١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
34
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} قيل: فيه تقديم وتأخير؛ التقدير: كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم سيئات ما عملوا، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فأصابهم عقوبات كفرهم وجزاء الخبيث من أعمالهم. {وَحَاقَ بِهِم} أي أحاط بهم ودار. {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي عقاب استهزائهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَصَابَهُمْ سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أي جزاؤها {وَحَاقَ } نزل {بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } أي العذاب.
النسفي
تفسير : {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } جزاء سيئات أعمالهم {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} وأحاط بهم جزاء استهزائهم: { وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلآ ءابَآؤُنَا } هذا كلام صدر منهم استهزاء ولو قالوه اعتقاداً لكان صواباً {وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ} يعني البحيرة والسائبة ونحوهما {كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي كذبوا الرسل وحرموا الحلال وقالوا مثل قولهم استهزاء {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } إلا أن يبلغوا الحق ويطّلعوا على بطلان الشرك وقبحه {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } بأن وحدوه {وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ } الشيطان يعني طاعته {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ } لاختيارهم الهدى {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ } أي لزمته لاختياره إياها {فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} حيث أهلكهم الله وأخلى ديارهم عنهم. ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إيمانهم وأعلمه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة فقال {إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ } بفتح الياء وكسر الدال: كوفي. الباقون: بضم الياء وفتح الدال، والوجه فيه أن {من يضل} مبتدأ و{لا يهدي} خبره {وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ } يمنعونهم من جريان حكم الله عليهم ويدفعون عنهم عذابه الذي أعد لهم. {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } معطوف على {وقال الذي أشركوا} {لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ } هو إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا } وهو مصدر مؤكد لما دل عليه {بلى} لأن {يبعث} موعد من الله وبين أن الوفاء بهذا الوعد حق {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } أن وعده حق أو أنهم يبعثون
اسماعيل حقي
تفسير : {فاصابهم} عطف على قوله فعل الذين من قبلهم. والمعنى بالفارسية [رسيد ايشانرا بحكم عدل]{سيآت ما عملوا} اى اجزية اعمالهم السيئة على طريقة تسمية المسبب باسم سببه ايذانا بفظاعته لا على حذف المضاف فانه يوهم ان لهم اعمالا غير سيآتهم {وحاق بهم} اى احاط بهم ونزل من الحيق الذى هو احاطة الشرك كما فى القاموس الحيق ما يشتمل على الانسان من مكروه فعله {ما كانوا به يستهزئون} من العذاب الموعود.
الهواري
تفسير : قوله: { فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا} أي: ثواب ما عملوا { وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي: بآيات الله والرسل. قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاَ ءَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} أي: ما حرّموا على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام والزرع. وهو قوله: (أية : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا: هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا....)تفسير : إلى آخر الآية. [الأنعام:136]. وقالوا لو كره الذي نحن عليه لحوّلنا عنه. فقال الله جواباً لقولهم: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا} أي: عذابنا. وقد ذكر عنهم في سورة الأنعام قبل هذا القول فقال: {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} أي: هل عندكم من حجة أنه لا يكره ما أنتم عليه (أية : إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ) تفسير : [الأنعام:148] وقال في هذه الآية: { كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ البَلاَغُ المُبِينُ} أي: ليس على الرسل إلا أن تبلغ أممها ما أرسلها به ربها إليهم، ليس عليهم أكثر من ذلك. قوله: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} يعني ممن أهلك بالعذاب { أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} والطاغوت الشيطان، هو دعاهم إلى عبادة الأوثان وهو مثل قوله: (أية : إِن يَّدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً) تفسير : [النساء:117]. قال: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ} كقوله: (أية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) تفسير : [هود:105]. والذين حقّت عليهم الضلالة والذين شقوا إنما ضلوا وشقوا بأعمالهم. قال: {فَسِيرُوا في الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} أي: الرسل. كان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم ثم صيّرهم إلى النار.
اطفيش
تفسير : {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا} أى جزاء سيئات ما عملوا وحذف المضاف أو معنى السيئات الجزاء تسمية للجزاء باسم سببه أو باسم ملزومه وإِنما ذكر إِصابة الجزاء مع أن قوله وما ظلمهم الله مغن عنه من حيث أن المعنى ما ظلمهم بالإهلاك كما علمت ليبنى عليه ما بعده وليفيد بالفاء أن موجب الإِهلاك ظلمهم أنفسهم ويجوز أن تكون الجملة معترضة ومحلها بعد قوله يستهزئون والأَصل كذلك فعلى الذين من قبلهم فأَصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون وما ظلمهم الله أى بإِصابة سيئات ما عملوا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ويجوز أن يكون المعنى ما ظلمهم بالهلاك ولكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيئات ما عملوا أى عوقبوا فى قبورهم، أو ما ظلمهم الله بالجبر على الأَفعال المؤدية للهلاك لأَنه لم يجبرهم بل اختاروها {وَحَاقَ} أى نزل أو أحاط ولا يستعملوا فى الخير {بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهزِئُونَ} أى جزاء ما استهزأوا به من الوحى والرسل أى الجزاء اللازم على استهزائهم بذلك ويجوز كون ما مصدرية وعود الهاء من به إلى أمر ربك على أن معنى أمر ربك عذاب الاستئصال أى وحاق بهم جزاء استهزائهم بأَمره.
