١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو الشبهة الثانية لمنكري النبوة، فإنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل الله تعالى ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادعاء النبوة فقال تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ } في التصديق بنبوتك إلا أن تأتيهم الملائكة شاهدين بذلك، ويحتمل أن يقال: إن القوم لما طعنوا في القرآن بأن قالوا: إنه أساطير الأولين، وذكر الله تعالى أنواع التهديد والوعيد لهم، ثم أتبعه بذكر الوعد لمن وصف القرآن بكونه خيراً وصدقاً وصواباً، عاد إلى بيان أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن الكفر بسبب البيانات التي ذكرناها، بل كانوا لا ينزجرون عن تلك الأقوال الباطلة إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد وأتاهم أمر ربك وهو عذاب الاستئصال. واعلم أن على كلا التقديرين فقد قال تعالى: {كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي كلام هؤلاء وأفعالهم يشبه كلام الكفار المتقدمين وأفعالهم. ثم قال: {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } والتقدير: كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم الهلاك المعجل وما ظلمهم الله بذلك، فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم بأن كفروا، وكذبوا الرسول فاستوجبوا ما نزل بهم. ثم قال: {فَأَصَابَهُمْ سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } والمراد أصابهم عقاب سيئات ما عملوا {وَحَاقَ بِهِم } أي نزل بهم على وجه أحاط بجوانبهم: {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } أي عقاب استهزائهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ} هذا راجع إلى الكفار، أي ما ينتظرون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم وهم ظالمون لأنفسهم. وقرأ الأعمش وابن وَثّاب وحمزة والكسائيّ وخَلَف «يأتيهم الملائكة» بالياء. والباقون بالتاء على ما تقدّم. {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} أي بالعذاب من القتل كيوم بدر، أو الزلزلة والخَسْف في الدنيا. وقيل: المراد يوم القيامة. والقوم لم ينتظروا هذه الأشياء لأنهم ما آمنوا بها، ولكن امتناعهم عن الإيمان أوجب عليهم العذاب، فأضيف ذلك إليهم، أي عاقبتهم العذاب. {كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي أصرّوا على الكفر فأتاهم أمر الله فهلكوا. {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ} أي بتعذيبهم وإهلاكهم، ولكن ظلموا أنفسهم بالشرك.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مهدداً للمشركين على تماديهم في الباطل واغترارهم بالدنيا: هل ينتظر هؤلاء إلا الملائكة أن تأتيهم لقبض أرواحهم، قاله قتادة، {أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ} أي: يوم القيامة وما يعاينونه من الأهوال. وقوله: {كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: هكذا تمادى في شركهم أسلافهم ونظراؤهم وأشباههم من المشركين حتى ذاقوا بأس الله، وحلوا فيما هم فيه من العذاب والنكال {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ} لأنه تعالى أعذر إليهم، وأقام حججه عليهم بإرسال رسله وإنزال كتبه {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي: بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاؤوا به، فلهذا أصابتهم عقوبة الله على ذلك {وَحَاقَ بِهِم} أي: أحاط بهم من العذاب الأليم {مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي: يسخرون من الرسل، إذا توعدوهم بعقاب الله، فلهذا يقال لهم يوم القيامة: {أية : هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} تفسير : [الطور: 14].
المحلي و السيوطي
تفسير : {هَلْ } ما {يُنظَرُونَ } ينتظر الكفار {إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ } بالتاء والياء {ٱلْمَلَٰئِكَةُ } لقبض أرواحهم {أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ } العذاب أو القيامة المشتملة عليه؟{كَذٰلِكَ } كما فعل هؤلاء {فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من الأمم كذبوا رسلهم فأهلكوا {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ } بإهلاكهم بغير ذنب {وَلَٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكفر.
الشوكاني
تفسير : قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ } الآية هذا جواب شبهة أخرى لمنكري النبوّة، فإنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوّة فقال: {هل ينظرون} في تصديق نبوّتك {إِلا أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } شاهدين بذلك. ويحتمل أن يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأوّلين أو عدهم الله بقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } لقبض أرواحهم {أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ} أي: عذابه في الدنيا المستأصل لهم، أو المراد بأمر الله القيامة. وقرأ الأعمش، وابن وثاب، وحمزة، والكسائي، وخلف "إلا أن يأتيهم الملائكة" بالياء التحتية وقرأ الباقون بالمثناة الفوقية. والمراد بكونهم {ينظرون} أي: ينتظرون إتيان الملائكة أو إتيان أمر الله على التفسير الآخر أنهم قد فعلوا فعل من وجب عليه العذاب، وصار منتظراً له، وليس المراد أنهم ينتظرون ذلك حقيقة، فإنهم لا يؤمنون بذلك ولا يصدّقونه {كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي: مثل فعل هؤلاء من الإصرار على الكفر والتكذيب والاستهزاء فعل الذين خلوا من قبلهم من طوائف الكفار، فأتاهم أمر الله فهلكوا {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ } بتدميرهم بالعذاب، فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بما ارتكبوه من القبائح. وفيه أن ظلمهم مقصور عليهم باعتبار ما إليه يئول. وجملة {فَأَصَابَهُمْ سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } معطوفة على {فعل الذين من قبلهم}، وما بينهما اعتراض. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم سيئات ما عملوا وما ظلمهم الله، والمعنى: فأصابهم جزاء سيئات أعمالهم، أو جزاء أعمالهم السيئة {وَحَاقَ بِهِم } أي: نزل بهم على وجه الإحاطة {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } أي: العذاب الذي كانوا به يستهزئون، أو عقاب استهزائهم. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } هذا نوع آخر من كفرهم الذي حكاه الله عنهم. والمراد بالذين أشركوا هنا. أهل مكة {لَوْ شَآء ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء } أي: لو شاء عدم عبادتنا لشيء غيره ما عبدنا ذلك {نَّحْنُ وَلا ءابَاؤُنَا } الذين كانوا على ما نحن عليه الآن من دين الكفر والشرك بالله. قال الزجاج: إنهم قالوا هذا على جهة الاستهزاء، ولو قالوه عن اعتقاد لكانوا مؤمنين. وقد مضى الكلام على مثل هذا في سورة الأنعام {وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْء } من السوائب والبحائر ونحوهما، ومقصودهم بهذا القول المعلق بالمشيئة: الطعن في الرسالة، أي: لو كان ما قاله الرسول حقاً من المنع من عبادة غير الله، والمنع من تحريم ما لم يحرّمه الله حاكياً ذلك عن الله لم يقع منا ما يخالف ما أراده منا فإنه قد شاء ذلك، وما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن، فلما وقع منا العبادة لغيره وتحريم ما لم يحرمه كان ذلك دليلاً على أن ذلك هو المطابق لمراده والموافق لمشيئته، مع أنهم في الحقيقة لا يعترفون بذلك ولا يقرّون به لكنهم قصدوا ما ذكرنا من الطعن على الرسل {كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من طوائف الكفر، فإنهم أشركوا بالله وحرّموا ما لم يحرّمه، وجادلوا رسله بالباطل واستهزءوا بهم، ثم قال: {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ } الذين يرسلهم الله إلى عباده بما شرعه لهم من شرائعه التي رأسها توحيده، وترك الشرك به {إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ } إلى من أرسلوا إليهم بما أمروا بتبليغه بلاغاً واضحاً يفهمه المرسل إليهم ولا يلتبس عليهم. ثم إنه سبحانه أكد هذا، وزاده إيضاحاً فقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً } كما بعثنا في هؤلاء لإقامة الحجة عليهم {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } تفسير : [الإسراء: 15] و «أن» في قوله: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } إما مصدرية أي: بعثنا بأن اعبدوا الله، أو مفسرة؛ لأن في البعث معنى القول: {وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ } أي: اتركوا كل معبود دون الله كالشيطان، والكاهن، والصنم، وكل من دعا إلى الضلال. {فَمِنْهُمْ } أي: من هذه الأمم التي بعث الله إليها رسله {مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ } أي: أرشده إلى دينه وتوحيده وعبادته واجتناب الطاغوت {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ } أي: وجبت وثبتت، لإصراره على الكفر والعناد. قال الزجاج: أعلم الله أنه بعث الرسل بالأمر بالعبادة، وهو من وراء الإضلال والهداية. ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أية : فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ } تفسير : [الأعراف: 30]. وفي هذه الآية التصريح بأن الله أمر جميع عباده بعبادته، واجتناب الشيطان، وكل ما يدعو إلى الضلال، وأنهم بعد ذلك فريقان: فمنهم من هدى، ومنهم من حقت عليه الضلالة، فكان في ذلك دليل على أن أمر الله سبحانه لا يستلزم موافقة إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان، ولا يريد الهداية إلاّ للبعض، إذ لو أرادها للكل لم يكفر أحد، وهذا معنى ما حكيناه عن الزجاج هنا. {فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } سير معتبرين {فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } من الأمم السابقة عند مشاهدتكم لآثارهم كعاد وثمود، أي: كيف صار آخر أمرهم إلى خراب الديار بعد هلاك الأبدان. بالعذاب ثم خصص الخطاب برسوله صلى الله عليه وسلم مؤكداً لما تقدّم فقال: {إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ } أي: تطلب بجهدك ذلك {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ } قرأ ابن مسعود وأهل الكوفة: {لا يهدي} بفتح حرف المضارعة على أنه فعل مستقبل مسند إلى الله سبحانه، أي: فإن الله لا يرشد من أضله، و {من} في موضع نصب على المفعولية. وقرأ الباقون "لا يهدي" بضم حرف المضارعة على أنه مبني للمجهول، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم على معنى أنه لا يهديه هادٍ كائناً من كان. و{من} في موضع رفع على أنها نائب الفاعل المحذوف، فتكون هذه الآية على هذه القراءة كقوله في الآية الأخرى {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ }تفسير : [الأعراف: 186]. والعائد على القراءتين محذوف، أي: من يضله. وروى أبو عبيد عن الفراء على القراءة الأولى أن معنى {لاَّ يَهِدِّى } لا يهتدي كقوله تعالى: {أية : أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ } تفسير : [يونس: 35]. بمعنى يهتدي. قال أبو عبيد: ولا نعلم أحداً روى هذا غير الفراء، وليس بمتهم فيما يحكيه. قال النحاس: حكي عن محمد بن يزيد المبرد، كأن معنى {لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ } من علم ذلك منه، وسبق له عنده {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ } ينصرونهم على الهداية لمن أضله الله، أو ينصرونهم بدفع العذاب عنهم. ثم ذكر عناد قريش وإنكارهم للبعث فقال: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } مصدر في موضع الحال أي: جاهدين {لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ } من عباده، زعموا أن الله سبحانه عاجز عن بعث الأموات، فردّ الله عليهم ذلك بقوله: {بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا } هذا إثبات لما بعد النفي، أي: بلى يبعثهم، و {وعدا} مصدر مؤكد لما دلّ عليه "بلى" وهو يبعثهم لأن البعث وعد من الله وعد عباده به. والتقدير: وعد البعث وعداً عليه حقاً لا خلف فيه، و {حقاً} صفة لـ {وعد}، وكذا {عليه} فإنه صفة لـ {وعدا} أي: كائناً عليه، أو نصب حقاً على المصدرية: أي حق حقاً {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } أن ذلك يسير عليه سبحانه غير عسير. وقوله {لِيُبَيّنَ لَهُمُ } أي: ليظهر لهم، وهو غاية لما دلّ عليه "بلى" من البعث، والضمير في {لَهُمْ } راجع إلى من يموت، والموصول في قوله: {ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ } في محل نصب على أنه مفعول ليبين، أي: الأمر الذي وقع الخلاف بينهم فيه، وبيانه إذ ذاك يكون بما جاءتهم به الرسل، ونزلت عليهم فيه كتب الله. وقيل: إن {ليبين} متعلق بقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا } أي: بعثنا في كل أمة رسولاً ليبين وهو بعيد {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بالله سبحانه، وأنكروا البعث {أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰذِبِينَ } في جدالهم وإنكارهم البعث بقولهم: {لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ }. وجملة {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } مستأنفة لبيان كيفية الإبداء والإعادة بعد بيان سهولة البعث عليه سبحانه. قال الزجاج: أعلمهم بسهولة خلق الأشياء عليه فأخبر أنه متى أراد الشيء كان، وهذا كقوله: {أية : وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [البقرة: 117]. وقرأ ابن عامر، والكسائي {فيكون} بالنصب عطفاً على {أن نقول}. قال الزجاج: يجوز أن يكون نصباً غلى جواب {كن}. وقرأ الباقون بالرفع على معنى: فهو يكون. قال ابن الأنباري: أوقع لفظ الشيء على المعلوم عند الله تعالى قبل الخلق، لأنه بمنزلة ما قد وجد وشوهد. وقال الزجاج: إن معنى «لشيء» لأجل شيء فجعل اللام سببية. وقيل: هي لام التبليع، كما في قولك: قلت له قم فقام، و{إِنَّمَا قَوْلُنَا } مبتدأ و{َأَنْ نَّقُولَ لَهُ كُنْ} خبره، وهذا الكلام من باب التمثيل على معنى: أنه لا يمتنع عليه شيء، وأن وجوده عند إرادته كوجود المأمورية عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع، وليس هناك قول ولا مقول له، ولا أمر، ولا مأمور حتى يقال: إنه يلزم منه أحد محالين، إما خطاب المعدوم، أو تحصيل لحاصل. وقد مضى تفسير ذلك في سورة البقرة مستوفى. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } قال: بالموت، وقال في آية أخرى: {أية : وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلَـئِكَةُ } تفسير : [الأنفال: 50]، وهو ملك الموت، وله رسل {أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ } وذاكم يوم القيامة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ } قال: من يضله الله لا يهديه أحد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه فكان فيما تكلم به: والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا وكذا، فقال له المشرك: إنك لتزعم أنك تبعث من بعد الموت، فأقسم بالله جهد يمينه لا يبعث الله من يموت، فأنزل الله {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ } الآية. وأخرج ابن العقيلي، وابن مردويه عن عليّ في قوله: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ } قال: نزلت فيّ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر عن أبي هريرة، قال: «قال الله تعالى: سبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني، أما تكذيبه إياي، فقال: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت}، وقلت: {بلى وعداً عليه حقاً} وأما سبه إياي، فقال: {أية : إن الله ثالث ثلاثة}تفسير : [المائدة: 73]، وقلت: {أية : [قل] هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد}تفسير : [سورة الإخلاص 1 - 4]، هكذا ذكره أبو هريرة موقوفاً وهو في الصحيحين مرفوعاً بلفظ آخر. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {لِيُبَيّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ } يقول: للناس عامة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{والذين هاجروا في الله من بَعْدِ ما ظُلِموا} يعني من بعد ما ظلمهم أهل مكة حين أخرجوهم إلى الحبشة بعد العذاب والإبعاد. {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} فيه أربعة أقاويل: أحدها: نزول المدينة، قاله ابن عباس والشعبي وقتادة. الثاني: الرزق الحسن، قاله مجاهد. الثالث: أنه النصر على عدوهم، قاله الضحاك. الرابع: أنه لسان صدق، حكاه ابن جرير. ويحتمل قولاً خامساً: أنه ما استولوا عليه من فتوح البلاد وصار لهم فيها من الولايات. ويحتمل قولاً سادساً: أنه ما بقي لهم في الدنيا من الثناء، وما صار فيها لأولادهم من الشرف. وقال داود بن إبراهيم: نزلت هذه الآية في أبي جندل بن سهل، وقال الكلبي: نزلت في بلال وعمار وصهيب وخباب بن الأرتّ عذبهم أهل مكة حتى قالوا لهم ما أرادوا في الدنيا، فلما خلوهم هاجروا إلى المدينة. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا دفع إلى المهاجرين العطاء قال: هذا ما وعدكم الله في الدنيا، وما خولكم في الآخرة أكثر، ثم تلا عليهم هذه الآية:
ابن عطية
