Verse. 1928 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

ثُمَّ يَوْمَ الْقِيٰمَۃِ يُخْــزِيْہِمْ وَيَقُوْلُ اَيْنَ شُرَكَاۗءِيَ الَّذِيْنَ كُنْتُمْ تُشَاۗقُّوْنَ فِيْہِمْ۝۰ۭ قَالَ الَّذِيْنَ اُوْتُوا الْعِلْمَ اِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوْۗءَ عَلَي الْكٰفِرِيْنَ۝۲۷ۙ
Thumma yawma alqiyamati yukhzeehim wayaqoolu ayna shurakaiya allatheena kuntum tushaqqoona feehim qala allatheena ootoo alAAilma inna alkhizya alyawma waalssooa AAala alkafireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم يوم القيامة يخزيهم» يذلهم «ويقول» الله لهم على لسان الملائكة توبيخاً «أين شركائي» بزعمكم «الذين كنتم تشاقون» تخالفون المؤمنين «فيهم» في شأنهم «قال» أي يقول «الذين أوتوا العلم» من الأنبياء والمؤمنين «إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين» يقولونه شماتة بهم.

27

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ} أي يفضحهم بالعذاب ويذلهم به ويهينهم. {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ} أي بزعمكم وفي دعواكم، أي الآلهة التي عبدتم دوني، وهو سؤال توبيخ. {ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} أي تعادون أنبيائي بسببهم، فليدفعوا عنكم هذا العذاب. وقرأ ٱبن كَثِير «شُرَكَايَ» بياء مفتوحة من غير همز، والباقون بالهمز. نافع «تُشَاقُّونِ» بكسر النون على الإضافة، أي تعادونني فيهم. وفتحها الباقون. {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} قال ابن عباس: أي الملائكة. وقيل المؤمنون. {إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ} أي الهوان والذل يوم القيامة. {وَٱلْسُّوۤءَ} أي العذاب. {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}.]

البيضاوي

تفسير : {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ } يذلهم أو يعذبهم بالنار كقوله تعالى: {أية : رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ }تفسير : [آل عمران: 192] {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ} أضاف إلى نفسه استهزاء، أو حكاية لإِضافتهم زيادة في توبيخهم. {ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰقُّونَ فِيهِمْ } تعادون المؤمنين في شأنهم. وقرأ نافع بكسر النون بمعنى تشاقونني فإن مشاقة المؤمنين كمشاقة الله عز وجل. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } أي الأَنـبياء و العلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد فيشاقونهم ويتكبرون عليهم، أو الملائكة. {إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوء } الذلة والعذاب. {عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } وفائدة قولهم إظهار الشماتة بهم وزيادة الإِهانة، وحكايته لأن يكون لطفاً ووعظاً لمن سمعه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُخْزِيهِمْ } يذلهم {وَيَقُولُ } الله لهم على لسان الملائكة توبيخاً {أَيْنَ شُرَكَاءِىَ} بزعمكم {ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَٰقُّونَ } تخالفون المؤمنين {فِيهِمْ } في شأنهم؟ {قَالَ } أي يقول {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } من الأنبياء والمؤمنين {إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوء عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ } يقولونه شماتة بهم.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } قيل: هم العلماء، قالوه لأممهم الذين كانوا يعظونهم، ولا يلتفتون إلى وعظهم، وكان هذا القول منهم على طريق الشماتة. وقيل: هم الأنبياء، وقيل: الملائكة، والظاهر: الأوّل، لأن ذكرهم بوصف العلم يفيد ذلك وإن كان الأنبياء والملائكة هم من أهل العلم، بل هم أعرق فيه لكن لهم وصف يذكرون به هو أشرف من هذا الوصف، وهو كونهم أنبياء أو كونهم ملائكة، ولا يقدح في هذا جواز الإطلاق، لأن المراد الاستدلال على الظهور فقط {إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ } أي: الذلّ والهوان والفضيحة يوم القيامة {وَٱلْسُّوء } أي: العذاب {عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } مختص بهم. {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } قد تقدّم تفسيره. والموصول في محل الجر على أنه نعت للكافرين، أو بدل منه، أو في محل نصب على الاختصاص، أو في محل رفع على تقدير مبتدأ، أي: هم الذين تتوفاهم. وانتصاب {ظالمي أنفسهم} على الحال {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ } معطوف على {فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِىَ } وما بينهما اعتراض أي: أقرّوا بالربوبية، وانقادوا عند الموت، ومعناه الاستسلام قاله قطرب، وقيل: معناه المسالمة، أي: سالموا وتركوا المشاقة قاله الأخفش؛ وقيل: معناه الإسلام، أي: أقرّوا بالإسلام وتركوا ما كانوا فيه من الكفر، وجملة {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء } يجوز أن تكون تفسيراً للسلم على أن يكون المراد بالسلم الكلام الدال عليه، ويجوز أن يكون المراد