اطفيش
تفسير : {فََأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا} عطف على فعل أى كما فعل الذين من قبلهم فأصابهم سيئات ما عملوا، وسيئَات ما عملوا جزاءَ سيئات ما عملوه، أَو جزاءَ عملهم، فما موصول اسمى أو حرفى والمضاف مقدر فيهما كما رأَيت، أَو سيئات بمعنى الجزاء تسمية للجزاءِ باسم سببه، أو للمشاكلة التقديرية لأَنهم عملوا سيئات، ولم تذكر هنا كقوله تعالى: "أية : صبغة الله "تفسير : [البقرة: 138] وهى الإسلام فى مقابلة ذكر النصارى صبغهم أولادهم فى ماء أَصفر ليتحققوا فى النصرانية {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتهْزئُونَ} نزل بهم العذاب الذى استهزءوا به، أَو جزاءَ استهزائهم بالأَنبياءِ والكتب، وأصل الحيق الإحاطة بالشىءِ ولكن خص بالشر.
الالوسي
تفسير : {فَأَصَابَهُمْ سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} أي أجزية أعمالهم السيئة على طريقة إطلاق اسم السبب على المسبب إيذاناً بفظاعته، وقيل: الكلام على حذف المضاف. وتعقب بأنه يوهم أن لهم أعمالاً غير سيئة والتزم ومثل ذلك بنحو صلة الأرحام، ولا يخفى أن المعنى ليس على التخصيص، والداعي إلى ارتكاب أحد الأمرين أن الكلام بظاهره يدل على أن ما أصابهم سيئة، وليس بها. وقد يستغنى عن ارتكاب ذلك لما ذكر بأن ما يدل عليه الظاهر من باب المشاكلة كما في قوله تعالى: {أية : وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] كما في "الكشاف". {وَحَاقَ بِهِم} أي أحاط بهم، وأصل معنى الحيق الإحاطة مطلقاً ثم خص في الاستعمال بإحاطة الشر، فلا يقال: أحاطت به النعمة بل النقمة وهذا أبلغ وأفظع من أصابهم {مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ} أي من العذاب كما قيل على أن {ما} موصولة عبارة عن العذاب، وليس في الكلام حذف ولا ارتكاب مجاز على/ نحو ما مر آنفاً، وقيل: {مَا} مصدرية وضمير {بِهِ} للرسول عليه الصلاة والسلام وإن لم يذكر، والمراد أحاط بهم جزاء استهزائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم أو موصولة عامة للرسول عليه الصلاة والسلام وغيره وضمير {بِهِ} عائد عليها والمعنى على الجزاء أيضاً، ولا يخفى ما فيه، وأياً ما كان {فبه} متعلق ـ بيستهزؤون ـ قدم للفاصلة. هذا ثم إن قوله تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ } تفسير : [النحل: 33] الخ على ما في "الكشف" رجوع إلى عد ما هم فيه من العناد والاستشراء في الفساد وأنهم لا يقلعون عن ذلك كأسلافهم الغابرين إلى يوم التناد، وما وقع من أحوال اضدادهم في البين كان لزيادة التحسير والتبكيت والتخسير، وفيه دلالة على أن الحجة قد تمت وأنه صلى الله عليه وسلم أدى ما عليه من البلاغ المبين، وقوله تعالى: {فَأَصَابَهُمْ} عطف على {أية : فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } تفسير : [النحل: 33] مترتب إذ المعنى كذلك التكذيب والشرك فعل أسلافهم وأصابهم ما أصابهم، وفيه تحذير مما فعله هؤلاء وتذكير لقوله سبحانه: {أية : قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } تفسير : [النحل: 26] ولا يخفى حسن الترتب على ذلك لأن التكذيب والشرك تسببا لإصابة السيئات لمن قبلهم، وقوله سبحانه: {أية : وَمَا ظَلَمَـهُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [النحل: 33] اعتراض واقع حاق موقعه، وجعل ذلك راجعاً إلى المفهوم من قوله تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ } تفسير : [النحل: 33] أي كذلك كان من قبلهم مكذبين لزمتهم الحجة منتظرين فاصابهم ما كانوا منتظرين سديد حسن إلا أن معتمد الكلام الأول وهو أقرب مأخذاً، ودلالة {فَعَلَ} عليه أظهر، فهذه فذلكة ضمنت محصل ما قابلوا به تلك النعم والبصائر وأدمج فيها تسليته صلى الله عليه وسلم والبشرى بقلب الدائرة على من تربص به وبأصحابه عليه الصلاة والسلام الدوائر وختمت بما يدل على أنهم انقطعوا فاحتجوا بآخر ما يحتج به المحجوج يتقلب عليه فلا يبصر إلا وهو مثلوج مشجوج وهو ما تضمنه قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآء ٱللَّهُ...