تفسير : {ينظرون} معناه ينتظرون، ونظر متى كانت من رؤية العين فإنما تعديها العرب بـ "إلى"، ومتى لم تتعد بـ "إلى" فهو بمعنى انتظر، كما قال امرؤ القيس: شعر : فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب تفسير : ومنه قوله تعالى حكاية {أية : انظرونا نقتبس من نوركم} تفسير : [الحديد: 13] وقد جاء شاذاً نظرت بمعنى الرؤية متعدياً بغير إلى كقول الشاعر: شعر : باهرات الجمال والحسن ينظر ن كما تنظر الأراك الظباء تفسير : وقرأ الجمهور "تأتيهم" بالتاء من فوق، وقرأ حمزة والكسائي "يأتيهم" بالياء، وهي قراءة يحيى بن وثاب وطلحة والأعمش، ومعنى الكلام أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم ظالمي أنفسهم، وقوله {أو يأتي أمر ربك} وعيد يتضمن قيام الساعة أو عذاب الدنيا، ثم ذكر تعالى أن هذا كان فعل أسلافهم من الأمم، أي فعوقبوا ولم يكن ذلك ظلماً لأنه لم يوضع ذلك العقاب في غير موضعه، ولكن ظلموا أنفسهم بأن وضعوا كفرهم في جهة الله وميلهم إلى الأصنام والأوثان، فهذا وضع الشيء في غير موضعه، أي آذوها بنفس فعلهم، وإن كانوا لم يقصدوا ظلمها ولا إذايتها، وقوله {فأصابهم سيئات ما عملوا} أي جزاء ذلك في الدنيا والآخرة. {وحاق} معناه نزل وأحاط، وهنا محذوف يدل عليه الظاهر من الكلام، تقديره جزاء {ما كانوا به يستهزئون} ، وقوله تعالى: {وقال الذين أشركوا} الآية، جدل من الكفار، وذلك أن أكثر الكفار يعتقدون وجود الله تعالى وأنه خالقهم ورازقهم، فإن كان أهل هذه الآية من هذا الصنف فكأنهم قالوا يا محمد: نحن من الله بمرىء في عبادة الأوثان لتنفع وتقرب زلفى، ولو كره الله فعلنا لغيره منذ مدة، إما بإهلاكنا وإما بهدايتنا، وكان من الكفار فريق لا يعتقد وجود الله تعالى، فإن كان أهل هذه الآية من هذا الصنف فكأنهم أخذوا الحجة على النبي صلى الله عليه وسلم من قوله، أي إن الرب الذي تثبته يا محمد وهو على ما تصفه يعلم ويقدر لا شك أنه يعلم حالنا، ولو كرهها لغيرها، والرد على هذين الفريقين هو في أن الله تعالى ينهى عن الكفر وقد أراده بقوم، وإنما نصب الأدلة وبعث الرسل ويسر كلًّ لما حتم عليه، وهذا الجدال من أي الصنفين فرضته ليس فيه استهزاء، لكن أبا إسحاق الزجاج: قال إن هذا الكلام على جهة الهزء، فذهب أبو إسحاق رحمه الله والله أعلم إلى أن الطائفة التي لا تقول بإله ثم أقامت الحجة من مذهب خصمها كأنها مستهزئة في ذلك، وهذا جدل محض، والرد عليه كما ذكرناه وقوله {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} يشير إلى ما ذكرناه، وقولهم {ولا حرمنا} يريدون البحيرة والسائبة والوصيلة وغير ذلك مما شرعوه، وأخبر الله تعالى أن هذه النزعة قد سبقهم الأولون من الكفار إليها، كأنه قال: والأمر ليس على ما ظنوه من أن الله تعالى إذا أراد الكفر لا يأمر بتركه، بل قد نصب الله لعباده الأدلة وأرسل الرسل منذرين وليس عليهم إلا البلاغ.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {هل ينظرون} يعني هؤلاء الذين أشركوا بالله وجحدوا نبوتك يا محمد {إلا أن تأتيهم الملائكة} يعني لقبض أرواحهم {أو يأتي أمر ربك} يعني بالعذاب في الدنيا وهو عذاب الاستئصال. وقيل: المراد به يوم القيامة {كذلك فعل الذين من قبلهم} يعني من الكفر والتكذيب {وما ظلمهم الله} يعني بتعذيبه إياهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} يعني باكتسابهم المعاصي، والكفر والأعمال القبيحة الخبيثة، {فأصابهم سيئات ما عملوا} يعني فأصابهم عقوبات ما اكتسبوا من الأعمال الخبيثة {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} والمعنى ونزل بهم جزاء استهزائهم {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا} يعني أن مشركي مكة قالوا هذا على طريق الاستهزاء. والحاصل أنهم تمسكوا بهذا القول في إنكار النبوة، فقالوا: لو شاء الله منا الإيمان لحصل جئت أو لم تجىء ولو شاء الله منا الكفر لحصل جئت أو لم تجىء. وإذا كان كذلك فالكل من الله، فلا فائدة في بعثة رسل إلى الأمم والجواب عن هذا أنهم لما قالوا: إن الكل من الله فكانت بعثة الرسل عبثاً كان هذا اعتراضاً على الله تعالى، وهو جار مجرى طلب العلة في أحكام الله، وفي أفعاله وهو باطل لأن الله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فلا اعتراض لأحد عليه في أحكامه وأفعاله، ولا يجوز لأحد أن يقول لو فعلت هذا، ولم لم تفعل هذا كان في حكم الله وسنته في عباده إرسال الرسل إليهم ليأمروهم بعبادة الله تعالى، وينهوهم عن عبادة غيره وأن الهداية والإضلال إليه فمن هداه فهو المهتدي، ومن أضله فهو الضال وهذه سنة الله في عباده أنه يأمر الكل بالإيمان به وينهاهم عن الكفر. ثم إنه سبحانه وتعالى يهدي من يشاء إلى الإيمان, ويضلّ من يشاء فلا اعتراض لأحد عليه. ولما كانت سنة الله قديمة ببعثة الرسل إلى الأمم الكافرة المكذبة كان قول هؤلاء لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا جهلاً منهم، لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الرسل وهذا الاعتقاد باطل فلا جرم استحقوا عليه الذم والوعيد. وأما قوله تعالى {ولا حرمنا من دونه من شيء} يعني الوصيلة والسائبة والحام. والمعنى: فلولا أن الله رضيها لنا لغير ذلك ولهدانا إلى غيره {كذلك فعل الذين من قبلهم} يعني أن من تقدم هؤلاء من كفار مكة ومن الأمم الماضية كانوا على هذه الطريقة، وهذا الفعل الخبيث فإنكار بعثة الرسل كان قديماً في الأمم الخالية {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} يعني ليس إليهم هداية أحد إنما عليهم تبليغ ما أرسلوا به إلى من أرسلوا إليه {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} يعني ليس إليهم هداية أحد إنما عليهم تبليغ ما أرسلوا به إلى من أرسلوا إليه {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً} يعني كما بعثنا فيكم محمداً صلى الله عليه وسلم {أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} يعني أن الرسل كانوا يأمرونهم بأن يعيدوا الله وأن يجتنبوا عبادة الطاغوت، وهو اسم كل معبود من دون الله {فمنهم} يعني فمن الأمم الذين جاءتهم الرسل {من هدى الله} يعني هداه الله إلى الإيمان به وتصديق رسله {ومنهم من حقت عليه الضلالة} يعني، ومن الأمم من وجبت عليه الضلالة بالقضاء السابق في الأزل حتى مات على الكفر والضلال، وفي هذه الآية أبين دليل على أن الهادي، والمضل هو الله تعالى لأنه المتصرف في عباده فيهدي من يشاء ويضل من يشاء لا اعتراض لأحد عليه بما حكم به في سابق علمه {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} يعني فسيروا في الأرض معتبرين متفكرين لتعرفوا مآل من كذب الرسل، وهو خراب منازلهم بالعذاب والهلاك، ولتعرفوا أن العذاب نازل بكم إن أصررتم على الكفر والتكذيب كما نزل بهم. قوله سبحانه وتعالى {إن تحرص على هداهم} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني إن تحرص يا محمد على هدى هؤلاء، وإيمانهم وتجتهد كل الاجتهاد {فإن الله لا يهدي من يضل} قرىء بفتح الياء وكسر الدال يعني لا يهدي الله من أضله، وقيل: معناه لا يهتدي من أضله الله وقرىء بضم الياء، وفتح الدال ومعناه من أضله الله فلا هادي له {وما لهم من ناصرين} أي مانعين يمنعونهم من العذاب {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} قال ابن الجوزي: سبب نزولها أن رجلاً من المسلمين كان له على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه فكان فيما تكلم به المسلم: والذي أرجوه بعد الموت. فقال المشرك: إنك لتزعم أنك تبعث بعد الموت، وأقسم بالله لا يبعث الله من يموت فنزلت هذه الآية قاله أبو العالية. وتقرير الشبهة التي حصلت للمشركين في إنكار البعث بعد الموت أن الإنسان ليس هو، إلا هذه البنية المخصوصة، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه وبلي امتنع عوده بعينه لأن الشيء إذا عدم فقد فني، ولم يبق له ذات ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه، فهذا هو أصل شبهتهم ومعتقدهم في إنكار البعث بعد الموت، فذلك قوله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم {لا يبعث الله من يموت} فرد الله عليهم ذلك، وكذبهم في قولهم فقال تعالى {بلى} يعني بلى يبعثهم بعد الموت لأن لفظة بلى إثبات لما بعد النفي. والجواب عن شبهتهم أن الله سبحانه وتعالى، خلق الإنسان وأوجده من العدم ولم يك شيئاً فالذي أوجده بقدرته ثم أعدمه قادر على إيجاده بعد إعدامه لأن النشأة الثانية أهون من الأولى {وعداً عليه حقاً} يعني أن الذي وعد به من البعث بعد الموت وعد حق لا خلف فيه {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يعني لايفهمون كيف يكون ذلك العود والله سبحانه وتعالى، قادر على كل شيء.