بالسوء هنا الشرك، ويكون هذا القول منهم على وجه الجحود والكذب، ومن لم يجوّز الكذب على أهل القيامة حمله على أنهم أرادوا أنهم لم يعملوا سوءاً في اعتقادهم وعلى حسب ظنونهم، ومثله قولهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23]فلما قالوا هذا، أجاب عليهم أهل العلم بقولهم: {بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي: بلى كنتم تعملون السوء. إن الله عليم بالذي كنتم تعملونه، فمجازيكم عليه، ولا ينفعكم هذا الكذب شيئاً. {فَٱدْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ } أي: يقال لهم ذلك عند الموت. وقد تقدّم ذكر أبواب جهنم، وأن جهنم درجات بعضها فوق بعض، و {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } حال مقدرة، لأن خلودهم مستقبل {فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبّرِينَ } المخصوص بالذم محذوف، والتقدير، لبئس مثوى المتكبرين جهنم، والمراد بتكبرهم هنا: هو تكبرهم عن الإيمان والعبادة كما في قوله: {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } تفسير : [الصافات: 35]. ثم أتبع أوصاف الأشقياء بأوصاف السعداء، فقال: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } وهم المؤمنون {مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا } أي: أنزل خيراً. قال الثعلبي: فإن قيل: لم ارتفع الجواب في قوله: {أساطير الأوّلين} وانتصب في قوله: {خيراً}؟ فالجواب أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل، فكأنهم قالوا: الذي يقوله محمد هو أساطير الأوّلين، والمؤمنون آمنوا بالنزول. فقال: أنزل خيراً {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ } قيل: هذا من كلام الله عزّ وجلّ، وقيل: هو حكاية لكلام الذين اتقوا، فيكون على هذا بدلاً من {خيراً}، وعلى الأوّل يكون كلاماً مستأنفاً مسوقاً للمدح للمتقين، والمعنى: للذين أحسنوا أعمالهم في الدنيا حسنة أي: مثوبة حسنة {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ } أي: مثوبتها {خَيْرٌ } مما أوتوا في الدنيا {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ } دار الآخرة، فحذف المخصوص بالمدح لدلالة ما قبله عليه. وارتفاع {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } على أنها مبتدأ خبرها ما بعدها، أو خبر مبتدأ محذوف، وقيل: يجوز أن تكون هي المخصوص بالمدح {يَدْخُلُونَهَا } هو إما خبر المبتدأ، أو خبر بعد خبر، وعلى تقدير تنكير {عدن} تكون صفة لجنات، وكذلك {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ } وقيل: يجوز أن تكون الجملتان في محل نصب على الحال على تقدير أن لفظ {عدن} علم، وقد تقدّم معنى جري الأنهار من تحت الجنات {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ } أي: لهم في الجنات ما تقع عليه مشيئتهم صفوا عفوا يحصل لهم بمجرّد ذلك {كَذَلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ } أي: مثل ذلك الجزاء يجزيهم، والمراد بالمتقين. كل من يتقي الشرك وما يوجب النار من المعاصي. والموصول في قوله: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ طَيّبِينَ } في محل نصب نعت للمتقين المذكور قبله، قرأ الأعمش وحمزة {تتوفاهم} في هذا الموضع، وفي الموضع الأوّل بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالمثناة الفوقية. واختار القراءة الأولى أبو عبيد مستدلاً بما روي عن ابن مسعود أنه قال: إن قريشاً زعموا أن الملائكة إناث فذكروهم أنتم. و{طيبين} فيه أقوال: طاهرين من الشرك، أو الصالحين، أو زاكية أفعالهم وأقوالهم، أو طيبي الأنفس ثقة بما يلقونه من ثواب الله، أو طيبة نفوسهم بالرجوع إلى الله، أو طيبين الوفاة، أي: هي عليهم سهلة، لا صعوبة فيها، وجملة {يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } في محل نصب على الحال من الملائكة أي: قائلين سلام عليكم. ومعناه يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون السلام إنذاراً لهم بالوفاة. الثاني أن يكون تبشيراً لهم بالجنة لأن السلام أمان. وقيل: إن الملائكة يقولون: السلام عليك وليّ الله إن الله يقرأ عليك السلام {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي: بسبب عملكم. قيل: يحتمل هذا وجهين: الأوّل أن يكون تبشيراً بدخول الجنة عند الموت. الثاني: أن يقولوا ذلك لهم في الآخرة. ولا ينافي هذا دخول الجنة بالتفضل كما في الحديث الصحيح: "حديث : سدّدوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله"تفسير : . قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "حديث : ولا أنا إلاّ أن يتغمدني الله برحمته"تفسير : وقد قدّمنا البحث عن هذا. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} قال: هؤلاء المؤمنون، يقال لهم: {مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ } فيقولون: {خَيْرًا} {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} أي: آمنوا بالله وكتبه، وأمروا بطاعته، وحثوا عباد الله على الخير، ودعوهم إليه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ طَيّبِينَ } قال: أحياء وأمواتاً قدّر الله لهم ذلك.

