Verse. 1927 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

قَدْ مَكَرَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِہِمْ فَاَتَى اللہُ بُنْيَانَہُمْ مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَــرَّ عَلَيْہِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِہِمْ وَاَتٰىہُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُوْنَ۝۲۶
Qad makara allatheena min qablihim faata Allahu bunyanahum mina alqawaAAidi fakharra AAalayhimu alssaqfu min fawqihim waatahumu alAAathabu min haythu la yashAAuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قد مكر الذين من قبلهم» وهو نمروذ بنى صرحاً طويلا ليصعد منه إلى السماء ليقاتل أهلها «فأتى اللهُ» قصد «بنيانهم من القواعد» الأساس فأرسل عليه الريح والزلزلة فهدمته «فخر عليهم السقف من فوقهم» أي هم تحته «وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون» من جهة لا تخطر ببالهم وقيل هذا تمثيل لإفساد ما أبرموه من المكر بالرسل.

26

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المقصود من الآية المبالغة في وصف وعيد أولئك الكفار، وفي المراد بالذين من قبلهم قولان: القول الأول: وهو قول الأكثر من المفسرين أن المراد منه نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع. وقيل فرسخان، ورام منه الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها، فالمراد بالمكر ههنا بناء الصرح لمقاتلة أهل السماء. والقول الثاني: وهو الأصح، أن هذا عام في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضرر والمكر بالمحقين. أما قوله تعالى: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُمْ مّنَ ٱلْقَوَاعِدِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: أن الإتيان والحركة على الله محال، فالمراد أنهم لما كفروا أتاهم الله بزلازل قلع بها بنيانهم من القواعد والأساس. المسألة الثانية: في قوله: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُمْ مّنَ ٱلْقَوَاعِدِ } قولان: القول الأول: أن هذا محض التمثيل، والمعنى أنهم رتبوا منصوبات ليمكروا بها أنبياء الله تعالى فجعل الله تعالى حالهم في تلك المنصوبات مثل حال قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين فانهدم ذلك البناء، وضعفت تلك الأساطين، فسقط السقف عليهم. ونظيره قولهم: من حفر بئراً لأخيه أوقعه الله فيه. والقول الثاني: أن المراد منه ما دل عليه الظاهر، وهو أنه تعالى أسقط عليهم السقف وأماتهم تحته، والأول أقرب إلى المعنى. أما قوله تعالى: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ } ففيه سؤال: وهو أن السقف لا يخر إلا من فوقهم، فما معنى هذا الكلام. وجوابه من وجهين: الأول: أن يكون المقصود بالتأكيد. والثاني: ربما خر السقف، ولا يكون تحته أحد، فلما قال: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ } دل هذا الكلام على أنهم كانوا تحته، وحينئذ يفيد هذا الكلام أن الأبنية قد تهدمت وهم ماتوا تحتها. وقوله: {وَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } إن حملنا هذا الكلام على محض التمثيل فالأمر ظاهر. والمعنى: أنهم اعتمدوا على منصوباتهم. ثم تولد البلاء منها بأعيانها، وإن حملناه على الظاهر فالمعنى أنه نزل ذلك السقف عليهم بغتة، لأنه إذا كان كذلك كان أعظم في الزجر لمن سلك مثل سبيلهم، ثم بين تعالى أن عذابهم لا يكون مقصوراً على هذا القدر، بل الله تعالى يخزيهم يوم القيامة، والخزي هو العذاب مع الهوان، وفسر تعالى ذلك الهوان بأنه تعالى يقول لهم: {أَيْنَ شُرَكَآئِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰقُّونَ فِيهِمْ } وفيه أبحاث: البحث الأول: قال الزجاج: قوله: {أَيْنَ شُرَكَائِىَ } معناه: أين شركائي في زعمكم واعتقادكم. ونظيره قوله تعالى: { أية : أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } تفسير : [الأنعام: 22] وقال أيضاً: { أية : وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } تفسير : [يونس: 28] وإنما حسنت هذه الإضافة لأنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، وهذا كما يقال لمن يحمل خشبة خذ طرفك وآخذ طرفي، فأضيف الطرف إليه. البحث الثاني: قوله: {تُشَـٰقُّونَ فِيهِمْ } أي تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم، وقيل: المشاقة عبارة عن كون أحد الخصمين في شق وكون الآخر في الشق الآخر. البحث الثالث: قرأ نافع: {تُشَـٰقُّونَ } بكسر النون على الإضافة، والباقون بفتح النون على الجمع. ثم قال تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } وفيه بحثان: البحث الأول: {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } قال ابن عباس: يريد الملائكة، وقال آخرون هم المؤمنون يقولون حين يرون خزي الكفار يوم القيامة إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين، والفائدة فيه أن الكفار كانوا ينكرون على المؤمنين في الدنيا فإذا ذكر المؤمن هذا الكلام يوم القيامة في معرض إهانة الكافر كان وقع هذا الكلام على الكافر وتأثيره في إيذائه أكمل وحصول الشماتة به أقوى. البحث الثاني: المرجئة احتجوا بهذه الآية على أن العذاب مختص بالكافر قالوا لأن قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } يدل على أن ماهية الخزي والسوء في يوم القيامة مختصة بالكافر، وذلك ينفي حصول هذه الماهية في حق غيرهم، وتأكد هذا بقول موسى عليه السلام: { أية : إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } تفسير : [طه: 48] ثم أنه تعالى وصف عذاب هؤلاء الكفار من وجه آخر فقال: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } قرأ حمزة: {يتوفاهم ٱلْمَلَـٰئِكَةَ } بالياء لأن الملائكة ذكور، والباقون بالتاء للفظ. ثم قال: {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ } وفيه قولان: القول الأول: أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت، قال ابن عباس: أسلموا وأقروا لله بالعبودية عند الموت. وقوله: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء } أي قالوا ما كنا نعمل من سوء! والمراد من هذا السوء الشرك، فقالت الملائكة رداً عليهم وتكذيباً: بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون من التكذيب والشرك، ومعنى بلى رداً لقولهم: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء } وفيه قولان: القول الأول: أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت. والقول الثاني: أنه تم الكلام عند قوله: {ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } ثم عاد الكلام إلى حكاية كلام المشركين يوم القيامة، والمعنى: أنهم يوم القيامة ألقوا السلم وقالوا ما كنا نعمل في الدنيا من سوء، ثم ههنا اختلفوا، فالذين جوزوا الكذب على أهل القيامة، قالوا: هذا القول منهم على سبيل الكذب وإنما أقدموا على هذا الكذب لغاية الخوف، والذين قالوا إن الكذب لا يجوز عليهم قالوا: معنى الآية، ما كنا نعمل من سوء عند أنفسنا أو في اعتقادنا، وأما بيان أن الكذب على أهل القيامة هل يجوز أم لا؟ فقد ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى: { أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23] واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا: ما كنا نعمل من سوء قال بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون، ولا يبعد أن يكون قائل هذا القول هو الله تعالى أو بعض الملائكة رداً عليهم وتكذيباً لهم، ومعنى بلى الرد لقولهم: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء } وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } يعني أنه عالم بما كنتم عليه في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب فإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم. ثم صرح بذكر العقاب فقال:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي سبقهم بالكفر أقوام مع الرسل المتقدّمين فكانت العاقبة الجميلة للرسل. {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} قال ابن عباس وزيد بن أسلم وغيرهما: إنه النُّمْروذ بن كَنْعَان وقومه، أرادوا صعود السماء وقتال أهله؛ فبَنُوا الصرح ليصعَدوا منه بعد أن صنع بالنسور ما صنع، فخرّ. كما تقدّم بيانه في آخر سورة «إبراهيم». ومعنى «فَأتَى اللَّهُ بنيانَهُم» أي أتى أمرُه البنيان، إمّا زلزلة أو ريحاً فخرّبته. قال ابن عباس ووهب: كان طول الصَّرْح في السماء خمسة آلاف ذراع، وعرضه ثلاثة ٱلاف. وقال كعب ومقاتل: كان طوله فرسخين، فهبّت ريح فألقت رأسه في البحر وخرّ عليهم الباقي. ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع يومئذ، فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً، فلذلك سُمّيَ بابل، وما كان لسان قبل ذلك إلا السُّرْيانية. وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة». وقرأ ابن هُرْمز وابن مُحَيْصن «السُّقُف» بضم السين والقاف جميعاً. وضم مجاهد السين وأسكن القاف تخفيفاً؛ كما تقدّم في «وبالنجم» في الوجهين. والأشبه أن يكون جمع سقف. والقواعد: أصول البناء، وإذا اختلت القواعد سقط البناء. وقوله: {مِن فَوْقِهِمْ} قال ابن الأعرابي: وَكّد ليعلمَك أنهم كانوا حالِّين تحته. والعرب تقول: خرّ علينا سقف ووقع علينا حائط إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه. فجاء بقوله: «مِن فوقِهِم» ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب فقال: «من فوقهم» أي عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفلتوا. وقيل: إن المراد بالسقف السماء؛ أي إن العذاب أتاهم من السماء التي هي فوقهم؛ قاله ابن عباس. وقيل: إن قوله: «فأتى اللَّهُ بنيانَهم من القواعِدِ» تمثيل، والمعنى: أهلكهم فكانوا بمنزلة من سقط عليه بنيانه. وقيل: المعنى أحبط الله أعمالهم فكانوا بمنزلة من سقط بنيانه. وقيل: المعنى أبطل مكرهم وتدبيرهم فهلكوا كما هلك من نزل عليه السقف من فوقه. وعلى هذا اختُلف في الذين خرّ عليهم السقف؛ فقال ابن عباس وابن زيد ما تقدّم. وقيل: إنه بُخْتَنَصّر وأصحابه؛ قاله بعض المفسرين. وقيل: المراد المقتسمون الذين ذكرهم الله في سورة الحجر؛ قاله الكلبيّ. وعلى هذا التأويل يخرج وجه التمثيل، والله أعلم. {وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} أي من حيث ظَنوا أنهم في أمان. وقال ابن عباس: يعني البعوضة التي أهلك الله بها نمروذاً.

البيضاوي

تفسير : {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } أي سووا منصوبات ليمكروا بها رسل الله عليهم الصلاة والسلام. {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ } فأتاها أمره من جهة العمد التي بنوا عليها بأن ضعضعت. {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ } وصار سبب هلاكهم. {وَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } لا يحتسبون ولا يتوقعون، وهو على سبيل التمثيل. وقيل المراد به نمروذ بن كنعان بنى الصرح ببابل سمكه خمسة آلاف ذراع ليترصد أمر السماء، فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا.