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }: {يَنظُرُونَ }: معناه: ينتظرون، «وَنَظَرَ» متى كانَتْ من رؤية العين، فإِنما تعدِّيها العربُ بـــ «إِلَى» ومتَى لم تتعدَّ بـــ «إِلى»، فهي بمعنى «ٱنْتَظَرَ»؛ ومنها: { أية : ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } تفسير : [الحديد:13]، ومعنى الكلام: أنْ تأتيهم الملائكةُ لقبض أرواحِهِمْ ظالمِي أنْفُسِهِمْ. وقوله: {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ}: وعيدٌ يتضمَّن قيامَ الساعة، أو عذابَ الدنيا، ثم ذَكر تعالَى أَنَّ هذا كان فعْلَ الأمم قَبْلهم، فَعُوقِبوا. وقوله سبحانه: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ }: أي: جزاءُ ذلك في الدنْيَا والآخرة، و{حَاقَ}: معناه: نَزَلَ وأحَاطَ. وقوله سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ...} الآية: تقدَّم تفسير نظيرها في «الأنعام»، وقولهم: {وَلاَ حَرَّمْنَا }: يريد: من البَحِيرةِ والسَّائبة والوَصِيلة وغير ذلك.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} الآية. هذه شبهة ثانية لمنكري النبوة؛ فإنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل الله ملكاً من السماء؛ يشهد على صدقه في ادِّعاء النبوة؛ فقال تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ} في التصديق بنبوتك {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلآئِكَةُ} شاهدين بذلك، ويحتمل أنَّ القوم لما طعنوا في القرآن بقولهم: {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} وذكر أنواع التهديد، و الوعيد، ثم أتبعه بذكر الوعد لمن وصف القرآن بكونه خيراً، عاد إلى بيان أنَّ أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم، وأقوالهم الباطلة بالبيانات التي ذكرناها، إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد، أو أتاهم أمر ربِّك، وهو عذاب الاستئصال، وعلى كلا التقديرين قال تعالى: {كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}، أي: أفعال هؤلاء، وكلامهم يشبهُ كلام الكفار المتقدمين وأفعالهم، وتقدم الكلام على قوله: {أية : إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} تفسير : [الأنعام: 158] في آخر الأنعام، وأنَّ الأخوين يقرآن بالياء من تحت، و الباقين بالتاء من فوق، وهما واضحتان؛ لكونه تأنيثاً مجازيًّا. قوله: {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ} بتعذيبه إياهم، فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي ولكنهم ظلموا أنفسهم؛ بكفرهم، وتكذيبهم الرسل. {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} أي: عقاب سيئات ما عملوا، فقوله: "فأصَابَهُمْ" عطف على "فَعلَ الَّذينَ" وما بينهما اعتراضٌ، "وَحَاقَ" نزل "بِهِمْ" على وجه الإحاطة بجوانبهم، {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي: عقاب استهزائهم. قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا} الآيات. هذه شبهة ثالثة لمنكري النبوة لأنهم تمسكوا بالقول بالجبر على الطَّعن في النبوة؛ فقالوا: لو شاء الله الإيمان، لحصل لنا سواء جئت، أو لم تجىء، ولو شاء الكفر لحصل الكفر، جئت أو لم تجىء، فالكلُّ من الله، ولا فائدة في مجيئك ولا في إرسالك وهذا غير ما حكاه الله عنهم في سورة الأنعام في قوله: {أية : سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ}تفسير : [الأنعام: 148]. واستدلال المعتزلة به، مثل استدلالهم بتلك الآية، والكلام فيه استدلال واعتراض عين ما تقدم هناك، فلا فائدة، ولا بأس بأن نذكر منه القليل، فنقول: الجواب عن هذه الشبهة هي: أنَّهم قالوا: لما كان الكل من الله - تعالى - كانت بعثة الأنبياء عبثاً؛ فنقول: هذا اعتراضٌ - على الله - تعالى فإن قولهم: إذا لم يكن في بعثة الرسول مزيد فائدة في حصول الإيمان، ودفع الكفر؛ كانت بعثة الأنبياءِ غير جائزة من الله - تعالى -. فهذا القول جارٍ مجرى طلب العلةِ في أحكام الله - تعالى - وفي أفعاله، وذلك باطلٌ؛ بل الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا يعترض عليه في أفعاله. وقال بعضُ المتكلمين والمفسرين: إنهم ذكروا هذا الكلام استهزاء؛ كقول قوم شعيبٍ: {أية : إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ} تفسير : [هود: 87] ولو قالوا ذلك اعتقاداً لكانوا مؤمنين. قوله: {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ} قالت المعتزلة: إنه - سبحانه وتعالى - ما منع أحداً من الإيمان، وما أوقعه في الكفر، والرسل ليس عليهم إلا التبليغُ. وأهل السنة قالوا: معناه أنه - تعالى - أمر الرسول بالتبليغ فوجب عليهم، فأمَّا أن الإيمان هل يحصل، أو لا يحصل؟ فذلك لا يتعلق بالرسولِ - صلوات الله وسلامه عليه - ولكنه تعالى يهدي من يشاءُ بإحسانه، ويضل من يشاء بخذلانه، ويدل عليه قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ} فإنه يدلُّ على أنه - تعالى - كان أبداً في جميع الأمم؛ آمراً بالإيمان، وناهياً عن الكفر. ثم قال: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ} أي: فمنهم من هداه الله إلى الإيمان، ومنهم من أضله عن الحق، وأوقعه في الكفر، وهذا يدلُّ على أنَّ أمر الله لا يوافق إرادته؛ بل قد يأمر بالشيء ولا يريده، وينهى عن الشيء ويريده، وقد تقدم تأويلات المعتزلةِ، وأجوبتهم مراراً. والطاغوتُ: كل معبودٍ من دون الله، وقيل: اجتنبوا الطَّاغوت: أي طاعة الشيطان. قوله: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} يجوز في "أنْ" أن تكون تفسيرية؛ لأنَّ البعث يتضمن قولاً، وأن تكون مصدرية، أي: بعثناه بأن اعبدوا. قوله: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ} يجوز في "مَنْ" الأولى أن تكون نكرة موصوفة، والعائد على كلا التقديرين محذوف من الأول، وقوله "حقَّتْ" يدل على صحة مذهب أهل السنةِ؛ لأنَّه تعالى لمَّا أخبر عنه أنَّه حقت عليه الضلالة، امتنع أن لا يصدر منه الضلالة، وإلاَّ لانقلب خبر الله تعالى الصدق كذباً، وهو محال؛ ويؤيده قوله: {أية : فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ} تفسير : [الأعراف: 30]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس: 96] وقوله: {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} تفسير : [يس: 7] ثم قال - عز وجل -: {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} أي: مآل أمرهم، وخراب منازلهم بالعذاب، والهلاك؛ فتعتبروا، ثم أكد أنَّ من حقت عليه الضلالة؛ فإنه لا يهتدي؛ فقال تعالى: {إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ} أي: تطلب بجهدك ذلك؛ {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ}. قوله {إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ} قرأ العامة بكسر الراء، مضارع حرص بفتحها، وهي اللغة الغالبة لغة الحجاز. وقرأ الحسن، وأبو حيوة: "تَحْرَص" بفتح الراء، مضارع حرص بكسرها، وهي لغة لبعضهم، وكذلك النخعيُّ: إلاَّ أنه زاد واواً قبل: "إنْ" فقرأ: "وإنْ تحرصْ". قوله: "لا يَهْدِي" قرأ الكوفيون بفتح الياءِ، وكسر الدَّال، وهذه القراءة تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الفاعل ضميراً عائداً على الله - تعالى - أي: لا يهدي الله من يضله؛ فـ "مَنْ" مفعول "يَهْدِي"؛ ويؤيده قراءة أبي: {فإنَّ الله لا هَادِي لمَنْ يضلُّ ولمَنْ أضلَّ} وأنه في معنى قوله: {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} تفسير : [الأعراف: 186]. والثاني: أن يكون الموصول هو الفاعل، أي: لا يهدي المضلين، و "يَهْدي" يجيء في معنى يهتدي، يقال: هداهُ فهدى، أي: اهتدى. ويؤيد هذا الوجه: قراءة عبد الله "يَهِدِّي" بتشديد الدال المكسورة، والأصل يهتدي؛ فأدغم. ونقل بعضهم في هذه القراءة كسر الهاء على الإتباع، وتحقيقه ما تقدم في يونس، والعائد على "مَنْ" محذوف، أي: الذي يضله الله. والباقون "لا يُهْدَى" بضمِّ الياء، وفتح الدال، مبنيًّا للمفعول، و "مَنْ" قائم مقام فاعله، وعائده محذوف أيضاً. وجوَّز أبو البقاء: أن تكون "مَنْ" مبتدأ، و "لا يَهْدِي" خبره - يعني - تقدم عليه. وهذا خطأ؛ لأنه متى كان الخبر فعلاً رافعاً لضميرٍ مستترٍ وجب تأخيرهُ نحو: "زيْدٌ لا يَضْرِب"، ولو قدمت لالتبس بالفاعل. وقرئ "لا يُهْدِي" بضم الياء وكسر الدال. قال ابن عطية - رحمه الله-: "وهي ضعيفة". قال ابن حيَّان: "وإذا ثبت أن "هَدَى" لازم بمعنى اهتدى، لم تكن ضعيفة؛ لأنه أدخل همزة التعدية على اللازم، فالمعنى لا يجعل مهتدياً من أضله الله". وقوله تعالى: "ومَا لَهُمْ" حمل على معنى "مَنْ" فلذلك جمع. وقرىء: "مَنْ يَضِلُّ" بفتح الياء من "ضَلَّ" أي: لا يهدي من ضل بنفسه {وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ}، أي: [ما يقيهم] من العذاب.
