Verse. 1923 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

اِلٰـہُكُمْ اِلٰہٌ وَّاحِدٌ۝۰ۚ فَالَّذِيْنَ لَا يُؤْمِنُوْنَ بِالْاٰخِرَۃِ قُلُوْبُہُمْ مُّنْكِرَۃٌ وَّہُمْ مُّسْـتَكْبِرُوْنَ۝۲۲
Ilahukum ilahun wahidun faallatheena la yuminoona bialakhirati quloobuhum munkiratun wahum mustakbiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إلهكم» المستحق للعبادة منكم «إله واحد» لا نظير له في ذاته ولا في صفاته وهو الله تعالى «فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة» جاحدة للوحدانية «وهم مستكبرون» متكبرون عن الإيمان بها.

22

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما زيف فيما تقدم طريقة عبدة الأوثان والأصنام وبين فساد مذهبهم بالدلائل القاهرة قال: {إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } ثم ذكر تعالى ما لأجله أصر الكفار على القول بالشرك وإنكار التوحيد فقال: {فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } والمعنى أن الذين يؤمنون بالآخرة ويرغبون في الفوز بالثواب الدائم ويخافون الوقوع في العقاب الدائم إذا سمعوا الدلائل والترغيب والترهيب، خافوا العقاب فتأملوا وتفكروا فيما يسمعونه، فلا جرم ينتفعون بسماع الدلائل، ويرجعون من الباطل إلى الحق، أما الذين لا يؤمنون بالآخرة وينكرونها فإنهم لا يرغبون في حصول الثواب ولا يرهبون من الوقوع في العقاب فيبقون منكرين لكل كلام يخالف قولهم ويستكبرون عن الرجوع إلى قول غيرهم، فلا جرم يبقون مصرين على ما كانوا عليه من الجهل والضلال. ثم قال تعالى: {لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } والمعنى أنه تعالى يعلم أن إصرارهم على هذه المذاهب الفاسدة ليس لأجل شبهة تصوروها أو إشكال تخيلوه، بل ذلك لأجل التقليد والنفرة عن الرجوع إلى الحق والشغف بنصرة مذاهب الأسلاف والتكبر والنخوة. فلهذا قال: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ } وهذا الوعيد يتناول كل المتكبرين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ} لما بيّن استحالة الإشراك بالله تعالى بيّن أن المعبود واحد لا ربّ غيره ولا معبود سواه. {فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} أي لا تقبل الوعظ ولا ينجع فيها الذكر، وهذا ردّ على القدرية. {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} أي متكبرون متعظمون عن قبول الحق. وقد تقدم في «البقرة» معنى الاستكبار. {لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي من القول والعمل فيجازيهم. قال الخليل: «لا جرم» كلمة تحقيق ولا تكون إلا جواباً؛ يقال: فعلوا ذلك؛ فيقال: لا جرم سيندمون. أي حقاً أن لهم النار. وقد مضى القول في هذا في «هود» مستوفىً. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ} أي لا يثيبهم ولا يثني عليهم. وعن الحسين بن عليّ أنه مرّ بمساكين قد قدّموا كِسَراً بينهم وهم يأكلون فقالوا: الغذاءَ يا أبا عبد الله، فنزل وجلس معهم وقال «إنه لا يحِب المستكبِرِين» فلما فرغ قال: قد أجبتَكم فأجيبوني؛ فقاموا معه إلى منزله فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم وانصرفوا. قال العلماء. وكل ذنب يمكن التستر منه وإخفاؤه إلا الكبر؛ فإنه فسق يلزمه الإعلان، وهو أصل العصيان كله. وفي الحديث الصحيح: «حديث : إن المتكبرين يحشرون أمثال الذَّرّ يوم القيامة يطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم»تفسير : . أو كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : تَصْغُر لهم أجسامُهم في المحشر حتى يضرهم صِغَرُها وتَعْظُم لهم في النار حتى يضرهم عِظَمُها».

البيضاوي

تفسير : {إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } تكرير للمدعى بعد إقامة الحجج. {فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ }. بيان لما اقتضى إصرارهم بعد وضوح الحق وذلك عدم إيمانهم بالآخرة، فإن المؤمن بها يكون طالباً للدلائل متأملاً فيما يسمع فينتفع به، والكافر بها يكون حاله بالعكس وإنكار قلوبهم ما لا يعرف إلا بالبرهان إتباعاً للأسلاف وركوناً إلى المألوف، فإنه ينافي النظر والاستكبار عن اتباع الرسول وتصديقه والالتفات إلى قوله، والأول هو العمدة في الباب ولذلك رتب عليه ثبوت الآخرين.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه لا إله هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وأخبر أن الكافرين تنكر قلوبهم ذلك، كما أخبر عنهم متعجبين من ذلك {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ } تفسير : [ص: 5] وقال تعالى: {أية : وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } تفسير : [الزمر: 45] وقوله: {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} أي: عن عبادة الله، مع إنكار قلوبهم لتوحيده؛ كما قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} تفسير : [غافر: 60] ولهذا قال ههنا: {لاَ جَرَمَ} أي: حقاً {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي: وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِلَهَٰكُمْ } المستحق للعبادة منكم {إِلَٰهٌ وٰحِدٌ } لا نظير له في ذاته ولا في صفاته وهو الله تعالى {فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ } جاحدة للوحدانية {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } متكبرون عن الإِيمان بها.

ابن عطية

تفسير : لما تقدم وصف الأصنام جاء الخبر الحق بالوحدانية، وهذه مخاطبة لجميع الناس معلمة بأن الله تعالى متحد وحدة تامة لا يحتاج لكمالها إلى مضاف إليها، ثم أخبر عن إنكار قلوب الكافرين وأنهم يعتقدون ألوهية أشياء أخر، ويستكبرون عن رفض معتقدهم فيها، واطراح طريقة آبائهم في عبادتها، ووسمهم بأنهم لا يؤمنون بالآخرة إذ هي أقوى رتب الكفر، أعني الجمع بين التكذيب بالله تعالى وبالبعث، لأن كل مصدق يبعث فمحال أن يكذب بالله، وقوله {لا جرم} عبرت فرقة من النحويين عن معناها بلا بد ولا محالة، وقالت فرقة: معناها حق أن الله، ومذهب سيبويه أن {لا} ، نفي لما تقدم من الكلام، و {جرم} معناه حق ووجب، ونحو هذا، هذا هو مذهب الزجاج، ولكن مع مذهبهما {لا} مُلازمةٌ لـ {جرم} لا تنفك هذه من هذه، وفي {جرم} لغات قد تقدم ذكرها في سورة هود، وأنشد أبو عبيدة: / جرمت فزارة / وقال معناها حقت عليهم وأوجبت أن يغضبوا، و {أن} على مذهب سيبويه فاعلة بـ {جرم} ، وقرأ الجمهور "أن"، وقرأ عيسى الثقفي "إن" بكسر الألف على القطع، قال يحيى بن سلام والنقاش: المراد هنا بما يسرون مشاورتهم في دار الندوة في قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله {إنه لا يحب المستكبرين} عام في الكافرين والمؤمنين، فأخذ كل واحد منهم بقسطه، وفي الحديث "حديث : لا يدخل الجنة وفي قلبه مثقال حبة من كبر" تفسير : ، وفيه "حديث : أن الكبر منع الحق وغمص الناس"تفسير : . ويروى عن الحسن بن علي أنه كان يجلس مع المساكين ويحدثهم، ثم يقول {إنه لا يحب المستكبرين} . ويروى في الحديث "حديث : أنه من سجد لله سجدة من المؤمنين فقد برىء من الكبر" تفسير : . وقوله {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم} الآية، الضمير في {لهم} لكفار مكة، ويقال إن سبب الآية كان النضر بن الحارث، سافر عن مكة إلى الحيرة وغيرها، وكان قد اتخذ كتب التواريخ والأمثال ككليلة ودمنة، وأخبار السندباد، ورستم، فجاء إلى مكة، فكان يقول: إنما يحدث محمد بأساطير الأولين، وحديثي أجمل من حديثه، وقوله {ماذا} يجوز أن تكون "ما" استفهاماً، و"ذا" بمعنى الذي، وفي {أنزل} ضمير عائد، ويجوز أن يكون "ما" و"ذا" اسماً واحداً مركباً، كأنه قال: أي شيء وقوله {أساطير الأولين} ليس بجواب على السؤال لأنهم لم يريدوا أنه نزل شيء ولا أن تم منزلاً، ولكنهم ابتدوا الخبر بأن هذه {أساطير الأولين} ، وإنما الجواب على السؤال، قول المؤمنين في الآية المستقبلة {أية : خيراً} تفسير : [النحل: 30] وقولهم: {أساطير الأولين} إنما هو جواب بالمعنى، فأما على السؤال وبحسبه فلا، واللام في قوله {ليحملوا} يحتمل أن تكون لام العاقبة لأنهم لم يقصدوا بقولهم {أساطير الأولين} "ليحملوا الأوزار"، ويحتمل أن يكون صريح لام كي، على معنى قدر هذا، ويحتمل أن تكون لام الأمر، على معنى الحتم عليهم بذلك، والصغار الموجب لهم، و"الأوزار" الأثقال، وقوله {ومن} للتبعيض، وذلك أن هذا الواهن المضل يحمل وزر نفسه كاملاً ويحمل وزراً من وزر كل مضل بسببه ولا تنقص أوزار أولئك، وقوله {بغير علم} يجوز أن يريد بها المضل أي أضل بغير برهان قام عنده، ويجوز أن يريد {بغير علم} من المقلدين الذي يضلون، ثم استفتح الله تعالى الإخبار عن سوء ما يتحملونه للآخرة، وأسند الطبري وغيره في معنى هذه الآية حديثاً، نصه "حديث : أيما داع دعا إلى ضلالة فإن عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، وأيما داع دعا إلى الهدى فاتبع فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء" تفسير : و {ساء} فعل مسند إلى {ما} ، ويحتاج في ذلك هنا إلى صلة.

