١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
30
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أحوال الأقوام الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: أساطير الأولين. وذكر أنهم يحملون أوزارهم ومن أوزار أتباعهم، وذكر أن الملائكة تتوفاهم ظالمي أنفسهم، وذكر أنهم في الآخرة يلقون السلم، وذكر أنه تعالى يقول لهم ادخلوا أبواب جهنم، أتبعه بذكر وصف المؤمنين الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم؟ قالوا خيراً، وذكر ما أعده لهم في الدنيا والآخرة من منازل الخيرات ودرجات السعادات ليكون وعد هؤلاء مذكوراً مع وعيد أولئك وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القاضي: يدخل تحت التقوى أن يكون تاركاً لكل المحرمات فاعلاً لكل الواجبات، ومن جمع بين هذين الأمرين فهو مؤمن كامل الإيمان، وقال أصحابنا: يريد الذين اتقوا الشرك وأيقنوا أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأقول: هذا أولى مما قاله القاضي، لأنا بينا أنه يكفي في صدق قوله فلان قاتل أو ضارب كونه آتياً بقتل واحد وضرب واحد، ولا يتوقف صدق هذا الكلام على كونه آتياً بجميع أنواع القتل وجميع أنواع الضرب، فعلى هذا قوله: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } يتناول كل من أتى بنوع واحد من أنواع التقوى إلا أنا أجمعنا على أنه لا بد من التقوى عن الكفر والشرك فوجب أن لا يزيد على هذا القيد لأنه لما كان تقييد المطلق خلاف الأصل، كان تقييد المقيد أكثر مخالفة للأصل، وأيضاً فلأنه تعالى إنما ذكر هؤلاء في مقابلة أولئك الذين كفروا وأشركوا، فوجب أن يكون المراد من اتقى عن ذلك الكفر والشرك، والله أعلم. المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إنه قال في الآية الأولى، قالوا أساطير الأولين، وفي هذه الآية قالوا خيراً، فلم رفع الأول ونصب هذا؟. أجاب صاحب «الكشاف» عنه بأن قال: المقصود منه الفصل بين جواب المقر وجواب الجاحد يعني أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفاً مفعولاً للإنزال فقالوا خيراً أي أنزل خيراً، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير الأولين وليس من الإنزال في شيء. المسألة الثالثة: قال المفسرون هذا كان في أيام الموسم، يأتي الرجل مكة فيسأل المشركين عن محمد وأمره فيقولون إنه ساحر وكاهن وكذاب، فيأتي المؤمنين ويسألهم عن محمد وما أنزل الله عليه فيقولون خيراً، والمعنى: أنزل خيراً. ويحتمل أن يكون المراد الذي قالوه من الجواب موصوف بأنه خير، وقولهم خير جامع لكونه حقاً وصواباً، ولكونهم معترفين بصحته ولزومه فهو بالضد من قول الذين لا يؤمنون بالآخرة، أن ذلك أساطير الأولين على وجه التكذيب. المسألة الرابعة: قوله: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } وما بعده بدل من قوله: {خَيْرًا } وهو حكاية لقول الذين اتقوا، أي قالوا هذا القول، ويجوز أيضاً أن يكون قوله: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } إخباراً عن الله، والتقدير: إن المتقين لما قيل لهم: {مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا } ثم إنه تعالى أكد قولهم وقال: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ } وفي المراد بقوله: {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } قولان، أما الذين يقولون: إن أهل لا إله إلا الله يخرجون من النار فإنهم يحملونه على قول لا إله إلا الله مع الاعتقاد الحق، وأما المعتزلة الذين يقولون: إن فساق أهل الصلاة لا يخرجون من النار يحملون قوله: {أَحْسَنُواْ } على من أتى بالإيمان وجميع الواجبات واحترز عن كل المحرمات. وأما قوله: {فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا } ففيه قولان: القول الأول: أنه متعلق بقوله: {أَحْسَنُواْ } والتقدير: للذين اتقوا بعمل الحسنة في الدنيا فلهم في الآخرة حسنة، وتلك الحسنة هي الثواب العظيم، وقيل: تلك الحسنة هو أن ثوابها يضاعف بعشر مرات وبسبعمائة وإلى ما لا نهاية له. والقول الثاني: أن قوله: {فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا } متعلق بقوله: {حَسَنَةٌ } والتقدير: للذين أحسنوا أن تحصل لهم الحسنة في الدنيا، وهذا القول أولى، لأنه قال بعده: {وَلَدَارُ ٱلأَخِرَةِ خَيْرٌ } وعلى هذا التقدير ففي تفسير هذه الحسنة الحاصلة في الدنيا وجوه: الأول: يحتمل أن يكون المراد ما يستحقونه من المدح والتعظيم والثناء والرفعة، وجميع ذلك جزاء على ما عملوه. والثاني: يحتمل أن يكون المراد به الظفر على أعداء الدين بالحجة وبالغلبة لهم، وباستغنام أموالهم وفتح بلادهم، كما جرى ببدر وعند فتح مكة، وقد أجلوهم عنها وأخرجوهم إلى الهجرة، وإخلاء الوطن، ومفارقة الأهل والولد وكل ذلك مما يعظم موقعه. والثالث: يحتمل أن يكون المراد أنهم لما أحسنوا بمعنى أنهم أتوا بالطاعات فتح الله عليهم أبواب المكاشفات والمشاهدات والألطاف كقوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى } تفسير : [محمد: 17]. وأما قوله: {وَلَدَارُ ٱلأَخِرَةِ خَيْرٌ } فقد بينا في سورة الأنعام في قوله: { أية : وَلَلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } تفسير : [الأنعام: 32] بالدلائل القطعية العقلية حصول هذا الخير، ثم قال: {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ } أي لنعم دار المتقين دار الآخرة، فحذفت لسبق ذكرها، هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما بعدها، فإن وصلتها بما بعدها قلت: ولنعم دار المتقين جنات عدن فترفع جنات على أنها اسم لنعم، كما تقول: نعم الدار دار ينزلها زيد. وأما قوله: {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنها إن كانت موصولة بما قبلها، فقد ذكرنا وجه ارتفاعها، وأما إن كانت مقطوعة، فقال الزجاج: جنات عدن مرفوعة بإضمار «هي» كأنك لما قلت ولنعم دار المتقين قيل: أي دار هي هذه الممدوحة فقلت: هي جنات عدن، وإن شئت قلت: جنات عدن رفع بالإبتداء، ويدخلونها خبره، وإن شئت قلت: نعم دار المتقين خبره، والتقدير: جنات عدن نعم دار المتقين. المسألة الثانية: قوله: {جَنَّـٰتُ } يدل على القصور والبساتين وقوله: {عَدْنٍ } يدل على الدوام، وقوله: {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } يدل على أنه حصل هناك أبنية يرتفعون عليها وتكون الأنهار جارية من تحتهم، ثم إنه تعالى قال: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءونَ } وفيه بحثان: الأول: أن هذه الكلمة تدل على حصول كل الخيرات والسعادات، وهذا أبلغ من قوله: { أية : فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ } تفسير : [الزخرف: 71] لأن هذين القسمين داخلان في قوله: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يشاؤن} مع أقسام أخرى. الثاني: قوله: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يشاؤن} يعني هذه الحالة لا تحصل إلا في الجنة، لأن قوله: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يشاؤن} يفيد الحصر، وذلك يدل على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا. ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ } أي هكذا جزاء التقوى، ثم إنه تعالى عاد إلى وصف المتقين فقال: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ طَيّبِينَ } وهذا مذكور في مقابلة قوله: { أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } تفسير : [النحل: 28] وقوله: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} صفة للمتقين في قوله: {كَذَلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ } وقوله: {طَيّبِينَ } كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة، وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به، واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة مبرئين عن الأخلاق المذمومة، ويدخل فيه كونهم مبرئين عن العلائق الجسمانية متوجهين إلى حضرة القدس والطهارة، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح وأنها لم تقبض إلا مع البشارة بالجنة حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها ومن هذا حاله لا يتألم بالموت، وأكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح، وإن كان الحسن يقول: إنه وفاة الحشر، ثم بين تعالى أنه يقال لهم عند هذه الحالة: {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ } فاحتج الحسن بهذا على أن المراد بذلك التوفي وفاة الحشر، لأنه لا يقال عند قبض الأرواح في الدنيا ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون، ومن ذهب إلى القول الأول وهم الأكثرون يقولون: إن الملائكة لما بشروهم بالجنة صارت الجنة كأنها دارهم وكأنهم فيها فيكون المراد بقولهم، ادخلوا الجنة أي هي خاصة لكم كأنكم فيها.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً} أي قالوا: أنزل خيراً؛ وتَمّ الكلام. و «ماذا» على هذا اسم واحد. وكان يرِدُ الرجل من العرب مكة في أيام الموسم فيسأل المشركين عن محمد عليه السلام فيقولون: ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون. ويسأل المؤمنين فيقولون: أنزل الله عليه الخير والهدى، والمراد القرآن. وقيل: إن هذا يقال لأهل الإيمان يوم القيامة. قال الثعلبي: فإن قيل: لِم ٱرتفع الجواب في قوله: {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} وٱنتصب في قوله: «خيرا» فالجواب أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل، فكأنهم قالوا: الذي يقوله محمد هو أساطير الأوّلين. والمؤمنون آمنوا بالنزول فقالوا: أنزل خيراً. وهذا مفهوم معناه من الإعراب، والحمد لله. قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ} قيل: هو من كلام الله عز وجل. وقيل: هو من جملة كلام الذين اتقَوا. والحسنة هنا: الجنة؛ أي من أطاع الله فله الجنة غداً. وقيل: «للذين أحسنوا» اليومَ حسنة في الدنيا من النصر والفتح والغَنِيمة: {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ} أي ما ينالون في الآخرة من ثواب الجنة خير وأعظم من دار الدنيا؛ لفنائها وبقاء الآخرة. {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ} فيه وجهان ـ قال الحسن: المعنى ولنعم دار المتقين الدنيا؛ لأنهم نالوا بالعمل فيها ثواب الآخرة ودخول الجنة. وقيل: المعنى ولنعم دار المتقين الآخرة؛ وهذا قول الجمهور. وعلى هذا تكون {جَنَّاتُ عَدْنٍ} بدلاً من الدار فلذلك ارتفع. وقيل: ارتفع على تقدير هي جنات، فهي مبيِّنة لقوله: «دَارُ المتّقِين»، أو تكون مرفوعة بالابتداء، التقدير: جنات عدن نعم دار المتقين. {يَدْخُلُونَهَا} في موضع الصفة، أي مدخولة. وقيل: «جنات» رفع بالابتداء، وخبره «يدخلونها» وعليه يُخَرّج قول الحسن. والله أعلم. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تقدّم معناه في البقرة. {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ} أي مما تمنّوه وأرادوه. {كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ} أي مثل هذا الجزاء يجزي الله المتقين. {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ} قرأ الأعمش وحمزة «يتوفاهم الملائكة» في الموضعين بالياء، واختاره أبو عبيد؛ لما روي عن ابن مسعود أنه قال: إن قريشاً زعموا أن الملائكة إناث فذكِّروهم أنتم. الباقون بالتاء؛ لأن المراد به الجماعة من الملائكة. و {طَيِّبِينَ} فيه ستة أقوال: الأوّل ـ «طَيِّبِين» طاهرين من الشرك. الثاني ـ صالحين. الثالث ـ زاكية أفعالهم وأقوالهم. الرابع ـ طيبين الأنفس ثقةً بما يلقونه من ثواب الله تعالى. الخامس ـ طيبة نفوسهم بالرجوع إلى الله. السادس ـ «طيبين» أن تكون وفاتهم طيّبة سهلة لا صعوبة فيها ولا ألم؛ بخلاف ما تقبض به روح الكافر والمخلط. والله أعلم. {يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ} يحتمل وجهين: أحدهما ـ أن يكون السلام إنذاراً لهم بالوفاة. الثاني ـ أن يكون تبشيراً لهم بالجنة؛ لأن السلام أمان. وذكر ابن المبارك قال: حدّثني حَيْوَة قال أخبرني أبو صخر عن محمد بن كعب القُرَظِيّ قال: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه مَلَك الموت فقال: السلام عليك وَلِيَّ الله، الله يقرأ عليك السلام. ثم نزع بهذه الآية «الذين تتوفاهم الملائكة طيّبِين يقولونَ سلام عليكم». وقال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت يقبض روح المؤمن قال: ربّك يقرئك السلام. وقال مجاهد: إن المؤمن ليبَشَّر بصلاح ولده من بعده لتَقَرّ عينه. وقد أتينا على هذا في (كتاب التذكرة) وذكرنا هناك الأخبار الواردة في هذا المعنى، والحمد لله. وقوله: {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} يحتمل وجهين: أحدهما ـ أن يكون معناه ابشروا بدخول الجنة. الثاني ـ أن يقولوا ذلك لهم في الآخرة. {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} يعني في الدنيا من الصالحات.