البقاعي
تفسير : ولما أخبر تعالى عن أحوال الكفار السائلين في نزول الملائكة بعد أن وهىّ شبههم، وأخبر عن توفي الملائكة لهم ولأضدادهم المؤمنين، مشيراً بذلك إلى أن سنته جرت بأنهم لا ينزلون إلا لإنزال الروح من أمره على من يختصه لذلك أو لأمر فيصل لا مهلة فيه، قال منكراً عليهم: {هل ينظرون} أي هؤلاء الكفار في تقاعسهم عن تصديق الرسل في الإخبار بما أنزل ربهم، وجرد الفعل إشارة إلى قرب ما ينتظرونه {إلا أن تأتيهم} أي بأمر الله {الملائكة} وهم لا يأتونهم إلا بمثل ما أتوا به من قبلهم ممن قصصنا أمرهم من الظالمين إن لم يتوبوا {أو يأتي أمر ربك} أي المحسن إليك المدير لأمرك بأمر يفصل النزاع من غير واسطة ملك أو غيره. ولما كان هذا أمراً مفزعاً، كان موجباً لمن له فهم أن يقول: هل فعل هذا أحد غير هؤلاء؟ فقيل: نعم! {كذلك} أي مثل هذا الفعل البعيد لبشاعته عن مناهج العقلاء، مكراً في تدبير الأذى، واعتقاداً وقولاً {فعل الذين} ولما كان الفاعلون مثل أفعالهم في التكذيب لم يستغرقوا الزمان، أدخل الجار فقال تعالى: {من قبلهم وما} أي والحال أنه ما {ظلمهم الله} أي الذي له الكمال كله في تقديره ذلك عليهم، لأنه المالك المطلق التصرف والملك الذي لا يسأل عما يفعل {ولكن كانوا} أي جبلة وطبعاً {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون *} فاستحقوا العقاب لقيام الحجة عليهم على السنن الذي جرت به عوائدكم فيمن باشر سوء من غير أن يكره عليه إكراهاً ظاهراً، وهذا بعينه هو العلة في إرسال الرسل، ونصب الشرئع والملل {فأصابهم} أي فتسبب عن ظلمهم لأنفسهم أن أصابهم {سيئات} أي عقوبات أو جزاء سيئات {ما عملوا وحاق} أي أحاط ضابطة {بهم} من العذاب والمرسل به من الملائكة {ما كانوا به} أي خاصة {يستهزؤن *} تكبراً عن قبول الحق. ومادة حاق واوية ويائية - بتراكيبها الست: حوق، حقو، قحو، قوح، وقح، حيق - تدور على الإحاطة، ويلزمها صلابة المحيط ولين المحاط به: حاق به الشيء - إذا نزل به فأحاط، والحيق: ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله، وحاق فيه السيف: حاك أي عمل - من التسمية باسم الجزء، ولأنه في الأغلب يكون في عمله الموت المحيط بالأجل، وحاق بهم الأمر: لزمهم ووجب عليهم ونزل بهم، والحيقة: شجرة كالشيح يؤكل بها التمر - كأنه يحيط بالتمرة، وحايقه: حسده وأبغضه - لإحاطة ذلك. والحوق - بالضم: ما أحاط بالكمرة من حروفها، وبالضم والفتح معاً: استدارة في الذكر، والحوق - بالفتح فقط: الإحاطة، والأحوق والمحوق - كمعظم: الكمرة - كأنها مختصة بذلك لكبرها، ومنه فيشلة حوقاء: عظيمة - كأنها لعظمها هي التي ظهر حرفها دون غيرها، وأرض محوقة - بضم الحاء: قليلة النبت لقلة المطر - كأنه تشبه بالكمرة في ملاستها، وتركت النخلة حوقاء - إذا أشعل في الكرانيف - لاستدارة النار بها أو لشبهها بعد حريق السعف بالذكر أو رأسه، والحوقة بالفتح: الجماعة الممخرقة - لأن الجماعة لها قوة الاستدارة، والممخرق إن كان من الكذب فمن لازمه العوج، وإن كان من المخراق - وهو المنديل الذي يلف للعب به - فاللعب به على هيئة الاستدارة، وحوق عليه تحويقاً: عوج عليه الكلام، والحوق - بالفتح أيضاً: الكنس والدلك والتمليس لأن كلاًّ منها ترد فيه اليد إلى قريب من مكانها فيشبه الإحاطة ولو بالتعويج. والحقو: الكشح، وهو ما بين عظم رأس الورك إلى الضلع الخلف لأنه موضع إحاطة الإزار، والإزار نفسه حقو لأنه آلته أو الحقو معقد الإزار، والحقو: موضع غليظ مرتفع عن السيل - من الصلابة والاستدارة لأن السيل يحيط به أو يكاد، ومن السهم: موضع الريش لأنه يشبه الحقو في استدارته وغلظ بعض ودقة بعض، وفي إحاطة الريش به، ومن الثنية: جانباها - من الإحاطة أو مطلق العوج، والحقوة: وجع في البطن من أكل اللحم - للحوق وجعه الحقو. والأقحوان: نبت يستدير به زهرة، وأقاحي الأمر: تباشيره - لأنها تحيط به غالباً، وقحاً المال: أخذه - لما يلزمه من الإحاطة، والمقحاة: المجرفة - لأنها تحيط بالمجروف. ومن اللين: قاح الجرح يقوح: صارت فيه مدة خالصة لا يخالطها دم كقاح يقيح - واوية ويائية، ولما يلزمه من الاستدارة غالباً، وقوّح الجرح: انتبر - إما من الموضع الغليظ المرتفع عن السيل، وإما من استدارته، وقاح البيت: كنسه كقوّحه، والقاحة: الساحة - لاستدارتها غالباً، وأقاح: صمم على المنع بعد السؤال - إما من لإزالة - أي أزال اللين - وإما من الصلابة. ومن الصلابة: الوقاح - للحافر الصلب، وهو من الاستدارة أيضاً، ورجل وقاح الوجه: قليل الحياء - منه، والموقح - كمعظم: المجرب، وتوقيح الحوض: إصلاحه بالمدر والصفائح - للاستدارة والصلابة. ولما تم ما هو عجب من مقالهم ومآلهم، في سوء أحوالهم، وختم بتهديدهم، عطف على قوله { وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم} موجباً آخر للتهديد، معجباً من حالهم فيه، فقال: {وقال الذين أشركوا} أي الراسخ منهم في هذا الوصف والتابع له، على سبيل الاعتراض على من يدعوهم إلى التوحيد من نبي وغيره، محتجين بالقدر عناداً منهم، ومعترضين على من لا يسأل عما يفعل بأنه - لقدرته على كل شيء - غير محتاج إلى بعث الرسل، فإرسالهم عبث - تعالى الله الحكيم عن قولهم، فهو قول من يطلب العلة في أحكامه تعالى وفي أفعاله، وهو قول باطل، لأنه سبحانه الفعال لما يريد سواء أطلع العباد على حكمته أم لا: {لو شاء الله} أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة وعلماً، عدم عبادتنا لغيره {ما عبدنا}. ولما كانت الرتب كلها متقاصرة عن رتبته وكانت متفاوته، وكان ما يعبدونه من الأصنام في أدناها رتبة، أدخلوا الجار فقالوا: {من دونه} وأعرقوا في النفي فقالوا: {من شيء} أي من الأشياء {نحن ولا ءاباؤنا} من قبلنا! ولما ذكروا الأصل أتبعوه الفرع فقالوا: {ولا حرمنا} أي على أنفسنا {من دونه} أي دون أمره {من شيء} لأن ما يشاء لا يتخلف على زعمكم، لكنه لم يشأ العدم، فقد شاء وجود ما نحن عليه، فنحن نتبع ما شاءه لا نتغير عنه، لأنه لا يشاء إلا ما هو حق، وضل عن الأشقياء - بكلمتهم هذه الحق التي أرادوا بها الباطل - أن مدار السعادة والشقاوة إنما هو موافقة الأمر لا موافقة الإرادة، فما كان من الفعل والكف على وفق الأمر سعد فاعله، وما خالفه قامت به الحجة على فاعله على ما جرت به عوائد الناس فشقي. فلما انتهك ستر هذه المقالة المموهة، وكان كأنه قيل استبعاداً لها: هل قالها غيرهم؟ فقيل: نعم! {كذلك} أي مثل هذا البعيد من السداد، والقول الخارج عن الهداية والرشاد، وهو الاعتراض على ربهم في إرسال الرسل، مانعين لجواز الإرسال بهذه الشبهة الضعيفة، فإنه تعالى يريد إظهار ثمرة الملك بالحكم على ما يتعارفه العباد من إقامة الحجة بالأفعال الاختيارية وإن كانت بقضائه، لأن ذلك مستور عن العباد {فعل} أي كذب بدليل الأنعام {الذين} ودل على عدم الاستغراق للزمان بقوله: {من قبلهم} وكان تكذيباً، لأن قولهم اقتضى أن يكون ما هم عليه مما يرضاه الله، والرسل يقولون: لا يرضاه، ولا يرضى إلا ما أخبروا بأن صاحبه مثاب عليه أو غير معاقب، فكان ذلك سبباً للإنكار عليهم بقوله: {فهل} أي فما {على الرسل} أي الذين لا رسل في الحقيقة غيرهم، وهم الذين أرسلهم الله لدعاء العباد خلفاً عن سلف؛ ولما كان الاستفهام بمعنى النفي - كما تقدم - إلا أنه صور بصورته ليكون كدعوى الشيء بدليلها فقال: {إلا البلاغ المبين *} وقد بلغوكم وأوضحوا لكم، فصار وبال العصيان خاصاً بكم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة} قال: بالموت. وقال في آية أخرى {أية : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} تفسير : [الأنفال: 50]. وهو ملك الموت، وله رسل {أو يأتي أمر ربك} وذاك يوم القيامة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة} يقول: عند الموت، حين تتوفاهم {أو يأتي أمر ربك} قال: ذلك يوم القيامة.