النسفي

تفسير : {إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } أي ثبت بما مر أن الإلٰهية لا تكون لغير الله وأن معبودكم واحد {فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ } للوحدانية {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } عنها وعن الإقرار بها {لاَ جَرَمَ } حقا {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } أي سرهم وعلانيتهم فيجازيهم وهو وعيد {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ } عن التوحيد يعني المشركين. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } لِهؤلاء الكفار {مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } {ماذا} منصوب بـ {أَنزل} أي أيَّ شيء أنزل ربكم، أو مرفوع على الابتداء أي أيُّ شيء أنزله ربكم و{أساطير} خبر مبتدأ محذوف. قيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفّرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أساطير الأولين أي أحاديث الأولين وأباطيلهم واحدتها أسطورة، وإذا رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونهم بصدقه وأنه نبي فهم الذين قالوا خيراً {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ } أي قالوا ذلك إضلالاً للناس فحملوا أوزار ضلالهم كاملة وبعض أوزار من ضل بضلالهم وهو وزر الإضلال لأن المضل والضال شريكان واللام للتعليل {بِغَيْرِ عِلْمٍ } حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ } محل «ما» رفع {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُمْ مّنَ ٱلْقَوَاعِدِ } أي من جهة القواعد وهي الأساطين، وهذا تمثيل يعني أنهم سوّوا منصوبات ليمكروا بها رسل الله فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات كحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين، فأتى البنيان من الأساطين بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وهلكوا، والجمهور على أن المراد به نمرود بن كنعان حين بني الصرح ببابل طوله خمسة آلاف ذراع ــ وقيل ــ فرسخان ــ فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا فأتى الله ــ أي أمره ــ بالاستئصال {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِلَـٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وٰحِدٌ فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} أي: مُنْكِرَةٌ ٱتحاد الإِلٰه. * ت *: وهذا كما حَكَى عنهم سبحانه في قولهم: { أية : أَجَعَلَ ٱلأَلِهَةَ إِلَـٰهاً وَٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } تفسير : [ص:5]. وقوله: {لاَ جَرَمَ } عبَّرت فرقةٌ من اللُّغويِّين عن معناها بـــ «لاَ بُدَّ ولا محالة»، وقالت فرقة: معناها: حق أن اللَّه، ومذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ «لا» نفيٌ لما تقدَّم من الكلامِ، و«جرم»: معناه: وَجَبَ أو حَقَّ ونحوه، هذا مذهبُ الزَّجَّاجِ، ولكنْ مع مذهبهما، «لا» ملازِمَةٌ لـــ «جَرَمَ» لا تنفَكُّ هذه مِنْ هذه. وقوله سبحانه: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ}: عامٌّ في الكافرين والمؤمنين يأخذ كلُّ أحد منهم بِقِسْطه، قال الشيخُ العارفُ باللَّه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي جَمْرَةَ رحمه اللَّه موتُ النفوسِ حياتُهَا، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَحْيَا يَمُوتُ ببَذْل أَهْل التوفيقِ نفوسَهُم وهوانِهَا عليهم، نالوا ما نالوا، وبِحُبِّ أهْل الدنيا نفوسَهُم هانوا وطَرَأَ عليهم الهوانُ هنا وهناك، وقد ورد في الحديثِ: «أنَّه مَا مِنْ عَبْدٍ إِلا وَفِي رَأْسِهِ حِكْمَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ، فَإِنْ تَعَاظَمَ، وَٱرْتَفَعَ، ضَرَبَ المَلَكُ فِي رَأْسِهِ، وَقَالَ لَهُ: ٱتَّضِعْ وَضَعَكَ اللَّهُ، وَإِنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ المَلَكُ، وَقَالَ لَهُ: ٱرْتَفِعْ، رَفَعَكَ اللَّهُ»، مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بما به يقرِّبنا إِليه بمنِّهِ. انتهى. وقوله سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُم}: يعني: كفَّار قريشٍ: {مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ...} الآية، يقال: إِن سببها النضْرُ بْنُ الحارِثِ، واللام في قوله: {لِيَحْمِلُواْ } يحتملُ أن تكون لاَم العاقبةِ، ويحتمل أن تكون لامَ كَيْ، ويحتمل أن تكون لام الأمْرِ؛ على معنى الحَتْمِ عليهم والصَّغَارِ الموجِبِ لهم. وقوله سبحانه: {وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ}: «من»: للتبعيضِ؛ وذلك أن هذا الرأس المُضِلَّ يحمل وِزْرَ نفسه ووزراً مِنْ وزر كلِّ مَنْ ضلَّ بسببه، ولا ينقُصُ من أوزار أولئك شيْءٌ، والأوزار هي الأثْقَال.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ} لما زيف طريقة عبدة الأصنام وفساد مذاهبهم، قال {إلهكم إله واحد} ثمَّ ذكر ما لأجله أصرَّ الكفار على الشركِ؛ فقال: {فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} جاحدة {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} مستعظمون أي: إنَّ المؤمنين في الآخرة يرغبون بالفوز في الثواب الدائم، ويخافون العقاب الدائم، فإذا سمعوا الدلائل خافوا، وتأمَّلوا، وتفكروا فيما يسمعون، فلا جرم ينتفعون بسماع الدلائل، ويرجعون إلى الحقِّ. وأمَّا الذين لا يؤمنون بالآخرة وينكرونها، فإنهم لا يرغبون في الثواب ولا يرهبون عن الوقوع في العقاب، فيبقون منكرين لكلِّ كلامٍ يخالف قولهم، ويستكبرون عن الرجوع إلى قول غيرهم، فيبقون مصرِّين على الجهل والضلال. قوله تعالى: {لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ}. قد تقدم الكلام على لفظة "لا جَرمَ" في سورة هودٍ - عليه السلام - والعامة على فتح الهمزة من "أن اللهَ"، وكسرها عيسى الثقفي رحمه الله، وفيها وجهان: أظهرهما: الاستئناف. والثاني: جريان "لا جرمَ" مجرى القسم فيتلقى بما يتلقى به. وقال بعض العرب: "لا جَرمَ واللهِ لا [فَارَقْتُكَ]" وهذا يضعف كونها للقسم؛ لتصريحه بالقسم بعدها، وإن كان أبُو حيَّان أتى بذلك مقوِّياً لجريانها مجرى القسم. قوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ}، أي: أنَّ إصرارهم على الكفر ليس لأجل شبهة تصوروها، بل لأجل التقليد لأسلافهم، والتَّكبُّر؛ قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا يَدْخُل الجَنَّة مَنْ كَانَ في قَلْبهِ مِثْقَالُ ذرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، ولا يدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ في قَلْبِه مِثقَالُ ذرَّةٍ من إيمانٍ، فقال رجُلٌ: يا رسُولَ الله - صلّى الله عَليْكَ - إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يكُونَ ثَوْبهُ حَسناً، قال صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله - تعَالَى - جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ: بَطرُ الحقِّ، وغَمْطُ البَاطلِ ".

