Verse. 1925 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَاِذَا قِيْلَ لَہُمْ مَّاذَاۗ اَنْزَلَ رَبُّكُمْ۝۰ۙ قَالُوْۗا اَسَاطِيْرُ الْاَوَّلِيْنَ۝۲۴ۙ
Waitha qeela lahum matha anzala rabbukum qaloo asateeru alawwaleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل في النضر بن الحارث «وإذا قيل لهم ما» استفهامية «ذا» موصولة «أنزل ربكم» على محمد «قالوا» هو «أساطير» أكاذيب «الأولين» إضلالاً للناس.

24

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد وأورد الدلائل القاهرة في إبطال مذاهب عبدة الأصنام، ذكر بعد ذلك شبهات منكري النبوة مع الجواب عنها. فالشبهة الأولى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما احتج على صحة نبوة نفسه بكون القرآن معجزة طعنوا في القرآن وقالوا: إنه أساطير الأولين، وليس هو من جنس المعجزات، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن ذلك السائل من كان؟ قيل هو كلام بعضهم لبعض، وقيل هو قول المسلمين لهم، وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: كيف يكون تنزيل ربهم أساطير الأولين؟ وجوابه من وجوه: الأول: أنه مذكور على سبيل السخرية كقوله تعالى عنهم: { أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لمجنون } تفسير : [الشعراء: 27]، وقوله: { أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الحجر: 6] وقوله: { أية : يأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ } تفسير : [الزخرف: 49]. الثاني: أن يكون التقدير هذا الذي تذكرون أنه منزل من ربكم هو أساطير الأولين. الثالث: يحتمل أن يكون المراد أن هذا القرآن بتقدير أن يكون مما أنزله الله لكنه أساطير الأولين ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والدقائق والحقائق. واعلم أنه تعالى لما حكى شبههم قال: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } اللام في ليحملوا لام العاقبة، وذلك أنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير الأولين لأجل أن يحملوا الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن ذكر هذه اللام كقوله: { أية : فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ } تفسير : [القصص: 8] وقوله: {كَامِلَةٌ } معناه: أنه تعالى لا يخفف من عقابهم شيئاً، بل يوصل ذلك العقاب بكليته إليهم، وأقول: هذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين، إذ لو كان هذا المعنى حاصلاً في حق الكل، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل معنى، وقوله: {وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ } معناه: ويحصل للرؤساء مثل أوزار الأتباع، والسبب فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : أيما داع دعا إلى الهدى فاتبع كان له مثل أجر من اتبعه لا ينقص من أجورهم شيء وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع كان عليه مثل وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء » تفسير : . واعلم أنه ليس المراد منه أنه تعالى يوصل العقاب الذي يستحقه الأتباع إلى الرؤساء، وذلك لأن هذا لا يليق بعدل الله تعالى، والدليل عليه قوله تعالى: { أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } تفسير : [النجم: 39] وقوله: { أية : وَلاَ تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [الإسراء: 15] بل المعنى: أن الرئيس إذا وضع سنة قبيحة عظم عقابه، حتى أن ذلك العقاب يكون مساوياً لكل ما يستحقه كل واحد من الأتباع، قال الواحدي: ولفظه: {مِنْ } في قوله: {وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ } ليست للتبعيض، لأنها لو كانت للتبعيض لخف عن الأتباع بعض أوزارهم، وذلك غير جائز، لقوله عليه السلام: « حديث : من غير أن ينقص من أوزارهم شيء » تفسير : . ولكنها للجنس، أي ليحملوا من جنس أوزار الأتباع. وقوله: {بِغَيْرِ عِلْمٍ } يعني أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال ثم إنه تعالى ختم الكلام بقوله: {أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ } والمقصود المبالغة في الزجر. فإن قيل: إنه تعالى لما حكى عن القوم هذه الشبهة لم يجب عنها، بل اقتصر على محض الوعيد؛ فما السبب فيه؟ قلنا: السبب فيه أنه تعالى بين كون القرآن معجزاً بطريقين: الأول: أنه صلى الله عليه وسلم تحداهم بكل القرآن، وتارة بعشر سور، وتارة بسورة واحدة، وتارة بحديث واحد، وعجزوا عن المعارضة، وذلك يدل على كونه معجزاً. الثاني: أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها في آية أخرى وهو قوله: { أية : ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } تفسير : [الفرقان: 5] وأبطلها بقوله: { أية : قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسّرَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الفرقان: 6] ومعناه أن القرآن مشتمل على الأخبار عن الغيوب، وذلك لا يتأتى إلا ممن يكون عالماً بأسرار السموات والأرض، فلما ثبت كون القرآن معجزاً بهذين الطريقين، وتكرر شرح هذين الطريقين مراراً كثيرة لا جرم اقتصر في هذه الآية على مجرد الوعيد ولم يذكر ما يجري مجرى الجواب عن هذه الشبهة، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} يعني وإذا قيل لمن تقدم ذكره ممن لا يؤمن بالآخرة وقلوبهم منكرة بالبعث «ماذا أنزل ربكم». قيل: القائل النضر بن الحارث، وأن الآية نزلت فيه، وكان خرج إلى الحِيرة فاشترى أحاديث (كَلِيلة ودِمْنة) فكان يقرأ على قريش ويقول: ما يقرأ محمد على أصحابه إلا أساطير الأولين؛ أي ليس هو من تنزيل ربّنا. وقيل: إن المؤمنين هم القائلون لهم اختباراً فأجابوا بقولهم: «أساطِير الأوّلِين» فأقرّوا بإنكار شيء هو أساطير الأوّلين. والأساطير: الأباطيل والتُّرَّهات. وقد تقدّم في الأنعام. والقول في «ماذا أنزل ربكم» كالقول في {أية : مَاذَا يُنْفِقُونَ} تفسير : [البقرة: 215] وقوله: {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} خبر ابتداء محذوف، التقدير: الذي أنزله أساطير الأولين.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ } القائل بعضهم على التهكم أو الوافدون عليهم أو المسلمون. {قَالُواْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } أي ما تدعون نزوله، أو المنزل أساطير الأولين، وإنما سموه منزلاً على التهكم أو على الفرض أي على تقدير أنه منزل فهو أساطير الأولين لا تحقيق فيه، والقائلون قيل هم المقتسمون.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: وإذا قيل لهؤلاء المكذبين: {مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوۤاْ} معرضين عن الجواب {أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي: لم ينزل شيئاً، إنما هذا الذي يتلى علينا أساطير الأولين، أي: مأخوذ من كتب المتقدمين؛ كما قال تعالى: { أية : وَقَالُوۤاْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الفرقان: 5] أي: يفترون على الرسول، ويقولون أقوالاً متضادة مختلفة، كلها باطلة، كما قال تعالى: {أية : ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلاَْمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 48] وذلك أن كل من خرج عن الحق، فمهما قال، أخطأ، وكانوا يقولون: ساحر وشاعر وكاهن ومجنون، ثم استقر أمرهم إلى ما اختلقه لهم شيخهم الوحيد المسمى بالوليد بن المغيرة المخزومي لما {أية : فَكَّر وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ} تفسير : [المدثر:18-24] أي: ينقل ويحكى، فتفرقوا عن قوله ورأيه قبحهم الله، قال تعالى: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: إنما قدرنا عليهم أن يقولوا ذلك؛ ليتحملوا أوزارهم ومن أوزار الذين يتبعونهم ويوافقونهم، أي: يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم، وخطيئة إغوائهم لغيرهم واقتداء أولئك بهم، كما جاء في الحديث «حديث : من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» تفسير : وقال تعالى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْـئَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } تفسير : [العنكبوت: 13] وهكذا روى العوفي عن ابن عباس في الآية: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أنها كقوله: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 13] وقال مجاهد: يحملون أثقالهم: ذنوبهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف عمن أطاعهم من العذاب شيئاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل في النضر بن الحارث: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّا } استفهامية {ذَا } موصولة {أَنزَلَ رَبُّكُمْ } على محمد؟{قَالُواْ } هو {أَسَٰطِيرُ } أكاذيب {ٱلأَوَّلِينَ } إضلالاً للناس.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وإذا قيل لهم} يعني لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم كفار مكة الذين اقتسموا عقابها، وطرقها إذا سألهم الحاج الذين يقدمون عليهم {ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} يعني أحاديثهم وأباطيلهم {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة} اللام في ليحملوا لام العاقبة وذلك أنهم وصفوا القرآن بكونه أساطير الأولين، كانت عاقبتهم بذلك أن يحملوا أوزارهم يعني ذنوب أنفسهم وإنما قال سبحانه وتعالى: كاملة لأن البلايا التي أصابتهم في الدنيا وأعمال البر التي عملوها في الدنيا، لا تكفر عنهم شيئاً يوم القيام بل يعاقبون بكل أوزارهم قال الإمام فخر الدين: وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين، إذ لو كان هذا المعنى حاصلاً في حق الكل، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة. وقوله سبحانه وتعالى {ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} يعني ويحصل للرؤساء الذين أضلوا غيرهم وصدوهم عن الإيمان، مثل أجور الاتباع والسبب فيه ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً" تفسير : أخرجه مسلم ومعنى الآية، والحديث أن الرئيس أو الكبير إذا سنَّ سنه حسنة أو سنة قبيحة، فتبعه عليها جماعة، فعملوا بها فإن الله سبحانه وتعالى يعظم ثوابه أو عقابه حتى يكون ذلك الثواب أو العقاب مساوياً لكل ما يستحقه كل واحد من الأتباع، الذين عملوا بسنته الحسنة أو القبيحة، وليس المراد أن الله تعالى: يوصل جميع الثواب أو العقاب الذي يستحقه الأتباع إلى الرؤساء، لأن ذلك ليس بعدل ويدل عليه قوله تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى، وقوله تعالى: {أية : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}تفسير : [النجم: 39]. قال الواحدي: ولفظة من في قوله ومن أوزار الذين يضلونهم، بغير علم ليست للتبعيض لأنها لو كانت للتبعيض لنقص عن الأتباع بعض الأوزار، وذلك غير جائز لقوله عليه الصلاة والسلام "حديث : لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً"تفسير : ، ولكنها للجنس أي لحملوا من جنس أوزار الأتباع وقوله: بغير علم يعني أن الرؤساء إنما يقدمون على إضلال غيرهم، بغير علم، بما يستحقونه من العقاب، على ذلك الإضلال بل يقدمون على ذلك جهلاً منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد. {ألا ساء ما يزرون} يعني ألا بئس ما يحملون ففيه وعيد وتهديد. قوله سبحانه وتعالى {قد مكر الذين من قبلهم} يعني من قبل كفار قريش وهو نمروذ بن كنعان الجبار، وكان أكبر ملوك الأرض في زمن إبراهيم صلى الله عليه وسلم وكان من مكره أنه بنى صرحاً ببابل ليصعد إلى السماء، ويقاتل أهلها في زعمه. قال ابن عباس: وكان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع. وقال كعب ومقاتل: كان طوله فرسخين فهبت ريح فقصفته وألقت رأسه في البحر وخر عليهم الباقي فأهلكهم وهم تحته ولما سقط تبلبلت ألسنة الناس من الفزع فتكلموا يومئذ بثلاثة وسبعين لساناً، فلذلك سميت بابل وكان لسان الناس قبل ذلك السريانية قلت هكذا ذكره البغوي وفي هذا نظر لأن صالحاً عليه السلام كان قبلهم وكان يتكلم بالعربية، وكان أهل اليمن عرباً منهم جرهم الذي نشأ إسماعيل بينهم، وتعلم منهم العربية كانت قبائل العرب قديمة قبل إبراهيم عليه السلام, مثل طسم وجديس وكل هؤلاء عرب تكلموا في قدم الزمان بالعربية، ويدل على صحة هذا قوله: ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى والله أعلم. وقيل: حمل قوله قد مكر الذين من قبلهم على العموم أولى فتكون الآية عامة في جميع الماكرين المبطلين الذي يحاولون إلحاق الضرر والمكر بالغير، وقوله سبحانه وتعالى {فأتى الله بنيانهم من القواعد} يعني قصد تخريب بنيانهم من أصوله، وذلك بأن أتاهم بريح قصفت بنيانهم من أعلى، وأتاهم بزلازل قلعت بنيانهم من قواعده وأساسه، هذا إذا حملنا تفسير الأية على القول الأول، وهو ظاهر اللفظ وإن حملنا تفسير الآية على القول الثاني: وهو حملها على العموم كان المعنى أنهم لما رتبوا منصوبات ليمكروا بها على أنبياء الله وأهل الحق من عباده أهلكهم الله تعالى، وجعل هلاكهم مثل هلاك بنوا بنياناً وثيقاً شديداً ودعموه بالأساطين فانهدم ذلك البنيان، وسقط عليهم فأهلكهم فهو مثل ضربه الله سبحانه وتعالى لمن مكر بآخر فأهلكه الله بمكره، ومنه المثل السائر على ألسنة الناس: من حفر بئراً لأخيه أوقعه الله فيه. وقوله تعالى {فخرّ عليهم السقف من فوقهم} يعني سقط عليهم السقف فأهلكهم وقوله: من فوقهم للتأكيد لأن السقف لا يخر إلا من فوقهم. وقيل: يحتمل أنهم لم يكونوا تحت السقف عند سقوطه، فلما قال من فوقهم على أنهم كانوا تحته، وأنه لما خر عليهم أهلكوا وماتوا تحته تحت السقف عند سقوطه، فلما قال من فوقهم على أنهم كانوا تحته، وأنه لما خر عليهم أهلكوا وماتوا تحته {وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} يعني في مأمنهم، وذلك أنهم لما اعتمدوا على قوة بنيانهم، وشدته كان ذلك البنيان سبب هلاكهم {ثم يوم القيامة يخزيهم} يعني يهينهم بالعذاب، وفيه إشارة بأن العذاب يحصل لهم في الدنيا والآخرة لأن الخزي هو العذاب مع الهوان {ويقول} يعني ويقول: الله لهم يوم القيامة {أين شركائي} يعني في زعمكم واعتقادكم {الذين كنتم تشاقون فيهم} يعني كنتم تعادون وتخالفون المؤمنين وتخاصمونهم في شأنهم لأن المشاقة عبارة عن كون كل واحد من الخصمين في شق غير شق صاحبه، والمعنى: ما لهم لا يحضرون معكم ليدفعوا عنكم ما نزل بكم من العذاب والهوان {قال الذين أوتوا العلم} يعني المؤمنين وقيل الملائكة {إن الخزي} يعني الهوان {اليوم} يعني في هذا اليوم وهو يوم القيامة {والسوء} يعني العذاب {على الكافرين} وإنما يقول المؤمنون: هذا يوم القيامة لأن الكفار كانوا يستهزئون بالمؤمنين في الدنيا، وينكرون عليهم أحوالهم فإذا كان يوم القيامة ظهر أهل الحق، وأُكرموا بأنواع الكرامات وأهين أهل الباطل وعذبوا بأنواع العذاب فعند ذلك يقول المؤمنون: إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين وفائدة هذا القول إظهار الشماتة بهم فيكون أعظم