ابن كثير
تفسير : هذا خبر عن السعداء بخلاف ما أخبر به عن الأشقياء، فإن أولئك قيل لهم: {مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ} قالوا معرضين عن الجواب: لم ينزل شيئاً، إنما هذا أساطير الأولين، وهؤلاء قالوا: خيراً، أي: أنزل خيراً، أي: رحمة وبركة لمن اتبعه وآمن به. ثم أخبر عما وعد الله عباده فيما أنزله على رسله فقال: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ} الآية؛ كقوله تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النحل: 97] أي: من أحسن عمله في الدنيا، أحسن الله إليه عمله في الدنيا والآخرة، ثم أخبر بأن دار الآخرة خير، أي: من الحياة الدنيا، والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا؛ كقوله: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ} تفسير : [القصص: 80] الآية. وقال تعالى: {أية : وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} تفسير : [آل عمران: 198] وقال تعالى: { أية : وَٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } تفسير : [الأعلى: 17] وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الضحى: 4] ثم وصف الدار الآخرة فقال: {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ}. وقوله: {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ} بدل من دار المتقين، أي: لهم في الآخرة جنات عدن، أي: مقام، يدخلونها {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} أي: بين أشجارها وقصورها {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} كقوله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. وفي الحديث: «حديث : إن السحابة لتمر بالملأ من أهل الجنة، وهم جلوس على شرابهم، فلا يشتهي أحد منهم شيئاً إلا أمطرته عليه، حتى إن منهم لمن يقول: أمطرينا كواعب أتراباً، فيكون ذلك» تفسير : {كَذَلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ} أي: كذلك يجزي الله كل من آمن به واتقاه وأحسن عمله، ثم أخبر تعالى عن حالهم عند الاحتضار: أنهم طيبون، أي: مخلصون من الشرك والدنس وكل سوء، وأن الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } تفسير : [فصلت:30-32] وقد قدمنا الأحاديث الواردة في قبض روح المؤمن وروح الكافر عند قوله تعالى: {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} تفسير : [إبراهيم: 27].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } الشرك {مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } بِالإِيمان {فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ } حياة طيبة {وَلَدَارُ ٱلأَخِرَةِ } أي الجنة {خَيْرٌ } من الدنيا وما فيها قال تعالى فيها:{وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ } هي.
النسفي
تفسير : {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } الشرك {مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا } وإنما نصب هذا ورفع {أساطير} لأن التقدير هنا أنزل خيراً فأطبقوا الجواب على السؤال وثمة التقدير هو أساطير الأولين فعدلوا بالجواب عن السؤال {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا } أي آمنوا وعملوا الصالحات أو قالوا: لا إلٰه إلا الله {حَسَنَةٌ } بالرفع أي ثواب وأمن وغنيمة وهو بدل من {خيراً} حكاية لقول {الذين اتقوا} أي قالوا هذا القول فقدم عليه تسميته خيراً. ثم حكاه، أو هو كلام مستأنف عدة للقائلين وجعل قولهم من جملة إحسانهم {وَلَدَارُ ٱلاْخِرَةِ خَيْرٌ } أي لهم في الآخرة ما هو خير منها كقوله {أية : فَـآتَـٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ }تفسير : [آل عمران: 148] {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ } دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ } خبر لمبتدأ محذوف أو هي المخصوص بالمدح {يَدْخُلُونَهَا } حال { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ ٱلمُتَّقِيْنَ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ طَيِّبِينَ} طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم {يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } قيل: إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك، فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، ويبشره بالجنة ويقال لهم في الآخرة {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } بعملكم {هَلْ يَنظُرُونَ } ما ينتظر هؤلاء الكفار {إِلا أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } لقبض أرواحهم. وبالياء: علي وحمزة {أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ } أي العذاب المستأصل أو القيامة {كَذٰلِكَ } مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب {فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ } بتدميرهم {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } حيث فعلوا ما استحقوا به التدمير
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ...} الآية: لما وصف سبحانه مقالَةَ الكفَّار الذين قالوا: { أية : أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ... } تفسير : [النحل:24] عادل ذلك بذكْرِ مقالةِ المُؤْمِنِين مِنْ أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأوجب لكلِّ فريقٍ ما يستحقُّ، وقولهم: {خَيْرًا} جوابٌ بحسبِ السؤالِ، واختلف في قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ...} إلى آخر الآية، هل هو ٱبتداءُ كَلاَمٍ أو هو تفسيرٌ لـــ «الخير» الذي أَنْزَلَ اللَّه في الوَحْي على نبِّينا خبراً أنَّ من أحسَنَ في الدنيا بالطَّاعة، فله حسنةٌ في الدنيا ونعيمٌ في الآخرة، وروى أنَسُ بنُ مالكٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : أَنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً؛ يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ ». تفسير : وقوله سبحانه: {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا...} الآية: تقدَّم تفسيرُ نظيرها، و{طَيِّبِينَ}: عبارةٌ عن صالح حالهم، وٱستعدادهم للمَوْت، و«الطَّيِّب»؛ الذي لا خُبْثَ معه، وقولُ الملائكة: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ }: بشارةٌ من اللَّه تعالى، وفي هذا المعنَى أحاديثُ صحاحٌ يطول ذكْرها، وروى ابن المبارك في «رقائقه» عن محمد بن كَعْب القُرَظِيِّ قال: إِذا ٱستَنْقَعَتْ نَفْسُ العَبْدِ المؤمن، جاءه مَلَكٌ، فقال: السَلامُ علَيْكَ، وليَّ اللَّهِ، اللَّهُ يُقْرِىءُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، ثُمَّ نَزَعَ بهذه الآية: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ...} انتهى. وقوله سبحانه: {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }: علَّق سبحانه دخولَهُمُ الجَنَّة بأعمالهم؛ من حيثُ جعَلَ الأعمالَ أمارةً لإِدخال العَبْدِ الجنَّةِ، ولا معارَضَةَ بيْنَ الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لاَ يَدْخُلُ أَحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ! » قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: « وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِفَضْلٍ مِنْهُ وَرَحْمَةٍ » تفسير : فإِن الآية تردُّ بالتأويل إِلى معنى الحديث. قال * ع *: ومن الرحمة والتغمُّد أنْ يوفِّق اللَّهُ العبْدَ إِلى أعمالٍ بَرَّة، ومقصِدُ الحديثِ نفْيُ وجوبِ ذلك على اللَّه تعالى بالعَقْل؛ كما ذهب إِليه فريقٌ من المعتزلة.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {وقيل للذين اتقوا} قال: هؤلاء المؤمنون، يقال لهم {ماذا أنزل ربكم} فيقولون {خيراً للذين أحسنوا} أي آمنوا بالله وكتبه وأمروا بطاعته، وحثوا عباد الله على الخير ودعوهم إليه.
ابو السعود
تفسير : {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} أي المؤمنين، وُصفوا بالتقوى إشعاراً بأن ما صدر عنهم من الجواب ناشىءٌ عن التقوى {مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا} سلكوا في الجواب مسلك السؤالِ من غير تلعثم ولا تغيـيرٍ في الصورة، والمعنى أي أنزل خيراً فإنه جوابٌ مطابق للسؤال ولسبك الواقع في نفس الأمر مضموناً، وأما الكفرةُ فإنهم خذلهم الله تعالى كما غيروا الجوابَ عن نهج الحق الواقعِ الذي ليس له من دافع غيّروا صورتَه وعدَلوا بها عن سَنن السؤال حيث رفعوا الأساطير رَوماً لما مر من إنكار النزول. رُوي أن أحياءَ العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبـي عليه السلام، فإذا جاء الوافد كفّه المقتسمون وأمروه بالانصراف وقالوا: إن لم تلْقَه كان خيراً لك، فيقول: أنا شرُّ وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أستطلع أمرَ محمد وأراه فيلقى أصحابَ النبـي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم فيخبرونه بحقيقة الحالِ فهم الذين قالوا خيراً {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} أي أعمالَهم أو فعلوا الإحسانَ {فِى هَـٰذِهِ} الدار {ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ} أي مثوبةٌ حسنةٌ مكافأة فيها {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ} أي مثوبتُهم فيها {خَيْرٌ} مما أوتوا في الدنيا من المثوبة أو خيرٌ على الإطلاق فيجوز إسنادُ الخيرية إلى نفس دارِ الآخرة {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ} أي دار الآخرة، حذف لدلالة ما سبق عليه وهذا كلام مبتدأ مدَح الله تعالى به المتقين وعدّ جوابَهم المَحْكيَّ من جملة إحسانِهم ووعدهم بذلك ثوابـي الدنيا والآخرة فلا محل له من الإعراب، أو بدلٌ من خيراً أو تفسير له أي أنزل خيراً هو هذا الكلامُ الجامعُ، قالوه ترغيباً للسائل. {جَنَّـٰت عَدْنٍ} خبرُ مبتدإٍ محذوف أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ أي لهم جنات، ويجوز أن يكون هو المخصوصَ بالمدح {يَدْخُلُونَهَا} صفةٌ لجناتُ على تقدير تنكيرِ عدنٍ وكذلك {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} أو كلاهما حال على تقدير عَلَميته {لَّهُمْ فِيهَا} في تلك الجنات {مَا يَشَاءونَ} الظرفُ الأول خبرٌ لما والثاني حالٌ منه والعاملُ ما في الأول، أو متعلق به أي حاصلٌ لهم فيها ما يشاءون من أنواع المشتَهيات، وتقديمُه للاحتراز عن توهم تعلّقِه بالمشيئة أو لما مر مراراً من أن تأخيرَ ما حقُّه التقديمُ يوجب ترقبَ النفسِ إليه فيتمكن عند ورودِه عليها فضلَ تمكن {كَذٰلِكَ} مثلَ ذلك الجزاءِ الأوفى {يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ} اللام للجنس أي كلَّ من يتقي من الشِرْك والمعاصي ويدخُل فيه المتقون المذكورون دخولاً أولياً، ويكون فيه بعثٌ لغيرهم على التقوى أو للعهد فيكون فيه تحسيرٌ للكفرة. {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} نعت للمتقين وقوله تعالى: {طَيّبِينَ} أي طاهرين عن دنس الظلمِ لأنفسهم حال من الضمير، وفائدتُه الإيذانُ بأن مَلاكَ الأمر في التقوى هو الطهارةُ عما ذكر إلى وقت توفيهم ففيه حثٌّ للمؤمنين على الاستمرار على ذلك، ولغيرهم على تحصيله، وقيل: فرحين طيِّبـي النفوسِ ببشارة الملائكة إياهم بالجنة أو طيبـين بقبض أرواحِهم لتوجه نفوسِهم بالكلية إلى جناب القُدس {يَقُولُونَ} حالٌ من الملائكة أو قائلين لهم: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ} قال القُرَظِيّ رحمه الله: إذا استُدْعيَت نفسُ المؤمن جاءه ملكُ الموت عليه السلام، فقال: السلام عليك يا وليَّ الله، الله تعالى يقرأ عليك السلام، وبشّره بالجنة. {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} اللام للعهد أي جناتِ عدن الخ، ولذلك جُرّدت عن النعت، والمرادُ دخولُهم لها في وقته فإن ذلك بشارةٌ عظيمة وإن تراخىٰ المبشَّرُ به لا دخولُ القبر الذي هو روضةٌ من رياضها إذ ليس في البِشارة به ما في البشارة بدخول نفسِ الجنة {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} بسبب ثباتِكم على التقوى والطاعة أو بالذي كنتم تعملونه من ذلك، وقيل: المرادُ بالتوفّي التوفي للحشر، لأن الأمر بالدخول حينئذ يتحقق.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ} [الآية: 30]. قال أبو عثمان: للذين أحسنوا فى ابتداء أحوالهم الرجوع إلى محل المحسنين. قال يوسف بن الحسين: للذين أحسنوا آداب الخدمة واستعملوها. الرفعة إلى محل الأولياء وهو غاية الحسنى. وقال بعضهم: للذين أحسنوا مجاورة نعم الله فى الدنيا إتمام النعمة من الله تعالى عليهم فى الآخرة.
القشيري
تفسير : أما المسلمون فإذا وردوا عليهم، وسألوهم عن أحوال محمد - صلى الله عليه وسلم - وعما أَنزل اللَّهُ عليه، قالوا: دينه حقٌّ، واللَّهُ أَنزل عليه الحقَّ.. والذين أحسنوا في الدنيا يجِدُون الخير في الآخرة. ويقال في هذه الدنيا حسنة، وهي ما لهم من حلاوة الطاعة بصفاء الوقت ويصحُّ أن تكونَ تلك الحسنةُ زيادةَ التوفيق لهم في الأعمال، وزيادةَ التوفيقِ لهم في الأحوال. ويصح أن يقال تلك الحسنة أَنْ يُوَفِّقَهم بالاستقامة على ما هم عليه من الإحسان. ويصح أن يقال تلك الحسنة أن يُبَلِّغهم منازلَ الأكابر والسادة. قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ}تفسير : [السجدة: 24]. ويصح أن تكون تلك الحسنة ما يتعدَّى منهم إلى غيرهم من بركات إرشادهم للمريدين، وما يجري على من اتبعهم مما أخذوه وتعلموه منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لأن يهتدي بهداك رجل خير لك من حمر النعم ". تفسير : ثم قال: {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ}، لأن ما فيها يبقى، وليس فيها خطر الزوال. ولأن في الدنيا مشاهدة وفي الآخرة معاينة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ} اى للذين رفعوا ارواحهم وقلوبهم وعرضوها فى الحضرة لبذلها وفدائها لعروس المشاهدة واحسنوا عبودية خالقهم وشاهدوه مشاهدة ايقان وعرفان فى دار الامتحان حسنة مشاهدة الرحمن فى وقت كشوف انوار جماله فى اوقات المواجيد والواردات ولهم فى دار الاخرة عيان فى عيان وبيان فى بيان بلا فترة ولا فتور ولا حجاب ولا عتاب ولنعم دار هؤلاء المتفردين عن الاكوان والحدثان دار مشاهدة الرحمن ثم وصف مقاماتهم السنية ودرجاتهم الرفيعة فى مقاعد صدق المشاهدة بقوله {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ} بساتين مقام الجلال والجمال يجرى فيها انهار زوائد المنن ولهم من مشاهدة جلاله وجماله ما يشاؤن من حلاوة الخطاب والوصاف وهذا جزاء قوم انفردوا بالحق عما دون الحق قال ابو عثمان فى قوله للذين احسنوا اي احسنوا فى ابتداء احوالهم الرجوع الى محل المحسنين وقال يوسف بن الحسين للذين احسنوا اداب الخدمة واستعملوها للرفعة الى محل الاولياء وهو غاية الحسنى قال الاستاد فى الدنيا مشاهدة وفى الآخرة معائنة ثم وصف لهؤلاء المحسنين المتقين بطيب قلوبهم وارواحهم عند خروجهم من الدنيا بقوله {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ} فى الدّنيا بطيب نفحات مسك تجليه وتدليه وفى الاخرة بطيب مشاهدته ووصاله وايضا طيبين بطيب محبته طيبين بطيب معرفته طابت نفوسهم فى خدمة مولاها وطابت قلوبهم فى محبة سيدها وطابت ارواحهم بطيب مشاهدة ربها وطابت اسرارهم بطيب الانوار هؤلاء مقدسون من شوب الحدثان واشراك الاصنام تقدست نفوسهم من لوث الطبيعيات وتقدست قلوبهم من لطخ الشهوات وتقدست ارواحهم من الوقوف فى الآيات وتقدست اسرارهم من علامة الكلمات من طابوا بطيب المناجاة واستانسوا بانس المداناة وسكروا بوجوه المشاهدات وصاحوا فى مجالس انوار الصفات وطاروا باجنحة الشوق والمحبة فى انوار الذات طيَّب الله قلوبهم حيث جعلها متصفة بانوار شهوده عليها فطابت الوجود بوجودهم وفاحت فارات مسك محبتهم فى الآفاق فما اطيب ذلك الطيب اذا تنفسوا من غلبات الشوق الى جماله واستنشاقهم طيب وصاله هبت عليها ريح الشمال وحملت انفاسهم ودارت حول الكونين فطابت الاكوان والحدثان من طي انفاسهم لانها رياض جمال الحق وموضع انفاس الرحمن الا ترى كيف قال سيد اهل الانفاس عليه السّلام انى احد نفس الرّحمن من قبل اليمن وقال ان لربّكم فى ايام دهركم لنفحات الا فتعرضوا لنفحات الرحمن عرائس جود المشاهدة هناك تتبختر فتطيب بطيبها تلك الانفاس الربانية فطابت السماوات والارض واهلها بطيبها كما قيل شعر : تضوع مسكا بطن نعمان ان مشت به زينب فى نسوة عطرات تفسير : قيل اى طيبة ابدانهم وارواحهم بملازمة الخدمة وترك الشهوات وقال ايضا اى لم يتدنسوا من الدنيا وخبثها بشءٍ قال ابو حفص ضياء الابدان بمواصلة الخدمة وضياء الارواح بالاستقامة قال الاستاد طيبين تفيض ارواحهم طيبة ببذلها نفوسهم.