البقاعي

تفسير : ولما كانت أدلة البعث قد ثبت قيامها، واتضحت أعلامها، وعلا منارها، وانتشرت أنوارها، ساق الكلام فيها مساق ما لا خلاف إلا في العلم بوقته مع الاتفاق على أصله، لأنه من لوازم التكليف، ولما اتضح بذلك كله عجز شركائهم، أشار إلى أن منشأ العجز قبول التعدد، إرشاداً إلى برهان التمانع، فقال على طريق الاستئناف لأنه نتيجة ما مضى قطعاً: {إلهكم} أي أيها الخلق كلكم، المعبود بحق {إله} أي متصف بالإلهية على الإطلاق بالنسبة إلى كل أحد وكل زمان وكل مكان {واحد} لا يقبل التعدد - الذي هو مثار النقص - بوجه من الوجوه، لأن التعدد يستلزم إمكان التمانع المستلزم للعجز المستلزم للبعد عن رتبة الإلهية {فالذين} أي فتسبب عن هذا أن الذين {لا يؤمنون بالآخرة} أي دار الجزاء ومحل إظهار الحكم الذي هو ثمرة الملك والعدل الذي هو مدار العظمة {قلوبهم منكرة} أي جاهلة بأنه واحد، لما لها من القسوة لا لاشتباه الأمر - لما تقدم في هود من أن مادة "نكر" تدور على القوة وهي تستلزم الصلابة فتأتي القسوة {وهم} أي والحال أنهم بسبب إنكار الآخرة {مستكبرون *} أي صفتهم الاستكبار عن كل ما لا يوافق أهواءهم وهو طلب الترفع بالامتناع من قبول الحق أنفة من أهله، فصاروا بذلك إلى حد يخفى عليهم معه الشمس كما قال تعالى: { أية : ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} تفسير : [هود: 20] وربما دل { مستكبرون} على أن { منكرة} بمعنى "جاحدة ما هي به عارفة". ولما كانوا - لكون الإنسان أكثر شيء جدلاً - ربما أنكروا الاستكبار، وادعوا أنه او ظهر لهم الحق لأنابوا، قال على طريق الجواب لمن كأنه قال: إنهم لا يأبون استكباراً ما لا يشكون معه في أن هذا كلام الله {لا جرم} أي لا ظن في {أن الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {يعلم} علماً غيبياً وشهادياً {ما يسرون} أي يخفون مطلقاً أو بالنسبة إلى بعض الناس. ولما كان علم السر لا يستلزم علم الجهر - كما مضى غير مرة، قال: {وما يعلنون} فهو أخبر بذلك إلا عن أمر قطعي لا يقبل المراء. ولما كان في ذلك معنى التهديد، لأن المراد: فليجازينهم على دق ذلك وجهل من غير أن يغفر منه شيئاً - كما يأتي التصريح به في قوله: { أية : ليحملوا أوزارهم كاملة} تفسير : [ النحل: 25] علل هذا المعنى بقوله: {إنه} أي العالم بالسر والعلن {لا يحب المستكبرين *} أي على الحق، كائناً ما كان. ولما كان الطعن في القرآن - بما ثبت من عجزهم عن معارضته - دليل الاستكبار قال تعالى عاطفاً على قوله {قلوبهم منكرة}: {وإذا قيل} أي من أيّ قائل كان في أي وقت كان ولو تكرر {لهم} أي لمنكري الآخرة: {ماذا} أي أي شيء {أنزل ربكم} أي المحسن إليكم المدبر لأموركم {قالوا} مكابرين في إنزاله عادّين "ذا" موصولة لا مؤكدة للاستفهام: الذي تعنون أنه منزل ليس منزلاً، بل هو {أساطير الأولين} - مع عجزهم بعد تحديهم عن معارضة سورة منه مع علمهم بأنه أفصح الناس وأنه لا يكون من أحد من الناس متقدم أو متأخر قول إلا قالوا أبلغ منه.

القشيري

تفسير : لا قَسِيمَ لِذَاتِه جوازاً أو وجوباً، ولا شبيهَ له ولا شريك.. ومَنْ لم يتحققْ بهذه الجملة قطعاً، وبشهادة البراهين له تفصيلاً فهو في دَرَكَاتِ الشِّرك واقعٌ، وعن حقائق التوحيد بمعزل، قال تعالى في صفة الكفار: {قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} أي في أَسْرِ الشِّرْكِ وغطاء الكفر، ثم ليس فيه اتصاف لطلب العرفان؛ لأنَّ العلةَ - لِمَنْ أراد المعرفة - مُتاحة، وأدلة الخْلق لائحة.

اسماعيل حقي

تفسير : {الهكم اله واحد} [يكتا ويكانه است] لا نشاركه شئ فى شئ {فالذين لا يؤمنون بالآخرة} واحوالها من البعث والجزاء وغير ذلك والايمان فى اللغة التصديق بالقلب وفى الشريعة هو الاعتقاد بالقلب والاقرار باللسان. قال السهيلى فى كتاب الامالى الفرق بين التصديق والايمان ان التصديق لا بد ان يكون فى مقابلة خبر والايمان قد يكون فى مقابلة خبر صادق وقد يكون عن فكر ونظر فاذا نظرت فى الصنعة وعرفت بها الصانع آمنت ولم تكن مصدقا بخبر اذ لا خبر هناك فاذا جاء الخبر بما آمنت به واقررت صدقت الخبر وايضا ان التصديق قد يكون بالقلب وانت ساكت تقول سمعت الحديث فصدقته والايمان لا بد من اجتماع اللفظ مع العقد فيه لغة وشرعا انتهى {قلوبهم منكرة} للوحدانية متصفة بالنكارة لا بالمعرفة {وهم مستكبرون} اى وهم قول لا يزال الاستكبار عن اعتراف الوحدانية والتعظيم عن قبول الحق دأبهم كما ان الانكار سجيتهم.

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى لعباده ان {إِلهكم} الذي يستحق العبادة {إِله واحد} لانه لا يقدر على ما يستحق به العبادة من أصول النعم سواه. ثم قال ان الذين لا يصدقون بالآخرة وبالبعث والنشور والثواب والعقاب، تجحد قلوبهم وتنكر ما ذكرناه وهم مع ذلك {يستكبرون} اي يمتنعون من قبول الحق أنفة من أهله. و (الاستكبار) طلب الترفع بترك الاذعان للحق ثم قال تعالى {لا جرم} اي حق ووجب انه يعلم ما يبطنونه ويخفونه في نفوسهم، وما يظهرونه، لا يخفى عليه منه شيء، و {إنه لا يحب المستكبرين} يعني لا يريد ثوابهم ولا منافعهم، ولا يفعل ذلك بهم لكونهم مستحقين للعقاب.

