١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ } نعت {تَتَوَفَّٰهُمُ ٱلْمَلَٰئِكَةُ طَيّبِينَ } طاهرين من الكفر {يَقُولُونَ } لهم عند الموت {سَلَٰمٌ عَلَيْكُمُ } ويقال لهم في الآخرة {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {طَيِّبِينَ} صالحين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} قال: أحياء وأمواتاً، قدر الله ذلك لهم. وأخرج ابن مالك وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، وأبو القاسم بن منده في كتاب الأحوال، والبيهقي في شعب الإِيمان، عن محمد بن كعب القرظي قال: إذا استفاقت نفس العبد المؤمن، جاءه الملك فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام. ثم نزع بهذه الآية {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم}.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ} [الآية: 32]. أى: طيبة أبدانهم وأرواحهم بملازمة الخدمة وترك الشهوات. وقال أيضًا: طيبين أى لم يتدنسوا من الدنيا وخبيثها بشىء. وقال أبو حفص: ضياء الأبدان بمواصلة الخدمة. وضياء الأرواح بالاستقامة.
القشيري
تفسير : يقبض أرواحَهم طيبةً. أويقال: {طَيِّبِينَ} حال. والأسباب التي تطيب بها قلوبُهم وأرواحهُم مختلفة، فمنهم مَنْ طاب وقتُه لأنه قد غُفِرَتْ ذنوبُه، وسُتِرتْ عيوبه، ومنهم مَنْ طاب قلبُه لأنه سَلَّمَ عليه محبوبُه، ومنهم من طاب قلبه لأنه لم يَفُتْه مطلوبه. ومنهم من طاب وقته لأنه يعود إلى ثوابه، ويصل إلى حُسْنِ مآبه. ومنهم من يطيب قلبه لأنه أَمِنَ من زوال حالِه، وحظي بسلامة مآله، ومنهم من يطيب قلبُه لأنه وصل إلى أفضاله، وآخر لأنه وصل إلى لطف جماله، وثالث لأنه خُصَّ بكشف جلاله - قد عَلِمَ كلُّ أناسٍ مَشْرَبَهم. ويقال: {تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} طيبةً نفوسهم أي طاهرةً من التدنُّس بالمخالفات، وطاهرةً قلوبهُم عن العلاقات، وأسرارهم عن الالتفات إلى شيء من المخلوقات. قوله تعالى: {سَلامٌ عَلَيْكُمُ} إِحْظَوْا بالجنة، منهم مَنْ يخاطبه بذلك المَلَكَ، ومنهم مَنْ يُكَاشِفه بذلك المَلِكُ.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين تتوفاهم الملائكة} نعت للمتقين اى يقبض ملك الموت واعوانه ارواحهم حال كونهم {طيبين} اى طاهرين عن دنس الظلم لانفسهم بتبديل فطرة الله. وفائدته الايذان بان ملاك الامر فى التقوى هو الطهارة عما ذكر الى وقت توفيهم. ففيه حث للمؤمنين على ذلك ولغيرهم على تحصيله. وقيل طيبين بفبض ارواحهم لتوجه نفوسهم بالكلية الى جناب القدس جعلنا الله واياكم منهم: وفى المثنوى شعر : همجنين باد اجل باعارفان نرم وخوش همجون نسيم يوسفان تفسير : وفى التأويلات النجمية اى طيبى الاعمال عن دنس الشهوات والمخالفات. وطيبى الاخلاق عن المذمومات الملوثة بالطبيعات دون الشرعيات. وطيبى الاحوال عن وصمة ملاحظات الكونين {يقولون} حال من الملائكة اى قائلين لهم على وجه التعظيم والتبشير {سلام عليكم} لا يخيفكم بعد مكروه. قال القرطبى اذا استدعيت نفس المؤمن جاءه ملك الموت فقال السلام عليك يا ولى الله الله يقرئك السلام وبشره بالجنة {ادخلوا الجنة} اى جنات عدن فانها معدة لكم فاللام للعهد والمراد دخولهم لها فى وقته كما قال الكاشفى [بعد ازسلام كويند فردا كه مبعوث شويد در آييد دربهشت كه براى شما آماده است] القبر روضة من رياض الجنة ومقدمة لنعيمها ومن دخله على حسن الحال والاعمال فكأنه دخل جنته ووجد نعيما لا يزول ولا يزال {بما كنتم تعملون} بسبب ثباتكم على التقوى والطاعة والعمل وان لم يكن موجبا للجنة لان الدخول فيها محض فضل من الله الا ان الباء دلت على ان الدرجات انما تنال بالاعمال وصدق الاحوال فان المراد من دخول الجنة انما هو اقتسام المنازل بحسب الاعمال [وكفته اند] زرع يومك حصا غدك شعر : بكوش امروز تاتخمى بباشى كه فردا بر جوى قادر نباشى كر انيجا كشت كردن را نورزى دران خرمن به از ارزن نيرزى تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى ان دخول الجنة للاتقياء جزاء لاصلاح اعمالهم