اسماعيل حقي
تفسير : وقيل - روى - ان احياء العرب كانوا ييعثون ايام موسم الحج من يأتيهم بخبر النبى صلى الله عليه وسلم فاذا جاء الوافد كفه المقتسمون الذين اقتسموا طرق مكة وامروه بالانصراف وقالوا ان لم تلقه كان خيرا لك فانه ساحر كاهن كذاب مجنون فيقول انا شر وافد ان رجعت الى قومى دون ان استطلع امر محمد واراه فيلقى اصحاب النبى عليه لسلام فيخبرونه بصدقه فذلك قوله وقيل اى من طرف الوافدين {للذين اتقوا} عن الكفر والشرك وهم المؤمنون المخلصون {ماذا} اى أى شئ فهو مفعول قوله {انزل ربكم} على محمد {قالوا} فى جوابه انزل {خيراً} وفى تطبيق الجواب بالسؤال اشارة الى ان الانزال واقع وانه نبى حق. قال الكاشفى [مراد ازخير قرآنست كه جامع جميع خيرات ومستجمع مجموع حسنات وبركات اوست ونيكوهاى دينى ودنياوى وخوبيهاى صورى ومعنوى ناشى ازو] {للذين احسنوا} اعمالهم وقالوا لا اله الا الله محمد رسول الله فانه احسن الحسنات وهو كلام مستأنف جيئ به لمدح المتقين {فى هذه} الدار {الدنيا حسنة} اى مثوبة حسنة مكافا فيها باحسانهم وهى عصمة الدماء والاموال واستحقاق المدح والثناء والظفر على الاعداء وفتح ابواب المكاشفات والمشاهدات الذى من اوتيه فقد فاز بالقدح المعلى. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان من احسن اعماله بالصالحات واخلاقه بالحميدات واحواله بالانقلاب عن الخلق الى الحق فله حسنة من الله وهو ان ينزله منازل الواصلين الكاملين فى الدنيا {ولدار الآخرة} اى ولثوابهم فيها {خير} مما اوتوا فى الدنيا من المثوبة او دار الآخرة خير من الدنيا على الاطلاق فان الآخرة كالجوهر والدنيا كالخزف وقيمة الجوهر ارفع من قيمة الخزف بل لا مناسبة بينهما اصلا {ولنعم دار المتقين} [ونيكو سرابيست مر بر هيزكارانرا سراى آخرت]. قال الحسن دار المتقين الدنيا لانهم منها يتزودون للآخرة. يقول الفقير فيه مدح للدنيا باعتبار انها متاع بلاغ فانها باعتبار انها متاع الغرور مذمومة كما قال فى المثنوى شعر : جيست دنيا ازخدا غافل شدن نى قماش ونقره وميزان وزن مال را كز بهر دين باشى حمول نعم مال صالح خواندش رسول آب در كشتى هلاك كشتى است آب اندر زير كشتى بشتى است جونكه مال وملك را ازدل براند زان سليمان خويش جز مسكين نخواند كوزه سربسته اندر آب رفت از دل برباد فوق آب رفت باد درويشى جودر باطن بود بر سر آب جهان ساكن بود تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى ان للاتقياء الواصلين دارا غير دار الدنيا ودار الآخرة فدارهم مقعد الصدق فى مقام العندية ونعم الدار.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {خيراً}: منصوب بفعل محذوف، أي: أنزل خيرًا، فهو مطابق للسؤال؛ لأن المؤمنين معترفون بالإنزال، بخلاف قوله: {أساطير الأولين}؛ فهو مرفوع على الخبر؛ لأنهم لا يُقرون بالإنزال، فلا يصح تقدير فعله. وإنما عدلوا بالجواب عن السؤال؛ لإنكارهم له، وقالوا: هو أساطير الأولين ولم ينزله الله. و {للذين}: خبر، و {حسنة}: مبتدأ، والجملة: بدل من {خيرًا}، أو تفسير الخير الذي قالوه، والظاهر أنه استئناف من كلام الحق. {جنات عدن}: يحتمل أن يكون هو المخصوص بالمدح، فيكون مبتدأ، وخبره فيما قبله، أو خبر ابتداء مضمر، أو مبتدأ، وخبره: {يدخلونها}، أو محذوف، أي: لهم جنات عدن. و {طيبين}: حال من مفعول "توفاهم". يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقيل للذين اتقوا} الشرك، وهم المؤمنون: {ماذا أنزل ربكم قالوا خيرًا}، أي: أنزل خيرًا، مقرين بالإنزال، غير مترددين فيه ولا متلعثمين عنه، على خلاف الكفرة؛ لمَّا ذكر الحق تعالى مقالة الكفار الذين قالوا: أساطير الأولين، عادل ذلك بذكر مقالة المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجب لكل فريق ما يستحق من العقاب أو الثواب، رُوي أن العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء الوفد، وسأل المقتسمين، من الكفار، قالوا له: أساطير الأولين، وإذا سال المؤمنين: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: خيرًا. فنزلت الآية في شأن الفريقين. ثم ذكر جزاء المؤمنين فقال: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا} بالإِيمان والطاعة، {حسنة} أي: حالة حسنة؛ من النصر، والعز، والتمكين في البلاد، مع الهداية للمعرفة والاسترشاد. {ولَدارُ الآخرةِ خيرٌ} أي: ولثواب الآخرة خير مما قدَّم لهم في الدنيا؛ لدوامه، وصفائه، وعظيم شأنه، وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إنَّ الله لا يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنةً، يُثَابُ عَلَيها الرزْقَ فِي الدُّنيَا، ويُجَازَى بِهَا فِي الآخِرَة"تفسير : . {ولنعم دارُ المتقين} دار الآخرة، حذفت، لتقدم ذكرها، أو هي: {جناتُ عدنٍ يدخلونها} على الأبد، {تجري من تحتها الأنهارُ لهم فيها ما يشاؤونَ} من أنواع المشتهيات؛ حسية ومعنوية، وفي تقديم الظرف في قوله: {فيها}؛ تنبيه على أن الإنسان لا يجد جميع ما يريد إلا في الجنة. قاله البيضاوي. {كذلك يَجزي اللهُ المتقين} الذين قالوا خيرًا وفعلوا خيرًا، وأحسنوا في دار الدنيا حتى ماتوا على الإحسان، كما قال: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين}: طاهرين من ظُلم أنفسهم بالكفر والمعاصي؛ لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم، وقيل: فرحين؛ لبشارة الملائكة إياهم بالجنة، أو طيبين بقبض أرواحهم؛ لتوجه نفوسهم بالكلية إلى الحضرة القدسية. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية: {طيبين}: عبارة عن صلاح حالهم، واستعدادهم للموت. وهذا بخلاف ما قال في الكفرة: {أية : ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِم} تفسير : [النساء: 97؛ والنحل: 28]، والطيب لا خبث معه، ومنه قوله تعالى: {طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا} [الزُّمَر: 73]. هـ. وقال الترمذي الحكيم: {طيبين} أي: مستعدين للقاء، يُسلَّم عليهم، ويقال لهم: ادخلوا الجنة بلا هول ولا حساب، بخلاف غير المستعد للقاء، فإنما يسلم عليه، ويقال له: ادخل الجنة بعد أهوال القبر وأهوال القيامة. هـ. وهذا معنى قوله: {يقولون سلام عليكم}؛ لا يلحقكم بعدُ مكروهٌ. وهذا لأجل الاستعداد كما تقدم. ثم تقول لهم: {ادخلُوا الجنة} بعد بعثكم، أو بأرواحكم في عالم البرزخ، إن كانوا من الشهداء أو الصديقين، {بما كنتم تعملون} في دار الدنيا. فإن قلت: كيف التوفيق بين الآية وبين الحديث: "حديث : لن يَدْخُل أحدُكُم الجَنَّة بعَمَلِهِ، قالوا: ولا أَنْتَ؟ قَالَ: ولا أَنَا، إِلاَّ أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِه"تفسير : ؟ فالجواب: أن الهداية لصالح العمل، والتوفيق له، هو برحمة الله أيضًا، فالعمل الصالح رحمة من رحمات الله، فما دخل أحد الجنة إلا برحمته، فرجعت الآية إلى الحديث. ومقصد الحديث: نفي وجوب ذلك على الله تعالى بالعقل، كما ذهب إليه فريق من المعتزلة. وهنا جواب آخر صوفي؛ وهو الجمع بين الحقيقة والشريعة، فنسبة العمل إلى العبد شريعة، ونفيه عنه، بإجراء الله ذلك عليه، حقيقة. فالآية سلكت مسلك الشريعة في نسبة العمل للعبد؛ فضلاً ونعمة؛ "من تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك". والحديث سلك مسلك الحقيقة؛ لأن الدين كله دائر بين حقيقة وشريعة، فإذا شرَّع القرآنُ حققته السُّنة، وإذا شرَّعت السُّنةُ حققها القرآن. والله تعالى أعلم. الإشارة: وقيل للذين اتقوا التقوى الكاملة: ماذا أنزل ربكم من المقادير؟ قالوا: خيرًا، فكل ما ينزل بهم من قدر الله وقضائه، جلاليًا كان أو جماليًا، جعلوه خيرًا، وتلقوه بالرضا والتسليم. يقولون: إذا كنتَ أنتَ المُبْتَلِي فافعل ما شئت، لا يتضعضعون ولا يسأمون، ولا يشكون لأحد سوى محبوبهم؛ لأن الشكوى تنافي دعوى المحبة، كما قال الشاعر: شعر : إِنْ شَكَوْتَ الهَوَى فما أنت منّا احْمِلِ الصَّدَ والجفا يا مُعَنَّا تَدَّعِي مَذْهبَ الهَوى ثم تَشْكُو أين دَعْوَاك في الهَوَى قَل لِيَ أيْنَا؟ لَو وَجَدْنَاكَ صابرًا لِهَوانــا لأعْطيناك كُلَّ ما تتمنى تفسير : وإنما قالوا، في كل ما ينزل بهم: خيرًا، أو جعلوه لطفًا وبرًا؛ لما يجدون في قلوبهم، بسببه، من المزيد والألطاف، والتقريب وطي مسافة النفس، ما لا يجدونه في كثير من الصلاة والصيام سنين؛ لأن الصلاة والصيام من أعمال الجوارح، وما يحصل في القلب من الرضا والتسليم، وحلاوة القرب من الحبيب، من أعمال القلوب، وذرة منها خير من أمثال الجبال من أعمال الجوارح. وفي الخبر: "حديث : إذَا أحَبَّ اللهُ عَبْد ابْتَلاَهُ، فَإِنْ صَبَرَ اجْتَبَاهُ، وإِنْ رَضِيَ اصْطَفَاه"تفسير : . وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : عَجَبًا لأمر المُؤْمن، إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ له خَيرٌ، وليْسَ ذلِكَ لأحَدٍ إلاَّ للمُؤْمِنِ. إن أصَابَتْهُ سَرَّاءُ شكَرَ، فَكَانَ خَيرًا لََهَ، وإنْ أصَابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيرًا لَهُ"تفسير : . وفي البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ما يُصيب المؤمنَ من وَصَبٍ، ولا نَصَبٍ، ولا سَقَمٍ، ولا حَزَنٍ، حتى الهَمُّ يُهِمُّه، إلا كفّر له من سيئاته"تفسير : . وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِنْ مُسْلِم يُصِيبُهُ أَذىً من مرض فَمَا سَواه، إلا حَطَّ به عنه سَيِّئاتِهِ كَمَا تَحُطَّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا"تفسير : . ورُوي عن عيسى عليه السلام أنه كان يقول: لا يكون عالمًا من لم يفرح بدخول المصائب والأمراض على جسده وماله؛ لِمَا يرجو بذلك من كفارة خطاياه. هـ. فتحصل أن ما ينزل بالمؤمن كُلَّهُ خير، فإذا سئل: ماذا أنزل ربكم؟ قال خيرًا. ثم قال تعالى: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا}؛ أي: بالرضا عني في جميع الأحوال، والاشتغال بذكري في كل حال، لهم في الدنيا {حسنةٌ}: حلاوة المعرفة، ودوام المشاهدة، {ولدارُ الآخرة خيرٌ}؛ لصفاء المشاهدة فيها، واتصالها بلا كدر؛ إذ ليس فيها من شواغل الحس ما يكدرها، بخلاف الدنيا؛ لأن أحكام البشرية لا ينفك الطبع عنها، كغلبة النوم، وتشويش المرض وغيره، بخلاف الجنة، ليس فيها شيء من الكدر، ولذلك مدحها بقوله: {ولَنِعْمَ دارُ المتقين}. ثم قال: {كذلك يجزي الله المتقين} لكل ما يشغل عن الله؛ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين، طاهرين، مطهرين من شوائب الحس، ودنس العيوب، طيبة نفوسُهم بحب اللقاء، قد طيبوا أشباحهم بحسن المعاملة، وقلوبهم بحسن المراقبة، وأرواحهم بتحقيق المشاهدة. تقول لهم الملائكة الكرام: سلام عليكم، ادخلوا جنة المعارف إثر موتكم، وجنة الزخارف إثر بعثكم؛ بما كنتم تعملون من تطهير أجسامكم من الزلات، وتطهير قلوبكم من الغفلات، وتطهير أرواحكم من الفترات. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد اضدادهم الذين قالوا فيما انزل لهم (اساطير الأولين)
الجنابذي
تفسير : {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} قد مرّ مراراً انّ التّقوى الحقيقيّة لا تكون الاّ بالولاية والبيعة الخاصّة الولويّة {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً} اقرار بالانزال من الرّبّ وتصديق لكونه خيراً استسلاماً {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} صاروا ذا حسن والحسن على الاطلاق علىّ (ع) وكلّما اتّصل به من طريق الولاية كان ذا حسن به او احسنوا الى انفسهم او الى غيرهم {فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ} وهو طيبوبة المآكل والمشارب والمناكح والمراكب {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ} لخلوص الطيبوبة لهم هناك من غواشى المادّة وآلامها وقوله للّذين احسنوا مقول لقولهم تفسير الخيرات واستيناف من الله {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ} مخصوص نعم او مبتدأ خبره {يَدْخُلُونَهَا} او يدخلونها صفة و {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} خبره او تجرى صفة بعد صفة و {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ} خبره ويحتمل كون الجمل حالات مترادفة او متداخلة وكون بعضها حالاً وبعضها صفة وبعضها خبراً وقد مضى فى آل عمران فى نظير الآية مع جريان الانهار من تحت الجنّات {كَذَلِكَ َجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ} وفى الخبر: ولنعم دار المتّقين الدّنيا.
