية زيادة بيان، لأنه أثبت لهم صفة النقصان بعد أن سلب عنهم صفة الكمال، بخلاف قوله: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } فإنه اقتصر على مجرد سلب صفة الكمال. وقراءة الجمهور "والذين تدعون" بالمثناة الفوقية على الخطاب مطابقة لما قبله. وروى أبو بكر عن عاصم، وروى هبيرة عن حفص {يدعون} بالتحتية، وهي قراءة يعقوب. ثم ذكر صفة أخرى من صفاتهم فقال: {أَمْوٰتٌ غَيْرُ أَحْيَاء } يعني: أن هذه الأصنام أجسادها ميتة، لا حياة بها أصلاً، فزيادة {غير أحياء} لبيان أنها ليست كبعض الأجساد التي تموت بعد ثبوت الحياة لها، بل لا حياة لهذه أصلاً، فكيف يعبدونها وهم أفضل منها؟ لأنهم أحياء {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } الضمير في {يشعرون} للآلهة، وفي يبعثون للكفار الذين يعبدون الأصنام، والمعنى: ما تشعر هذه الجمادات من الأصنام أيان يبعث عبدتهم من الكفار، ويكون هذا على طريقة التهكم بهم، لأن شعور الجماد مستحيل بما هو من الأمور الظاهرة فضلاً عن الأمور التي لا يعلمها إلاّ الله سبحانه، وقيل: يجوز أن يكون الضمير في {يبعثون} للآلهة، أي: وما تشعر هذه لأصنام أيان تبعث، ويؤيد ذلك ما روي أن الله يبعث الأصنام ويخلق لها أرواحاً معها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، ويدل على هذا قوله: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 98]. وقيل: قد تمّ الكلام عند قوله: {وَهُمْ يُخْلَقُونَ } ثم ابتدأ فوصف المشركين بأنهم أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون، فيكون الضميران على هذا للكفار، وعلى القول بأن الضميرين أو أحدهما للأصنام يكون التعبير عنها مع كونها لا تعقل بما هو للعقلاء جرياً على اعتقاد من يعبدها بأنها تعقل. وقرأ السلمي "إيان" بكسر الهمزة، وهما لغتان، وهو في محل نصب بالفعل الذي قبله. {إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } لما زيف سبحانه طريقة عبدة الأوثان، صرح بما هو الحق في نفس الأمر، وهو وحدانيته سبحانه، ثم ذكر ما لأجله أصرّ الكفار على شركهم فقال: {فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ } للوحدانية، لا يؤثر فيها وعظ، ولا ينجع فيها تذكير {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } عن قبول الحق، متعظمون عن الإذعان للصواب، مستمرون على الجحد {لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } قال الخليل: {لا جرم} كلمة تحقيق، ولا تكون إلاّ جواباً، أي: حقاً أن الله يعلم ما يسرّون من أقوالهم وأفعالهم وما يعلنون من ذلك، وقد مرّ تحقيق الكلام في {لا جرم} {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين} أي: لا يحبّ هؤلاء الذين يستكبرون عن توحيد الله والاستجابة لأنبيائه، والجملة تعليل لما تضمنه الكلام المتقدّم. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ } أي: وإذا قال لهؤلاء الكفار المنكرين المستكبرين قائل: ماذا أنزل ربكم؟ أي: أيّ شيء أنزل ربكم؟ أو ماذا الذي أنزل؟ قيل: القائل النضر بن الحارث والآية نزلت فيه؛ فيكون هذا القول منه على طريق التهكم؛ وقيل: القائل هو من يفد عليه؛ وقيل: القائل المسلمون، فأجاب المشركون المنكرون المستكبرون فقالوا {أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} بالرفع أي: ما تدّعون أيها المسلمون نزوله أساطير الأوّلين، أو أن المشركين أرادوا السخرية بالمسلمين فقالوا: المنزل عليكم أساطير الأوّلين. وعلى هذا فلا يرد ما قيل من أن هذا لا يصلح أن يكون جواباً من المشركين، وإلاّ لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأوّلين والكفار لا يقرّون بالإنزال، ووجه عدم وروده هو ما ذكرناه؛ وقيل: هو كلام مستأنف، أي: ليس ما تدّعون إنزاله أيها المسلمون منزلاً بل هو أساطير الأوّلين؛ وقد جوّز على مقتضى علم النحو نصب "أساطير" وإن لم تقع القراءة به، ولا بدّ في النصب من التأويل الذي ذكرنا، أي: أنزل على دعواكم أساطير الأوّلين، أو يقولون ذلك من أنفسهم على طريق السخرية. والأساطير: الأباطيل والترّهات التي يتحدّث الناس بها عن القرون الأولى. وليس من كلام الله في شيء، ولا مما أنزله الله أصلاً في زعمهم. {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً } أي قالوا: هذه المقالة لكي يحملوا أوزارهم كاملة. لم يكفر منها شيء لعدم إسلامهم الذي هو سبب لتكفير الذنوب. وقيل: إن اللام هي لام العاقبة، لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لأجل يحملون الأوزار، ولكن لما كان عاقبتهم ذلك حسن التعليل به كقوله: {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } تفسير : [القصص: 8]. وقيل: هي لام الأمر {وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ } أي: ويحملون بعض أوزار الذين أضلوهم، لأن من سنّ سنّة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها. وقيل: "من" للجنس، لا للتبعيض أي: يحملون كل أوزار الذين يضلونهم، ومحلّ {بِغَيْرِ عِلْمٍ } النصب على الحال من فاعل {يضلونهم} أي: يضلون الناس جاهلين غير عالمين بما يدعونهم إليه. ولا عارفين بما يلزمهم من الآثام. وقيل: إنه حال من المفعول أي: يضلون من لا علم له، ومثل هذه الآية: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 13]. وقد تقدّم في الأنعام الكلام على قوله: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [الأنعام: 164] {أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ } أي: بئس شيئاً يزرونه ذلك. ثم حكى سبحانه حال أضرابهم من المتقدّمين فقال: {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان حيث بنى بناءً عظيماً ببابل، ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها، فأهبّ الله الريح، فخرّ ذلك البناء عليه وعلى قومه فهلكوا، والأولى أن الآية عامة في جميع المبطلين من المتقدّمين الذين يحاولون إلحاق الضرّ بالمحقين. ومعنى المكر هنا الكيد والتدبير الذي لا يطابق الحق، وفي هذا وعيد للكفار المعاصرين له صلى الله عليه وسلم بأن مكرهم سيعود عليهم كما عاد مكر من قبلهم على أنفسهم {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُمْ } أي: أتى أمر الله، وهو الريح التي أخربت بنيانهم. قال المفسرون: أرسل الله ريحاً، فألقت رأس الصرح في البحر، وخرّ عليهم الباقي {مّنَ ٱلْقَوَاعِدِ } قال الزجاج: من الأساطين، والمعنى: أنه أتاها أمر الله من جهة قواعدها فزعزعها {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فوقهم} قرأ ابن أبي هريرة، وابن محيصن "السقف" بضم السين والقاف جميعاً. وقرأ مجاهد بضم السين وسكون القاف، وقرأ الباقون {السقف} بفتح السين وسكون القاف، والمعنى: أنه سقط عليهم السقف، لأنه بعد سقوط قواعد البناء يسقط جميع ما هو معتمد عليها. قال ابن الأعرابي، وإنما قال {من فوقهم} ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته، والعرب تقول خرّ علينا سقف، ووقع علينا حائط إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه، فجاء بقوله: {مّن فَوْقِهِمْ} ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب، فقال: {مّن فَوْقِهِمْ } أي: عليهم وقع، وكانوا تحته فهلكوا، وما أفلتوا. وقيل: إن المراد بالسقف: السماء، أي: أتاهم العذاب من السماء التي فوقهم. وقيل: إن هذه الآية تمثيل لهلاكهم؛ والمعنى: أهلكهم فكانوا بمنزلة من سقط بنيانه عليه. وقد اختلف في هؤلاء الذين خرّ عليهم السقف، فقيل: هو نمروذ كما تقدّم، وقيل: إنه بختنصر وأصحابه، وقيل هم المُقسمون الذين تقدّم ذكرهم في سورة الحجر {وَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ } أي: الهلاك {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } به، بل من حيث أنهم في أمان. ثم بين سبحانه أن عذابهم غير مقصور على عذاب الدنيا. فقال: {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ} بإدخالهم النار، ويفضحهم بذلك ويهينهم، وهو معطوف على مقدّر، أي هذا عذابهم في الدنيا، {ثم يوم القيامة يخزيهموَيَقُولُ} لهم مع ذلك توبيخاً وتقريعاً {أَيْنَ شُرَكَائِىَ } كما تزعمون وتدّعون، قرأ ابن كثير من رواية البزي "شركاي" من دون همز، وقرأ الباقون بالهمز، ثم وصف هؤلاء الشركاء بقوله: {ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰقُّونَ فِيهِمْ } قرأ نافع بكسر النون على الإضافة، وقرأ الباقون بفتحها، أي: تخاصمون الأنبياء والمؤمنين فيهم، وعلى قراءة نافع تخاصمونني فيهم وتعادونني، ادعوهم فليدفعوا عنكم هذا العذاب النازل بكم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {لاَ جَرَمَ } يقول: بلى. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك {لاَ جَرَمَ } قال: يعني الحق. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: لا كذب. وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه وغيرهم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان"تفسير : ، فقال رجل: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، فقال: "حديث : إن الله جميل يحبّ الجمال، الكبر بطر الحق وغمص الناس"تفسير : . وفي ذمّ الكبر، ومدح التواضع أحاديث كثيرة، وكذلك في إخراج محبة حسن الثوب وحسن النعل، ونحو ذلك من الكبر أحاديث كثيرة. والحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن ماهية الكبر أنه بطر الحق وغمص الناس، فهذا هو الكبر المذموم. وقد ساق صاحب الدرّ المنثور عند تفسيره لهذه الآية: أعني قوله سبحانه: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ } أحاديث كثيرة ليس هذا مقام إيرادها، بل المقام مقام ذكر ماله علاقة بتفسير الكتاب العزيز. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {قَالُواْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } أن ناساً من مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من أتى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فإذا مرّوا سألوهم فأخبروهم بما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنما هو أساطير الأوّلين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ } الآية يقول يحملون مع ذنوبهم ذنوب الذين يضلونهم بغير علم. وذلك مثل قوله سبحانه: {أية : وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 13]. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه، وزاد: ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } قال: نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن زيد بن أسلم أنه النمروذ أيضاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُمْ مّنَ ٱلْقَوَاعِدِ } قال: أتاها أمر الله من أصلها {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ } والسقف: أعالي البيوت فائتكفت بهم بيوتهم، فأهلكم الله ودمرهم {وَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس {تُشَـٰقُّونَ فِيهِمْ } قال: تخالفوني.

القشيري

تفسير : أخبر أن الأصنامَ لا يَصِحُّ منها الخْلقُ لكونها مخلوقةً، ودلَّت الآيةُ على أنَّ من وُجِدَتْ له سِمَةُ الخْلق لا يصِحُّ منه الخْلق، والَخْلقُ هو الإيجاد؛ ففي الآية دليلٌ على خْلقِ الأعمال.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين يدعون} اى والآلهة الذين يعبدهم الكفار والدعاء بمعنى العبادة فى القرآن كثير {من دون الله} نصب على الحال اى متجاوزين الله فان معنى دون ادنى مكان من الشئ ثم استعير للتفاوت فى الاحوال والرتب ثم اتسع فيه فاستعمل فى كل من تجاوز حدا الى حد وتخطى حكما الى حكم {لا يخلقون شيأ} من الاشياء اصلا اى ليس من شنأهم ذلك لانهم عجزة {وهم يخلقون} اى شأنهم ومقتضى ذاتهم الخلوقية لانها ذوات ممكنة مفتقرة فى ماهيتها ووجوداتها الى الموجد. قال فى القاموس الخالق فى صفاته المبدع للشيء المخترع على غير مثال سبق.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} كالملائكة والكواكب والاصنام والشّياطين والرّؤساء فى الضّلالة {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً} فلا يستحقّون الدّعوة {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} فلا يمتازون عنكم حتّى تختاروهم بالدّعوة.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ} أى والأَصنام الذين يعبدها المشركون أو تطلبونها وعبر عنها بالذين كالعقلاء لأَنها عند داعيها بمنزلة العقلاء قال أبو عمر والدانى قرأ عاصم والذين يدعون بالياء المثناة تحت انتهى. هذا هو الذى صح عن حفص عنه وقال القراضى قرأ حفص يسرون ويعلنون ويدعون بالتحتية ولعل هذا رواية شاذة عنه عن عاصم وقرأ أبو بكر تدعون بالفوقية ويعلنون ويسرون بالتحتية وقرئ يدعون بالتحتية والبناء للمفعول {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً} هذا مستفاد من قوله كمن لا يخلق وإِنما ذكره هنا أيضاً ليرتب عليه قوله {وَهُمْ يُخلَقُونَ} ولو لم يذكر قوله لا يخلقون شيئاً لم يحل الكلام حلاوته حين ذكره والجملة معطوفة على الخبر أو حال من الواو فيه.