ابن كثير

تفسير : قال العوفي عن ابن عباس في قوله: {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} قال: هو النمروذ الذي بنى الصرح، قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد نحوه. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن زيد بن أسلم: أول جبار كان في الأرض النمروذ، فبعث الله عليه بعوضة، فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه، وكان جباراً أربعمائة سنة، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته، وهو الذي بنى الصرح إلى السماء الذي قال الله تعالى: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} وقال آخرون: بل هو بختنصر، وذكروا من المكر الذي حكاه الله ههنا كما قال في سورة إبراهيم {أية : وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} تفسير : [إبراهيم: 46] وقال آخرون: هذا من باب المثل لإبطال ما صنعه هؤلاء الذين كفروا بالله وأشركوا في عبادته غيره، كما قال نوح عليه السلام: {أية : وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً } تفسير : [نوح: 22] أي: احتالوا في إضلال الناس بكل حيلة، وأمالوهم إلى شركهم بكل وسيلة، كما يقول لهم أتباعهم يوم القيامة: {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً } تفسير : [سبأ: 33] الآية. وقوله: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} أي: اجتثه من أصله، وأبطل عملهم؛ كقوله تعالى: {أية : كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة: 64]، وقوله: {أية : فَأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَارِ} تفسير : [الحشر: 2]، وقال الله ههنا: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ} أي: يظهر فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم، فيجعله علانية؛ كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ } تفسير : [الطارق: 9] أي: تظهر وتشتهر؛ كما في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان» تفسير : وهكذا يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر، ويخزيهم الله على رؤوس الخلائق، ويقول لهم الرب تبارك وتعالى مقرعاً لهم وموبخاً: {أَيْنَ شُرَكَآئِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰقُّونَ فِيهِمْ} تحاربون وتعادون في سبيلهم، أين هم عن نصركم وخلاصكم ههنا؟ {أية : هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ} تفسير : [الشعراء: 93] {أية : فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ} تفسير : [الطارق: 10] فإذا توجهت عليهم الحجة، وقامت عليهم الدلالة، وحقت عليهم الكلمة، وسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} وهم السادة في الدنيا والآخرة، والمخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة، فيقولون حينئذ: {إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي: الفضيحة والعذاب محيط اليوم بمن كفر بالله، وأشرك به ما لا يضره وما لا ينفعه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } وهو (نمروذ) بنى صرحاً طويلاً ليصعد منه إلى السماء ليقاتل أهلها {فَأَتَى ٱللَّهُ } قصد {بُنْيَٰنَهُمْ مّنَ ٱلْقَوَاعِدِ } الأساس فأرسل عليه الريح والزلزلة فهدمته {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ } أي وهم تحته {وَأَتَٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } من جهة لا تخطر ببالهم وقيل هذا تمثيل لإِفساد ما أبرموه من المكر بالرسل.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد} فيه قولان: أحدهما: أنه هدم بنيانهم من قواعدها وهي الأساس. الثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى لاستئصالهم. {فخرّ عليهم السقف من فوقهم} فيه وجهان: أحدهما: فخرّ أعالي بيوتهم وهم تحتها، فلذلك قال{من فوقهم} وإن كنا نعلم أن السقف عال إلا أنه لا يكون فوقهم إذ لم يكونوا تحته، قاله قتادة. الثاني: يعني أن العذاب أتاهم من السماء التي هي فوقهم، قاله ابن عباس. وفي الذين خر عليهم السقف من فوقهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه النمرود بن كنعان وقومه حين أراد صعود السماء وبنى الصرح. فهدمه الله تعالى عليه، قاله ابن عباس وزيد بن أسلم. الثاني: أنه بختنصر وأصحابه، قاله بعض المفسرين. الثالث: يعني المقتسمين الذين ذكرهم الله تعالى في سورة الحجر، قاله الكلبي.

ابن عطية

تفسير : قال ابن عباس وغيره من المفسرين: الإشارة بـ {الذين من قبلهم} إلى نمرود الذي بنى صرحاً ليصعد فيه إلى السماء على زعمه، فلما أفرط في علوه وطوله في السماء فرسخين على ما حكى النقاش، بعث الله عليه رمحاً فهدمته، "وخر سقفه" عليه وعلى أتباعه، وقيل: جبريل هدمه بجناحه وألقى أعلاه في البحر وانحقف من أسفله، وقالت فرقة أخرى: المراد بـ {الذين من قبلهم} جميع من كفر من الأمم المتقدمة ومكر ونزلت فيه عقوبة من الله تعالى، وقوله على هذا {فأتى الله بنيانهم من القواعد} إلى آخر الآية، تمثيل وتشبيه، أي حالهم بحال من فعل به هذا، وقالت فرقة: المراد بقوله {فخر عليهم السقف من فوقهم} أي جاءهم العذاب من قبل السماء. قال القاضي أبو محمد: وهذا ينحو إلى اللعن، ومعنى قوله {من فوقهم} رفع الاحتمال في قوله {فخر عليهم السقف} فإنك تقول انهدم على فلان بناؤه وهو ليس تحته، كما تقول: انفسد عليه متاعه، وقوله {من فوقهم} ألزم أنهم كانوا تحته. وقوله {فأتى} أي أتى أمر الله وسلطانه، وقرأ الجمهور "بنيانهم"، وقرأت فرقة "بنيتهم"، وقرأ جعفر بن محمد "بيتهم"، وقرأ الضحاك "بيوتهم"، وقرأ الجمهور "السقْف" بسكون القاف، وقرأت فرقة بضم القاف وهي لغة فيه، وقرأ الأعرج "السُّقُف" بضم السين والقاف، وقرأ مجاهد "السُّقْف" بضم السين وسكون القاف، وقوله {ثم يوم القيامة} الآية، ذكر الله تعالى في هذه الآية المتقدمة حال هؤلاء الماكرين في الدنيا، ثم ذكر في هذه حالهم في الآخرة وقوله {يخزيهم} لفظ يعم جميع المكاره التي تنزل بهم، وذلك كله راجع إلى إدخالهم النار، وهذا نظير قوله {أية : ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} تفسير : [آل عمران: 192}. وقوله {أين شركائي} توبيخ لهم وأضافهم إلى نفسه في مخاطبة الكفار أي على زعمكم ودعواكم، قال أبو علي: وهذا كما قال الله تعالى حكاية {أية : ذق إنك أنت العزيز الكريم} تفسير : [الدخان: 49] وكما قال {يا أيها الساحر ادع لنا ربك} [الزخرف: 49]. قال القاضي أبو محمد: والإضافات تترتب معقولة وملفوظاً بأَرَق سبب، وهذا كثير في كلامهم، ومنه قول الشاعر: شعر : إذا قلت قدني قال تالله حلفة لتغني عني ذا إنائك أجمعا تفسير : فأضاف الإناء إلى حابسه، وقرأ البزي عن ابن كثير "شركاي" بقصر الشركاء، وقرأت فرقة "شركاءي" بالمد وياء ساكنة، و {تشاقون} معناه تحاربون وتحارجون، أي تكون في شق والحق في شق، وقرأ الجمهور "تشاقونَ" بفتح النون، وقرأ نافع وحده بكسر النون، ورويت عن الحسن بخلاف وضعف هذه القراءة أبو حاتم، وقد تقدم القول في مثله في الحجر في {أية : تبشرون}تفسير : [الحجر:54]، وقرأت فرقة "تشاقونّي" بشد النون وياء بعدها، و {الذين أوتوا العلم} هم الملائكة فيما قال بعض المفسرين، وقال يحيى بن سلام: هم المؤمنون وهذا الخطاب منهم يوم القيامة. قال القاضي أبو محمد: والصواب أن يعم جميع من آتاه الله علم ذلك من جميع من حضر الموقف من ملك أو إنسي، وغير ذلك، وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم} هدمه من أساسه، أو مثل ضربه الله ـ تعالى ـ لاستئصالهم {السَّقْفُ} أتاهم من السماء التي هي سقفهم"ع"، أو سقطت أعالي بيوتهم وهم تحتها فلذلك قال: {مِن فَوْقِهِمْ} إذ لا يكون فوقهم إلا وهم تحته. وهم نمروذ بن كنعان وقومه "ع"، أو بختنصر وأصحابه، أو المقتسمين المذكورين في سورة الحجر.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُم...} الآية: قال ابنُ عبَّاس وغيره من المفسِّرين: الإِشارة بـــ {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } إِلى نَمْرُوذَ الذي بنَى صَرْحاً؛ ليَصْعَدَ فيه إِلى السماء بزعمه، فلما أَفرَطَ في عُلُوِّه، وطَوَّلَهُ في السماء فَرْسَخَيْنِ؛ على ما حكَى النَّقَّاش، بعث اللَّه عليه ريحاً، فهدَمَتْه، وخَرَّ سقفه عليه، وعلى أتباعه، وقيل: إِن جبريلَ هَدَمَهُ بِجَنَاحِهِ، وألقَى أعلاه في البَحْر، وٱنْجَعَفَ من أسفله، وقالت فرقة: المراد بـــ {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }: جميعُ مَنْ كَفَر من الأمم المتقدِّمة، ومكَر، ونزلَتْ به عقوبةٌ، وقوله؛ على هذا: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ...} إلى آخر الآية، تمثيلٌ وتشبيهٌ، أي: حالُهم كحَالِ مَنْ فُعِلَ به هذا. وقوله: {يُخْزِيهِمْ }: لفظٌ يعمُّ جميع المكارِهِ التي تَنْزِلُ بهم؛ وذلك كلُّه راجعٌ إِلى إِدخالهم النَّار، ودخولهم فيها. و{تُشَـٰقُّونَ}: معناه: تحاربون، أي: تكُونُونَ في شِقٍّ، والحَقُّ في شِقٍّ، و{ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ}: هم الملائكةُ فيما قال بعضُ المفسِّرين، وقال يحيى بن سلام: هم المؤمنون. قال * ع *: والصوابُ أن يعمَّ جميعَ مَنْ آتاه اللَّه عِلْمَ ذلك مِنْ ملائكةٍ وأنبياء وغيرهم، وقد تقدَّم تفسير الخِزْي، وأنه الفضيحةُ المُخْجلة، وفي الحديث: « حديث : إِنَّ العَارَ وَالتَّخْزِيَةَ لَتَبْلُغُ مِنَ العَبْدِ فِي المَقَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يُنْطَلَقَ بِهِ إِلَى النَّارِ وَيَنْجُوَ مِنْ ذَلِكَ المَقَامِ » تفسير : أخرجه البغويُّ في «المسند المنتخب» له. انتهى من «الكوكب الدري». وقوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ }: {ٱلَّذِينَ }: نعتٌ لـــ {ٱلْكَـٰفِرِينَ }؛ في قول أكْثر المتأوِّلين، و{ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} يريد القابضِينَ لأرواحهم، و{ٱلسَّلَمَ}؛ هنا: ٱلاستسلامُ، واللام في قوله: {فَلَبِئْسَ } لامُ تأكيد، والـــ {مَثْوَى}: موضعُ الإِقامة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {قد مكر الذين من قبلهم} قال: هو نمرود بن كنعان حين بنى الصرح. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن زيد بن أسلم قال: أول جبار كان في الأرض نمرود، فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق. وارحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه، وكان جباراً أربعمائة سنة فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله. وهو الذي كان بَنَى صرحاً إلى السماء الذي قال الله {فأتى الله بنيانهم من القواعد}. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله {قد مكر الذين من قبلهم} قال: مكر نمرود بن كنعان الذي حاج إبراهيم في ربه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد} قال: أتاها أمر الله من أصلها {فخر عليهم السقف من فوقهم} و {السقف} عالي البيوت فائتفكت بهم بيوتهم، فأهلكهم الله ودمرهم {وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس في قوله {تشاقون فيهم} يقول: تخالفوني.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}. اتصفوا بالمكر فحاق بهم مَكْرُهم، ووقعوا فيما حفروه لغيرهم، واغتروا بطول الإمهال، فأخذهم العذابُ من مأْمَنِهم، واشتغلوا بِلهوهِم فَنَغَّصَ عليهم أطيب عَيْشهم: قوله جلّ ذكره: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ}. الذي وصف نفسه به في كتابه من الإتيان فمنعاه العقوبة، وذلك على عادة العرب في التوسع في الخطاب. وهو سبحانه يكشف الليلَ ببَدْره ثم يأخذ الماكر بما يليق بمَكْره، وفي معناه قالوا: شعر : وأَمِنْتُه فأَتَاحَ لي من مأْمَني مكْراً، كذا مَنْ يَأْمَنُ الأياما

