١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} هذا من صفة الكافرين. و «ظَالمِي أَنْفُسِهِم» نصب على الحال؛ أي وهم ظالمون أنفسهم إذ أوردوها موارد الهلاك. {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ} أي الاستسلام. أي أقرّوا لله بالربوبية وانقادوا عند الموت وقالوا: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} أي من شرك. فقالت لهم الملائكة: {بَلَىٰ} قد كنتم تعملون الأسواء. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وقال عكرمة: نزلت هذه الآية بالمدينة في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا، فأخرجتهم قريش إلى بدر كرها فقُتِلوا بها؛ فقال: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ} بقبض أرواحهم. {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} في مقامهم بمكة وتركهم الهجرة. {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ} يعني في خروجهم معهم. وفيه ثلاثة أوجه: أحدها ـ أنه الصلح؛ قاله الأخفش. الثاني ـ الاستسلام؛ قاله قُطْرُب. الثالث ـ الخضوع؛ قاله مقاتل. {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} يعني من كفر. {بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} يعني أن أعمالكم أعمال الكفار. وقيل: إن بعض المسلمين لما رأوا قلة المؤمنين رجعوا إلى المشركين؛ فنزلت فيهم. وعلى القول الأول فلا يخرج كافر ولا منافق من الدنيا حتى ينقاد ويستسلِم، ويخضع ويذل، ولا تنفعهم حينئذ توبة ولا إيمان؛ كما قال: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا}تفسير : [غافر: 85] وقد تقدّم هذا المعنى. وتقدّم في «الأنفال» إن الكفار يتوفّون بالضرب والهوان، وكذلك في «الأنعام». وقد ذكرناه في كتاب التذكرة.
البيضاوي
تفسير : {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } وقرأ حمزة بالياء. وقرىء بإدغام في التاء وموضع الموصول يحتمل الأوجه الثلاثة {ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ } بأن عرضوها للعذاب المخلد. {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ } فسالموا وأخبتوا حين عاينوا الموت. {مَا كُنَّا } قائلين ما كنا. {نَعْمَلُ مِن سُوء} كفر وعدوان، ويجوز أن يكون تفسيراً لـ {ٱلسَّلَـمُ } على أن المراد به القول الدال على الاستسلام. {بَلَىٰ } أي فتجيبهم الملائكة بلى. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فهو يجازيكم عليه، وقيل قوله: {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ } إلى آخر الآية استئناف ورجوع إلى شرح حالهم يوم القيامة، وعلى هذا أول من لم يجوز الكذب يومئذ {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء } بأنا لم نكن في زعمنا واعتقادنا عاملين سوءاً، ويحتمل أن يكون الراد عليهم هو الله تعالى، أو أولوا العلم.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن حال المشركين الظالمين أنفسهم عند احتضارهم ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم الخبيثة، {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ} أي: أظهروا السمع والطاعة والانقياد قائلين: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} كما يقولون يوم المعاد: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23] {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ} تفسير : [المجادلة: 18] قال الله مكذباً لهم في قيلهم ذلك: {بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} { فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} أي: بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان لمن كان متكبراً عن آيات الله واتباع رسله، وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، وينال أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها، فإذا كان يوم القيامة، سلكت أرواحهم في أجسادهم، وخلدت في نار جهنم {أية : لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} تفسير : [فاطر: 36] كما قال الله تعالى: {أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [غافر: 46].
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّٰهُمُ } بالتاء والياء {ٱلْمَلَٰئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } بالكفر {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ } انقادوا واستسلموا عند الموت قائلين {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءِ } شرك فتقول الملائكة {بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فيجازيكم به.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{الَّذِين تتوفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم}قال عكرمة: نزلت هذه الآية في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا، فأخرجتهم قريش إلى بدر كرها، فقتلوا، فقال الله{الذين تتوفاهم الملائكة}يعني بقبض أرواحهم.{ظالمي أنفسهم}في مقامهم بمكة وتركهم الهجرة. {فألقوا السّلَمَ}يعني في خروجهم معهم وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الصلح، قاله الأخفش. الثاني: الاستسلام، قاله قطرب. الثالث: الخضوع، قاله مقاتل. {ما كنا نعمل من سوء} يعني من كفر. {بَلَى إن الله عليمٌ بما كنتم تعملون} يعني إن أعمالهم أعمال الكفار. قوله عز وجل:{... ولدار الآخرة خيرٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن الجنة خير من النار، وهذا وإن كان معلوماً فالمراد به تبشيرهم بالخلاص منها. الثاني: أنه أراد أن الآخرة خير من دار الدنيا، قاله الأكثرون. {ولنعم دار المتقين} فيه وجهان: أحدهما: ولنعم دار المتقين الآخرة. الثاني: ولنعم دار المتقين الدنيا، قال الحسن: لأنهم نالوا بالعمل فيها ثواب الآخرة ودخول الجنة. قوله تعالى:{الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} قيل معناه صالحين. ويحتمل طيبي الأنفس ثقة بما يلقونه من ثواب الله تعالى. ويحتمل ـ وجهاً ثالثاً ـ أن تكون وفاتهم وفاة طيبة سهلة لا صعوبة فيها ولا ألم بخلاف ما تقبض عليه روح الكافر. {يقولون سلام عليكم} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون السلام عليهم إنذاراً لهم بالوفاة. الثاني: أن يكون تبشيراً لهم بالجنة، لأن السلام أمان. {ادخلوا الجنة} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معناه أبشروا بدخول الجنة. الثاني: أن يقولوا ذلك لهم في الآخرة. {بما كنتم تعملون} يعني في الدنيا من الصالحات.