والعبور عليها جزاء لاصلاح اخلاقهم والخروج الى مقعد الصدق جزاء لاصلاح احوالهم فلكل متق مقام بحسب معاملته مع الله تعالى وفى الحديث "حديث : عدن دار الله التى لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلاثة النبيون والصديقون والشهداء يقول الله تعالى طوبى لمن دخلك " تفسير : قال فى بحر العلوم المراد بالصديق كل من آمن بالله ورسله ولم يفرق بين احد منهم بدليل قوله تعالى {أية : والذين آمنوا بالله ورسله اولئك هم الصديقون}تفسير : ويدل عليه ايضا الآية التى نحن فيها كما لا يخفى ويعضده قول النبى عليه السلام "حديث : الله تعالى بنى جنات عدن بيد قدرته وجعل ملاطها المسك وترابها وحصباءها اللؤلؤ لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرس غرسها بيد قدرته وقال لها تكلمى قالت قد افلح المؤمنون فقال طوبى لك منزل الملوك"تفسير : وفى قولها قد افلح المؤمنون تنبيه على ان سكانها اهل الايمان بالله ورسوله انتهى. يقول الفقير لا شك ان اهل الايمان كلهم يدخلون الجنة لكن بحسب تفاوت درجاتهم فى مراتب الإيمان تتفاوت منازلهم الجنانية فالفردوس وعدن للخواص ومن يلحق بهم وغيرهما للعوام وكمال الايمان انما يحصل بمكاشفة اسرار الملكوت ومشاهدة انوار الجبروت وصاحبه الصديق الاكبر والدليل على ما قلنا قوله تعالى {أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا}تفسير : فانهم قد قالوا فى التفسير ان اهلها هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وهو الوصف الزائد على مطلق الايمان ولذا وعدوا بتلك الجنان اذ من كان ارفع مرتبة فى الدنيا بحسب العلوم النافعة والاخلاق الفاضلة كان اعلى درجة فى الجنة.
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} صفة للمتّقين او خبر مبتدء محذوف اومفعول فعل محذوف او مبتدء خبره يقولون او ادخلوا بتقدير القول {طَيِّبِينَ} من المعاصى او من الشّرك {يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ} تحيّة لهم او بمعنى سلامة لكم من كلّ سوء {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} على طريق الولاية.
فرات الكوفي
تفسير : فرات قال: حدّثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن زيد بن علي [عليهما السلام. ر] قال: ينادى مناد [ب: المنادي] يوم القيامة: أين الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم؟ قال: فيقوم [خ: فيقدم. أ، ر: فيقومون] قوم مبياضي [ن: مبياضين] الوجوه فيقال لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن المحبون لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فيقال: لهم: بما أحببتموه؟ فيقولون: يا ربنا بطاعته لك ولرسولك، فيقال لهم: صدقتم، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ} نعت للمتقين أو بدل أو بيان أو مفعول لمحذوف أو خبر لمحذوف {تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ} تعصر أرواحهم وتجمعهم إِلى الجنة كما مر {طَيِّبِينَ} طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصى لأَن هذا مقابل لقوله ظالمى أنفسهم فكأَنه قيل يموتون وهم مسلمون مجتنبون للكفر مؤدون للفرائض وقيل طيبهم كناية عن ذلك كله وعن اجتناب المكروهات وقيل طيبهم فرحهم وسرورهم واطمئنانهم عند الموت بالبشارة بالجنة وتسهيل سكرات الموت أو فرحهم بلقاء الله شوقا إِليه {يَقُولُونَ} أى يقول الملائكة عند الموت حال من الملائكة والرابط الواو أو حال ثانية من الهاء أو حال من المستتر فى طيبين وعليهما فالرابط الضمير المحذوف فإِن التقدير على كل حال يقولون لهم {سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ} هو أو منهم أو من الله سبحانه وتعالى والمعنى لا ترون مكروها ذكر محمد بن كعب القرطبى وغيره أن الملك يأتى المؤمن فى الموت فيقول سلام عليك يا ولى الله الله يقرئك السلام ويبشره بالجنة {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ} بأَبصاركم فإن المؤمن يفتح له باب إِلى الجنة عند موته فيرى منزله كما عند قبره أو بأَرواحكم فإِن أرواح