اسماعيل حقي

تفسير : {وقد مكر الذين من قبلهم} المكر الخديعة يعنى قد مكر اهل مكة كما مكر الذين من قبلهم وصار المكر سببا لهلاكهم لا لهلاك غيرهم لان من حفر لاخيه جبا وقع فيه منكبا. قال فى المدارك الجمهور على ان المراد نمرود بن كنعان حين بنى الصرح ببابل وكان قصرا عظيما طوله خمسة آلاف ذراع وعرضه فرسخان ليقاتل عليه من فى السماء بزعمه ويطلع على اله ابراهيم عليه السلام {فاتى الله بنيانهم من القواعد} البنيان البناء والجمع ابنية والقواعد جمع قاعدة وقواعد البيت اساسه او اساطينه اى قصد الله تخريب بنائهم من جهة اصوله واساسه واتاه امره وحكمه وبأسه او من جهة الاساطين التى بنوا عليها بان ضعفت {فخر} اى سقط {عليهم السقف} اى سقف بنائهم {من فوقهم} يعنى [اول بام برايشان فرود آمد بس ديوارها] اذ لا يتصور البناء بعد هدم القواعد وجاء بفوقهم وعليهم للايذان بانهم كانوا نحته فان العرب لا تقول سقط علينا البيت وليسوا تحته - روى - انه هبت عليه ريح هائلة فالقت رأسه فى البحر وخر الباقى عليهم ولما سقط الصرح تبلبلت الالسن من الفزع يومئذ: يعنى [بهم بر آمد وسخن ايشان مختلف كشت هرقومى بزبانى سخن كفتن آغاز كردند وهبج يك زبان آن ديكر ندانست] فتكلموا ثلاثة وسبعين لسانا فلذلك سميت ببابل وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية {واتاهم العذاب} اى الهلاك بالريح {من حيث لا يشعرون} باتيانه منه بل يتوقعون اتيان مقابله مما يريدون ويشتهون. والمعنى ان هؤلاء الماكرين القائلين للقرآن العظيم اساطير الاولين سيأتيهم فى الدنيا من العذاب مثل ما اتاهم وهم لا يحتسبون [دمياطى آورده كه مراد ازين عذاب بعوضه است كه برلشكر نمرود مسلط شد. درلباب فرموده كه خداى تعالى نمرودرا مبتلاكردانيد به بشه كه در بينى اورفته بود ودردماغ وى جاى كرفته وبزرك شد وجهار صدسال درانجا بماند ودرين مدت بيوسته مطرقه برسر او ميزدند تا فى الجمله آرام يافت. شيخ فريد الدين عطار قدس سريه در منطق الطير آورده شعر : نيم بشه برسر دشمن كما شت درسراو جارصد سالش بداشت جون دهدحكمش ضعيفى رامدد سبلت خصم قوى را بر كند

الطوسي

تفسير : قرأ نافع وحده {تشاقون} بكسر النون اراد تشاقونني، فحذف النون تخفيفاً وحذف الياء اجتزاء بالكسرة، وقد ذكر فيما مضى علة ذلك في قوله {أية : فبم تبشرون} تفسير : وقرأ الباقون بفتح النون، لا يجعلونه مضافاً إِلى الياء. والنون في هذه القراءة علامة الرفع، والنون مع الياء المحذوفة في موضع النصب. ومعنى {تشاقون} أي يعادون الله فيهم فيجعلونها شركاء له، والشقاق الخلاف في المعنى، ومعنى {تشاقون} تكونون في جانب، والمسلمون في جانب، لا يكونون معهم يداً واحدة، ومن ثم قيل لمن خرج عن طاعة الامام وعن جماعة المسلمين: شق العصا أي صار في جانب عنهم، فلم يكن مجتمعاً في كلمتهم. يقول الله ان الذين من قبل هؤلاء الكفار {قد مكروا} واحتالوا على رسلهم والمكر الفتل والحيلة الى جهة منكرة، يقال مكر به يمكر مكراً، فهو ماكر ومكار، ثم قال: فان الله تعالى أتى أمره وعقابه {بنيانهم} التي بنوها فهدمها {فخر عليهم السقف من فوقهم} وقيل في معنى {من فوقهم} قولان: احدهما - انه قال ذلك تأكيداً، كقولك قلت انت. الثاني - انهم كانوا تحته، وقد يقول القائل: تهدمت علي المنازل، وان لم يكن تحتها، وأيضاً فليعلم انهم لم يكونوا فوق السقوف. وقال ابن عباس وزيد بن اسلم: الذين خر عليهم السقف من فوقهم نمرود ابن كنعان. وقال غيرهم: بخت نصر، وقال الزجاج وأبو بكر بن الانباري: المعنى فأتى الله مكرهم من اصله اي عاد ضرر المكر عليهم وبهم. وذكر الاساس مثلا كما ذكر السقف، مع انه لا سقف ثم ولا أساس، وهذا الذي ذكره يليق بكلام العرب ويشبهه. والمعنى إِنّ الله أتى بنيانهم من القواعد اي قلعه من اصله كقولهم: أتي فلان من مأمنه اي أتاه الهلاك من جهة مأمنه وأتاهم العذاب من جهة الله {وهم لا يشعرن} أي لا يعلمون انه من جهة الله نزل بهم العذاب. ثم قال انه تعالى مع ذلك يخزيهم يوم القيامة أي يذلهم بأنواع العذاب ويقول لهم أين شركائي الذين اتخذتموهم آلهة، فعبدتموهم يعني الذين كنتم تشاقون فيهم الله تعالى وتخرجون عن طاعة الله. ثم أخبر ان الذين أعطوا العلم والمعرفة بالله تعالى وأوتوه يقولون لهم: ان الخزي يعني الذل والهوان {اليوم} والسوء الذي هو العذاب {على الكافرين} الجاحدين لنعمه المنكرين لتوحيده وصدق انبيائه.

الجنابذي

تفسير : {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} تمثيل لحالهم فى مكرهم بحال من بنى سقفاً على اساطين محكمة قصداً للرّاحة تحته فاستوصلوا به وخرب تلك السقوف من جهة الاساطين الّتى بها استحكامها، والمراد باتيان امره بالاهلاك {وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ} عذاب خراب السّقف {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} بل من حيث يظنّون بقاءه او اتاهم عذاب غير خراب السّقف.

الأعقم

تفسير : {قد مكر الذين من قبلهم} يعني قبل قومك يا محمد {فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف من فوقهم} الآية نزلت في النمرود بن كنعان، وقيل: في بخت نصر، وقيل: هو عام وقوله تعالى: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} قيل: الأساس، وهذا تمثيل، بمعنى انهم سوَّوا منصوبات ليمكروا بها الله ورسوله، فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات، فخرّ عليهم السقف وهلكوا ونحوه "من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً" وقيل: أن النمرود بن كنعان بنى الصرح بناء محكماً، ورام الصعود إلى السماء، وكان طوله خمسة آلاف ذراع، فهبت الريح فخرّ عليهم فهلكوا {وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشآقّون فيهم} تعادون وتخاصمون المؤمنين {قال الذين أوتوا العلم} هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يدعونهم إلى الايمان ويعطونهم فلا يقبلون {ان الله عليم بما كنتم تعملون}، وقيل: هو من كلام الله لهم فهو يجازيكم عليه، وهو أيضاً من الشماتة، وكذلك قوله تعالى: {فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين} {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً} الآية نزلت في أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم مخبراً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيدخل مكة فيرى أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيسألهم عنه فيخبرونه بصدقه أنه نبي مبعوث فنزلت الآية. واختلفوا في قوله: {ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً}، قيل: القرآن والإِسلام وسائر الأحكام، وقيل: هو قوله: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة}، وقيل: هذا كلام المتقين إلى قوله: {طيبين}، وقيل: إلى قوله: {قالوا خيراً} ثم ما بعده من كلام الله تعالى، والمعنى للذين أحسنوا في طاعة الله في هذه الدنيا حسنة ثواب وإحسان، قيل: هو ما يستحقه من التعظيم والمدح، وقيل: لما أحسنوا أحسن الله إليهم بالتوفيق والالطاف {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} نزلت في صهيب وبلال وخباب وسلمان وعمَّار قيل: طيبين بأعمالهم، وقيل: مؤمنين، وقيل: زاكية طيبة أفعالهم وأموالهم {هل ينظرون إلاَّ أن تأتيهم الملائكة} الآية نزلت في أهل مكة تأتيهم الملائكة لقبض الأرواح، وأمر ربك العذاب المستأصل {كذلك فعل الذين من قبلهم} مثل ذلك الفعل الشرك والتكذيب فعل الذين من قبلهم {وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} إلا أنهم فعلوا ما استوجبوا به العذاب {فأصابهم سيئات ما عملوا} جزاء سيئات أعمالهم {وحاق بهم} أي نزل بهم من عقوبات الله الذي {كانوا به يستهزئون} {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} وذلك أنهم نسبوا أفعالهم إلى الله تعالى وقالوا: لو شاء لم نفعل، وهذا مذهب الجبريَّة بعينه {كذلك فعل الذين من قبلهم} أي أشركوا وحرموا حلال الله مثل ما حرموا السائبة والبحيرة وغيرهما {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} أي ليس عليهم إلاَّ أداء الرسالة، وإظهار الدلالة، وبيان الشرائع، وهذا رد لقولهم: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} فأقام الحجة على بطلان مذهبهم.

الهواري

تفسير : قوله: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ} يعني الذين أهلك بالرجفة من الأمم السالفة، رجفت بهم الأرض. { فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} أي: سقطت سقوف بيوتهم ومنازلهم عليهم. {وَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: أتاها أمر الله من أصلها، فخر عليهم السقف من فوقهم. والسقف أعلى البيوت، فانتقضت بيوتهم بهم. قال مجاهد: يعني [مكر] نمروذ [بن كنعان، وهو الذي حاج إبراهيم في ربه]. قال: {ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ} أي: في النار بعد عذاب الدنيا { وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِيَ} أي: الذين زعمتم أنهم شركائي { الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} أي: تفارقون فيهم، يعني المحاربة والعداوة، أي: عادوا الله في الأوثان يعبدونها من دونه. { قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ} وهم المؤمنون { إِنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ} أي: الهوان { وَالسُّوءَ} أي: العذاب { عَلَى الكَافِرِينَ} وهذا الكلام يوم القيامة.