ابو السعود
تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ} أي ما ينتظر كفارُ مكةَ المارُّ ذكرُهم {إِلا أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} لقبض أرواحِهم بالعذاب، جُعلوا منتظرين لذلك وشتان بـينهم وبـين انتظارِه لا لأنه يلحقهم البتةَ لحوقُ الأمر المنتظرِ بل لمباشرتهم لأسبابه الموجبةِ له المؤديةِ إليه، فكأنهم يقصِدون إتيانَه ويترصّدون لوروده، وقرىء بتذكير الفعل {أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ} التعرض لوصف الربوبـية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام إشعارٌ بأن إتيانَه لطفٌ به عليه الصلاة والسلام وإن كان عذاباً عليهم، والمرادُ بالأمر العذابُ الدنيويُّ لا القيامةُ، لكن لا لأن انتظارَها بجامع انتظارِ إتيان الملائكةِ فلا يلائمة العطفُ بأو لأنها ليست نصًّا في العناد إذ يجوز أن يعتبر منعُ الخلوّ ويرادَ بإيرادها كفايةُ كل واحد من الأمرين في عذابهم بل لأن قوله تعالى فيما سيأتي: {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فَأَصَابَهُمْ} [النحل، الآية 33]، صريحٌ في أن المراد به ما أصابهم من العذاب الدنيوي {كَذٰلِكَ} أي مثلَ فعلِ هؤلاء من الشرك والظلمِ والتكذيب والاستهزاء {فَعَلَ ٱلَّذِينَ} خلَوا {مِن قَبْلِهِمُ} من الأمم {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ} بما سيُتلى من عذابهم {وَلَـٰكِن كَانُواْ} بما كانوا مستمرين عليه من القبائح الموجبةِ لذلك {أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} كان الظاهرُ أن يقال: ولكن كانوا هم الظالمين كما في سورة الزخرف لكنه أوثر ما عليه النظمُ الكريم لإفادة أن غائلةَ ظلمِهم آيلةٌ إليهم وعاقبتَه مقصورةٌ عليهم مع استلزام اقتصارِ ظلمِ كل أحد على نفسه من حيث الوقوعُ اقتصارَه عليه من حيث الصدور وقد مر تحقيقُه في سورة يونس. {فَأَصَابَهُمْ} عطف على قوله تعالى: {فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} وما بـينهما اعتراضٌ لبـيان أن فعلَهم على ذلك ظلمٌ لأنفسهم {سَيّئَات مَا عَمِلُواْ} أي أجزيةُ أعمالِهم السيئة على طريقة تسمية المسبَّب باسم سببِه إيذاناً لفظاعته لا على حذف المضاف فإنه يوهم أن لهم أعمالاً غيرَ سيئاتهم {وَحَاقَ بِهِم} أي أحاط بهم من الحَيق الذي هو إحاطةُ الشر، وهو أبلغ من الإصابة وأفظع {مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} من العذاب.
القشيري
تفسير : القوم ينتظرون مجيءَ المَلَكِ لأنهم لم يعرفوه ولم يعتقدوا كونَه. ولكن لمَّا كانوا يستعجلون معتقدين أن الرسلَ غيرُ صادقين، ولمَّا سلكوا مسلكَ أضرابهم من المتقدمين - عوملوا بمثل ما لَقِي أسلافُهم، وما كان ذلك من الله ظلماً، لأنه يتصرف في مُلْكه من غير حُكْم حاكمٍ عليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {هل ينظرون} [ايا انتظار ميبرند كفار مكة] اى ما ينتظرون {الا ان تأتيهم الملائكة} اى ملك الموت واعوانه لقبض ارواحهم بالعذاب لمواظبتهم على الاسباب الموجبة له المؤدية اليه فكأنهم يقصدون اتيانه ويترصدون لوروده {او يأتى امر ربك} اى العذاب الدنيوى وقد اتى يوم بدر {كذلك} مثل فعل هؤلاء من الشرك والظلم والتكذيب والاستهزاء {فعل الذين} خلوا {من قبلهم} من الامم {وما ظلمهم الله} بما سيتلى من عذابهم {ولكن كانوا انفسهم يظلمون} بالكفر والمعاصى المؤدية اليه.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {هل ينظرون} أي: ما ينظر هؤلاء الكفرة، الذين قالوا فيما أنزل الله من الوحي: هو أساطير الأولين، {إلا أن تأتيهُم الملائكةُ}؛ لقبض أرواحهم، {أو يأتي أمرُ ربك}: قيام الساعة، أو العذاب المستأصِل لهم في الدنيا، {كذلك} أي: مثل ذلك التكذيب والشرك، {فعل الذين من قبلهم}، فأصابهم ما أصابهم، {وما ظلمهم الله} بإهلاكهم، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}؛ لكفرهم ومعاصيهم، المؤدية إلى عذابهم. {فأصابهم} جزاء {سيئات ما عملوا} من الكفر والمعاصي، وهو العذاب، {وحاقَ} أي: وأحاط {بهم ما كانوا به يستهزئون} أي: نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به. والحيْق لا يكون إلا في الشر. {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرَّمنا من دونه من شيء}؛ كالبحائر والسوائب والحوامي. قالوا ذلك على وجه المجادلة والمخاصمة، والاحتجاج على صحة فعلهم، أي: إنَّ فِعْلَنَا هو بمشيئة الله، فهو صواب، ولو شاء الله ألا نفعله ما فعلناه. والجواب: أن الاحتجاج بالقدر لا يصح في دار التكليف، وقد بعث الله الرسل بالنهي عن الشرك، وتحريم ما أحل الله، ونحن مكلفون باتباع الشريعة، لا بالنظر إلى فعل الحقيقة من غير شريعة؛ فإنه زندقة؛ فالشريعة رداء الحقيقة، فمن خرق رداء الشريعة، وتمسك بالحقيقة وحدها، فقد استحق العقاب، ولذلك قال تعالى: {كذلك فعل الذين من قَبلهم}؛ فأشركوا بالله، وحرموا ما أحل الله، وردوا رسله. {فهل على الرسلِ إلا البلاغُ المبين} أي: الإبلاغ الموضح للحق؛ فمن تمسك بما جاؤوا به فهو على صواب، ومن أعرض عنه فهو على ضلال، ولا ينفعه تمسكه بالحقيقة من غير اتباع الشريعة. والحقيقة هي أنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد، طاعة كان أو معصية، كفرًا أو إيمانًا، لكن الأمر غير تابع للإرادة، ونحن مكلفون باتباع الأمر فقط. ثم بيَّن أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم الماضية، جعلها سببًا لهدى من أراد اهتداءه، وزيادة الضلال لمن أراد إضلاله، كالغذاء الصالح، فإنه ينفع المزاج السوي - أي: المعتدل - ويقويه، ويضر المزاج المنحرف ويعييه، فقال: {ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً} قائلاً: {أن اعبدُوا الله واجتنبوا الطاغوت}؛ أي: يأمر بعبادة الله وحده واجتناب ما سواه، {فمنهم من هدى الله}؛ وفقهم للإيمان وأرشدهم إليه، {ومنهم من حقتْ عليه الضلالةُ}؛ فلم يوفقهم، ولم يُرد إرشادهم؛ فليس كل من تمسك بشيء وأمْهل فيه يدل أنه على صواب، كما ظن المشركون، بل النظر إلى ما جاءت به الرسل من الشرائع، وكلها متفقة على وجوب التوحيد وإبطال الشرك. ثم أمرهم بالنظر والاعتبار بحال من أشرك وكذب الرسل، فقال: {فسيروا في الأرض} يا معشر قريش، {فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}؛ كعاد وثمود وغيرهم، لعلكم تعتبرون. ثم نهى نبيه عن الحرص عليهم فقال: {إنْ تَحرِصْ} يا محمد {على هُداهم فإن الله لا يَهْدي من يُضِلُّ} أي: من يريد إضلاله وقضى بشقائه؛ وهو الذي حقت عليه الضلالة، وقرأ غير الكوفيين بالبناء للمفعول، وهو أبلغ، أي: فإن الله لا يُهدي من يضله، أي: لا يهدي غيرُ الله من يريد اللهُ إضلاله. {وما لهم من ناصرين}؛ ليس لهم من ينصرهم؛ يدفع العذاب عنهم. الإشارة: هل ينظر مَن عكف على دنياه، وأكب على متابعة حظوظه وهواه، إلا أن تنزل الملائكة لقبض روحه، فيندم حيث لا ينفع الندم، وقد زلت به القدم، فيتمنى ساعة تُزاد في عمره فلا يجدها، أو يأتي أمر ربك؛ أمرٌ يحول بينه وبين العمل الصالح كمرض مزمن، أو فتنة مضلة. كذلك فعل من قبله، اغتر بدنياه حتى اختطف لأخراه. وما ظلمهم الله، بل بعث الرسل وأخلفهم بأهل الوعظ والتذكير، فحادوا عنهم، فأصابهم جزاء سيئات ما عملوا من الغفلة والبطالة، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، من وبال التقصير، وفوات مقام أهل الجد والتشمير. وقال الذين أشركوا في محبة الله سواه؛ من الحظوظ وزهرة الدنيا: لو شاء الله ما فعلنا ذلك، محتجين بالقدر، مع الإقامة على البطالة والخذلان. كذلك فعل مَنْ قَبْلَهُمْ من أهل الغفلة، فهل على الرسل وخلفائهم إلا البلاغ المبين؟ فقد حذَّروا من متابعة الدنيا، وبلَّغوا أن الله غيور لا يُحب من أشرك معه غيره في محبته، فقد بعث في كل أمة وعصر نذيرًا، يأمر بعبادة الله وحده، واجتناب كل ما سواه؛ فمنهم من هداه الله، فاختاره لحضرته، فلم يُحب سواه. ومنهم من حقت عليه الضلالة عن مقام الخصوص، فبقي في مقام البعد؛ مُكَذِّبًا بطريق الخصوص. فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين؛ كان عاقبتهم الحرمان ولزوم الخذلان. ويقال للعارف المذكِّر لمثل هؤلاء: {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل}... الآية. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة إِلا عاصماً {إِلا أن يأتيهم} بالياء. الباقون بالتاء. وقد بينا وجهه، ومعنى قوله {هل ينظرون} ينتظرون، يعني هؤلاء الكفار إِلا أن تأتيهم الملائكة، يعني بالموت أو الهلاك، أو يأتي أمر ربك يعني يوم القيامة، ذكره مجاهد وقتادة. ثم أخبر تعالى ان الذين مضوا - فيما سلف من الكفار - فعلوا مثل فعل هؤلاء من تكذيب الرسل، وجحد توحيده، وانكار رسله، فأهلكهم الله فما الذي يؤمّن هؤلاء أن يهلكهم. ثم اخبر تعالى انه باهلاكه اياهم لم يظلمهم، ولكن هم الذين ظلموا انفسهم فيما مضى بالمعاصي التي استحقوا بها الهلاك. ثم اخبر تعالى انه اصابهم يعني الكفار جزاء سيئات اعمالهم، وهي القبائح، {وحاق بهم} اي حلّ بهم وبال {ما كانوا به يستهزئون} أي يسخرون برسل الله وبأنبيائه.