ابن عطية
تفسير : {الذين} نعت للكافرين في قول أكثر المتأولين، ويحتمل أن يكون {الذين} مرتفعاً بالابتداء منقطعاً مما قبله، وخبره في قوله {فألقوا السلم} فزيدت الفاء في الخبر، وقد يجيء مثل هذا، و {الملائكة} يريد القابضين لأرواحهم، وقوله {ظالمي أنفسهم} حال، و {السلم} هنا الاستسلام، أي رموا بأيديهم وقالوا {ما كنا نعمل من سوء} فحذف قالوا لدلالة الظاهر عليه، قال الحسن: هي مواطن بمرة يقرون على أنفسهم كما قال {أية : وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} تفسير : [الأنعام: 13] ومرة يجحدون كهذه الآية، ويحتمل قولهم: {ما كنا نعمل من سوء} وجهين، أحدهما أنهم كذبوا وقصدوا الكذب اعتصاماً منهم به، على نحو قولهم {أية : والله ربنا ما كنا مشركين} تفسير : [الأنعام: 23]، والآخر أنهم أخبروا عن أنفسهم بذلك على ظنهم أنهم لم يكونوا يعملون سوءاً، فأخبروا عن ظنهم بأنفسهم، وهو كذب في نفسه. و {عليم بما كنتم تعملون} وعيد وتهديد، وظاهر الآية أنها عامة في جميع الكفار، وإلقاؤهم السلم ضد مشافهتهم قبل، وقال عكرمة: نزلت في قوم من أهل مكة آمنوا بقلوبهم ولم يهاجروا فأخرجهم كفار مكة مكرهين إلى بدر، فقتلوا هنالك فنزلت فيهم هذه الآية. قال القاضي أبو محمد: وإنما اشتبهت عليه بالآية الأخرى التي نزلت في أولئك باتفاق من العلماء، وعلى هذا القول يحسن قطع {الذين} ورفعه بالابتداء فتأمله والقانون أن {بلى} تجيء بعد النفي ونعم تجيء بعد الإيجاب، وقد تجيء بعد التقرير، كقوله أليس كذا ونحوه، ولا تجيء بعد نفي سوى التقرير، وقرأ الجمهور "تتوفاهم" بالتاء فوق، وقرأ حمزة "يتوفاهم" بالياء وهي قراءة الأعمش، قال أبو زيد: أدغم أبو عمرو بن العلاء السلم "ما"، وقوله {فادخلوا} من كلام الذي يقول {بلى} ، و {أبواب جهنم} مفضية إلى طبقاتها التي هي بعض على بعض، و"الأبواب" كذلك باب على باب، و {خالدين} حال، واللام في قوله {فلبئس} لام التأكيد. قال القاضي أبو محمد: وذكر سيبويه، رحمه الله، وهو إجماع النحويين قال: ما علمت أن لام التأكيد لا تدخل على الفعل الماضي وإنما تدخل عليه لام القسم لكن دخلت على "بئس" لما لم تتصرف أشبهت الأسماء وبعدت عن حال الفعل من جهة أنها لا تدخل على زمان، و"المثوى" موضع الإقامة، ونعم وبئس إنما تدخلان على معرف بالألف واللام أو مضاف إلى معرف بذلك، والمذموم هنا محذوف، تقديره بئس المثوى {مثوى المتكبرين}، و"المتكبر" هنا هو الذي أفضى به كبره إلى الكفر، وقوله {وقيل للذين اتقوا} الآية، لما وصف تعالى مقالة الكفار الذين قالوا أساطير الأولين، عادل ذلك بذكر مقالة المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجب لكل فريق ما يستحق لتتباين المنازل بين الكفر والإيمان، و {ماذا} تحتمل ما ذكر في التي قبلها، وقولهم {خيراً} جواب بحسب السؤال، واختلف المتأولون في قوله تعالى {للذين أحسنوا} إلى آخر الآية، فقالت فرقة: هو ابتداء كلام من الله مقطوع مما قبله، لكنه بالمعنى وعد متصل بذكر إحسان المتقين في مقالتهم، وقالت فرقة: هو من كلام الذين {قالوا خيراً} وهو تفسير للخير الذي أنزل الله في الوحي على نبينا خبراً أن من أحسن في الدنيا بطاعة فله حسنة في الدنيا ونعيم في الآخرة بدخول الجنة، وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة" تفسير : . وقد تقدم القول في إضافة "الدار" إلى الآخرة وباقي الآية بين.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ} قيل نزلت فيمن أسلم بمكة ولم يهاجر فأخرجتهم قريش إلى بدر فقُتلوا {تَتَوَفَّاهُمُ} تقبض أرواحهم {ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ} بالمقام بمكة وترك الهجرة {فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ} في خروجهم معهم {مِن سُوءِ} كفر {بَلَى} عملكم أعمال الكفار، والسَّلَم: الصلح، أو الاستسلام، أو الخضوع.
ابو السعود
تفسير : {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} بتأنيث الفعل، وقرىء بتذكيره وبإدغام التاء في التاء، والعدولُ إلى صيغة المضارعِ لاستحضار صورةِ توفِّيهم إياهم لما فيها من الهول، والموصولُ في محل الجرِّ على أنه نعتٌ للكافرين أو بدلٌ منه أو في محل النصبِ أو الرفع على الذم، وفائدتُه تخصيصُ الخزي والسوءِ بمن استمر كفرُه إلى حينِ الموت دون مَن آمن منهم ولو في آخر عُمره، أي على الكافرين المستمرين على الكفر إلى أن يتوفاهم الملائكة {ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ} أي حالَ كونهم مستمرين على الكفر فإنه ظلمٌ منهم لأنفسهم وأيُّ ظلم، حيث عرّضوها للعذاب المخلّد وبدّلوا فطرةَ الله تبديلاً {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ} أي فيُلقون، والعدولُ إلى صيغة الماضي للدِلالة على تحقق الوقوعِ وهو عطفٌ على قوله تعالى: {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِىَ} وما بـينهما جملةٌ اعتراضية جيء بها تحقيقاً لما حاق بهم من الخزي على رؤوس الأشهادِ، أي فيُسالمون ويتركون المُشاقّةَ وينزِلون عما كانوا عليه في الدنيا من الكِبْر وشدةِ الشكيمة قائلين: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ} في الدنيا {مِن سُوء} أي من شرك، قالوه منكِرين لصدوره عنهم كقولهم: { أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام، الآية 23] وإنما عبروا عنه بالسوء اعترافاً بكونه سيئاً لا إنكاراً لكونه كذلك مع الاعتراف بصدوره عنهم، ويجوز أن يكون تفسيراً للسَّلَم على أن يكون المرادُ به الكلامَ الدالَّ عليه، وعلى التقديرين فهو جوابٌ عن قوله سبحانه: { أية : أَيْنَ شُرَكَائِىَ} تفسير : [النحل، الآية 27] كما في سورة الأنعام لا عن قول أولي العلمِ ادعاءً لعدم استحقاقهم لما دهمهم من الخزي والسوء {بَلَىٰ} رد عليهم من قِبل أولي العلم وإثباتٌ لما نفَوْه أي بلى كنتم تعملون ما تعملون {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فهو يجازيكم عليه وهذا أوانُه. {فَٱدْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} أي كلُّ صنف من بابه المعدِّ له، وقيل: أبوابُها أصنافُ عذابها فالدخولُ عبارةٌ عن الملابسة والمقاساة {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} إن أريد بالدخول حدوثُه فالحال مقدّرة، وإن أريد مطلقُ الكون فيها فهي مقارِنة {فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبّرِينَ} عن التوحيد كما قال تعالى: { أية : قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} تفسير : [النحل، الآية 22] وذكرُهم بعنوان التكبر للإشعار بعلّيته لثُوائهم فيها، والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي جهنم وتأويلُ قولهم: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء} [النحل، الآية 28] بأنا ما كنا عاملين ذلك في اعتقادنا رَوْماً للمحافظة على أن لا كذِبَ ثمة يرده الردُّ المذكور وما في سورة الأنعام من قوله تعالى: {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}.