اطفيش

تفسير : {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أثبتوا حيلا وخدعا ليهلكوا بها الرسل {فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ} أتاه أمره من جهة القواعد وهن الأَساس التى اعتمد عليها البنيان وقيل ما يعمد عليه البناء من جانب ومن للابتداء نقض الله سبحانه وتعالى قواعد بنيانهم أو زلزلها {فَخَرَّ} سقط {عَلَيْهِمُ السَّقْفُ} وقرىء السقف بضم السين والقاف جمع سقف {مِن فَوْقِهِمْ} متعلق بخر ومن للابتداء أو بمحذوف حال من السقف والإِتيان به تَأكيد لأَن قوله خر عليهم مغن عنه وقد يقال إِن السقف قد يخر على من بجانبه ولو لم يكن تحته على الحقيقة فحينئذ لا تأكيد بل يفيد أنهم كانوا تحت السقف لا بجانبه فصار خرور السقف عليهم سببا لهلاكهم {وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} من جهة لا يخطر ببالهم أنه يأتيهم منها بل عدوها مأْمناً وحصنا عن العذاب والذى يظهر لى أن ذلك مجاز مركب تمثيل لإِهلاكهم بالخدع التى وضعوها لإِهلاك الرسل والمؤمنين وقد أمنوا الهلاك من جهتها وأبطلها من أصلها كمن نقض قواعد حصن على قوم بنوه للنجاة فوقع عليهم فهلكوا مما أعدوه للنجاة فتشمل الآية إِبطال مكر الأُمم لرسلهم أو المؤمنين ورجع مكرهم وبالا عليهم كما قيل من حفر بئرا لأَخيه أوقعه الله فيها وكما قيل من حفر لأَخيه جباً وقع فيه منكباً. وقال ابن عباس المراد بالذين مكروا من قبلهم نمرود وقومه وبالبنيان الصرح الذى بنى وتقدم كلام فيه أوقع الله عليهم سقفه وقال مجاهد المراد ثمود {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ} يذلهم ويهينهم بالعذاب لأَن الخزى العذاب مع الهوان ولقوله تعالى ربنا إِنك من تدخل النار فقد أخزيته فتكون الآية صريحة بأَن لهم العذاب فى الدنيا والآخرة، وقيل المراد الإِذلال والإِهانة العامان لجميع المكاره {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِىَ} أضاف الشركاء إِلى نفسه حكاية كأَنه قيل أين الذين تزعمون أنهم شركائى أو استهزاء وعلى كل حال ففى ذلك زيادة توبيخ إِذ ذكر لهم ما يودون لو لم يقولوه ويودون لو ستر وهو موجب الخزى. قال أبو عمرو الدانى قرأ البزى بخلاف عنه: أين شركاى بغير الهمزة والباقون بالهمزة {الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ} هذه النون نون الرفع كسرت للباء المحذوفة نون الوقاية أو هى نون الوقاية وحذفت نون الرفع. والأَصل تشاقوننى أى تعادوننى فإِن مشاقة المؤمنين كمشاقة الله أو تجعلون أنفسكم فى شق وأمرى فى شق آخر أى جانب، وقرأ غير نافع أى ففتح النون وتشاقون المؤمنين أو تشاقوننى فحذف المفعول بالكلية {فِيهِمْ} أى فى شأنهم والمراد ما لشركائكم لم يحضروا فيدفعوا عنكم الخزى {قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} وهم الأَنبياء والعلماء الذين يدعونهم إِلى التوحيد فيشاقونهم ويتكبرون عليهم هذا هو المتبادر وقيل الملائكة وقال يحيى بن سلام هم المؤمنون وهو محتمل للوجه الأَول ولأَن يريد المؤمنين الذين ليسوا بأَنبياء فقط، وقال عياض الصواب أن يعم الملائكة والأَنبياء وغيرهم {إِنَّ الْخِزىَ الْيَوْمَ} متعلق بالخزى أو بمعرفة محذوفة نعت أى أن الخزى الواقع اليوم أى فى هذا اليوم الحاضر وهو يوم القيامة {وَالسُّوءَ} أى كل ما يسوء من ذلة وعذاب {عَلَى الْكَافِرِينَ} أى ثابت عليهم لا على غيرهم أو دائم عليهم أو مقصور عليهم وهم المشركون والمنافقون وإِنما يقول الذين أُوتوا العلم ذلك لهم إِظهار الشماتة بهم وزيادة الإِهانة، وقد كانوا فى الدنيا يهينون المؤمنين ويعذبونهم ويستهزئون بهم فإِذا جاء يوم القيامة أكرم الله المؤمنين وأهان هؤلاء ويزيدهم قول المؤمنين ذلك إِهانة ويكون أعظم فى الهوان والخزى. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : إِن العار والتخزية لتبلغ من العبد بين يد الله تعالى ما أن يتمنى أن ينطلق به إِلى النار وينجو من ذلك المقام"تفسير : . وحكى الله سبحانه ما يقول لهم الذين أُوتوا العلم ليرتدع من سمعه عن الكفر ويدوم على الإِيمان من نجاه الله من الكفر {الَّذِينَ} نعت للكافرين أو بدل أو بيان أو مفعول لمحذوف على الذم أو خبر لمحذوف على الذم أو مبتدأ خبره ألقوا، قرن بالفاء للعموم والإِبهام فى المبتدأ المذكور كاسم الشرط {تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ} أى تقصره أرواحهم عند الموت وهم ملك الموت وأعوانه. وقال الحسن تحشرهم إِلى النار وهو من التوفى بمعنى استكمال عدد الشىء على الوفاء فإِنه لا يبقى أحد منهم بلا موت ولا يبقى غير داخل للنار وقرأ حمزة هنا وفى موضع الآتى بالباء التحتية وقرأ بعضهم بإِسكان التاء الأُولى وإِدغامها فى الثانية عند الوصل اعتمادا على نون الذين وأما فى الوقف فيجلب همزة الوصل {ظَالِمِى} حال من الهاء {أنفُسِهِمْ} بالكفر والمعاصى الموجبة للعذاب المخلد {فَأَلْقَوُا} فعل ماض وفاعل لا فعل أمر بدليل المعنى وبدليل إِثبات الواو مكسورة للساكن المدغم بعدها وفتح القاف وهو فتح مشعر بحذف الأَلف بعده وإِن واو الجماعة دخلت على اللقاء فحذفت الأَلف لئلا يلتقى ساكنان، وإِنما حركت الواو بعد ذلك ولو كان أمرا من اللقاء لقيل ألقوا السلم بضم القاف وحذف الواو من التلفظ للساكن بعده {السَّلَمَ} هو عدم العدوان ومعنى إِلقائهم السلم انقيادهم لأَمر الله من التوحيد وغيره حين لا ينفعهم وهو حين معاينة ملك الموت أو حين تمام الموت وذكر ذلك الحسن وقيل المعنى استسلموا للأَمر الذى نزل بهم وهو الموت والعذاب {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ} عداوة وشرك ومعاص، والجملة مفعول لقول محذوف وذلك القول حال، أى قائلين ما كنا نعمل من سوء أو يجوز أن تكون محكية لإِلقاء السلم فإِن فيه مضى القول ولا سيما على تفسير الحسن السابق وإِنما يقولون ذلك لشدة الخوف، وقيل يقولون ذلك يوم القيامة فيقدر القول المحذوف حال مقدرة لا مقارنة أو يقدر جملة قول مستأنفة أى يقولون ما كنا نعمل من سوء وهو المشهور، ومروى عن الحسن قال فى القيامة مواطن، مواطن يعترفون فيه بأَعمالهم الخبيثة كما قال وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين وموضع يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم وجلودهم وقيل هو الأَخير ولا كلام بعده إِلى أن يدخلوا النار وموضع يجحدون كما قال فأَلقوا والله ربنا ما كنا مشركين فقال انظر كيف كذبوا على أنفسهم وكما قال عنهم ما كنا نعمل من سوء فتقول لهم الملائكة {بَلَى} أى عملتم السوء، فإِن بلى لا يجاب المنفى أو يقول لهم ذلك الذين أُوتوا العلم أو الله يخلق كلام فى الهواء أو فى بعض الأَجرام يسمعونه أو يأمر الملائكة {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فيجازيكم أو فلا فائدة فى إِنكارهم وذلك على العموم، وقال عكرمة عنى بذلك سوء من قتل من الكفار يوم بدر وأن الكلام فيهم وإِن ذلك يوم القيامة. وقد قال بعض العلماء إِن الكفار لا يكذبون يوم القيامة فيحتاج إِلى تأويل آيات وأحاديث دالة على أنهم يكذبون وإِخراجها عن ظاهرها بالمتبادر مثل أن يقول هنا إِن المعنى ما كنا نعمل من سوء فى اعتقادنا ولو كان عملنا سوء فى نفس الأَمر {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} كلها على التوزيع يدخل كل صنف منهم الباب المعد له منها المستوجب عمله الدخول منه وقيل أبواب جهنم أُصناف عذابها {خَالِدِينَ} مقدرين الخلود {فِيهَا} أى فى جهنم فالضمير عائد على المضاف إِليه وعائد إِلى الأَبواب بمعنى الطبقات أو أصناف العذاب {فَلَبِئْسَ مَثْوَى} موضع الثواء وهو الإِقامة {الْمُتَكَبِّرِينَ} عن الإِيمان والمخصوص بالذم محذوف أى جهنم وها هنا تم جواب الملائكة.

اطفيش

تفسير : {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} دبروا لرؤسائِهم مكايد ولم يؤَثروا فيهم بل أُهلكوا به - من حفر لأَخيه جبا وقع فيه منكبا، من حفر جبا لأَخيه أَوقعه الله فيه - وذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديداً لقومه {فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ} مفرد مذكر، وقيل هو جمع أَو اسم جمع، والمفرد بنيانه ككلمة وكلم {مِّنَ الْقَواعِدِ} من جهة الدعائم والعمد التى بنوا عليها {فَخرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} شبه حيلهم على رسلهم بأَنواع المكر وسعيهم فى إنقاذها وتأثيرها ورجوع ذلك عليهم بالهلاك ببناءِ بنيان محكم للنفع هدم من أصله ووقع لضعفه على أصحابه وهلكوا به مع رجاءِ الانتفاع به والنجاة، وذلك أشد كما أنه هدم من أصله، وأصل الهدم من فوق فذلك أشد، استعارة تمثيلية والمراد فأتى أَمر الله، وهذا أولى من أن يقال: المعنى أَهلك الله بنيانهم من قولهم أَتى عليه الدهر، أَو أَتاه الدهر بمعنى أَهلكه بلا تقدير مضاف، وقاعدة البناء أصله الذى أسس عليه، وذكر الفوق تأْكيد لأَن الخر لا يكون إِلا منه، وقد يكونون جانبا فخر عليهم فهو تأْكيد أيضاً لأَن الخر من فوق ولو جانبا، أَو يحتمل هذا فأُزيل بأَنهم تحت السقف فخر عليهم، أو المعنى خر عنهم بمعنى فوته أَو خر عليهم خر لهم أَى لأَجلهم أَى لكفرهم وهم تحته والوجهان ضعيفان والأَخير أَضعف {وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} لا يعلمونه أنه يأتى بل يتوهم النفع بالبنيان، فكان عليهم هلاكا والهلاك من حيث يرجى النفع أشد كعارض عاد، وقيل الآية تحقيق لا تمثيل، بنى نمرود بن كنعان بضم النون وفتحها وإعجام الذال وإِهمالها وكسر الكاف وفتحها بناءً فى بابل فى سواد الكوفة ارتفاعه خمسة آلاف ذراع أَو فرسخان وعرضه ثلاثة آلاف ذراع ليقاتل أهل السماءِ ويرصد أَمرها فهدمه الله بريح، وقيل: بجناح جبريل وأَهلكهم الله به وبقى هو إِلى أن مات بالبعوض مع من بقى معه، ويقال: زلزل أَسفله ووقع عليهم أَو على العملة، وقطع الريح أَعلاه وأَلقاه فى البحر وتبلبلت ألسن الناس للفزع من وقوعه على ثلاثة وسبعين لغة، وكان لسانهم قبل سريانيا وقيل بابل بمعنى المشرتى فى لغة أهل بابل، وقيل لسانهم قبل ذلك عربى كصالح لا سريانى، وقيل: الآية فى قوم لوط، وتفسير الآية بهذه القصة لا يناسبه المكر كما ناسب فى قصة ثمود: "أية : ومكروا مكرا ومكرنا مكرا"تفسير : [النمل: 50] وفى قوله: "أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك" تفسير : [الأنفال: 30] الآية، وكذا ذكر قومه لأَنه لا مكر لهم كما كان لقومه صلى الله عليه وسلم بل عامة مسخرون إلا باعتبار أَنهم لا يعذرون فكانوا كمن قصد أو تعلموا منه قصد السوء.