في الهوان, والخزي قوله تعالى {الذين تتوفاهم الملائكة} تقبض أرواحهم الملائكة، وهم ملك الموت وأعوانه {ظالمي أنفسهم} يعني بالكفر {فألقوا السلم} يعني أنهم استسلموا وانقادوا لأمر الله الذي نزل بهم وقالوا {ما كنا نعمل من سوء} يعني شركاً وإنما قالوا: ذلك من شدة الخوف {بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون} يعني فلا فائدة لكم في إنكاركم. قال عكرمة: عنى بذلك ما حصل من الكفار يوم بدر {فادخلوا} أي فيقال لهم ادخلوا {أبواب جهنم خالدين فيها} يعني مقيمين فيها لا يخروجون منها. وإنما قال ذلك لهم ليكون أعظم في الغم والحزن، وفيه دليل على أن الكفار بعضهم أشد عذاباً من بعض {فلبئس مثوى المتكبرين} يعني عن الإيمان قوله عز وجل {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً} وذلك أن أحياء العرب كانوا يبعثون إلى مكة أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاء الوافد سأل الذين كانوا يقعدون على طرقات مكة من الكفار, فيقولون: هو ساحر كاهن شاعر كذاب مجنون وإذا لم تلقه خير لك. فيقول الوافد: أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي من دون أن أدخل مكة فألقاه فيدخل مكة، فيرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسألهم عنه فيخبرونه بصدقه، وأمانته وأنه نبي مبعوث من الله عز وجل، فذلك قوله سبحانه وتعالى: وقيل الذين اتقوا يعني اتقوا الشرك، وقول الزور والكذب ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: خيراً يعني أنزل خيراً فان قلت لم رفع الأول وهو قوله: أساطير الأولين ونصب الثاني، وهو قوله قالوا خيراً قلت ليحصل الفرق بين الجوابين جواب المنكر الجاحد، وجواب المقر المؤمن وذلك أنهم لما سألوا الكفار عن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير الأولين وليس هو من الإنزال في شيء لأنهم لم يعتقدوا كونه منزلاً, ولما سألوا المؤمنين على المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بيّناً مكشوفاً معقولاً للإنزال فقالوا: خيراً أي أنزل خيراً، وتم الكلام عند قوله خيراً فهو، وقف تام ثم ابتدأ بقوله تعالى {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} يعني الذين أتوا بالأعمال الصالحة الحسنة ثوابها حسنة مضاعفة من الواحد إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وقال الضحاك: هي النصر والفتح. وقال مجاهد: هي الرزق الحسن. فعلى هذا يكون معنى الآية للذين أحسنوا ثواب إحسانهم في هذه الدنيا حسنة، وهي النصر والفتح والرزق الحسن، وغير ذلك مما أنعم الله به على عباده في الدنيا، ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى {ولدار الآخرة خير} يعني ما لهم في الآخرة مما أعد الله لهم في الجنة خير مما يحصل لهم في الدنيا {ولنعم دار المتقين} يعني الجنة وقال الحسن: هي الدنيا لأن أهل التقوى يتزودون منها إلى الآخرة والقول الأول أولى هو قول جمهور المفسرين لأن الله فسر هذه الدار بقوله {جنَّات عدن} يعني بساتين إقامة من قولهم: عدنَ بالمكان، أي أقام به {يدخلونها} يعني تلك الجنات لا يرحلون عنها ولا يخرجون منها {تجري من تحتها الأنهار} يعني تجري الأنهار في هذه الجنات من تحت دور أهلها وقصورهم ومساكنهم {لهم فيها} يعني في الجنات {ما يشاؤون} يعني ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين مع زيادات غير ذلك، وهذه الحالة لا تحصل لأحد إلا في الجنة لأن قوله فيها ما يشاؤون لا يفيد الحصر، وذلك يدل على أن الإنسان لا يجد كل ما يريد في الدنيا {كذلك يجزي الله المتقين} أي هكذا يكون جزاء المتقين، ثم عاد إلى وصف المتقين فقال تعالى {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} يعني مؤمنين طاهرين من الشرك. قال مجاهد: زاكية أقوالهم وأفعالهم وقيل: إن قوله طيبين كلمة جامعة لكل معنى حسن فيدخل فيه أنهم، أتوا بكل ما أمروا به من فعل الخيرات والطاعات, واجتنبوا كل ما نهوا عنه من المكروهات، والمحرمات مع الأخلاق الحسنة والخصال الحميدة، والمباعدة من الأخلاق المذمومة والخصال المكروهة القبيحة وقيل معناه إن أوقاتهم تكون طيبة سهلة لأنهم يبشرون عند قبض أرواحهم بالرضوان والجنة والكرامة، فيحصل لهم عند ذلك الفرح والسرور والابتهاج، فيسهل عليهم قبض أرواحهم ويطيب لهم الموت على هذه الحالة {يقولون} يعني الملائكة لهم {سلام عليكم} يعني تسلم عليهم الملائكة أو تبلغهم السلام من الله {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} يعني في الدنيا من الأعمال الصالحة. فإن قلت: كيف الجمع بين قوله تعالى ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون وبين قوله: صلى الله عليه وسلم "حديث : لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته"تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة؟ قلت: قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله في شرح مسلم. اعلم أن مذهب أهل السنة أنه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب ولا غيرها إلا بالشرع ومذهب أهل السنة أيضاً أن الله سبحانه وتعالى لا يجب عليه شيء بل العالم كله ملكه والدنيا والآخرة في سلطانه يفعل فيهما ما يشاء فلو عذب المطيعين والصالحين أجمعين، وأدخلهم النار كان ذلك عدلاً منه، وإذا أكرمهم ورحمهم وأدخلهم الجنة فهو فضل منه ولو نعم الكافرون، وأدخلهم الجنة كان ذلك له ومنه فضلاً، ولكنه سبحانه وتعالى أخبر وخبره صادق أنه لا يفعل هذا بل يغفر للمؤمنين، ويدخلهم الجنة برحمته ويعذب الكافرين ويدخلهم النار عدلاً منه. وأما المعتزلة فيثبتون الأحكام بالعقل، ويوجبون ثواب الأعمال ويوجبون الأصلح في خبط طويل لهم، تعالى الله عن اختراعاتهم الباطلة المنابذة لنصوص الشرع. وفي ظاهر الحديث دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته. وأما قوله سبحانه وتعالى: {أية : ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} تفسير : [النحل: 32]{أية : وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون}تفسير : [الزخرف: 72] ونحوها من الآيات التي تدل على أن الأعمال الصالحة يدخل بها الجنة، فلا تعارض بينها، وبين هذا الحديث بل معنى الآيات: أن دخول الجنة بسبب الأعمال والتوفيق للإخلاص فيها وقبولها برحمة الله تعالى وفضله فيصح أنه لم يدخل الجنة بمجرد العمل وهو مراد الحديث ويصح أنه دخل بالأعمال أي بسببها وهي من الرحمة، والفضل والمنة والله أعلم بمراده.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {شركاي} مثل {هداي} زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي. وقرأ الخزاز عن هبيرة {شركائي الذين} مرسلة الياء، الباقون بفتح الياء وكذلك في "الكهف" و"القصص". {تشاقون} بكسر النون: نافع، الآخرون بفتحها {تتوفاهم} وما بعده بالإمالة: حمزة وخلف {لا يهدي} بفتح الياء وكسر الدال: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون بضم الياء وفتح الدال. {كن فيكون} بالنصب: ابن عامر وعلي، الباقون بالرفع. الوقوف: {ربكم} لا لأن ما بعده جواب "إذا" {الأولين} ه لا لتعلق اللام {يوم القيامة} لا لأن قوله {ومن أوزار} مفعول {ليحملوا} ط {بغير علم} ط {ما يزرون} ه {لا يشعرون} ه {فيهم} ط {الكافرين} ه لا بناء على أن ما بعده صفة {أنفسهم} ص لطول الكلام {من سوء} ط {تعملون} ه {خالدين فيها} ط {المتكبرين} ه {أنزل ربكم} ط {خيراً} ط {حسنة} ط {خير} ط {المتقين} ه لا لأن ما بعده بدل {يشاءُون} ط {المتقين} ه {طيبين} ه لا لأن ما بعده حال آخر. {سلام عليكم} لا لأن قوله: {ادخلوا} مفعول {يقولون} {تعملون} ه {أمر ربك} ط {من قبلهم} ط {يظلمون} ه {يستهزءُون} ه {من شيء} الثاني ط {من قبلهم} ج للاستفهام مع الفاء {المبين} ه {الطاغوت} ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى {الضلالة} ط {المكذبين} ه {ناصرين} ه {أيمانهم} لا لأن ما بعده جواب القسم {يموت} ط {لا يعلمون} ه لا لتعلق لام كي {كاذبين} ه {فيكون} ه {حسنة} ط {أكبر} م لأن جواب "لو" محذوف أي لو كانوا يعلمون لما اختاروا الدنيا على الآخرة، ولو وصل لصار قوله: {ولأجر الآخرة} متعلقاً بشرط "أن" {لو كانوا يعلمون} وهو محال {يعلمون} ه لا بناء على أن {الذين صبروا} بدل {الذين هاجروا} {يتوكلون} ه. التفسير: لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد أراد أن يذكر شبهات منكري النبوة مع أجوبتها. فالشبهة الأولى أنهم طعنوا في القرآن وعدّوه من قبيل الأساطير. قال النحويون: "ماذا" منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزله ربكم، أو "ما" مبتدأ و "ذا" موصولة، والجملة صلتها، والمجموع خبر المبتدأ، وعلى التقديرين: فقوله: {أساطير الأوّلين} بالرفع ليس بجواب للكفار وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأوّلين والكفار لا يقرون بالإنزال فهو إذن كلام مستأنف أي ليس ما تدّعون إنزاله منزلاً بل هو أساطير الأولين. وقال في الكشاف: معناه المنزل أساطير الأوّلين وذكر في دفع التناقض أنه على السخرية كقوله: {أية : إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون}تفسير : [الشعراء: 27] وجوز كونه منصوباً ولم يقرأ به. واختلفوا في السائل فقيل: هو كلام بعضهم لبعض. وقيل: هو قول المسلمين لهم وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أحاديث الأوّلين وأباطيلهم، ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والحقائق والدقائق. ثم إنه تعال اقتصر في جواب شبههم على محض الوعي لأنه قد ثبت بالتحدي كما مر ذكره مراراً أن القرآن معجز تحدوا بالقرآن جملة ثم بعشر سور ثم بسورة فعجزوا عن المعارضة فكان طعنهم فيه بعد ذلك مجرد المكابرة والعناد فلم يستحقوا في الجواب إلا التهديد والوعيد. واللام في قوله: {ليحملوا} ليس لام الغرض لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لغرض حمل الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن التعليل به فكان لام العاقبة، وقوله: {كاملة} معناه أنه تعالى لا يخفف من عقابهم شيئاً، وفيه دليل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين لأن هذا المعنى لو كان حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة. قال الواحدي: لفظة "من" في قوله: {ومن أوزار الذين} ليست للتبعيض فإنه لا يخفف عن الأتباع بعض أوزارهم لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أيما داع دعا إلى الضلال فاتبع كان عليه وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء" تفسير : ولكنها للابتداء أي لحملوا ما قد نشأ من أوزار الاتباع، أو للبيان أي ليحملوا ما هو من جنس أوزار تبعهم. ومعنى {بغير علم} أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يتسحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال. وقال في الكشاف: {بغير علم} حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال. وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل. ثم أوعدهم بما هو النهاية في التهديد فقال: {ألا ساء ما يزرون} وزرهم. ثم حكى حال أضرابهم من المتقدين فقال: {قد مكر الذين من قبلهم} ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع - وقيل فرسخان - ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا، وألقت رأس الصرح في البحر فأحدث نمروذ وتبلبلت يومئذٍ ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وتسعين لساناً ولذلك سميت ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وابتلاه الله ببعوضة دخلت دماغه والحكاية مشهورة. والأصح أن الآية عامة في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحق الضرر بالمحقين. وعلى القول الأوّل معنى قوله: {فأتى الله} أي أمره وحكمه {بنيانهم من القواعد} وهي أساطين البناء التي تعمده أو الأساس أنه أسقط السقف عليهم بعد هدم القواعد. وفائدة زيادة قوله: {من فوقهم} التنصيص على أن الأبنية تهدمت وهم ماتوا تحتها، وعلى الثاني يكون الكلام محض التمثيل والمراد أنهم سوّوا منصوبات وحيلاً ليمكروا بها رسل الله، فجعل الله هلاكهم في تلك الحيل كحيل قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين، فأتي البنيان من الأساطين بأن ضعفت فسقط عليهم السقف فهلكوا ونحوه "من حفر بئراً لأخيه فقد وقع فيه" وبعبارة أخرى "من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً". ثم بين أن عذابهم ير مقصور على عذاب الدنيا بل الله تعالى يخزيهم يوم القيامة بإدخالهم النار {أية : إنك من تدخل النار فقد أخزيته}تفسير : [آل عمران: 192] {ويقول} مع ذلك لأجل الإهانة والتوبيخ {أين شركائي} الإضافة لأدنى الملابسة أو هي حكاية لإضافتهم استهزاء وتوبيخاً {الذين كنتم تشاقون} تخاصمون المؤمنين في شأنهم. ومن قرأ بكسر النون فعلى حذف يا المتكلم لأن مشاقة المؤمنين مشاقة الله. ثم ذكر على سبيل الاستئناف {قال الذين أوتوا العلم} عن ابن عباس هم الملائكة. وقال الآخرون: هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إليهم فيقولون ذلك يوم القيامة شماتة بهم. قالت المرجئة قولهم: {إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين} يدل على أن ماهية الخزي والسوء مختص بالكافرين فينتفي عن غيرهم. أما قوله: {فألقوا السلم} فعن ابن عباس: المراد أنهم أسلموا وأقروا بالعبودية عند الموت. وقيل: إنه في يوم القيامة وقولهم: {ما كنا نعمل من سوء} أرادوا الشرك قالوه على وجه الكذب والجحود، ومن لم يجوز الكذب على أهل القيامة قال: أرادوا في اعتقادهم وظنونهم فرد عليهم أولو العلم أو الملائكة بقوله: {بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون} في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب وإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم. قال في الكشاف: وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك {فادخلوا أبواب جهنم} وفي ذكر الأبواب إشارة إلى تفاوت منازلهم في دركات جهنم. ثم قال: {فلبئس مثوى المتكبرين} عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء. والفاء للعطف على فاء التعقيب في {فادخلوا} واللام للتأكيد يجري مجرى القسم موافقة لقوله بعد ذلك {ولنعم دار المتقين} ولا نظير لهما في كل القرآن. ثم أتبع أوصاف الأشقياء أحوال السعداء فقال: {وقيل للذين اتقوا} الآية. وإنما ذكر الجواب ههنا بالنصب ليكون الجواب مطابقاً مكشوفاً بيناً من غير تلعثم أي أنزل خيراً أو {قالوا خيراً} لا شراً كما قاله الكفار، أو قالوا قولاً خيراً ولو رفعوا لأوهم أنه كلام مستأنف كما في جواب الكفار وليس بمنزل. روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف كما مر، فكان الوافد يقول: كيف أرجع إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه. فيلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيراً. وجوّز في الكشاف أن يكون {للذين أحسنوا} وما بعده بدلاً من {خيراً} كأنه فسر الخبر بهذا القول، وجوّز أن يكون كلاماً مبتدأ على سبيل الوعد فيكون قولهم الخير من جملة إحسانهم. أما قوله {في هذه