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} بمعنى تعبدون مجازاً متعارفا ملحقاً بالحقيقة لاشتمال العبادة على الدعاء من حيث إنها فعل متقرب به إلى ما يراد تحصيله، وأَن فيها دعاءً صريحاً مثل: غفرانك ربنا، ومثل: اهدنا الصراط {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} يخلقهم الله أو يصورون من حجر وخشب ونحوها، والمضارع لحكاية حال الإيجاد من العدم أَو حال تصوير عابديها لها، أَو بمعنى الماضى أو باعتبار ما يخلقه الله بعد منها أَو يصورونه بعد، والإِله قديم غير محدث واجب لا بموجب غير محتاج وغير عاجز وآلهتكم ليست كذلك، وليس هذا تكراراً لقوله: "أية : أَفمن يخلق كمن لا يخلق"تفسير : [النحل: 17] لأَنه كلام مفرد، وما هنا كلام مرتبط للاستدلال على طريق الشكل الأَول هكذا: ما تعبدونه لا يخلق شيئاً، وما لا يخلق لا يشارك من يخلق فلا شىءَ مما تعبدون شريك لمن يخلق، أَو من الشكل الثالث هكذا: هم لا يخلقون شيئاً وهم لا يشاركون من يخلق من لا يخلق فينتج هم لا يشاركون من يخلق، ويلزمه أَن من يخلق لا يشاركهم فلا تكرار مع نفى المشابهة.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} شروع في تحقيق أن آلهتهم بمعزل عن استحقاق العبادة وتوضيحه بحيث لا يبقى فيه شائبة ريب بتعداد أحوالها المنافية لذلك منافاة ظاهرة، وكأنها إنما شرحت مع ظهورها للتنبيه على كمال حماقة المشركين وأنهم لا يعرفون ذلك إلا بالتصريح أي والآلهة الذين تعبدونهم أيها الكفار {مِن دُونِ ٱللَّهِ} سبحانه {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا} من الأشياء أصلاً أي ليس من شأنهم ذلك، وذكر بعض الأجلة أن ذكر هذا بعد نفي التشابه والمشاركة للاستدلال على ذلك فكأنه قيل: هم لا يخلقون شيئاً ولا يشارك من يخلق من لا يخلق فينتج من الثالث هم لا يشاركون من يخلق ويلزمه أن من يخلق لا يشاركهم فلا تكرار، وقيل عليه: إنه مبني على أن من يخلق ومن لا مجرى على غير معين، ويفهم من سابق كلام هذا البعض أنه بني الكلام على أن الأول هو الله تعالى والثاني الأصنام، ويقتضي تقريره هناك عدم الحاجة إلى هذه المقدمة للعلم بها وكونها مفروغاً عنها، فالوجه أن التكرار لمزاوجة قوله تعالى: {وَهُمْ يُخْلَقُونَ } وتعقب بأن المصرح به العموم في الموضعين وأما التخصيص فيهما بما ذكر فلأن من يخلق عندنا مخصوص به تعالى في الخارج اختصاص الكوكب النهاري بالشمس وإن عم باعتبار مفهومه، ومن لا يخلق وإن عم ذهناً وخارجاً فتفسيره بمن عبد لاقتضاء المقام له، ومقتضى التقرير ليس عدم الحاجة إلى المقدمة بل هو كونها في غاية الظهور بحيث لا يحتاج إلى إثباتها وهذا مصحح لكونها جزأ من الدليل، وإذا ظهر المراد بطل الإيراد اهـ. ولعل الأوجه في توجيه الذكر ما أشرنا إليه أولاً، وحيث إنه لا تلازم أصلاً بين نفي الخالقية وبين المخلوقية أثبت ذلك لهم صريحاً على معنى شأنهم أنهم يخلقون إذ المخلوقية مقتضى ذواتهم لأنها ممكنة مفتقرة في وجودها وبقائها إلى الفاعل، وبناء الفعل للمفعول ـ كما قال بعض الأجلة ـ لتحقيق التضاد والمقابلة بين ما أثبت لهم وما نفى عنهم من وصف الخالقية والمخلوقية وللإيذان بعدم الحاجة إلى بيان الفاعل لظهور اختصاص [الفعل] بفاعله جل جلاله، ولعل تقديم الضمير هنا لمجرد التقوى، والمراد بالخلق منفياً ومثبتا المعنى المتبادر منه. / وجوز أن يراد من الثاني النحت والتصوير بناء على أن المراد من الذين يدعونهم الأصنام، والتعبير عنهم بما يعبر عنه عن العقلاء لمعاملتهم إياهم معاملتهم، والتعبير عن ذلك بالخلق لرعاية المشاكلة، وفي ذلك من الإيماء بمزيد ركاكة عقول المشركين ما فيه حيث أشركوا بخالقهم مخلوقيهم، وإرادة هذا المعنى من الأول أيضاً ليست بشيء إذ القدرة على مثل ذلك الخلق ليست مما يدور عليه استحقاق العبادة أصلاً. وقرأ الجمهور بالتاء المثناة من فوق في {تسرون... وتعلنون... وتدعون} وهي قراءة مجاهد والأعرج وشيبة وأبـي جعفر وهبيرة عن عاصم، وفي المشهور عنه أنه قرأ بالياء آخر الحروف في الأخير وبالتاء في الأولين، وقرئت الثلاثة بالياء في رواية عن أبـي عمرو وحمزة، وقرأ الأعمش {والله يعلم الذي تبدون وما تكتمون والذين تدعون} الخ بالتاء من فوق في الأفعال الثلاث، وقرأ طلحة {ما تخفون وما تعلنون... وتدعون} بالتاء كذلك، وحملت القراءتان على التفسير لمخالفتهما لسواد المصحف، وقرأ محمد اليماني {يدعون} بضم الياء وفتح العين مبنياً للمفعول أي يدعونم الكفار ويعبدونهم.