الالوسي

تفسير : {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} وعيد لهم برجوع غائلة مكرهم عليهم كدأب من قبلهم من الأمم الخالية الذين أصابهم ما أصابهم من العذاب العاجل، والمكر صرف الغير عما يقصده بحيلة وهو هٰهنا على ما قيل مجاز عن مباشرة أسبابه وترتيب مقدماته لأن ما بعد يدل على أنه لم يحصل الصرف، وجوز أن يرتكب فيه التجريد أي سووا منصوبات وحيلا ليخدعوا بها رسل الله عليهم الصلاة والسلام {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُمْ مّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} أي من جهة الدعائم والعمد التي بنوا عليها بأن ضعضعت فمن ابتدائية والبنيان اسم مفرد مذكر، ونقل الراغب عن بعض اللغويين أنه جمع بنيانة مثل شعير وشعيرة وتمر وتمرة ونخل ونخلة وأن هذا النحو من الجمع يصح تذكيره وتأنيثه، وأصل الإتيان كما قال المجيء بسهولة وهو مستحيل بظاهره في حقه سبحانه ولذلك احتاج بعضهم إلى تقدير مضاف أي أمر الله تعالى وروي ذلك عن قتادة، وجعل ذلك في «الكشاف» من قبيل أتى عليه الدهر بمعنى أهلكه وأفناه، وحينئذٍ لا حاجة إلى تقدير المضاف. وقرىء {بنيتهم} وهو بمعنى بنائهم يقال بنيت أبني أبناء وبنية وبنى نعم كثيراً ما يعبر بالبنية عن الكعبة وقرأ جعفر {بيتهم} والضحاك {بيوتهم}. {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ من فَوْقِهِمْ} أي سقط عليهم سقف بنيانهم إذ لا يتصور له القيام بعد تهدم قواعده، و {مِنْ} متعلق بخر وهي لابتداء الغاية أو متعلق بمحذوف على أنه حال من السقف مؤكدة، وقال ابن عطية وابن الأعرابـي أن {مّن فَوْقِهِمْ} ليس بتأكيد لأن العرب تقول خر علينا سقف ووقع علينا حائط إذا انهدم في ملك القائل وإن لم يقع عليه حقيقة فهو لبيان أنهم كانوا تحته حين هدم. ومن الناس من زعم أن {عَلَىٰ} بمعنى عن وهي للتعليل والكلام على تقدير مضاف أي خر من أجل كفرهم السقف وجىء بقوله تعالى {مّن فَوْقِهِمْ} مع {خَرَّ} لدفع توهم أن يكون قد خرَّ وهم ليسوا تحته، ولا يخفى أنه تطويل من غير طائل بل كلام لا ينبغي أن يتفوه به فاضل؛ والكلام تمثيل يعني أن حالهم في تسويتهم المنصوبات والحيل ليمكروا بها رسل الله تعالى عليهم الصلاة والسلام وإبطال الله تعالى إياها وجعلها سبباً لهلاكهم كحال قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين فأتى ذلك من قبل أساطينه بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وهلكوا تحته، ووجه الشبه أن ما نصبوه وخيلوه سبب التحصن والاستيلاء صار سبب البوار والفناء فالأساطين بمنزلة المنصوبات وانقلابها عليهم مهلكة كانقلاب تلك الحيل على أصحابها والبنيان ما كان زوروه وروجوا فيه تلك المنصوبات وتطواطئوا عليه من الرأي المدعم بالمكائد، ويشبه ذلك قولهم، من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً. ويقرب من هذا ما قيل إن المراد أحبط الله تعالى أعمالهم، وقيل: الأمر مبني على الحقيقة، وذلك أن نمرود بن كنعان بنى صرحاً ببابل ليصعد بزعمه إلى السماء ويعرف أمرها ويقاتل أهلها وأفرط في علوه فكان طوله في السماء على ما حكى النقاش وروي عن كعب فرسخين، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ووهب، كان ارتفاعه خمسة آلاف ذراع وعرضه ثلاثة آلاف ذراع فبعث الله تعالى عليه ريحاً فهدمته وخر سقفه عليه وعلى أتباعه فهلكوا، وقيل: هدمه جبريل عليه السلام بجناحه ولما سقط تبلبلت الناس من الفزع فتكلموا يومئذٍ بثلاث وسبعين لساناً فلذلك سميت بابل وكان لسان الناس قبل ذلك السريانية، ولا يخفى ما في هذا الخبر من المخالفة للمشهور لأن موجبه أن هلاك نمرود كان بما ذكر والمشهور أنه عاش بعد قصة الصرح وأهلكه الله تعالى ببعوضة وصلت لدماغه إظهاراً لكمال خسته وعجزه وجازاه سبحانه من جنس عمله لأنه صعد إلى جهة السماء بالنسور فأهلكه الله تعالى بأخس الطيور، وما ذكر في وجه تسمية المكان المعروف ببابل هو المشهور، وفي «معجم البلدان» ((أن مدينة بابل [بناها] بيوراسب/ الجبار واشتق اسمها من المشتري لأن بابل باللسان البابلي الأول اسم للمشتري... وأخربها الإسكندر))، وما ذكر من أن اللسان كان قبل ذلك السريانية ذكره البغوي ونظر فيه الخازن بأن صالحاً عليه السلام وقومه كانوا قبل وكانوا يتكلمون بالعربية وكان قبائل قبل إبراهيم عليه السلام مثل طسم وجديس يتكلمون بالعربية أيضاً وقد يدفع بالعناية. وقال الضحاك الآية إشارة إلى قوم لوط عليه السلام وما فعل بهم وبقراهم، والكلام أيضاً مبني على الحقيقة واختار جماعة بناءه على التمثيل حسبما سمعت وعليه فالمراد على المختار من الذين كفروا من قبل ما يشمل جميع الماكرين الذين هدم عليهم بنيانهم وسقط في أيديهم وقرأ الأعرج {السقف} وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما ومجاهد {السقف} بضم السين فقط وكلاهما جمع سقف وفعل وفعل على ما قال أبو حيان محفوظان في جمع فعل وليسا مقيسين فيه ويجمع على سقوف وهو القياس. وقرأت فرقة {السقف} بفتح السين وضم القاف وهي لغة في السقف، وذكر أن الأصل مضموم القاف وساكنه مخففه وكثر استعماله على عكس قولهم رجل بفتح فضم ورجل بفتح فسكون وهي لغة تميمية. {وَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} بإتيانه منه بل يتوقعون إتيان مقابله مما يريدون ويشتهون، والمراد به العذاب العاجل، وفي عطف هذه الجملة على ما تقدم تهويل لأمر هلاكهم ويدل على أن المراد به العاجل قوله سبحانه: {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ...}.