القشيري
تفسير : {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}: بارتكاب المعاصي وهم الكفار. {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ}: انقادوا واستسلموا لحكم الله. {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ}: جحدوا وأنكروا ما عملوا من المخالفات. {بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}: هكذا قالت لهم الملائكة، ثم يقولون لهم: {فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ... }: وكذلك الذين تقسو نفوسُهم بإعراضهم عن الطاعات إذا نزَلَتْ بهم الوفاةُ يأخذون في الجزع وفي التضرع، ثم لا تطيبُ نفوسهم بأن يُقِرُّوا بتفاصيل أعمالهم عند الناس، فيما يتعلق بإرضاء خصومهم لما أَخَلُّوا من معاملاتهم، ثم الله يؤاخذهم بالكبير والصغير، والنقير والقطمير، ثم يبقون أبداً في وبال ما أحقبوه، لأن شؤم ذلك يلحقَهم في أُخراهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين تتوفاهم الملائكة} فى محل الجر على انه نعت للكافرين وفائدة تخصيص الخزى والسوء بمن استمر كفره الى حين الموت دون من آمن منهم ولو فى آخر عمره اى على الكافرين المستمرين على الكفر الى ان تتوفاهم الملائكة اى يقبض ارواحهم ملك الموت واعوانه {ظالمى انفسهم} اى حال كونهم مستمرين على الكفر والاستكبار فانه ظلم منهم على انفسهم وأى ظلم حيث عرضوها للعذاب المخلد بوضعها بالاستكبار على الملك الجبار غير موضعها وبدلوا فطرة الله تبديلا {فالقوا السلم} عطف على قوله تعالى {ويقول اين شركائى} والسلم بالتحريك الاستسلام اى فيلقون الاستسلام والانقياد فى الآخرة حين عاينوا العذاب ويتركون المشاقة وينزلون عما كانوا عليه فى الدنيا من التكبر والعلو وشدة الشكيمة قائلين {ما كنا نعمل} فى الدنيا {من سوء} اى من شرك قالوه منكرين لصدوره عنهم قصدا لتخليص نفوسهم من العذاب {بلى} رد عليهم من قبل اولى العلم واثبات لما نفوه اى بلى كنتم تعملون ما تعملون {ان الله عليم بما كنتم تعملون} فهو يجازيكم عليه وهذا اوانه فلا يفيد انكاركم وكذبكم على انفسكم.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة {الذين يتوفاهم} بالياء. الباقون بالتاء، من قرأ بالتاء فلتأنيث لفظة الملائكة، ومن قرأ بالياء، فلأن التأنيث غير حقيقي وقد مضى نظيره كثيراً. يقول الله تعالى ان الخزي اليوم والسوء على الكافرين، الذين يتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم و {الذين} في موضع الجر بأنه بدل من الكافرين وانما قال ذلك ليعلم به ان الوعيد يتناول من كان مات على كفره، لانه ان تاب لم يتوجه الوعيد اليه، ومعنى {تتوفاهم الملائكة} أي تقبض ارواحهم بالموت ظالمي انفسهم بما فعلوه من ارتكاب المعاصي التي استحقوا بها العقاب. والظالم من فعل الظلم، ويصح ان يظلم الانسان نفسه كما يظلم غيره. وقوله {فألقوا السلم} اي استسلموا للحق حين لا ينفعهم السلم، يعني الانقياد والاذعان. وقوله {ما كنا نعمل من سوء} اي قالوا ما عملنا من سوء، فكذبهم الله، وقال {بلى} قد فعلتم والله عالم بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي وغيرها. وقيل في معنى ذلك قولان: احدهما - ما كنا نعمل من سوء عند انفسنا، لانهم في الآخرة ملجؤن الى ترك القبيح والكذب، ذكره الجبائي. وقال الحسن وابن الاخشاذ: في الآخرة مواطن يلجؤن في بعضها دون بعض، ثم بين انه تعالى يقول لهم {ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها} اي مؤبدين فيها {فلبئس مثوى المتكبرين} قسم من الله تعالى انها بئس المأوى لمن تكبر على الله، ولم يعمل بطاعته، {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم} اي اي شيء {أنزل ربكم قالوا خيراً} على معنى ماذا، والمعنى انزل الله خيراً، وانما نصب {خيراً} ها هنا بعد قوله {قالوا} ورفع {أساطير} فيما تقدم لأمرين. احدهما - انهم جحدوا التنزيل، فقالوا إِنما هي اساطير الأولين وأقر المؤمنون بالتنزيل، فقالوا أنزل ربنا خيراً. والثاني - قال سيبويه ان يكون الرفع على تقدير ما الذي انزل ربكم فيكون ذا بمعنى الذي، وفي النصب يكون (ذا، وما) بمنزلة اسم واحد. وقوله {للذين أحسنوا الحسنى} يحتمل ان يكون من كلام من قال خيراً، ويحتمل ان يكون اخباراً من الله تعالى، وهو الاقوى، لانه ابلغ في باب الدعاء الى الاحسان، فأجاز الحسن والزجاج كلا الوجهين، والمعنى ان للذين احسنوا في هذه الدنيا حسنة مكافأة لهم في الدنيا قبل الآخرة خيراً {ولنعم دار المتقين} يعني الجنة التي يدخلها الذين اتقوا معاصي الله وفعلوا طاعاته.
