Verse. 1936 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَقَالَ الَّذِيْنَ اَشْرَكُوْا لَوْ شَاۗءَ اللہُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُوْنِہٖ مِنْ شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَاۗ اٰبَاۗؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُوْنِہٖ مِنْ شَيْءٍ۝۰ۭ كَذٰلِكَ فَعَلَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِہِمْ۝۰ۚ فَہَلْ عَلَي الرُّسُلِ اِلَّا الْبَلٰغُ الْمُبِيْنُ۝۳۵
Waqala allatheena ashrakoo law shaa Allahu ma AAabadna min doonihi min shayin nahnu wala abaona wala harramna min doonihi min shayin kathalika faAAala allatheena min qablihim fahal AAala alrrusuli illa albalaghu almubeenu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال الذين أشركوا» من أهل مكة «لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء» من البحائر والسوائب فإشراكنا وتحريمنا بمشيئته فهو راض به، قال تعالى: «كذلك فعل الذين من قبلهم» أي كذبوا ربهم فيما جاءوا به «فهل» فما «على الرسل إلا البلاغ المبين» إلا البلاغ البيِّن وليس عليهم الهداية.

35

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو الشبهة الثالثة لمنكري النبوة، وتقريرها: أنهم تمسكوا بصحة القول بالجبر على الطعن في النبوة فقالوا: لو شاء الله الإيمان لحصل الإيمان، سواء جئت أو لم تجىء، ولو شاء الله الكفر فإنه يحصل الكفر سواء جئت أو لم تجىء، وإذا كان الأمر كذلك فالكل من الله تعالى، ولا فائدة في مجيئك وإرسالك، فكان القول بالنبوة باطلاً، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذه الشبهة هي عين ما حكى الله تعالى عنهم في سورة الأنعام في قوله: { أية : سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَىْء كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } تفسير : [الأنعام: 148] واستدلال المعتزلة به مثل استدلالهم بتلك الآية. والكلام فيه استدلالاً واعتراضاً عين ما تقدم هناك فلا فائدة في الإعادة، ولا بأس بأن نذكر منه القليل فنقول: الجواب عن هذه الشبهة هي أنهم قالوا: لما كان الكل من الله تعالى كان بعثة الأنبياء عبثاً. فنقول: هذا اعتراض على الله تعالى، فإن قولهم: إذا لم يكن في بعثة الرسول مزيد فائدة في حصول الإيمان ودفع الكفر كانت بعثة الأنبياء غير جائزة من الله تعالى، فهذا القول جار مجرى طلب العلة في أحكام الله تعالى وفي أفعاله، وذلك باطل، بل الله تعالى أن يحكم في ملكه وملكوته ما يشاء ويفعل ما يريد، ولا يجوز أن يقال له: لم فعلت هذا ولم لم تفعل ذلك؟ والدليل على أن الإنكار إنما توجه إلى هذا المعنى أنه تعالى صرح في آخر هذه الآية بهذا المعنى فقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوت} فبين تعالى أن سنته في عبيده إرسال الرسل إليهم، وأمرهم بعبادة الله ونهيهم عن عبادة الطاغوت. ثم قال: {َ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ } والمعنى: أنه تعالى وإن أمر الكل بالإيمان، ونهى الكل عن الكفر، إلا أنه تعالى هدى البعض وأضل البعض، فهذه سنة قديمة لله تعالى مع العباد، وهي أنه يأمر الكل بالإيمان وينهاهم عن الكفر، ثم يخلق الإيمان في البعض والكفر في البعض. ولما كانت سنة الله تعالى في هذا المعنى سنة قديمة في حق كل الأنبياء وكل الأمم والملل وإنما يحسن منه تعالى ذلك بحكم كونه إلهاً منزهاً عن اعتراضات المعترضين ومطالبات المنازعين، كان إيراد هذا السؤال من هؤلاء الكفار موجباً للجهل والضلال والبعد عن الله فثبت أن الله تعالى إنما حكم على هؤلاء باستحقاق الخزي واللعن، لا لأنهم كذبوا في قولهم: {لَوْ شَآء ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ } بل لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الأنبياء والرسل وهذا باطل، فلا جرم استحقوا على هذا الاعتقاد مزيد الذم واللعن. فهذا هو الجواب الصحيح الذي يعول عليه في هذا الباب. وأما من تقدمنا من المتكلمين والمفسرين فقد ذكروا فيه وجهاً آخر فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على جهة الاستهزاء كما قال قوم شعيب عليه السلام له: { أية : إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ } تفسير : [هود: 87] ولو قالوا ذلك معتقدين لكانوا مؤمنين، والله أعلم. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما حكى هذه الشبهة قال: {كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي هؤلاء للكفار أبداً كانوا متمسكين بهذه الشبهة. ثم قال: {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } أما المعتزلة فقالوا: معناه أن الله تعالى ما منع أحداً من الإيمان وما أوقعه في الكفر، والرسل ليس عليهم إلا التبليغ، فلما بلغوا التكاليف وثبت أنه تعالى ما منع أحداً عن الحق كانت هذه الشبهة ساقطة. أما أصحابنا فقالوا: معناه أنه تعالى أمر الرسل بالتبليغ. فهذا التبليغ واجب عليهم، فأما أن الإيمان هل يحصل أم لا يحصل فذلك لا تعلق للرسول به، ولكنه تعالى يهدي من يشاء بإحسانه ويضل من يشاء بخذلانه. المسألة الثالثة: احتج أصحابنا في بيان أن الهدى والضلال من الله بقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ } وهذا يدل على أنه تعالى كان أبداً في جميع الملل والأمم آمراً بالإيمان وناهياً عن الكفر. ثم قال: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ } يعني: فمنهم من هداه الله إلى الإيمان والصدق والحق، ومنهم من أضله عن الحق وأعماه عن الصدق وأوقعه في الكفر والضلال، وهذا يدل على أن أمر الله تعالى لا يوافق إرادته، بل قد يأمر بالشيء ولا يريده وينهى عن الشيء ويريده كما هو مذهبنا. والحاصل أن المعتزلة يقولون: الأمر والإرادة متطابقان أما العلم والإرادة فقد يختلفان، ولفظ هذه الآية صريح في قولنا وهو أن الأمر بالإيمان عام في حق الكل أما إرادة الإيمان فخاصة بالبعض دون البعض. أجاب الجبائي: بأن المراد: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ } لنيل ثوابه وجنته: {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ } أي العقاب. قال: وفي صفة قوله: {حَقَّتْ عَلَيْهِ } دلالة على أنها العذاب دون كلمة الكفر لأن الكفر والمعصية لا يجوز وصفهما بأنه حق. وأيضاً قال تعالى بعده: {فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } وهذه العاقبة هي آثار الهلاك لمن تقدم من الأمم الذين استأصلهم الله تعالى بالعذاب، وذلك يدل على أن المراد بالضلال المذكور هو عذاب الاستئصال. وأجاب الكعبي عنه بأنه قال: قوله: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ } أي من اهتدى فكان في حكم الله مهتدياً، {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ } يريد: من ظهرت ضلالته، كما يقال للظالم: حق ظلمك وتبين، ويجوز أن يكون المراد: حق عليهم من الله أن يضلهم إذا ضلوا كقوله: { أية : وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [إبراهيم: 27]. واعلم أنا بينا في آيات كثيرة بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والإضلال لا يكونان إلا من الله تعالى فلا فائدة في الإعادة، وهذه الوجوه المتعسفة والتأويلات المستكرهة قد بينا ضعفها وسقوطها مراراً، فلا حاجة إلى الإعادة، والله أعلم. المسألة الرابعة: في الطاغوت قولان: أحدهما: أن المراد به: اجتنبوا عبادة ما تعبدون من دون الله، فسمى الكل طاغوتاً، ولا يمتنع أن يكون المراد: اجتنبوا طاعة الشيطان في دعائه لكم. المسألة الخامسة: قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ } يدل على مذهبنا، لأنه تعالى لما أخبر عنه أنه حقت عليه الضلالة امتنع أن لا يصدر منه الضلالة، وإلا لانقلب خبر الله الصدق كذباً، وذلك محال ومستلزم المحال محال، فكان عدم الضلالة منهم محالاً، ووجود الضلالة منهم واجباً عقلاً، فهذه الآية دالة على صحة مذهبنا في هذه الوجوه الكثيرة، والله أعلم. ونظائر هذه الآية كثيرة منها قوله: { أية : فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ } تفسير : [الأعراف: 30] وقوله: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [يونس: 96] وقوله: { أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } تفسير : [يس: 7]. ثم قال تعالى: {فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } والمعنى: سيروا في الأرض معتبرين لتعرفوا أن العذاب نازل بكم كما نزل بهم، ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة فإنه لا يهتدي، فقال: {إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ } أي إن تطلب بجهدك ذلك، فإن الله لا يهدي من يضل، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي {يَهْدِي } بفتح الياء وكسر الذال والباقون: {لاَّ يَهِدِّى } بضم الياء وفتح الدال. أما القراءة الأولى: ففيها وجهان: الأول: فإن الله لا يرشد أحداً أضله، وبهذا فسره ابن عباس رضي الله عنهما. والثاني: أن يهدي بمعنى يهتدي. قال الفراء: العرب تقول: قد هدى الرجل يريدون قد اهتدى، والمعنى أن الله إذا أضل أحداً لم يصر ذلك مهتدياً. وأما القراءة المشهورة: فالوجه فيها إن الله لا يهدي من يضل، أي من يضله، فالراجع إلى الموصول الذي هو من محذوف مقدر وهذا كقوله: { أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ } تفسير : [الأعراف: 186] وكقوله: { أية : فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ } تفسير : [الجاثية: 23] أي من بعد إضلال الله إياه. ثم قال تعالى: {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ } أي وليس لهم أحد ينصرهم أي يعينهم على مطلوبهم في الدنيا والآخرة. وأقول أول هذه الآيات موهم لمذهب المعتزلة، وآخرها مشتمل على الوجوه الكثيرة الدالة على قولنا، وأكثر الآيات كذلك مشتملة على الوجهين، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} أي شيئاً، و «مِن» صلة. قال الزجاج: قالوه استهزاء، ولو قالوه عن اعتقاد لكانوا مؤمنين. وقد مضى هذا في سورة «الأنعام» مبيّناً معنًى وإعراباً فلا معنى للإعادة. {كَذٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي مثل هذا التكذيب والاستهزاء فعل من كان قبلهم بالرسل فأهلكوا. {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ} أي ليس عليهم إلا التبليغ، وأما الهداية فهي إلى الله تعالى.