}.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَسْتَهْزِئُونَ} (34) - وَلِهذَا حَلَّ بِهِمْ عَذَابُ اللهِ الأَلِيمُ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى مَا فَعَلُوا، وَأَحَاطَ بِهِمْ (حَاقَ بِهِمْ)، وَقَدْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَهْزِئُونَ بِهذا العَذَابِ، حِينَ كَانَ الرُّسُلُ يُحَذِّرُونَهُمْ مِنْهُ، وَلِهذا يُقَالُ لَهُمْ، يَوْمَ القِيَامَةِ: {أية : هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ}، تفسير : كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى. حَاقَ بِهِم - أَحَاطَ بِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: أنهم لما ظلموا أنفسهم أصابهم جزاء ذلك، وسُمِّي ما يُفعل بهم سيئة؛ لأن الحق تبارك وتعالى يُسمّي جزاء السيئة سيئة في قوله: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ..} تفسير : [الشورى: 40]. ويقول تعالى: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ..} تفسير : [النحل: 126]. وهذه تُسمّى المشاكلة، أي: أن هذه من جنس هذه. وقوله تعالى: {مَا عَمِلُواْ} العمل هو مُزَاولة أيِّ جارحة من الإنسان لمهمتها، فكُلُّ جارحة لها مهمة. الرِّجْل واليد والعَيْن والأُذن .. الخ. فاللسان مهمته أن يقول، وبقية الجوارح مهمتها أنْ تفعل. إذن: فاللسان وحده أخذ النصف، وباقي الجوارح أخذتْ النصف الآخر؛ ذلك لأن حصائد الألسنة عليها المعوّل الأساسي. فكلمة الشهادة: لا إله إلا الله لا بُدَّ من النطق بها لنعرف أنه مؤمن، ثم يأتي دَوْر الفعل ليُساند هذا القول؛ لذا قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2-3]. وبالقول تبلُغ المناهج للآذان .. فكيف تعمل الجوارح دون منهج؟ ولذلك فقد جعل الحق تبارك وتعالى للأذن وَضْعاً خاصاً بين باقي الحواس، فهي أول جارحة في الإنسان تؤدي عملها، وهي الجارحة التي لا تنقضي مهمتها أبداً .. كل الجوارح لا تعمل مثلاً أثناء النوم إلا الأذن، وبها يتم الاستدعاء والاستيقاظ من النوم. وإذا استقرأت آيات القرآن الكريم، ونظرت في آيات الخلق ترى الحق تبارك وتعالى يقول: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 78]. ثم هي آلة الشهادة يوم القيامة: {أية : حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم ..} تفسير : [فصلت: 20]. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً} تفسير : [الكهف: 11]. ومعنى: ضربنا على آذانهم، أي: عطلنا الأذن التي لا تعطل حتى يطمئن نومهم ويستطيعوا الاستقرار في كهفهم، فلو لم يجعل الله تعالى في تكوينهم الخارجي شيئاً معيناً لما استقر لهم نوم طوال 309 أعوام. ويقول الحق تعالى: {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [النحل: 34]. بماذا استهزأ الكافرون؟ استهزأوا بالبعث والحساب وما ينتظرهم من العذاب، فقالوا كما حكى القرآن: {أية : أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ}تفسير : [الصافات: 16-17]. وقالوا: {أية : أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ..} تفسير : [السجدة: 10]. ثم بلغ بهم الاستهزاء أن تعجَّلوا العذاب فقالوا: {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [الأعراف: 70]. وقالوا: {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً ..} تفسير : [الإسراء: 92]. وهل يطلب أحد من عدوه أن يُنزِل به العذاب إلا إذا كان مستهزئاً؟ فقال لهم الحق تبارك وتعالى: إنكم لن تقدروا على هذا العذاب الذي تستهزئون به. فقال: {وَحَاقَ بِهِم ..} [النحل: 34]. أي: أحاط ونزل بهم، فلا يستطيعون منه فراراً، ولا يجدون معه منفذاً للفكاك، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ} تفسير : [البروج: 20]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ...}.