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ} خبر مبتدءٍ محذوفٍ او مفعول فعلٍ محذوفٍ او صفة للكافرين {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} ظالمين فى حقّهم او فى حقّ امامهم فانّه بمنزلة انفسهم بل اولى بهم منهم {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ} اى الاستسلام والانقياد او القول بالاستسلام او القول بالاستسلام والانقياد {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} تفسير للسّلم على الّذين انكروا مافعلوا من الجحود والانكار والاستهزاء فى الدّنيا {بَلَىٰ} ردّ من الملائكة او من الله اى قالوا او قال بلى {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فلا ينفعكم انكاره الآن.
الهواري
تفسير : قوله: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} قال بعضهم: توفتهم عند الموت. وقال الحسن: هي وفاة إلى النار، أي: حشر إلى النار. { فَأَلْقَوُا السَّلَمَ} قال بعضهم: استسلموا. وقال الحسن: أعطوا السلم أي: أسلموا فلم يقبل منهم؛ وقال: إن في القيامة مواطن، فمنها موطن يقرّون فيه بأعمالهم الخبيثة، وهو كقوله: (أية : وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ) تفسير : [الأنعام:130] أي: في الدنيا. وموطن يجحدون فيه فقالوا: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ} فقيل لهم: { بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: في الدنيا إذ أنتم مشركون. وموطن آخر {أية : قَالُوا: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام:23] فقال الله: (أية : انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ)تفسير : [الأنعام:24] {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي: من عبادتهم الأوثان، فلم تغن عنهم شيئاً، وموطن آخر، وهو آخرها، أن يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم (أية : وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) تفسير : [سورة:يس:65]. قوله: { فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ} أي: عن عبادة الله عزّ وجلّ. { وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً} أي: أنزل خيراً. ثم انقطع الكلام. ثم قال: { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا} أي: آمنوا { فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الأَخِرَةِ خَيْرٌ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ المُؤمِن حسنة؛ يثاب عليها بالرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة تفسير : وقال الحسن: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ}: تكون لهم حسنتهم في الآخرة الجنة. قال: {وَلَدَارُ الأَخِرَةِ خَيْرٌ} أي: الجنة خير من الدنيا. { وَلَنِعْمَ دَارُ المُتَّقِينَ}.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ} نعت ولا حاجة إلى تقدير أَعنى أَوهم ولا إلى الإبدال أَو البيان، وتعاطى ذلك بلا دليل عليه غفلة، وأَبعد من ذلك جعله مبتدأً خبره أَلقوا، على قول الأَخفش بجواز زيادة الفاء فى الخبر مطلقاً ولو لم يشبه المبتدأَ اسم الشرط فى العموم {تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ} عزرائيل وأَعوانه {ظَالِمى أَنْفُسِهِمْ} بالكفر الموجب للخزى والسوءِ يوم القيامة والمعنى: توفتهم، بدليل قوله: {فَأَلْقُوا السَّلَمَ} بصيغة الماضى أَو يبقى تتوفى على الاستقبال وأَلقوا بمعنى يلقون وتتوفى للاستقبال على أن القول فى الدنيا، وللمضى على حكاية الحال على أَنه يوم القيامة، ويجوز عطف ألقوا على قال أَو يقول تتوفى على معنى توفت، والسلم ضد المنافرة، انقادوا إلى الإسلام حين لا ينفعهم {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} تفسير لقوله: ألقوا السلم بلا تقدير ولا تضمين كما أَن قولك فعلت لك ما تحب نفس قولك خضعت لك أو يقدر حال هكذا قائلين ما كنا إلخ أو يضمن ألقوا السلم معنى القول فتنصب الجملة كما تنصب بالقول، وإلقاءُ السلم ما كنا نعمل من سوءٍ هو عند معاينة الموت أَو يوم القيامة حين عاينوا العذاب وهو أَولى فيكونون يكذبون يوم القيامة لأَنهم قد علموا السوءَ فى الدنيا وهو الكفر بالإِشراك وغيره، وقيل المراد الإِشراك يكذبون عمدا أَو لفرط الخوف والدهشة، ومن معنى صدور الكذب يوم القيامة، قال: المعنى ما كنا فى اعتقادنا نعمل سوءاً فإنا نظن الكفر حقا، ويرده قوله تعالى: انظر كيف كذبوا {بَلَى} تقول الملائكة بلى قد عملتم السوءَ أَو المؤمنون أَو العلماءُ، ويتعين الأَول على أَن القول عند الموت {إِنَّ اللهَ عِلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فيجازيكم.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} بتأنيث الفعل، وقرأ حمزة والأعمش {يتوفاهم} بالتذكير هنا وفيما سيأتي إن شاء الله تعالى، والوجهان شائعان في أمثال ذلك. وقرىء بإدغام تاء المضارعة في التاء بعدها ويجتلب في مثله حينئذٍ همزة وصل في الابتداء وتسقط في الدرج وإن لم يعهد همزة وصل في أول فعل مضارع. وفي مصحف عبد الله بتاء واحدة في الموضعين، وفي الموصول أوجه الإعراب الثلاثة. الجر على أنه صفة {أية : ٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [النحل: 27] أو بدل منه أو بيان له، والنصب والرفع على القطع للذم؛ وجوز ابن عطية كونه مرتفعاً بالابتداء وجملة {فَأَلْقَوُاْ} خبره. وتعقبه أبو حيان بأن زيادة الفاء في الخبر لا تجوز هنا إلا على مذهب الأخفش في إجازته وزيادتها في الخبر مطلقاً نحو زيد فقام أي قام، ثم قال: ولا