الجنابذي

تفسير : {إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ} كالنّتيجة وقد مضى مثله وانّ المقصود انّ الّذى هو آلهكم اله ومستحقّ للعبادة وواحد لا متعدّد بخلاف ما جعلوه آلهاً {فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} لا يعرفون الآله ولا امر الآخرة {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} فانّ الاستكبار هو الخروج عن حكم الله وحكم خلفائه وهم خارجون لعدم اعتقادهم بالله وبخلفائه.

اطفيش

تفسير : {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} المستحق للعبادة منكم واحد فى ذاته وفعله وصفته وهو الله {فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} جاحدة لهذا المعنى الذى هو كون إِلهكم واحدا وقيل منكرة لهذا القرآن {وَهُم مُّسْتَكبِرُونَ} عن اتباع الحق بعد وضوحه إِصرارا وركونا إِلى الأَسلاف واتباعا للمأَلوف حتى لا يتأَتى لهم النظر فى الدلائل بخلاف المؤمن فإِنه يتأَمل فيها وهؤلاء لما لم يؤمنوا ترتب على عدم إِيمانهم الإِنكار والاستكبار بالزيادة.

الالوسي

تفسير : {إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} على معنى أن الإله واحد يوم القيامة نظير {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } تفسير : [الفاتحة: 4] قال أبو حيان: ولا يصح هذا القول لأن {أيان} [النحل: 21] إذ ذاك تخرج عما استقر فيها من كونها ظرفاً إما استفهاماً أو شرطاً وتتمحض للظرفية بمعنى وقت مضافاً للجملة بعده نحو وقت يقوم زيد أقوم، على أن هذا التعلق في نفسه خلاف الظاهر، والظاهر أن قوله سبحانه: {أَلْهَـٰكُمُ} تصريح بالمدعى وتلخيص للنتيجة غب إقامة الحجة {فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} وأحوالها التي من جملتها البعث وما يعقبه من الجزاء {قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} للوحدانية جاحدة لها أو للآيات الدالة عليها {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} عن الاعتراف بها أو عن الآيات الدالة عليها، والفاء للإيذان بأن إصرارهم على الإنكار واستمرارهم على الاستكبار وقع موقع النتيجة للدلائل الظاهرة والبراهين القطعية فهي للسببية كما في قولك: أحسنت إلى زيد فإنه أحسن إلي، والمعنى أنه قد ثبت بما قرر من الدلائل والحجج اختصاص الإلهية به سبحانه فكان من نتيجة ذلك إصرارهم على الإنكار واستمرارهم على الاستكبار، وبناء الحكم على الموصول للإشعار بعلية ما في حيز الصلة له، فإن الكفر بالآخرة وبما فيها من البعث والجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب يؤدي إلى قصر النظر على العاجل وعدم الالتفات إلى الدلائل الموجب لإنكارها وإنكار مؤداها والاستكبار عن اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام والإيمان به، وأما الإيمان بها وبما فيها فيدعو لا محالة إلى الالتفات إلى الدلائل والتأمل فيها رغبة ورهبة فيورث ذلك يقيناً بالوحدانية وخضوعاً لأمر الله تعالى قاله بعض المحققين. ومن الناس من قال: المراد وهم مستكبرون عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعه، فيكون الإنكار إشارة إلى كفرهم بالله تعالى والاستكبار إشارة إلى كفرهم برسوله صلى الله عليه وسلم والأول أظهر، وإسناد الإنكار إلى القلوب لأنها محله وهو أبلغ من إسناده إليهم، ولعله إنما لم يسلك في إسناد الاستكبار مثل ذلك لأنه أثر ظاهر كما تشير إليه الآية بعد؛ وقد قال بعض العلماء: كل ذنب يمكن التستر به وإخفاؤه إلا التكبر فإنه فسق يلزمه الإعلان.