اطفيش
تفسير : {وَقِيلَ} أى قالوا الوافدون إِلى مكة أيام الموسم وكانت أحياء العرب يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيسأَلون المشركين فيقولون إِنه ساحر أو مجنون أو نحو ذلك وإِن ترجعوا بدون أن تلقوه خير لكم فيقولون إِنا شر وفد إِن رجعنا بدون أن ندخل مكة ونلقاه، فيدخلون مكة فيرون أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيقولون ما حكى الله عنهم بقوله وقيل {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} ما حرم الله من شرك ومعاص وهم أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ {مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ} على محمد فإِذا مفعول لأَنزل بدليل النصب فى الجواب {قَالُوا خَيْراً} أى قالوا أنزل خيرا وهو القرآن والوحى عليه وإِنه رسول صادق أمين أتوا بالجواب مطابقا للسؤال مكشوفا بيننا من غير عدول عنه ولا بطء وتكلف لشدة اطمئنانهم وهنا تم الكلام واستأنف الله سبحانه بقوله {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا} بالإِيمان والأَعمال الصالحات {فِى هَذِهِ الدُّنْيَا} بدل أو بيان من هذه إن فسرت بالليل والنهار وما حويا أو بالأَرض والسماء وما بينهما، لأَنه إِذ ذاك علم ونعت أو بدل أو بيان إِن أبقيت على الوصفية أى هذه الدار القريبة الزوال وفى متعلقة بأَحسنوا وللذين خبر وقوله {حَسَنَةٌ} مبتدأ وهى الثواب فى الآخرة تضاعف لهم الحسنة إِلى عشر وإِلى سبع مائة وأكثر، والمراد بالحسنة جنس ما يستحسن من الثواب أو سمى مجموعها حسنة. وقال الضحاك الحسنة النصر والفتح وقال مجاهد الرزق الحسن فى الدنيا وقيل جميع ما ينعم به عليهم فى الدنيا وعلى هذه الأَقوال الثلاثة تتعلق فى بأَحسنوا أو بما يتعلق به للذين لو بمحذوف حال من ضمير الحسنة المستتر فى قوله للذين، إِما على أن المراد ثواب الآخرة فيكون قوله {وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ} زيادة فى الترغيب وتحريضاً على دار تكون لهم فيها الحسنة والثواب فيها أحسن من غيره على الإِطلاق، وإِما على الأَقوال الثلاثة فيكون تنبيها على أن لهم داراً عظيمة القدر وهى الجنة بعد ما كان لهم من الحسنة فى الدنيا وكأنه قيل إِن ثوابهم فى دار الساعة الآخرة خير لهم مما جرى لهم من الثواب فى الدنيا وعن أنس بن مالك أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال "حديث : إِن الله لا يظلم من حسنة يثيب عليها الرزق فى الدنيا ويجزى بها فى الآخرة أى لا ينقص من ثوابها شيئاً" تفسير : وفى رواية "حديث : لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها بالرزق فى الدنيا إِلى آخره"تفسير : ، وتضمنت الآية وعداً للذين يقولون أُنزل خيراً فى جواب من قال ماذا أنزل ربكم فإِن قولهم ذلك إِحسان عظيم قد اتبعوه بالعمل الصالح، ويجوز أن يكون خبرا مفعولا لقالوا لا لمحذوف أى ذكروا خيرا فيكون قوله للذين أحسنوا إِلى آخره بياناً لذلك الخير أو بدلا أو مفعولا لقول محذوف مبدل من القول المذكور أى قالوا للذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير {وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لدلالة قوله ولدار الآخرة خير عليه ويجوز أن يكون المخصوص هو قوله {جَنَّاتُ} بساتين {عَدْنٍ} أى إِقامة وعلى أن المخصوص محذوف يكون هذا خبر المحذوف أى هى جنات عدن لا بطريق أُنه المخصوص وقال الحسن دار المتقين هى الدنيا، لأَنهم يتزودون منها للآخرة ولا يصح عليه أن يكون المخصوص جنات عدن والصحيح أن دار المتقين الدار الآخرة وهى جنات عدن وهو قول الجمهور وتم كلامهم على الوجه المذكور آخرا من أن خيرا مفعول لقالوا بأَوجهه عند قوله حسنة وعند قوله يشاءون أو قوله تعلمون أو ذلك كله من كلام الله كما قلنا على الوجه المذكور أولا أن الكلام تم فى قوله خيرا {يَدْخُلُونَهَا} مستأنف أو جنات مبتدأ وهذه الجملة خبره {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا} تحت قصورها ومساكنها ودورها {الأَنْهارُ} ماء ولبناً وخمرا وعسلا {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ} من أنواع ما يشتهى ويستلذ حتى زعم بعض الناس أن لهم فيها أن يتمتعوا بأَدبار الولدان وهو باطل، وقد سئل عن ذلك بعض أئمة الشافعية قديما فأَجابوا بالمنع لأَن ذلك المحل لم يبح فى ملة من الملل ولا فى شريعة من الشرائع قال فإِن تعصب متعصب من أهل الطباع المنحرفة وقال إِنما حرم ذلك المحل فى الدنيا للقذر والنجاسة قياساً على دم الحيض والجنة لا قذر فيها ولا نجاسة قلنا له ممنوع ذلك منك لأَن الله سبحانه سماه فاحشة وقد نهى عن الفحشاء ولأن الله تعالى لم يبح دبرا قط أى بخلاف الخمر مثلا فإِن الله سبحانه ولو نهى عنها لكنه قد أخبرنا بأَنها فى الجنة وأيضا قد أباحها لبعض الأُمم. قال السيوطى إِنما سكت أصحاب الإِمام الشافعى عن هذه المسألة لأَنها من العلم الذى لا بصر جهله ولا ينفع علمه بل قال الشعرانى لا أدبار لأَهل الجنة لأَنه لا غائط فيها بل ترشح أبدانهم، ولولا أن فى الجنة جماعا وولادة لما جعل لهم ذكر وفى رواية عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : جامع ما شئت ولا ولد وإِذا قام عنها عادت بكرا"تفسير : ، وهى رواية إِذا اشتهى الولد فى الجنة كان حمله ووضعه وسنه فى ساعه واحدة كما يشتهى. قال الترمذى اختلف أهل العلم فقال طاووس ومجاهد والنخعى فيها جماع لا ولادة، وأول إسحاق بن ابراهيم هذا الحديث بأَنه قال إِذا اشتهى ولكنه لا يشتهى ولذا روى فى حديث لقيط أن أهل الجنة لا يكون لهم ولد قلت ومثل هذا التأويل يقال فى جماع الدبر بأَن لا يلقى الله اشتهاء فى قلوبهم وقال جماعة فيها الولادة إِذا اشتهيت ورجحه الأستاذ أبو سهل الصعلوكى انتهى كلام الترمذى بالزيادة. قال السيوطى عن أبى سعيد "حديث : قلنا يا رسول الله إِن الولد من قرة العين وتمام السرور فهل يولد لأَهل الجنة؟ فقال إِذا اشتهى الولد فى الجنة كان حمله"تفسير : ، إلى آخر الحديث المتقدم قال لا منافاة بين أحاديث نفى الولد وأحاديث إِثباته لأَن المنفى ترتيب الولادة على الجماع والمثبت حصول الولد عند اشتهائه كما يحصل الزرع عند اشتهائه ولا زرع فى الجنة، انتهى بتصرف قال القاضى إِنما قدم فيها تنبيها على أن الإِنسان لا يجد جميع ما يريده فى الجنة انتهى قلت ليس الأَمر كذلك لأَن تقديمه إِنما يفيد الحصر لو كان هو الخبر وليس بخبر، بل الخبر قوله لهم وأما قوله فيها فمتعلق بالاستقرار المحذوف أو بلهم لنيابته عنه {كَذَلِكَ} أى مثل ذلك الجزاء {يَجْزِى اللهُ الْمُتَّقِينَ} وإِنما قال كذلك مع أن ذلك هو نفس الجزاء لا مثل الجزاء لأَن المراد أنه يجزيهم على الطريقة التى ذكرتها لكم لأَنه ولو ذكر لنا ما ذكر نفهمه على حقيقته حتى نشاهده فى الجنة فإِن كل ما فيها ليس من جنس ما فى الدنيا تحقيقا وإِنما يمثل لنا تمثيلا فذكر الجنات والحرير والذهب ونحو ذلك أو الكلام كناية كقولك مثلك لا يبخل وهكذا فى مثل الآية وقد ذكرت فى مضع من هذا تفسير أكثر من ذلك، قيل وهذا يدل على أن قوله للذين أحسنوا إِلى آخره وعد لا حكاية.