يتوهم أن هذه الفاء هي الداخلة في خبر المبتدأ إذا كان موصولاً وضمن معنى الشرط لأنها لا يجوز دخولها في مثل هذا الفعل مع صريح أداة الشرط فلا يجوز مع ما ضمن معناه اهـ بلفظه. ونقل شهاب عنه أنه قال: إن المنع مع ما ضمن معناه أولى. وتعقبه بأن كونه أولى غير مسلم لأن امتناع الفاء معه لأنه لقوته لا يحتاج إلى رابط إذا صح مباشرته للفعل وما تضمن معناه ليس كذلك، وكلامه الذي نقلناه لا يشعر بالأولوية فلعله وجد له كلاماً آخر يشعر بها. واستظهر هو الجر على الوصفية ثم قال: فيكون ذلك داخلاً في المقول، فإن كان القول يوم القيامة يكون {تَتَوَفَّـٰهُمُ} بصيغة المضارع حكاية للحال الماضية، وإن كان في الدنيا أي لما أخبر سبحانه أنه يخزيهم يوم القيامة ويقول جل وعلا لهم ما يقول قال أهل العلم: إن الخزي اليوم الذي أخبر الله تعالى أنه يخزيهم فيه والسوء على الكافرين يكون {تَتَوَفَّـٰهُمُ} على بابه، ويشمل من حيث المعنى من توفته ومن تتوفاه، وعلى ما ذكره ابن عطية يحتمل أن يكون {ٱلَّذِينَ} إلى آخره من كلام الذين أوتوا العلم وأن يكون إخباراً منه تعالى، والظاهر أن القول يوم القيامة فصيغة المضارع لاستحضار صورة توفي الملائكة إياهم كما قيل آنفاً لما فيها من الهول، وفي تخصيص الخزي والسوء بمن استمر كفره إلى حين الموت دون من آمن منهم ولو في آخر عمره، وفيه تنديم لهم لا يخفى أي الكافرين المستمرين على الكفر إلى أن تتوفاهم الملائكة {ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ} أي حال كونهم مستمرين على الشرك الذي هو ظلم منهم لأنفسهم وأي ظلم حيث عرضوها للعذاب المقيم. {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ} أي الاستسلام كما قاله الأخفش/ وقال قتادة: الخضوع، ولا بعد بين القولين. والمراد عليهما أنهم أظهروا الانقياد والخضوع، وأصل الإلقاء في الأجسام فاستعمل في إظهارهم الانقياد وإشعاراً بغاية خضوعهم وانقيادهم وجعل ذلك كالشيء الملقى بين يدي القاهر الغالب. والجملة قيل عطف على قوله تعالى: {أية : وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِىَ } تفسير : [النحل: 27] وما بينهما جملة اعتراضية جيء بها تحقيقاً لما حاق بهم من الخزي على رؤوس الاشهاد. وكان الظاهر فيلقون إلى آخره إلا أنه عبر بصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع أي يقول لهم سبحانه ذلك فيستسلمون وينقادون ويتركون المشاقة وينزلون عما كانوا عليه في الدينا من الكبر وشدة الشكيمة، ولعله مراد من قال: إن الكلام قد تم عند قوله تعالى: {أَنفُسِهِمْ} ثم عاد إلى حكاية حالهم يوم القيامة، وقيل: عطف على {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ } تفسير : [النحل: 27] وجوز أبو البقاء وغيره العطف على {تَتَوَفَّـٰهُمُ} واستظهره أبو حيان، لكن قال الشهاب: إنه إنما يتمشى على كون {تَتَوَفَّـٰهُمُ} بمعنى الماضي، وقد تقدم لك القول بأن الجملة خبر {ٱلَّذِينَ} مع ما فيه. واعترض الأول بأن قوله تعالى: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء} إما أن يكون منصوباً بقول مضمر وذلك القول حال من ضمير {أَلْقَوْاْ} أي ألقوا السلم قائلين ما كنا إلى آخره أو تفسيراً للسلم الذي ألقوه بناء على أن المراد به القول الدال عليه بدليل الآية الأخرى {أية : فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ } تفسير : [النحل: 86] وأياًَ ما كان فذلك العطف يقتضي وقوع هذا القول منهم يوم القيامة وهو كذب صريح ولا يجوز وقوعه يومئذ. وأجيب بأن المراد ما كنا عاملين السوء في اعتقادنا أي كان اعتقادنا أن عملنا غير سيء، وهذا نظير ما قيل في تأويل قولهم {أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23] وقد تعقب بأنه لا يلائمه الرد عليهم بـِ {بَلَى إِنَّ ٱللَّهَ} إلى آخره لظهور أنه لإبطال النفي ولا يقال: الرد على من جحد واستيقنت نفسه لأنه يكون كذباً أيضاً فلا يفيد التأويل. ومن الناس من قال بجواز وقوع الكذب يوم القيامة، وعليه فلا إشكال، ولا يخفى أن هذا البحث جار على تقدير كون العطف على {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ} تفسير : [النحل: 27] أيضاً إذ يقتضي كالأول وقوع القول يوم القيامة وهو مدار البحث. واختار شيخ الإسلام عليه الرحمة العطف السابق وقال: إنه جواب عن قوله سبحانه: {أية : أَيْنَ شُرَكَائِىَ} تفسير : [النحل: 27] وأرادوا بالسوء الشرك منكرين صدوره عنهم، وإنما عبروا عنه بما ذكر اعترافاً بكونه سيئاً لا إنكاراً لكونه كذلك مع الاعتراف بصدوره عنهم، ونفى أن يكون جواباً عن قول أولي العلم ادعاء لعدم استحقاقهم لما دهمهم من الخزي والسوء، ولعله متعين على تقدير العطف على {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ} تفسير : [النحل: 27] إلى آخره، وإذا كان العطف على {تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} كان الغرض من قولهم هذا الصادر منهم عند معاينتهم الموت استعطاف الملائكة عليهم السلام بنفي صدور ما يوجب استحقاق ما يعانونه عند ذلك، وقيل: المراد بالسوء الفعل السيء أعم من الشرك وغيره ويدخل فيه الشرك دخولاً أولياً أي ما كنا نعمل سوأ ما فضلاً عن الشرك، و {مِنْ} على كل حال زائدة و {سُوء} مفعول لنعمل. {بَلَىٰ} رد عليهم من قبل الله تعالى أو من قبل أولي العلم أو من قبل الملائكة عليهم السلام، ويتعين الأخير على كون القول عند معاينة الموت ومعاناته أي بلى كنتم تعلمون ما تعملون. {إنَّ اللَّهَ عَليمٌ بمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فهو يجازيكم عليه وهذا أوانه.