سيد قطب

تفسير : وقفنا في الدرس السابق عند استعراض آيات الخالق في خلقه، وفي نعمته على عباده، وفي علمه بالسر والعلن.. بينما الآلهة المدعاة، لا تخلق شيئا، بل هي مخلوقة. ولا تعلم شيئا، بل هي ميتة لا تنتظر لها حياة. وهي لا تعلم متى يبعث عبادها للجزاء! وهذا وذلك قاطع في بطلان عبادتها، وفي بطلان عقيدة الشرك كافة.. وكان هذا هو الشوط الأول في قضية التوحيد في السورة مع إشارة إلى قضية البعث أيضا. وها نحن أولاء نبدأ في الدرس الجديد من حيث انتهينا في الدرس السابق. نبدأ شوطا جديدا، يفتتح بتقرير وحدة الألوهية، ويعلل عدم إيمان الذين لا يؤمنون بالآخرة بأن قلوبهم منكرة، فالجحود صفة كامنة فيها تصدهم عن الإقرار بالآيات البينات، وهم مستكبرون، فالاستكبار يصدهم عن الإذعان والتسليم.. ويختم بمشهد مؤثر: مشهد الظلال في الأرض كلها ساجدة لله، ومعها ما في السماوات وما في الأرض من دابة، والملائكة، قد برئت نفوسهم من الاستكبار، وامتلأت بالخوف من الله، والطاعة لأمره بلا جدال.. هذا المشد الخاشع الطائع يقابل صورة المستكبرين المنكرة قلوبهم في مفتتح هذا الشوط الجديد. وبين المطلع والختام يستعرض السياق مقولات أولئك المستكبرين المنكرين عن الوحي والقرآن إذ يزعمون أنه أساطير الأولين. ومقولاتهم عن أسباب شركهم بالله وتحريمهم ما لم يحرمه الله، إذ يدعون أن الله أراد منهم الشر وارتضاه. ومقولاتهم عن البعث والقيامة إذ يقسمون جهدهم لا يبعث الله من يموت. ويتولى الرد على مقولاتهم جميعا. ويعرض في ذلك مشاهد احتضارهم ومشاهد بعثهم وفيها يتبرأون من تلك المقولات الباطلة، كما يعرض بعض مصارع الغابرين من المكذبين أمثالهم، ويخوفهم أخذ الله في ساعة من ليل أو نهار وهم لا يشعرون، وهم في تقلبهم في البلاد، أو وهم على تخوف وتوقع وانتظار للعذاب.. وإلى جوار هذا يعرض صورا من مقولات المتقين المؤمنين وما ينتظرهم عند الاحتضار ويوم البعث من طيب الجزاء. وينتهي بذلك المشهد الخاشع الطائع للظلال والدواب والملائكة في الأرض والسماء.. {إلهكم إله واحد. فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون. لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين}.. ويجمع السياق بين الإيمان بوحدة لله والإيمان بالآخرة. بل يجعل إحداهما دالة على الأخرى لارتباط عبادة الله الواحد بعقيدة البعث والجزاء. فبالآخرة تتم حكمة الخالق الواحد ويتجلى عدله في الجزاء.. {إلهكم إله واحد} وكل ما سبق في السورة من آيات الخلق وآيات النعمة وآيات العلم يؤدي إلى هذه الحقيقة الكبيرة البارزة، الواضحة الآثار في نواميس الكون وتناسقها وتعاونها كما سلف الحديث. فالذين لا يسلمون بهذه الحقيقة، ولا يؤمنون بالآخرة ـ وهي فرع عن الاعتقاد بوحدانية الخالق وحكمته وعدله ـ هؤلاء لا تنقصهم الآيات ولا تنقصهم البراهين، إنما تكمن العلة في كيانهم وفي طباعهم. إن قلوبهم منكرة جاحدة لا تقر بما ترى من الآيات، وهم مستكبرون لا يريدون التسليم بالبراهين والاستسلام لله والرسول. فالعلة أصيلة والداء كامن في الطباع والقلوب!. والله الذي خلقهم يعلم ذلك منهم. فهو يعلم ما يسرون وما يعلنون. يعلمه دون شك ولا ريب ويكرهه فيهم. {إنه لا يحب المستكبرين} فالقلب المستكبر لا يرجى له أن يقتنع أو يسلم. ومن ثم فهم مكروهون من الله لاستكبارهم الذي يعلمه من يعلم حقيقة أمرهم ويعلم ما يسرون وما يعلنون. {وإذا قيل لهم: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: أساطير الأولين. ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم، ألا ساء ما يزرون}. هؤلاء المستكبرون ذوو القلوب المنكرة التي لا تقتنع ولا تستجيب إذا سئلوا {ماذا أنزل ربكم؟} لم يجيبوا الجواب الطبيعي المباشر، فيتلوا شيئا من القرآن أو يلخصوا فحواه، فيكونوا أمناء في النقل، ولو لم يعتقدوه. إنما هم يعدلون عن الجواب الأمين فيقولون: {أساطير الأولين} والأساطير هي الحكايات الوهمية الحافلة بالخرافة.. وهكذا يصفون هذا القرآن الذي يعالج النفوس والعقول، ويعالج أوضاع الحياة وسلوك الناس وعلاقات المجتمع وأحوال البشر في الماضي والحاضر والمستقبل. هكذا يصفونه لما يحويه من قصص الأولين. وهكذا يؤدي بهم ذلك الإنكار والاستهتار إلى حمل ذنوبهم وشطر من ذنوب الذين يضلونهم بهذا القول، ويصدونهم عن القرآن والإيمان، وهم جاهلون به لا يعلمون حقيقته.. ويصور التعبير هذه الذنوب أحمالا ذات ثقل ـ وساءت احمالاً وأثقالا! ـ فهي توقر النفوس كما توقر الأحمال الظهور، وهي تثقل القلوب، كما تثقل الأحمال العواتق، وهي تتعب وتشقي كما تتعب الأثقال حامليها بل هي أدهى وأنكى! روى ابن أبي حاتم عن السدي قال: "اجتمعت قريش، فقالوا: إن محمداً رجل حلو اللسان، إذا كلمه الرجل ذهب بعقله، فانظروا ناسا من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم، فابعثوا في كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين، فمن جاء يريده فردوه عنه. فخرج ناس في كل طريق فكان إذا اقبل الرجل وافدا لقومه ينظر ما يقول محمد، ووصل إليهم، قال أحدهم: انا فلان ابن فلان. فيعرفه نسبه، ويقول له: أنا أخبرك عن محمد. إنه رجل كذاب لم يتبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيهم، وأما شيوخ قومه وخيارهم فمفارقون له. فيرجع الوافد. فذلك قوله تعالى: {إذا قيل لهم: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: أساطير الأولين}. فإن كان الوافد ممن عزم الله له الرشاد، فقالوا له مثل ذلك قال: بئس الوافد لقومي إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل، وانظر ما يقول وآتي قومي ببيان أمره. فيدخل مكة، فيلقى المؤمنين فيسألهم ماذا يقول محمد؟ فيقولون: خيراً...". فقد كانت حرب دعاية منظمة يديرها قريش على الدعوة، ويديرها امثال قريش في كل زمان ومكان من المستكبرين الذين لا يريدون الخضوع للحق والبرهان، لأن استكبارهم يمنعهم من الخضوع للحق والبرهان. فهؤلاء المستكبرون من قريش ليسوا أول من ينكر، وليسوا أول من يمكر. والسياق يعرض عليهم نهاية الماكرين من قبلهم، ومصيرهم يوم القيامة، بل مصيرهم منذ مفارقة أرواحهم لأجسادهم حتى يلقوا في الآخرة جزاءهم. يعرض عليهم هذا كله في مشاهد مصورة على طريقة القرآن المأثورة: {قد مكر الذين من قبلهم. فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون. ثم يوم القيامة يخزيهم، ويقول: أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم؟ قال الذين أوتوا العلم: إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين، الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء. بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون. فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، فلبئس مثوى المتكبرين}. {قد مكر الذين من قبلهم} والتعبير يصور هذا المكر في صورة بناء ذي قواعد وأركان وسقف إشارة إلى دقته وإحكامه ومتانته وضخامتة. ولكن هذا كله لم يقف أمام قوة الله وتدبيره: {فأتى الله بنيانهم من القواعد، فَخَرَّ عليهم السقف من فوقهم } وهو مشهد للتدمير الكامل الشامل، يطبق عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فالقواعد التي تحمل البناء تحطم وتهدم من أساسها، والسقف يخر عليهم من فوقهم فيطبق عليهم ويدفنهم {وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} فإذا البناء الذي بنوه وأحكموه واعتمدوا على الاحتماء فيه. إذا هو مقبرتهم التي تحتويهم، ومهلكتهم التي تأخذهم من فوقهم ومن أسفل منهم. وهو الذي اتخذوه للحماية ولم يفكروا أن يأتيهم الخطر من جهته! إنه مشهد كامل للدمار والهلاك، وللسخرية من مكر الماكرين وتدبير المدبرين، الذين يقفون لدعوة الله، ويحسبون مكرهم لا يرد، وتدبيرهم لا يخيب، والله من ورائهم محيط! وهو مشهد مكرر في الزمان قبل قريش وبعدها. ودعوة الله ماضية في طريقها مهما يمكر الماكرون، ومهما يدبر المدبرون. وبين الحين والحين يتلفت الناس فيذكرون ذلك المشهد المؤثر الذي رسمه القرآن الكريم: {فأتى الله بنيانهم من القواعد فَخَرَّ عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون}. هذا في الدنيا، وفي واقع الأرض: {ثم يوم القيامة يخزيهم، ويقول: اين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم؟