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن اغترار المشركين بما هم فيه من الإشراك، واعتذارهم محتجين بالقدر بقولهم: {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ ءَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ} أي: من البحائر والسوائب والوصائل، وغير ذلك مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم ما لم ينزل به سلطاناً، ومضمون كلامهم: أنه لو كان تعالى كارهاً لما فعلنا، لأنكره علينا بالعقوبة، ولما مكننا منه، قال الله تعالى راداً عليهم شبهتهم: {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ} أي: ليس الأمر كما تزعمون أنه لم ينكره عليكم، بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار، ونهاكم عنه آكد النهي، وبعث في كل أمة، أي: في كل قرن وطائفة رسولاً، وكلهم يدعون إلى عبادة الله، وينهون عن عبادة ما سواه {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ} فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك، منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح، وكان أول رسول بعثه الله الى أهل الأرض، إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال الله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25]، وقوله تعالى: {أية : وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } تفسير : [الزخرف: 45] وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ} فيكف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ} فمشيئته تعالى الشرعية عنهم منتفية، لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية، وهي تمكينهم من ذلك قدراً، فلا حجة لهم فيها، لأنه تعالى خلق النار، وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة. ثم إنه تعالى قد أخبر أنه أنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل، فلهذا قال: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} أي: اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق كيف {أية : دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَـٰفِرِينَ أَمْثَالُهَا} تفسير : [محمد: 10]، فقال: {أية : وَلَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ } تفسير : [الملك: 18]. ثم أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن حرصه على هدايتهم لا ينفعهم إذا كان الله قد أراد إضلالهم؛ كقوله تعالى: {أية : وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} تفسير : [المائدة: 41] وقال نوح لقومه: {أية : وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِىۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} تفسير : [هود: 34] وقال في هذه الآية الكريمة: {إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ} كما قال الله تعالى: {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الأعراف: 186] وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } تفسير : [يونس: 96-97]. وقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ} أي: شأنه وأمره أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلهذا قال: {لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ} أي: من أضله، فمن ذا الذي يهديه من بعد الله؟ أي: لا أحد {وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ} أي: ينقذونهم من عذابه ووثاقه {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الأعراف: 54].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } من أهل مكة {لَوْ شَآء ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلا ءَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ } من البحائر والسوائب فإشراكنا وتحريمنا بمشيئته فهو راض به، قال تعالى: {كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي كذبوا رسلهم فيما جاؤوا به {فَهَلْ } فما {عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ } إلابلاغ البيِّن وليس عليهم الهداية.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} أي أهلُ مكة، وهو بـيانٌ لفن آخرَ من كفرهم والعدولُ عن الإضمار إلى الموصول لتقريعهم بما في حيز الصلة وذمِّهم بذلك من أول الأمر {لَوْ شَآء ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء} أي لو شاء عدم عبادتِنا لشيء غيرِه كما تقول لما عبدنا ذلك {نَّحْنُ وَلا ءابَاؤُنَا} الذين نقتدي بهم في ديننا {وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء} من السوائب والبحائرِ وغيرِها، وإنما قالوا ذلك تكذيباً للرسول عليه الصلاة والسلام وطعناً في الرسالة رأساً متمسكين بأن ما شاء الله تعالى يجب وما لم يشأْ يمتنع، فلو أنه شاء أن نوحّده ولا نشرِكَ به شيئاً ولا نحرِّمَ مما حرمنا شيئاً كما يقول الرسلُ وينقُلونه من جهة الله عز وجل لكان الأمرُ كما شاء من التوحيد ونفي الإشراكِ وما يتبعهما، وحيث لم يكن كذلك ثبت أنه لم يشأ شيئاً من ذلك، وإنما يقوله الرسل من تلقاء أنفسهم فأجيب عنه بقوله عز وجل: {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك الفعلِ الشنيع {فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم، أي أشركوا بالله وحرموا حِلَّه وردوا رسلَه وجادلوهم بالباطل حين نبهوهم على الخطأ وهدوهم إلى الحق. {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ} الذين يبلغون رسالاتِ الله وعزائمَ أمره ونهيِه {إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ} أي ليست وظيفتُهم إلا تبليغَ الرسالة تبليغاً واضحاً أو موضَّحاً وإبانةً طريقَ الحق وإظهارَ أحكام الوحي التي من جملتها تحتّمُ تعلقِ مشيئةِ الله تعالى باهتداء مَنْ صَرَف قدرتَه واختيارَه إلى تحصيل الحق لقوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} تفسير : [العنكبوت: 99] وأما إلجاؤهم إلى ذلك وتنفيذُ قولِهم عليهم شاءوا أو أبَوا كما هو مقتضىٰ استدلالِهم، فليس ذلك من وظيفتهم ولا من الحكمة التي عليها يدور أمرُ التكليفِ في شيء حتى يُستدلَّ بعدم ظهور آثارِه على عدم حقّية الرسلِ أو على عدم تعلقِ مشيئتِه تعالى بذلك، فإن ما يترتب عليه الثوابُ والعقابُ من أفعال العباد لا بد في تعلق مشيئتِه تعالى بوقوعه من مباشرتهم الاختياريةِ له وصرفِ اختيارِهم الجزئيِّ إلى تحصيله وإلا لكان الثواب والعقاب اضطراريَّـيْن، فالفاءُ للتعليل كأنه قيل: كذلك فعل أسلافهم وذلك باطل فإن الرسلَ ليس شأنُهم إلا تبليغَ أوامرِ الله تعالى ونواهيه لا تحقيقَ مضمونِهما وإجراءَ موجبهما على الناس قسراً وإلجاءً، وإيرادُ كلمة (على) للإيذان بأنهم في ذلك مأمورون أو بأن ما يبلغونه حقٌّ للناس عليهم وإيفاؤُه. بهذا ظهر أن حملَ قولِهم: {لَوْ شَاء ٱللَّهُ} [النحل، الآية 35] الخ، على الاستهزاء لا يلائم الجواب والله تعالى أعلم بالصواب. {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} تحقيقٌ لكيفية تعلقِ مشيئتِه تعالى بأفعال العبادِ بعد بـيانِ أن الإلجاءَ ليس من وظائف الرسالةِ ولا من باب المشيئةِ المتعلقةِ بما يدور عليه الثوابُ والعقاب من الأفعال الاختياريةِ لهم، أي بعثنا في كل أمة من الأمم الخالية رسولاً خاصاً بهم {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} يجوز أن تكون (أن) مفسرةً لما في البعث من معنى القول وأن تكون مصدريةً، أي بعثنا بأن اعبدوا الله وحده {وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ} هو الشيطانُ وكلُّ ما يدعو إلى الضلالة {فَمِنْهُمْ} أي من تلك الأمم، والفاء فصيحة، أي فبلَّغوا ما بُعثوا به من الأمر بعبادة الله وحده واجتنابِ الطاغوت فتفرقوا فمنهم {مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ} إلى الحق الذي هو عبادتُه واجتنابُ الطاغوت بعد صَرْفِ قدرتهم واختيارِهم الجزئيّ إلى تحصيله {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ} أي وجبت وثبتت إلى حين الموت لعِناده وإصرارِه عليها وعدمِ صرفِ قدرته إلى تحصيل الحق، وتغيـير الأسلوبِ للإشعار بأن ذلك لسوء اختيارِهم كقوله تعالى: { أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} تفسير : [الشعراء: 80] فلم يكن كلٌّ من مشيئة الهدايةِ وعدمِها إلا حسبما حصل منهم من التوجهُ إلى الحق وعدمِه، لا بطريق القسرِ والإلجاءِ حتى يُستدلَ بعدمهما على عدم تعلقِ مشيئتِه تعالى بعبادتهم له تعالى وحده {فَسِيرُواْ} يا معشرَ قريش {فِى ٱلأرْضِ فَٱنظُرُواْ} في أكنافها {كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ} من عاد وثمودَ ومن سار سيرتَهم ممن حقت عليهم الضلالةُ لعلكم تَعتبرون حين تشاهدون في منازلهم وديارهم آثارَ الهلاك والعذابِ. وترتيبُ الأمرِ بالسير على مجرد الإخبارِ بثبوت الضلالةِ عليهم من غير إخبارٍ بحلول العذابِ للإيذان بأنه غنيٌّ عن البـيان وأنْ ليس الخبرُ كالعِيان، وترتيبُ النظر على السير لما أنه بعده وأن مَلاك الأمر في تلك العاقبة هو التكذيبُ والتعلّلُ بأنه لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء.