الدنيا} فإما أن يتعلق بما قبله فالمعنى: الذين جاءُوا بالإحسان في هذه الدنيا لهم في الآخرة {حسنة} هي الثواب العظيم أو المضاعف إلى سبعمائة أو أكثر، وإما أن يتعلق بما بعده والتقدير: الذين أحسنوا لهم الحسنة في الدنيا باستحقاق المدح والثناء، أبو بالظفر على أعداء الدين باللسان والسنان وفتح البلاد، أو بفتح أبواب المكاشفات والمشاهدات. والحاصل أن لهم في الدنيا مكافأة بإحسانهم. {ولدار الآخرة خير} منها. ثم بين الخيرية بقوله: {ولنعم دار المتقين} دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره. ثم قال: {جنات عدنٍ} أي هي هذه فيكون المبتدأ محذوفاً أو الجنات مبتدأ وما بعدها خبر أو {جنات عدن} هي المخصوص بالمدح. فالجنات يدل على القصور والبساتين، والعدن على الدوام والإقامة. وقوله: {تجري من تحتها الأنهار} على أنه حصل هناك أبنية مرتفعة هم عليها والأنهار تجري من تحتهم. وقوله: {لهم فيها ما يشاءُون} أبلغ من قوله في موضع آخر {أية : فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين}تفسير : [الزخرف: 71] وفي تقديم الظرف دلالة على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده إلا في الجنة، وقوله: {الذين تتوفاهم الملائكة} أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح. وقوله: {طيبين} أي طاهرين عن دنس الكفر والمعاصي أو دنس الكفر وحده، وهذه كلمة جامعة تشمل أنواع البراءة عن العلائق الجسمانية فلا يكون لصاحب هذه الحالة تألم بالموت دليله قوله: {يقول سلام عليكم} يروى أنه إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فيقول: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة فذلك قوله: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} وعن الحسن أن المراد بهذا التوفي هو وفاة الحشر لأنه لا يقال عند قبض الروح في الدنيا ادخلوا الجنة. والأولون قالوا: البشارة بالجنة بمنزلة الدخول فيها. قوله سبحانه: {هل ينظرون} قيل: إنه جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوة فقال تعالى: هل ينظرون في تصديق نبوتك {إلا أن تأتيهم الملائكة} شاهدين بذلك. ويحتمل أن يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أوعدهم الله تعالى بما أوعد، ثم وصف القرآن بكونه حقاً وصدقاً وذكر جزاء المتقين ثم ذكر أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم بسبب البيانات التي ذكرناها إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد أو لقبض الأرواح أو أتاهم أمر ربك وهو العذاب المستأصل أو القيامة {كذلك فعل الذين من قبلهم} فأصابهم الهلاك المعجل {وما ظلمهم الله} بتدميرهم فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم {فأصابهم سيئات ما عملوا} أي جزاء سيئات أعمالهم أو هو من باب الطباق والمشاكلة كقوله {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها}تفسير : [الشورى: 40] {وحاق بهم}. أي نزل بهم على وجه الإحاطة عقاب استهزائهم. الشبهة الثالثة لمنكري النبوة أنهم تشبثوا بمسألة الجبر فقالوا: {لو شاء الله ما عبدنا} الآية. وقد مر في تفسير مثلها في آخر سورة الأنعام، وذكرنا أسرار المتشابه هناك وكذا استدلال المعتزلة بها وجواب الأشاعرة عنها. وزاد بعض الأشاعرة فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على وجه الاستهزاء كما قال قوم شعيب {أية : إنك لأنت الحليم الرشيد}تفسير : [هود: 87] ولو قالوا ذلك معتقدين كانوا مؤمنين. وقال آخرون: إنه سبحانه أجاب عن شبهتهم وهي أنه لما كان الكل من الله كان بعثه الأنبياء عبثاً بقوله: {كذلك فعل الذين من قبلهم} يعني أنهم اعترضوا على أحكام الله وطلبوا لها العلة فعل من تقدمهم من الكفرة {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} أي ما عليهم إلا التبليغ فإما تحصيل الإيمان فليس إليهم. ثم إنه أكد هذا المعنى بقوله: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً} إلى قوله: {ومنهم من حقت عليه الضلالة} وفيه دلالة على أن أمر الله قد لا يوافق إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ولا يريد الهداية إلا للبعض إذّ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ولم ينزل العذاب على قوم لكنه كفر ونزل لقوله: {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}[النحل: 36]. ثم خصص الخطاب قائلاً لرسوله {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} لا يرشد أحداً أضله، قال ابن عباس: وقال الفراء: لا يهدي معناه لا يهتدي: ومن قرأ على البناء للمفعول فمعناه لا تقدر أنت ولا أحد على هداية من أضله الله فلن يكون مهدياً منصوراً، ولا يخفى أن أول الآية ظاهره يوافق مذهب المعتزلة. أما قوله: {كذلك فعل الذين من قبلهم} إلى آخر الآيات فإنهم قد صاروا فيه إلى التأويل فقالوا: معناه أن متقدميهم أشركوا وحرموا حلال الله فلما نبهوا على قبح فعلهم أسندوه إلى الله {فهل على الرسل إلا} أن يبلغوا الحق وأن الله بريء من الظلم وخلق القبائح والمنكرات، وما من أمة إلا وقد بعث الله فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله وينهاهم عن الشر الذي هو طاعة الطاغوت. {فمنهم من هدى الله} لأنه من أهل اللطف، ومنهم من ثبت عليه الخذلان لأنه عرفه مصمماً على الكفر، أو المراد منهم من حكم الله عليه بالاهتداء ومنهم من صار محكوماً عليه بالضلال لظهور ضلاله، أو منهم من هداه الله إلى الجنة ومنهم من أضله عنها. {فسيروا في الأرض فانظروا} ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه. ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إيمانهم وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث والله تعالى متعال عن العبث. فهذا تفسير الفريقين لاشتمال آيات مسألة الجبر والقدر على الجهتين وعليك الاختيار بعقلك دون هواك. الشبهة الرابعة قدحهم في الحشر والنشر ليلزم إبطال النبوة وذلك أنهم {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} أي أغلاظ الأيمان كما في "المائدة" كأنهم ادّعوا علماً ضرورياً بأن الشيء إذا فني وصار عدماً محضاً فإنه لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر فأكدوا ادعاءهم بالقسم الغليظ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله: {بلى} وهو إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم وقوله: {وعداً} مصدر مؤكد لما دل عليه "بلى" لأن يبعث موعد من الله أي وعد البعث {وعدا عليه حقاً} لا خلاف فيه {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أنهم يبعثون أو أن وعد الله حق. ثم ذكر لمية حقية البعث فقال {ليبين} أي يبعث كل من يموت من المؤمنين والكافرين ليبين {لهم} الحق الذي اختلفوا فيه بياناً عيانياً لا يشتبه فيه المطيع بالمعاصي والمحق بالمبطل والمظلوم بالظالم والصادق بالكاذب. وجوز بعضهم أن يكون قوله: {ليبين} متعلقاً بقوله: {ولقد بعثنا} أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا به وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب في ادعاء الشريك له وفي قولهم بمجرد هواهم هذا حلال الله وهذا حرام. ثم برهن على إمكان البعث بقوله: {إنما قولنا} وهو مبتدأ خبره {أن نقول} وقد فسرنا مثل هذه الآية في سورة البقرة، وذكرنا فيه مباحث عميقة لفظية ومعنوية فلا حاجة إلى الإعادة. والغرض أنه سبحانه لا مانع له من الإيجاد والإعدام ولا تتوقف آثار قدرته إلا على مجرد الإرادة والمشيئة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو أهون من الإبداء؟! قال في الكشاف: قرىء {فيكون} بالنصب عطفاً على {نقول} قلت: ولا مانع من كونه منصوباً بإضمار "أن" لوقوعه في جواب الأمر بعد الفاء وقد مر في "البقرة". احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم القرآن قال: إنه لو كان حادثاً لافتقر إلى أن يقال له "كن". ثم الكلام في هذا اللفظ كالكلام في الأوّل وتسلسل، والجواب بعد تسليم أن هذا ليس مثلاً وأن ثم قولاً أن "إذا" لا تفيد التكرار فلا يلزم في كل ما يحدثه الله تعالى إلى أن يقول له" كن". وكيف يتصور أن تكون لفظة "كن" قديمة والكاف مقدم على النون بزمان محصور، ولو سلم فلا يجوز من قدم لفظة "كن" قدم القرآن. على أن قوله: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه} يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث وأنه علق القول بكلمة "إذا" ولا شك أنها للاستقبال وكذا قوله: {أن نقول} ثم إن كلمة {كن} متقدمة على المكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان يكون محدثاً، فتلخص من هذه الدلائل أن الكلام المسموع لا بد أن يكون محدثاً. هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ولعل لنا فيه نظراً. ولما حكى الله سبحانه عن الكفار ما حكى من إنكار البعث والجزاء لم يبعد منهم - والحالة هذه - إيذاء المسلمين وإنزال الضرر والهوان بهم وحينئذٍ يلزمهم أن يهاجروا تلك الديار فذكر ثواب المهاجرين قائلاً {والذين هاجروا في الله} أي في حقه وسبيله {من بعد ما ظلموا لنبوّئنهم في الدنيا} مثوبة {حسنة} أو مباءة حسنة هي المدينة أوهم أهلها ونصروهم قاله الحسن والشعبي وقتادة. وقيل: لننزلنهم منزلة حسنة هي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، بل على العرب قاطبة بل على أهل المشرق والمغرب. قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة - منهم صهيب وبلال وعمار وخباب- جعل المشركون يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام فقال صهيب: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر قال له: ربح البيع يا صهيب، وقال له عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه. أما الضمير في قوله: {لو كانوا يعلمون} فإما أن يرجع إلى الكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين خير الدارين لرغبوا في دينهم، وإما أن يعود إلى المهاجرين أي لو علموا أن أجر الآخرة أكبر لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.ثم مدحهم بقوله: {الذين صبروا} على هم الذين أو أعني الذين. والمراد صبرهم على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة في سبيل الله بالنفوس والأموال. قال المحققون: الصبر حبس النفس على خلاف ما تشتهيه من اللذات العاجلة وهو مبدأ السلوك، والتوكل هو الانقطاع بالكلية عما سوى الحق وهو آخر الطريق والله ولي التوفيق. فإن العارفين بالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في الله حاروا حسبي الله ونعم الوكيل.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} الآيات. لمَّا قرر دلائل التوحيد، وأبطل مذاهب عبدة الأصنام، ذكر بعد ذلك شبهات منكري النبوة مع الجواب عنها. فالشبهة الأولى: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما احتجَّ على صحة بعثته بكون القرآن معجزة؛ طعنوا فيه، وقالوا: إنه أساطير الأولين، واختلفوا في هذا القول. فقيل: هو كلام بعضهم لبعض. وقيل: قول المسلمين لهم. وقيل: قول المقتسمين الذين اقتسموا [مكَّة] ومداخل مكة؛ ينفِّرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاجِّ عمَّا أنزل الله على رسوله. قوله: "مَاذَا" تقدم الكلام عليها أول البقرة. وقال الزمخشريُّ: "أو مرفوعٌ بالابتداءِ، بمعنى أي شيء أنزله ربُّكم". قال أبو حيَّان: "وهذا غيرُ جائزٍ عند البصريِّين". يعني: من كونه حذف عائده المنصوب، نحو "زَيْدٌ ضَربْتُ" وقد تقدم خلاف النَّاس في هذا، والصحيح جوازه، والقائم مقام الفاعل، قيل: الجملة من قوله {مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ} لأنها المقولة، والبصريون يأبون ذلك، ويجعلون القائم مقامه ضمير المصدر؛ لأنَّ الجملة لا تكون فاعلة، ولا قائمة مقام الفاعل، و الفاعل المحذوف: إمَّا المؤمنون، وإما بعضهم، وإمَّا المقتسمون. وقرىء "أسَاطيرَ" بالنصب على تقدير: أنزل أساطير، على سبيل التهكُّم، أو ذكرتم أساطير. والعامة برفعه على أنَّه خبر مبتدأ مضمر فاحتمل أن يكون التقدير: المنزَّل أساطير على سبيل التَّهكُّم، أو المذكور أساطير، وللزمخشريُّ هنا عبارة [فظيعة]. قوله "لِيَحملُوا" لمَّا حكى شبهتهم قال: "لِيَحْمِلُوا" وفي هذه اللام ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنها لامُ الأمر الجازمة على معنى الحتم عليهم، والصغار الموجب لهم، وعلى هذا فقد تمَّ الكلام عند قوله: "الأوَّلِينَ" ثم استؤنف أمرهم بذلك. الثاني: أنها لام العاقبة، أي: كان عاقبة [قولهم] ذلك؛ لأنَّهم لم يقولوا أساطير ليحملوا؛ فهو كقوله تعالى: {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8]. قال: [الوافر] شعر : 3309- لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا للخَرابِ ................. تفسير : الثالث: أنها للتعليل، وفيه وجهان: أحدهما: أنه تعليل مجازي. قال الزمخشريُّ رحمه الله: واللام للتعليل من غير أن تكون غرضاً؛ نحو قولك "خَرجْتُ مِنَ البَلدِ مَخافَةَ الشَّرِّ". والثاني: أنه تعليلٌ حقيقة. قال ابن عطيَّة بعد حكاية وجه لامِ العاقبةِ: "ويحتمل أن يكون صريح لام كي؛ على معنى قدِّر هذا؛ لكذا" انتهى. لكنه لم يعلِّقها بقوله "قَالُوا" إنما قدَّر لها عاملاً، وهو "قدَّر" هذا. وعلى قول الزمخشري يتعلق بـ "قَالُوا" لأنها ليست لحقيقة العلَّة، و "كَامِلةً" حالٌ، والمعنى لا يخفَّف من عقابهم شيءٌ، بل يوصل ذلك العقاب بكليته إليهم، وهذا يدل على أنَّه - تعالى - قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلاً للكل، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفَّار بهذا التكميل فائدة. قال - صلوات الله وسلامه عليه-: "حديث : أيُّمَا دَاعٍ دَعَى إلى الهُدَى، فاتُّبعَ، كَانَ لهُ مِثْلُ أجْرِ مَن اتَّبعَهُ لا يَنقصُ مِنْ أجُورِهِمْ شيءٌ، وأيُّمَا داعٍ دَعَى إلى الضَّلالِ فاتُّبعَ؛ كَان عَليْهِ وِزْرُ من اتَّبعَه لا ينقص مِنْ آثامهمْ شيءٌ ". تفسير : قوله: {وَمِنْ أوْزَارِ} فيه وجهان: أحدهما: أنَّ "مِنْ" مزيدة، وهو قول الأخفش، أي: وأوزار الذين، على معنى: ومثل أوزار؛ كقوله - عليه الصلاة والسلام-: "حديث : كَانَ عَليْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ منْ عَمِلَ بِهَا ". تفسير : الثاني: أنها غير مزيدة، وهي للتبعيض، أي: وبعض أوزار الذين، وقدَّر أبو البقاءِ: مفعولاً حذف، وهذه صفته، أي: وأوزار من أوزار، ولا بد من حذف "مثل" أيضاً. ومنع الواحديُّ أن تكون "مِنْ" للتبعيض، قال: "لأنَّهُ يستلزم تخفيف الأوزار عن الأتباع، وهو غير جائز، لقوله - صلوات الله وسلامه عليه-: "حديث : مِنْ غَيْرِ أن يَنقُصَ مِنْ أوْزَارِهِمْ شيء" لكنها للجنس، أي: ليحملوا من جنس أوزار الأتباع ". تفسير : قال أبو حيان: "والتي لبيان الجنس لا تقدَّر هكذا؛ وإنَّما تقدر الأوزار التي هي أوزارُ الذين يضلونهم فهو من حيث المعنى موافق لقول الأخفش، وإن اختلفا في التقدير". قوله تعالى: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} حال وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أنه مفعول "يُضِلُّونَ" أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلالٌ؛ قاله الزمخشريُّ. والثاني: أنه الفاعل، ورجَّح هذا بأنَّه المحدث عنه، وتقدم الكلام في إعراب نحو: "سَاء مَا يَزرُونَ" وأنَّها قد تجري مجرى بِئْسَ، والمقصود منه المبالغة في الزَّجْرِ. فإن قيل: إنه - تعالى - حكى هذه الشُّبهة عنهم، ولم يجب عنها، بل اقتصر على محض الوعيد، فما السبب فيه؟. فالجواب: أنه - تعالى - بين كون القرآن معجزاً بطريقين: الأول: أنه - صلوات الله وسلامه عليه - تحدَّاهم تارة بكل القرآن، وتارة بعشر سورٍ، وتارة بسورةٍ واحدةٍ، وتارة بحديثٍ واحدٍ، وعجزوا عن المعارضة؛ وذلك يدل على كون القرآن معجزاً. الثاني: أنه - تعالى - حكى هذه الشُّبهة بعينها في قوله: {أية : ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الفرقان: 5]، وأبطلها بقوله: {أية : قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ}تفسير : [الفرقان: 6] أي: أنَّ القرآن مشتملٌ على الإخبارِ عن الغيوب، وذلك لا يتأتَّى إلا ممَّن يكون عالماً بأسرار السماوات، والأرض، ولما ثبت كون القرآن معجزاً بهذين الطريقين، وتكرر شرحهما مراراً؛ لا جرم اقتصر ههنا على مجرد الوعيد. قوله تعالى: {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ذكر هذه الآية مبالغة في وصف أولئك الكفار. قال بعض المفسرين: المراد بالذين من قبلهم نمرودُ بن كنعان بنى صَرْحاً عظيماً بِبَابلَ طوله خمسة آلافِ ذراع، وعرضه ثلاثة آلافِ ذراع - وقيل: فرسخاً - ورام منه الصُّعودَ إلى السماء؛ ليقاتل أهلها، فَهَبَّتْ ريحٌ وألقت رأسها في البحر، وخرَّ عليهم الباقي وهم تحته، ولما سقط الصَّرحُ تبلبلت ألسن النَّاس من الفزع يومئذ؛ فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً؛ فلذلك سمِّيت بابل، وكانوا يتكلمون قبل ذلك بالسريانية؛ فذلك قوله تعالى: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} أي: قصد تخريب بنيانهم من أصولها. والصحيح: أنَّ هذا عامٌّ في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضَّرر والمكر بالمحقِّين. واعلم أنَّ الإتيان ها هنا عبارةٌ عن إتيان العذاب، أي: أنهم لمَّا كفروا؛ أتاهم الله بزلزال تقلقلتْ منها بنيانهم من القواعد، و الأساس؛ والمراد بهذا محض التَّمثيلِ والمعنى: أنَّهم رتبوا منصوباتٍ؛ ليمكروا بها أنبياء الله؛ فجعل هلاكهم مثل قوم بنوا بنياناً، وعمدوه بالأساطين، فانهدم ذلك البناءُ، وسقط السقف عليهم؛ كقولهم: "مَنْ حَفَرَ بِئْراً لأخِيهِ أوْقعَهُ اللهُ فِيهِ". وقيل: المراد منه ما دل عليه الظاهر. قوله تعالى: {مِّنَ الْقَوَاعِدِ} "مِن" لابتداءِ الغايةِ، أي: من ناحية القواعد، أي: أتى أمر الله وعذابه. قوله "مِنْ فَوقِهِمْ" يجوز أن يتعلَّق بـ "خَرَّ"، وتكون "مِن" لابتداءِ الغاية، ويجوز يتعلَّق بمحذوفٍ على أنها حالٌ من "السَّقف" وهي حال مؤكدة؛ إذ "السَّقفُ" لا يكون تحتهم. وقيل: ليس قوله: "مِنْ فَوقِهِمْ" تأكيدٌ؛ لأنَّ العرب تقول: "خَرَّ عَليْنَا سَقفٌ، ووقَعَ عَليْنَا حَائِطٌ" إذا كان عليه، وإن لم يقع عليه، فجاء بقوله "مِنْ فَوْقِهِم" ليخرج به هذا الذي في كلام العرب، أي: عليهم وقع، وكانوا تحته فهلكوا. وهذا غير طائل، والقول بالتوكيد أظهر. وقرأ العامة: "بُنْيَانَهُمْ"، وقوم: بُنْيَتَهُمْ، وفرقة منهم أبو جعفر: بَيْتَهُم. والضحاك: بُيوتَهُم. والعامة: "السَّقْفُ" أيضاً مفرداً، وفرقة: بفتح السِّين، وضمِّ القاف بزنة "عَضُد" وهي لغة في "السَّقفِ" ولعلَّها مخففة من المضموم، وكثر استعمال الفرع؛ لخفَّته، كقولهم في لغة تميم "رَجُلٌ" ولا يقولون: رجُلٌ. وقرأ الأعرج: "السُّقُف" بضمتين، وزيد بن علي: بضم السين، وسكون القاف، وقد تقدم مثل ذلك في قراءة {أية : وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} تفسير : [النحل: 16] ثم قال: {وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} إن حملنا الكلام على محض التمثيل؛ فالمعنى: أنَّهُمْ اعتمدوا على منصوباتهم، ثم تولَّد البلاء منها بأعيانها، وإن حملناه على الظاهر، فالمعنى: أن السَّقف نزل عليهم بغتة. ثم بين - تعالى - أن عذابهم لا يكون مقصوراً على هذه القدر، بل الله - تعالى - يخزيهم [يومَ] القيامة، و الخِزْيُ: هو العذاب مع الهوانِ؛ فإنه يقول لهم: {أَيْنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ}. قال أبو العبَّاس المقريزيُّ - رحمه الله-: ورد لفظ "الخِزْي" في القرآن على أربعة [معانٍ]: الأول: بمعنى العذاب؛ كهذه الآية؛ وكقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} تفسير : [الشعراء: 87] أي: لا تُعذِّبني. الثاني: بمعنى القَتْلِ؛ قال تعالى: {أية : فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [البقرة: 85]، أي: القتلُ. قيل: نزلت في بني قريظة، ومثله: {أية : ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} تفسير : [الحج: 9] أي: فضيحة. قيل: نزلت في النضر بن الحارث. الثالث: بمعنى الهوان، قال تعالى: {أية : كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ} تفسير : [يونس: 98] أي الهوان. الرابع: بمعنى الفضيحة قال تعالى: {أية : رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} تفسير : [آل عمران: 192] أي فضحته، ومثله: {أية : وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} تفسير : [الشعراء: 87] ومثله: {أية : وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} تفسير : [هود: 78] ومثله: {أية : أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ} تفسير : [المائدة: 33]. قوله: {أَيْنَ شُرَكَآءِيَ} مبتدأ وخبر، والعامة على "شُركَائِيَ" مدوداً، مهموزاً، مفتوح الياءِ، وفرقة كذلك تسكنها فتسقط وصلاً؛ لالتقاءِ الساكنين، وقرأ البزي - بخلاف عنه - بقصره مفتوح الياء، وقد أنكر جماعة هذه القراءة، وزعموا أنها غير مأخوذ بها؛ لأنَّ قصر الممدود لا يجوز إلاَّ ضرورة. وتعجب أبو شامة من أبي عمرٍو الدانيِّ، حيث ذكرها في كتابه؛ مع ضعفها، وترك قراءاتٍ شهيرة واضحة. قال شهاب الدِّين: "وقد روى ابن كثيرٍ - أيضاً - قصر التي في القصص، وروي عنه - أيضاً - قصرُ "وَرائِي" في مريم، وروي عنه أيضاً قَصْرُ:{أية : أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 7] في سورة العلق، فقد روى عنه قصر بعض الممدودات، فلا يبعد رواية ذلك هنا عنه". وبالجملة: قصر الممدود ضعيفٌ؛ ذكره غير واحدٍ؛ لكن لا يصلُ به على حدِّ الضرورة. قوله: "تُشَاقُّون" قرأ نافع: بكسر النن خفيفة، والأصل: تُشاقُّونِّي فحذفها مجتزئاً عنها بالكسرة. والباقون: بفتحها، خفيفة، ومفعوله محذوف، أي: تشاقُّون المؤمنين، أو تشاقُّون الله؛ بدليل القراءة الأولى. وضعَّف أبو حاتم هذه القراءة؛ أعني: قراءة نافع، وقرأت فرقة: بتشديدها مكسورة، والأصل: تُشَاقُّوننِي؛ فأدغم، وقد تقدم تفصيل ذلك في: {أية : أَتُحَاجُّوۤنِّي}تفسير : [الأنعام: 80] و {أية : فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} تفسير : [الحجر: 54] وسيأتي في قوله تعالى: {أية : أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُوۤنِّيۤ} تفسير : [الزمر: 64]. فصل قال الزجاج: قوله {أَيْنَ شُرَكَآءِيَ}، أي: في زعمكم، واعتقادكم، ونظيره: {أية : أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} تفسير : [الأنعام: 22] وحسنت هذه الإضافة لأنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سببٍ؛ كما يقال لمن يحمل خشبة: "خُذْ طَرفَكَ، وآخُذُ طَرفِي" فأضاف الطَّرفَ إليهِ. ومعنى "تُشَاقُّونَ" أي: تعادون، وتخاصمون المؤمنين في شأنهم، والمشاقَّة: عبارة عن كون أحد الخصمين في شقٍّ، والخصم الآخر في الشق الآخر. ثم قال تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} قال ابن عباسٍ: يريد الملائكة، وقال آخرون: هم المؤمنون الذين يقولون حين يرون خزي الكفار في القيامة: {إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ} العذاب {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} وفائدة هذا الكلام: أنَّ الكفار كانوا يتكبَّرون على المؤمنين في الدنيا، فإذا ذكر المؤمنون هذا الكلام يوم القيامة؛ كان هذا الكلام في إيذاء الكفار أكمل وحصول الشماتة أقوى. فصل في احتجاج المرجئة بالآية احتج المرجئة بهذه الآية على أنَّ العذاب مختصٌّ بالكافرين، [قالوا:] فإن قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ} في يوم القيامة مختص بالكافرين، ويؤكد هذا قول موسى - عليه السلام-: {أية : إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} تفسير : [طه: 48]. قوله: "اليَوْمَ" منصوب بـ "الخِزْيَ" وعمل المصدر فيه "ألْ" وقيل: هو منصوب بالاستقرار في {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} إلاَّ أنَّ فيه فصلاً بالمعطوف بين العامل ومعموله؛ واغتفر ذلك؛ لأنهم يتوسَّعون في الظروف. قوله: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ} يجوز أن يكون الموصول مجرور المحلِّ؛ نعتاً لما قبله، أو بدلاً منه، أو بياناً له، وأن يكون منصوباً على الذم أو مرفوعاً عليه، أو مرفوعاً بالابتداء، والخبر قوله {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ} والفاء مزيدة في الخبر؛ قاله ابن عطية. وهذا لا يجيء إلاَّ على رأي الأخفش؛ في إجازته زيادة الفاء في الخبر مطلقاً؛ نحو: "زيْدٌ فقامَ"، أي: قام، ولا يتوهم أنَّ هذه الفاء هي التي تدخل مع الموصول المضمَّن معنى الشَّرط؛ لأنَّه لو صرَّح بهذا الفعل مع أداة الشرط، لم يجز دخول الفاء عليه؛ فما ضمِّن معناه أولى بالمنع؛ كذا قاله أبو حيان، وهو ظاهر. وعلى الأقوالِ المتقدمة، خلا القول الأخير يكون "الَّذينَ" وصلته داخلاً في القول، وعلى القول الأخير، لا يكون داخلاً فيه، وقرأ "يَتوفَّاهُمُ" بالياءِ في الموضعين حمزة، والباقون: بالتاء من فوق؛ وهما واضحتان مما تقدم في قوله: {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} تفسير : [آل عمران: 39] وناداه، وقرأت فرقة: بإدغام إحدى التاءين في الأخرى، وفي مصحف عبد الله: "تَوفَّاهمُ" بتاء واحدة، وهي محتملة للقراءةِ بالتشديد على الإدغام، وبالتخفيف على حذف إحدى التَّاءين. و {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} حالٌ من مفعولٍ "تَتوفَّاهُمُ"، و "تَتوفَّاهُمُ" يجوز أن يكون مستقبلاً على بابه؛ إن كان القول واقعاً في الدنيا، وإن كان ماضياً على حكاية الحال إن كان واقعاً يوم القيامةِ. قوله "فألْقوا" يجوز فيه أوجهٌ: أحدها: أنه خبر الموصول، وقد تقدم فساده. الثاني: أن يكون عطفاً على "قَالَ الَّذِينَ". الثالث: أن يكون مستأنفاً، والكلام قد تمَّ عند قوله: "أنْفُسهمْ" ثمَّ عاد بقوله: "فألْقَوا" إلى حكاية كلام المشركين يوم القيامة؛ فعلى هذا يكون قوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} إلى قوله "أنْفُسهِمْ" جملة اعتراضٍ. الرابع: أن يكون معطوفاً على "تَتوفَّاهُم" قاله أبو البقاءِ. وهذا إنَّما يتمشى على أنَّ "تَتوفَّاهُم" بمعنى المضيِّ؛ ولذلك لم يذكر أبو البقاء في "تَتوفَّاهُم" سواه. قوله {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} فيه أوجهٌ: أحدها: أن يكون تفسيراً للسلم الذي ألقوه؛ لأنَّه بمعنى القول؛ بدليل الآية الأخرى: {أية : فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ}تفسير : [النحل: 86] قاله أبو البقاء، ولو قال: يُحْكى بما هو بمعنى القول؛ لكان أوفق لمذهبِ الكوفيِّين. الثاني: أن يكون منصوباً بقولٍ مضمرٍ، ذلك القول منصوبٌ على الحالِ، أي: فألقوا السَّلم قائلين ذلك. و "مِنْ سُوءٍ" مفعول "نَعْملُ" زيدت فيه "مِنْ"، و "بَلَى" جوابٌ لـ "مَا كُنَّا نعمل" فهو إيجابٌ له. فصل قال ابن عباس رضي الله عنه: استسلموا، وأقرُّوا لله بالعبودية عند الموت، وقالوا {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ}، والمراد من هذا السوء الشِّرك، فقالت الملائكة تكذيباً لهم {بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} من التكذيب، والشرك، وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: {ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} ثم عاد إلى حكايةِ كلام المشركين إلى يوم القيامة، والمعنى: أنَّهم يوم القيامة ألقوا السَّلم؛ وقالوا: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} على سبيل الكذب، ثمَّ ههنا اختلفوا: فالذين جوَّزوا الكذب على أهلِ القيامة قالوا: إنَّ قولهم: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} لغاية الخوف، والَّذينَ لم يجوِّزوا الكذب عليهم قالوا: المعنى: ما كنَّا نعمل مِنْ سُوءٍ عند أنفسنا وفي اعتقادنا، وقد تقدَّم الكلام في قوله الأنعام: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] هل يجوز الكذب على أهل القيامة، أم لا؟. وقوله: {بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} يحتمل أن يكون من كلام الله أو بعض الملائكة. ثم يقال لهم: {فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} وهذا يدلُّ على تفاوت منازلهم في العقاب، وصرَّح بذكر الخلود؛ ليكون الغمُّ [والحزن] أعظم. قوله: "فَلَبِئْسَ" هذه لام التأكيد؛ وإنما دخلت على الماضي لجموده وقربه من الأسماء، والمخصوص بالذم محذوفٌ، أي: جهنَّم. قوله تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً} الآية. لما بين أحوال الكافرين، أتبعه ببيان أحوال المؤمنين. قال القاضي [المتقي هو:] تارك جميع المحرَّمات وفاعل جميع الواجبات. وقال غيره: المتَّقي: هو الذي يتَّقي الشرك. قوله: "خَيْراً" العامة على نصبه، أي: أنزل خيراً. قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: لِمَ رفع "أسَاطِيرُ الأولين" ونصب هذا؟. قلت: فصلاً بين جواب المقر، وجواب الجاحد، يعني: أنَّ هؤلاء لما سئلوا لم يَتَلعْثَمُوا، وأطبقوا الجواب على السؤال بيِّناً مكشوفاً مفعولاً للإنزال فـ "قَالُوا خَيْراً" أي: أنزل خيراً وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال، فقالوا: هو أساطير الأوَّلين، وليس هو من الإنزال في شيءٍ". وقرأ زيد بن عليٍّ: "خَيْرٌ" بالرفع، أي: المُنزَّلُ خيرٌ، وهي مُؤيِّدة لجعل "مَاذَا" موصولة، وهو الأحسن؛ لمطابقة الجواب لسؤاله، وإن كان العكس جائزاً، وقد تقدم تحقيقه في البقرة. قوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ} هذه الجملة يجوز فيها أوجه: أحدها: أن تكون منقطعة عما قبلها استئناف إخبار بذلك. الثاني: أنَّها بدلٌ من "خَيْراً". قال الزمخشري: "هو بدلٌ من "خَيْراً"؛ حكاية لقول "الَّذينَ اتَّقوا"، أي: قالوا هذا القول فقدَّم تسميته خبراً ثمَّ حكاه". الثالث: أنَّ هذه الجملة تفسير لقوله: "خَيْراً"، وذلك أنَّ الخير هو الوحيُ الذي أنزل الله فيه: من أحسن في الدنيا بالطاعةِ؛ فله حسنةٌ في الدنيا، وحسنةٌ في الآخرة. وقوله: {فِي هَٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا} الظاهر تعلقه بـ "أحْسَنُوا"، أي: أوقعوا الحسنة في دار