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : أفمن يخلق كمن لا يخلق} تفسير : [سورة النحل: 17] وجملة {أية : والله يعلم ما تسرون} تفسير : [سورة النحل: 19]. وما صدْق {الذين} الأصنامُ. وظاهر أن الخطاب هنا متمحّض للمشركين وهم بعض المخاطبين في الضمائر السابقة. والمقصود من هذه الجملة التصريح بما استفيد ضمناً مما قبلها وهو نفي الخالقية ونفي العلم عن الأصنام. فالخبر الأول وهو جملة {لا يخلقون شيئاً} استفيد من جملة {أية : أفمن يخلق كمن لا يخلق} تفسير : [سورة النحل: 17] وعطف {وهم يخلقون} ارتقاء في الاستدلال على انتفاء إلهيتها. والخبر الثاني وهو جملة {أموات غير أحياء} تصريح بما استفيد من جملة {أية : والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} تفسير : [سورة النحل: 19] بطريقة نفي الشيء بنفي ملزومه. وهي طريقة الكناية التي هي كذكر الشيء بدليله. فنفي الحياة عن الأصنام في قوله: {غير أحياء} يستلزم نفي العلم عنها لأن الحياة شرط في قبول العلم، ولأن نفي أن يكونوا يعلمون ما هو من أحوالهم يستلزم انتفاء أن يعلموا أحوال غيرهم بدلالة فحوى الخطاب، ومن كان هكذا فهو غير إله. وأسند {يخلقون} إلى النائب لظهور الفاعل من المقام، أي وهم مخلوقون لله تعالى، فإنهم من الحجارة التي هي من خلق الله، ولا يخرجها نحت البشر إيّاها على صور وأشكال عن كون الأصل مخلوقاً لله تعالى. كما قال تعالى حكاية عن إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ قوله: {أية : والله خلقكم وما تعملون} تفسير : [سورة الصافات: 96]. وجملة {غير أحياء} تأكيد لمضمون جملة {أموات}، للدلالة على عراقة وصف الموت فيهم بأنه ليس فيه شائبة حياة لأنهم حجارة. ووصفت الحجارة بالموت باعتبار كون الموتِ عدم الحياة. ولا يشترط في الوصف بأسماء الأعدام قبولُ الموصوفات بها لملكاتها، كما اصطلح عليه الحكماء، لأن ذلك اصطلاح منطقي دعا إليه تنظيم أصول المحاجة. وقرأ عاصم ويعقوب {يدعون} بالتحتية. وفيها زيادة تبيين لصرف الخطاب إلى المشركين في قراءة الجمهور. وجملة {وما يشعرون أيان يبعثون} إدماج لإثبات البعث عقب الكلام على إثبات الوحدانية لله تعالى، لأن هذين هما أصل إبطال عقيدة المشركين، وتمهيدٌ لوجه التلازم بين إنكار البعث وبين إنكار التوحيد في قوله تعالى {أية : فالذين لا يؤمنون بالأخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون} تفسير : [سورة النحل: 22]. ولذلك فالظاهر أن ضميري {يشعرون} و{يبعثون} عائدان إلى الكفّار على طريق الالتفات في قراءة الجمهور، وعلى تناسق الضمائر في قراءة عاصم ويعقوب. والمقصود من نفي شعورهم بالبعث تهديدهم بأن البعث الذي أنكروه واقع وأنهم لا يدرون متى يبغتهم، كما قال تعالى: {أية : لا تأتيكم إلا بغتة } تفسير : [سورة الأعراف: 187]. والبعث: حقيقته الإرسال من مكان إلى آخر. ويطلق على إثارة الجاثم. ومنه قولهم: بعثتُ البعير، إذا أثرته من مَبركه. ولعلّه من إطلاق اسم الشيء على سببه. وقد غلب البعث في اصطلاح القرآن على إحضار الناس إلى الحساب بعد الموت. فمن كان منهم ميتاً فبعثه من جدثه، ومن كان منهم حياً فصادفته ساعة انتهاء الدنيا فمات ساعتئذٍ فبعثُه هو إحياؤه عقب الموت، وبذلك لا يعكر إسناد نفي الشعور بوقت البعث عن الكفّار الأحياء المهدّدين. ولا يستقيم أن يكون ضمير {يشعرون} عائداً إلى {الذين تدعون}، أي الأصنام. و{أيان} اسم استفهام عن الزمان. مركبة من (أي) و (آن) بمعنى أي زمن، وهي معلقة لفعل {يشعرون} عن العمل بالاستفهام، والمعنى: وما يشعرون بزمن بعثهم. وتقدم {أيان} في قوله تعالى: {أية : يسألونك عن الساعة أيّان مرساها} تفسير : في سورة الأعراف (187).