ابن عاشور

تفسير : لمّا ذكر عاقبة إضلالهم وصدّهم السائلين عن القرآن والإسلام في الآخرة أتبع بالتهديد بأن يقع لهم ما وقع فيه أمثالهم في الدّنيا من الخزي والعذاب مع التأييس من أن يبلغوا بصنعهم ذلك مبلغ مرادهم، وأنهم خائبون في صنعهم كما خاب من قبلهم الذين مكَروا برسلهم. ولما كان جوابهم السائلين عن القرآن بقولهم هو {أية : أساطير الأولين}تفسير : [سورة النحل: 24] مظهرينه بمظهر النصيحة والإرشاد وهم يريدون الاستبقاء على كفرهم، سمّي ذلك مكراً بالمؤمنين، إذ المكر إلحاق الضرّ بالغير في صورة تمويهه بالنّصح والنّفع، فنُظّر فعلهم بمكر من قبلهم، أي من الأمم السابقة الذين مكروا بغيرهم مثل قوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم فرعون، قال تعالى في قوم صالح: {أية : ومكروا مكراً ومكرنا مكراً} تفسير : [سورة النمل: 50] الآية، وقال: {أية : وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون} تفسير : [سورة الأنعام: 123]. فالتعريف بالموصول في قوله تعالى: {الذين من قبلهم} مساوٍ للتعريف بلام الجنس. ومعنى «أتى الله بنيانهم» استعارة بتشبيه القاصد للانتقام بالجائي نحو المنتقم منه، ومنه قوله تعالى: {أية : فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} تفسير : [سورة الحشر: 2]. وقوله تعالى: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} تمثيل لحالات استئصال الأمم، فالبنيان مصدر بمعنى المفعول. أي المبنى، وهو هنا مستعار للقوّة والعزّة والمنعة وعلوّ القدر. وإطلاق البناء على مثل هذا وارد في فصيح الكلام. قال عبدة بن الطبيب:شعر : فما كان قيس هُلْكُه هُلْكَ واحد ولكنّه بنيان قوم تهدّما تفسير : وقالت سعدة أمّ الكميت بن معروف:شعر : بنى لك معروفٌ بناءً هدمته وللشرف العاديّ بانٍ وهادم تفسير : و{من القواعد} متعلق بــــ «أتى». {ومِن} ابتدائيّة، ومجرورها هو مبْدأ الإتيان الذي هو بمعنى الاستئصال، فهو في معنى هدمه. و{القواعد}: الأسس والأساطين التي تجعل عَمداً للبناء يقام عليها السقف. وهو تخييل أو ترشيح، إذ ليس في الكلام شيء يشبّه بالقواعد. والخرور: السقوط والهويّ، ففعل خرّ مستعار لِزوال ما به المنعة نظير قوله تعالى: {أية : يخرّبون بيوتهم بأيديهم} تفسير : [سورة الحشر: 2]. {والسّقْف}: حقيقته غطاء الفراغ الذي بين جدران البيت، يجعل على الجدران ويكون من حَجر ومن أعواد، وهو هنا مستعار لما استعير له البناء. و{من فوقهم} تأكيد لجملة {فسخرّ عليهم السّقف}. ومن مجموع هذه الاستعارات تتركّب الاستعارة التمثيليّة. وهي تشبيه هيئة القوم الّذين مكروا في المنعة فأخذهم الله بسرعة وأزال تلك العزّة بهيئة قوم أقاموا بنياناً عظيماً ذا دعائم وآووا إليه فاستأصله الله من قواعده فخرّ سقف البناء دفعة على أصحابه فهلكوا جميعاً. فهذا من أبدع التمثيليّة لأنها تنحلّ إلى عدّة استعارات. وجملة {وأتاهم العذاب} عطف على جملة {فأتى الله بنيانهم من القواعد}. وأل في {العذاب} للعهد فهي مفيدة مضمون قوله {من فوقهم} مع زيادة قوله تعالى: {من حيث لا يشعرون}. فباعتبار هذه الزيادة وردت معطوفة لحصول المغايرة وإلا فإن شأن الموكدة أن لا تعطف. والمعنى أن العذاب المذكور حلّ بهم بغتة وهم لا يشعرون فإن الأخذ فَجْأ أشدّ نكاية لما يصحبه من الرّعب الشديد بخلاف الشيء الوارد تدريجاً فإنّ النّفس تتلقّاه بصبر.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار الذين كانوا قبل كفار مكة قد مكروا. وبين ذلك في مواضع أخر، كقوله: {أية : وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً} تفسير : [الرعد: 42]، وقوله: {أية : وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ}تفسير : [إبراهيم: 46]. وبين بعض مكر كفار مكة بقوله: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}تفسير : [الأنفال: 30] الآية. وذكر بعض مكر اليهود بقوله: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 54]. وبين بعض مكر قوم صالح بقوله: {أية : وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [النمل: 50-51]. وذكر مكر بعض قوم نوح بقوله: {أية : وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ}تفسير : [نوح: 22-23] الآية. وبين مكر رؤساء الكفار في قوله: {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ} تفسير : [سبأ: 33] الآية. والمكر: إظهار الطيب وإبطان الخبيث، وهو الخديعة. وقد بين جل وعلا أن المكر السيىء لا يرجع ضرره إلا على فاعله. وذلك في قوله: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} تفسير : [فاطر: 43]. قوله تعالى: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ}. أي اجتثه من أصله واقتلعه من أساسه. فأبطل عملهم وأسقط بنيانهم. وهذا الذي فعل بهؤلاء الكفار الذين هم نمروذ وقومه - كما قدمنا في "سورة الحجر" - فعل مثله أيضاً بغيرهم من الكفار. فأبطل ما كانوا يفعلون ويدبرون. كقوله: {أية : ووَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ}تفسير : [الأعراف: 137] وقوله: {أية : كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ}تفسير : [المائدة: 64]، وقوله {أية : فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ}تفسير : [الحشر: 2] إلى غير ذلك من الآيات.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: من قبلهم: أي من قبل كفار قريش بمكة كالنمرود وغيره. فأتى الله بنيانهم: أي قصد إليه ليدمره فسلط عليه الريح والزلزلة فسقط من أسسه. وخر عليهم السقف: أي سقط لتداعي القواعد وسقوطها. كنتم تشاقون فيهم: أي تخالفون المؤمنين فيهم بعبادتكم إياهم وجدالكم عنه، وتشاقون الله بمخالفتكم إياه بترك عبادته إياها. وقال الذين أوتوا العلم: أي الأنبياء والمؤمنون. ظالمي أنفسهم: بالشرك والمعاصي. فألقوا السلم: أي استسلموا وانقادوا. فلبئس مثوى المتكبرين: مثوى المتكبرين: أي قبح منزل المتكبرين في جهنم مثلاً. وقيل للذين اتقوا: أي اتقوا الشرك والمعاصي. للذين أحسنوا: أي أعمالهم وأقوالهم ونياتهم فأتوْا بها وفق مراد الله تعالى. حسنة: أي الحياة الطيبة حياة العز والكرامة. ولنعم دار المتقين: أي الجنة دار السلام. طيبين: أي الأرواح بما زكوها به من الإِيمان والعمل الصالح. وبما أبعدوها عنه من الشرك والمعاصي. يقولون سلام عليكم: أي يقول لهم ملك الموت "عزرائيل" وأعوانه. هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة: أي لقبض أرواحهم وعند ذلك يؤمنون. أو يأتي أمر ربك: أي بالعذاب أو بقيام الساعة وحشرهم إلى الله عز وجل. وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون: أي نزل بهم العذاب وأحاط بهم وقد كانوا به يستهزئون. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم مع كفار قريش في تذكيرهم وتبصرهم بما هم فيه من الجهالة والضلالة. فيقول تعالى: {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي من قبل مكر كفار قريش وذلك كالنمرود وفرعون وغيرهم من الجبابرة الذين تطاولوا على الله عز وجل ومكروا برسلهم، فالنمرود ألقى بإبراهيم في النار، وفرعون قال ذروني اقتل موسى وليدع ربه.. وقوله: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} أي أتاه أمر الله بهدمه وإسقاطه على الظلمة الطغاة {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ}. وذهب باطلهم وزال مكرهم. ألم يتعظ بهذا كفرة قريش وهم يمكرون بنبيهم ويبيِّتون له السوء بالقتل أو النفي أو الحبس؟ وقوله تعالى: {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ} أي يهينهم ويذلهم ويوبخهم بقوله: {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} أي أصنامكم وأوثانكم الذين كنتم تخالفوني بعبادتكم إياهم دوني كما تشاقون أوليائي المؤمنين أي تخالفونهم بذلك وتحاربونهم فيه. وهنا يقول الأشهاد والذين أوتوا العلم من الأنبياء والعلماء الربانيين: {إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} أي إن الذل والهون والدون على الكافرين. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} بالشرك والمعاصي ومن جملة المعاصي ترك الهجرة والبقاء بين ظهراني الكافرين والفساق المجرمين حيث لا يتمكن المؤمن من عبادة الله تعالى بترك المعاصي والقيام بالعبادات. وقوله {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ} أي عند معاينتهم ملك الموت وأعوانه أي استسلموا وانقادوا وحاولوا الإِعتذار بالكذب وقالوا {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} فترد عليهم الملائكة قائلين: {بَلَىٰ} أي كنتم تعملون السوء {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ويقال لهم أيضاً {فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} أي أبواب طبقاتها {خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ} جهنم {مَثْوَى} أي مقاماً ومنزلاً {ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} عن عبادة الله وحده. وقوله تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} أي ربهم فلم يشركوا به ولم يعصوه في أمره ولا نهيه وأطاعوا رسوله كذلك: {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} أي إذا سألهم من أتى مكة يتعرف على ما بلغه من دعوة الإِسلام فيقولون له: {خَيْراً} أي أنزل خيراً لأن القرآن خير وبالخير نزل بخلاف تلاميذ المشركين يقولون أساطير الأولين كما تقدم في هذا السياق. كما ذكر تعالى جزاء الكافرين وما يلقونه من العذاب في نار جهنم وهم الذين أساءوا في هذه الحياة الدنيا إلى أنفسهم بشركهم بالله ومكرهم وظلمهم للمؤمنين، ذكر جزاء المحسنين. فقال: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} أي آمنوا وعملوا الصالحات متبعين شرع الله في ذلك فأخلصوا عبادتهم لله تعالى ودعوا الناس إلى عبادة الله وحثوهم على ذلك فكانوا بذلك محسنين لأنفسهم ولغيرهم لهؤلاء الذين أحسنوا في الدنيا {حَسَنَةٌ} وهي الحياة الطيبة حياة الطهر والعزة والكرامة، ولدار الآخرة خيرٌ لهم من دار الدنيا مع ما فيها من حسنة وقوله تعالى: {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ} ثناء ومدح لتلك الدار الآخرة لما فيها من النعيم المقيم وإضافتها إلى المتقين باعتبار أنهم أهلها الجديرون بها إذ هي خاصة بهم ورثوها بإيمانهم وصالح أعمالهم بتركهم الشرك والمعاصي. وقوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ} هو وصف وبيان لدار المتقين فأخبر أنها جنات جمع جنة وهي البستان المشتمل على الأشجار والأنهار والقصور وما لذ وطاب من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمراكب وقوله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ} هذا نهاية لإِكرام والإِنعام إذ كون العبد يجد كل ما يشتهي ويطلب هو نعيم لا مزيد عليه وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ} أي كهذا الجزاء الحسن العظيم يجزي الله المتقين في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ} أي طاهري الأرواح لأرواحهم ريح طيبة ثمرة إيمانهم وصالح أعمالهم ونتيجة بعدهم عما يدنس أنفسهم من أوضار الشرك وعفن المعاصي وقوله: {يَقُولُونَ} أي تقول لهم المكلائكة وهم ملك الموت وأعوانه {سَلامٌ عَلَيْكُمُ} تحييهم وفي ذلك بشارة لهم برضا ربهم وجواره الكريم. {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} بأرواحهم اليوم وبأجسامهم غداً يوم القيامة. وقوله {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي بسبب ما كنتم تعملونه من الطاعات والمسابقة في الخيرات بعد عمل قلوبكم بالايمان واليقين والحب في الله والبغض فيه عز وجل والرغبة والتوكل عليه. هذا ما تضمنته الآيات [31، 32] وأما الآيات بعد ذلك فيقول الله مستبطئاً إيمان قريش وتوبتهم بعد تلك الحجج والبراهين والدلائل والبينات على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى وجوب التوحيد وبطلان الشرك وعلى الإِيمان باليوم الآخر. {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ} أي ما ينظرون بعد هذا إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} بإبادتهم واستئصالهم، إذ لم يبق ما ينتظرونه إلا أحد هذين الأمرين وكلاهما مر وشر لهم. وقوله تعالى: {كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من كفار الأمم السابقة فحلت بهم نقمة الله ونزل بهم عذابه فأهلكهم. {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ} تعالى في ذلك أبداً {وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بإصرارهم على الشرك والعناد والمجاحدة والمكابرة {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ} أي جزاء سيئات {مَا عَمِلُواْ} من الكفر والظلم {وَحَاقَ بِهِم} أي نزل بهم وأحاط بهم {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} إذ كانت رسلهم إذا خوفتهم من عذاب الله سخروا منهم واستهزأوا بالعذاب واستخفوا به حتى نزل بهم والعياذ بالله تعالى. من هداية الآيات: 1- سوء عاقبة المكر وأنه يحيق بأهله لا محالة والمراد به المكر السيء. 2- بيان خزي الله تعالى يوم القيامة لأهل الشرك به والمعاصي له ولرسوله. 3- فضل أهل العلم إذ يتخذ منهم شهداء يوم القيامة ويشمتون بأهل النار. 4- بيان استسلام الظلمة عند الموت وانهزامهم وكذبهم. 5- تقرير معتقد البعث والحياة الآخرة بأروع أسلوب وأحكمه وأمتنه. 6- إطلاق لفظ خير على القرآن وهو حق خير فالذي أوتي القرآن أوتي الخير كله، فلا ينبغي أن يرى أحداً من أهل الدنيا خيراً منه وإلا سخط نعمة الله تعالى عليه. 7- سعادة الدارين لأهل الإِحسان وهم أهل الإِيمان والإِسلام والإِحسان في إيمانهم بالإِخلاص وفي إسلامهم بموافقة الشرع ومراقبة الله تعالى في ذلك. 8- بشرى أهل الإِيمان والتقوى عند الموت، وعند القيام من القبور بالنعيم المقيم في جوار رب العالمين. 9- إعمال القلوب والجوارح سبب في دخول الجنة وليست ثمناً لها لغلائها، وإنما الأعمال تزكي النفس وتطهر الروح وبذلك يتأهل العبد لدخول الجنة. 10- ما ينتظر المجرمون بإصرارهم على الظلم والشر والفساد إلا العذاب، عاجلاً أو آجلاً فهو نازل بهم حتماً مقضياً إن لم يبادروا إلى التوبة الصادقة.