الدنيا، ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوفٍ على أنَّه حكاية حالٍ من "حَسنةً"، إذ لو تأخر؛ لكان صفة لها، ويضعف تعلقه بها نفسها؛ لتقدمه عليها. فصل قال المفسرون: إنَّ أحياء من العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاء [سائل] المشركين الذين قعدوا على الطريق عن محمدٍ - صلوات الله وسلامه عليه - فيقولون: ساحر، وكاهن، وشاعر وكذاب، كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتي المؤمنين فيسألهم عن محمدٍ صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه؛ فيقولون "خَيْراً"، أي أنزل خيراً، ثم ابتدأ فقال: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ} أي كرامة من الله. قال ابن عباسٍ - رضي الله عنه-: هي تضعيفُ الأجر إلى العشرة. وقال الضحاك: هي النصرة والفتح. وقال مجاهدٌ: هي الرزقُ الحسن، ويحتمل أن يكون الذي قالوه من الجواب موصوف بأنه خيرٌ. وقولهم "خَيْراً" جامع لكونه حقاً وصواباً، ولكونهم معترفين بصحته، ولزومه وهذا بالضدِّ من قول الذين لا يؤمنون: إن ذلك أساطير الأولين. وتقدم الكلام على "خَيْرٌ" في سورة الأنعام في قوله تعالى: {أية : وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ} تفسير : [الأنعام: 32]. ثم قال تعالى: {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ}، أي ولنعم دار المتقين دارُ الآخرة فحذفت؛ لسبق ذكرها. هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما بعدها، فإن وصلتها بما بعدها قلت: {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ} برفع "جَنَّاتُ" على أنها اسم لـ "نِعْمَ" كما تقول: نِعْمَ الدَّارُ دَارٌ يَنْزلُهَا زَيْدٌ. قوله {جَنَّاتُ عَدْنٍ} يجوز أن يكون هو المخصوص بالمدح؛ فيجيء فيها ثلاثة أوجهٍ: رفعها بالابتداءِ، والجملة المتقدمة خبرها. أو رفعها بالابتداءِ، والخبر محذوف؛ وهو أضعفها، وقد تقدم تحقيق ذلك. ويجوز أن يكون "جَنَّاتُ عَدنٍ" خبر مبتدإ مضمرٍ لا على ما تقدم، بل يكون المخصوص [بالمدح] محذوفاً؛ تقديره: ولنعم دارُ المتقين دارهم هي جنات. وقدره الزمخشري: {ولنِعْمَ دارُ المتَّقِينَ دَارُ الآخرةِ} ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر جملة، من قوله "يَدْخُلونهَا" ويجوز أن يكون الخبر مضمراً، تقديره: لهم جنَّات عدنٍ، ودلَّ على ذلك قوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ}. والعامة على رفع "جَنَّات" على ما تقدم، وقرأ زيد بن ثابت، والسلميُّ "جَنَّاتِ" نصباً على الاشتغالِ بفعلٍ مضمرٍ، تقديره: بدخُلونَ جنَّاتِ عدْنٍ يَدخُلونهَا، وهذا يقوي أن يكون "جَنَّاتُ" مبتدأ، و "يَدْخُلونهَا" الخبر في قراءةِ العامَّة، وقرأ زيد بن عليٍّ: "ولنِعْمَتْ" بتاءِ التأنيث، مرفوعة بالابتداء و "دَارِ" خفض بالإضافة، فيكون "نِعْمَت" مبتدأ و "جَنَّات عَدْنٍ" الخبر. و "يدخلونها" في جميع ذلك نصب على الحال، إلا إذا جعلناه خبراً لـ "جنات"، وقرأ نافع في رواية: "يُدخَلُونهَا" بالياء من تحت؛ مبنياً للمفعول. وقرأ أبو عبد الرحمن: "تَدْخُلونهَا" بتاء الخطاب مبنياً للفاعل. قوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ} يجوز أن يكون منصوباً على الحال من "جَنَّاتُ" قاله ابن عطيَّة، وأن يكون في موضع الصفة لـ "جنَّات" قاله الحوفيُّ، والوجهان مبنيَّان على القول في "عَدْنٍ" هل هي معرفة؛ لكونه علماً، أو نكرة؟ فقائل الحال: لحظ الأول، وقائل النَّعتِ: لحظ الثاني. قوله: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} الكلام في هذه الجملة، كالكلام في الجملة قبلها، والخبر إمَّا "لَهُمْ" وإمَّا "فِيهَا". قوله: "كَذلِكَ" الكاف في محل نصب على الحال من ضمير المصدر؛ أو نعتاً لمصدرٍ مقدَّر، أو في محل رفع خبر المبتدأ مضمر، أي: الأمر كذلك و {يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ} مستأنف. فصل قال الحسن: دار المتقين هي الدُّنيَا؛ لأنَّ أهل التَّقوى يتزوَّدون فيها للآخرة. وقال أكثرُ المفسرين: هي الجنَّة، ثم فسرها فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} فقوله "جَنَّاتُ عدْنٍ" يدلُّ على القصور، والبساتين، وقوله: "عَدْنٍ" يدل على الدَّوامِ، وقوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ} يدل على أنه حصل هناك أبنية يرتفعون عليها، والأنهار جارية من تحتهم، {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} من كلِّ الخيراتِ، {كَذَٰلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ} أي: هذا جزاء التَّقوى. ثم وصف المتقين فقال: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ} وهذا مقابلٌ لقوله {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ}تفسير : [النحل: 28]. وقوله: "طَيِّبِينَ" كلمة مختصرة جامعة لمعان كثيرة؛ فيدخل فيها إتيانهم بالمأموراتِ، واجتنابهم عن المنهيات، واتصافهم بالأخلاق الفاضلة، وبراءتهم عن الأخلاق المذمومة. وأكثر المفسرين يقول: إن هذا التَّوفي قبض الأرواح. وقال الحسن: إنه وفاةُ الحشر؛ لقوله بعد {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} واحتج الأولون بأن الملائكة لما بشروهم بالجنة، صارت الجنة كأنها دارهم، فيكون المراد بقوله: {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} أي: خاصة لكم، "يَقُولونَ" يعني الملائكة: "سَلامٌ عَلَيْكُم" وقيل: يُبلِّغونَهم سلام الله. قوله: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ} يحتمل ما ذكرناه فيما تقدم، وإذا جعلنا "يَقُولون" خبراً فلا بدَّ من عائدٍ محذوفٍ، أي: يقولون لهم، وإذا لم نجعله خبراً، كان حالاً من الملائكة؛ فيكون "طَيِّبينَ" حالاً من المفعول، و "يَقُولُونَ" حالاً من الفاعل، وهي يجوز أن تكون حالاً مقارنة، أي: كان القول واقعاً في الدنيا، ومقدرة إن كان واقعاً في الآخرة. ومعنى "طَيِّبينَ"، أي ظاهرين من الشرك، وقيل: صالحين، وقيل: زاكية أعمالهم وأقوالهم، وقيل: طيِّبي الأنفس؛ ثقة بما يلقونه من ثواب الله - تعالى - وقيل: طيبة نفوسهم، بالرجوع إلى الله، وقيل: طيِّبين، أي: يكون وفاتهم طيبة سهلة. و "ما" في "بِمَا" مصدرية، أو بمعنى الذي؛ فالعائد محذوف.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: اجتمعت قريش فقالوا: إن محمداً رجل حلو اللسان، إذا كلمه الرجل ذهب بعقله، فانظروا أناساً من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم، فابعثوهم في كل طريق من طرق مكة على رأس كل ليلة أو ليلتين، فمن جاء يريده فردوه عنه. فخرج ناس منهم في كل طريق، فكان إذا أقبل الرجل وافداً لقومه ينظر ما يقول محمد فينزل بهم. قالوا له: أنا فلان ابن فلان. فيعرفه بنسبه ويقول: أنا أخبرك عن محمد، فلا يريد أن يعني إليه، هو رجل كذاب، لم يتبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيه. وأما شيوخ قومه وخيارهم، فمفارقون له فيرجع أحدهم. فذلك قوله {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأوّلين} فإذا كان الوافد ممن عزم الله له على الرشاد فقالوا له مثل ذلك في محمد، قال: بئس الوافد انا لقومي إن كنت جئت، حتى إذا بلغت إلا مسيرة يوم، رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل. وانظر ما يقول: وآتي قومي ببيان أمره، فيدخل مكة فيلقى المؤمنين فيسألهم: ماذا يقول محمد؟ فيقولون: {أية : خيراً للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} تفسير : [النحل: 30] يقول: مال {أية : ولدار الآخرة خير}تفسير : [النحل: 30] وهي الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال إن أناساً من مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من أتى نبي الله صلى الله عليه وسلم فإذا مروا سألوهم فأخبروهم بما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إنما هو أساطير الأوّلين.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} أي لأولئك المنكِرين المستكبرين، وهو بـيانٌ لإضلالهم غِبَّ بـيانِ ضلالهم {مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ} القائلُ: الوافدون عليهم أو المسلمون أو بعضٌ منهم على طريق التهكم، وماذا منصوبٌ بما بعده أو مرفوع، أي أيَّ شيءٍ أنزل أو ما الذي أنزله {قَالُواْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي ما تدّعون نزوله، والمنزلُ بطريق السخرية أحاديثُ الأولين وأباطيلهم وليس من الإنزال في شيء، قيل: هؤلاء القائلون هم المقتسمون الذين اقتسموا مداخلَ مكةَ ينفِّرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سؤال وفودِ الحاجِّ عما نزل عليه عليه السلام. {لِيَحْمِلُواْ} متعلق بقالوا أي قالوا ما قالوا ليحملوا {أَوْزَارَهُمْ} الخاصةَ بهم وهي أوزارُ ضلالهم {كَامِلَة} لم يكفَّرْ منها شيءٌ بنكبة أصابتهم في الدنيا كما يكفّر بها أوزارُ المؤمنين {يَوْم ٱلْقِيَـٰمَةِ} ظرفٌ ليحمِلوا {وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} وبعضِ أوزارِ مَنْ ضل بإضلالهم وهو وِزرُ الإضلال لأنهما شريكان، هذا يُضله وهذا يطاوعه، فيتحاملان الوزر، واللام للتعليل في نفس الأمر من غير أن يكون غرضاً، وصيغةُ الاستقبال للدلالة على استمرار الإضلالِ أو باعتبار حال قولِهم لا حالِ الحمل {بِغَيْرِ عِلْمٍ} حال من الفاعل أي يضلونهم غيرَ عالمين بأن ما يدْعون إليه طريقٌ للضلال، وأما حملُه على معنى غيرَ عالمين بأنهم يحمِلون يوم القيامة أوزارَ الضلال والإضلال ـ على أن يكون العاملُ في الحال قالوا وتأيـيدُه بما سيأتي من قوله تعالى: {وَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} من حيث إن حملِ ما ذكر من أوزار الضلالِ والإضلال من قبـيل إتيانِ العذاب من حيث لا يشعرون ـ فيردُّه أن الحملَ المذكورَ إنما هو يوم القيامة والعذابَ المذكور إنما هو العذابُ الدنيوي، كما ستقف عليه، أو حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضُلاّلٌ، وفائدةُ التقيـيد بها الإشعارُ بأن مكرهم لا يرُوج عند ذي لُب، وإنما يتبعهم الأغبـياءُ والجهلة، والتنبـيهُ على أن جهلَهم ذلك لا يكون عذراً إذ كان يجب عليهم أن يبحثوا ويميزوا بـين الحقِّ الحقيقِ بالاتباع وبـين المُبطل {أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ} أي بئس شيئاً يزِرونه ما ذكر. {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} وعيدٌ لهم برجوع غائلة مكرِهم إلى أنفسهم كدأب مَنْ قبلهم من الأمم الخاليةِ الذين أصابهم ما أصابهم من العذاب العاجلِ، أي قد سوَّوا منصوباتٍ ليمكروا بها رسلَ الله تعالى {فَأَتَى ٱللَّهُ} أي أمرُه وحكمُه {بُنْيَانهم} وقرىء بـيتهم وبـيوتهم {مّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} وهي الأساطينُ التي تعمِده أو أساسُه فضعضَعَتْ أركانَه {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} أي سقط عليهم سقفُ بنيانهم إذ لا يتصور له القيامُ بعد تهدّم القواعدِ، شُبّهت حالُ أولئك الماكرين في تسويتهم المكايدَ والمنصوباتِ التي أرادوا بها الإيقاعَ برسل الله سبحانه، وفي إبطاله تعالى تلك الحيلَ والمكايدَ وجعلِه إياها أسباباً لهلاكهم بحال قومٍ بنَوا بنياناً وعمَدوه بالأساطين فأُتيَ ذلك من قِبل أساطينِه بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف فهلكوا، وقرىء فخر عليهم السُّقُفُ بضمتين {وَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي الهلاك والدمار {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} بإتيانه منه بل يتوقعون إتيانَ مقابلِه مما يريدون ويشتهون، والمعنى أن هؤلاء الماكرين القائلين للقرآن العظيم أساطيرُ الأولين سيأتيهم من العذاب مثلُ ما أتاهم وهم لا يحتسبون، والمرادُ به العذابُ العاجل لقوله سبحانه: {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ} فإنه عطفٌ على مقدر ينسحب عليه الكلام، أي هذا الذي فُهم من التمثيل من عذاب هؤلاءِ أو ما هو أعمُّ منه ومما ذكر من عذاب أولئك جزاؤُهم في الدنيا ويوم القيامة يُخزيهم أي يُذِلهم بعذاب الخِزْي على رؤوس الأشهادِ، وأصلُ الخزي ذُلٌّ يُستحْيـىٰ منه، وثم للإيماء إلى ما بـين الجزاءين من التفاوت مع ما يدل عليه من التراخي الزماني، وتغيـيرُ السبك ـ بتقديم الظرف ـ ليس لقصر الخزي على يوم القيامة كما هو المتبادرُ من تقديم الظرف على الفعل بل لأن الإخبارَ بجزائهم في الدنيا مؤذِنٌ بأن لهم جزاءً أخروياً فتبقىٰ النفسُ مترقبة إلى وروده سائلةً عنه بأنه ماذا، مع تيقنها بأنه في الآخرة فسيق الكلامُ على وجه يُؤذِن بأن المقصود بالذكر إخزاؤهم لا كونُه يوم القيامة، والضمير إما للمفترين في حق القرآنِ الكريم أو لهم ولمن مُثّلوا بهم من الماكرين كما أشير إليه وتخصيصُه بهم يأباه السِّباقُ والسياق كما ستقف عليه. {وَيَقُولُ} لهم تفضيحاً وتوبـيخاً فهو الخ، بـيان للإخزاء {أَيْنَ شُرَكَائِىَ} أضافهم إليه سبحانه حكاية لإضافتهم الكاذبة، ففيه توبـيخٌ مع الاستهزاء بهم {ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰقُّونَ فِيهِمْ} أي تخاصمون الأنبـياءَ والمؤمنين في شأنهم بأنهم شركاءُ حقاً حين بـينوا لكم بطلانَها؟ والمرادُ بالاستفهام استحضارُهم للشفاعة أو المدافعةُ على طريقة الاستهزاء والتبكيتِ، والاستفسارُ عن مكانهم لا يوجب غَيبتَهم حقيقةً حتى يُعتذَرَ بأنهم يجوز أن يُحال بـينهم وبـين عبدَتِهم حينئذ ليتفقدوها في ساعة علقوا بها الرجاءَ فيها، أو بأنهم لما لم ينفعوهم فكأنهم غُيّب، بل يكفي في ذلك عدمُ حضورهم بالعنوان الذي كانوا يزعُمون أنهم متصفون من عنوان الإلٰهية، فليس هناك شركاءُ ولا أماكنُها، على أن قوله ليتفقدوا ليس بسديد فإنه قد تبـين عندهم الأمرُ حينئذ فرجعوا عن ذلك الزعم الباطلِ فكيف يتصور منهم التفقد وقرىء بكسر النون أي تشاقّونني على أن مشاقّةَ الأنبـياءِ عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين لا سيما في شأن متعلق به سبحانه مشاقةٌ له عز وجل {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} من أهل الموقفِ وهم الأنبـياءُ والمؤمنون الذين أوتوا علماً بدلائل التوحيدِ وكانوا يدْعونهم في الدنيا إلى التوحيد فيجادلونهم ويتكبرون عليهم، أي يقولون توبـيخاً فهو وإظهاراً للشماتة بهم وتقريراً لما كانوا يعِظونهم وتحقيقاً لما أوعدوهم به، وإيثارُ صيغةِ الماضي للدلالة على تحققه وتحتّم وقوعِه حسبما هو المعتادُ في إخباره سبحانه وتعالى كقوله: { أية : وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [الأعراف، الآية 44] { أية : وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلأَعْرَافِ} تفسير : [الأعراف، الآية 48] {إِنَّ ٱلْخِزْىَ} الفضيحةَ والذل والهوان {ٱلْيَوْمَ} منصوبٌ بالخزي على رأي من يرى إعمالَ المصدرِ المصدّر باللام، أو بالاستقرار في الظرف، وفيه فصلٌ بـين العامل والمعمول بالمعطوف إلا إنه مغتفرٌ في الظروف، وإيرادُه للإشعار بأنهم كانوا قبل ذلك في عزّة وشِقاق {وَٱلْسُّوء} العذاب {عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} بالله تعالى وبآياته ورسله.