ابن عاشور
تفسير : القرينة ظاهرة على أنّ قوله تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} ليست من مقول الذين أوتوا العلم يوم القيامة، إذ لا مناسبة لأن يعرّف الكافرون يوم القيامة بأنهم الّذين تتوفّاهم الملائكة ظالمي أنْفُسهم؛ فإن صيغة المضارع في قوله تعالى: {تتوفاهم الملائكة} قريبة من الصريح في أن هذا التوفّي محكيّ في حال حصوله وهم يوم القيامة مضت وفاتهم ولا فائدة أخرى في ذكر ذلك يومئذٍ، فالوجه أن يكون هذا كلاماً مستأنفاً. وعن عكرمة: نزلت هذه الآية بالمدينة في قوم أسلموا بمكّة ولم يهاجروا فأخرجهم قريش إلى بدْر كَرهاً فقُتلوا ببدر. فالوجه أن {الذين تتوفاهم الملائكة} بدل من {الذين} في قوله تعالى: {أية : فالذين لا يؤمنون بالآخرة }تفسير : [سورة النحل: 22] أو صفة لهم، كما يومىء إليه وصفهم في آخر الآية بالمتكبّرين في قوله تعالى: {فلبئس مثوى المتكبرين}، فهم الّذين وصفوا فيما قبل بقوله تعالى: {أية : وهم مستكبرون} تفسير : [سورة النحل: 22]، وما بينهما اعتراض. وإن أبيت ذلك لبعد ما بين المتبوع والتّابع فاجعل {الذين تتوفاهم الملائكة} خبراً لمبتدإ محذوف. والتقدير: هم الذين تتوفاهم الملائكة. وحذف المسند إليه جار على الاستعمال في أمثاله من كلّ مسند إليه جرى فيما سلف من الكلام. أخبر عنه وحدث عن شأنه، وهو ما يعرف عند السكاكي بالحذف المتّبع فيه الاستعمال. ويقابل هذا قوله تعالى فيما يأتي: {أية : الذين تتوفّاهم الملائكة طيبين} تفسير : [سورة النحل: 32] فإنه صفة {أية : للذين اتقوا} تفسير : [سورة النحل: 30] فهذا نظيره. والمقصود من هذه الصلة وصف حالة الذين يموتون على الشّرك؛ فبعد أن ذكر حال حلول العذاب بمن حلّ بهم الاستئصال وما يحلّ بهم يوم القيامة ذكرت حالة وفاتهم التي هي بين حالي الدّنيا والآخرة، وهي حال تعرض لجميعهم سواء منهم من أدركه الاستئصال ومن هلك قبل ذلك. وأطبق من تصدّى لربطه بما قبله من المفسّرين، على جعل {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية بَدلاً من {الكافرين} في قوله تعالى: {أية : إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين} تفسير : [سورة النحل: 27]، أو صفة له. وسكت عنه صاحب الكشاف (وهو سكوت مِن ذهب). وقال الخفاجي: «وهو يصحّ فيه أن يكون مقولاً للقول وغير مندرج تحته». وقال ابن عطيّة: «ويحتمل أن يكون {الذين} مرتفعاً بالابتداء منقطعاً مما قبله وخبره في قوله: {أية : فألقوا السلم} تفسير : [سورة النحل: 28] ا ه. واقتران الفعل بتاء المضارعة التي للمؤنث في قراءة الجمهور باعتبار إسناده إلى الجماعة. وقرأ حمزة وخلف {يتوفّاهم} بالتحتية على الأصل. وظلم النّفس: الشّرك. والإلقاء: مستعار إلى الإظهار المقترن بمذلّة. شبّه بإلقاء السّلاح على الأرض، ذلك أنّهم تركوا استكبارهم وإنكارهم وأسرعوا إلى الاعتراف والخضوع لما ذاقوا عذاب انتزاع أرواحهم. والسَلَم ــــ بفتح السين وفتح اللاّم ــــ الاستسلام. وتقدّم الإلقاء والسَلَم عند قوله تعالى: {أية : وألقوا إليكم السّلم} تفسير : في سورة النساء (90). وتقدم الإلقاء الحقيقي عند قوله تعالى: {أية : وألقى في الأرض رواسي} تفسير : في أول هذه السورة (15). ووصفهم بـ {ظالمي أنفسهم} يرمي إلى أن توفّي الملائكة إيّاهم ملابس لغلظة وتعذيب، قال تعالى: {أية : ولو ترى إذ يتوفّى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} تفسير : [سورة الأنفال: 50]. وجملة {ما كنا نعمل من سوء} مقول قول محذوف دلّ عليْه {ألقوا السلم}، لأن إلقاء السَلَم أوّل مظاهره القول الدّال على الخضوع. يقولون ذلك للملائكة الّذين ينتزعون أرواحهم ليكفّوا عنهم تعذيب الانتزاع، وهم من اضطراب عقولهم يحسبون الملائكة إنما يجرّبونهم بالعذاب ليطّلعوا على دخيلة أمرهم، فيحسبون أنهم إن كذبوهم رَاج كذبهم على الملائكة فكفّوا عنهم العذاب، لذلك جحدوا أن يكونوا يعملون سوءاً من قبل. ولذلك فجملة {بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون} جواب الملائكة لهم، ولذلك افتتحت بالحرف الّذي يبطل به النّفي وهو {بلى}. وقد جعلوا علم الله بما كانوا يعملون كناية عن تكذيبهم في قولهم: {ما كنا نعمل من سوء}، وكناية على أنّهم ما عاملوهم بالعذاب إلاّ بأمر من الله تعالى العالم بهم. وأسندوا العلم إلى الله دون أن يقولوا: إنّا نعلم ما كنتم تعملون، أدباً مع الله وإشعاراً بأنهم ما علموا ذلك إلاّ بتعليم من الله تعالى. وتفريع {فادخلوا أبواب جهنم} على إبطال نفيهم عمل السّوء ظاهر، لأنّ إثبات كونهم كانوا يعملون السّوء يقتضي استحقاقهم العذاب، وذلك عندما كشف لهم عن مقرّهم الأخير، كما جاء في الحديث «حديث : القبر روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النّار». تفسير : ونظيره قوله تعالى: {أية : ولو ترى إذ يتوفّى الّذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق} تفسير : [سورة الأنفال: 50]. وجملة {فلبئس مثوى المتكبرين} تذييل. يحتمل أن يكون حكاية كلام الملائكة، والأظهر أنّه من كلام الله الحكاية لا من المحكيّ، ووصفهم بالمتكبّرين يرجّح ذلك، فإنّه لربط هذه الصفة بالموصوف في قوله تعالى {أية : قلوبهم منكرة وهم مستكبرون} تفسير : [سورة النحل: 22]. واللّام الدّاخلة على بئس لام القسم. والمثوى. المرجع. من ثوى إذا رجع، أو المقام من ثوى إذا أقام. وتقدّم في قوله تعالى: {أية : قال النار مثواكم} تفسير : في سورة الأنعام (128). ولم يعبّر عن جهنّم بالدار كما عبّر عن الجنّة فيما يأتي بقوله تعالى: {أية : ولنعم دار المتقين} تفسير : [سورة النحل: 30] تحقيراً لهم وأنّهم ليسوا في جهنّم بمنزلة أهل الدّار بل هم متراصّون في النار وهم في مثوى، أي محل ثواء.