د. أسعد حومد

تفسير : {بُنْيَانَهُمْ} {وَأَتَاهُمُ} (26) - لَقَدِ احْتَالَ مَنْ ُهْم قَبْلَ قَوْمِكَ، يَا مُحَمَّدُ، فِي إِيذَاءِ الرُّسُلِ، وَفِي إِضْلاَلِ النَّاسِ بِكُلِّ حِيلَةٍ، وَحَاوَلُوا اسْتِمَالَتَهُمْ إِلَى شِرْكِهِمْ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ {مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}، فَفَضَحَهُمُ اللهُ، وَكَشَفَ أَسْرَارَهُمْ، وَأَبْطَلَ كَيْدَهُمْ وَمَكْرَهُمْ، وَهَدَمَ بُنْيَانَ مَكْرِهِمْ مِنْ أَسَاسِهِ، وَعَادَ عَلَيْهِمْ وَبَالُ مَكْرِهِمْ وَكَيْدِهِمْ، وَأَتَاهُمْ عَذَابُ اللهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وَلَمْ يَنْتَظِرُوا فَدَمَّرَ عَلَيْهِمْ. الْقَوَاعِدِ - الدَّعَائِمِ وَالعَمَدِ أَوِ الأُسُسِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويأتي الحق سبحانه هنا بسيرة الأولين والسُّنن التي أجراها سبحانه عليهم، ليسلي رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ويُوضِّح له أن ما حدث معه ليس بدْعاً؛ بل سبق أنْ حدث مع مَنْ سبق من الرسل. ويُبلغه أنه لم يبعث أيَّ رسول إلا بعد تَعُمّ البَلْوى ويَطم الفساد، ويفقد البشر المناعة الإيمانية، نتيجة افتقاد مَنْ يؤمنون ويعملون الصالحات، ويتواصون بالحقِّ وبالصبر. والمَثلُ الواضح على ذلك ما حدث لبني إسرائيل؛ الذين قال فيهم الحق سبحانه: {أية : كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ..} تفسير : [المائدة: 79]. فانصبَّ عليهم العذاب من الله، وهذا مصير كُلِّ أمة لا تتناهى عن المنكر الظاهر أمامها. ويقول سبحانه هنا: {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ..} [النحل: 26]. والمكر تبييت خفيّ يُبيِّته الماكر بما يستر عن المَمْكُور به. ولكن حين يمكر أحد بالرسل؛ فهو يمكر بمَنْ يُؤيِّده الله العالم العليم. وإذا ما أعلم اللهُ رسولَه بالمكر؛ فهو يُلغِي كل أثر لهذا التبييت؛ فقد علمه مَنْ يقدر على إبطاله. والحق سبحانه هو القائل: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ ..} تفسير : [المجادلة: 21]. وهو القائل: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ} تفسير : [الصافات: 171-172]. وطبَّق الحق سبحانه ذلك على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ حين مكر به كفار قريش وجمعوا شباب القبائل ليقتلوه؛ فأغشاهم الله ولم يبصروا خروجه للهجرة ولم ينتصر عليه معسكر الكفر بأيِّ وسيلة؛ لا باعتداءات اللسان، ولا باعتداءات الجوارح. وهؤلاء الذين يمكرون بالرسل لم يتركهم الحق سبحانه دون عقاب: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ ..} [النحل: 26]. أي: أنهم إنْ جعلوا مكرهم كالبناية العالية؛ فالحقُّ سبحانه يتركهم لإحساس الأمن المُزيف، ويحفر لهم مِنْ تحتها، فيخِرّ عليهم السقف الذي من فوقهم. وهكذا يضرب الله المثَل المعنوي بأمرٍ مَحَسٍّ. وقوله الحق: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ..} [النحل: 26]. يُوضِّح أنهم موجودون داخل هذا البيت، وأن الفوقية هنا للسقف، وهي فوقية شاءها الله ليأتيهم: {ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [النحل: 26]. وهكذا يأتي عذاب الله بَغْتة؛ ذلك أنهم قد بيَّتوا، وظنوا أن هذا التبييت بخفاء يَخْفَى عن الحَيِّ القيوم. ولَيْتَ الأمرَ يقتصر على ذلك؛ لا بل يُعذِّبهم الله في الآخرة أيضاً: {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} معناه دُمَّرَ الله عليهم - والله لَيس بِزَائلٍ ولا مُنتَقلٍ.