النسفي

تفسير : {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ } يذلهم بعذاب الخزي سوى ما عذبوا به في الدنيا {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ} على الإضافة إلى نفسه حكاية لإضافتهم ليوبخهم بها على طريق الاستهزاء بهم {ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰقُّونَ فِيهِمْ } تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم {تشاقون} نافع أي تشاقونني فيهم لأن مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } أي الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ويعظونهم فلا يلتفتون إليهم ويشاقونهم يقولون ذلك شماتة بهم أو هم الملائكة {إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ } الفضيحة {وَٱلْسُّوءَ} العذاب {عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } وبالياء: حمزة وكذا ما بعده {ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ } بالكفر بالله {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ } أي الصلح والاستسلام أي أخبتوا وجاؤوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق وقالوا {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ} وجحدوا ما وجد منهم من الكفران والعداوة فرد عليهم أولو العلم وقالوا {بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فهو يجازيكم عليه وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك {فَٱدْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ } جهنم.

البقاعي

تفسير : ولما بين سبحانه وتعالى حال المكرة المتمردين عليه في الدنيا، أخذ يذكر حالهم في الآخرة تقريراً للآخرة وبياناً لأن عذابهم غير مقصور على الدنيوي، فقال تعالى: {ثم يوم القيامة يخزيهم} أي الله تعالى الذي فعل بهم في الدنيا ما تقدم، خزياً يشهده جميع الخلائق الوقوف في ذلك اليوم، فيحصل لهم من الذل - جزاء على تكبرهم - ما يجل عن الوصف، وعطفه بـ "ثم" لاستبعادهم له ولما له من الهول والعظمة التي يستصغر لها كل هول {ويقول} أي لهم في ذلك الجمع تبكيتاً وتوبيخاً: {أين شركاءي} على ما كنتم تزعمون، وأضاف سبحانه إلى نفسه المقدس لأنه أقطع في توبيخهم وأدل على تناهي الغضب {الذين كنتم} أي كوناً لا تنفكون عنه {تشاقون فيهم} أوليائي، فتكونون بمخالفتهم في شق غير شقهم، فتخضعون لما لا ينبغي الخضوع له، وتتكبرون على من لا ينبغي الإعراض عنه، ما لهم لا يحضرونكم ويدفعون عنكم في هذا اليوم؟ وقرىء بكسر النون لأن مشاققة المأمور مشاققة الآمر. ولما كان المقام للجلال والعظمة المستلزم لزيادة الهيبة التي يلزم عنها غالباً خرس المخزي عن جوابه لو كان له جواب، وكان من أجل المقاصد في تعذيبهم العدل بتفريح الأولياء وإشماتهم بهم، جزاء لما كانوا يعملون بهم في الدنيا، وكانت الشماتة أعلى محبوب للشامت وأعظم مرهوب للمشموت فيه، وأعظم مسلّ للمظلوم، دل على سكوتهم رغباً عن المبادرة بالجواب بتأخير الخبر عنه وتقديم الخبر عن شماتة أعدائهم فيهم في سياق الجواب عن سؤال من قال: هل علم بذلك المؤمنون؟ فقيل: {قال الذين} ولما كان العلم شرفاً للعالم مطلقاً، بني للمفعول قوله: {أوتوا العلم} أي انتفعوا به في سلوك سبيل النجاة من الأنبياء عليهم السلام ومن أطاعهم من أممهم، إشارة إلى أن الهالك يصح سلب العلم عنه وإن كان أعلم الناس، وعدل عن أن يقول: أعداؤهم أو المؤمنون ونحوه، إجلالاً لهم بوصفهم بالعلم الذي هو أشرف الصفات لكونه منشأ كل فضيلة، وتعرضاً بأن الحامل للكفار على الاستكبار الجهل الذي هو سبب كل رذيلة {إن الخزي} أي البلاء المذل {اليوم} أي يوم الفصل الذي يكون للفائز فيه العاقبة المأمونة {والسوء} أي كل ما يسوء {على الكافرين *} أي العريقين في الكفر الذين تكبروا في غير موضع التكبر، لا على غيرهم؛ ثم رغبهم في التوبة بقوله: {الذين تتوفّاهم} بالفوقية في قراءة الجمهور لأن الجمع مؤنث، وبالتحتية في قراءة حمزة لأن المجموع غير مؤنث، وكان وفاتهم على وجهين: وجه خفيف - بما أشار إليه التأنيث لخفة كفر صاحبه، وآخر ثقيل شديد لشدة كفر صاحبه، ولم يحذف شيء من التاءين للإشارة إلى نقصان حالهم لأنه لا يمكن خيرها لموتهم على الكفر بخلاف ما تقدم في تارك الهجرة في النساء {الملائكة} أي المؤكلون بالموت، حال كونهم {ظالمي أنفسهم} بوضعها من الاستكبار على الملك الجبار غير موضعها. فلما تم ذلك على هذا الوجه البديع، والأسلوب الرفيع المنيع، ابتدأ الخبر عن جوابهم على وجه معلم بحالهم فقال: {فألقوا} أي من أنفسهم عقب قول الأولياء وبسبب سؤال ذي الكبرياء {السلم} أي المقادة والخضوع بدل ذلك التكبر والعلو قائلين ارتكاباً للكذب من غير احتشام: {ما كنا نعمل} وأعرقوا في النفي فقالوا: {من سوء} فكأنه قيل: إن هذا لبهتان عظيم في ذلك اليوم الجليل، فماذا قيل لهم؟ فقيل: {بلى} قد عملتم أعظم السوء؛ ثم علل تكذيبهم بقوله: {إن الله} أي المحيط بكل شيء {عليم} أي بالغ العلم من كل وجه {بما كنتم} أي جبلة وطبعاً {تعملون *} أي من الضلال والإضلال، فلا يسعكم الإنكار، أفما آن لكم أن تنزعوا عن الجهل فيما يضركم ولا ينفعكم ويخفضكم ولا يرفعكم!

القشيري

تفسير : في الدنيا عاجلُ بلائهم، وبين أيديهم آجِلُه. وحَسْرةُ المُفِلس تتضاعف إذا ما حُوسِبَ، وشاهَدَ حاصِلَه. {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ... }: يُسْمِِعُ الكافرين قولَ المؤمنين، ويبيِّن للكافة صِدْقَهم. ويقع الندمُ على جاهلهم. وأما اليومَ فعليهم بالصبر والتحمُّل، وعن قريب ينكشف الغطاء، وأنشد بعضهم: شعر : خليليَّ لو دارت على رأسِيَ الرَّحى من الذُّلِّ لم أَجْزَعْ ولم أَتَكلَّمِ وأطرقتُ حتى قيل لا أعرفُ الجفا ولكنني أفصحتُ يومَ التكلُّمِ

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم يوم القيامة} اى هذا العذاب جزاؤهم فى الدنيا ويوم القيامة {يخزيهم} [رسواى كرداند ايشانرا] اى يذل اولئك المفترين والماكرين الذين من قبلهم جميعا بعذاب الخزى على رؤس الاشهاد واصل الخزى ذل يستحيى منه وثم لتفاوت ما بين الجزاءين {ويقول} لهم تفضيحا وتوبيخا فهو الى آخره بيان للاخزاء {اين شركائى} بزعمكم {الذين كنتم تشاقون} اصله تشاققون اى تخاصمون الانبياء والمؤمنين {فيهم} اى في شأنهم بانهم شركاء احقاء حين بينوا لكم بطلانها. والمراد بالاستفهام استحضارها للشفاعة او المدافعة على طريق الاستهزاء والتبكيت والاستفسار عن مكانهم لا يوجب غيبتهم حقيقة بل يكفى فى ذلك عدم حضورهم بالعنوان الذى كانوا يزعمون انهم متصفون به من عنوان الالهية فليس هناك شركاء ولا اما كنها {قال الذين اوتوا العلم} من اهل الموقف وهم الانبياء والمؤمنون الذين اوتوا علما بدلائل التوحيد وكانوا يدعونهم فى الدنيا الى التوحيد فيجادلونهم ويتكبرون عليهم اى يقولون توبيخا لهم واظهار اللشماته بهم {ان الخزى} اى الفضيحة والذل والهوان وبالفارسية [خوارى ورسوايى]{اليوم} متعلق بالخزى وايراده للاشعار بانهم كانوا قبل ذلك فى عزة وشقاق {والسوء} اى العذاب {على الكافرين} بالله تعالى وبآياته ورسله وهو قصر للجنس الادعائى كأن ما يكون من الذل وهو العذاب لعصاة المؤمنين لعدم بقائه ليس من ذلك الجنس.