القشيري

تفسير : خَبثَتْ قصودُهم فيما قالوا على وجه التكذيب والاستهزاء، وغَلَبَتْ على نطقهم ظلمات جهلهم وجحدهم، وانكشف عدمُ صِدْقِهم في أحوالهم. وقولهم: {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ...} يشبه قولهم: {أية : أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ}تفسير : [يس: 47]. ولا خلاف أن الله لو شاء أن يطعمهم لكان ذلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الذين اشركوا} اى اهل مكة {لو شاء الله} عدم عبادتنا لشئ غيره {ما عبدنا من دونه}[بجز خداى تعالى]{من شئ نحن ولا آباؤنا} الذين نقتدى بهم فى ديننا {ولا حرمنا من دونه} [بجز خداى تعالى]{من شئ} يعني تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. ومذهب اهل السنة ان الكفر والمعاصى وسائر افعال العباد بمشيئة الله وخلقه والكفار وان قالوا ان الشرك وغيره بمشيئة الله لكنهم يستدلون بذلك على اباحة تحريم الحلال وسائر ما يرتكبون من المعاصى ويزعمون ان الشرك والمعاصى اذا كان بمشيئة الله تعالى ليست معصية ولا عليها عذاب فهذا كلام حق اريد به الباطل فصار باطلا. وفى المدارك هذا الكلام صدر منهم استهزاء ولو قالوه اعتقادا لكان صوابا انتهى [حسين بن فضل كفته كه اكر كفار اين سخن از روى تعظيم واجلال ومعرفت الهى كفتندى حق سبحانه وتعالى ايشانرا بدان عيب نكردى]: قال الحافظ شعر : درين جمن نكنم سرزنش بخود رويى جنانكه برورشم ميد هند ميرويم تفسير : وقال شعر : نقش مستورى ورندى نه بدست من وتست آنجه سلطان ازل كفت بكن آن كردم تفسير : يقول الفقير فرق بين الجاهل الغافل المجحوب وبين العارف المتيقظ الواصل الى المطلوب والادب اسناد المقابح الى النفس والمحاسن الى الله تعالى فانه توحيد أي توحيد {كذلك} اى مثل ذلك الفعل الشنيع {فعل الذين من قبلهم} من الامم اى اشكروا بالله وحرموا حله وعصوا رسله وجادلوهم بالباطل حين نبهوهم على الخطأ وهدوهم الى الحق {فهل على الرسل}[بس هست برفرستاد كان يعنى نيست برايشان]{الا البلاغ المبين} اى ليست وظيفتهم الا تبليغ الرسالة تبليغا واضحا واطلاع الخلق على بطلان الشرك وقبحه لا الجاءهم الى قبول الحق وتنفيذ قولهم عليهم شاؤا او ابوا.

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى عن المشركين مع الله إِلهاً آخر ومعبودا سواه أنهم قالوا {لو شاء الله} اي لو أراد الله لم نكن نعبد شيئاً من دونه، من الاصنام والاوثان، لا {نحن ولا أباؤنا ولا حرمنا} من قبل نفوسنا شيئا، بل اراد الله ذلك منا، فلذلك فعلنا، كما يقول المجبرة الضلال، فكذبهم الله وانكر عليهم، وقال مثل ذلك فعل الذين من قبلهم، من الكفار الضلال كذبو رسل الله، وجحدوا انبياءه ثم عذر انبيائه، فقال {هل على الرسل إِلا البلاغ} الظاهر اي ليس عليهم إِلا ذلك. وفي ذلك ابطال مذهب المجبرة، لأن الله انكر عليهم قولهم إِنه {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} ومثل هذه الآية التي في الانعام وقد بيناها مستوفاة.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} فى جواب من لامهم على شركهم وتحريمهم وقد مضى الآية بتفسيرها مفصّلاً {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ} يعنى انّ نسبتهم فعلهم السّيّء الى الله كنسبة المراة الفاحشة شآمة فعلها الى غيرها وليس لها وجه صحّة لانّ ما على الله هو ارسال الرّسل لهدايتهم وليس على الرّسل الاّ البلاغ.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَآءَ اللهُ} أن لا نعبد سواه ولا نحرم غير ما حرمه {مَا عَبَدنَا مِن دُونِهِ مِن شَئٍ} من صلة فى المفعول ومن دونه حال منه {نَّحْنُ وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ} كالسائبة والوصيلة والبحيرة والحام فإِن كان الإِشراك والتحريم محرمين فإِن الله قد شاء أن نفعلهما وجبرنا عليهما فلا لوم علينا، أو قالوا ذلك استهزاء ببعث الرسل والتكليف وإِنكارا لهما بأَنه لا فائدة فيهما لأَن ما شاء أن يكون لا بد من كونه وما شاء أن لا يكون لا بد أن لا يكون أو إِن كان الإِشراك والتحريم محرمين فيجيز لجبرنا الله على خلافهما أو هدانا إِلى غيرهما {كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أشركوا وحرموا الحلال أو قالوا لو شاء الله ما فعلنا ذلك والجواب أنه لا جبر وإِن الله أن يفعل ما يشاء وكل ما فعل حكمة وعدل وأنه مضت سننه ببعث الرسل إِلى الأُمم وعليهم التبليغ لا الهداية وإِن ما شاء الله يقع بأَسباب قدرها فاهتداء المهتدين إِنما هو بتوسط الرسل ويكونون أيضاً سبباً لزيادة الضلال لمن لم يؤمن بهم كما قال {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاَغُ} التبليغ {الْمُبِينُ} الواضح الموضح للحق.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} بعض لبعض وللمسلمين وغيرهم {لوْ شاءَ اللهُ مَا عَبدنَا مِنْ دُونِهِ} متعلق بمحذوف حال من شىء فى قوله: {مِنْ شَىْءٍ} وجاز تقديم الحال على صاحبها المجرور لأن الجار صلة لتأكيد، وهو تأْكيد العموم فيكون نصا فى الاستغراق ومن فى قوله: من دونه، للبيان، والمعنى من غيره، وكذا فى قوله: {ولا حرمنا من دونه من شىء} ولا وجه لجعل من فيه زائدة أو للتوقف مع جعله فى الأول للبيان بل لا تزاد من فى الحال، ومسوغ الحال من النكرة تقديمه عليها وتقدم النفى {نَحْنُ} ليس تسويغا لعطف على الضمير المتصل المرفوع لوجود الفصل بخمسة أشياء غير نحن، والسادس (لا) فى قوله: {وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَىءٍ} من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، ولما صدرت منا عبادة غير الله، وتحريم ما ذكر علمنا أن الله راض بذلك، ولو لم يرض لم يخلق ذلك الفعل منا، أَو لم يخلقنا إليه وأجبرنا على خلافه فلا عقاب علينا ولا قبح ولا فائدة فى إنزال الكتب وإرسال الرسل فلا كتاب من الله ولا رسول، فقد علموا ما لم تعلمه المعتزلة إذ قالوا: خالق الفعل فاعله لا الله، ولا علم به حتى يقع، وطائفة تقول: علم به قبل، ويلزم أن يكونوا مؤمنين بذلك لأن إشراكهم وتحريم الحلال وتحليل الحرام لا يثبت معها الإيمان، ولو قالوا: إن أفعالنا خلق من الله، وقيل: قالوا ذلك استهزاءً بالإسلام والمسلمين ومنعا للبعثة والتكليف متمسكين بأَنه لا يكون إلا ما شاءَ الله، واشتركوا هم والمعتزلة فى أن الله لا يريد القبيح {كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أَشرك من قبلهم وأحلوا ما لم يحل وحرموا ما لم يحرم، وأنكروا الرسل فأَهلكوا وعذر الله رسلهم بالتبليغ {فَهَلْ علَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاَغُ} تحصيل البلاغ أَو اسم مصدر أى التبليغ أَو الإِبلاغ {الْمُبِينُ} الموضح أَو الواضح.