}. ويرتسم مشهد من مشاهد القيامة يقف فيه هؤلاء المستكبرون الماكرون موقف الخزي؛ وقد انتهى عهد الاستكبار والمكر. وجاءوا إلى صاحب الخلق والأمر، يسألهم سؤال التبكيت والتأنيب: {أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم؟} أين شركائي الذين كنتم تخاصمون من أجلهم الرسول والمؤمنين، وتجادلون فيهم المقرين الموحدين؟. ويسكت القوم من خزي، لتنطلق ألسنة الذين أوتوا العلم من الملائكة والرسل والمؤمنين وقد أذن الله لهم أن يكونوا في هذا اليوم متكلمين ظاهرين: {قال الذين أوتوا العلم: إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين}.. {إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين}.. {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} فيعود السياق بهم خطوة قبل خطوة القيامة. يعود بهم إلى ساعة الاحتضار، والملائكة تتوفاهم ظالمين لأنفسهم بما حرموها من الإيمان واليقين، وبما اوردوها موارد الهلاك، وبما قادوها في النهاية إلى النار والعذاب. ويرسم مشهدهم في ساعة الاحتضار، وهم قريبو عهد بالأرض، وما لهم فيها من كذب ومكر وكيد: {فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء!} ألقوا السلم. هؤلاء المستكبرون. فإذا هم مستسلمون لا يهمون بنزاع أو خصام، إنما يلقون السلم ويعرضون الاستسلام! ثم يكذبون ـ ولعله طرف من مكرهم في الدنيا ـ فيقولون مستسلمين: {ما كنا نعمل من سوء}! وهو مشهد مخز وموقف مهين لأولئك المستكبرين! ويجيئهم الجواب: {بلى} من العليم بما كان منهم {إن الله عليم بما كنتم تعملون} فلا سبيل إلى الكذب والمغالطة والتمويه. ويجيئهم الجزاء جزاء المتكبرين: {فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين}! وعلى الجانب الأخر: الذين اتقوا.. يقابلون المنكرين المستكبرين في المبدأ والمصير: {وقيل للذين اتقوا: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: خيراً. للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة، ولدار الآخرة خير، ولنعم دار المتقين. جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار، لهم فيها ما يشاءون، كذلك يجزي الله المتقين. الذين تتوفاهم الملائكة طيبين، يقولون: سلام عليكم، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون}.. إن المتقين يدركون أن الخير هو قوام هذه الدعوة، وقوام ما أنزل ربهم من أمر ونهي وتوجيه وتشريع. فيلخصون الأمر كله في كلمة: {قالوا: خيراً} ثم يفصلون هذا الخير حسبما علموا مما أنزل الله: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} حياة حسنة ومتعة حسنة، ومكانة حسنة. {ولدار الآخرة خير} من هذه الدار الدنيا {ولنعم دار المتقين}.. ثم يفصل ما أجمل. عن هذه الدار. فإذا هي {جنات عدن} للإقامة {تجري من تحتها الأنهار} رخاء. {لهم فيها ما يشاءون} فلا حرمان ولا كد، ولا حدود للرزق كما هي الحياة الدنيا.. {كذلك يجزي الله المتقين}. ثم يعود السياق خطوة بالمتقين كما عاد من قبلهم خطوة بالمستكبرين. فإذا هم في مشهد الاحتضار وهو مشهد هين لين كريم: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} طيبة نفوسهم بلقاء الله، معافين من الكرب وعذاب الموت. {يقولون: سلام عليكم} طمأنة لقلوبهم وترحيباً بقدومهم {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} تعجيلاً لهم بالبشرى، وهم على عتاب الآخرة، جزاء وفاقاً على ما كانوا يعملون. وفي ظل هذا المشهد بشقيه. مشهد الاحتضار ومشهد البعث. يعقب السياق بسؤال عن المشركين من قريش: ماذا ينتظرون؟ أينتظرون الملائكة فتتوفاهم؟ أم ينتظرون أمر الله فيبعثهم. وهذا ما ينتظرهم عند الوفاة، وما ينتظرهم يوم يبعثهم الله! أو ليس في مصير المكذبين قبلهم وقد شهدوه ممثلاً في ذينك المشهدين عبرة وغناء: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك؟ كذلك فعل الذين من قبلهم، وما ظلمهم الله، ولـكن كانوا أنفسهم يظلمون. فأصابهم سيئات ما عملوا، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}.. وعجيب أمر الناس. فإنهم يرون ما حل بمن قبلهم ممن يسلكون طريقهم، ثم يظلون سادرين في الطريق غير متصورين أن ما أصاب غيرهم يمكن أن يصيبهم، وغير مدركين أن سنة الله تمضي وفق ناموس مرسوم، وأن المقدمات تعطي دائما نتائجها، وأن الأعمال تلقى دائماً جزاءها، وأن سنة الله لن تحابيهم ولن تتوقف إزاءهم، ولن تحيد عن طريقهم. {وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} فقد أتاهم الله حرية التدبر والتفكر والاختيار، وعرض عليهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم، وحذرهم العاقبة، ووكلهم إلى عملهم وإلى سنته الجارية. فما ظلمهم في مصيرهم المحتوم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. وما قسا عليهم في عقوبة، إنما قست عليهم أعمالهم، لأنهم أصيبوا بها أي بنتائجها الطبيعية وجرائرها: {فأصابهم سيئات ما عملوا، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}.. ولهذا التعبير وأمثاله دلالة فإنهم لا يعاقبون بشيء خارج عن ثمرة أعمالهم الذاتية. وإنهم ليصابون بجرائر سلوكهم التلقائية. وهم ينتكسون إلى أدنى من رتبة البشرية بما يعملون، فيجازون بما هو أدنى من رتبة البشرية في دركات المقام المهين، والعذاب الأليم. ومقولة جديدة من مقولات المشركين عن علة شركهم وملابساته: {وقال الذين أشركوا: لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا، ولا حرمنا من دونه من شيء. كذلك فعل الذين من قبلهم. فهل على الرسل إلا البلاغ المبين؟ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت؛ فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة. فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}.. إنهم يحيلون شركهم وعبادتهم آلهة من دون الله هم وآباؤهم، وأوهام الوثنية التي يزاولونها من تحريمهم لبعض الذبائح وبعض الأطعمة على أنفسهم بغير شريعة من الله.. إنهم يحيلون هذا كله على إرادة الله ومشيئته. فلو شاء الله ـ في زعمهم ـ ألا يفعلوا شيئاً من هذا لمنعهم من فعله. وهذا وهم وخطأ في فهم معنى المشيئة الإلهية. وتجريد للإنسان من أهم خصائصه التي وهبها له الله لاستخدامها في الحياة. فالله سبحانه لا يريد لعباده الشرك، ولا يرضى لهم أن يحرموا ما أحله لهم من الطيبات. وإرادته هذه ظاهرة منصوص عليها في شرائعه، على ألسنة الرسل الذين كلفوا التبليغ وحده فقاموا به وأدوه: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} فهذا أمره وهذه إرادته لعباده. والله ـ تعالى ـ لا يأمر الناس بأمر يعلم أنه منعهم خلقة من القدرة عليه، أو دفعهم قسراً إلى مخالفته. وآية عدم رضاه عن مخالفة أمره هذا ما أخذ به المكذبين {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}. إنما شاءت إرادة الخالق الحكيم أن يخلق البشر باستعداد للهدى وللضلال، وأن يدع مشيئتهم حرة في اختيار أي الطريقين؛ ومنحهم بعد ذلك العقل يرجحون به أحد الاتجاهين، بعد ما بث في الكون من آيات الهدى ما يلمس العين والأذن والحس والقلب والعقل حيثما اتجهت آناء الليل وأطراف النهار.. ثم شاءت رحمة الله بعباده بعد هذا كله ألا يدعهم لهذا العقل وحده، فوضع لهذا العقل ميزاناً ثابتاً في شرائعه التي جاءت بها رسله، يثوب إليه العقل كلما غم عليه الأمر، ليتأكد من صواب تقديره أو خطئه عن طريق الميزان الثابت الذي لا تعصف به الأهواء.. ولم يجعل الرسل جبارين يلوون أعناق الناس إلى الإيمان، ولكن مبلغين ليس عليهم إلا البلاغ، يأمرون بعبادة الله وحده واجتناب كل ما عداه من وثنية وهوى وشهوة وسلطان: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}.. ففريق استجاب {فمنهم من هدى الله} وفريق شرد في طريق الضلال {ومنهم من حقت عليه الضلالة}.. وهذا الفريق وذلك كلاهما لم يخرج على مشيئة الله، وكلاهما لم يقسره الله قسراً على هدى أو ضلال، إنما سلك طريقه الذي شاءت إرادة الله أن تجعل إرادته حرة في سلوكه، بعد ما زودته بمعالم الطريق في نفسه وفي الآفاق. كذلك ينفي القرآن الكريم بهذا النص وهم الإجبار الذي لوح به المشركون، والذي يستند إليه كثير من العصاة والمنحرفين. والعقيدة الإسلامية عقيدة ناصعة واضحة في هذه النقطة. فالله يأمر عباده بالخير وينهاهم عن الشر، ويعاقب المذنبين أحياناً في الدنيا عقوبات ظاهرة يتضح فيها غضبه عليهم. فلا مجال