الجيلاني
تفسير : {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} عتواً وعناداً {وَحَاقَ} وأحاط {بِهِم} جزاء {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [النحل: 34] استكباراً واستنكاراً. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} من غاية انهماكهم في الغي والضلال، وشدة إنكارهم وشكيمتهم، متهكمين على وجه الاحتجاج: {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} الواحد الأحد، المستقل في الأفعال بالإرادة والاختيار، على زعمكم عدم عبادتنا لآلهتنا وأصنامنا {مَا عَبَدْنَا} ألبتة {مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا} إذ مراده مقضي حتماً {وَ} أيضاً {لاَ حَرَّمْنَا} نحن ولا آباؤنا من البحائر وغيرها {مِن دُونِهِ} أي: بدون إذنه وإرادته ومشيئته {مِن شَيْءٍ} إذ لا يعارض فعله هذا صورة احتجاجهم واستدلالهم. {كَذٰلِكَ} أي: مثل استدلال هؤلاء الطغاة الغواة، الهالكين في تيه الغفلة والعناد {فَعَلَ ٱلَّذِينَ} خلوا {مِن قَبْلِهِمْ} فأرسل عليهم رسلاً، فكذبوهم وأنكروا عليهم، فأخذهم الله بذنوبهم، فأهكلهم بأنواع العذاب والعقاب؛ لأن إرادة الله لم تتعلق بإيمانهم وهدايتهم {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ} أي: ما على الرسل {إِلاَّ ٱلْبَلاغُ} أي: تبليغ ما أرسلوا به {ٱلْمُبِينُ} [النحل: 35] أي: على وجه التوضيح والتبيين؛ لئلا يبقى لهم شك وتردد في سماعه، وأما قبولهم وانصافهم بها وهدايتهم، فأمرُ استأثروا الله به، ليس لهم أن يخوضوا فيه؛ لأنه خارج عن وسعهم وطاقتهم. ثمَّ فصل سبحانه ما أجمل بقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ} من الأمم الهالكة السالفة حين اختل أمور دينهم {رَّسُولاً} منهم، قائلاً لهم: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} المنصف بالوحدانية والفردانية، المستقل بالوجود والآثار المترتبة عليه، المنزه عن الشريك والأمثال {وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ} أي: الآلهة المضلة التي أنتم تتخذونها من تلقاء أنفسكم ظلماً وزوراً، ثمَّ لما بلغهم الرسول جميع ما جاء به من عندنا {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ} بأن أراد هدايته فهداه {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ} أي: استمرت وثبتت {عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ} وتمرنت بقلبه؛ لتعلق مشيئة الله بضلاله، وإن ترددتم فيه {فَسِيرُواْ} أيها الشاكون المترددون {فِي ٱلأَرْضِ} التي هي مساكنهم ومنازلهم {فَٱنظُرُواْ} واعتبروا من آثارهم وأطلالهم {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36] المستهزئين للرسل والكتب. {إِن تَحْرِصْ} يا أكمل الرسل {عَلَىٰ هُدَاهُمْ} وتريد هدايتهم، إنك لا تهدي من أحببت {فَإِنَّ ٱللَّهَ} الحكيم الهادي لعباده على مقتضى علمه باستعدادتهم {لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} أي: لا يريد هداية من أراد ضلاله في ساب علمه، ولوح وفضائه {وَمَا لَهُمْ} بعدما أراد الله إظلالهم {مِّن نَّاصِرِينَ} [النحل: 37] ينصرهم على الهداية، ويشفع فهم حتى ينقذهم على الضلال. {وَ} من خبث طينتهم، وشدة بغضهم وضغينتهم {قْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي: أغلظوا فيها وأكدوا، قائلين {لاَ يَبْعَثُ ٱللَّأَهُ} ولا يحيى مرة أخرى {مَن يَمُوتُ} بأن زال الروح الحيواني عنه، ثمَّ قال سبحانه راداً لهم، وتخطئة على أبلغ وجه وآكده أيضاً: {بَلَىٰ} يبعثون؛ إذ وعد الله البعث والحشر {وَعْداً} صدقاً {عَلَيْهِ} سبحانه إنجاز ما وعد {حَقّاً} حتماً وفاءً لوعده، وإيفاءً لحكمه، مع أنه القادر المقتدر بالقدرة الكاملة على كل ما دخل تحت حيطة إرادته ومشيئته {وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [النحل: 38] حق قدرته، وقدر قدرته وسطوته وسطوته وبسطته. وإنما ينجز الوعد الموعود {لِيُبَيِّنَ} ويوضح {لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} بل يستعبدونه ويستحيلونه {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} له، وأنكروا عليه عناداً ومكبارةً {أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ} [النحل: 39] في إصرار عدم وقوعه وتكذيبه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):