الجنابذي
تفسير : {هَلْ يَنْظُرُونَ} ينتظرون اى الّذين لا يؤمنون بالآخرة {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ} حين الموت {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} بالعذاب او بخروج القائم (ع) {كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ} بتدميرهم وعذابهم {وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} من العذاب او المعاد او الرّجعة او مطلق ما قاله رسلهم.
اطفيش
تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ} هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون لك {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ} وقرأ حمزة والكسائى بالتحتية {الْمَلاَئِكَةُ} ملك الموت وأعوانه لقبض الأَرواح ولا بأس عندى بنسبة قبض الروح للملائكة بمعنى تسببهم فى خروجها بالعصر أو عروجهم بها إِلى السماء بعد خروجها خلافا لمن شدد فى ذلك وألزم أن لا ينسب إِلا إِلى الله {أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ} وهو عذاب الاستئصال أو يوم القيامة ويجوز أن يراد بإِتيان الملائكة إِتيانهم العذاب الاستئصال وبإِتيان أمر ربك يوم القيامة وانتظارهم ذلك كناية عن أنهم مستوجبون لعذاب الاستئصال أو لا محيد عن الموت أو موافاة القيامة لهم {كَذَلِكَ} أى مثل ذلك الكفر {فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأُمم فأَهلكهم الله {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ} بالإِهلاك {وَلِكنِ كَانُوا أنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بفعل ما يؤدى إِلى الهلاك.
اطفيش
تفسير : {هَلْ يَنْظُرُونَ} ما ينتظر الكفار المذكورين، أو الكفار مطلقا فيدخلون بالعموم، وعلى الأَول غيرهم يقاس عليهم بل ذكر فى غير الآية أَيضا {إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ} عزرائيل وأعوانه لقبض أرواحهم، والقابض الله تحقيقا لو شاءَ الله لعصروا الروح فلا تخرج {أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ} العذاب مع الموت أَو بدونه أَو القيامة وفيها الموت والعذاب، وإذا جاءَ وقت ذلك ولات وقت نفع "أية : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته" تفسير : [النساء: 159] " أية : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأَسنا "تفسير : [غافر: 85] لما كان ذلك يلحقهم لحوق المنتظر لتعاطيهم أسبابه شبهوا بالمنتظر ففى ذلك استعارة تبعية، وذلك فى أنهم غير متوقعين فأَطلق عليهم لفظ المتوقع، وهذا مبنى على مجاز وهو استعمال النظر بمعنى الانتظار، فالنظر بمعنى الانتظار والانتظار غير حقيقى بل مشبه بالتوقع الحقيقى وهم غير متوقعين للعذاب تحقيقا، والنظر بمعنى الانتظار من مجاز الأول وكأنه وقع المنتظر فصار ينتظر وفى ذلك ظهر لى تصاريف أَُخر لا أُحب الإطالة بها ولا يلائم المقام التفسير بأَنهم ما ينتظرون فى تصديقك إلا أن تشهد الملائِكة بنبوتك كقولهم: "أية : لولا أنزل عليه ملك"تفسير : [الأنعام: 8] وَأو لمنع الخلو لا لمنع الجمع لجواز اجتماع العذاب ثم الموت بعده {كذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} كذب الأُمم السابقة كما كذب قومك وأشركوا فأُهلكوا، فليحذر قومك الإهلاك بتكذيبهم وإشراكهم {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ} بإهلاكهم لأنه أَهلكهم بذنوبهم {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بفعل موجبات الهلاك.
الالوسي
تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ} أي ما ينتظر كفار مكة المار ذكرهم {إِلا أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} لقبض أرواحهم كما روي عن قتادة ومجاهد وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب وطلحة والأعمش {يَأْتِيهِمُ} بالياء آخر الحروف {أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ} أي القيامة كما روي عمن تقدم أيضاً، وقال بعضهم: المراد به العذاب الدنيوي دونها لا لأن انتظارها يجامع انتظار إتيان الملائكة فلا يلائمه العطف بأو لا لأنها ليست نصاً في العناد إذ يجوز أن يعتبر منع الخلو ويراد بإيرادها كفاية كل واحد من الأمرين في عذابهم بل لأن قوله تعالى فيما سيأتي إن شاء الله تعالى: {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} {أية : فَأَصَابَهُمْ} تفسير : [النحل: 34] الآية صريح في أن المراد به ما أصابهم من العذاب الدنيوي وفيه منع ظاهر، ويؤيد إرادة الأول التعبير ـ بيأتي ـ دون يأتيهم، وقيل: المراد بإتيان الملائكة إتيانهم للشهادة بصدق النبـي صلى الله عليه وسلم أي ما ينتظرون في تصديقك إلا أن تنزل الملائكة تشهد بنبوتك فهو كقوله تعالى: {أية : لَوْلا أُنزِلَ علَيْهِ ملك } تفسير : [الأنعام: 8] والجمهور على الأول، وجعلوا منتظرين لذلك مجازاً لأنه يلحقهم لحوق الأمر المنتظر كما قيل. واختير أن ذلك لمباشرتهم أسباب العذاب الموجبة له المؤدية إليه فكأنهم يقصدون إيتاءه ويتصدون لوروده، ولا يخفى ما في التعبير بالرب وإضافته إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من اللطف به عليه الصلاة والسلام، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى وجه ربط الآيات. {كَذٰلِكَ} أي مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب {فَعَلَ ٱلَّذِينَ} خلوا {مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ} إذ أصابهم جزاء فعلهم {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالاستمرار على فعل القبائح المؤدي لذلك، قيل: وكان الظاهر أن يقال: {أية : وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : كما في سورة الزخرف [76] لكنه أوثر ما عليه النظم الكريم لإفادة أن غائلة ظلمهم آيلة إليهم وعاقبته مقصورة عليهم مع استلزام اقتصار ظلم كل أحد على نفسه من حيث الوقوع اقتصاره عليه من حيث الصدور.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني ناشىء عن جملة {أية : وقد مكر الذين من قبلهم} تفسير : [سورة الرعد: 42] لأنّها تثير سؤال من يسأل عن إبّان حلول العذاب على هؤلاء كما حلّ بالّذين من قبلهم، فقيل: ما ينظرون إلا أحد أمرين هما مجيء الملائكة لقبض أرواحهم فيحقّ عليهم الوعيد المتقدم، أو أن يأتي أمرُ الله. والمراد به الاستئصال المعرّض بالتهديد في قوله: {أية : فأتى الله بنيانهم من القواعد} تفسير : [سورة النحل: 26]. والاستفهام إنكاري في معنى النّفي، ولذلك جاء بعده الاستثناء. {وينظرون} هنا بمعنى الانتظار وهو النظِرة. والكلام موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم تذكيراً بتحقيق الوعيد وعدم استبطائه وتعريضاً بالمشركين بالتحذير من اغترارهم بتأخّر الوعيد وحثّاً لهم على المبادرة بالإيمان. وإسناد الانتظار المذكور إليهم جار على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيلهم منزلة من ينتظر أحد الأمرين، لأنّ حالهم من الإعراض عن الوعيد وعدم التفكّر في دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم مع ظهور تلك الدلائل وإفادتها التحقّق كحال من أيقن حلول أحد الأمرين به فهو يترقّب أحدهما، كما تقول لمن لا يأخذ حِذره من العدوّ: ما تترقّب إلاّ أن تقع أسيراً. ومنه قوله تعالى: {أية : فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} تفسير : [سورة يونس: 102] وقوله تعالى: {أية : إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين} تفسير : [سورة القصص: 19]. وهذا قريب من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه وما هو بذلك. وجملة {كذلك فعل الذين من قبلهم} تنظير بأحوال الأمم الماضية تحقيقاً للغرضين. والإشارة