الأندلسي

تفسير : {فَأَتَى ٱللَّهُ} أي أتى أمره وعذابه والبنيان قيل حقيقة قال ابن عباس وغيره: الذين من قبلهم منهم نمرود بن صرحا ليصعد بزعمه إلى السماء وأفرط في علوه وطوله في السماء فرسخين فخر عليهم السقف من فوقهم. قال ابن الأعرابي: العرب تقول خر علينا سقف ووقع علينا حائط إذا كان يملكه وان لم يكن وقع عليه نجاد قوله من فوقهم ليخرج هذا الذي من كلام العرب ممن فوقهم أي عليهم وقع كانوا تحته فهلكوا وأتاهم العذاب. قال ابن عباس: في قصة النمرود ويخزيهم جميعهم المكاره التي تحل بهم ويقتضي ذلك إدخالهم النار لقوله تعالى: {أية : رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ}تفسير : [آل عمران: 192] أي أهنته كل الإِهانة وجمع بين الإِهانة بالفعل والإِهانة بالقول بالتقريع والتوبيخ في جملة يخزيهم ويقول أين شركائي أضاف تعالى الشركاء إليه والاضافة تكون بأدنى ملابسة والمعنى شركائي في زعمكم أو أضاف على جهة الاستهزاء بهم ومفعولاً تزعمون محذوفان التقدير تزعمونهم شركاء الذين تتوفاهم صفة للكافرين فيكون داخلاً تحت القول. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون الذين مرتفعاً بالابتداء منقطعاً مما قبله وخبره في قوله: فالقوا السلم فزيدت الفاء في الخبر وقد يجيء مثل هذا "انتهى". هذا لا يجوز إلا على مذهب الأخفش فإِنه يجيز زيد فقام أي قام ولا يتوهم ان الفاء هي الداخلة في خبر المبتدأ أداة الشرط فلا يجوز فيما ضمن معناه ظالمي أنفسهم تقدّم الكلام عليه في سورة النساء والسلم هنا الاستسلام. وما كنا نعمل من سوء هو على إضمار القول ويكون ذلك كذباً منهم ولذلك ردّ عليهم بقوله: جلني أي كنتم تعملون السوء. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} لما أكذبوهم في دعواهم أخبروا أنه هو العالم بأعمالهم فهو المجازي عليها ثم أمرهم بالدخول واللام في فلبئس لام التوكيد ولا يدخل على الماضي المتصرف ودخلت على الجامد لبعده عن الأفعال وقربه من الأسماء والمخصوص بالذم محذوف تقديره فلبئس مثوى المتكبرين هي، أي جهنم ووصف التكبر دليل على استحقاق صاحبه النار. {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} الآية، أي أنزل خيراً ودل هذا النصب على أن ماذا أنزل مفعول بأنزله وطابق الجواب السؤال في النصب والظاهر أن قوله: للذين، مندرج تحت القول وهو تفسير للخير الذي أنزل الله في الوحي ان من أحسن في الدنيا بالطاعة فله حسنة في الدنيا ونعيم في الآخرة بدخول الجنة والظاهر أن المخصوص بالمدح هو جنات عدن والكاف في موضع نصب نعتاً للمصدر محذوف أي جزاء مثل جزاء الذين أحسنوا نجزي المتقين وطيبين حال من مفعول تتوفاهم والمعنى أنهم صالحوا لأعمال مستعدون للموت والطيب الذي لا خبث فيه، يقولون: سلام عليكم الظاهر أن هذا القول في الآخرة ولذلك جاء بعده أدخلوا الجنة فهو من قول خزنة الجنة بما كنتم تعملون أي بالعمل الصالح. {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ} الآية، ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر طعن الكفار في القرآن بقولهم: أساطير الأولين ثم أتبع ذلك وعيدهم وتهديدهم ثم توعد من وصف القرآن بالخيرية فبين أن أولئك الكفرة لا يرتدعون عن حالهم إلى أن تأتيهم الملائكة بالتهديد ثم توعد من وصف القرآن بالخيرية فبين أن أولئك الكفرة لا يرتدعون عن حالهم إلى أن تأتيهم الملائكة بالتهديد أوامر الله تعالى بعذاب الإِستئصال والكاف في موضع نصب أي مثل فعلهم في انتظار الملائكة أوامر الله فعل الكفار الذين تقدموهم. {وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بكفرهم وتكذيبهم الذي أوجب لهم العذاب في الدنيا والآخرة وقوله: فأصابهم، معطوف على فعل وما ظلمهم إعتراض وستأتي عقوبات كفرهم. {وَحَاقَ بِهِم} أي أحاط بهم جزاء إستهزائهم. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} تقدم الكلام عليه في آخر سورة الانعام. {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} الآية، ذكر الله تعالى بعثه الرسل في الأمم السالفة فلا يستنكر بعثه محمداً صلى الله عليه سلم في هذه الأمة وأن يجوز أن تكون تفسيرية بمعنى أي وأن تكون مصدرية وتقدم مدلول الطاغوت في البقرة. {مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ} أي فمنهم من اعتبر فهداه الله، ومنهم من أعرض وكفر ثم أحالهم في معرفة ذلك على المسير في الأرض عاقبة المكذبين لرسلهم بما جاؤوا به عن الله تعالى ثم خاطب نبيه عليه السلام وأعلمه أن من ختم تعالى عليه بالضلالة لا يجدي فيه الحرص على هدايته. وقرىء: يهدي مبنياً للفاعل والظاهر أن في يهدي ضمير يعود على الله ومن مفعول وقرأت فرقة يهدي بضم الياء وكسر الدال وهي ضعيفة "انتهى". حكى الفراء أن هدى بمعنى إهتدى لازماً وإذ أثبت أن هدى بمعنى إهتدى كما حكاه الفراء لم تكن ضعيفة لأنه أدخل على اللازمة همزة التعدية والمعنى لا يحصل مهتدياً من أصله والضمير في لهم عائد على معنى من والضمير في وأقسموا عائد على كفار قريش. {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} تقدم الكلام عليه في الانعام وانتصب وعداً وحقاً على أنهما مصدر أن يؤكد لما دل عليه بلى من تقدير المحذوف الذي هو يبعثه ليبين لهم اللام في ليبين متعلقة بالفعل المقدر بعد بلى أي يبعثهم ليبين لهم كما تقول: الرجل ما ضربت أحداً فتقول بلى زيداً أي ضربت زيداً ويعود الضمير في يبعثهم المقدر وفي لهم على معنى من في قوله: من يموت وهو شاملٌ للمؤمنين والكفار والذين اختلفوا فيه هو الحق وأنهم كانوا كاذبين فيما اعتقدوا من جعل آلهة مع الله تعالى وإنكار النبوات وإنكار البعث وغير ذلك مما أمروا به وبيّن لهم أنه دين الله فكذبوا به وكذبوا في نسبة أشياء إليه تعالى. {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ} الآية، لما تقدم إنكارهم البعث وأكدوا ذلك بالحلف بالله الذي أوجدهم ورد عليهم بقوله: بلى وذكر حقيقة وعده بذلك أوضح أنه تعالى متى تعلقت إرادته بوجود شىءٍ أوجده وقد أقروا بأنه تعالى خالق هذا العالم سمائه وأرضه وأن إجاده لذلك لم يتوقف على سبق مادة ولا آلة فكما قدر على الإِيجاد إبتداء وجب أن يكون قادراً على الإِعادة وتقدم الكلام في قوله: كن في البقرة والظاهر أن اللام في لشىءٍ وفي له هي للتبليغ كقولك قلت لزيد قم. قال ابن عطية: إذا أردناه تنزل منزلة مراد ولكنه أتى بهذه الألفاظ المستأنفة بحسب أن الموجودات تجيء وتظهر شيئاً بعد شىء فكأنه قال: إذا ظهر المراد فيه وعلى هذا الوجه يخرج قوله: فيرى الله عملكم ورسوله وقوله: ليعلم الله الذين آمنوا منكم. ونحو هذا معناه يقع منكم بإِرادة الله تعالى في الأزل وعلمه وقوله: أن نقول له كن فيكون تنزل منزل المصدر كأنه قال: قولنا ولكن أن مع الفعل تعطي استئنافاً ليس في المصدر في أغلب أمرها وقد يجيء في مواضع لا يلحظ فيها الزمن في هذه الآية وكقوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ}تفسير : [الروم: 25] وغير ذلك "إنتهى" قوله. ولكن أن مع الفعل يعني الفعل المضارع وقوله في أغلب أمرها ليس بجيد بل يدل على المستقبل في جميع أمورها وأما قوله: فقد يجيء إلى آخره فلم يفهم ذلك من دلالة أن وإنما ذلك من نسبة قيام السماء والأرض بأمر الله لأن هذا لا يختص بالمستقبل دون الماضي في حقه تعالى ونظيره أن الله كان على كل شىءٍ قديراً وكان تدل على إقتران الجملة بالزمن الماضي وهو تعالى متصف بهذا الوصف ماضياً وحالاً ومستقبلاً وتقييد الفعل بالزمن لا يدل على نفيه بغير ذلك الزمن. {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ} عام في المهاجرين كائناً ما كانوا فيشمل أولهم وآخرهم. {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} كخباب بن الأرت والمخرجين إلى أرض الحبشة والظاهر انتصاب حسنة على أنه نعت لمصدر محذوف يدل عليه الفعل أي تبوئة حسنة وقيل إنتصاب حسنة على المصدر على غير الصدر لأن معنى لنبونئهم في الدنيا أي لنحسنن إليهم فحسنة بمعنى إحساناً. والضمير في يعلمون عائد على المؤمنين أي لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في إجتهادهم وصبرهم والذين صبروا على تقديرهم الذين أو أعني الذين صبروا على العذاب وعلى مفارقة الوطن لا سيما حرّم الله تعالى المحبوب لكل قلب مؤمن فكيف لمن كان مسقط رأسه على بذل الروح في ذات الله تعالى واحتمال الغربة في دار لم ينشأ بها وناس لم يألفهم أجانب في النسب. {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} الآية، نزلت إلى ما يؤمرون في مشركي مكة أنكروا نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: الله أعظم أن يكون رسوله بشراً فهلا بعث إلينا ملكاً وتقدّم تفسير هذه الجملة في أواخر سورة يوسف والمعنى يوحى إليهم على ألسنة الملائكة والأجود أن يتعلق قوله بالبينات بمضمر يدل عليه ما قبله كأنه قيل بم أرسلوا قال: أرسلناهم بالبينات والزبر فتكون على كلامين. قال الزمخشري: يتعلق بما أرسلنا قوله: بالبينات داخلاً تحت حكم الاستثناء مع رجالاً أي وما أرسلنا إلا رجالاً بالبينات كقولك ما ضربت إلا زيداً بالسوط لأن أصله ضربت زيداً بالسوط إنتهى. هذا قاله الحوفي وقال أبو البقاء وفيه ضعف لأن ما قبل إلا لا يعمل فيما بعدها إذ أتم الكلام على إلا وما يليها إلا أنه قد جاء في الشعر قول الشاعر: شعر : ليتهم عذبوا بالنار جارهم ولا يعذب إلا الله بالنار تفسير : إنتهى وهذا الذي أجازه الحوفي والزمخشري لا يجوز على مذهب جمهور البصريين لأنهم لا يجيزون أن يقع بعد إلا إلا مستثنى أو مستثنى منه أو تابع وما ظن من غير الثلاثة معمولاً لما قبل إلا قدر له عامل. {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ} هو القرآن وقيل له ذكر لأنه موعظة وتنبيه للغافلين ويحتمل أن يريد لتبين بتفسيرك المجمل وشرحك ما أشكل فيدخل في هذا ما بينته السُنة من أمر الشريعة. {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي إرادة أن يصغوا إلى تنبيهاته فينتبهوا ويتأملوا والسيئات نعت لمصدر محذوف أي المكرات السيئات والذين مكروا في قول الأكثرين هم أهل مكة مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم والخسف بلع الأرض المخسوف به وقعودها به إلى أسفل. وذكر النقاش أنه وقع الخسف في هذه الأمة بهم الأرض كما فعل بقارون وذكر لنا أن إخلاطاً من بلاد الروم خسف بها وحين أحس أهلها بذلك فر أكثرهم وأن بعض التجار ممن كان يرد إليها رأى ذلك من بعيد فرجع بتجارته. {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} من الجهة التي لا شعور لهم بمجيء العذاب منها كما فعل بقوم لوط. {فِي تَقَلُّبِهِمْ} في أسفارهم والأخذ هنا إلا هلاك كقوله تعالى: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ}تفسير : [العنكبوت: 40] وعلى تخوف على نقص قاله إبن عباس، وقال ابن بحر: ضد البغتة أي على حدوث حالات يخاف منها كالرياح والزلزال والصواعق ولهذا ختم بقوله تعالى: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}. لأن في ذلك مهلة وامتداد وقت فيمكن في التلافي. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} الآية، بما ذكر تعالى قدرته على تعذيب الماكرين وإهلاكهم بأنواع من الأخذ ذكر تعالى طواعية ما خلق من غيرها وخضوعهم ضد حال الماكرين لينبهم على أنه ينبغي بل يجب عليهم أن يكونوا طائعين منقادين لأمره تعالى. والإِستفهام هنا معناه التوبيخ والجملة من قوله: يتفيأ في موضع الصفة لشىء وما موصولة والعائد محذوف تقديره خلقه ومن شىء تبين لما أنبهم في لفظ ما ويتفيؤ يتفعل من الفيء وهو الرجوع يقال فاء الظل يفيء فيرجع وعاد بعدما نسخه ضياء الشمس وفاء إذا عدي فبالهمزة كقوله تعالى: {أية : مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ}تفسير : [الحشر: 7] أو بالتضعيف نحو فيأ الله الظل فتفيأ أو تفيأ من باب المطاوعة فهو لازم وقد إستعمله أبو تمام متعدياً قال: شعر : طلبت ربيع ربيعة الممهي لها وتفيأت ظلالها ممدوداً تفسير : ويحتاج ذلك إلى نقله من كلام العرب متعدياً وعين الفلك هو المشرق وشماله هو المغرب وخص هذان الإِسمان بهذين الجانبين. وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الكتامي المعروف بابن الصائغ: أفرد وجمع بالنظر إلى الغايتين لأن الظل الغداة يضمحل حتى لا يبقى منه إلا اليسير فكأنه في جهة واحدة وهو بالعشي على العكس لاستيلائه على جميع الجهات فلحظت الغايتان في الآية هذا من جهة المعنى وفيه من جهة اللفظ المطابقة لأن سجداً جمع فطابقه جمع الشمائل لاتصاله به فحصل في الآية مطابقة اللفظ للمعنى ولحظهما معاً وتلك الغاية في الإِعجاز "انتهى". والظاهر حمل الظلال على حقيقتها وعلى ذلك وقع كلام أكثر المفسرين وقالوا: إذا طلعت الشمس وأتت متوجهة إلى القبلة كان الظل قدامك فإِذا ارتفعت كان على يمينك فإِذا كان بعد ذلك كان خلفك فإِذا أردت الغروب كان عن يسارك. قال الزمخشري: سجداً حال من الظلال. {وَهُمْ دَاخِرُونَ} حال من الضمير في ظلاله وما أجازه الزمخشري من أن وهم داخرون حال من الضمير في ظلاله فعلى مذهب جمهور البصريين لا يجوز وهي مسألة جاءني غلام هند ضاحكة فلا يجوز جاءني ضاحكة غلام هند ولما كان سجود الظلال في غاية الظهور بدىء به ثم إنتقل إلى سجود ما في السماوات والأرض. قال الزمخشري: فإِن قلت فهلا جيء بمن دون ما تغليباً للعقلاء من الدواب على غيرها. قلت لأنه لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب فكان متناولاً للعقلاء. فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم إرادة العموم "إنتهى" ظاهرة تسليم أن من قد يشمل العقلاء وغيرهم على جهة التغليب وظاهر الجواب تخصيص من العقلاء وأن الصالح للعقلاء وغيرهم ما دون من وهذا ليس بجواب لأنه أورد السؤال على التسليم ثم ذكر الجواب على غير التسليم فصار المعنى أن من يغلب بها والجواب لا يغلب بها وهذا في الحقيقة ليس بجواب ومن دابة يجوز أن يكون بياناً لما في الظرفين ويكون في السماوات خلق يدبون ويجوز أن يكون بياناً لما في الأرض ولهذا قال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض وعطفوا الملائكة على ما في السماوات وما في الأرض وهم مندرجون في عموم ما تشريفاً لهم وتكريماً والظاهر أن الضمير في قوله: يخافون، عائد على المنسوب إليهم السجود في ولله يسجد والفوقية المكانية مستحيلة بالنسبة إليه تعالى فإن علقته بيخافون كان على حذف مضاف أي يخافون عذابه كائناً من فوقهم لأن العذاب إنما ينزل من فوق وإن علقته بربهم كان حالاً منه أي يخافون ربهم قاهراً غالباً كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}تفسير : [الأنعام: 18] والجملة من يخافون يجوز أن تكون حالاً من الضمير في لا يستكبرون ويفعلون ما يؤمرون واما المؤمنون بحسب الشرع والظاهر واما غيرهم من الحيوان فبالتسخير والقدر الذي يسوقهم إلى ما نفذ من أمر الله.

همام الصنعاني

تفسير : 1483- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ}: [الآية: 26]، قال: أتى الله بنيانَهُم من أصوله؛ فخر عليهم السَّفْف.