المؤمنين فى أجواف طير خضر ترعى فى الجنة أو المعنى أبشروا بدخولها أو المراد تقريب الدخول الآتى يوم القيامة أو التوفى الحشر للجنة كما مر فيكون هذا وما قبله بعد البعث فيكون الدخول حقيقة بالأَجساد أو يقدر القول أى يقولون لهم يوم القيامة ادخلوا الجنة {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أى بسبب الأَعمال التى وفقكم الله إِليها منا منه وفضلا وليس المراد أن الأَعمال موجبة لدخول الجنة فإِنه لا واجب على الله عندنا معشر الأَباضية والمالكية والشافعية والحنفية والحنبلية ولأَن دخولها يكون بمجرد العلم بل يفضل الله كما ورد فى الحديث "حديث : أنه لا يدخل الجنة أحد بعمله لوانا إِلا بفضل الله ورحمته" تفسير : أى لا يكون متأَهلا للجنة بعمله بل يدخلها من يدخلها بفضل الله ورحمته فلا منافاة بين الآية والحديث ولو أُدخل الجنة أو النار الناس كلهم لكان عدلا وصوابا كذا قيل والذى أقول إِن حكمته اقتضت دخول المطيع الجنة والعاصى النار وزعمت المعتزلة أو بعضهم أن الأَصلح واجب على الله وإِن أعمالهم توجب الثواب ويجوز أن يكون معنى الآية ادخلوا الجنة مقتسمين لها بحب أعمالكم ورد فى بعض الأَخبار أن الله سبحانه يقول ادخلوا الجنة برحمتى واقتسموها بأَعمالكم وإِنه يكون للولى درجات ما بين الدرجتين ما بين السماء والأَرض وإِن العبد ليرفع بصره فيلمع برق يكاد يخطف البصر فيقول ما هذا فيقال نور أخيك فيقول أخى فلان، فيقال نعم فيقول كنا نعمل فى الدنيا جميعا وقد فضل علىَّ هكذا فيقال له كان أحسن منك عملا ثم يجعل فى قلبه الرضى حتى يرضى والمشهور أنه بعد دخول الجنة لا يخطر فى القلب كراهة تفضيل أحد عليه.
اطفيش
تفسير : {الَّذِين تَتَوفَّاهُمُ الْمَلاَئِكة طَيِّبِينَ} خالين عن الكفر والمعاصى، وهو مقابل لقوله: "أية : ظالمى أنفسهم "تفسير : [النحل: 28] فهو كقولك خالين عن ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصى، أو قدره خالين عن ذلك الظلم أَو طيبين بالبشارة بالجنة أَو بالإٍفضاءِ إِلى الحبيب سبحانه وتعالى بالموت وهو نعت للمتقين، وإِن جعل مبتدأَ فخبره قوله: {يَقُولُون} والرابط محذوف أى يقول الملائِكة لهم عند التوفى {سَلاَمٌ عَليْكُمْ} وعند الفراغ من الحساب والتسريح من الموقف {ادخُلُوا الْجنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وإذا لم نجعل الذين مبتدأَ فيقولون حال من الملائِكة، ويجوز أَن يكون القول فى الآخرة فتكون الحال مقدرة لأَن يوم القيامة أَو سؤال القبر لم يحضر وقت التوفى، والسعيد يدخل الجنة بروحه أو إن مات شهيدا، أَو إِلا أخرج له النعم إلى باب الجنة. أو المراد ادخلوا الجنة إذا بعثتم، أَو الموت على السعادة يعد دخولا للجنة بالروح والبدن، روى مالك وابن جرير الطبرى والبيهقى عن محمد بن كعب القرظى: إذا أَشرف العبد المؤمن على الموت جاءَه ملك فقال: السلام عليك يا ولى الله، الله يقرأَ عليك السلام. وبشره بالجنة،والأَظهر أن السلام المذكور فى الآخرة فى المحشر لأَنه أنسب بقوله: {ادخلوا الجنة} إلخ بلا حاجة إلى تقدير قول ولا إلى جعل الحال مقدرة بل يقولون مستأْنف مسلط على ما بعده إلى يعلمون وعليه اقتصر أبو حيان فيكون الحديث فى السلام عند التوفى، والآية فى السلام فى الآخرة من الملائكة مطلقا ومن خزنة الجنة قبل دخول المؤمنين الجنة، ومن السلام فى التوفى قوله تعالى "أية : إن الذين قالوا ربنا الله" تفسير : [فصلت: 30] إلى "أية : وأَبشروا بالجنة التى كنتم توعدون"تفسير : [فصلت: 30] ومن سلام الآخرة قوله تعالى:{أية : سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} تفسير : [الزمر: 73] ويجوز أَن يكون التوفى بالحشر من توفيت الشىءَ أَخذته وافيا، فهم يحشرون من القبور ولا يبقى أحد منهم حشر أَمن وبشارة، كما يؤخذ الطيب ويميز عن الخبيث، والأَمر كما مر، وإِن أُريد الحشر من الموقف إلى الجنة فالحال مقارنة.