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 20- هذا الخالق المنعم العالم بكل شئ، هو - وحده - المستحق للعبادة، أما الأصنام التى تعبدونها، فهى عاجزة لا تستطيع أن تخلق شيئا، ولو كان ذبابا.. بل هى نفسها مخلوقة ربما صنعتموها بأيديكم. 21- وهى جمادات ميتة لا حس لها ولا حركة، ولا تدرى متى تكون القيامة والبعث لعابديها، فلا يليق بكم - أيها العقلاء - بعد هذا أن تظنوا أنها تنفعكم فتشركوها مع اللَّه فى العبادة. 22- وقد وضح بكل هذه الدلائل أن إلهكم الذى يجب أن تعبدوه وحده إله واحد لا شريك له، ومع ذلك فالذين لا يؤمنون بالبعث والحساب قلوبهم منكرة لوحدانيته، منعهم الاستكبار عن اتباع الحق والخضوع له. 23- لا شك أن اللَّه يعلم ما يسرون وما يعلنون من عقائد وأقوال وأفعال، وسيحاسبهم على كل ذلك ويعاقبهم على استكبارهم، لأنه - سبحانه - لا يحب المستكبرين عن سماع الحق والخضوع له. 24- وإذا سئل هؤلاء الكفار المستكبرون: أى شئ أنزله ربكم على محمد؟ قالوا فى عناد: هذا الذى يزعم أن اللَّه أنزله عليه ما هو إلا أباطيل وخرافات سطرها السابقون فنقلها وصار يرددها. 25- قالوا ذلك، ليصدوا الناس عن اتباع رسول اللَّه، لتكون عاقبة أمرهم أنهم يعذبون يوم القيامة عذاب ضلالهم كاملا، وعذاب بعض الناس الذين خدعوهم وغرورا بهم حتى ضلوا دون علم أو بحث. تنبه - أيها السامع - لقبح ما ارتكب هؤلاء من ذنوب ما أشد عقابهم عليها. 26- وقد سبق هؤلاء الكافرين المتكبرين أمثال لهم، دبَّروا المكائد لأنبيائهم، واحتالوا فى إضلال الناس فأبطل اللَّه كيدهم، ودمر بلادهم ونزل بهم عذاب النار فى الدنيا من حيث لا يتوقعون.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وهم يخلقون: أي يصورون من الحجارة وغيرها. وما يشعرون إيان يبعثون: أي وما تشعر الأصنام ولا تعلم الوقت الذي تبعث فيه وهو يوم القيامة. ولا يبعث فيه عابدوها من دون الله. قلوبهم منكرة: أي جاحدة للوحدانية والنبوة والبعث والجزاء. وهو مستكبرون: لظلمة قلوبهم بالكفر يتكبرون. لا جرم: أي حقاً. أساطير الأولين: أي أكاذيب الأولين. ليحملوا أوزارهم: أي ذنوبهم يوم القيامة. ألا ساء ما يزرون: أي بئس ما يحملون من الأوزار. معنى الآيات: في هذا السياق مواجهة صريحة للمشركين بعد تقدم الأدلة على اشراكهم وضلالهم فقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي تعبدونهم أيها المشركون {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ} أي هم أموات إذ لا حياة لهم ودليل ذلك أنهم لا يسمعون ولا يبصرون ولا ينطقون، وقوله {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} أي لا يعلمون متى يبعثون كما أنكم أنتم أيها العابدون لهم لا تشعرون متى تبعثون. فكيف تصح عبادتهم وهم أموات ولا يعلمون متى يبعثون للاستنطاق والاستجواب والجزاء على الكسب في هذه الحياة، وقوله {إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ} هذه النتيجة العقلية التي لا ينكرها العقلاء وهي أن المعبود واحد لا شريك له، وهو الله جل جلاله، إذ هو الخالق الرازق المدبر المحي المميت ذو الصفات العلا والأسماء الحسنى، وما عداه فلا يخلق ولا يرزق ولا يُدبِّر ولا يحيي ولا يميت فتأليهه سفه وضلال، وبعد تقرير ألوهية الله تعالى وإثباتها بالمنطق السليم قال تعالى: {فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} ذكر علة الكفر لدى الكافرين والفساد عند المفسدين وهي تكذيبهم بالبعث الآخر إذ لا يستقيم عبد على منهج الحق والخير وهو لا يؤمن باليوم الآخر يوم الجزاء على العمل في الحياة الدنيا، فأخبر تعالى أن الذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة لكل ما يسمعون من الحق الذي يدعو إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبينه آيات القرأن الكريم، وهم مع إنكار قلوبهم لما يسمعون من الحق مستكبرون عن قبول الحق والإِذعان له، وقوله تعالى: {لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ} أي حقاً ان الله يعلم ما يسر أولئك المكذبون بالآخرة وما يعلنون وسيحصى ذلك عليهم ويجزيهم به لا محالة في يوم كانوا به يكذبون.. ويا للحسرة ويا للندامة!! وهذا الجزاء كان بعذاب النار متسبب عن بغض الله للمستكبرين وعدم حبه لهم، وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} يخبر تعالى عن أولئك المنكرة قلوبهم للوحي الإِلهي وما جاء به رسول الله هؤلاء المستكبرون كانوا إذا سئلوا عن القرآن من قبل من يريد أن يعرف ممن سمع بالدعوة المحمدية فجاء من بلاد يتعرف عليها قالوا: {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أخبار كاذبة عن الأولين مسطره عند الناس فهو يَحْكَيها ويقول بها، وبذلك يصرفون عن الإِسلام ويصدون عن سبيل الله، قال تعالى: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ} أي تبعة آثامهم وتبعة آثام من صدوهم عن سبيل الله كاملة غير منقوصة يوم القيامة، وهم لا يعلمون ذلك ولكن الحقيقة هي: أن من دعا إلى ضلالة كان عليه وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزار من عملها شيء، وكذا من دعا إلى هدى فله أجر من عمل به من غير أن ينقص من أجر به شيء، وقوله تعالى: {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} أي قبُح الوزر الذي يزرونه فإنه قائدهم إلى النار موبقهم في نار جهنم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بطلان الشرك وتقرير التوحيد. 2- التكذيب باليوم الآخر والبعث والجزاء هو سبب كل شر وفساد يأتيه العبد. 3- التنديد بجريمة الاستكبار عن الحق والإِذعان له. 4- بيان إثم وتبعة من يصد عن سبيل الله بصرف الناس عن الإِسلام. 5- بيان تبعة من يدعو إلى ضلالة فإنه يتحمل وزر كل من عمل بها.

القطان

تفسير : أيان يبعثون: متى يبعثون. لا جرم: لا بد. ولا محالة وتأتي بمعنى القسم: حقا. {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ}. إن هذه الأوثانَ التي تبعدونها من دونِ الله لا تخلق شيئاً بل هي مخلوقة، فيكف يكونُ إلهاً ما يكون مصنوعاً بالأيدي!! وهم {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}. إنها جماداتٌ ميتة لا حِسَّ لها ولا حركة، ولا تسمع ولا تُبصر ولا تعقل، وما تدري هذه الأصنامُ متى تكون القيامة والبعث للناس، فلا يَليقُ بكم أيّها العقلاء بعدَ هذا أن تظنوا أنها تنفعكم فتُشرِكوها مع الله في العبادة. ولما أبطل اللهُ عبادة الاصنام وبيّن فساد مذهب المشركين - بيَّن أنه الإله الواحد الخالقُ المدبِّر. {إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}. ان الإله الذي تجبُ عبادته هو الله الواحدُ الخالق لا شريك له، أما الذين لا يؤمنون بالعبثِ والحساب فإنّ قلوبَهم مغلَقَةٌ منكِرة لوحدانيته، وهم مستكبِرون لا يريدون التسليمَ بالبراهين الواضحة، ولا يؤمنون بالرسول الكريم. وبعد ان ذكر الأسبابَ التي لأجلِها أصرَّ الكفار على الشِرك وانكارِ التوحيد - ذَكَرَ هنا وعيدهم على أعمالهم فقال: {لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}. حقاً إن الله يعمل ما يسر هؤلاء المشركون ويعمل ما يعلنون من كفرهم وافترائهم عليه. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ} عن سماع الحق والخضوع له. وفي الحديث الصحيح: "حديث : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذرةٍ من كِبْر" تفسير : وفي حديث صحيح آخر "حديث : ان المتكبرين امثال الذر يم القيامة، تطؤهم القيامة، تطؤهم الناس باقدامهم لتكبّرهم ".