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ}. أي الاستسلام والخضوع. والمعنى: أظهروا كمال الطاعة والانقياد، وتركوا ما كانوا عليه من الشقاق. وذلك عندما يعاينون الموت، أو يوم القيامة. يعنى أنهم في الدنيا يشاقون الرسل: أي يخالفونهم ويعادونهم، فإذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم: أي خضعوا واستسلموا وانقادوا حيث لا ينفعهم ذلك. ومما يدل من القرآن على أن المراد بإلقاء السلم: الخضوع والاستسلام قوله: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً}تفسير : [النساء: 94] على قراءة نافع وابن عامر وحمزة بلا ألف بعد اللام. بمعنى الانقياد والإذعان. وقوله: {أية : فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} تفسير : [النساء: 90]، وقوله: {أية : فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} تفسير : [النساء: 91] الآية. والقول بأن السلم في الآيتين الأخيرتين: الصلح والمهادنة لا ينافي ما ذكرنا. لأن المصالح منقاد مذعن لما وافق عليه من ترك السوء. وقوله: {أية : وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}تفسير : [النحل: 87] فكله بمعنى الاستسلام والخضوع والانقياد. والانقياد عند معاينة الموت لا ينفع، كما قدمنا، وكما دلت عليه آيات كثيرة. كقوله: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ} تفسير : [النساء: 18] الآية، وقوله: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} تفسير : [غافر: 85] الآية، وقوله: {أية : آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ}تفسير : [يونس: 91]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون}. يعني أن الذين تتوفاهم الملائكة في حال كونهم ظالمي أنفسهم إذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم وقالوا: ما كنا نعمل من سوء. فقوله {ما كنا نعمل من سوء} معمول قول محذوف بلا خلاف. والمعنى: أنهم ينكرون ما كانوا يعملون من السوء، وهو الكفر وتكذيب الرسل والمعاصي. وقد بين الله كذبهم بقوله: {بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. وبين في مواضع أخر: أنهم ينكرون ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي كما ذكر هنا. وبين كذبهم في ذلك أيضاً. كقوله: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} تفسير : [الأنعام: 23-24]، وقوله: {أية : قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [غافر: 74]. وقوله: {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} تفسير : [المجادلة: 18]، وقوله: {أية : وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} تفسير : [الفرقان: 22] أي حراماً محرماً أن تمسونا بسوء. لأنا لم نفعل ما نستحق به ذلك، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله هنا {بلى} تكذيب لهم في قولهم {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ}. تنبيه لفظة "بلى" لا تأتي في اللغة العربية إلا لأحد معنيين لا ثالث لهما: الأول - أن تأتي لإبطال نفي سابق في الكلام، فهي نقيضة "لا". لأن "لا" لنفي الإثبات، و"بلى" لنفي النفي. كقوله هنا: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} فهذا النفي نفته لفظة "بلى" أي كنتم تعملون السوء من الكفر والمعاصي. وكقوله: {أية : زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} تفسير : [التغابن: 7]، وكقوله {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} تفسير : [سبأ: 3] وقوله: {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} تفسير : [البقرة: 111] فإنه نفى هذا النفي بقوله جل وعلا {أية : بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ}تفسير : [البقرة: 112] الآية، ومثل هذا كثير في القرآن وفي كلام العرب. الثاني -أن تكون جواباً لاستفهام مقترن بنفي خاصة. كقوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172] وقوله: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ} تفسير : [يس: 81]، وقوله: {أية : قَالُوۤاْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [غافر: 50]، وهذا أيضاً كثير في القرآن وفي كلام العرب. أما إذا كان الاستفهام غير مقترن بنفي فجوابه بـ "نعم" لا بـ "بلى" وجواب الاستفهام المقترن بنفي و "نعم" مسموع غير قياسي. كقوله: شعر : أليس الليل يجمع أم عمرو وإيانا فذاك لنا تداني نعم، وترى الهلال كما أراه ويعلوها النهار كما علاني تفسير : فالمحل لـ "بلى" لا لـ "نعم" في هذا البيت. فإن قيل: هذه الآيات تدل على أن الكفار يكتمون يوم القيامة ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي، كقوله عنهم: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]، وقوله: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ}، ونحو ذلك. مع أن الله صرح بأنهم لا يكتمون حديثاً في قوله: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 42]. فالجواب - هو ما قدمنا من أنهم يقولون بألسنتهم: والله ربنا ما كنا مشركين. فيختم الله على أفواههم. وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون. فالكتم باعتبار النطق بالجحود وبالألسنة. وعدم الكتم باعتبار شهادة أعضائهم عليهم. والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {تَتَوَفَّاهُمُ} {ٱلْمَلائِكَةُ} (28) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الكَافِرِينَ، الذِينَ يَسْتَحِقُونَ العَذَابَ، هُمُ الَّذِينَ اسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ إِلَى أَنْ جَاءَتْهُمْ مَلاَئِكَةُ المَوْتِ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، وَهُمْ ظَالِمُونَ لأَِنْفُسِهِمْ، فَحِينَ تَأْتِي المَلائِكَةُ لِقَبْضِ أَرْوَاحِ هَؤُلاَءِ الظَّالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ بِتَعْرِيضِهَا لِلْعَذَابِ المُخَلَّدِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، يَسْتَسْلِمُونَ حِينَئِذٍ، وَيَنْقَادُونَ حِينَ يُعَايِنُونَ العَذَابَ قَائِلِينَ: مَا كُنَّا نُشْرِكُ بِرَبِّنَا أَحَداً، وَهُمْ كَاذِبُونَ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا. وَيُكَذِّبُهُمْ تَعَالَى فِيمَا يَقُولُونَ وَيَقُولُ لَهُمْ: بَلْ كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَتُشْرِكُونَ وَتَرْتَكِبُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ، فَلاَ فَائِدَةَ اليَوْمَ مِنَ الإِنْكَارِ، وَاللهُ مُجَازِيكُمْ بِأَفْعَالِكُمْ. أَلْقَوُاْ السَّلَمَ - أَظْهَرُوا الاسْتِسْلاَمَ وَالخُضُوعَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يقول تعالى: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ..} [النحل: 28]. أي: تتوفّاهم في حالة كَوْنهم ظالمين لأنفسهم، وفي آية أخرى قال الحق تبارك وتعالى: {أية : وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [النحل: 118]. ومعلوم أن الإنسان قد يظلم غيره لحَظِّ نفسه ولصالحها .. فكيف يظلم هو نفسه، وهذا يسمونه الظلم الأحمق حين تظلم نفسك التي بين جنبيك .. ولكن كيف ذلك؟ نعرف أن العدو إذا كان من الخارج فسهْلٌ التصدي له، بخلاف إذا جاءك من نفسك التي بين جَنْبَيْك، فهذا عدو خطير صَعْب التصدِّي له، والتخلّص منه. وهنا نطرح سؤالاً: ما الظلم؟ الظلم أنْ تمنعَ صاحب حَقٍّ حَقَّه، إذن: ماذا كان لنفسك عليك حتى يقال: إنك ظلمتها بمنعها حَقِّها؟ نقول: حين تجوع، ألاَ تأكل؟ وحين تعطش أَلاَ تشرب؟ وحين تُرْهق من العمل أَلاَ تنام؟ إذن: أنت تعطي نفسك مطلوباتها التي تُريحها وتسارع إليها، وكذلك إذا نِمْتَ وحاولوا إيقاظك للعمل فلم تستيقظ، أو حاولوا إيقاظك للصلاة فتكاسلت، وفي النهاية كانت النتيجة فشلاً في العمل أو خسارة في التجارة .... الخ. إذن: هذه خسارة مُجمعة، والخاسر هو النفس، وبهذا فقد ظلم الإنسانُ نفسه بما فاتها من منافع في الدنيا، وقِسْ على ذلك أمور الآخرة. وانظر هنا إلى جُزْئيات الدنيا حينما تكتمل لك، هل هي نهاية كل شيء، أم بنهايتها يبتدىء شيء؟ بنهايتها يبتدىء شيء، ونسأل: الشيء الذي سوف يبدأ، هل هو صورة مكرورة لما انتهى في الدنيا؟ ليس كذلك، لأن المنتهى في الدنيا مُنقطع، وقد أخذت حَظِّي منه على قَدْر قدراتي، وقدراتي لها إمكانات محدودة .. أما الذي سيبدأ - أي في الآخرة - ليس بمُنْتهٍ بل خالد لا انقطاع له، وما فيه من نعيم يأتي على قَدْر إمكانات المنعِم ربك سبحانه وتعالى. إذن: أنت حينما تُعطِي نفسك متعة في الدنيا الزائلة المنقطعة، تُفوِّت عليها المتعة الباقية في الآخرة .. وهذا مُنتهى الظلم للنفس. نعود إلى قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ..} [النحل: 28]. أثبتت هذه الآية التوفِّي للملائكة .. والتوفِّي حقيقة لله تعالى، كما جاء في قوله: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ ..} تفسير : [الزمر: 42]. لكن لما كان الملائكة مأمورين، فكأن الله تعالى هو الذي يتوفَّى الأنفُسَ رغم أنه سبحانه وتعالى قال: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ ..}تفسير : [الزمر: 42]. وقال: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} تفسير : [السجدة: 11]. وقال: {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ..} تفسير : [الأنعام: 61]. إذن: جاء الحَدثُ من الله تعالى مرة، ومن رئيس الملائكة عزرائيل مرة، ومن مُسَاعديه من الملائكة مرة أخرى، إذن: الأمر إما للمزاولة مباشرة، وإما للواسطة، وإما للأصل الآمر. وقوله تعالى: {تَتَوَفَّاهُمُ ..} [النحل: 28]. معنى التوفيّ من وفَّاه حقَّه أي: وفَّاه أجله، ولم ينقص منه شيئاً، كما تقول للرجل وَفَّيتُك دَيْنك .. أي: أخذت ما لك عندي. {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ..} [النحل: 28]. نلاحظ أنها جاءت بصيغة الجمع، و {ظَالِمِي} يعني ظالمين و {أَنْفُسِهِمْ} جمع، وحين يُقَابَل الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً أي: أن كلاً منهم يظلم نفسه. ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ ..} [النحل: 28]. أي: خضعوا واستسلموا ولم يَعُدْ ينفعهم تكبّرهم وعجرفتهم في الدنيا .. ذهب عنهم كل هذا بذَهَاب الدنيا التي راحتْ من بين أيديهم. وما داموا ألقوا السَّلم الآن، إذن: فقد كانوا في حرب قبل ذلك كانوا في حرب مع أنفسهم وهم أصحاب الشِّقاق في قوله تعالى: {أية : تُشَاقُّونَ ..} تفسير : [النحل: 27]. أي: تجعلون هذا في شِقٍّ، وهذا في شِقٍّ، وكأن الآية تقول: لقد رفعوا الراية البيضاء وقالوا: لا جَلَد لنا على الحرب. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ..} [النحل: 28]. هذا كقوله تعالى في آية أخرى: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]. والواقع أنهم بعد أنْ ألقَوا السلم ورفعوا الراية البيضاء واستسلموا، أخذهم موقف العذاب فقالوا محاولين الدفاعَ عن أنفسهم: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ..} [النحل: 28]. وتعجب من كَذِب هؤلاء على الله في مثل هذا الموقف، على مَنْ تكذبون الآن؟! فيرد عليهم الحق سبحانه: {بَلَىٰ ..} [النحل: 28]. وهي أداةُ نفي للنفي السابق عليها، ومعلومٌ أن نَفْي النفي إثبات، فـ {بَلَىٰ} تنفي: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} [النحل: 28]. إذن: معناها .. لا .. بل عملتم السوء. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 28]. ومن رحمة الله تعالى أنه لم يكتَفِ بالعلم فقط، بل دوَّن ذلك عليهم وسَجَّله في كتاب سَيُعرض عليهم يوم القيامة، كما قال تعالى: {أية : وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} تفسير : [الأنبياء: 47]. وقال: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء: 13-14]. ويحلو للبعض أنْ ينكر إمكانية تسجيل الأعمال وكتابتها .. ونقول لهؤلاء: تعالوا إلى ما توصل إليه العقل البشريّ الآن من تسجيل الصور والأصوات والبصمات وغيرها .. وهذا كله يُسهِّل علينا هذه المسألة عندما نرقي إمكانات العقل البشري إلى الإمكانات الإلهية التي لا حدود لها. فلا وجه ـ إذن ـ لأنْ ننكر قدرة الملائكة "رقيب وعتيد" في تسجيل الأعمال في كتاب يحفظ أعماله ويُحصي عليه كل كبيرة وصغيرة. ثم يقول تعالى: {فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ} معناه صَالَحُوا وسَالَمُوا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):