الجنابذي

تفسير : {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ} من الاصنام والكواكب والاهوية وغيرها او شركاء مظاهرى من الاولياء والاصل علىّ (ع) {ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} تعاندون المؤمنين ومظاهرى فى حقّهم، او تخالفون الانبياء والاولياء (ع) فى حقّهم {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} الانبياء (ع) واوصيائهم او جملة المؤمنين وائمّتهم {إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} الخزى الهوان والسّوء العذاب.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} متعلق بقوله {يُخْزِيهِمْ} وقدم على طريق الاهتمام بيوم وإنكار على من أنكره من قومه صلى الله عليه وسلم، والله لا يهتم، والخزى الذل والإخزاء الإِذلال وهو أَعم من العذاب، أَو المراد بالإخزاء التعذيب بالنار، أَو هو وغيره وهو الفرد الكامل من الخزى: "أية : ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته"تفسير : [آل عمران: 192] والهاءُ للكفار مطلقا، وكلمة ثم تدل على أَن العذاب المذكور قبلها فى الدنيا، وإن قلت أين شركائى يأْباه لأَنه قبل دخول النار، فالمراد أَصل معناه وهو الإِذلال، قلت الواو فى قوله: ويقول أَين شركائى لا ترتب وأَيضاً التعذيب فرد كأصل فى الخزى فهو مستعمل فى أصل معناه وأيضاً يقال لهم فى النار: أَين شركائى جمعا عليهم للإهانة بالقول توبيخا وبالفعل وهو التعذيب كما يقال لهم قبل دخولها ولا دليل على منع ذلك القول فى النار، نعم يتبادر القول قبلها {وَيَقُولُ} على لسان الملائكة أَو يقدر مضاف أَى يقول ملائكته {أَيْنَ شُرَكَائِى} أثبت الشركاء له تعالى استهزاءً بهم وتبكيتا، أَو على زعمهم، وهذا أشد فى التوبيخ من أَن يقال: أَين شركائى الذين كنتم تزعمون، ويضعف ما قيل أَن الإِضافة هنا لأَدنى ملابسة بمعنى أَنها لما كانت تذكر معه أَضيفت إليه {الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} تجعلونهم فى مرتبة والله فى مرتبة من الأُلوهية والعبادة كل فى شق غير شق الآخر تعالى الله عن ذلك، أَو المشاقة العداوة لأَن عداوة المؤمنين عداوة لله، أَو يقدر مضاف أى تشاقون عبادى المؤمنين فى توحيدهم كقوله تعالى: " أية : يحاربون الله "تفسير : [المائدة: 33] الآية والاستفهام توبيخ لهم على الاعتماد على من لا يحضر عند الشدة فما نراهم دفعوا عنكم العذاب {قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} الأَنبياءُ أَو العلماءُ أَو المؤمنون والملائكة أَو كلهم، والمراد الجنس لا كل فرد من العلماءِ والمؤمنين والملائِكة يقولون للكفار على طريق الشماتة بهم وزيادة إِهانة، ولا سيما الحفظة من الملائكة الذين تعنوا فى دعاءِ هؤلاءِ الكفار إلى الإِسلام وهذا العموم أَولى ولكن المتبادر فى إيتاءِ العلم المؤمنون والأَنبياء والملائكة {إِنَّ الْخِزْىَ} الذل {الْيَوْمَ} يوم القيامة بخلاف الدنيا فقد يصيبان المؤمن وهو متعلق بالخزى بلا إشكال ولا ضعف وإنما الضعف فى نصب المصدر المقرون بالمفعول به مثل " ضعيف النكاية أَعداءَه" ولا تعلقه باستقرار على الكافرين ولا بعلى الكافرين إِلا بضعف كضعف زيد مستقرا فى هجر، وزادت الآية الفصل بالعطف {وَالسُّوءَ} العذاب {عَلَى الْكَافِرِينَ} خاصة أنزل الله ذلك فى القرآن ليتعظ به الناس فيحذروا من وقوع ذلك بهم إن كفروا، والشماتة عذاب روحى أشد على النفس.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ} أي يذلهم، والظاهر أن ضمائر الجمع ـ للذين مكروا ـ من قبل كأنه قيل: قد مكر الذين من قبلهم فعذبهم الله تعالى في الدنيا ثم يعذبهم في العقبـى، و {ثُمَّ} للإيماء إلى ما بين الجزاءين من التفاوت مع ما تدل عليه من التراخي الزماني، وتقديم الظرف على الفعل قيل لقصر الإخزاء على يوم القيامة، والمراد به ما بين بقوله سبحانه: {وَيَقُولُ} أي لهم تفضيحاً وتوبيخاً {أَيْنَ شُرَكَائِىَ} إلى آخره، ولا شك أن ذلك لا يكون إلا في ذلك اليوم، وقال بعض المحققين: ليس التقديم لذلك بل لأن الإخبار بجزائهم في الدنيا مؤذن بأن لهم جزاءً أخروياً فتبقى النفس مترقبة إلى وروده سائلة عنه بأنه ماذا مع تيقنها بأنه في الآخرة فسيق الكلام على وجه يؤذن بأن المقصود بالذكر جزاؤهم لا كونه في الآخرة، وذكر أيضاً أن الجملة المذكورة عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي هذا الذي فهم من التمثيل من عذاب هؤلاء الماكرين القائلين في القرآن العظيم أساطير الأولين أو ما هو أعم منه، ومما ذكر من عذاب أولئك الماكرين من قبل جزاؤهم في الدنيا ويوم القيامة يخزيهم إلى آخرهم، ثم قال: والضمير إما للمغترين في حق القرآن الكريم أو لهم ولمن مثلوا بهم من الماكرين، وتخصيصه بهم يأباه السباق والسياق اهـ. وفيه من ارتكاب خلاف الظاهر ما فيه فليتأمل. وفسر بعضهم الإخزاء بما هو من روادف التعذيب بالنار لأنه الفرد الكامل وقد قال تعالى: {أية : إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } تفسير : [آل عمران: 192] وقيل عليه: إن قوله سبحانه: {أَيْنَ شُرَكَائِىَ} إلى آخره يأباه لأنه قبل دخولهم النار. وأجيب بأن الواو لا تقتضي الترتيب، وأنت تعلم أن الأولى مع هذا حمله على مطلق الإذلال، وإضافة الشركاء إلى نفسه عز وجل لأدنى ملابسة بناءً على زعمهم أنهم شركاء لله سبحانه عما يشركون فتكون الآية كقوله تعالى: {أية : أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } تفسير : [القصص: 62]. وجوز أن يكون ما ذكر حكاية منه تعالى لإضافتهم فإنهم كانوا يضيفون ويقولون: شركاء الله تعالى،/ وفي ذلك زيادة في توبيخهم ليست في أين أصنامكم مثلاً لو قيل، ولا يخفى أن هذا خزي وإهانة بالقول فإذا فسر الإخزاء فيما تقدم بالتعذيب بالنار كانت الآية مشيرة إلى خزيين فعلي وقولي، وأشير إلى الأول أولاً لأنه أنسب بسابقه. وقرأ الجمهور {شركائي} ممدوداً مهموزاً مفتوح الياء، وفرقة كذلك إلا أنهم سكنوا الياء فتسقط في الدرج لالتقاء الساكنين، والبزي عن ابن كثير بخلاف عنه بالقصر وفتح الياء، وأنكر ذلك جماعة وزعموا أن هذه القراءة غير مأخوذ لأن قصر الممدود لا يجوز إلا ضرورة، وليس كما قالوا فإنه يجوز في السعة، وقد وجه أيضاً بأن الهمزة المكسورة قبل الياء حذفت للتخفيف وليس كقصر الممدود مطلقاً، مع أنه قد روي عن ابن كثير قصر التي في القصص [62] و {وَرَائِى } في مريم [5]، وعن قنبل قصر {أية : أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰ } تفسير : في العلق [7] العلق فكيف يعد ذلك ضرورة. نعم قال أبو حيان: إن وقوعه في الكلام قليل فاعرف ذلك فقد غفل عنه كثير من الناس. {ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰقُّونَ فِيهِمْ} أي تخاصمون وتنازعون الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم في شأنهم وتزعمون أنهم شركاء حقاً حين بينوا لكم ضد ذلك، وفسر بعضهم المشاقة بالمعاداة، وتفسيرها بالمخاصمة ليظهر تعلق {فِيهِمْ} به ولا يحتاج إلى جعل في للسببية أولى، وقيل: للمخاصمة مشاقة أخذاً من شق العصا أو لكون كل من المتخاصمين في شق؛ والمراد بالاستفهام استحضارها للشفاعة على طريق الاستهزاء والتبكيت، فإنهم كانوا يقولون: إن صح ما تقولون فالأصنام تشفع لنا، والاستفسار عن مكانتهم لا يوجب غيبتهم حقيقة بل يكفي في ذلك عدم حضورهم بالعنوان الذي كانوا يزعمون أنهم متصفون به فليس هناك شركاء ولا أماكنها. وقيل: إن ذلك يوجب الغيبة، ويقال: إنه يحال بينهم وبين شركائهم حينئذٍ ليتفقدوهم في ساعة علقوا الرجاء بها فيهم أو أنهم لما لم ينفعوهم فكأنهم غيب. ولا يحتاج إلى هذا بعدما علمت على أنه أورد على قوله: ليتفقدوهم إلى آخره أنه ليس بسديد، فإنه قد تبين للمشركين حقيقة الأمر فرجعوا عن ذلك الزعم الباطل فكيف يتصور منهم التفقد. وأجيب بأنه يجوز أن يغفلوا لعظم الهول عن ذلك فيتفقدوهم، ثم إن ما ذكر يقتضي حشر الأصنام وهو الذي يدل عليه كثير من الآيات كقوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 98] وقوله سبحانه: {أية : وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } تفسير : [البقرة: 24] على قول، ولا أرى مانعاً من حمل الشركاء على معبوداتهم الباطلة بحيث تشمل ذوي العقول أيضاً. وقرأ الجمهور {تُشَـٰقُّونَ} بفتح النون، ونافع بكسرها ورويت عن الحسن، ولا يلتفت إلى تضعيف أبـي حاتم وقرأت فرقة بتشديدها على أنه أدغم نون الرفع في نون الوقاية والكسر على حذف ياء المتكلم والاكتفاء به أي تشاقونني. على أن مشاقة الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم كمشاقة الله تعالى شأنه ولولا ذلك لم يصح تعليق المشاقة به سبحانه. أما إذا كانت بمعنى المخاصمة فظاهر أنهم لم يخاصموا الله تعالى. وأما إذا كانت بمعنى العداوة فلأنهم لا يعتقدون أنهم أعداء لله تعالى: وأما قوله تعالى: {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } تفسير : [الممتحنة: 1] يعني المشركين فمؤول أيضاً بغير شبهة. {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} من أهل الموقف وهم الأنبياء عليهم السلام والمؤمنون الذين أوتوا علماً بدلائل التوحيد وكانوا يدعونهم في الدنيا إلى التوحيد فيجادلونهم ويتكبرون عليهم، واقتصر يحيـى بن سلام على المؤمنين والأمر فيه سهل. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم أنهم الملائكة عليهم السلام. ولم نقف على تقييده إياهم. وعن مقاتل أنهم الحفظة منهم. ويشعر كلام بعضهم بأنهم ملائكة/ الموت حيث أورد على القول بأنهم الملائكة أن الواجب حينئذٍ يتوفونهم مكان {أية : تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } تفسير : [النحل: 28] وأنه يلزم منه الإبهام في موضع التعيين والتعيين في موضع الإبهام. وهو كما الشهاب في غاية السقوط، وقيل: المراد كل من اتصف بهذا العنوان من ملك وأنسي وغير ذلك. والذي يميل إليه القلب السليم القول الأول أي يقول أولئك توبيخاً للمشركين وإظهاراً للشماتة بهم وتقريراً لما كانوا يعظونهم وتحقيقاً لما أوعدوهم به. وإيثار صيغة الماضي للدلالة على تحقق وقوعه وتحتمه حسبما هو المعهود في إخباره تعالى كقوله سبحانه: {أية : وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [الأعراف: 44]. {إِنَّ ٱلْخِزْىَ} الذُّل والهوان، وفسره الراغب بالذل الذي يستحيى منه {ٱلْيَوْمَ} منصوب بالخزي على رأي من يرى إعمال المصدر [المصدر] باللام كقوله: ضعيف النكاية أعداءه. أو بالاستقرار في الظرف الواقع خبراً لإن، وفيه فصل بين العامل والمعمول بالمعطوف إلا أنه مغتفر في الظرف. وأل للحضور أي اليوم الحاضر، وإيراده للإشعار بأنهم كانوا قبل ذلك في عزة وشقاق {وَٱلْسُّوء} العذاب ومن الخزي به جعل ذكر هذا للتأكيد {عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} بالله تعالى وآياته ورسله عليهم السلام.