د. أسعد حومد

تفسير : (20) - أَمَّا الأَصْنَامَ التِي يَدْعُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنَّهَا حِجَارَةٌ لاَ تَخْلُقُ شَيْئاً، وَهِيَ مِنْ صُنْعِ البَشَرِ، أَيْ هِيَ مَخْلُوقَةٌ، وَالمَخْلُوقُ لاَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَعْبُدَهُ البَشَرُ.

الثعلبي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}. قرأه العامّة بالتاء، لأن ما قبله كلّه خطاب. وقرأ يعقوب وعاصم وسهل بالياء. {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} ثمّ وصف الأوثان فقال: {أَمْواتٌ} أي هي أموات {غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ} يعني الأصنام {أَيَّانَ } متى {يُبْعَثُونَ} عَبّر عنها كما عبّر عن الآدميين وقد مضت هذه المسألة، وقيل: ومايدري الكفّار عبدة الأوثان متى يبعثون. {إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} جاحدة غير عارفة {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} متعظّمون {لاَ جَرَمَ} حقاً {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ} {وإذا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} يعني إذا قيل لهؤلاء الذين لايؤمنون بالآخرة وهم مشركوا قريش الذين اقتسموا عقاب مكة وأبوابهم، سألهم الحجاج والوفد أيام الموسم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعما أنزل عليه قالوا: {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أحاديثهم وأباطيلهم. {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ} ذنوب أنفسهم التي هم عليها مقيمون {وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} فيصدونهم عن الإيمان {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} ألا ساء الوزر الذي يحملون، نظيرها قوله تعالى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ} تفسير : [العنكبوت: 13] الآية. قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أيّما داع دعا إلى ضلاله فاتُّبع، فإن عليه مثل أوزار من اتّبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، وأيّما داع دعا إلى هدى فاتّبع، فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء ". تفسير : {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} وهو نمرود بن كنعان حين بنى الصرح ببابل ولزم منها الصعود إلى السماء ينظر ويزعم إلى إله إبراهيم، وقد مضت هذه القصة. قال ابن عبّاس ووهب: كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراعاً. وقال كعب ومقاتل: كان طوله فرسخين فهبّت ريح وألقت رأسها في البحر وخرّ عليهم الباقي وانفكت بيوتهم وأحدث نمرود، ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً فلذلك سميت بابل، وإنما كان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية وذلك قوله تعالى: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} أي قصد تخريب بنيانهم من أصولها فأتاها أمر الله وهو الريح التي خرّبتها {فَخَرَّ} فسقط {عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ} يعني أعلى البيوت، {مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} من مأمنهم {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ} يذلّهم بالعذاب. {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} تحالفون فيهم لاينقذونكم فيدفعوا عنكم العذاب. وقرأ العامّة على فتح النون من قوله: {تُشَاقُّونَ} إلاّ نافع فإنه كسرها على الإضافة {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} وهم المؤمنون {إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ} العذاب {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ} يقبض أرواحهم ملك الموت وأعوانه {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} بالكفر نصب على الحال، أي في حال كفرهم {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ} أي استسلموا وانقادوا وقالوا: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤء} شرك، فقالت لهم الملائكة: {بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. قال عكرمة: عَنى بذلك من قتل من قريش وأهل مكة ببدر وقد أُخرج إليها كرهاً. {فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} عن الإيمان.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: أنهم لا يستطيعون أنْ يخلقوا شيئاً؛ بل هم يُخْلقون، والأصنام كما قُلْنا من قبل هي أدنى مِمَّنْ يخلقونها، فكيف يستوي أنْ يكونَ المعبود أَدْنى من العابد؟ وذلك تسفيهٌ لعبادتهم. ولذلك يقول الحق سبحانه على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام لحظةَ أنْ حطَّم الأصنام، وسأله أهله: مَنْ فعل ذلك بآلهتنا؟ وأجاب: {أية : قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا ..} تفسير : [الأنبياء: 63]. فقالوا له: إن الكبير مجرَّد صنم، وأنت تعلم أنه لا يقدر على شيء. ونجد القرآن يقول لأمثال هؤلاء: {أية : أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} تفسير : [الصافات: 95]. فهذه الآلهة - إذن - لا تخلق بل تُخلق، ولكن الله هو خالق كل شيء، وسبحانه القائل: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} تفسير : [الحج: 73]. ويذكر الحق سبحانه من بعد ذلك أوصاف تلك الأصنام: {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ...}.