اطفيش
تفسير : {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} أى الشرك، ولو وصل شارح لفظ الشرك باتقوا بدون أى لوجب على القارىء الوقف على اتقوا فيقطع همزة الشرك إذ لو وصل وقطع لكان خطأَ ولو وصل وحذف الواو لكان تغيراً لنظم القرآن، والقائِلون الوفد يلاقون أَهل مكة ويسأَلون عن محمد وأَحواله والقرآن والمسلمين، ويحكى أَن أَحياءَ العرب يرسلون من يسأَل فيقول المسلمون: أَنزل خيرا، وإِن سأَلوا المشركين قال المشركون: الذى أنزل عليه أساطير الأولين، وكذا غير الوفد ممن يدخل مكة أو قالوا بدون ذكر أنزل كما قال الله تعالى: {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً} أى أنزل خيرا فهذه جملة فعلية مثل ماذا أنزل ربكم، على أن ماذا اسم واحد بالتركيب مفعول لأنزل، وفى هذا موافقة للسؤال رغبة فى جوابه إذ أتوا بأَنزل مقدراً أَو ملفوظاً به عما هو فى السؤال، والكفار أَعرضوا عن ذكر الإنزال الذى هو فى لفظ السائِلين لم يذكروه ولم يقدروه فى العبارة رغبة عنه وعما تضمنه فقالوا: أَساطير الأولين، وبعث قريش أرصادا فى طرق مكة يقولون لمن يجىءُ من العرب للسؤال فيقولونه إنه ساحر جاءَ بأَساطير الأَولين، وإِذا دخلوا مكة وسأَلوا المسلمين قالوا: أَنزل الله عليه خيرا، وإِذا كان الوافد عاقلا قال الوفد للمشركين الصادين: بئس الوافد أَنا إن رجعت لقولكم قبل أَن ألقاه وأَتحقق الأَمر من عنده، ومن الجائز أَن يكون المؤمن، يقول المؤمن ماذا أنزل ربكم فيقول خيرا والكافر لكافر فيقول أَساطير، وذلك تلذذ بالسمع، وأَن يقول الكافر لمسلم ماذا أنزل ربكم تهكما {لِلَّذِين أَحْسَنُوا} بالتوحيد والعمل الصالح وترك الكبائر {فِى هَذِه الدُّنْيَا} متعلق بالذين أو بمتعلقه لأَن المعنى عليه أولى من المعنى على تعليقه بأَحسنوا للعلم بأَن المعتبر ما يوجد فى الدنيا من الإحسان، ولو لم يذكر فى الدنيا فهو جائِز مرجوح، إلا أَن يقال: لوح به إلى أن هذه الدنيا مكسب للآخرة فلا يكون التفسير به مرجوحا {حَسَنَةٌ} حياة طيبة يمدح الله لهم عند الملائِكة وهم أَحياء وعند المؤمنين، ومدح المؤمنين بعض لبعض وبالظفر على الأَعداءِ والأَمن من القتل والسبى وبمنح الله لهم المعارف أَو ثواب فى الآخرة لأَعمالهم أَو التضعيف للحسنة بعشر إلى سبعمائة فصاعدا، وهذا أنسب بذكر خيرية الدار، وهذا وما بعده إلى تعلمون من كلام الله - عز وجل - مستأْنف، ويجوز أن يكون بدلا من قولهم أنزل خيرا أو عطف بيان على القول بجوازه فى الجمل أَو تفسيرا، وفى هذه الأوجه يكون داخلا فى قوله: قالوا خيرا فلهم خير الدنيا وخير الآخرة بقوله: {وِلَدارُ الأخِرةِ} أى ثواب دار هى دار الآخرة أو ثواب دار الحياة الاخرة {خَيْرٌ} لهم مما أصابوا فى الدنيا من الأُمور الحسنة غير مدح الله ومعارفه فهما خير من نعم الآخرة، أَو نقول لم يقصد هذان فى قوله حسنة أَو نقدر خير من الدنيا {وَلنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ} وعدلهم، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره هى أَى دار الآخرة أَو هو قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} أَى جنات إقامة دائمة، وإذ قدرنا المخصوص كان قوله: {يَدْخُلُونهَا} خبر الجنات على أَنه مبتدأ، أَو إِذا جعلنا جنات مخصوصا كان قوله: يدخلونها حالا من جنات، أَو نعته، كذا قيل: والصواب أنه نعته، وقدر بعض لهم جنات عدن، وبعض جعله مبتدأً خبره قوله: {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} وعلى غيره يكون حالا من قوله: ها أَو نعت آخر لجنات، قيل: أَو حال منها {لَهُمْ فِيها مَا يَشَاءُونَ} من اللذات ولا يلقى الله فى قلوبهم حب مالا يجوز كالجماع فى الدبر وجماع الأطفال وتزوج ذوات المحارم والجمع بين من لا تجتمعان كامرأَة وخالتها، وقيل: لا أدبار لأَهل الجنة لأنه لا فضلة لهم فليزم أن لا تجوف للذكر إذ قالوا لا نطفة فيها فيكون ذلك نقصانا فقل لهم أدبار لا فضلة تخرج منها بل رائحة مستلذة وللذكر جوف ونطفة برائحة طيبة ترشفها أبدان النساء إِن لم يكن حديث مانع من ذلك ويكون للمؤمن زوج من الآدميات نص عليه ابن حجر، وأقول له أزواجه الآدميات كلهن ولو أربعا إن كن سعيدات مات عنهن ولم يتزوجن بعده أَو تزوجن شقيا، أَو متن عنه ولم يتزوج بعدهن محرمة لهن، وكذا ما فوق الأربع مثل أن يتزوج أربعا بعد أربع أو يتزوج بعد النقصان عن الأربع بالموت، لا ما قيل ماله إلا واحدة، وفضل الله أوسع، وإطلاق الحديث يناسبه وليس قوله فيها حصرا بالتقديم كما قيل؛ لأَن الحصر بالتقديم يكون إذا كان التقديم على عامل المقدم، وعامل فيها هو لهم أو متعلقه لا ما يشاءُون، أَو كان التقديم على مبتدأَه نحو فى الدار زيد، وإن علقت لهم بتجرى وفيها خبر مقدم ساغ الحصر، ومعنى الحصر أَنه لا يجد الإِنسان كل ما يشاءُ إلا فى الجنة {كَذَلِكَ يجْزِى اللهُ الْمُتَّقِينَ} على تقواهم، يقال: الجزاء نفس ذلك لا مثله فما معنى التشبيه قلت: المعنى والله أعلم يجزى الله المتقين جزاء مثل ذلك الوصف أى مطابقا له، أَو يقدر له مبتدأ هكذا الأمر كذلك ويستأْنف قوله: يجزى الله المتقين.
الالوسي
تفسير : {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} أي المؤمنين، وصفوا بذلك إشعاراً بأن ما صدر عنهم من الجواب ناشىء من التقوى. {مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً} أي أنزل خيراً فماذا اسم واحد مركب للاستفهام بمعنى أي شيء محله النصب {بأنزل} و {خَيْراً} مفعول لفعل محذوف، وفي اختيار ذلك دليل على أنهم لم يتلعثموا في الجواب وأطبقوه على السؤال معترفين بالإنزال على خلاف الكفرة حيث عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير الأولين وليس من الإنزال في شيء. نعم قرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {خير} بالرفع ـ فما ـ اسم استفهام وذا اسم موصول بمعنى الذي أي أي شيء الذي أنزله ربكم، و {خَيْرٌ} خبر مبتدأ محذوف فيتوافق جملتا الجواب والسؤال في كون كل منهما جملة اسمية، وجعل {ماذا} منصوباً على المفعولية كما مر ورفع {خَيْرٌ} على الخبرية لمبتدأ جائز إلا أنه خلاف الأولى، وفي "الكشف" أنه يظهر من الوقوف على مراد صاحب "الكشاف" في هذا المقام إن فائدة النصب مع أن الرفع أقوى دفع الالتباس ليكون نصاً في المطلوب كما أوثر النصب في/ قوله تعالى: {أية : إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } تفسير : [القمر: 49] لذلك، وينحل مراده من ذلك بالرجوع إلى ما نقلناه عنه سابقاً والتأمل فيه فتأمل فإنه دقيق. هذا ولم نجد في السائل هنا خلافاً كما في السائل فيما تقدم، والذي رأيناه في كثير مما وقفنا عليه من التفاسير أن السائل الوفد الذي كان سائلاً أولاً في بعض الأقوال المحكية هناك، وذكر أنه السائل في الموضعين كثير منهم ابن أبـي حاتم، فقد أخرج عن السدي قال اجتمعت قريش فقالوا: إن محمداً صلى الله عليه وسلم رجل حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله فانظروا أناساً من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم فابعثوهم في كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين فمن جاء يريده فردوه عنه فخرج ناس منهم في كل طريق فكان إذا أقبل الرجل وافداً لقومه ينظر ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم فينزل بهم قالوا له: يا فلان ابن فلان فيعرفه بنسبه ويقول: أنا أخبرك عن محمد صلى الله عليه وسلم هو رجل كذاب لم يتبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيه وأما شيوخ قومه وخيارهم فمفارقون له فيرجع أحدهم فذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [النحل: 24] فإذا كان الوافد ممن عزم الله تعالى له على الرشاد فقالوا له مثل ذلك قال: بئس الوافد أنا لقومي إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل وأنظر ما يقول وآتي قومي ببيان أمره فيدخل مكة فيلقى المؤمنين فيسألهم ماذا يقول محمد صلى الله عليه وسلم فيقولون: خيراً الخ، نعم يجوز عقلاً أن يكون السائل بعضهم لبعض ليقوى ما عنده بجوابه أو لنحو ذلك كالاستلذاذ بسماع الجواب وكثيراً ما يسأل المحب عما يعلمه من أحوال محبوبه استلذاذاً بمدامة ذكره وتشنيفاً لسمعه بسني دره:شعر : الا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر تفسير : بل يجوز أيضاً أن يكون السائل من الكفرة المعاندين وغرضه بذلك التلاعب والتهكم. {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} أتوا بالأعمال الحسنة الصالحة {فِى هَـٰذِهِ} الدار {ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ} مثوبة حسنة جزاء إحسانهم، والجار والمجرور متعلق بما بعده على معنى أن تلك الحسنة لهم في الدنيا، والمراد بها على ما روي عن الضحاك النصر والفتح، وقيل: المدح والثناء منه تعالى، وقال الإمام: يحتمل أن يكون فتح باب المكاشفات والمشاهدات والألطاف كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى } تفسير : [محمد: 17] وقيل: متعلق بما قبله، وحينئذ يحتمل أن يكون الكلام على تقدير مثله متعلقاً بما بعد أو لا بل تكون هذه الحسنة الواقعة مثوبة لإحسانهم في الدنيا في الآخرة، واقتصر بعضهم على هذا الاحتمال، والمراد بالحسنة حينئذ إما الثواب العظيم الذي أعده الله تعالى يوم القيامة للمحسنين وإما التضعيف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا يعلمه غيره جل وعلا، واختير كونه متعلقاً بما بعد لأنه الأوفق بقوله سبحانه: {وَلَدَارُ ٱلآَخِرَةِ خَيْرٌ} والكلام كما يشعر به كلام غير واحد على حذف مضاف أي ولثواب دار الآخرة أي ثوابهم فيها خير مما أوتوا في الدنيا من الثواب. وجوز أن يكون المعنى خير على الإطلاق فيجوز إسناد الخيرية إلى نفس دار الآخرة. {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ} أي دار الآخرة حذف لدلالة ما سبق عليه كما قاله ابن عطية والزجاج وابن الأنباري وغيرهم، وهذا كلام مبتدأ عِدَة منه تعالى الذين اتقوا على قولهم، وهو في الوعد هٰهنا نظير {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ } تفسير : [النحل: 25] في الوعيد فيما مر، وجوز أن يكون {خَيْرًا}/ مفعول {قَالُواْ} وعمل فيه لأنه في معنى الجملة كقال قصيده أو صفة مصدر أي قولاً خيراً، وهذه الجملة بدل منه فمحلها النصب أو مفسرة له فلا محل لها من الإعراب، وعلى التقديرين مقولهم في الحقيقة {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} الخ إلا أن الله سبحانه سماه خيراً ثم حكاه كما تقول: قال فلان جميلاً من قصدنا وجب حقه علينا، وعلى ما ذكر لا يكون دلالة النصب على ما مر لما أشير إليه هناك وإنما تكون من حيث شهادة الله تعالى بخيرية قولهم ويحتمل جعل ذلك كما "الكشف" مفعول {أَنَزلَ} ويكون تسميته خيراً من الله تعالى كما قوله سبحانه: {أية : لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ } تفسير : [الزخرف: 9] ليشعر أول ما يقرع السمع بالمطابقة من غير نظر إلى فهم معناه؛ وأما قولهم: «للذين أحسنوا» أي قالوا أنزل هذه المقالة فإن ما يفهم من المطابقة بعد تدبر المعنى، وزعم بعضهم أنه لا يجوز جعله منصوباً ـ بأنزل ـ لأن هذا القول ليس منزلاً من الله تعالى، وفيه تفوت المطابقة حينئذ وهو كلام ناشىء من قلة التدبر. وفي "البحر" الظاهر أن {لِلَّذِينَ} الخ مندرج تحت القول وهو تفسير للخير الذي أنزل الله تعالى في الوحي، وظاهره أنه وجه آخر غير ما ذكر وفيه رد على الزاعم أيضاً، ولعل اقتصارهم على هذا من بين المنزل لأنه كلام جامع وفيه ترغيب للسائل، والمختار من هذه الأوجه عند جمع هو الأول بل قيل إنه الوجه.