ابن عاشور

تفسير : {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰقُّونَ فِيهِمْ}. عطف على {أية : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة} تفسير : [سورة النحل: 25]، لأن ذلك وعيد لهم وهذا تكملة له. وضمير الجمع في قوله تعالى: {يخزيهم} عائد إلى ما عاد إليه الضمير المجرور باللام في قوله تعالى {أية : وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم} تفسير : [سورة النحل: 24]. وذلك عائد إلى {أية : فالذين لا يؤمنون بالآخرة} تفسير : [سورة النحل: 22]. و{ثمّ} للتّرتيب الرّتبي، فإنّ خزي الآخرة أعظم من استئصال نعيم الدّنيا. والخِزي: الإهانة. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلاّ خزي في الحياة الدّنيا} تفسير : في سورة البقرة (85). وتقديم الظرف للاهتمام بيوم القيامة لأنّه يوم الأحوال الأبديّة فما فيه من العذاب مهول للسّامعين. و{أين} للاستفهام عن المكان، وهو يقتضي العلم بوجود من يحلّ في المكان. ولما كان المقام هنا مقام تهكّم كان الاستفهام عن المكان مستعملاً في التهكّم ليظهر لهم كالطماعية للبحث عن آلهتهم، وهم علموا أن لا وجود لهم ولا مكان لحلولهم. وإضافة الشركاء إلى ضمير الجلالة زيادة في التوبيخ، لأنّ مظهر عظمة الله تعالى يومئذٍ للعيان ينافي أن يكون له شريك، فالمخاطبون عالمون حينئذٍ بتعذّر المشاركة. والموصول من قوله تعالى: {الذين كنتم تشاقون فيهم} للتّنبيه على ضلالهم وخطئهم في ادعاء المشاركة مثل الذي في قول عبدة:شعر : إنّ الّذينَ ترونهم إخْوَانَكم يشفي غليلَ صدورهم أن تصرعوا تفسير : والمشاقّة: المُشادة في الخصومة، كأنّها خصومة لا سبيل معها إلى الوفاق، إذ قد صار كلّ خصم في شِقّ غير شقّ الآخر. وقرأ نافع {تشقونِ} ــــ بكسر النون ــــ على حذف ياء المتكلّم، أي تعاندونني، وذلك بإنكارهم ما أمرهم الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وقرأ البقيّة {تَشاقّون} ــــ بفتح النون ــــ وحُذف المفعول للعلم، أي تعاندون من يدعوكم إلى التّوحيد. و(في) للظرفيّة المجازيّة مع حذف مضاف، إذ المشاقّة لا تكون في الذوات بل في المعاني. والتّقدير: في إلهيتهم أو في شأنهم. جملة ابتدائية حكت قول أفاضل الخلائق حين يسمعون قول الله تعالى على لسان ملائكة العذاب: {أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم}. وجيء بجملة {قال الذين أوتوا العلم} غير معطوفة لأنها واقعة موقع الجواب لقوله: {أين شركائي} للتّنبيه على أنّ الّذين أوتوا العلم ابتدروا الجواب لما وجم المشركون فلم يحيروا جوابا، فأجاب الّذين أوتوا العلم جواباً جامعاً لنفي أن يكون الشركاء المزعومون مغنين عن الّذين أشركوا شيئاً، وأنّ الخزي والسوء أحاطا بالكافرين. والتعبير بالماضي لتحقيق وقوع القول. والّذين أوتوا العلم هم الذين آتاهم الله علم الحقائق من الرّسل والأنبياء ــــ عليهم الصلاة والسلام ــــ والمؤمنون، كقوله تعالى: {أية : وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث} تفسير : [سورة الروم: 56]، أي يقولون في ذلك الموقف من جرّاء ما يشاهدوا من مُهيّأ العذاب للكافرين كلاماً يدلّ على حصر الخزي والضرّ يوم القيامة في الكون على الكافرين. وهو قصر ادعائي لبلوغ المُعرف بلام الجنس حدّ النّهاية في جنسه حتّى كأنّ غيره من جنسه ليس من ذلك الجنس. وتأكيد الجملة بحرف التوكيد وبصيغة القصر والإتيان بحرف الاستعلاء الدّال على تمكّن الخزي والسوء منهم يفيد معنى التّعجّب من هول ما أعدّ لهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ}. أي يفضحهم على رؤوس الأشهاد ويهينهم بإظهار فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم، فيجعله علانية. وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: {أية : أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ}تفسير : [العاديات: 9-10] أي أظهر علانية ما كانت تكنه الصدور، وقوله: {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ} تفسير : [الطارق: 9]. وقد بين جل وعلا في موضع آخر: أن من أدخل النار فقد ناله هذا الخزي المذكور، وذلك في قوله: {أية : رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ}تفسير : [آل عمران: 192] وقد قدمنا في سورة "هود" إيضاح معنى الخزي. قوله تعالى: {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة. أنه يسأل المشركين يوم القيامة سؤال توبيخ، فيقول لهم: أين المعبودات التي كنتم تخاصمون رسلي وأتباعهم بسببها، قائلين: إنكم لا بد لكم أن تشركوها معي في عبادتي! وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: {أية : وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} تفسير : [القصص: 62] وقوله: {أية : وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ} تفسير : [الشعراء: 92-93]، وقوله: {أية : ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا}تفسير : [غافر: 73-74] الآية، وقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوۤاْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} تفسير : [الأعراف: 37] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ عامة القراء {شُرَكَائِيَ} بالهمزة وياء المتكلم، ويروى عن ابن كثير من رواية البزي أنه قرأ "شركاي" بياء المتكلم دون همز، ولم تثبت هذه القراءة. وقرأ الجمهور {تشاقون} بنون الرفع مفتوحة مع حذف المفعول. وقرأ نافع "تشاقون" بكسر النون الخفيفة التي هي نون الوقاية، والمفعول به ياء المتكلم المدلول عليها بالكسرة مع حذف نون الرفع، لجواز حذفها من غير ناصب ولا جازم إذا اجتمعت مع نون الوقاية، كما تقدم تحريره في "سورة الحجر" في الكلام على قوله {فبم تبشرون}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 27- ثم فى الآخرة حيث يبعث الناس ويحاسبون على أعمالهم، ويوقفهم اللَّه موقف الخزى والعار، حين يفضحهم ويظهر ما كانت تخفيه صدورهم، ويقول لهم: أين هؤلاء الذين اتخذتموهم شركاء لى فى العبادة؟ وكنتم تحاربوننى ورسلى فى سبيلهم. أين هم حتى يمدوا لكم العون كما كنتم تزعمون، فلا يستطيعون جوابا، وحينئذ يقول الذين يعلمون الحق من الأنبياء والمؤمنين والملائكة: إن الخزى اليوم والعذاب المسئ واقعان على الجاحدين. 28- الخزى على الكافرين الذين استمروا على كفرهم حتى قبضت الملائكة أرواحهم، وهم ظالمون لأنفسهم بالشرك وبارتكاب السوء، واستسلموا بعد طوال العناد إذ علموا حقيقة جرمهم، وقالوا كذبا من شدة دهشتهم: ما كنا فى الدنيا نعمل شيئا من المعاصى، فتقول لهم الملائكة والأنبياء: كلا، إنكم كاذبون، وقد ارتكبتم أفظع المعاصى. واللَّه - سبحانه - محيط بكل صغيرة وكبيرة مما كنتم تعملونه فى دنياكم، فلا يفيدكم إنكاركم. 29- ويقال لهم بعد ذلك: مآلكم دخول النار والعذاب فيها عذابا مؤبدا لا ينقطع، وقبحت جهنم دارا ومقاما لكل متكبر على الانقياد إلى الحق والإيمان باللَّه ورسله. 30- وقيل للذين آمنوا باللَّه وابتعدوا عما يغضبه من قول أو فعل أو عقيدة: ما الذى أنزله ربكم على رسوله؟ قالوا: أنزل عليه القرآن، فيه خير الدنيا والآخرة للناس جميعا، فكانوا بذلك من المحسنين. واللَّه - سبحانه - يكافئ المحسنين بحياة طيبة فى هذه الحياة الدنيا، ويكافئهم فى الآخرة بما هو خير وأحسن مما نالوه فى الدنيا. ولنعم الدار التى يقيم فيها المتقون فى الآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقِيَامَةِ} {شُرَكَآئِيَ} {تُشَاقُّونَ} {ٱلْكَافِرِينَ} (27) - وَيُخْزِيهِمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ وَالخَلاَئِقِ، إِذْ يَظْهَرُ للنَّاسِ مَا كَانُوا يَسْترُونَ مِنَ المَكْرِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: أَيْنَ شُرَكَائِيَ الذِينَ كُنْتُمْ تُحَارِبُونَ، وَتُعادُونَ النَّبِيَّ وَالمُؤْمِنينَ فِي سَبِيلِهِمْ (تُشَاقُّونَ فِيهِمْ)؟ لِمَاذَا يَتَأَخَّرُونَ عَنْ نَصْرِكُمْ، وَإِنْقَاذِكُمُ اليَوْمَ؟ فَإِذَا تَوَجَّهَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، وَقَامَتْ عَلَيْهِمُ الدَّلاَلاَتُ، وَحَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ، وَسَكَتُوا عَنِ الاعْتِذَارِ، قَالَ الذِينَ أُوتُوا العِلْمَ (وَهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالمُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ، وَهُمُ السَّادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ): إِنَّ الفَضِيحَةَ وَالعَذَابَ مُحِيطَانِ اليَوْمَ بِمَنْ كَفَرَ بِاللهِ، وَأَشْرَكَ مَعَهُ فِي العِبَادَةِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَلاَ يَنْفَعُهُ. يُخْزِيهِمْ - يُذِلُّهُمْ وَيُهِينُهُمْ بِالعَذَابِ. تُشَاقُّونَ فِيهِمْ - تُخَاصِمُونَ وَتُعَادُونَ الأَنْبِيَاءَ فِيهِمْ. الخِزْيَ - الذُّلَّ وَالهَوَانَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهكذا يكون العذاب في الدنيا وفي الآخرة، ويَلْقوْن الخِزْي يوم القيامة. والخِزْي هو الهوان والمَذلَّة، وهو أقوى من الضرب والإيذاء؛ ولا يتجلَّد أمامه أحدٌ؛ فالخِزْي قشعريرة تَغْشَى البدن؛ فلا يُفلت منها مَنْ تصيبه. وإنْ كان الإنسان قادراً على أنْ يكتمَ الإيلام؛ فالخِزْي معنى نفسي، والمعاني النفسية تنضح على البشرة؛ ولا يقدر أحد أنْ يكتم أثرها؛ لأنه يقتل خميرة الاستكبار التي عاش بها ذلك الذي بيَّت ومكرَ. ويُوضِّح الحق سبحانه هذا المعنى في قوله عن القرية التي كان يأتيها الرزق من عند الله ثم كفرت بأنعم الله؛ فيقول: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تفسير : [النحل: 112]. أي: كأن الجسد كله قد سار مُمتلِكاً لحاسة التذوق، وكأن الجوع قد أصبح لباساً؛ يعاني منه صاحبه؛ فيجوع بقفاه، ويجوع بوجهه، ويجوع بذراعه وجلده وخطواته، وبكل ما فيه. وساعة يحدث هذا الخِزي فكُلُّ خلايا الاستكبار تنتهي، خصوصاً أمام مَنْ كان يدَّعي عليهم الإنسان أن عظمته وتجبّره وغروره باقٍٍ، وله ما يسنده. ويتابع سبحانه متحدياً: {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ..} [النحل: 27]. أي: أين الشركاء الذين كنتم تعبدونهم؛ فجعلتم من أنفسكم شُقَّة، وجعلتم من المؤمنين شُقَّة أخرى، وكلمة {تُشَاقُّونَ} مأخوذة من "الشق" ويقال: "شَقَّ الجدار أو شَقَّ الخشب" والمقصود هنا أنْ جعلتم المؤمنين، ومَنْ مع الرسول في شُقَّة تُعادونها، وأخذتُم جانب الباطل، وتركتُم جانب الحق. وهنا يقول مَنْ آتاهم الله العلم: {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} [النحل: 27]. وكأن هذا الأمر سيصير مشهداً بمحضر الحق سبحانه بين مَنْ مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيحضره الذين أتاهم الله العلم. والعلم - كما نعلم - يأتي من الله مباشرة؛ ثم يُنقَل إلى الملائكة؛ ثم يُنقَل من الملائكة إلى الرُّسل، ثم يُنقل من الرُّسُل إلى الأُمم التي كلَّفَ الحق سبحانه رسله أنْ يُبلِّغوهم منهجه. وكَما شهدتْ الدنيا سقوط المناهج التي اتبعوها من أهوائهم، وسقوط مَنْ عبدوهم من دون الله سيشهد اليوم الآخر الخِزْي والسوء وهو يحيط بهم، وقد يكون الخِزْي من هَوْل الموقف العظيم، ويحمي الله مَنْ آمنوا به بالاطمئنان. ونعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال:"حديث : ألا هل بلغت، اللهم فاشهد ". تفسير : وكما بلَّغَ رسولُ الله أمته واستجابتْ له؛ فقد طلب منهم أيضاً أن يكونوا امتداداً لرسالته، وأَنْ يُبلِّغوها للناس، ذلك أن الحق سبحانه قد منع الرسالات من بعد رسالة محمد عليه الصلاة والسلام. وصار من مسئولية الأمة المحمدية أنْ تُبلِّغ كل مَنْ لم تبلغه رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نَضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، وأدَّاها إلى مَنْ لم يسمعها، فَرُبَّ مُبلَّغ أَوْعَى مِن سامع ". تفسير : والحق سبحانه هو القائل: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ ..} تفسير : [النساء: 41-42]. أي: يتمنوْنَ أنْ يصيروا تُرَاباً، كما قال تعالى في موقع آخر: {أية : إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} تفسير : [النبأ: 40]. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} معناه تُحارَِبُون فِيهم.