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآء ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء} فهو من تتمة قوله سبحانه: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ } تفسير : [النحل: 33] ألا ترى كيف ختم بنحوه آخر مجادلاتهم في سورة الأنعام [148] في قوله سبحانه: {أية : سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } تفسير : وكذلك في سورة الزخرف ولا تراهم يتشبثون بالمشيئة إلا عند انخزال الحجة {أية : وَقَالُواْ لَوْ شَاء رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً } تفسير : [فصلت: 14] ويكفي في الانقلاب ما يشير إليه قوله سبحانه: {أية : قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ } تفسير : [الأنعام: 149] وفي "إرشاد العقل السليم" أن هذه الآية بيان لفن آخر من كفر أهل مكة فهم المراد بالموصول، والعدول عن الضمير إليه لتقريعهم بما في حيز الصلة وذمهم بذلك من أول الأمر، والمعنى لو شاء الله تعالى عدم عبادتنا لشيء غيره سبحانه كما تقول ما عبدنا ذلك {نَّحْنُ وَلا ءابَاؤُنَا} الذين نهتدي بهم في ديننا {وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء} من السوائب والبحائر وغيرها ـ فمن ـ الأولى بيانية والثانية زائدة لتأكيد الاستغراق وكذا الثالثة {وَنَحْنُ } لتأكيد ضمير {عَبَدْنَا} لا لتصحيح العطف لوجود الفاصل وإن كان محسناً له، وتقدير مفعول {شَاء} عدم العبادة مما صرح به بعضهم، وكان الظاهر أن يضم إليه عدم التحريم. واعترض تقدير ذلك بأن العدم لا يحتاج إلى المشيئة كما ينبىء عنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن»تفسير : حيث لم يقل عليه الصلاة والسلام ما شاء الله تعالى كان وما شاء عدم كونه لم يكن بل يكفي فيه عدم مشيئة الوجود، وهو معنى قولهم: علة العدم عدم علة الوجود، فالأولى أن يقدر المفعول وجودياً كالتوحيد والتحليل وكامتثال ما جئت به والأمر في ذلك سهل. وفي تخصيص الإشراك والتحريم بالنفي لأنهما أعظم وأشهر ما هم عليه، وغرضهم من ذلك كما قال بعض المحققين تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام والطعن في الرسالة رأساً، فإن حاصله أن ما شاء الله تعالى يجب وما لم يشأ يمتنع فلو أنه سبحانه شاء أن نوحده ولا نشرك به شيئاً ونحلل ما أحله ولا نحرم شيئاً مما حرمنا كما تقول الرسل/ وينقلونه من جهته تعالى لكان الأمر كما شاء من التوحيد ونفي الإشراك وتحليل ما أحله وعدم تحريم شيء من ذلك وحيث لم يكن كذلك ثبت أنه لم يشأ شيئاً من ذلك بل شاء ما نحن عليه وتحقق أن ما تقوله الرسل عليهم السلام من تلقاء أنفسهم ورد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه عز وجل: {كَذٰلِكَ} أي مثل ذلك الفعل الشنيع {فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم أي أشركوا بالله تعالى وحرموا من دونه ما حرموا وجادلوا رسلهم بالباطل ليدحضوا به الحق. {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ} الذين أمروا بتبليغ رسالات الله تعالى وعزائم أمره ونهيه.{إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ} أي ليست وظيفتهم إلا الإبلاغ للرسالة الموضح طريق الحق والمظهر أحكام الوحي التي منها تحتم تعلق مشيئته تعالى باهتداء من صرف قدرته واختياره إلى تحصيل الحق لقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } تفسير : [العنكبوت: 69]. واما إلجاؤهم إلى ذلك وتنفيذ قولهم عليهم شاؤوا أو أبوا كما هو مقتضى استدلالهم فليس ذلك من وظيفتهم ولا من الحكمة التي يدور عليها فلك التكليف حتى يستدل بعدم ظهور آثاره على عدم حقية الرسل عليهم السلام أو على عدم تعلق مشيئة الله تعالى بذلك، فإن ما يترتب عليه الثواب والعقاب من الأفعال لا بد في تعلق مشيئته تعالى بوقوعه من مباشرتهم الاختيارية وصرف اختيارهم الجزئي إلى تحصيله وإلا لكان الثواب والعقاب اضطراريين؛ والفاء على هذا للتعليل كانه قيل كذلك فعل أسلافهم وذلك باطل فإن الرسل عليهم السلام ليس شأنهم إلا تبليغ الأوامر والنواهي لا تحقيق مضمونهما قسراً وإلجاء اهـ، وكأني بك لا تبريه من تكلف. وهو متضمن للرد على الزمخشري فقد سلك في هذا المقام الغلو في المقال وعدل عن سنن الهدى إلى مهواة الضلال فذكر ((أن هؤلاء المشركين فعلوا ما فعلوا من القبائح ثم نسبوا فعلهم إلى الله تعالى وقالوا: {لَوْ شَاء ٱللَّهُ} إلى آخره وهذا مذهب المجبرة بعينه كذلك فعل أسلافهم فلما نبهوا على قبح فعلهم وركوه على ربهم فهل على الرسل إلا أن يبلغوا الحق وأن الله سبحانه لا يشاء الشرك والمعاصي بالبيان والبرهان ويطلعوا على بطلان الشرك وقبحه وبراءة الله تعالى من أفعال العباد وأنهم فاعلوها بقصدهم وإرادتهم واختيارهم، والله تعالى باعثهم على جميلها وموفقهم له وزاجرهم عن قبيحها وموعدهم عليه)) إلى آخر ما قال مما هو على هذا المنوال، ولعمري إنه فسر الآيات على وفق هواه وهي عليه لا له لو تدبر ما فيها وحواه، وقد رد عليه غير واحد من المحققين وأجلة المدققين وبينوا أن الآية بمعزل عن أن تكون دليلاً لأهل الاعتزال كما أن الشرطية لا تنتج مطلوب أولئك الضلال، وقد تقدم نبذة من الكلام في ذلك. ثم إن كون غرض المشركين من الشرطية تكذيب الرسل عليهم السلام هو أحد احتمالين في ذلك، قال المدقق في "الكشف" في نظير الآية: إن قولهم هذا إما لدعوى مشروعية ما هم عليه رداً للرسل عليهم السلام أو لتسليم أنهم على الباطل اعتذاراً بأنهم مجبورون، والأول باطل لأن المشيئة تتعلق بفعلهم المشروع وغيره فما شاء الله تعالى أن يقع منهم مشروعاً وقع كذلك وما شاء الله تعالى أن يقع لا كذلك وقع لا كذلك، ولا شك أن من توهم أن كون الفعل بمشيئته تعالى ينافي مجيء الرسل عليهم السلام بخلاف ما عليه المباشر من الكفر والضلال فقد كذب التكذيب كله وهو كاذب في استنتاج المقصود من هذه اللزومية، وظاهر الآية مسوق لهذا المعنى. والثاني على ما فيه حصول المقصود وهو الاعتراف بالبطلان باطل أيضاً إذ لا جبر لأن المشيئة تعلقت بأن يشركوا اختياراً منهم والعلم تعلق كذلك/ ومثله في التحريم فهو يؤكد دفع العذر لا أنه يحققه، وذكر أن معنى {فهو على الرسل} أن الذي على الرسل أن يبلغوا ويبينوا معالم الهدى بالإرشاد إلى تمهيد قواعد النظر والإمداد بأدلة السمع والبصر ولا عليهم من مجادلة من يريد أن يدحض بباطله الحق الأبلج إذ بعد ذلك التبيين يتضح الحق للناظرين ولا تجدي نفعاً مجادلة المعاندين، وجوز أن يكون قولهم هذا منعاً للبعثة والتكليف متمسكين بأن ما شاء الله تعالى يجب وما لم يشأ يمتنع فما الفائدة فيهما أو إنكاراً لقبح ما أنكر عليهم من الشرك والتحريم محتجين بأن ذلك لو كان مستقبحاً لما شاء الله تعالى صدوره عنا أو لشاء خلافه ملجأ إليه، وأشير إلى جواب الشبهة الأولى بقوله سبحانه: {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ } إلى آخره كأنه قيل: إن فائدة البعثة البلاغ الموضح للحق فإن ما شاء الله تعالى وجوده أو عدمه لا يجب ولا يمتنع مطلقاً كما زعمتم بل قد يجب أو يمتنع بتوسط أسباب أخر قدرها سبحانه ومن ذلك البعثة فإنها تؤدي إلى هدى من شاء الله تعالى على سبيل التوسط، وأما الشبهة الثانية فقد أشير إلى جوابها في قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ...}.