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} نعت للمتقين وجوز قطعه، وقوله سبحانه: {طَيّبِينَ} حال من ضميرهم، ومعناه على ما روي عن أبـي معاذ طاهرين من دنس الشرك وهو المناسب لجعله في مقابلة {أية : ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [النحل: 28] في وصف الكفرة بناء على أن المراد بالظلم أعظم أنواعه وهو الشرك لكن قيل عليه: إن ذكر الطهارة عن الشرك وحده لا فائدة فيه بعد وصفهم بالتقوى. وأجيب بأن فائدة ذلك الإشارة إلى أن الطهارة عن الشرك هي الأصل الأصيل. وفي "إرشاد العقل السليم" بعد تفسير الظلم بالكفر وتفسير طيبين بطاهرين عن دنس الظلم وجعله حالاً قال: وفائدته الإيذان بأن ملاك الأمر في التقوى هو الطهارة عما ذكر إلى وقت توفيهم، ففيه حث للمؤمنين على الاستمرار على ذلك ولغيرهم على تحصيله. وقال مجاهد: المراد ـ بطيبين ـ زاكية أقوالهم وأفعالهم، وهو مراد من قال: طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي وإلى هذا ذهب الراغب حيث قال: الطيب من الإنسان من تعرى من نجاسة الجهل والفسق وقبائح الأعمال وتحلى بالعلم والإيمان ومحاسن الأعمال وإياهم قصد بقوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ طَيّبِينَ}. وانتصر لذلك بأن وصفهم بأنهم متقون موعودون بالجنة في مقابلة الأعمال يقتضي ما ذكر، وحملوا الظلم فيما مر على ما يعم الكفر والمعاصي لأن ذلك مجاب بقولهم: {أية : مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} تفسير : [النحل: 28] فلا تفوت المناسبة في جعل هذا مقابلاً لذاك لكن في الاستدلال بما ذكر في الجواب على إرادة العام ما لا يخفى، والكثير على تفسير الطيب بالطاهر عن قاذورات الذنوب مطابق الذي لا خبث فيه، وقيل: المعنى فرحين ببشارة الملائكة عليهم السلام إياهم أو بقبض أرواحهم لتوجه نفوسهم بالكلية إلى حضرة القدس، فالمراد بالطيب طيب النفس وطيبها عبارة عن القبول مع انشراح الصدر. {يَقُولُونَ} حال من {الملائكة}، وجوز أن يكون {الذين} مبتدأ خبره هذه الجملة أي قائلين أو قائلون لهم: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ} لا يحيقكم بعد مكروه. قال القرطبـي: وروى نحوه البيهقي عن محمد بن كعب القرظي إذا استدعيت نفس المؤمن جاءه ملك الموت عليه السلام فقال: السلام عليك يا ولي الله إن الله تعالى يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة. {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} التي أعدها الله تعالى لكم ووعدكم إياها وكأنها إنما لم توصف لشهرة أمرها. وفي "إرشاد العقل السليم" اللام للعهد أي {أية : جَنَّـٰتُ عَدْنٍ } تفسير : [النحل: 31] الخ ولذلك جردت عن النعت وهو كما ترى، والمراد دخولهم فيها بعد البعث بناء على أن المتبادر الدخول بالأرواح والأبدان والمقصود من الأمر بذلك قبل مجيء وقته البشارة بالجنة على أتم وجه ويجوز أن يراد الدخول حين التوفي بناء على حمل الدخول على الدخول بالأرواح كما يشير إليه خبر «حديث : القبر روضة من رياض الجنة» تفسير : وكون البشارة بذلك دون البشارة بدخول الجنة على المعنى الأول لا يمنع عن ذلك على أن لقائل أن يقول: إن البشارة بدخول الجنة بالأرواح متضمنة للبشارة بدخولها بالأرواح والأبدان عند وقته؛ وكون هذا القول كسابقه عند قبض الأرواح هو المروي عن ابن مسعود وجماعة/ من المفسرين، وقال مقاتل والحسن: إن ذلك يوم القيامة، والمراد من التوفي وفاة الحشر أعني تسليم أجسادهم وإيصالها إلى موقف الحشر من توفى الشيء إذا أخذه وافياً، وجوز حمل التوفي على المعنى المتعارف مع كون القول يوم القيامة إما بجعل {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } تفسير : [النحل: 28] يقولون مبتدأ وخبراً أو بجعل يقولون حالاً مقدرة من الملائكة {وَٱلَّذِينَ} على حاله أولاً وحال ذلك لا يخفى. {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي بسبب ثباتكم على التقوى والطاعة بالذي كنتم تعملونه من ذلك، والباء للسببية العادية، وهي فيما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لن يدخل الجنة أحدكم بعمله»تفسير : الحديث للسببية الحقيقية فلا تعارض بين الآية والحديث وبعضهم جعل الباء للمقابلة دفعاً للتعارض.