الجيلاني

تفسير : {ثُمَّ} بعد تعذيبهم في النشأة الأولى {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ} أي: يخذلهم الله، ويرديهم بتكذيب كلام الله ورسوله {وَيَقُولُ} لهم سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع: {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ} أيها الضالون المضلون، والمنهمكون في الغي والضلال {تُشَاقُّونَ} وتعادون {فِيهِمْ} أي: في حقهم وشأنهم المؤمنين، وتعارضون معهم بادعاء الألوهية لأولئك التماثيل العاطلة الباطلة، ادعوهم حتى ينجوكم ويخصلوكم من عذابي وبطشي {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} من الأنبياء ةالرسل، وخلفائهم الذين دعوهم إلى الإيمان فلم يؤمنوا، بل يكذبونهم وينكرون عليهم، وعلى دينهم ونبيهم حين أبصروا أخذ الله إياهم شامتين لهم، متهكمين عليهم: {إِنَّ ٱلْخِزْيَ} أي: الذلة والصغار {ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ} المفرط المجاور عن الحد نازلُ {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} [النحل: 27] المستكبرين الذين كذبوا الرسل، وأنكروا الكتب، واستهزءوا معهم. وهم {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ} الموكلون عليهم حين معارضتهم بالقرآن وتكذيبهم إياه وبمن أُنزل إليه، مع كونهم {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} ومعارضيها على العذاب الأبدي، ثمَّ لما عيانوا في النشأة الآخرة بحقيته وصدقه، ومطابقته للواقع {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ} أي: الانقياد والتسليم، مبرئين نفوسهم عن التكمذيب والإساءة مع القرآن، قائلين: {مَا كُنَّا} في النشأة الأولى {نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} أي: ما نريد ونعتقد الإساءة في حقه، فيقول الملائكة لهم على سبيل التهكم: {بَلَىٰ} أنتم لا تسيئون الأدب مع الرسول والقرآن {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع بجميع ما كان ويكون {عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 28] من الرد والإكار والتكذيب، فيجازيكم على مقتضى علمهز ثمَّ قيل لهم زجراً وقهراً: {فَٱدْخُلُوۤاْ} أيها المشركون المستكبرون، المعاندون مع الله ورسوله {أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} كل فرقة منكم من باب منها، على تفاوت طبقاتكم في موجباتها، وادخلوا أنواع عذابها ونكالها، حال كونكم {خَالِدِينَ فِيهَا} مخلدين مؤيدين {فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} [النحل: 29] جنهم البعد والخذلان التي هي منزل الطرد والحرمان. {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} عن محارم الله، وحفظوا نفوسهم عن العرض على المهالك الموجبة لسخط الله وعضبه: {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} على نبيكم لتربية دينكم، وتصفية مشربكم عن أكدار التقليدات والتخمينات {قَالُواْ} أنزل {خَيْراً} محضاً في النشأة الأولى والأخرى، أما في الأولى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا} وعملوا الصالحات المقربة إلى الله {حَسَنَةٌ} كاملة من العلوم والمعارف المثمرة للمكاشفات والمشاهدات {وَ} أما في الآخرة: فا {لَدَارُ ٱلآخِرَةِ} المعدة للفوز بشرف اللقاء، والوصول إلى سدرة المنتهى {خَيْرٌ} من جميع الكاملات الأقصى، والدرجات العليا {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ} [النحل: 30] المتحفظين نفوسهم عن الالتفات إلى ما سوى الحق. دار الآخرة التي هي {جَنَّاتُ عَدْنٍ} مصونة عن أمارات الكثرة المشعرة للاثنينية {يَدْخُلُونَهَا} مجردة عن جلباب التعينات العدمية {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} المنتشئة عن التجليات المترتبة على الأوصاف الذاتية الإلهية {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ} من مقتضيات الأوصاف اللطفية الحبية الجمالية {كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ} [النحل: 31] المائلين عن غير الله مطلقاً، الباذلين مهجهم في سبيله طوعاً المنخلعين عن مقتضيات أوصاف بشريتهم إرادةً واختياراً، الصابرين على ما جرى عليهم من القضاء تسليماً ورضاً. وهم {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} الموكلون عليهم في نشأتهم، حال كونهم {طَيِّبِينَ} طاهرين عن خبائث الإمكان، ورذائل الخذلان والخسران، الناشئة من ظلمات الطبائع والأركان {يَقُولُونَ} أي: الملائكة المأمورين لقبض أرواحهم عند قبضها: {سَلامٌ عَلَيْكُمُ} أيها الصابرون في البلوى، السائرون إلى المولى {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} التي هي خير المنقلب والمثوى، وفوزوا بشرف اللقيا {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] في النشأة الأولى من الإعراض عن مقتضيات الهوى، ومن الرضا بالقضاء، ومن الصبر على العناء، والشوق إلى الفناء. ثمَّ قال سبحانه توبيخاً وتقريعاً على المشركين: {هَلْ يَنْظُرُونَ} أي: ما ينتظرون أولئك التائهون في تيه الغفلة والغرور {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ} المأمورون لقبض أرواحهم الخبيثة {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل؛ أي: يوم القيامة المعدة لتعذيبهم وانتقامهم {كَذَلِكَ} أي: مثل إمهال هؤلاء الهالكين وإهمالهم في أمر الإيمان {فَعَلَ ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلِهِمْ} في زمن الأنبياء الماضين {وَ} بالجملة: {مَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ} المجازي لهم على مقتضى إساءتهم {وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 33] أي: يظلمون هم أنفسهم بعرضها على المهالك الموجبة أنواع العذاب والعقاب من تذكيب الرسل، وإنكار الكتب، وترك المأمورات، وإرتكاب المنهيات.