ابن عاشور

تفسير : عطف قصّة على قصّة لحكاية حال من أحوال شبهاتهم ومكابرتهم وباب من أبواب تكذيبهم. وذلك أنّهم كانوا يحاولون إفحام الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يقول: إن الله يعلم ما يسرّون وما يعلنون، وإنه القادر عليهم وعلى آلهتهم، وإنه لا يرضى بأن يعبد ما سواه، وإنه ينهاهم عن البحيرة والسائبة ونحوهما، فحسبوا أنهم خصموا النبي صلى الله عليه وسلم وحاجّوه فقالوا له: لو شاء الله أن لا نعبد أصناماً لما أقدرنا على عبادتها، ولو شاء أن لا نحرّم ما حرّمنا من نحو البحيرة والسائبة لما أقرّنا على تحريم ذلك. وذلك قصد إفحام وتكذيب. وهذا ردّه الله عليهم بتنظير أعمالهم بأعمال الأمم الذين أهلكهم الله فلو كان الله يرضى بما عملوه لما عاقبهم بالاستئصال، فكانت عاقبتهم نزول العذاب بقوله تعالى: {كذلك فعل الذين من قبلهم}، ثم بقطع المحاجّة بقوله تعالى: {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين}، أي وليس من شأن الرسل ــــ عليهم السلام ــــ المناظرة مع الأمّة. وقال في سورة الأنعام (148) {أية : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شيء كذلك كذّب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا}، تفسير : فسمّى قولهم هذا تكذيباً كتكذيب الذين من قبلهم لأن المقصود منه التكذيب وتعضيد تكذيبهم بحجّة أساءوا الفهم فيها، فهم يحسبون أن الله يتولّى تحريك الناس لأعمالهم كما يُحرّك صاحب خيال الظلّ ومحرّك اللعب أشباحَه وتماثيله، وذلك جهل منهم بالفرق بين تكوين المخلوقات وبين ما يكسبونه بأنفسهم، وبالفرق بين أمر التكذيب وأمر التكليف، وتخليط بين الرضى والإرادة، ولولا هذا التخليط لكان قولهم إيماناً. والإشارة بـ{كذلك} إلى الإشراك وتحريم أشياء من تلقاء أنفسهم، أي كفعل هؤلاء فَعَل الذين مِن قبلهم وهم المذكورون فيما تقدم بقوله تعالى: {أية : قد مكر الذين من قبلهم} تفسير : [سورة النحل: 26] وبقوله: {أية : كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله} تفسير : [سورة النحل: 33]. والمقصود: أنهم فعلوا كفعلهم فكانت عاقبتهم ما علمتم، فلو كان فعلهم مرضياً لله لما أهلكهم، فهلا استدلّوا بهلاكهم على أن الله غير راض بفعلهم، فإن دلالة الانتقام أظهر من دلالة الإملاء، لأن دلالة الانتقام وجودية ودلالة الإمهال عدمية. وضمير {نحن} تأكيد للضمير المتّصل في {عبدنا}. وحصل به تصحيح العطف على ضمير الرفع المتّصل. وإعادة حرف النفي في قوله تعالى: {ولا آباؤنا} لتأكيد {ما} النافية. وقد فُرع على ذلك قطع المحاجّة معهم وإعلامهم أن الرسل ــــ عليهم السلام ــــ ما عليهم إلا البلاغ ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم فاحذروا أن تكون عاقبتكم عاقبة أقوام الرّسل السالفين. وليس الرسل بمكلّفين بإكراه الناس على الإيمان حتى تسلكوا معهم التحكّك بهم والإغاظة لهم. والبلاغ اسم مصدر الإبلاغ. والمبين: الموضّح الصريح. والاستفهام بـــ (هل) إنكاري بمعنى النفي، ولذلك جاء الاستثناء عقبه. والقصر المستفاد من النفي والاستثناء قصر إضافي لقلب اعتقاد المشركين من معاملتهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنّ للرسول غرضاً شخصياً فيما يدعو إليه. وأثبت الحكم لعموم الرسل ــــ عليهم السلام ــــ وإن كان المردود عليهم لم يخطر ببالهم أمر الرسل الأولين لتكون الجملة تذييلاً للمحاجّة، فتفيد ما هو أعمّ من المردود. والكلام موجّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعليماً وتسلية، ويتضمّن تعريضاً بإبلاغ المشركين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وقال الذين أشركوا: هم كفار قريش ومشركوها. ولا حرمنا من دونه من شيء: كالسوائب والبحائر والوصائل والحامات. فهل على الرُّسل إلا البلاغ: أي ما على الرُّسل إلا البلاغ فالإِستفهام للنفي. واجتنبوا الطاغوت: أي عبادة الأصنام والأوثان. حقت عليه الضلالة: أي وجبت في علم الله أزلاً. جهد أيْمانهم: أي غايتها حيث بذلوا جهدهم فيها مبالغة منهم. بلى وعداً عليه حقاً: أي بلى يبعث من يموت وقد وعد به وعداً وأحقه حقاً. فهو كائنٌ لا محالة. يختلفون فيه: أي بين المؤمنين من التوحيد والشرك. أنهم كانوا كاذبين: أي في قولهم "لا نُبعث بعد الموت". معنى الآيات: ما زال السياق في الحجاج مع مشركي قريش فيقول تعالى مُخْبراً عنهم {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} أي مع الله آلهة أخرى وهي أصنامهم كهبل واللات والعُزَّى وقالوا لو شاء الله عدم إشراكنا به ما أشركنا نحن ولا آباؤنا، ولا حرمنا من دون تحريمه شيئاً فهل قالوا هذا إيمانا بمشيئة الله تعالى، أو قالوه استهزاء وسخرية دفاعاً عن شركهم وشرعهم الباطل في التحريم والتحليل بالهوى، والأمران محتملان. والرد عليهم بأمرين أولهما ما دام الله قد نهاهم عن الشرك والتشريع فإن ذلك أكبر دليل على تحريمه تعالى لشركهم ومحرماتهم من السوائب والبحائر وغيرها وثانيهما كونه لم يعذبهم عليها بعد ليس دليلاً على رضاه بها بدليل أن من سبقهم من الأمم والشعوب الكافرة قالوا قولتهم هذه محتجين به على باطلهم فلم يلبثوا حتى أخذهم الله، فدل ذلك قطعاً على عدم رضاه بشركهم وشرعهم إذ قال تعالى في سورة الأنعام رداً على هذه الشبهة كذلك قال الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا أي عذاب انتقامنا منهم لما كذبوا رسلنا وافتروا علينا. وقوله تعالى: {كَذٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم السابقة قالوا هؤلاء لرسلهم وفعلوا فعلهم حتى أخذهم الله بالعذاب. وقوله {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ} أي ليس على الرسول إكراه المشركين على ترك الشرك ولا إلزامهم بالشرع وإنما عليه أن يبلغهم أمر الله تعالى ونهيه لا غير. فلذا كان في الجملة تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمله على الصبر حتى يبلغ دعوة ربه وينصره على أعدائه. هذا ما دلت عليه الآية الأولى في هذا السياق [35] وقوله في الآية الثانية [36] {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ} فأخبر تعالى بأنه ما أخلى أمة من الأمم من إرسال رسول إليها لهدايتها وبيان سبيل نجاتها وتحذيرها من طرق غوايتها وهلاكها. كما أخبر عن وحدة الدعوة بين الرسل وهي لا إله إلا الله المفسرة بعبادة الله تعالى وحده، واجتناب الطاغوت وهو كل ما عبد من دون الله مما دعا الشيطان إلى عبادته