القشيري

تفسير : لَحِقَهم شؤمُ تكذيبهم، فأَصرُّوا على إعراضهم عن النظر، وقَسَتْ قلوبُهم ولم تجنح إلى الإقرار بالحق، فَلَبِّسُوا على من يسائلهم، وقالوا: هذا الذي جاء به محمد من أكاذيب العجم. فَضلُّوا وأَضَلوا.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا قيل لهم} عن السعدى اجتمعت قريش فقالوا ان محمدا رجل حلو اللسان اذا كلم رجلا ذهب بقلبه فانظروا اناسا من اشرافكم فابعثوهم فى كل طريق مكة على رأس ليلة او ليلتين فمن جاء يريده ردوه عنه فخرج ناس منهم من كل طريق فكان اذا جاء وافد من القوم ينظر ما يقول محمد فنزل بهم قالوا له هو رجل كذاب مايتبعه الا السفهاء والعبيد من لا خير فيه واما اشياخ قومه واخيارهم فهم مفارقوه فيرجعه احدهم واذا كان الوافد ممن هداه الله يقول بئس الوافد انا لقومى ان كنت جئت حتى اذا بلغت مسيرة يوم رجعت قبل ان القى هذا الرجل فانظر ما يقول فيدخل مكة فيلقى المؤمنين فيسألهم ما يقول لهم فيقولون خيرا فذلك قوله تعالى {واذا قيل لهم} اى لهؤلاء المشركين المستكبرين المقتسمين من قبل الوفود اووفود الحاج فى الموسم {ماذا انزل ربكم} ماذا منصوب بانزل بمعنى أى شئ انزل ربكم على محمد {قالوا اساطير الاولين} عدلوا عن الجواب فقالوا هذا اساطير الاولين على ان يكون خبر مبتدأ محذوف لانهم انكروا انزال القرآن بخلاف قوله {أية : وقيل للذين اتقوا ماذا انزل ربكم قالوا خيرا}تفسير : كما يجيئ ويجوز ان يكون ماذا مرفوعا بالابتداء اى ما الذى انزله ربكم قالوا اساطير الاولين اى ما تدعون نزوله احاديث الامم السالفة وباطيلهم وليس من الانزال فى شئ: يعنى [هيج نفر ستاده وآنجه آدمى خواند اساطير الاولين است] قال فى القاموس الاساطير الاحاديث لا نظام لها جمع اسطار واسطير بكسرهما واسطور وبالهاء فى الكل.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ماذا}، يجوز أن يكون اسمًا واحدًا مركبًا منصوبًا بـ {أَنزل}، وأن تكون (ما): استفهامية في موضع رفع بالابتداء، و (ذا): بمعنى "الذي": خبر، وفي أنزل ضميرٌ محذوف، أي: ما الذي أنزله ربكم؟ واللام في {ليحملوا}: لام العاقبة والصيرورة، أي: قالوا: هو أساطير الأولين؛ فأوجب ذلك أن يحملوا أوزارهم وأوزار غيرهم، وقيل: لام الأمر، و {بغير علم}: حال من المفعول في {يُضلونهم}، أو من الفاعل، و {تُشاقُّون}: من قرأه بالكسر؛ فالمفعول: ضمير المتكلم، وهو الله تعالى، ومن قرأه بالفتح؛ فالمفعول محذوف، أي: تشاقون المؤمنين من أجلهم. و {ظالمي أنفسهم}: حال من ضمير المفعول في: "تتوفاهم". يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإذا قيل لهم} أي: كفار قريش: {ماذا أنزل ربكم} على رسوله محمد - عليه الصلاة والسلام -؟ {قالوا}: هو {أساطير الأولين} أي: ما سطره الأولون وكتبوه من الخرافات. وكان النضر بن الحارث قد اتخذ كتب التواريخ، ويقول: إنما يُحدِّث مُحمدٌ بأساطير الأولين، وحديثي أجمل من حديثه. والقائل لهم هم المقتسِمُون، وتسميته، حينئذ، مُنزلاً؛ إما على وجه التهكم، أو على الفَرض والتقدير، أي: على تقدير أنه منزل، فهو أساطير لا تحقيق فيه. ويحتمل أن يكون القائل لهم المؤمنين، فلا يحتاج إلى تأويل. {ليحملوا أوزارهَم كاملةً يوم القيامة} أي: قالوا ذلك؛ ليُضلوا الناس، فكان عاقبتهم أن حملوا أوزار ضلالهم كاملة، {ومن أوزارِ الذين يُضلونهم}: وبعض أوزار ضلال من كانوا يضلونهم - وهو حصة التسبب في الوقوع في الضلال - حال كونهم {بغير علم} أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضُلاّل. وفيه دليل على أن الجاهل في العقائد غير معذور؛ إذ كان يجب عليه أن يبحث عن الحق وأهله، وينظر في دلائله وحُججه. قال البيضاوي: {بغير علم}: حال من المفعول؛ أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضُلاّل، وفائدتها: الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم؛ إذ كان عليهم أن يبحثوا، ويميزوا بين المحق والمبطل. هـ. وقال المحشي: ففيه ذم تقليد المبطل، وأن مقلده غير معذور، بخلاف تقليد المحق الذي قام بشاهد صدقه المعجزة، أو غير ذلك، كدليل العقل والنقل فيما تعتبر دلالته. هـ. قلت: ويجوز أن يكون حالاً من الفاعل، أي: يُضِلُّونَ في حال خلوهم من العلم، فقد جمعوا بين الضلال والإضلال. قال تعالى في شأن أهل الإضلال: {ألا سَاءَ ما يَزِرُون}، أي: بئس شيئًا يزرونه فعلهم هذا. {قد مكر الذين من قَبلِهم} أي: دبروا أمورًا ليمكروا بها الرسل، {فأتى اللهُ بُنيانهم من القواعد} أي: قصد ما دبروه من أصله، فهدمه، {فخرَّ عليهم السَّقْفُ من فوقهم}، وصار ما دبروه، وبنوه من المكر، سبب هلاكهم، {وأتاهم العذابُ من حيث لا يشعرون}؛ لا يحتسبون ولا يتوقعون، وهو على سبيل التمثيل. وقال ابن عباس وغيره: المراد به نمرود بن كنعان، بنى الصرح ببابل، سُمْكُهُ خمسة آلاف ذراع؛ ليترصّد أمر السماء، فبعث الله ريحًا فهدمته، فخرَّ عليه وعلى قومه، فهلكوا، وقيل: إن جبريل عليه السلام هدمه، فألقى أعلاه في البحر، وانجعف من أسفله. {ثم يَوْمَ القيامة يُخزيهم}: يذلهم ويعذبهم بالنار، {ويقول أين شركائِيَ}، أضافها إلى نفسه؛ استهزاء، أو حكاية لإضافتهم إياها إليه في الدنيا؛ زيادةً في توبيخهم، أي: أين الشركاء {الذين كنتم تُشاقون فيهم}: تعادون المؤمنين في شأنهم، أو تشاقونني في شأنهم؛ فإن مُشاقة المؤمنين كمشاقته، أو تحاربون وتخارجون، فتكونون في شق والحق في شق، {قال الذين أُوتوا العلم}؛ وهم الأنبياء والعلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد، فيشاققونهم ويتكبرون عليهم، أو الملائكة: {إنّ الخزي اليوم والسُّوءَ}: الذلة والعذاب {على الكافرين}. وفائدة قولهم ذلك لهم: إظهارُ الشماتة وزيادة الإهانة، وحكايته، ليكون لطفاً لمن سمعه من المؤمنين، فيزيد حذرًا وحزمًا في الطاعة، وقال الواحدي: إن الخزي اليوم والسوء عليهم لا علينا. هـ. أي: فيقولونه؛ اعترافًا واستبشارًا بإنجاز ما وعدهم الله، كما قالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذه الهداية. ثم وصفهم بقوله: {الذين تتوفاهم الملائكةُ}؛ تقبض أرواحهم {ظالمي أنفسِهِم}؛ بأن عرضوها للعذاب المخلد، {فألقَوُا السَّلَمَ} أي: استسلموا، وألقوا القياد من أنفسهم، حين عاينوا الموت، قائلين: {ما كنا نعملُ من سُوء}: من كفر وعدوان، يحتمل أن يكون قولهم ذلك قصدوا به الكذب؛ اعتصامًا به، كقولهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعَام: 23]، أو يكونوا أخبروا على حساب اعتقادهم في أنفسهم، فلم يقصدوا الكذب، ولكنه كذب في نفس الأمر. قال الحسن: هي مواطن، فمرة يُقرون على أنفسهم، كما قال تعالى: {أية : وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} تفسير : [الأنعَام: 130]، ومرة يجحدون كهذه الآية، فتجيبهم الملائكة بقولهم: {بلى} قد كنتم تعملون السوء والعدوان، {إن الله عليم بما كنتم تعملون} فهو يجازيكم عليه. وقيل: إن قوله: {فألقَوُا السَّلَمَ} إلى آخر الآية، راجع إلى شرح حالهم يوم القيامة، فيتصل في المعنى بقوله عزّ وجلّ: {أين شركائي الذين كنتم تُشاقون فيهم} إلخ، فيكون الرَّادُ عليهم بقوله: {بلى)، هو الله تعالى، أو: أولو العلم، ويُقوي هذا قوله بعده {فادخلوا أبواب جهنم}؛ لأن دخولها لا يكون إلا بعد البعث والحساب، لا بعد الموت؛ إذ لا يكون بعد الموت إلا العرض عليها غُدوًا وعشيًا، والمراد بدخول أبوابها، أي: التي تفضي إلى طبقاتها، التي هي بعضها على بعض، وأبوابها كذلك، كل صنف يدخل من بابه المُعَدِّ له، {خالدين فيها فلبئس مثوى} أي: مقام {المتكبرين} جهنم. الإشارة: وإذا قيل لأهل الغفلة والإنكار: ماذا أنزل ربكم، على قلوب أولياء زمانكم؛ من المواهب وأسرار الخصوصية؟ قالوا: أساطير الأولين، ثم عَوَّقُوا الناس عن الدخول في طريقهم؛ لتطهير قلوبهم، فيحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة؛ حيث ماتوا مصرين على الكبائر وهم لا يشعرون. ويحملون من أوزار الذين يضلونهم عن طريق الخصوص بغير علم، بل جهلاً وعنادًا وحسدًا، ألا ساء ما يزرون. قلت: الذي أتلف العوام عن الدين ثلاثة أصناف: علماء السوء، وفقراء السوء - وهم أهل الزوايا والنسبة -، وقراء السوء؛ لأن هؤلاء هم المقتدى بهم، والمنظور إليهم، فإذا رأوهم أقبلوا على الدنيا، وقصروا في الدين، تبعوهم على ذلك؛ فضلوا معهم، فقد ضلوا وأضلوا، وإذا أنكروا على أولياء الله، ومكروا بهم، اقتدوا بهم في ذلك فيتولى الله حفظ أوليائه، ويهدم مكرهم؛ قال تعالى: {فأتى الله بنيانهم من القواعد}... الآية، فإذا كان يوم القيامة أبعدهم عن حضرته، وأسكنهم مع عوام خلقه. فإذا أنكروا ما فعلوا في الدنيا، يقال لهم: {بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون}، فيخلدون في عذاب القطيعة والحجاب، فبئس مثوى المتكبرين. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر اضدادهم فقال: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ}

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى إذا قيل لهؤلاء الكفار على وجه الاستفهام: ما الذي أنزل ربكم على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؟ أجابوا بأن {قالوا: أساطير الأولين} يعني أحاديث الأولين الكاذبة، في قول ابن عباس وغيره، وأحدها أسطورة سمي ذلك، لانهم كانوا يسطرونها في الكتب. وقوله {ليحملوا أوزارهم} أي أثقالهم من المعاصي، والوزر الاثم، والوزر الثقل، ومنه الوزير، لانه يحمل الاثقال عن الملك، يقال وازره على امره أي عاونه بحمل الثقل معه، واللام لام العاقبة، لانهم لم يقصدوا بما فعلوه ليتحملوا أوزارهم. وقوله {كاملة} معناه حمل المعاصي تامة على أقبح وجوهها من غير اخلال بشيء منها {ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} معناه إِنهم يتحملون مع أوزارهم من أوزار من أضلوه عن دين الله وأغووه عن اتباع الحق، بغير علم منهم بذلك بل كانوا جاهلين. والمعنى إِن هؤلاء كانوا يصدون من أراد الايمان بالنبي (صلى الله عليه وسلم) فعليهم آثامهم وآثام أبنائهم لاقتدائهم بهم. وعلى هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "حديث : ايما داع دعا إِلى الهدى فاتبع، فله مثل اجورهم من غير ان ينقص من اجورهم شىء، وايما داع دعا الى الضلالة فان عليه مثل اوزار من اتبعه من غير ان ينقص من اوزارهم شيء ". تفسير : والوجه في تحملهم أوزار غيرهم أحد شيئين: احدهما - انه اراد بذلك إِغواءهم واضلالهم، وهي اوزارهم فأضاف الوزر إِلى المفعول به، كما قال {أية : إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} تفسير : والثاني - ان يكون أراد اقتداء غيرهم بهم فيستحقون على معصيتهم زيادة عقاب، فجاز لذلك أن يضاف اليهم. ثم أخبر تعالى فقال {ألا ساء ما يزرون} أي بئس الشيء الذي يتحملونه، لانهم يحملون ما يؤدي الى العقاب، ومعنى يزرون يحملون ثقل الآثام.

الجنابذي

تفسير : قالوا ذلك اضلالاً للنّاس وصدّاً وكان غاية ذلك ان يحملوا اوزار ذلك القول والصّدّ وبعض اوزار من اضلّوهم وبغير علمٍ ظرف مستقرّ حال من مفعول يضلّونهم او فاعله او فاعل ليحملوا، او ظرف لغو متعلّق بيحموا او يضلّونهم، وفى الخبر انّما لم يعذر الجاهل لانّ عليه ان يبحث وينظر بعقله حتّى يميّز بين المحقّ والمبطل، وعن الباقر (ع) ماذا انزل ربّكم فى علىٍّ (ع) قالوا اساطير الاوّلين وعن الصّادق (ع) والله ما اهريقت محجمة من دم ولا قرع بعصاً بعصاً ولا غصب فرج حرام ولا اخذ مال من غير حلّه الاّ وزر ذلك فى اعناقهما من غير ان ينقص من اوزار العالمين شيء.