ابن عاشور
تفسير : مقابل قوله في أضدادهم {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم}، فما قيل في مقابله يقال فيه. وقرأ الجمهور {تتوفاهم} بفوقيّتين، مثل نظيره. وقرأه حمزة وخلَف بتحتية أولى كذلك. والطيّب: بزنة فَيْعل، مثل قَيم وميّت، وهو مبالغة في الاتّصاف بالطيب وهو حسن الرائحة. ويطلق على محاسن الأخلاق وكمال النّفس على وجه المجاز المشهور فتوصف به المحسوسات كقوله تعالى: {أية : حلالاً طيباً} تفسير : [سورة البقرة: 168] والمعاني والنفسيات كقوله تعالى: {أية : سلام عليكم طبتم} تفسير : [سورة الزمر: 73]. وقولهم: طبت نفساً. ومنه قوله تعالى: {أية : والبلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربه }تفسير : [سورة الأعراف: 58]. وفي الحديث حديث : إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّباً تفسير : أي مَالاً طيباً حلالاً. فقوله تعالى هنا {طيبين} يجمع كل هذه المعاني، أي تتوفّاهم الملائكة منزّهين من الشرك مطمئنيّ النفوس. وهذا مقابل قوله في أضدادهم {أية : الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} تفسير : [سورة النحل: 28]. وجملة {يقولون سلام عليكم} حال من {الملائكة} وهي حال مقارنة لــــ{تتوفاهم}، أي يتوفّونهم مسلّمين عليهم، وهو سلام تأنيس وإكرام حين مجيئهم ليتوفّوهم، لأن فعل {تتوفاهم} يبتدىء من وقت حلول الملائكة إلى أن تنتزع الأرواح وهي حصّة قصيرة. وقولهم: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} هو مقابل قولهم لأضدادهم {أية : إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم} تفسير : [سورة النحل: 28، 29]. والقول في الأمر بالدخول للجنّة حين التوفّي كالقول في ضدّه المتقدم آنفاً. وهو هنا نعيم المكاشفة.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المتقين الذين كانوا يمتثلون أوامر ربهم، ويجتنبون نواهيه تتوفاهم الملائكة: أي يقبضون أرواحهم في حال كونهم طيبين: أي طاهرين من الشرك والمعاصي - على أصح التفسيرات - ويبشرونهم بالجنة، ويسلمون عليهم. وبين هذا المعنى أيضاً في غير هذا الموضع. كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} تفسير : [فصلت: 30]، وقوله: {أية : وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} تفسير : [الزمر: 73]، وقوله: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} تفسير : [الرعد: 23-24]. والبشارة عند الموت، وعند دخول الجنة من باب واحد. لأنها بشارة بالخير بعد الانتقال إلى الآخرة. ويفهم من صفات هؤلاء الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ويقولون لهم سلام عليكم ادخلوا الجنة - أن الذين لم يتصفوا بالتقوى لم تتوفهم الملائكة على تلك الحال الكريمة، ولم تسلم عليهم، ولم تبشرهم. وقد بين تعالى هذا المفهوم في مواضع أخر. كقوله: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ} تفسير : [النحل: 28] الآية، وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} تفسير : [النساء: 97] - إلى قوله - {أية : وَسَآءَتْ مَصِيراً}تفسير : [النساء: 97]، وقوله: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ}تفسير : [الأنفال: 50] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: {أية : تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [النحل: 28]، وقوله: {تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ} قرأهما عامة القراء غير حمزة "تتوفاهم" بتاءين فوقيتين. وقرأ حمزة "يتوفاهم"بالياء في الموضعين. تنبيه أسند هنا جل وعلا التوفي للملائكة في قوله: {تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ} وأسنده في "السجدة" لملك الموت في قوله: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [السجدة: 11]، وأسنده في "الزمر" إلى نفسه جل وعلا في قوله: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا} تفسير : [الزمر: 42] الآية. وقد بينا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة "السجدة": أنه لا معارضة بين الآيات المذكورة. فإسناده التوفي لنفسه، لأنه لا يموت أحد إلا بمشيئته تعالى، كما قال: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً}تفسير : [آل عمران: 145]، وأسنده لملك الموت، لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وأسنده إلى الملائكة لأن لملك الموت أعواناً من الملائكة ينزعون الروح من الجسد إلى الحلقوم فيأخذها ملك الموت، كما قاله بعض العلماء. والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} طاهرين من الشِّرك. {هل ينظرون إلاَّ أن تأتيهم الملائكة} لقبض أرواحهم {أو يأتي أمر ربك} بالقتل، والمعنى: هل يكون مدَّة إقامتهم على الكفر إلاَّ مقدار حياتهم إلى أن يموتوا أو يُقتلوا {كذلك فعل الذين من قبلهم} وهو التَّكذيب، يعني: كفَّار الأمم الخالية {وما ظلمهم الله} بتعذيبهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} بإقامتهم على الشِّرك. {فأصابهم} هذا مؤخَّر في اللَّفظ، ومعناه التَّقديم، لأنَّ التَّقدير: كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم، الآية، ثمَّ يقول: {وما ظلمهم الله...} الآية. ومعنى: أصابهم {سيئات ما عملوا} أَيْ: جزاؤها {وحاق} أحاط {بهم ما كانوا به يَسْتهزئون} من العذاب. {وقال الذين أشركوا} يعني: أهل مكَّة: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} أَيْ: ما أشركنا، ولكنَّه شاءه لنا {ولا حرَّمنا من دونه من شيء} أَيْ: من السَّائبة والبحيرة، وإنَّما قالوا هذا استهزاءً. قال الله تعالى: {كذلك فعل الذين من قبلهم} أَيْ: من تكذيب الرُّسل، وتحريم ما أحلَّ الله {فهل على الرسل إلاَّ البلاغ المبين} أَيْ: ليس عليهم إلاَّ التَّبليغ، وقد بلَّغتَ يا محمَّدُ، وبلَّغوا، فأمَّا الهداية فهي إلى الله سبحانه وتعالى، وقد حقَّق هذا فيما بعد، وهو قوله: {ولقد بعثنا في كلِّ أمة رسولاً} كما بعثناك في هؤلاء {أن اعبدوا الله} بأن اعبدوا الله {واجتنبوا الطاغوت} الشيطان وكلَّ من يدعو إلى الضلاَّلة {فمنهم مَنْ هدى الله} أرشده {ومنهم مَنْ حقَّت} وجبت {عليه الضلالة} الكفر بالقضاء السابق {فسيروا في الأرض} معتبرين بآثار الأمم المكذِّبة، ثمَّ أكَّد أنَّ مَنْ حقَّت عليه الضَّلالة لا يهتدي، وهو قوله: {إن تحرص على هداهم} أَيْ: تطلبها بجهدك {فإنَّ الله لا يهدي مَنْ يضل} كقوله: {أية : من يُضللِ اللَّهُ فلا هادي له }.