بعد هذا لأن يقال: إن إرادة الله تتدخل لترغمهم على الانحراف ثم يعاقبهم عليه الله! إنما هم متروكون لاختيار طريقهم وهذه هي إرادة الله. وكل ما يصدر عنهم من خير أو شر. من هدى ومن ضلال. يتم وفق مشيئة الله على هذا المعنى الذي فصلناه. ومن ثم يعقب على هذا بخطاب إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقرر سنة الله في الهدى والضلال: {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين}. فليس الهدى أو الضلال بحرص الرسول على هدى القوم أو عدم حرصه، فوظيفته البلاغ. أما الهدى أو الضلال فيمضي وفق سنة الله وهذه السنة لا تتخلف ولا تتغير عواقبها، فمن أضله الله لأنه استحق الضلال وفق سنة الله، فإن الله لا يهديه، لأن لله سننا تعطي نتائجها. وهكذا شاء. والله فعال لما يشاء. {وما لهم من ناصرين} ينصرونهم من دون الله. ومقولة ثالثة من مقولات المنكرين المستكبرين: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت. بلى. وعداً عليه حقاً، ولـكن أكثر الناس لا يعلمون. ليبين لهم الذي يختلفون فيه، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له: كن. فيكون}.. ولقد كانت قضية البعث دائماً هي مشكلة العقيدة عند كثير من الأقوام منذ ان أرسل الله رسله للناس، يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، ويخوفونهم حساب الله يوم البعث والحساب. وهؤلاء المشركون من قريش أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت! فهم يقرون بوجود الله ولكنهم ينفون عنه بعث الموتى من القبور. يرون هذا البعث أمراً عسيراً بعد الموت والبلى وتفرق الأشلاء والذرات!. وغفلوا عن معجزة الحياة الأولى.. وغفلوا عن طبيعة القدرة الإلهية، وأنها لا تقاس إلى تصورات البشر وطاقتهم. وأن إيجاد شيء لا يكلف تلك القدرة شيئا؛ فيكفي أن تتوجه الإرادة إلى كون الشيء ليكون. وغفلوا كذلك عن حكمة الله في البعث. وهذه الدنيا لا يبلغ أمر فيها تمامه. فالناس يختلفون حول الحق والباطل، والهدى والضلال، والخير والشر. وقد لا يفصل بينهم فيما يختلفون فيه في هذه الأرض لأن إرادة الله شاءت أن يمتد ببعضهم الأجل، وألا يحل بهم عذابه الفاصل في هذه الديار. حتى يتم الجزاء في الآخرة ويبلغ كل أمر تمامه هناك. والسياق يرد على تلك المقولة الكافرة، ويكشف ما يحيط بها في نفوس القوم من شبهات فيبدأ بالتقرير: {بلى. وعداً عليه حقاً} ومتى وعد الله فقد كان ما وعد به لا يتخلف بحال من الأحوال {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} حقيقة وعد الله. وللأمر حكمته: {ليبين لهم الذي يختلفون فيه، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} فيما ادعوا أنهم على الهدى؛ وفيما زعموا من كذب الرسل، ومن نفي الاخرة؛ وفيما كانوا فيه من اعتقاد ومن فساد. والأمر بعد ذلك هين: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له: كن. فيكون}.. والبعث شيء من هذه الأشياء يتم حالما تتوجه إليه الإرادة دون إبطاء. وهنا يعرض في الجانب المقابل للمنكرين الجاحدين، لمحة عن المؤمنين المصدقين، الذين يحملهم يقينهم في الله والآخرة على هجر الديار والأموال، في الله، وفي سبيل الله: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة، ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون. الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون}.. فهؤلاء الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم، وتعروا عما يملكون وعما يحبون، وضحوا بدارهم وقرب عشيرتهم والحبيب من ذكرياتهم.. هؤلاء يرجون في الآخرة عوضا عن كل ما خلفوا وكل ما تركوا. وقد عانوا الظلم وفارقوه. فإذا كانوا قد خسروا الديار فـ {لنبوّئنهم في الدنيا حسنة} ولنسكننهم خيرا مما فقدوا {ولأجر الآخرة أكبر} لو كان الناس يعلمون. هؤلاء {الذين صبروا} واحتملوا ما احتملوا {وعلى ربهم يتوكلون} لا يشركون به أحدا في الاعتماد والتوجه والتكلان. ثم يعود السياق إلى بيان وظيفة الرسل التي أشار عليها عند الرد على مقولة المشركين عن إرادة الله الشرك لهم ولآبائهم. يعود إليها لبيان وظيفة الرسول الأخير ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وما معه من الذكر الأخير. وذلك تمهيدا لإنذار المكذبين به ما يتهددهم من هذا التكذيب: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. بالبينات والزبر، وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون}.. وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً.. لم نرسل ملائكة، ولم نرسل خلقاً آخر. رجالاً مختارين {نوحي إليهم} كما أوحينا إليك، ونكل إليهم التبليغ كما وكلنا إليك. {فاسألوا أهل الذكر} أهل الكتاب الذين جاءتهم الرسل من قبل، أكانوا رجالا أم كانوا ملائكة أم خلقا آخر. اسألوهم {إن كنتم لا تعلمون}. أرسلناهم بالبينات وبالكتب (والزبر الكتب المتفرقة) {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} سواء منهم السابقون أهل الكتاب الذين اختلفوا في كتابهم، فجاء القرآن ليفصل في هذا الخلاف، وليبين لهم وجه الحق فيه. أو المعاصرون الذين جاءهم القرآن والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبينه لهم ويشرحه بفعله وقوله {ولعلهم يتفكرون} في آيات الله وآيات القرآن فإنه يدعو دائماً إلى التفكر والتدبر، وإلى يقظة الفكر والشعور. ويختم هذا الدرس الذي بدأه بالإشارة إلى الذين يستكبرون ويمكرون.. ينتهي بلمسة وجدانية بعد لمسة: أولاهما للتخويف من مكر الله الذي لا يأمنه أحد في ساعة من ليل أو نهار. والثانية لمشاركة هذا الوجود في عبادة الله وتسبيحه. فليس إلا الإنسان هو الذي يستكبر ويمكر. وكل ما حوله يحمد ويسبح. {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض، أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون؟ أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين. أو يأخذهم على تخوف. فإن ربكم لرؤوف رحيم}. {أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله وهم داخرون}؟ {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة، والملائكة، وهم لا يستكبرون، يخافون ربهم من فوقهم، ويفعلون ما يؤمرون}.. وأعجب العجب في البشر أن يد الله تعمل من حولهم، وتأخذ بعضهم أخذ عزيز مقتدر، فلا يغني عنهم مكرهم وتدبيرهم. ولا تدفع عنهم قوتهم وعلمهم ومالهم.. وبعد ذلك يظل الذين يمكرون يمكرون، ويظل الناجون آمنين لا يتوقعون ان يؤخذوا كما أخذ من قبلهم ومن حولهم، ولا يخشون أن تمتد إليهم يد الله في صحوهم أو في منامهم، في غفلتهم أو في استيقاظهم والقرآن الكريم يلمس وجدانهم من هذا الجانب ليثير حساسيتهم للخطر المتوقع، الذي لا يغفل عنه إلا الخاسرون: {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون}؟. أو يأخذهم وهم يتقلبون في البلاد، من بلد إلى بلد للتجارة والسياحة، {فما هم بمعجزين} لله، ولا يبعد عليه مكانهم في حل أو ترحال. {أو يأخذهم على تخوف} فإن يقظتهم وتوقعهم لا يرد يد الله عنهم فهو قادر على أخذهم وهم متأهبون قدرته على أخذهم وهم لا يشعرون؟ ولكن الله رؤوف رحيم. أفأمن الذين مكروا السيئات أن يأخذهم الله؟ فهم لاجون في مكرهم سادرون في غيهم لا يثوبون ولا يتقون. ذلك والكون من حولهم بنواميسه وظواهره يوحي بالايمان، ويوحي بالخشوع: {أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله وهم داخرون}.. ومشهد الظلال تمتد وتتراجع، تثبت وتتمايل، مشهد موح لمن يفتح قلبه، ويوقظ حسه، ويتجاوب مع الكون حوله. والسياق القرآني يعبر عن خضوع الأشياء لنواميس الله بالسجود ـ وهو أقصى مظاهر الخضوع ـ ويوجه إلى حركة الظلال المتفيئة ـ أي الراجعة بعد امتداد ـ وهي حركة لطيفة خفيفة ذات دبيب في المشاعر وئيد عميق. ويرسم المخلوقات داخرة أي خاضعة خاشعة طائعة. ويضم إليها ما في السماوات وما في الأرض من دابة. ويضيف إلى الحشد الكوني.. الملائكة فإذا مشهد عجيب من الأشياء والظلال والدواب. ومعهم الملائكة. في مقام خشوع وخضوع وعبادة وسجود. لا يستكبرون عن عبادة الله ولا يخالفون عن أمره. والمنكرون المستكبرون من بني الإنسان وحدهم شواذ في هذا المقام العجيب. وبهذا المشهد يختم الدرس الذي بدأ بالإشارة إلى المنكرين المستكبرين، ليفردهم في النهاية بالإنكار والاستكبار في مشهد الوجود..