فرات الكوفي

تفسير : {وإذا قيل لهم: ماذا أنزل ربكم قالوا: أساطير الأولين24} فرات قال: حدّثنا محمد بن القاسم [بن عبيد. أ، ب. قال: حدّثنا الحسن بن جعفر قال: حدّثنا أبو موسى المشرقاني قال: حدّثنا عبد الله بن عبيد عن علي بن سعيد.ش]: عن أبي حمزة الثمالي [عن جعفر الصادق عليه السلام. أ، ر] قال: قرأ جبرئيل [عليه السلام. ب، ر] على محمد صلى الله عليه وآله وسلم [هذه الآية. أ، ش، ر] هكذا: {وإِذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم} في علي {قالوا: أساطير الأولين}.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ} أي: إذا قال المؤمنون للمشركين ماذا أنزل ربكم { قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}. وإنما ارتفعت لأنهم قالوا: إنه أساطير الأولين، وهذه حكاية، أي: كذب الأولين وباطلهم. فليس يقرون أن الله أنزل كتاباً، ويقولون: إن النبي افتراه من عنده. وإنما قال ذلك ناس من المشركين، مشركي العرب، كانوا يرصدون بطريق مكة من أتى النبي؛ فإذا مرّ بهم من المؤمنين من يريد النبي قالوا: إنما هو أساطير الأولين. وفي تفسير الكلبي: إن المقتسمين الذين تفرقوا على عقاب مكة أربعة نفر على كل طريق؛ أمرهم بذلك الوليد بن المغيرة فقال: إن الناس سائلوكم عن محمد غداً بعد الموسم؛ فمن سألكم عنه فليقل بعضكم إنه ساحر، وليقل الآخر: كاهن، وليقل الآخر شاعر، وليقل الآخر مجنون يهذي من أمّ رأسه؛ فإن رجعوا ورضوا بقولكم فذاك، وإلا لقوني عند البيت. فإذا سألوني صدّقتكم كلّكم. فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فشقّ عليه، فبعث مع كل الأربعة أربعة من أصحابه وقال لهم: إذا سألوا عني فكذبوا عني فحدّثوا الناس بما أقول. فكان إذا سئل المشركون ما صاحبكم، فقالوا: ساحر قال الأربعة الذين هم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلقوا حتى تسمعوه، بل هو رسول الله حقاً، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويأمر بصلة ذي القربى، وبأن يُقرَى الضيف، وبأن يُعبد الله، في كلام حسن جميل؛ فيقول الناس للمسلمين: والله لما تقولون أنتم أحسن مما يقول هؤلاء، والله لا نرجع حتى نلقاه، فهو قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}. قال: { لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ} أي: آثامهم في تفسير الحسن. وقال بعضهم: ذنوبهم، وهو واحد. { كَامِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ} يعني الذين قالوا أساطير الأولين { وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ} أي: بئس ما يحملون. أي: يحملون آثام أنفسهم ومثل آثام الذين دعوهم إلى الضلالة فاتّبعوهم عليها. وهو كقوله (أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ) تفسير : [العنكبوت:13] أي: يحملون آثامهم ومثل آثام الذين دعوهم إلى الضلالة فاتبعوهم عليها إلي يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزار الذين اتبعوهم شيء. هذا في القادة والأتباع. ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أيما داع دعا إلى هدى فاتّبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. وأيما داعٍ دعا إلى ضلالة فاتبع عليها كان عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ} أى إِذا قال المؤمنون للمشركين ماذا أنزل ربكم على محمد وما استفهامية مبتدأ وذا اسم موصول خبر أو مبتدأ وما خبر ويجوز كون ماذا اسما واحدا مركبا استفهاميا مفعولا مقدما لأنزل فتكون الجملة فعلية وما تقدم أولى لأَنهم أجابوا بالجملة الاسمية وهى أساطير مبتدأ المقدر ولو كان مفعول لأَنزل كما مر كان الأَنسب أن يقولوا أساطير بالنصب أى أنزل أساطير فيكون الجواب جملة فعلية وقد يجوز أن يكون ماذا مفعولا لأنزل والجملة مفعول فعلية واقع الجواب لها بالاسمية تأكيدا منهم لعنهم الله وعدولا عن المسئول بالجواب أى ليس من الإِنزال فى شىء {قَالُوا} أى المشركون {أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} خبر لمحذوف كما علمت أى الذى تدعون نزوله أساطير الأَولين لَيس منزلا من الله كما قلتم أو الذى أنزله ربنا أساطير الأَولين على طريق التهكم لا على الإِذعان لكونه من الله كقول فرعون إِن رسولكم الذى أُرسل إِليكم لمجنون فإِنه قاله تهكما لا إِذعانا لرسالة موسى عليه السلام أو الذى أنزله ربنا أساطير الأَولين لا تحقيق فيه أجازوا على الله العبث حتى أنزل مالا تحقيق فيه تعالى عن ذلك وجزموا أنه أنزل ذلك ولا تحقيق فيه، أو أرادوا أنه إِن كان من الله فهو أساطير الأَولين، والأَساطير الأَحاديث الباطلة ويجوز أن يكون القائل ماذا أنزل ربكم بعض المشركين لبعض تهكما، سيجيب البعض الآخر بذلك وقيل نزل ذلك فى النضر بن الحارث وقيل فى المقتسمين الذين تفرقوا فى الطرق ليضلوا من يمر عليهم. وعن الكلبى أنهم تفرقوا على عقاب مكة أربعة نفر على كل طريق أمرهم الوليد بن المغيرة أن يقولوا لمن سأَلهم عن محمد بعضهم إِنه مجنون وبعضهم إِنه ساحر وبعض إِنه يقول أساطير الأَولين وهكذا فإِن رضوا بذلك وإِلا فأنا عند البيت إِن سأَلونى أصدقكم كلكم فشق ذلك على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فبعث أربعة من أصحابه مع كل أربعة وأمرهم أن يقولوا إِذا كذبوا عنه لمن يأتى للموسم بل هو رسول الله حقا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بصلة ذى القربى وبأن يقرى الضيف ويعبد الله فى كلام حسن جميل فيقول الناس والله ما تقولون مما يقول هؤلاء والله لا يرجع حتى نلقاه.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} أي لأولئك المستكبرين، وهو بيان لإضلالهم غب بيان ضلالهم، وقيل: الضمير لكفار قريش الذين كانوا ـ كما روي عن قتادة ـ يقعدون بطريق من يغدو على النبـي صلى الله عليه وسلم ليطلع على جلية أمره فإذا مر بهم قال لهم: {مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ} على محمد عليه الصلاة والسلام {قَالُواْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي ما كتبه الأولون كما قالوا: {أية : ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ } تفسير : [الفرقان: 5] فالأساطير جمع أسطار جمع سطر فهو جمع الجمع؛ وقال المبرد: جمع أسطورة كأرجوحة وأراجيح ومقصودهم من ذلك أنه لا تحقيق فيه، وقيل: القائل لهم بعض المسلمين ليعلموا ما عندهم وقيل: القائل بعضهم على سبيل التهكم وإلا فهو لا يعتقد إنزال شيء، ومثل هذا يقال في الجواب عن تسميته بالمنزل في الجواب بناءاً على تقدير المبتدأ فيه ذلك، ويجوز أن يسموه بما ذكر على الفرض والتسليم ليردوه كقوله: {أية : هَـٰذَا رَبّى } تفسير : [الأنعام: 77] وقيل: قدروه منزلاً مجاراة ومشاكلة. وفي «الكشاف» أن {مَاذَا} منصوب ـ بأنزل ـ أي أي شيء أنزل ربكم أو مرفوع بالابتداء بمعنى أي شيء أنزله ربكم، فإذا نصبت فمعنى {أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} ما تدعون نزوله ذلك، وإذا رفعت فالمعنى المنزل ذلك كقوله تعالى: {أية : مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ } تفسير : [البقرة: 219] فيمن رفع اهـ، وقد خفي تحقيق مرامه على بعض المحققين، فقد قال صاحب "الفرائد": الوجه أن يكون مرفوعاً بالابتداء بدليل رفع {أَسَـٰطِيرُ } فإن جواب المرفوع مرفوع وجواب المنصوب منصوب ولم يقرأ أحد هنا بالنصب. / وقال صاحب "التقريب": إن في كلام الزمخشري نظراً وبينه بما بينه وأجاب بما أجاب، وأطال الطيبـي الكلام في ذلك، وقد أجاد صاحب "الكشف" في هذا المقام فقال: إن قوله أو مرفوع بالابتداء بمعنى أي شيء أنزله إيضاح وإلا فالمعنى ما الذي أنزله على المصرح به في "المفصل" إذ لا وجه لحذف الضمير من غير استطالة مع أن اللفظ يحتمل النصب والرفع احتمالاً سواء، وعلى ذلك يلوح الفرق بين التقديرين ظهوراً بيناً، فإن المنصوب وإن دل على ثبوت أصل الفعل وأن السؤال عن المفعول متقاعد عن دلالة المرفوع فقد علم أن الجملة التي تقع صلة للموصول حقها أن تكون معلومة للمخاطب وأين الحكم المسلم المعلوم من غيره، وإذا ثبت ذلك فليعلم أنه على تقديرين لم يطابق به الجواب لقوله في {أية : قَالُواْ خَيْرًا } تفسير : [النحل: 30] طوبق به الجواب بخلاف {أَسَـٰطِيرُ} وقوله هنا كقوله تعالى: {أية : مَاذَا يُنفِقُونَ } تفسير : [البقرة: 219] إلى آخره فيمن رفع تشبيه في العدول إلى الرفع لا وجهه فإن الجواب هنالك طبق السؤال بخلاف ما نحن فيه، وإنما قدر ما تدعون نزوله على تقدير النصب لأن السائل لم يكن معتقداً لإنزال محقق بل سئل عن تعيين ما سمع نزوله في الجملة فيكفي في رده إلى الصواب ما تدعون نزوله أساطير، وأما على تقدير الرفع فلما دل على أن الإنزال عنده محقق مسلم لا نزاع فيه وإنما السؤال عن التعيين للمنزل أجيب بأن ذلك المحقق عندك أساطير تهكماً إذ من المعلوم أن المنزل لا يكون أساطير فبولغ في رده إلى الصواب بالتهكم به وأنه بت الحكم بالتحقيق في غير موضعه فأرى السائل أنه طوبق ولم يطابق في الحقيقة بل بولغ في الرد، ويشبه أن يكون الأول جواباً للسؤال فيما بينهم أو الوافدين، والثاني جواباً عن سؤال المسلمين على ما ذكر من الاحتمالين لا العكس على ما ظن، هذا هو الأشبه في تقرير قوله الموافق لما ذكره من بعد على ما مر. وجعل ما ذكره هنالك وجهاً ثالثاً وأنه طوبق به الجواب هٰهنا وتوجيه اختلاف التقديرين ادعاءً ونزولاً بما مهدناه وإن ذهب إليه الجمهور تكلف عنه غنى اهـ. وقرىء {أساطير} بالنصب كما نص عليه أبو حيان وغيره فإنكار صاحب "الفرائد" من قلة الاطلاع.

ابن عاشور

تفسير : و{إذا قيل لهم} عطف على جملة {أية : قلوبهم منكرة} تفسير : [سورة النحل: 22]، لأن مضمون هذه من أحوالهم المتقدم بعضُها، فإنه ذُكر استكبارهم وإنكارهم الوحدانية، وأتبع بمعاذيرهم الباطلة لإنكار نبوءة محمد وبصدّهم الناس عن اتّباع الإسلام. والتقدير: قلوبهم منكرة ومستكبرة فلا يعترفون بالنبوءة ولا يخلّون بينك وبين من يتطلب الهدى، مضلّون للناس صادّونهم عن الإسلام. وذكر فعل القول يقتضي صدوره عن قائل يسألهم عن أمر حدث بينهم وليس على سبيل الفرض، وأنهم يجيبون بما ذكر مكراً بالدين وتظاهراً بمظهر الناصحين للمسترشدين المستنصحين بقرينة قوله تعالى: {أية : ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} تفسير : [سورة النحل: 25]. و{إذا} ظرف مضمّن معنى الشّرط. وهذا الشّرط يؤذن بتكرّر هذين القولين. وقد ذكر المفسرون أن قريشاً لما أهمّهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم ورأوا تأثير القرآن في نفوس الناس، وأخذ أتباع الإسلام يكثرون، وصار الواردون إلى مكّة في موسم الحجّ وغيره يسألون الناس عن هذا القرآن، و ماذا يدعو إليه، دبّر لهم الوليد بن المغيرة معاذير واختلاقاً يختلقونه ليقنعوا السّائلين به، فندب منهم ستة عشر رجلاً بعثهم أيام الموسم يقعدون في عقبات مكّة وطرقها التي يرد منها الناس، يقولون لمن سألهم: لا تغترّوا بهذا الذي يدّعي أنه نبيّ فإنه مجنون أو ساحر أو شاعر أو كاهن، وأن الكلام الذي يقوله أساطير من أساطير الأولين اكتتبها. وقد تقدم ذلك في آخر سورة الحِجر. وكان النضر بن الحارث يقول: أنا أقرأ عليكم ما هو أجمل من حديث محمد أحاديثَ رُسْتُمَ وإِسْفَنْدِيَارَ. وقد تقدّم ذكره عند قوله تعالى: {أية : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} تفسير : في سورة الأنعام (93). ومساءلة العرب عن بعث النبي كثيرة واقعة. وأصرحها ما رواه البخاري عن أبي ذرّ أنه قال: كنت رجلاً من غفار فبلَغَنَا أْن رجلاً قد خرج بمكّة يزعم أنه نبيء، فقلت لأخِي أُنَيْسٍ: انطلقْ إلى هذا الرجل كلّمْه وائتني بخبره، فانطَلَق فلقيَه ثم رجع، فقلتُ: ما عندك؟ فقال: والله لقد رأيتُ رجلاً يأمر بالخير وينهى عن الشرّ. فقلتُ: لم تشفني من الخبر، فأخذتُ جراباً وعصاً ثم أقبلت إلى مكّة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه، وأشربُ من ماء زمزم وأكون في المسجد... إلى آخر الحديث. وسؤال السّائلين لطلب الخبر عن المنزل من الله يدلّ على أن سؤالهم سؤال مسترشد عن دعوى بلغتهم وشاع خبرها في بلاد العرب، وأنهم سألوا عن حسن طويّة، ويصُوغون السؤال عن الخبر كما بلغتهم دعوتُه. وأما الجواب فهو جوابٌ بليغ تضمّن بيان نوع هذا الكلام، وإبطال أن يكون منزلاً من عند الله لأن أساطير الأولين معروفة والمنزّل من عند الله شأنه أن يكون غير معروف من قبل. و{ماذا} كلمة مركبة من (ما) الاستفهامية واسم الإشارة، ويقع بعدها فعل هو صلة لموصول محذوف ناب عنه اسم الإشارة. والمعنى: ما هذا الذي أنزل. و(ما) يستفهم بها عن بيان الجنس ونحوه. وموضعها أنها خبر مقدّم. وموضع اسم الإشارة الابتداءُ. والتقدير: هذا الذي أنزل ربكم ما هو. وقد تسامح النحويون فقالوا: إن (ذا) من قولهم (ماذا) صارت اسم موصول. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : يسألونك ماذا ينفقون} تفسير : في سورة البقرة (215). {وأساطير الأولين} خبر مبتدأ محذوف دلّ عليه ما في السؤال. والتقدير: هو أساطير الأوّلين، أي المسؤول عنه أساطير الأوّلين. ويعلم من ذلك أنه ليس منزّلاً من ربهم لأن أساطير الأوّلين لا تكون منزّلة من الله كما قلناه آنفاً. ولذلك لم يقع {أساطير الأولين} منصوباً لأنه لو نصب لاقتضى التقدير: أنزل أساطير الأولين، وهو كلام متناقض. لأن أساطير الأولين السابقة لا تكون الذي أنزل الله الآن. والأساطير: جمع أسطار الذي هو جمع سطر. فأساطير جمع الجمع. وقال المبرّد: جمع أسطورة ــــ بضم الهمزة ــــ كأرجوحة. وهي مؤنثة باعتبار أنها قصة مكتوبة. وهذا الذي ذكره المبرّد أولى لأنها أساطير في الأكثر يعني بها القصص لا كل كتاب مسطور. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأوّلين} تفسير : في سورة الأنعام (25). واللاّم في {ليحملوا أوزارهم} تعليل لفعل {قالوا}، وهي غاية وليست بعلّة لأنّهم لما قالوا {أساطير الأولين} لم يريدوا أن يكون قولهم سبباً لأن يحملوا أوزار الّذين يضلّونهم، فاللام مستعملة مجازاً في العاقبة مثل {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} تفسير : [سورة القصص: 8]. والتقدير: قالوا ذلك القول كحال من يُغرى على ما يجر إليه زيادة الضرّ إذ حملوا بذلك أوزار الذين يُضلونهم زيادة على أوزارهم. والأوزار: حقيقتها الأثقال، جمع وزر بكسر الواو وسكون الزاي وهو الثّقل. واستعمل في الجُرم والذنب، لأنّه يُثقل فاعله عن الخلاص من الألم والعناء، فأصل ذلك استعارة بتشبيه الجرم والذّنب بالوزر. وشاعت هذه الاستعارة، قال تعالى: {أية : وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} تفسير : في سورة الأنعام (31). كما يعبّر عن الذنوب بالأثقال، قال تعالى: {أية : وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} تفسير : [سورة العنكبوت: 13]. وحَمْل الأوزار تمثيل لحالة وقوعهم في تبعات جرائمهم بحالة حامل الثقل لا يستطيع تفصّياً منه، فلما شُبّه الإثم بالثقل فأطلق عليه الوِزر شبه التّورط في تبعاته بحمل الثّقل على طريقة التخييلية، وحصل من الاستعارتين المفرقتين استعارة تمثيلية للهيئة كلها. وهذا من أبدع التمثيل أن تكون الاستعارة التمثيلية صالحة للتفريق إلى عدّة تشابيه أو استعارات. وإضافة الأوزار إلى ضمير هم لأنّهم مصدرها. ووصفت الأوزار بـ {كاملة} تحقيقاً لوفائها وشدّة ثقلها ليسري ذلك إلى شدّة ارتباكهم في تبعاتها إذ هو المقصود من إضافة الحمل إلى الأوزار. و{مِنْ} في قوله تعالى: {ومن أوزار الذين يضلونهم} للسببية متعلقة بفعل محذوف دلّ عليْه حرف العطف وحرْف الجَر بعدَه إذ لا بدّ لحرف الجر من متعلّق. وتقديره: ويحملوا. ومفعول الفعل محذوف دلّ عليْه مفعول نظيره. والتّقدير: ويحملوا أوزاراً ناشئة عن أوزار الّذين يُضلونهم، أي ناشئة لهم عن تسبّبهم في ضلال المضلّلين ــــ بفتح اللاّم ـــ، فإنّ تسببهم في الضلال يقتضي مساواة المضلّل للضّال في جريمة الضّلال، إذ لولا إضلاله إياه لاهتدى بنظره أو بسؤال الناصحين. وفي الحديث الصّحيح «حديث : ومَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً»تفسير : . و{بغير علم} في موضع الحال من ضمير النصب في {يضلونهم}، أي يضلّون ناساً غير عالمين يحسبون إضلالهم نصحاً. والمقصود من هذا الحال تفظيع التضليل لا تقييده فإن التضليل لا يكون إلا عن عدم علم كُلاً أو بعضاً. وجملة {ألا ساء ما يزرون} تذييل. افتتح بحرف التّنبيه اهتماماً بما تتضمّنه للتحذير من الوقوع فيه أو للإقلاع عنه.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار إذا سئلوا عما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: لم ينزل عليه شيء. وإنما هذا الذي يتكلم به من أساطير الأولين، نقله من كتبهم. والأساطير: جمع أسطورة أو إسطارة، وهي الشيء المسطور في كتب الأقدمين من الأكاذيب والأباطيل. أصلها من سطر: إذا كتب. ومنه قوله تعالى: {أية : وَكِتَابٍ مُّسْطُورٍ}تفسير : [الطور: 2]. وقال بعض العلماء: الأساطير: الترهات والأباطيل. وأوضح هذا المعنى في آيات أخر. كقوله: {أية : وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}تفسير : [الفرقان: 5]، وقوله: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الأنفال: 31]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: {ماذا} يحتمل أن تكون "ذا" موصولة و"ما" مبتدأ، وجملة "أنزل" صلة الموصول، والموصول وصلته خبر المبتدأ. ويحتمل أن يكون مجموعهما اسماً واحداً في محل نصب، على أنه مفعول "أنزل" كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : ومثل ماذا بعد ما استفهام أو من إذا لم تلغ في الكلام تفسير : وبين جل وعلا كذب الكفار في دعواهم أن القرآن أساطير الأولين بقوله: {أية : قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ} تفسير : [الفرقان: 6] الآية، وبقوله هنا: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [النحل: 25].