د. أسعد حومد
تفسير : {تَتَوَفَّاهُمُ} {ٱلْمَلاۤئِكَةُ} {ْسَلامٌ} (32) - وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ حَالِ المُؤْمِنِينَ القَائِمِينَ بِجَمِيعِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَالمُنْتَهِينَ عَنْ جَمِيعِ مَا نَهَى عَنْهُ (الطَّيِّبِينَ) حِينَ تَحْضُرُهُمُ المَلاَئِكَةُ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ عِنْدَ احْتِضَارِهِمْ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ طَيِّبُونَ، مُخْلَصُونَ مِنَ الشِّرْكِ وَالدَّنْسِ، وَالسُّوْءِ، وَإِنَّ المَلاَئِكَةَ تُسَلِّمُ عَلَيْهِم، وَتُبَشِّرُهُمْ بِالجَنَّةِ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِرَبِّهِمْ، وَعَلَى أَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ. طَيِّبُونَ - طَاهِرُونَ مِنْ دَنَسِ الشِّرْكِ وَالمَعَاصِي أَوْ يَطِيبُ لِلْمَلاَئِكَةِ قَبْضُ أَرْوَاحِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: المتقون هم الذين تتوفاهم الملائكة طيبين. ومعنى: {تَتَوَفَّاهُمُ ..} [النحل: 32]. أي: تأتي لقبْض أرواحهم، وهنا نَسَب التوفّي إلى جملة الملائكة، كأنهم جنود ملَك الموت الأصيل عزرائيل، وقد سبق أنْ قُلْنا: إن الحق تبارك وتعالى مرةً ينسب التوفّي إلى الملائكة، ومرة ينسبه إلى مَلك الموت: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ..} تفسير : [السجدة: 11]. ومرّة ينسبه إلى نفسه سبحانه: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ..} تفسير : [الزمر: 42]. ذلك لأن الله سبحانه هو الآمر الأعلى، وعزرائيل مَلكُ الموت الأصيل، والملائكة هم جنوده الذين يُنفّذون أوامره. وقوله: {طَيِّبِينَ ..} [النحل: 32]. تقابل الآية السابقة: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ..} تفسير : [النحل: 28]. والطيّب هو الشيء الذي يوجد له خيرٌ دائم لا ينقطع ولا ينقلب خَيْره هذا شراً، وهو الشيء الذي تستريح له النفس راحة تنسجم منها كل مَلكاتها، بشرط أن يكون مستمراً إلى خَيْرٍ منه، ولا يستمر إلى خَيْرٍ منه وأحسن إلا طَيِّب القيم وطَيِّب الدين، أما غير ذلك فهو طيب موقوتٌ سرعان ما يُهجر. ولذلك حينما يدَّعي اثنان المحبة في الله نقول: هذه كلمة تُقال، ومِصْداقها أن ينمو الودُّ بينكما كل يوم عن اليوم الذي قبله؛ لأن الحب للدنيا تشوبه الأطماع والأهواء، فترى الحب ينقص يوماً بعد يوم، حَسْب ما يأخذ أحدهما من الآخر، أما المتحابان في الله فيأخذان من عطاء لا ينفد، هو عطاء الحق تبارك وتعالى، فإنْ رأيت اثنين يزداد وُدّهما فاعلم أنه وُدٌّ لله وفي الله، على خلاف الوُد لأغراض الدنيا فهو وُدٌّ سرعان ما ينقطع. هل هناك أطيب من أنهم طهَّروا أنفسهم من دَنَس الشرك؟ وهل هناك أطيبُ من أنهم أخلصوا عملهم لله، وهل هناك أطيب من أنهم لم يُسْرفوا على أنفسهم في شيء؟ وحَسْب هؤلاء من الطيب أنهم ساعة يأتي مَلَكُ الموت يمرُّ عليهم شريط أعمالهم، ومُلخّص ما قدّموه في الدنيا، فيرْون خَيْراً، فتراهم مُستبشرين فرحين، يبدو ذلك على وجوههم ساعة الاحتضار، فتراه أبيضَ الوجه مُشْرقاً مبتسماً، عليه خاتمة الخير والطيب والسعادة؛ ذلك لما عاينه من طيب عمله، ولما يستبشر به من الجزاء عند الله تبارك وتعالى. وعلى عكس هذه الحالة تماماً نرى أهل الشقاوة، وما هُمْ عليه ساعةَ الغرغرة من سواد الوجه، وسُوء الخاتمة، والعياذ بالله. {يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ..} [النحل: 32]. أي: حينما تتوفّاهم الملائكة يقولون لهم سلام؛ لأنكم خرجتم من الدنيا بسلام، وستُقبِلون على الآخرة بسلام، إذن: سلام الطيبين سلامٌ موصول من الدنيا إلى الآخرة، سلامٌ مُترتّب على سلامة دينكم في الدنيا، وسلامة إقبالكم على الله، دون خوف في الآخرة. وهنا سلام آخر جاء في قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} تفسير : [الزمر: 73]. ثم يأتي السلام الأعلى عليهم من الله تبارك وتعالى؛ لأن كل هذه السلامات لهؤلاء الطيبين مأخوذة من السلام الأعلى: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} تفسير : [يس: 58]. وهل هناك أفضل وأطيب من هذا السلام الذي جاء من الحق تبارك وتعالى مباشرة. وتعجب هنا من سلام أهل الأعراف على المؤمنين الطيبين وهم في الجنة، ونحن نعرف أن أهل الأعراف هم قوم تساوتْ حسناتهم وسيئاتهم فحُجِزا على الأعراف، وهو مكان بين الجنة والنار، والقسمة الطبيعية تقتضي أن للميزان كفتين ذكرهما الحق تبارك وتعالى في قوله: {أية : فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} تفسير : [القارعة: 6-9]. هاتان حالتان للميزان، فأين حالة التساوي بين الكفتين؟ جاءت في قوله تعالى: {أية : وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ ..} تفسير : [الأعراف: 46]. أي: يعرفون أهل الجنة وأهل النار: {أية : وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} تفسير : [الأعراف: 46]. ووجه العجب هنا أن أهل الأعراف في مأزق وشدّة وانشغال بما هم فيه من شدة الموقف، ومع ذلك نراهم يفرحون بأهل الجنة الطيبين، ويُبادرونهم بالسلام. إذن: لأهل الجنة سلامٌ من الملائكة عند الوفاة، وسلام عندما يدخلون الجنة، وسلام أعلى من الله تبارك وتعالى، وسلام حتى من أهل الأعراف المنشغلين بحالهم. {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]. أي: لأنكم دفعتم الثمن؛ والثمن هو عملكم الصالح في الدنيا، واتباعكم لمنهج الحق تبارك وتعالى. وقد يرى البعض تعارضاً بين هذه الآية وبين الحديث الشريف: "حديث : لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". تفسير : والحقيقة أنه لا يوجد تعارضٌ بينهما، ولكن كيف نُوفِّق بين الآية والحديث؟ الله تعالى يُوحي لرسوله صلى الله عليه وسلم الحديث كما يُوحي له الآية، فكلاهما يصدر عن مِشْكاة واحدة ومصدر واحد .. على حَدِّ قوله تعالى: {أية : وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ..} تفسير : [التوبة: 74]. فالحَدثُ هنا واحد، فلم يُغْنِهم الله بما يناسبه والرسول بما يناسبه، بل هو غناء واحد وحَدث واحد، وكذلك ليس ثمة تعارضٌ بين الآية والحديث .. كيف؟ الحق تبارك وتعالى كلَّف الإنسان بعد سِنِّ الرُّشْد والعقل، وأخذ يُوالي عليه النعم منذ صِغَره، وحينما كلَّفه كلَّفه بشيء يعود على الإنسان بالنفع والخير، ولا يعود على الله منه شيء، ثم بعد ذلك يُجازيه على هذا التكليف بالجنة. إذن: التكليف كله لمصلحة العبد في الدنيا والآخرة. إذن: تشريع الجزاء من الله في الآخرة هو مَحْضُ الفضل من الله، ولو أطاع العبدُ رَبّه الطاعة المطلوبة منه في الأفعال الاختيارية التكليفية لما وَفّى نِعَم الله عليه، وبذلك يكون الجزاء في الجنة فَضْلاً من الله ومنَّة. أو: أنهم حينما قالوا: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]. يريدون أن عملهم سبب عاديّ لدخول الجنة، ثم يكتسبونها بفضل الله .. فتجمع الآية بين العمل والفضل معاً؛ لذلك فإن الحق تبارك وتعالى يُقوّي هذا بقوله تعالى: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [يونس: 58]. فهم لم يفرحوا بالعمل لأنه لا يَفِي بما هم فيه من نعمة، بل الفرحة الحقيقية تكون بفضل الله ورحمته، وفي الدعاء: "اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل". وأخيراً .. هل كانوا يعملون هكذا من عند أنفسهم؟ لا .. بل بمنهج وضعه لهم ربّهم تبارك وتعالى .. إذن: بالفضل لا بمجرد العمل .. ومثال ذلك: الوالد عندما يقول لولده: لو اجتهدت هذا العام وتفوقت سأعطيك كذا وكذا .. فإذا تفوَّق الولد كان كل شيء لصالحه: النجاح والهدية. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ} [الآية: 32]. يقول: أَحياءً وأَمواتاً، قدر الله ذلك لهم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا} [الآية: 41]. يقول: ليرزقنهم في الدنيا رزقاً حسناً. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} [الآية: 47]. قال: يأْخذهم بنقص النعم، نقص من عاهدهم من هذا، وهو نمروذ بن كنعان وقومه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):