بالتزيين والتحسين عن طريق الوسواس من جهة ومن طريق أوليائه من الناس من جهةٍ أخرى. وقوله تعالى: {فَمِنْهُم} أي من الأمم المرسل إليهم {مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ} فعرف الحق واعتقده وعمل به فنجا وسعد، {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ} أزلاً في كتاب المقادير لأنه أصر على الضلال وجادل عنه وحارب من أجله باختياره وحريته فحرمه الله لذلك التوفيق فضلَّ ضلالاً لا أمل في هدايته. وقوله تعالى: {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} أمرٌ لكفار قريش المجادلين بالباطل المحتجين على شركهم وشرعهم الباطل أمرٌ لهم أن يسيروا في الأرض جنوباً أو شمالاً فينظروا كيف كانت عاقبة المكذبين أمثالهم من أمة عاد في الجنوب وثمود في الشمال، ومدين ولوط وفرعون في الغرب. وقوله تعالى في تسلية رسوله والتخفيف من الهمِّ عنه: {إِن تَحْرِصْ} يا رسولنا {عَلَىٰ هُدَاهُمْ} أي هدايتهم إلى الحق {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} فخفف على نفسك وهون عليها فلا تأسف ولا تحزن وادع إلى ربك في غير حرص يضر بك وقوله {لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} أي لا يقدر أحد أن يهدي من أضله الله، لأن اضلال الله تعالى يكون على سنن خاصة لا تقبل التبديل ولا التغيير لقوة سلطانه وسعة عمله. وقوله {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} أي وليس لأولئك الضلال الذين أضلهم الله حسب سنته من ناصرين ينصرونهم على ما سينزل بهم من العذاب وما سيحل بهم من خسرانٍ وحرمان، وقوله تعالى في الآية [38] {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} اخبار عن قول المشركين والمكذبين باليوم الآخر أصحاب القلوب المنكرة، ومعنى {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي حلفوا أشد الأيمان إذ كانوا في الأمور التافهة يحلفون بآلهتهم وآبائهم. وإذا كان الأمر ذا خطر وشأن أقسموا بالله وبالغوا في الإِقسام حتى يبلغوا جهد أيمانهم والمحلوف عليه هو أنهم إذا ماتوا لا يبعثون أحياء فيحاسبون ويجزون فرد الله تعالى عليهم بقوله {بَلَىٰ} أي تبعثون وعد الله حقاً فلا بد ناجز {وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} فلذا ينفون البعث وينكرونه لجهلهم بأسرار الكون والحياة وعِلَلَ الوجود والعمل فيه فلذا أشار الله تعالى إلى بعض تلك العلل في قوله: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} فلولا البعث الآخر ما عرف المُحق من المبطل في هذه الحياة والخلاف سائد ودائم بين الناس. هذا أولاً. وثانياً: {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ} في اعتقاداتهم وأعمالهم ونفيهم الحياة الثانية للجزاء على العمل في دار العمل هذه أما استبعادهم البعث بعد الموت نظراً إلى وسائلهم ووسائطهم الخاصة بهم فقد أخبرهم تعالى بأن الأمر ليس كما تقدرون أنتم وتفكرون: إنه مجرد ما تتعلق إرادتنا بشيء نريد أن يكون، نقول له كن فيكون فوراً، والبعث الآخر من ذلك، هذا ما دل عليه قوله في الآية [40] {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ولا يقولن قائل كيف يخاطب غير الموجود فيأمره ليوجد فإن الله تعالى إذا أراد شيئاً علمه أولاً ثم قال له كن فهو يكون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الرد على شبهة المشركين في احتجاجهم بالمشيئة الإِلهية. 2- تفسير لا إله إلا الله. 3- التحذير من تعمد الضلال وطلبه والحرص عليه فإن من طلب ذلك وأضله الله لا ترجى هدايته. 4- بيان بعض الحكم في البعث الآخر. 5- لا يستعظم على الله خلق شيء وإيجاده، لانه يوجد بكلمة التكوين فقط.

القطان

تفسير : الطاغوت: كل ما عُبد من دون الله من شيطان وكاهن وصنم، وكل من دعا الى ضلالة. حقت عليه: وجبت عليه. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ}. لقد تكرر هذا القول من المشركين، وهم يريدون بقولهم هذا أن الله سبحانه أراد ان يشرِكوا ورضَي بذلك. وهذه مغالطةٌ وحجّة باطلة يستندون عليها من كفرهم. وقد رد الله عليهم شُبْهَتَهم هذه بقوله: {كَذٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} ومثل هذا الفعل الشنيع فعلَ مَن قبلَهم من الأمم. ثم بيّن خطأهم فيما يقولون ويفعلون فقال: {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ؟}. هذه هي مهمة الرسل.. إبلاغُ الناس رسالاتِ ربهم وانذارُهم، وليس عليهم هداهم. فالله لا يريد لعباده الشِرك، ولا يرضى لهم ان يحرِّموا ما أحلَّه لهم من الطيبات، وإرادتُه ظاهرة منصوص عليها في شرائعه، وانما شاءت ارادة الله أن يخلقَ البشرَ باستعداد للهدى والضلال، وان يدعَ مشيئتهم حرةً في اختيار اي الطريقين. لذا منحهم العقل يرجّحون به أحدَ الاتجاهين، وبَعَثَ الرسُلَ منذِرين ومبشّرين. ثم بين الله تعالى ان بعثة الرسل امرٌ جرت به السنّة الالهية في الأمم كلها، وجُعلت سبباً لهُدى من أراد اللهُ هدايته، وزيادةِ ضلالِ من أراد ضلاله، كالغذاء الصالح ينفع الصحيح السليم، ويضر بعض المرضى. {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ}. ولقد أرسلنا في كل أمةٍ سلفتْ قبلكم رسولا يقول لهم: اعبدوا الله وحده، واجتنبوا عبادة مَن دونَه مما لا ينفع ولا يضر، ففريقٌ استمع الى الرسول واهتدى، وفريق أعرضَ عن سماع الحق فحق عليه العذاب. واذا كنتم في شكّ أيها المشركون، فسيروا في الأرض قريبا منكم، فانظروا ما حلّ بالمكذّبين من عاد وثمود وقوم لوط، وكيف كانت عاقبة أمرهم لعلّكم تعتبرون بما حل بهم. فالقرآن الكريم ينفي بهذا النصِّ، وَهْمَ الإجبار لوَّح به المشركون، والذي يستند اليه كثير من المنحرفين. والعقيدةُ الاسلامية عقيدةٌ واضحة، فالله يأمر عبادَه بالخير وينهاهم عن الشر، ويعاقب المذنبين أحيانا في الدنيا، وعقابُ الآخرة لا شكَّ فيه، ويثيب المؤمنين المتقين. ثم خاطب الله رسوله الكريم مسلّياً له عما يراه من جحود قومه وشديد إعراضهم، مع حدَبه عليهم وعظيم رغبته في إيمانهم، ومبيّنا له ان الأمر بيدِ الله. فقال: {إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}. ان تكن حريصا ايها النبي على هداية المشركين من قومك فلن ينفهم حرصك، لانهم قد تحكّمت في نفوسهم الشهات والكِبْرُ والعناد، وليس لهم يومَ القيامة ناصر ينصرهم من عذاب الله. قراءات: قرأ اهل الكوفة: " لا يهدي بفتح الياء وكسر الدال. والباقون: "لا يهدى" بضم الياء وفتح الدال.