ابن عاشور

تفسير : استئناف نتيجةً لحاصل المحاجّة الماضية، أي قد ثبت بما تقدّم إبطال إلهية غير الله، فثبت أن لكم إلهاً واحداً لا شريك له، ولكون ما مضى كافياً في إبطال إنكارهم الوحدانية عُرّيت الجملة عن المؤكّد تنزيلاً لحال المشركين بعدما سمعوا من الأدلّة منزلة من لا يظن به أنه يتردّد في ذلك بخلاف قوله تعالى: {أية : وإلٰهكم إلٰه واحد} تفسير : في سورة البقرة (163) خطاب لأهل الكتاب. وتفرّع عليه الإخبار بجملة {فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة}، وهو تفريع الأخبار عن الأخبار، أي يتفرّع على هذه القضية القاطعة بما تقدّم من الدّلائل أنكم قلوبكم منكرة وأنتم مستكبرون وأن ذلك ناشىء عن عدم إيمانكم بالآخرة. والتعبير عن المشركين بالموصول وصلته «الذين لا يؤمنون بالآخرة» لأنهم قد عُرفوا بمضمون الصّلة واشتهروا بها اشتهارَ لمز وتنقيص عند المؤمنين، كقوله: {أية : وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا} تفسير : [سورة الفرقان: 21]، وللإيماء إلى أن لهذه الصّلة ارتباطاً باستمرارهم على العناد، لأن انتفاء إيمانهم بالبعث والحساب قد جرّأهم على نبذ دعوة الإسلام ظهرياً فلم يتوقعوا مؤاخذة على نبذها، على تقدير أنها حقّ فينظروا في دلائل أحقّيتها مع أنهم يؤمنون بالله ولكنّهم لا يؤمنون بأنه أعدّ للناس يوم جزاء على أعمالهم. ومعنى {قلوبهم منكرة} جاحدة بما هو واقع. استعمل الإنكار في جحد الأمر الواقع لأنه ضدّ الإقرار. فحذف متعلق {منكرة} لدلالة المقام عليه، أي منكرة للوحدانية. وعبر بالجملة الاسمية {قلوبهم منكرة} للدلالة على أن الإنكار ثابت لهم دائم لاستمرارهم على الإنكار بعد ما تبين من الأدلّة. وذلك يفيد أن الإنكار صار لهم سجيّة وتمكّن من نفوسهم لأنهم ضروا به من حيث إنهم لا يؤمنون بالآخرة فاعتادوا عدم التبصّر في العواقب. وكذلك جملة {وهم مستكبرون} بنيت على الاسمية للدّلالة على تمكّن الاستكبار منهم. وقد خولف ذلك في آية سورة الفرقان (21) {أية : لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً} تفسير : لأن تلك الآية لم تتقدّمها دلائل على الوحدانية مثل الدلائل المذكورة في هذه الآية. وجملة {لا جرم أن الله يعلم} معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. والجَرم ــــ بالتحريك ــــ: أصلهُ البُدُّ. وكثر في الاستعمال حتى صار بمعنى حَقّاً. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون} تفسير : في سورة هود (22). وقوله: {أن الله يعلم} في موضع جرّ بحرف جرّ محذوف متعلق بــــ{جَرَم}. وخبر {لا} النافية محذوف لظهوره، إذ التقدير: لا جرم موجودٌ. وحذْف الخبر في مثله كثير. والتقدير: لا جرم في أن الله يعلم أو لا جرم من أنه يعلم، أي لا بدّ من أنه يعلم، أي لا بدّ من علمه، أي لا شكّ في ذلك. وجملة {أن الله يعلم} خبر مستعمل كناية عن الوعيد بالمؤاخذة بما يخفون وما يظهرون من الإنكار والاستكبار وغيرهما بالمُؤاخذة بما يخفون وما يظهرون من الإنكار والاستكبار وغيرهما مؤاخذةَ عقاب وانتقام، فلذلك عقب بجملة {إنه لا يحب المستكبرين} الواقعةِ موقع التعليل والتذييل لها، لأن الذي لا يحب فعلاً وهو قادرٌ يجازي فاعله بالسّوء. والتعريف في {المستكبرين} للاستغراق، لأن شأن التذييل العموم. ويشمل هؤلاء المتحدّث عنهم فيكون إثبات العقاب لهم كإثبات الشيء بدليله.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَاحِدٌ} {بِٱلآخِرَةِ} (22) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ أَنَّ إِلهَهُمْ وَاحِدٌ، وَهُوَ اللهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ، أَمَّا الكَافِرُونَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالآخِرَةِ، فَتَنْكُرُ قُلُوبُهُمْ وَحْدَانِيَّةَ اللهِ، وَتَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَتَجْحَدُ قُلُوبُهُمْ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ تَعَالَى مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَإِبْدَاعِهِ، وَفَضْلِهِ عَلَى العِبَادِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقَوْله الحق: {إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ ..} [النحل: 22]. تمنع أنْ يكونَ هناك أفراد غيره مثله، وقد يتصوَّر البعض أنها تُساوي كلمة "أحد". وأقول: إن كلمة "أحد" هي منع أن يكونَ له أجزاء؛ فهو مُنزَّه عن التَّكْرار أو التجزيء. وفي هذا القول طَمْأنةٌ للمؤمنين بأنهم قد وصلوا إلى قِمَّة الفهم والاعتقاد بأن الله واحد. أو: هو يُوضِّح للكافرين أن الله واحدٌ رغم أنوفكم، وستعودون إليه غَصْباً، وبهذا القول يكشف الحق سبحانه عن الفطرة الموجودة في النفس البشرية التي شهدتْ في عالم الذَّرِّ أن الله واحد لا شريك له، وأن القيامة والبعث حَقٌّ. ولكن الذين لا يؤمنون بالله وبالآخرة هم مَنْ ستروا عن أنفسهم فطرتهم، فكلمة الكفر كما سبق أنْ قلنا هي ستر يقتضي مستوراً، والكفر يستر إيمانَ الفطرة الأولى. والذين يُنكرون الآخرة إنما يَحْرِمون أنفسهم من تصوُّر ما سوف يحدث حَتْماً؛ وهو الحساب الذي سيجازي بالثواب والحسنات على الأفعال الطيبة، ولعل سيئاتهم تكون قليلة؛ فيجبُرها الحق سبحانه لهم وينالون الجنة. والمُسْرِفون على أنفسهم؛ يأملون أن تكون قضيةُ الدين كاذبة، لأنهم يريدون أن يبتعدوا عن تصوُّر الحساب، ويتمنَّوْنَ ألاَّ يوجدَ حساب. ويَصِفُهم الحق سبحانه: {قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 22]. أي: أنهم لا يكتفُون بإنكار الآخرة فقط؛ بل يتعاظمون بدون وجه للعظمة. و"استكبر" أي: نصَّب من نفسه كبيراً دون أنْ يملكَ مُقوِّمات الكِبر، ذلك أن "الكبير" يجب أن يستندَ لِمُقوِّمات الكِبَر؛ ويضمن لنفسه أنْ تظلَّ تلك المُقوِّمات ذاتيةً فيه. ولكِنَّا نحن البشر أبناءُ أغيارٍ؛ لذلك لا يصِحُّ لنا أنْ نتكَبَّر؛ فالواحد مِنَّا قد يمرض، أو تزول عنه أعراض الثروة أو الجاه، فصفات وكمالات الكبر ليست ذاتية في أيٍّ مِنَّا؛ وقد تُسلب ممَّنْ فاء الله عليه بها؛ ولذلك يصبح من اللائق أن يتواضعَ كُلٌّ مِنَّا، وأنْ يستحضرَ ربَّه، وأنْ يتضاءلَ أمام خالقه. فالحق سبحانه وحده هو صاحب الحق في التكبُّر؛ وهو سبحانه الذي تبلغ صفاته ومُقوِّماته منتهى الكمال، وهي لا تزول عنه أبداً. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ ...}.