ابن عاشور
تفسير : {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ}. لمّا افتتحت صفة سيّئات الكافرين وعواقبها بأنّهم إذا قيل لهم {أية : ماذا أنزل ربكم} تفسير : [سورة النحل: 24] قالوا: {أية : أساطير الأولين} تفسير : [سورة النحل: 24]، جاءت هنا مقابلة حالهم بحال حسنات المؤمنين وحسن عواقبها، فافتتح ذلك بمقابل ما افتتحت به قصّة الكافرين، فجاء التنظير بين القصّتين في أبدع نظم. وهذه الجملة معطوفة على الجمل التي قبلها، وهي معترضة في خلال أحوال المشركين استطراداً. ولم تقترن هذه الجملة بأداة الشرط كما قرنت مقابلتها بها وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم}، لأن قولهم: {أساطير الأولين} لما كان كذبا اختلقوه كان مظنة أن يقلع عنه قائلهُ وأن يرعوي إلى الحقّ وأن لا يجمع عليه القائلون، قرن بأداة الشرط المقتضية تكرّر ذلك للدّلالة على إصْرارهم على الكفر، بخلاف ما هنا فإن الصّدق مظنّة استمرار قائله عليه فليْس بحاجة إلى التّنبيه على تكرّره منه. والذين اتّقوا: هم المؤمنون لأن الإيمان تقوى الله وخشية غضبه. والمراد بهم المؤمنون المعهودون في مكّة، فالموصول للعهد. والمعنى أنّ المؤمنين سئُلوا عن القرآن، ومن جاء به، فأرشدوا السائلين ولم يتردّدوا في الكشف عن حقيقة القرآن بأوجز بيان وأجمعه، وهو كلمة {خيراً} المنصوبة، فإن لفظها شامل لكلّ خير في الدّنيا وكلّ خير في الآخرة، ونصبَها دال على أنّهم جعلوها معمولة لــــ{أنزل} الواقع في سؤال السائلين، فدل النّصب على أنّهم مصدّقون بأنّ القرآن منزل من عند الله، وهذا وجه المخالفة بين الرفع في جواب المشركين حين قيل لهم: {أية : ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} تفسير : [سورة النحل: 24] بالرّفع وبين النصب في كلام المؤمنين حين قيل لهم {ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً} بالنّصب. وقد تقدم ذلك آنفاً عند قوله تعالى: {قالوا أساطير الأولين}. مستأنفة ابتدائية، وهي كلامٌ من الله تعالى مثل نظيرها في آية {أية : قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة} تفسير : في سورة الزمر (10)، وليست من حكاية قول الذين اتّقوا. والّذين أحسنوا: هم المتقون فهو من الإظهار في مقام الإضمار توصّلا بالإتيان بالموصول إلى الإيماء إلى وجه بناء الخبر، أي جزاؤهم حسنة لأنهم أحسنوا. وقوله تعالى: {فِي هَذِهِ الدُّنْيَا جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ} يجوز أن يتعلق بفعل {أحسنوا}. ويجوز أن يكون ظرفاً مستقرّاً حالاً من {حسنة}. وانظر ما يأتي في نظر هذه الآية من سورة الزمر من نكتة هذا التوسيط. ومعنى {ولدار الآخرة خير} أنّها خير لهم من الدّنيا فإذا كانت لهم في الدنيا حسنة فلهم في الآخرة أحسن، فكما كان للّذين كفروا عذاب الدّنيا وعذاب جهنّم كان للّذين اتّقوا خيرُ الدّنيا وخير الآخرة. فهذا مقابل قوله تعالى في حقّ المشركين {أية : ليحملوا أوزارهم كاملة} تفسير : [سورة النحل: 25] وقوله تعالى: {أية : وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} تفسير : [سورة النحل: 26]. وحسنة الدّنيا هي الحياة الطيّبة وما فتح الله لهم من زهرة الدنيا مع نعمة الإيمان. وخير الآخرة هو النّعيم الدّائم، قال تعالى: {أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيّبة ولنجزيّنهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} تفسير : [سورة النحل: 97]. وقوله تعالى: {ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها} مقابل قوله تعالى في ضدّهم {أية : فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين} تفسير : [سورة النحل: 29]. وقد تقدّم آنفاً وجه تسمية جهنّم مثوى والجنّة داراً. و(نِعم) فعل مدح غير متصرّف، ومرفوعُهُ فاعل دالّ على جنس الممدوح، ويذكر بعده مرفوع آخر يسمّى المخصوص بالمدح، وهو مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر محذوفُ المبتدإ. فإذا تقدّم ما يدلّ على المخصوص بالمدح لم يذكر بعد ذلك كما هنا، فإنّ تقدم {ولدار الآخرة} دلّ على أنّ المخصوص بالمدح هو دار الآخرة. والمعنى: ولنعم دار المتّقين دار الآخرة. وارتفع {جنات عدن} على أنّه خبر لمبتدإ محذوف مما حذف فيه المسند إليه جرياً على الاستعمال في مسند إليه جرى كلام عليْه من قبلُ، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} تفسير : [سورة النحل: 28]. والتقدير: هي جنات عدن، أي دار المتّقين جنات عدن. وجملة {يدخلونها} حال من {المتقين}. والمقصود من ذكره استحضار تلك الحالة البديعة حالة دخولهم لدار الخير والحسنى والجنّات. وجملة {لهم فيها ما يشاءون} حال من ضمير الرفع في {يدخلونها}. ومضمونها مكمل لما في جملة {يدخلونها} من استحضار الحالة البديعة. وجملة {كذلك يجزي الله المتقين} مستأنفة، والإتيان باسم الإشارة لتمييز الجزاء والتّنويه به. وجعل الجزاء لتمييزه وكماله بحيث يشبّه به جزاءُ المتّقين. والتّقدير: يجزي الله المتّقين جزاء كذلك الجزاء الذي علمتموه. وهو تذييل لأنّ التعريف في {المتقين} للعموم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المتقين إذا سئلوا عما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم قالوا: أنزل عليه خيراً. أي رحمة وهدى وبركة لمن اتبعه وآمن به. ويفهم من صفة أهل هذا الجواب بكونهم متقين - أن غير المتقين يجيبون جواباً غير هذا. وقد صرح تعالى بهذا المفهوم في قوله عن غير المتقين وهم الكفار: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [النحل: 24] كما تقدم. قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أحسن عمله في هذه الدار التي هي الدنيا كان له عند الله الجزاء الحسن في الآخرة. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة. كقوله: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ} تفسير : [يونس: 26] الآية. والحسنى: الجنة. والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم. وقوله: {أية : وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى}تفسير : [النجم: 31]، وقوله: {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ}تفسير : [الرحمن: 60]. وقوله: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} تفسير : [النمل: 89]، وقوله في هذه الآية {حسنة} أي مجازاة حسنة بالجنة ونعيمها. والآيات في مثل ذلك كثيرة. قوله تعالى: {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن دار الآخرة خير من دار الدنيا. وكرر هذا المعنى في مواضع كثيرة، كقوله: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ}تفسير : [القصص: 80] الآية. وقوله: {أية : وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} تفسير : [آل عمران: 198]، وقوله: {أية : بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} تفسير : [الأعلى: 16-17]، وقوله {أية : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ}تفسير : [الضحى: 4]، وقوله: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران: 14-15] الآية. وقوله {خير} صيغة تفضيل، حذفت همزتها لكثرة الاستعمال تخفيفاً. وإليه أشار ابن مالك في الكافية بقوله: شعر : وغالباً أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر تفسير : وإنما قيل لتلك الدار: الدار الآخرة. لأنها هي آخر المنازل، فلا انتقال عنها ألبتة إلى دار أخرى. والإنسان قبل الوصول إليها ينتقل من محل إلى محل. فأول ابتدائه من التراب، ثم انتقل من أصل التراب إلى أصل النطفة، ثم إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم إلى العظام، ثم كسا الله العظام لحماً، وأنشأها خلقاً آخر، وأخرجه للعالم في هذه الدار، ثم ينتقل إلى القبر، ثم إلى المحشر، ثم يتفرقون {أية : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً} تفسير : [الزلزلة: 6] فسالك ذات اليمين إلى الجنة، وسالك ذات الشمال إلى النار {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ}تفسير : [الروم: 14-16]. فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار - فعند ذلك تلقى عصا التسيار، ويذبح الموت، ويقال: يأهل الجنة خلود فلا موت! ويأهل النار خلود فلا موت! ويبقى ذلك دائماً لا انقطاع له ولا تحول عنه إلى محل آخر. فهذا معنى وصفها بالآخرة. كما أوضحه جل وعلا بقوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}تفسير : [المؤمنون: 12-16]. تنبيه أضاف جل وعلا في هذه الآية الكريمة الدار إلى الآخرة، مع أن الدار هي الآخرة بدليل قوله:{وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ} الآية، بتعريف الدار ونعتها بالآخرة في غير هذا الموضع. وعلى مقتضى قول ابن مالك في الخلاصة: شعر : ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى وأول موهما إذا ورد تفسير : فإن لفظ "الدار" يؤول بمسمى الآخرة. وقد بينا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة "فاطر" في الكلام على قوله "ومكر السيء" أن الذي يظهر لنا أن إضافة الشيء إلى نفسه بلفظين مختلفين - أسلوب من أساليب اللغة العربية. لتنزيل التغاير في اللفظ منزلة التغاير في المعنى. وبينا كثرته في القرآن، وفي كلام العرب. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ}. مدح الله جل وعلا دار المتقين التي هي الجنة في هذه الآية الكريمة. لأن "نعم" فعل جامد لإنشاء المدح. وكرر الثناء عليها في آيات كثيرة. لأن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. كما قال تعالى:{أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}تفسير : [السجدة: 17] الآية، وقال: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً} تفسير : [الإنسان: 20]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً.
القطان
تفسير : ينظرون: ينظرون. أمر بك: حكم ربك فيهم. حاق بهم: أحطا بهم. بعد ان بين الله أحوالَ المكذبين وما ينالهم في الدنيا والآخرة، وذكر هنا وصف المؤمنين وثقتَهم بالله ورسوله، وما أعدّ لهم من الخير والسعادة في جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ جزاء ايمانهم واحسانهم. {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ}. وقيل للذين آمنوا بالله واتقوا: ما الذي أنزلَه ربُّكم على رسوله؟ قالوا: أَنزل عليه القرآن فيه خيرُ الدنيا والآخرة للناس جميعا، فكانوا بذلك من المحسنين. والله تعالى وعد بان يكافئ المحسنين بحياة طيبة، وفي الآخرة لهم الجنةُ بما أحسنوا. {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ}. لنِعم الدارُ التي يقيم فيها المتقون، جناتُ عدْنٍ تجري من تحت قصورها واشجارها الانهار، ولهم فيها ما يريدون من النعيم. ومثل هذا الجزاء الأوفى يجزي الله الذين اتقوه. وفي هذا حثٌّ للمؤمنين على الاستمرار على التقوى، ولغيرِهم على تحصيلها. {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. هؤلاء المتقون تقبض الملائكة أرواحَهم طيبين، طاهرين من دَنس الشِرك والمعاصي، وتستقبلهم الملائكة بقولهم: سلام عليكم، ادخلوا الجنةَ بما قدّمتم من أعمال صالحة في دنياكم ولن يصيبكم بعدَ اليوم مكروه. أخرج ابن جرير والبيهقي عن محمد بن القرظي قال: "حديث : إذا اشرفَ المؤمن على الموت جاءه ملَك فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، وبشّره بالجنة ". تفسير : ثم يعود الكلام عن المشركين من قريش: ماذا ينتظرون، بعد عنادهم وكفرهم وتكذيبهم للرسول الكريم عليه صلواتُ الله وسلامه؟ وجزاءُ كفرهم وتكبّرهم النارُ وبئس القرار. {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. ماذا ينتظر كفار مكة الذين قالوا ان القرآن أساطيرُ الأولين غير ان تأتيَهم الملائكة لتبقضَ اوراحهم، او يأتي أمر الله بالعذاب المهلك. وهم ليسوا بأول من كذّب الرسل، فقد فعل مثلَهم الذين من قبلهم من الأمم وحلّ بهم العذاب، وما ظَلَمهم اللهُ في ذلك، فقد انذَرهم بواسطة الرسل، وإنزاله الكتب، ولكنْ ظلموا أنفسَهم بمخالفة الرسل وتكذيبهم ما جاؤا به. ثم اعقب الله ذلك بذكر ما ترتب على اعمالهم فقال: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}. لهذا نزلت بهم عقوبةٌ من الله جزاءَ ما عملوا من سيئات، وأحطا بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلآخِرَةِ} (30) - وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنِ المُؤْمِنِينَ السُّعَدَاءِ، فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ عَلَى رَسُولِهِ؟ قَالُوا: أَنْزَلَ القُرْآنَ، فِيهِ خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ، وَبَرَكَةٌ لِمَنِ اتَّبَعَهُ، وَآمَنَ بِهِ. ثُمَّ يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَمَّا وَعَدَ بِهِ عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ فَيمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ: مَنْ أَحْسَنَ عَمَلَهُ فِي الدُّنْيَا، فَآمَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَأَمَرَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ المُنْكَرِ.. أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْهِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ. وَإِنَّ دَارَ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنيا الفَانِيَةِ، وَالجَزَاءُ فِيهَا أَتَمُّ مِنَ الجَزَاءِ فِي الدُّنْيَا، وَنَعِمَتْ دَارُ الآخِرَةِ دَاراً لِلْمُتَّقِينَ.