إلى الانتظار المأخوذ من {ينظرون} المراد منه الإعراض والإبطاء، أي كإبطائهم فعل الذين من قبلهم، فيوشك أن يأخذهم العذاب بغتة كما أخذ الذين من قبلهم. وهذا تحذير لهم وقد رفع الله عذاب الاستئصال عن أمّة محمد ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ ببركته ولإرادته انتشار دينه. و{الذين من قبلهم} هم المذكورون في قوله تعالى: {أية : وقد مكر الذين من قبلهم} تفسير : [سورة الرعد: 42]. وجملة{وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} معترضة بين جملة {الذين من قبلهم} [سورة النحل: 33] وجملة {فأصابهم سيئات ما عملوا}. ووجه هذا الاعتراض أن التعرّض إلى ما فعله الذين من قبلهم يشير إلى ما كان من عاقبتهم وهو استئصالهم، فعُقب بقوله تعالى: {وما ظلمهم الله}، أي فيما أصابهم. ولمّا كان هذا الاعتراض مشتملاً على أنهم ظلموا أنفسهم صار تفريع {فأصابهم سيئات ما عملوا} عليه أو على ما قبله. وهو أسلوب من نظم الكلام عزيز. وتقديرُ أصله: كذلك فعل الذين من قبلهم وظلموا أنفسهم فأصابهم سيئات ما عملوا وما ظلمهم الله. ففي تغيير الأسلوب المتعارف تشويق إلى الخبر، وتهويل له بأنه ظُلم أنفسهم، وأن الله لم يظلمهم، فيترقّب السامع خبراً مفظعاً وهو {فأصابهم سيئات ما عملوا}. وإصابة السيئات إما بتقدير مضاف، أي أصابهم جزاؤها، أو جعلت أعمالهم السيئة كأنها هي التي أصابتهم لأنها سبب ما أصابهم، فهو مجاز عقلي. و{حاق}: أحاط. والحَيْق: الإحاطة. ثم خصّ الاستعمالُ الحيقَ بإحاطة الشرّ. وقد تقدّم الكلام على ذلك عند قوله تعالى: {أية : فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} تفسير : في أوائل سورة الأنعام (10). و{ما} موصولة، ما صْدقها العذاب المتوعدون به. والباء في {به} للسببية. وهو ظرف مستقِرّ هو صفة لمفعول مطلق. والتقدير: الذي يستهزئون استهزاء بسببه، أي بسبب تكذيبهم وقوعَه. وهذا استعمال في مثله. وقد تكرّر في القرآن، من ذلك ما في سورة الأحقاف، وليست الباء لتعدية فعل {يستهزءون} وقدّم المجرور على عامل موصوفه للرّعاية على الفاصلة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمَلائِكَةُ} (33) - يُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى المُشْرِكِينَ عَلَى تَمَادِيهِمْ فِي الكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ، وَاغْتِرَارِهِمْ بِالدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ سَيَظَلُّ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ مُقِيمِينَ عَلَى شِرْكِهِمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ المَلاَئِكَةُ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، وَهُمْ ظَالِمُونَ لأَِنْفُسِهِمْ، أَوْ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ اللهِ فَيُهْلِكَهُمْ جَمِيعاً؟ فَإِنَّهُمْ بِعِنَادِهِمْ، وَبَقَائِهِمْ عَلَى شِرْكِهِمْ، لاَ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ المَلاَئِكَةَ تَأْتِي لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ وَهُمْ ظَالِمُونَ لأَِنْفُسِهِمْ، بِالشِّرْكِ، وَعَمَلِ السَّيِّئَاتِ، أَوْ أَنْ يَأْتِيَهُمْ يَوْمُ القِيَامَةِ (أَمْرُ رَبِّكَ)، وَمَا يُعَايِنُونَ فِيهِ مِنَ الأَهْوَالِ؟ (وَقِيلَ بَلِ المَقْصُودُ هُنَا أَنْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ بِالعَذَابِ فِي الدُّنْيا، كَمَا فَعَلَ بِأَسْلاَفِهِم مِنَ الكُفَّارِ فَيُرْسِلُ عَلَيْهِم الصَّوَاعِقَ، أَوْ يَخْسِفُ بِهِمْ الأَرْضَ). وَكَمَا فَعَلَ مُشْرِكُو مَكَّةَ، وَتَمَادَوْا فِي كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، كَذَلِكَ فَعَلَ أَسْلاَفُهُمْ وَنُظَراؤُهُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَاسْتَمَرُّوا عَلَى غَيِّهِمْ وَضَلاَلِهِمْ، حَتَّى حَلَّ بِهِمْ عَذَابُ اللهِ وَبَأْسُهُ وَنَكَالُهُ. وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ بِإِنْزَالِ العَذَابِ بِهِمْ، لأَِنَّهُ أَعْذَرَ إِلَيْهِمْ، وَأَقَامَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ، بِإِرْسَالِ رُسُلِهِ إِلَيْهِمْ، وَإِنْزَالِ الكُتُبِ، وَلَكِنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالكُفْرِ، وَبِمُخَالَفَةِ الرُّسُلِ، وَبِالتَّكْذِيبِ بِمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن عرضتْ الآيات جزاء المتقين الذين قالوا خيراً، عادتْ لهؤلاء الذين قالوا {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} الذين يُصادمون الدعوة إلى الله، ويقفون منها موقف العداء والكَيْد والتربُّص والإيذاء. وهذا استفهام من الحق تبارك وتعالى لهؤلاء: ماذا تنتظرون؟! بعدما فعلتم بأمر الدعوة وما صَدْدتُم الناس عنها، ماذا تنتظرون؟ أتنتظرون أنْ تَرَوْا بأعينكم، ليس أمامكم إلا أمران: سيَحُلاَّن بكم لا محالة: إما أنْ تأتيكم الملائكة فتتوفاكم، أو يأتي أمرُ ربِّك، وهو يوم القيامة ولا ينجيكم منها إلا أنْ تؤمنوا، أم أنكم تنتظرون خيْراً؟! فلن يأتيكم خير أبداً .. كما قال تعالى في آيات أخرى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..} تفسير : [النحل: 1]. وقال: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ..} تفسير : [القمر: 1]. وقال: {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ..} تفسير : [الأنبياء: 1]. إذن: إنما ينتظرون أحداثاً تأتي لهم بشَرٍّ: تأتيهم الملائكة لقبْض أرواحهم في حالة هم بها ظالمون لأنفسهم، ثم يُلْقون السَّلَم رَغْماً عنهم، أو: تأتيهم الطامة الكبرى وهي القيامة. ثم يقول الحق سبحانه: {كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..} [النحل: 33]. أي: ممَّن كذَّب الرسل قبلهم .. يعني هذه مسألة معروفة عنهم من قبل: {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ ..} [النحل: 33]. أي: وما ظلمهم الله حين قدَّر أنْ يُجازيهم بكذا وكذا، وليس المراد هنا ظلمهم بالعذاب؛ لأن العذاب لم يحُلّ بهم بعد. {وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 33]. وهذا ما نُسمِّيه بالظلم الأحمق؛ لأن ظلم الغير قد يعود على الظالم بنوع من النفع، أما ظُلْم النفس فلا يعود عليها بشيء؛ وذلك لأنهم أسرفوا على أنفسهم في الدنيا فيما يخالف منهج الله، وبذلك فَوَّتوا على أنفسهم نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، وهذا هو ظلمهم لأنفسهم. ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: هل ينظر هؤلاء الذين جاءتهم الآيات فلم يؤمنوا، وذكِّروا فلم يتذكروا، { إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ } لقبض أرواحهم { أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ } بالعذاب الذي سيحل بهم فإنهم قد استحقوا وقوعه فيهم، { كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } كذبوا وكفروا، ثم لم يؤمنوا حتى نزل بهم العذاب. { وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ } إذ عذبهم { وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } فإنها مخلوقة لعبادة الله ليكون مآلها إلى كرامة الله فظلموها وتركوا ما خلقت له، وعرضوها للإهانة الدائمة والشقاء الملازم. { فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا } أي: عقوبات أعمالهم وآثارها، { وَحَاقَ بِهِمْ } أي: نزل { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } فإنهم كانوا إذا أخبرتهم رسلهم بالعذاب استهزأوا به، وسخروا ممن أخبر به فحل بهم ذلك الأمر الذي سخروا منه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):