القطان

تفسير : أساطير الاولين: أباطيل وخرافات السابقين من الأمم. الأوزار: الآثام واحدها وزر. ساء ما يزرون: بئس ما يعملون من آثام. فاتى الله بنيانهم من القواعد: هدمها من الأساس. فخر عليهم السقف: سقط عليهم. فالقوا السلم: استسلموا. مثوى المتكبرين: مكان إقامتهم. بعد ان ذكر الله تعالى دلائلَ التوحيد والبراهين الواضحة على بطلان عبادةِ الأصنام وعدَّدَ نِعمه على عبادِه وما سخَّره في هذا الكون للإنسان - أردفَ ذلك بذِكر شبُهاتِ من انكروا النبوة والجواب عنها فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}. كان كفار قريش وزعماؤهم يخشون أن يأتيَ الناسُ ويجتمعوا بالرسولِ الكريم عليه الصلاةُ والسلام ويقولون: ان محمداً رجلٌ حلو اللسان، إذا كلّمه أحدٌ ذهب بعقله. وكانوا يرقبون الطرقَ المؤدّيةَ الى مكة حتى يمنعوا من يأتي قاصداً الرسولَ الكريم ويصدّوه، كما يفترون على الرسول عليه الصلاة والسلام أقوالاً مختلقة، فتارةً يقولون إنه ساحر، وأخرى إنه شاعرٌ أن كاهن الخ، وما هذا الّذي يأتي به إلا أباطيل الأُمم السابقة وخرافاتها يتلوها على الناس. وكل هذه الأمور الّتي يأتونها من نوعِ الدعاية يدبِّرونها حتى يتفادوا الإيمان بالنبيّ الكريم ولكنّ اللهَ هزمهم ونَصَرَ رسوله والمؤمنين. {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ}. إما عمِلوا ما عملوا، وتقولَّوا الكذبَ ليصدُّوا الناسَ عن اتِّباع رسول الله، ولتكون عاقبتهم أنهم يتحملون آثامَهم وآثام الذين غرَّروا بهم وأضلُّوهم فاتَّبعوهم على جهلٍ وبغير علم. {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} بئس ما يرتكبونه من الإثمِ والذنوب. ثم بين لهم أن عاقبة مكرِهم عائدة إليهم، كدأْب مَن قبلَهم من الأمم السابقة الذين اصابهم من العذاب ما أصبهم بتكذيب رسلهم، فقال: {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ}. ان الذين من قبلهم من الأمم السابقة قد مكروا برسلهم وكذّبوهم ودبروا لهم المكايد، فأبطل الله كيدَهم ودمرهم بلادهم وهدمها من الأسس، فانهارت البيوت وخرَّت سقوفها على أصحابها، واتاهم العذاب من حيث لا يشعرون. والله سبحانه سوف لا يُنجيهم من العذاب في الآخرة، بل لهم عذابٌ أشد واعظم. {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ؟}. يسألهم الله تعالى يوم القيامة على سبيل الخِزي والاستهزاء بهم ويقول لهم: اين الذين اتخذتموهم شركاءَ لي في العبادة، وكنتم تحاربونني ورسُلي في سبيلهم؟ أين هم حتى ينصروكم ويمدوا لكم يد العون؟ فلا يستطيعون جوابا. {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}. وحينئذ يقول الذين يعلمون الحقّ من الأنبياء والمؤمنين والملائكة ان الذل والخزيَ والهوانَ اليوم على الكافرين المكذبين. قراءات: قرأ نافع: "تشاقونِ" بكسر النون. والباقون "تشاقونَ" بفتحها. ثم يبيّن ان الكافرين الذين يستحقون هذا العذاب هم الذين استمروا على كفرهم الى ان تتوفاهم الملائكة وهم ظالمون: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}. ماذا يفعلُون في ذلك الموقفِ المخزي؟. {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ}. إنهم استسملوا لَمّا عاينوا العذابَ قائلين: ما كنّا نشرك بربّنا احداً، ولكنّ الله يكذّبهم بقوله: {بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. ان الله لا يَخفى عليه شيء، وهو على علمٍ بما كنتم تكفرون وتكذبون. ثم بين الله تعالى مصيرهم المحتوم، فقال: {فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ}. ان مصيركم جهنمُ فادخلوها من أبوابها المتعددة، وذوقوا الواناً من العذاب خالدين فيها أبداً، وبئس المقامُ والمثوى لمن كان متكبراً عن اتّباع الرسل والاهتداء بما أُنزل عليهم من آيات. قراءات: قرأ حمزة: "الذين يتوفاهم" بالياء. والباقون بالتاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَسَاطِيرُ} (24) - وَإِذَا قِيلَ لِهؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ المُسْتَكْبِرِينَ: مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم؟ قَالُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الجَوَابِ: لَمْ يُنْزِلْ شَيْئاً، إِنَّمَا هذا الذِي نَسْمَعُهُ هُوَ مِنْ أَسَاطِيرِ الأَوَّلِينَ، مَأْخُوذٌ مِنْ كُتُبِهِمْ وَقَصَصِهِمْ. (وَيُرْوَى فِي سَبَبِ نُزُولِ هذِهِ الآيَةِ أَنَّ قُرَيْشاً تَذَاكَرَتْ أَمْرَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: إِنَّهُ حُلْوُ اللِّسَانِ إِذَا كَلَّمَهُ أَحَدٌ ذَهَبَ بِعَقْلِهِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا فِي الدُّرُوبِ المُؤَدِّيَةِ إِلى مَكَّةَ أُنَاساً مِنْ أَشْرَافِهِمْ يَصْرِفُونَ النَّاسَ عَنِ الوُصُولِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَكَانُوا إِذَا التَقَوا بِوَافِدٍ عَلَى الرَّسُولِ عَرَّفُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّ مُحَمّداً لَم يَتْبَعْهُ إِلاَّ العَبِيدُ وَالسُّفَهَاءُ، وَمَنْ لاَ خَيْرَ فِيهِمْ، أَمَّا شُيُوخُ قَوْمِهِ فَهُمْ لَهُ مُفَارِقُونَ، فَيَرْجِعُ الوَافِدُ، فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}. وَإِذَا كَانَ الوَافِدُ رَشِيداً فَأَصَرَّ عَلَى مُقَابَلَةِ مُحَمَّدٍ لِيَسْمَعَ مِنْهُ، فَيَدْخُلُ مَكَّةُ، وَيَلْقَى المُؤْمِنِينَ فَيَسْأَلُهُمْ عَنِ الرَّسُولِ، وَمَا يَقُولُ؟ فَيَقُولُونَ: خَيْراً. أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ- أَبَاطِيلُهُمْ المُسَطَّرَةُ فِي كُتُبِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقوله الحق: {مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ..} [النحل: 24]. يُوضِّح الاستدراك الذي أجراه الله على لسان المُتكلِّم؛ ليعرفوا أن لهم رباً. ولو لم يكونوا مؤمنين بِرَبٍّ، لأعلنوا ذلك، ولكنهم من غفلتهم اعترضوا على الإنزال، ولم يعترضوا على أن لهم رباً. وهذا دليل على إيمانهم بربٍّ خالق؛ ولكنهم يعترضون على محمد صلى الله عليه وسلم وما أُنزِل إليه من الله. و: {قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [النحل: 24]. والأساطير: هي الأكاذيب، ولو كانوا صادقين مع أنفسهم لَمَا أقرُّوا بالألوهية، ورفضوا أيضاً القول المُنْزل إليهم. ومنهم من قال: {أية : وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الفرقان: 5]. ولكن هناك جانب آخر كان له موقف مختلف سيأتي تبيانه من بعد ذلك، وهم الجانب المُضَادّ لهؤلاء؛ حيث يقول الحق سبحانه: {أية : وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ ..} تفسير : [النحل: 30]. ووراء ذلك قصة تُوضِّح جوانب الخلاف بين فريق مؤمن، وفريق كافر. فحين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه وعشيرته إلى الإيمان بالله الواحد الذي أنزل عليه منهجاً في كتاب مُعجز، بدأت أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم تنتشر بين قبائل الجزيرة العربية كلها، وأرسلت كُلَّ قبيلة وفداً منها لتتعرف وتستطلع مسألة هذا الرسول. ولكن كُفَّار قريش أرادوا أن يصدُّوا عن سبيل الله؛ فقسَّموا أنفسهم على مداخل مكة الأربعة، فإذا سألهم سائل من وفود القبائل "ماذا قال ربكم الذي أرسل لكم رسولاً؟". هنا يرد عليهم قسم الكفار الذي يستقبلهم: "إنه رسول كاذب، يُحرِّف ويُجدِّف". والهدف طبعاً أنْ يصُدّ الكفار وفود القبائل. ويخبر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بما حدث، وإذا قيل للواقفين على أبواب مكة من الوفود التي جاءت تستطلع أخبار للرسول: ماذا أنزل ربُّكم؟ يردُّون "إنه يُردِّد أساطير الأولين". وهذا الجواب الواحد من الواقفين على أبواب مكة الأربعة يدلُّ على أنها إجابة مُتفق عليها، وسبق الإعداد لها، وقد أرادوا بذلك أنْ يَصرِفوا وفود القبائل عن الاستماع لرسول الله صلى الله عليه وسلم فشبَّهوا الذِّكْر المُنزَّل من الله بمثل ما كان يرويه لهم - على سبيل المثال - النضر ابن الحارث من قصص القدماء التي تتشابه مع قصص عنترة، وأبي زيد الهلالي التي تروى في قُرَانا. وهذه هي الموقعة الأولى في الأخذ والرد. ويُعقِّب الحق سبحانه على قولهم هذا: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى -مخبرا عن شدة تكذيب المشركين بآيات الله: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ } أي: إذا سألوا عن القرآن والوحي الذي هو أكبر نعمة أنعم الله بها على العباد، فماذا قولكم به؟ وهل تشكرون هذه النعمة وتعترفون بها أم تكفرون وتعاندون؟ فيكون جوابهم أقبح جواب وأسمجه، فيقولون عنه: إنه { أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } أي: كذب اختلقه محمد على الله، وما هو إلا قصص الأولين التي يتناقلها الناس جيلا بعد جيل، منها الصدق ومنها الكذب، فقالوا هذه المقالة، ودعوا أتباعهم إليها، وحملوا وزرهم ووزر من انقاد لهم إلى يوم القيامة. وقوله: { وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي: من أوزار المقلدين الذين لا علم عندهم إلا ما دعوهم إليه، فيحملون إثم ما دعوهم إليه، وأما الذين يعلمون فكلٌّ مستقلٌّ بجرمه، لأنه عرف ما عرفوا { أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } أي: بئس ما حملوا من الوزر المثقل لظهورهم، من وزرهم ووزر من أضلوه. { قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } برسلهم واحتالوا بأنواع الحيل على رد ما جاءوهم به وبنوا من مكرهم قصورا هائلة، { فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ } أي: جاءها الأمر من أساسها وقاعدتها، { فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ } فصار ما بنوه عذابا عذبوا به، { وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ } وذلك أنهم ظنوا أن هذا البنيان سينفعهم ويقيهم العذاب فصار عذابهم فيما بنوه وأصَّلوه. وهذا من أحسن الأمثال في إبطال الله مكر أعدائه. فإنهم فكروا وقدروا فيما جاءت به الرسل لما كذبوهم وجعلوا لهم أصولا وقواعد من الباطل يرجعون إليها، ويردون بها ما جاءت [به] الرسل، واحتالوا أيضا على إيقاع المكروه والضرر بالرسل ومن تبعهم، فصار مكرهم وبالا عليهم، فصار تدبيرهم فيه تدميرهم، وذلك لأن مكرهم سيئ {أية : ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله } تفسير : هذا في الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى، ولهذا قال: { ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ } أي: يفضحهم على رءوس الخلائق ويبين لهم كذبهم وافتراءهم على الله. { وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ } أي: تحاربون وتعادون الله وحزبه لأجلهم وتزعمون أنهم شركاء لله، فإذا سألهم هذا السؤال لم يكن لهم جواب إلا الإقرار بضلالهم، والاعتراف بعنادهم فيقولون {أية : ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } تفسير : { قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } أي: العلماء الربانيون { إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ } أي: يوم القيامة { وَالسُّوءَ } أي: العذاب { عَلَى الْكَافِرِينَ } وفي هذا فضيلة أهل العلم، وأنهم الناطقون بالحق في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وأن لقولهم اعتبارا عند الله وعند خلقه، ثم ذكر ما يفعل بهم عند الوفاة وفي القيامة فقال: { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ } أي: تتوفاهم في هذه الحال التي كثر فيها ظلمهم وغيهم وقد علم ما يلقى الظلمة في ذلك المقام من أنواع العذاب والخزي والإهانة. { فَأَلْقَوُا السَّلَمَ } أي: استسلموا وأنكروا ما كانوا يعبدونهم من دون الله وقالوا: { مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ } فيقال لهم: { بَلَى } كنتم تعملون السوء فـ { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فلا يفيدكم الجحود شيئا، وهذا في بعض مواقف القيامة ينكرون ما كانوا عليه في الدنيا ظنا أنه ينفعهم، فإذا شهدت عليهم جوارحهم وتبين ما كانوا عليه أقروا واعترفوا، ولهذا لا يدخلون النار حتى يعترفوا بذنوبهم. { فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّم } كلُّ أهل عمل يدخلون من الباب اللائق بحالهم، { فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } نار جهنم فإنها مثوى الحسرة والندم، ومنزل الشقاء والألم ومحل الهموم والغموم، وموضع السخط من الحي القيوم، لا يفتَّر عنهم من عذابها، ولا يرفع عنهم يوما من أليم عقابها، قد أعرض عنهم الرب الرحيم، وأذاقهم العذاب العظيم.