الثعلبي
تفسير : {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} وذلك أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاء سأل الذين قعدوا على الطرق عنه، فيقولون: شاعر وساحر وكاهن وكاذب ومجنون [ويفرّق الأخوان] ويقولون: إنه لو لم تلقه خير لك، فيقول السائل: أنا شرّ داخل إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل مكة وأستطلع أمر محمّد أو ألقاه، فيدخل مكة فيرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث، فذلك قوله تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً}. فإن قيل: لِمَ ارتفع جواب المشركين في قولهم {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} وانتصب في قوله {خَيْراً}. فالجواب: أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل فلما سئلوا قالوا: {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} يعني الذي يقوله محمد صلى الله عليه وسلم أساطير الأولين، والمؤمنين إنما كانوا مقرّين بالتنزيل، فإذا قيل لهم: {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً} يعنون أنزل خيراً. ثمّ ابتدأ فقال: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ} كرامة من الله، {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ} ثمّ فسرّها فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} بدل عن النار، فلذلك ارتفع {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ} مؤمنين. مجاهد: زاكية أعمالهم وأقوالهم. {يَقُولُونَ} يعني في الآية {سَلامٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. قال القرظي: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال: السلام عليك وليّ الله، الله يقرأ عليك السلام ويبشرك بالجنة. {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ} يقبضون أرواحهم. {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} يعني يوم القيامة، وقيل: العذاب {كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ} بتعذيبه إياهم {وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} عقوبات كفرهم وأعمالهم الخبيثة. {وَحَاقَ} نزل {بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقد سبق أنْ تحدثنا عن قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [النحل: 24]. فهذه مشاهدة ولقطات تُبيّن الموقف الذي انتهى بأنْ أقروا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين. وهذه الآياتُ نزلتْ في جماعة كانوا داخلين مكة .. وعلى أبوابها التي يأتي منها أهل البوادي، وقد قسَّم الكافرون أنفسهم على مداخل مكة ليصدوا الداخلين إليها عن سماع خبر أهل الإيمان بالنبي الجديد. وكان أهل الإيمان من المسلمين يتحيَّنون الفرصة ويخرجون على مشارف مكة بحجة رَعْي الغنم مثلاً ليقابلوا هؤلاء السائلين ليخبروهم خبر النبي صلى الله عليه وسلم وخبر دعوته. مما يدلُّ على أن الذي يسأل عن شيء لا يكتفي بأول عابر يسأله، بل يُجدِّد السؤال ليقف على المتناقضات .. فحين سألوا الكافرين قالوا: {أية : قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [النحل: 24]. فلم يكتفوا بذلك، بل سألوا أهل الإيمان فكان جوابهم: {قَالُواْ خَيْراً ..} [النحل: 30]. هذا لنفهم أن الإنسانَ إذا صادف شيئاً له وجهتان متضادتان فلا يكتفي بوجهة واحدة، بل يجب أن يستمع للثانية، ثم بعد ذلك للعقل أن يختار بين البدائل. إذن: حينما سأل الداخلون مكة أهل الكفر: {أية : مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [النحل: 24]. وحينما سألوا أهلَ الإيمان والتقوى: {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً ..} [النحل: 30]. ونلاحظ هنا في {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} [النحل: 30]. أن الحق سبحانه لم يوضح لنا مَنْ هم، ولم يُبيّن هُويَّتهم، وهذا يدلُّنا على أنهم كانوا غير قادرين على المواجهة، ويُدارون أنفسهم لأنهم ما زالوا ضِعَافاً لا يقدرون على المواجهة. وقد تكرر هذا الموقف - موقف السؤال إلى أنْ تصل إلى الوجهة الصواب - حينما عَتَب الحق تبارك وتعالى على نبي من أنبيائه هو سيدنا داود - عليه السلام - في قوله تعالى: {أية : وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ} تفسير : [ص: 21-23]. فماذا قال داود عليه السلام؟ {أية : قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ..} تفسير : [ص: 24]. وواضحٌ في حكم داود عليه السلام تأثُّره بقوله (له تسع وتسعون) ولنفرض أنه لم يكُنْ عنده شيء، ألم يظلم أخاه بأخْذ نعجته؟! إذن: تأثر داود بدعوى الخصم، وأدخل فيه حيثية أخرى، وهذا خطأ إجرائي في عَرْض القضية؛ لأن (تسع وتسعون) هذه لا دَخْل لها في القضية .. بل هي لاستمالة القاضي وللتأثير على عواطفه ومنافذه، ولبيان أن الخَصْم غني ومع ذلك فهو طماع ظالم. وسرعان ما اكتشف داود - عليه السلام - خطأه في هذه الحكومة، وأنها كانت فتنة واختباراً من الله: {أية : وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ..} تفسير : [ص: 24]. أي: اختبرناه كي نُعلِّمه الدرس تطبيقاً .. أيحكم بالحق ويُراعي جميع نواحي القضية أم لا؟ وانظر هنا إلى فطنة النبوة، فسرعان ما عرف داود ما وقع فيه واعترف به، واستغفر ربّه وخَرَّ له راكعاً مُنيباً. قال تعالى: {أية : فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} تفسير : [ص: 24]. إذن: الشاهد هنا أنه كان على داود - عليه السلام - أن يستمع إلى الجانب الآخر والطرف الثاني في الخصومة قبل الحكم فيها. وقوله تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً ..} [النحل: 30]. ما هو الخير؟ الخير كُلُّ ما تستطيبه النفس بكل مَلكَاتها .. لكن الاستطابة قد تكون موقوتة بزمن، ثم تُورِث حَسْرة وندامة .. إذن: هذا ليس خيراً؛ لأنه لا خيرَ في خير بعده النارُ، وكذلك لا شَرَّ في شر بعده الجنة. إذن: يجب أن نعرف أن الخير يظل خُيْراً دائماً في الدنيا، وكذلك في الآخرة، فلو أخذنا مثلاً متعاطي المخدرات نجده يأخذ متعة وقتية ونشوة زائفة سرعان ما تزول، ثم سرعان ما ينقلب هذا الخير في نظره إلى شر عاجل في الدنيا وآجل في الآخرة. إذن: انظر إلى عمر الخير في نفسك وكيفيته وعاقبته .. وهذا هو الخير في قوله تعالى: {قَالُواْ خَيْراً ..} [النحل: 30]. إذن: هو خير تستطيبه النفس، ويظل خيراً في الدنيا، ويترتب عليه خير في الآخرة، أو هو موصول بخير الآخرة .. ثم فسَّره الحق تبارك وتعالى في قوله سبحانه: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ ..} [النحل: 30]. ونفهم من هذه الآية أنه على المؤمن ألاَّ يترك الدنيا وأسبابها، فربما أخذها منك الكافر وتغلَّب عليك بها، أو يفتنك في دينك بسببها، فمَنْ يعبد الله أَوْلى بسرِّه في الوجود، وأسرارُ الله في الوجود هي للمؤمنين، ولا ينبغي لهم أن يتركوا الأخذ بأسباب الدنيا للكافرين. اجتهد أنت أيها المؤمن في أسباب الدنيا حتى تأمنَ الفتنة من الكافرين في دُنْياك .. ولا يَخْفى ما نحن فيه الآن من حاجتنا لغيرنا، مما أعطاهم الفرصة ليسيطروا على سياساتنا ومقدراتنا. لذلك يقول سبحانه: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ ..} [النحل: 30]. أي: يأخذون حسناتهم، وتكون لهم اليَدُ العليا بما اجتهدوا، وبما عَمِلوا في دنياهم، وبذلك ينفع الإنسانُ نفسه وينفع غيره، وكلما اتسعت دائرة النفع منك للناس كانت يدك هي العليا، وكان ثوابك وخَيْرك موصولاً بخير الآخرة. لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة ". تفسير : ومن هذه الآية أيضاً يتضح لنا جانب آخر، هو ثمرة من ثمرات الإحسان في الدنيا وهي الأمن .. فمَنْ عاش في الدنيا مستقيماً لم يقترف ما يُعَاقب عليه تجدْه آمناً مطمئناً، حتى إذا داهمه شر أو مكروه تجده آمنا لا يخاف، لأنه لم يرتكب شيئاً يدعو للخوف. خُذْ مثلاً اللص تراه دائماً مُتوجِّساً خائفاً، تدور عَيْنه يميناً وشمالاً، فإذا رأى شرطياً هلع وترقَّب وراح يقول في نفسه: لعله يقصدني .. أما المستقيم فهو آمن مطمئن. ومن ثمرات هذا الإحسان وهذه الاستقامة في الدنيا أن يعيش الإنسان على قَدْر إمكاناته ولا يُرهق نفسه بما لا يقدر عليه، وقديماً قالوا لأحدهم: قد غلا اللحم، فقال: أَرْخِصوه، قالوا: وكيف لنا ذلك؟ قال: ازهدوا فيه. وقد نظم ذلك الشاعرُ فقال: شعر : وَإِذَا غَـــلاَ شَيءٌ عَلَيَّ تركْتُه فيكونُ أرخصَ ما يكونُ إِذَا غَلاَ تفسير : ولا تَقُلْ: النفس توَّاقة إليه راغبة فيه، فهي كما قال الشاعر: شعر : وَالنفْسُ رَاغِبةٌ إِذَا رغَّبْتَها وَإِذَا تُرَدّ إلى قَلِيل تَقْنَعُ تفسير : وفي حياتنا العملية، قد يعود الإنسان من عمله ولمَّا ينضج الطعام، ولم تُعَد المائدة وهو جائع، فيأكل أيَّ شيء موجود وتنتهي المشكلة، ويقوم هذا محل هذا، وتقنعُ النفسُ بما نالتْه. ولكي يعيش الإنسان على قَدْر إمكاناته لا بُدَّ له أنْ يوازن بين دَخْله ونفقاته، فمَنْ كان عنده عُسْر في دَخْله، أو ضاقت عليه منافذ الرزق لا بُدَّ له من عُسْر في مصروفه، ولا بُدَّ له أنْ يُضيِّق على النفس شهواتها، وبذلك يعيش مستوراً ميسوراً، راضي النفس، قرير العين. والبعض في مثل هذه المواقف يلجأ إلى الاستقراض للإنفاق على شهوات نفسه، وربما اقترض ما يتمتع به شهراً، ويعيش في ذلة دَهْراً؛ لذا من الحكمة إذن قبل أن تسأل الناس القرض سَلْ نفسك أولاً، واطلب منها أن تصبر عليك، وأن تُنظرك إلى ساعة اليُسْر، ولا تُلجئك إلى مذلَّة السؤال .. وقبل أن تلوم مَنْ منعك لُمْ نفسك التي تأبَّتْ عليك أولاً. وما أبدع شاعِرنا الذي صاغ هذه القيم في قوله: شعر : إذَا رُمْتَ أنْ تستقرضَ المالَ مُنفِقاً على شَهَواتِ النفسِ فِي زَمَنِ العُسْر فَسَلْ نفسَكَ الإنفاقَ من كَنْز صَبْرِها عليْكَ وإنظاراً إلى سَاعةِ اليُسْرِ فَإِنْ فعلْتَ كنتَ الغني، وإنْ أبَتْ فكُل مَنُوع بعدها وَاسِعُ العُذْر تفسير : ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ ..} [النحل: 30]. والخير في الآخرة من الله، والنعيم فيها على قَدْر المنعِم تبارك وتعالى، دون تعب ولا كَدٍّ ولا عمل. ومعلوم أن كلمة: {قَالُواْ خَيْراً ..} [النحل: 30]. التي فسَّرها الحق تبارك وتعالى بقوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ ..} [النحل: 30]. تقابلها كلمة "شر"، هذا الشر هو ما جاء في قول الكافرين: {أية : مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [النحل: 24]. فهؤلاء قالوا خيراً، وأولئك قالوا شراً. ولكن إذا قيل: ذلك خير من ذلك، فقد توفر الخير في الاثنين، إلا أن أحدهما زاد في الخيرية عن الآخر، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ". تفسير : لذلك لما قال: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ ..} [النحل: 30]. قال: {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ ..} [النحل: 30]. أي: خير من حسنة الدنيا، فحسنة الدنيا خير، وأخير منها حسنة الآخرة. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ} [النحل: 30]. أي: دار الآخرة. ثم أراد الحق تبارك وتعالى أن يعطينا صورة موجزة عن دار المتقين كأنها برقية، فقال سبحانه: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما أخبر تعالى عن حال الأشقياء الذين كفروا نعمة الله، وطعنوا في القرآن فزعموا أنه أساطير الأولين، وبيَّن ما يكونون عليه في الآخرة من الفضيحة والذل والهوان، ذكر هنا ما أعده للمتقين من وجوه التكريم في دار النعيم، ليظهر الفارق بين حال أهل السعادة وحال أهل الشقاوة، وبين الأبرار والفجار على طريقة القرأن في المقارنة بين الفريقين. اللغَة: {ٱلزُّبُرِ} الكتب السماوية جمع زبُور من زبرت الكتاب إِذا كتبته {يَخْسِفَ} خسَف المكانُ خسوفاً إِذا ذهب وغاب في الأرض {يَتَفَيَّؤُاْ} يميل من جانب إِلى جانب ومنه قيل للظل فيءٌ لأنه يفيء أي يرجع من جهة إِلى أخرى {دَاخِرُونَ} صاغرون ذليلون، والدخور الصغار والذل قال ذو الرمَّة: شعر : فلم يبْقَ إِلا داخِرٌ في مُخَيَّس ومنجَحِرٌ في غيرِ أرضكَ في جُحْر تفسير : التفسِير: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} أي قيل للفريق الثاني وهم أهل التقوى والإِيمان {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً} أي ماذا أنزل ربكم على رسوله؟ قالوا أنزل خيراً قال المفسرون: هذا كان في أيام الموسم يأتي الرجل مكة فيسأل المشركين عن محمد وأمره فيقولون: إِنه ساحر وكاهن وكذاب، فيأتي المؤمنين ويسألهم عن محمد وعن ما أنزل الله عليه فيقولون: أنزل الله عليه الخير والهدى والقرآن، قال تعالى بياناً لجزائهم الكريم {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ} أي لهؤلاء المحسنين مكافأة في الدنيا بإِحسانهم {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ} أي وما ينالونه في الآخرة من ثواب الجنة خيرٌ وأعظم من دار الدنيا لفنائها وبقاء الآخرة {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ} أي ولنعم دار المتقين دار الآخرة وهي {جَنَّاتُ عَدْنٍ} أي جناتُ إِقامة {يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي يدخلون تلك الجنان التي تجري من بين أشجارها وقصورها الأنهار {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ} أي لهم في تلك الجنات ما يشتهون بدون كدٍّ ولا تعب، ولا انقطاعٍ ولا نَصب {كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ} أي مثل هذا الجزاء الكريم يجزي الله عباده المتقين لمحارمه، المتمسكين بأوامره {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ} أي هم الذين تقبض الملائكةُ أرواحهم حال كونهم أبراراً، قد تطهروا من دنس الشرك والمعاصي، طيبةً نفوسهم بلقاء الله {يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ} أي تسلم عليهم الملائكة وتبشرهم بالجنة قال ابن عباس: الملائكة يأتونهم بالسلام من قِبل الله، ويخبرونهم أنهم من أصحاب اليمين {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي هنيئاً لكم الجنة بما قدمتم في الدنيا من صالح الأعمال {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} عاد الكلام إِلى تقريع المشركين وتوبيخهم على تماديهم في الباطل واغترارهم بالدنيا والمعنى ما ينتظر هؤلاء إِلا أحد أمرين: إِما نزول الموت بهم، أو حلول العذاب العاجل، أو ليس في مصير المكذبين قبلهم عبرةٌ وغناء؟ {كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي كذلك صنع من قبلهم من المجرمين حتى حلَّ بهم العذاب {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي ما ظلمهم الله بتعذيبهم وإِهلاكهم ولكنْ ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} أي أصابهم عقوبات كفرهم وجزاء أعمالهم الخبيثة {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي أحاط ونزل بهم جزاء استهزائهم وهو العذاب الأليم في دركات الجحيم {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} أي قال أهل الكفر والإِشراك وهم كفار قريش {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} أي لو شاء الله ما عبدنا الأصنام لا نحن ولا آباؤنا، ولا حرمنا ما حرمنا من البحائر والسوائب وغيرها، قالوا هذا على سبيل الاستهزاء لا على سبيل الاعتقاد، وغرضُهم أن إِشراكهم وتحريمهم لبعض الذبائح والأطعمة واقع بمشيئة الله، فهو راضٍ به وهو حقٌّ وصواب {كَذٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي مثل هذا التكذيب والاستهزاء فعل من قبلهم من المجرمين، واحتجوا مثل احتجاجهم الباطل، وتناسوا كسبهم لكفرهم ومعاصيهم، وأن كل ذلك كان بمحض اختيارهم بعد أن أنذرتهم رسلهم عذاب النار وغضب الجبار {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ} أي ليس على الرسل إِلا التبليغ، وأمَّا أمر الهداية والإِيمان فهو إِلى الله جلَّ وعلا {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ} أي أرسلنا الرسل إِلى جميع الخلق بأن اعبدوا الله ووحّدوه، واتركوا كل معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم، وكل من دعا إِلى الضلال {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ} أي فمنهم من أرشده الله إِلى عبادته ودينه فآمن {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ} أي ومنهم من وجبت له الشقاوة والضلالة فكفر، أعْلمَ تعالى أنه أرسل الرسل لتبليغ الناس دعوة الله فمنهم من استجاب فهداه الله، ومنهم من كفر فأضلَّه الله {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} أي سيروا يا معشر قريش في أكناف الأرض ثم انظروا ماذا حلَّ بالأمم المكذبين لعلكم تعتبرون! {إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أي إِن تحرص يا محمد على هداية هؤلاء الكفار فاعلم أنه تعالى لا يخلق الهداية جبراً وقسراً فيمن يخلق فيه الضلالة بسوء اختياره {مَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} أي ليس لهم من ينقذهم من عذابه تعالى {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} أي حلف المشركون جاهدين في أيمانهم مبالغين في تغليظ اليمين بأن الله لا يبعث من يموت، استبعدوا البعث ورأوه أمراً عسيراً بعد البِلى وتفرق الأشلاء والذرات، قال تعالى رداً عليهم {بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً} أي بلى ليبعثنَّهم، وعد بذلك وعداً قاطعاً لا بدَّ منه {وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون قدرة الله فينكرون البعث والنشور {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} أي سيبعثهم ليكشف ضلالهم في إنكارهم البعث، وليظهر لهم الحق فيما اختلفوا فيه، وليحقق العدل وهو التمييز بين المطيع والعاصي، وبين المحق والمبطل، وبين الظالم والمظلوم {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ} أي وليعلم الجاحدون للبعث، والمكذبون لوعد الله الحق أنهم كانوا كاذبين فيما يقولون {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} أي لا يحتاج الأمر إلى كبير جهد وعناء فإِنا نقول للشيء كنْ فيكون قال المفسرون: هذا تقريبٌ للأذهان، والحقيقةُ أنه تعالى لو أراد شيئاً لكان بغير احتياج إِلى لفظ {كُنْ} {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} أي تركوا الأوطان والأهل والقرابة في شأن الله وابتغاء رضوانه من بعد ما عُذِّبُوا في الله قال القرطبي: هم صهيب وبلال وخبّاب وعمّار، عذّبهم أهل مكة حتى قالوا لهم ما أرادوا، فلما خلّوهم هاجروا إِلى المدينة {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} أي لنسكننهم داراً حسنة خيراً مما فقدوا قال ابن عباس: بوأهم الله المدينة فجعلها لهم دار هجرة {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي ثواب الآخر أعظم وأشرف وأكبر لو كان الناس يعلمون {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي هم الذين صبروا على الشدائد والمكاره، فهجروا الأوطان، وفارقوا الإِخوان، واعتمدوا على الله وحده يبتغون أجره ومثوبته {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} أي وما أرسلنا من قبلك يا محمد إِلى الأمم الماضية إِلا بشراً نوحي إِليهم كما أوحينا إِليك قال المفسرون: أنكر مشركو قريش نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً، فهلاَّ بعث إِلينا ملكاً فنزلت {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} أي اسألوا يا معشر قريش العلماء بالتوراة والإِنجيل يخبرونكم أن جميع الأنبياء كانوا بشراً إِن كنتم لا تعلمون ذلك {بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ} أي أرسلناهم بالحجج والبراهين الساطعة الدالة على صدقهم وبالزُبر أي الكتب المقدسة {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ} أي القرآن المذكّر الموقظ للقلوب الغافلة {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} أي لتعرّف الناس الأحكام، والحلال والحرام {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي ولعلهم يتفكرون في هذا القرآن فيتعظون {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ} أي هل أمن هؤلاء الكفار الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم واحتالوا لقتله في دار الندوة، هل أمنوا أن يخسف الله بهم الأرض كما فعل بقارون؟ {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} أي يأتيهم العذاب بغتةً في حال أمنهم واستقرارهم، من حيث لا يخطر ببالهم ومن جهةٍ لا يعلمون بها {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} أي يهلكهم في أثناء أسفارهم للتجارة واشتغالهم بالبيع والشراء فإِنهم على أي حال لا يعجزون الله {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} أي يهلكهم الله حال كونهم خائفين مترقبين لنزول العذاب قال ابن كثير: فإِنه يكون أبلغ وأشد فإِن حصول ما يتوقع مع الخوف شديدٌ {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} أي حيث لم يعاجلكم بالعقوبة {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} أي أولم يعتبر هؤلاء الكافرون ويروا آثار قدرة الله وأنه ما من شيء من الجبال والأشجار والأحجار ومن سائر ما خلق الله {يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ} أي تميل ظلالها من جانب إِلى جانب ساجدة للهِ سجود خضوعٍ لمشيئته تعالى وانقياد، لا تخرج عن إِرادته ومشيئته {وَهُمْ دَاخِرُونَ} أي خاضعون صاغرون فكل هذه الأشياء منقادة لقدرة الله وتدبيره فكيف يتعالى ويتكبر على طاعته أولئك الكافرون؟ {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي له تعالى وحده يخضع وينقاد جميع المخلوقات بما فيهم الملائكة فهم لا يستكبرون عن عبادته {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} أي يخافون جلال الله وعظمته، ويمتثلون أوامره على الدوام. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- الإِيجاز بالحذف {قَالُواْ خَيْراً} أي قالوا أنزل خيراً. 2- الإِطناب في قوله {مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ... وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ}. 3- الطباق في {هَدَى ٱللَّهُ ... وحَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ} وفي {لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} وفي {ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ}. 4- صيغة المبالغة في {لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} لأن فعول وفعيل من صيغ المبالغة. 5- ذكر الخاص بعد العام في {يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ... وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} زيادةً في التعظيم والتكريم للملائكة الأطهار. 6- السجع في {يَتَفَكَّرُونَ}، {دَاخِرُونَ}، {يَشْعُرُونَ}. فَائدَة: استنبط بعض العلماء من قوله تعالى {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً} أن النبوة لا تكون إِلا في الرجال، وأما النساء فليس فيهن نبيَّة، وهو استنباط دقيق. تنبيه: قال ابن تيمية في منهاج السنة: "والاحتجاج بالقدر حجةٌ باطلة داحضة، باتفاق كل ذي عقلٍ ودين من جميع العالمين، ولهذا لما قال المشركون {أية : لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} تفسير : [الأنعام: 148] ردَّ الله عليهم بقوله {أية : قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ}تفسير : [الأنعام: 148] والمشركون يعلمون بفطرتهم وعقولهم أن هذه الحجة باطلة، فإِنَّ أحدهم لو ظلم الآخر، أو أراد قتل ولده، أو الزنى بزوجته، أو كان مصراً على الظلم فنهاه الناس عن ذلك فقال: لو شاء الله لم أفعل هذا، لم يقبلوا منه هذه الحجة ولا يقبلها هو من غيره، وإِنما يحتج بها المحتج دفعاً للّوم عن نفسه بلا وجه...".
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} [النحل: 30] أهل الصدق والإرادة الذين {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} تفسير : [الفتح: 26] {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُم} [النحل: 30] أي: على قرب أهل الحق من المواهب {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} [النحل: 30] أي: أثنوا عليهم وصدقوا بما أنزل إليهم من ربهم. ثم أخبر من جزاء أهل الحسنات في الدنيا أنه درجات الجنات في العقبى بقوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ} [النحل: 30] أي: من أحسنوا أعمالهم بالصالحات وأخلاقهم بالحميدات، وأحوالهم بالانقلاب عن الخلق إلى الحق {حَسَنَةٌ} أي: من الله له أن ينزل منازل الواصلين الكاملين في الدنيا {وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ} [النحل: 30] أي: خير لهم حين كشف عنهم غطاء صورة البشرية عند مفارقة الأجسام وارتفاع بقايا حجب نفوسهم فأكرمهم الله وأمنهم وبقوله: {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ} [النحل: 30] يشير إلى أن للأتقياء الواصلين داراً غير دار الدنيا ودار الآخرة وأنهم فيها، كما صرح بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 54-55] فدارهم مقعد الصدق في مقام العندية ونعم الدار بقوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} [النحل: 31] أي: الأتقياء {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [النحل: 31] يشير إلى أن نن الأتقياء من مشيئته الجنة ونعيمها ومن مشيئة العبور على الجنة والخروج إلى مقعد الصدق في مقام العندية {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ} [النحل: 31] أي: ما يختارون من الجنة ومقعد الصدق {كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ} [النحل: 31] كل طائفة منهم على حسب همته ومشيئته. ثم وصف الأتقياء فقال: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ} [النحل: 32] أي: طيبي الأعمال عن دنس الشهوات والمخالفات، وطيبي الأخلاق عن المذمومات الملوثة بالطبيعيات دون الشرعيات، وطيبي الأحوال عن وصمة ملاحظات الكونين لما يتخطى يد الثقلين {يَقُولُونَ} [النحل: 32] الملائكة {سَلامٌ عَلَيْكُمُ} [النحل: 32] أي: يبلّغون إليهم سلام الله، ثم يشير بقوله: {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] إلى أن دخول الجنة للأتقياء جزاء إصلاح أعمالهم، والعبور عليها جزاء إصلاح أخلاقهم، والخروج إلى المقعد الصدق جزاء إصلاح أحوالهم، فكل متقٍ مقام بحسب معاملته مع الله. وبقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ} [النحل: 33] يشير إلى خواص الأتقياء أن مقامهم في الجنة لا يكون لحظوظ النفوس ولا للإقامة فيها، وإنما وقوفهم فيها لانتظار إتيان الملائكة لجواز العبور عليها فإنهم دخلوا بجوارهم فينظرون أن تاتيهم الملائكة {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ } [النحل: 33] أي: جذبات الحق للوصول والخلوة التي لا يسعهم فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج حين بقي عند جبريل في سدرة المنتهى وعبر بالرفرف إلى قرب قاب قوسين، وبقي الرفرف ثمة فكان ينتظر أمر ربه بقوله تعالى: "ادن مني" فجذبه الأمر أنزله مقام أو أدنى، ثم قال: {كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [النحل: 33] من الأنبياء والأولياء انفصلوا عما سوى الله ليتصلوا به اتصالاً بلا انفصال. ثم أخبر عن حال المسرفين الظالمين محرومي هذه المقامات والكرامات، فقال: {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ} [النحل: 33] بجريان الاستعداد الذي أكرم به أولياءه، ثم كلفهم بما كلف به أولياءه {وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 33] باستعمال استعدادهم في غير موضعه وهو صرفه في طلب الدنيا وشهواتها، واستيفاء لذاتها والاستهزاء بالأنبياء والأولياء ودعوتهم ونصحهم {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } [النحل: 34] فازدادوا كفراً ونفاقاً واستهزاء {وَحَاقَ بِهِم} [النحل: 34] أي: بإفساد استعدادهم {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [النحل: 34].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر الله قيل المكذبين بما أنزل الله، ذكر ما قاله المتقون، وأنهم اعترفوا وأقروا بأن ما أنزله الله نعمة عظيمة، وخير عظيم امتن الله به على العباد، فقبلوا تلك النعمة، وتلقوها بالقبول والانقياد، وشكروا الله عليها، فعلموها وعملوا لها { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا } في عبادة الله تعالى، وأحسنوا إلى عباد الله فلهم { فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً } رزق واسع، وعيشه هنية، وطمأنينة قلب، وأمن وسرور. { وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ } من هذه الدار وما فيها من أنواع اللذات والمشتهيات، فإن هذه نعيمها قليل محشو بالآفات منقطع، بخلاف نعيم الآخرة ولهذا قال: { وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ } { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ } أي: مهما تمنته أنفسهم وتعلقت به إرادتهم حصل لهم على أكمل الوجوه وأتمها، فلا يمكن أن يطلبوا نوعا من أنواع النعيم الذي فيه لذة القلوب وسرور الأرواح، إلا وهو حاضر لديهم، ولهذا يعطي الله أهل الجنة كل ما تمنوه عليه، حتى إنه يذكرهم أشياء من النعيم لم تخطر على قلوبهم. فتبارك الذي لا نهاية لكرمه، ولا حد لجوده الذي ليس كمثله شيء في صفات ذاته، وصفات أفعاله وآثار تلك النعوت، وعظمة الملك والملكوت، { كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ } لسخط الله وعذابه بأداء ما أوجبه عليهم من الفروض والواجبات المتعلقة بالقلب والبدن واللسان من حقه وحق عباده، وترك ما نهاهم الله عنه. { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ } مستمرين على تقواهم { طَيِّبِينَ } أي: طاهرين مطهرين من كل نقص ودنس يتطرق إليهم ويخل في إيمانهم، فطابت قلوبهم بمعرفة الله ومحبته وألسنتهم بذكره والثناء عليه، وجوارحهم بطاعته والإقبال عليه، { يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ } أي: التحية الكاملة حاصلة لكم والسلامة من كل آفة. وقد سلمتم من كل ما تكرهون { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من الإيمان بالله والانقياد لأمره، فإن العمل هو السبب والمادة والأصل في دخول الجنة والنجاة من النار، وذلك العمل حصل لهم برحمة الله ومنته عليهم لا بحولهم وقوتهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):