د. أسعد حومد

تفسير : {آبَاؤُنَا} {ٱلْبَلاغُ (35) - وَيَعْتَذِرُ المُشْرِكُونَ عَنْ شِرْكِهِمْ، وَعِبَادَتِهِمْ الأَصْنَامَ، وَتَحْرِيمِهِمْ مَا حَرَّمُوهُ مِنَ السَّوَائِبِ وَالبَحَائِرِ وَالوَصَائِلِ .. إِلخ وَيَحْتَمُونَ بِالقَدَرِ، وَبِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرَادَ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذلِكَ. وَيَقُولُونَ إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَوْ كَانَ كَارِهاً ذَلِكَ لَمَا فَعَلُوهُ هُمْ، وَلاَ فَعَلَهُ آبَاؤُهُمْ، وَلأَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ، وَلَمَا مَكَّنَهُمْ مِنْهُ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْكُمْ، فَقَدْ أَنْكَرَهُ عَلَيْكُمْ أَشَدَّ الإِنْكَارِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ، وَبَعَثَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ رَسُولاً يَدْعُوهُمْ إِلى اللهِ وَعِبَادَتِهِ، وَيُحَذِّرُهُمْ عَوَاقِبَ الشِّرْكِ، وَنَتَائِجَ البَغْيِ وَالظُّلْمِ وَالكُفْرِ، وَلَكِنَّهُمْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، كَمَا كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ رُسُلَهُمْ، وَتَابَعُوا أَسْلاَفَهُم عَلَى ضَلاَلِهِمْ فِي تَحْرِيمِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللهُ، كَمَا فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. وَمَهَمَّةُ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ هِيَ إِبْلاغُ النَّاسِ مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ وَلَيْسَتْ مَهَمَّتُهُمْ إِجْبَارَ النَّاسِ، وَإِكْرَاهَهُمْ عَلَى الإِيَمَانِ.

الثعلبي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا} قل للذين اقتدينا بهم {وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام فلولا أن رضيها لغيّر ذلك ببعض عقوباته أو هدانا إلى غيرها. قال الله: {كَذٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ} يعني إلاّ عليه، فإنّها لم تحرم هذه الأشياء وأنهم ادعوا على الله. {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} يعني بأن اعبدوا الله {وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ} وهو كل معبود من دون الله {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ} في دينه {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ} أي وجبت عليه الضلالة حتّى مات على كفره {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} أي خراب منازلهم وديارهم بالعذاب والهلاك {إِن تَحْرِصْ} يا محمّد {عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} . قرأ أهل الكوفة: يهدي بفتح الياء وقسموا ذلك، ولها وجهان: أحدهما: إن معناه فإنّ الله لا يهدي من أضله الله، والآخر: أن يكون يهدي بمعنى يهتدي، بمعنى من أضله الله لا يهتدي يقول العرب: هدى الرجل وهم يريدون اهتدى. وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح الدال، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم على معنى من أضله الله فلا هادي له، دليله: {أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} تفسير : [الأعراف: 186] . {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} يمنعونهم من عذاب الله {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ}. الربيع عن أبي العالية قال: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه فكان فيما تكلّم به: والذي أرجوه بعد الموت أنه لكذا، فقال المشرك: وإنك لتزعم أنك تُبعث بعد الموت فأقسم بالله (لا يبعث الله من يموت) فأنزل الله هذه الآية. قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال لابن عبّاس: إن ناساً بالعراق يزعمون أن علياً مبعوث قبل يوم القيامة ويتأولون هذه الآية. فقال ابن عبّاس: كذب أولئك، إنما هذه الآية عامة للناس، لو كان عليّ مبعوثاً قبل يوم القيامة ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، قال الله رداً عليهم: {بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. في الخبر أن الله تعالى يقول: كذّبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وشتمني ابن آدم ولا ينبغي له أن يشتمني، وأمّا تكذيبه إياي فحلفه بي أن لا أبعث الخلق، وأمّا شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً وأنا الله الواحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد. {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} هو مردود إلى قوله: {لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً} يبين لهؤلاء المنكرين المقتسمين الذين يختلفون {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ * إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ} الآية، يقول الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائهم ولا في غير ذلك [مما نخلق ونكّون ونُحْدث]، لأنا إذا أردنا خلق شيء وإنشاؤه {أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. وفي هذه الآية دليل على أنّ القرآن غير مخلوق، فذكر أن الله عزّ وجلّ أخبر أنه إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون، فلو كان قوله كن مخلوقاً لاحتاج إلى قول ثان ولا حتاج ذلك القول إلى قول ثالث إلى ما لا نهاية فلما بطل ذلك ثبت أن الله خلق الخلق بكلام غير مخلوق.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نلاحظ أنه ساعة أنْ يأتيَ الفعل نصاً في مطلوبه لا يُذكر المتعلق به .. فلم يَقُلْ: أشركوا بالله .. لأن ذلك معلوم، والإشراك معناه الإشراك بالله، لذلك قال تعالى هنا: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ..} [النحل: 35]. ثم يورد الحق سبحانه قولهم: {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ..} [النحل: 35]. إنهم هنا يدافعون عن أنفسهم، وهذه هي الشماعة التي يُعلّق عليها الكفار خطاياهم - شماعة أن الله كتب علينا وقضى بكذا وكذا. فيقول المسرف على نفسه: ربُّنا هو الذي أراد لي كذا، وهو الذي يهدي، وهو الذي يُضل، وهو الذي جعلني ارتكب الذنوب، إلى آخر هذه المقولات الفارغة من الحق - والنهاية؛ فلماذا يعذبني إذن؟ وتعالوا نناقش صاحب هذه المقولات، لأن عنده تناقضاً عقلياً، والقضية غير واضحة أمامه .. ولكي نزيل عنه هذا الغموض نقول له: ولماذا لم تقُل: إذا كان الله قد أراد لي الطاعة وكتبها عليَّ، فلماذا يثيبني عليها .. هكذا المقابل .. فلماذا قُلْت بالأولى ولم تقُلْ بالثانية؟‍‍‍‍‍! واضح أن الأولى تجرُّ عليك الشر والعذاب، فوقفتْ في عقلك .. أما الثانية فتجرُّ عليك الخير، لذلك تغاضيت عن ذِكْرها. ونقول له: هل أنت حينما تعمل أعمالك .. هل كلها خير؟ أم هل كلها شَرّ؟ أَمَا منها ما هو خير، ومنها ما هو شر؟ والإجابة هنا واضحة. إذن: لا أنت مطبوع على الخير دائماً، ولا أنت مطبوع على الشرّ دائماً، لذلك فأنت صالح للخير، كما أنت صالح للشر. إذن: هناك فَرْق بين أن يخلقك صالحاً للفعل وضِدّه، وبين أنْ يخلقك مقصوراً على الفعل لا ضده، ولما خلقك صالحاً للخير وصالحاً للشر أوضح لك منهجه وبيَّنَ لك الجزاء، فقال: اعمل الخير .. والجزاء كذا، واعمل الشر .. والجزاء كذا .. وهذا هو المنهج. ويحلو للمسرف على نفسه أنْ يقولَ: إن الله كتبه عليَّ .. وهذا عجيب، وكأنِّي به قد اطَّلع على اللوح المحفوظ ونظر فيه ، فوجد أن الله كتب عليه أن يشرب الخمر مثلاً فراحَ فشربها؛ لأن الله كتبها عليه. ولو أن الأمر هكذا لكنتَ طائعاً بشُرْبك هذا، لكن الأمر خلاف ما تتصور، فأنت لا تعرف أنها كُتِبت عليك إلا بعد أنْ فعلتَ، والفعل منك مسبوق بالعزم على أنْ تفعلَ، فهل اطلعتَ على اللوح المحفوظ كي تعرف ما كتبه الله عليك؟ وانتبه هنا واعلم أن الله تعالى كتب أزلاً؛ لأنه علم أنك تفعل أجلاً، وعِلْم الله مُطْلق لا حدودَ له. ونضرب مثلاً - ولله المثل الأعلى - الوالد الذي يلاحظ ولده في دراسته، فيجده مُهملاً غير مُجدٍّ فيتوقع فشله في الامتحان .. هل دخل الوالد مع ولده وجعله يكتب خطأ؟ لا .. بل توقّع له الفشل لعلمه بحال ولده، وعدم استحقاقه للنجاح. إذن: كتب الله مُسبْقاً وأزلاً؛ لأنه يعلم ما يفعله العبد أصلاً .. وقد أعطانا الحق تبارك وتعالى صورة أخرى لهذا المنهج حينما وجَّه المؤمنين إلى الكعبة بعد أنْ كانت وجْهتهم إلى بيت المقدس، فقال تعالى: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ..} تفسير : [البقرة: 144]. ثم أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ..} تفسير : [البقرة: 142]. جاء الفعل هكذا في المستقبل: سيقول .. إنهم لم يقولوا بَعْد هذا القول، وهذا قرآن يُتلَى على مسامع الجميع غير خافٍ على أحد من هؤلاء السفهاء، فلو كان عند هؤلاء عقل لَسكتُوا ولم يُبادروا بهذه المقولة، ويُفوِّتوا الفرصة بذلك على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صِدْق القرآن الكريم. كان باستطاعتهم أن يسكتوا ويُوجّهوا للقرآن تهمة الكذب، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث. وبذلك تمَّتْ إرادة الله وأمره حتى على الكافرين الذين يبحثون عن مناقضة في القرآن الكريم. وهذه الآية: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ..} [النحل: 35]. تشرح وتُفسِّر قول الله تعالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ..} تفسير : [الأنعام: 148]. فهنا {سَيَقُولُ} وفي الآية الأخرى {قَالَ}؛ لنعلم أنه لا يستطيع أحد معارضة قَوْل الله تعالى، أو تغيير حكمه. ثم يقول تعالى: {نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا ..} [النحل: 35]. لماذا لم يتحدث هؤلاء عن أنفسهم فقط؟ ما الحكمة في دفاعهم عن آبائهم هنا؟ الحكمة أنهم سيحتاجون لهذه القضية فيما بعد وسوف يجعلونها حُجَّة حينما يقولون: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 22]. إذن: لا حُجَّة لهؤلاء الذين يُعلِّقون إسرافهم على أنفسهم على شماعة القدر، وأن الله تعالى كتب عليهم المعصية؛ لأننا نرى حتى من المسلمين مَنْ يتكلم بهذا الكلام، ويميل إلى هذه الأباطيل، ومنهم مَنْ تأخذه الجَرْأة على الله عز وجل فيُشبِّه هذه القضية بقول الشاعر: شعر : أَلْقَاهُ في اليَمِّ مَكتُوفاً وَقَالَ لَهُ إيَّاكَ إيَّاكَ أنْ تبتلَّ بالماءِ تفسير : وما يفعل هذا إلا ظالم!! تعالى الله وتنزَّه عن قَوْل الجُهَّال والكافرين، وأيضاً هناك مَنْ يقول: إن الإنسان هو الذي يخلق الفعل، ويعارضهم آخرون يقولون: لا بل رَبَّنا هو الذي يخلق الفِعْل. نقول لهم جميعاً: افهموا، ليس هناك في الحقيقة خلافٌ .. ونسأل: ما هو الفعل؟ الفعل توجيه جارحة لحدثٍ، فأنت حينما تُوجِّه جارحة لحدثٍ، ما الذي فعلته أنت؟ هل أعطيتَ لليد مثلاً قوة الحركة بذاتها؟ أم أن إرادتك هي التي وجَّهَتْ حركتها؟ والجارحة مخلوقة لله تعالى، وكذلك الإرادة التي حكمتْ على الجارحة مخلوقة لله أيضاً .. إذن: ما فعلته أنت ما هو إلا أن وجَّهْتَ المخلوق لله إلى مَا لا يحب الله - في حالة المعصية - وإلى ما يحبه الله في حالة الطاعة. كذلك لا بُدَّ أن نلاحظ أن لله تعالى مرادات كونية ومرادات شرعية .. فالمراد الكونيّ هو ما يكون فِعلاً، كُلُّ ما تراه في الكون أراد الله أن يكون. والمراد الشرعي: هو طَلَبُ الشيء لمحبوبيته. ولنأخذ مثلاً لتوضيح ذلك: كُفْر الكافر، أراد الله كَوْنياً أن يكون، لأنه خلقه مختاراً وقال: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..}تفسير : [الكهف: 29]. وطالما خلقك الله مختاراً تستطيع أن تتوجه إلى الإيمان، أو تتوجه إلى الكفر، ثم كفرتَ. إذن: فهل كفرتَ غَصْباً عنه وعلى غير مُراده سبحانه وتعالى؟ حاشا لله ومعنى ذلك أن كُفْر الكافر مُراد كونيّ، وليس مراداً شرعياً. وبنفس المقياس يكون إيمان المؤمن مُراداً كونياً ومُراداً شرعياً، أما كفر المؤمن، المؤمن حقيقة لم يكفر. إذن: هو مراد شرعي وكذلك مراد كوني، وهكذا، فلا بُدَّ أن نُفرِّق بين المراد كونياً والمراد شرعياً. ولذلك لما حدثت ضجة في الحرم المكي منذ سنوات، وحدث فيه إطلاق للنار وترويع للآمنين، قال بعضهم: كيف يحدث هذا وقد قال تعالى: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} تفسير : [آل عمران: 97]. وها هو الحال قَتْل وإزعاج للآمنين فيه؟! والحقيقة أن هؤلاء خلطوا بين مراد كوني ومراد شرعي، فالمقصود بالآية: فَمْن دخله فأمِّنوه. أي: اجعلوه آمناً، فهذا مطلَب من الله تبارك وتعالى، وهو مراد شرعي قد يحدث وقد لا يحدث .. أما المراد الكوني فهو الذي يحدث فعلاً. وبذلك يكون ما حدث في الحرم مراداً كونياً، وليس مراداً شرعياً. ثم يقول تعالى على لسانهم: {وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ..} [النحل: 35]. وقد ورد توضيح هذه الآية في قوله تعالى: {أية : مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [المائدة: 103]. ثم يقول تعالى مقرراً: {كَذٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..} [النحل: 35]. أي: هذه سُنَّة السابقين المعاندين. {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ} [النحل: 35]. البلاغ هو ما بين عباد الله وبين الله، وهو بلاغ الرسل، والمراد به المنهج "افعل أو لا تفعل". ولا يقول الله لك ذلك إلا وأنت قادر على الفِعْل وقادر على التَّرْك. لذلك نرى الحق تبارك وتعالى يرفع التكليف عن المكْره فلا يتعلق به حكم؛ لأنه في حالة الإكراه قد يفعل ما لا يريده ولا يُحبه، وكذلك المجنون والصغير الذي لم يبلغ التعقل، كُلُّ هؤلاء لا يتعلق بهم حكْم .. لماذا؟ لأن الله تعالى يريد أن يضمن السلامة لآلة الترجيح في الاختيار .. وهي العقل. وحينما يكون الإنسان محلَّ تكليف عليه أنْ يجعلَ الفيصل في: {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ} [النحل: 35]. بلاغ المنهج بافعل ولا تفعل؛ لذلك استنكر القرآن الكريم على هؤلاء الذين جاءوا بقول من عند أنفسهم دون رصيد من المبلّغ صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى في حَقِّ هؤلاء: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ * وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ..} تفسير : [الزخرف: 19-20]. فأنكر عليهم سبحانه ذلك، وسألهم: {أية : أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} تفسير : [الزخرف: 21]. وخاطبهم سبحانه في آية أخرى: {أية : أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} تفسير : [القلم: 37]. وكلمة {ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ} أي: لا بُدَّ أن يُبَلِّغ المكَلَّف، فإنْ حصل تقصير في ألاَّ يُبَلَّغ المكلَّف يُنسَب التقصير إلى أهل الدين الحق، المنتسبين إليه، والمُنَاط بهم تبليغ هذا المنهج لمنْ لَمْ يصلْه. وقد وردت الأحاديث الكثيرة في الحَثِّ على تبليغ دين الله لمن لم يصِلْه الدين. كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بلِّغُوا عَنِّي ولو آية" تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نَضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعَاهَا ثم أدّاها إلى من لم يسمعها، فرُبَّ مُبلَّغٍ أَوْعَى من سامع ". تفسير : قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} [النحل: 35] لهذا المعنى بالاستهزاء {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا} [النحل: 35] أي: ما عبدنا غير الله {وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} {نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا} [النحل: 35] أي: ما عبدنا غير الله ولا حرمنا من دونه من شيء؛ أي: ما حرمنا على أنفسنا نعمة طلب الله بطلب غيره هذا كلام حق أريد به باطل {كَذٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [النحل: 35] أهب الأهواء عبدوا أهواءهم واتخذوا إلههم وأمالوا التقصير إلى الله، فهل على الله إلا أن يرسل الرسل، وينزل الكتب فيأمرهم بالتبليغ والإنذار والتبشير {فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ} [النحل: 35] أي: بلاغ يبين لهم طريق السير إلى الله ويهديهم إلى صراط مستقيم. ثم أخبر عن بعثه الرسل وهداهم إلى السبيل بقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ} [النحل: 36] إشارة إلى أن شريعة الأنبياء - عليهم السلام - إلى الخلق بأن يأمروهم بعبادة الله واجتناب طاغوت الهوى، وما يعبدون من دون الله ويعلموهم كيفية العبادة الخالصة عن شوائب الرياء والسمعة وكيفية الاجتناب عما سوى الله ليصلوا بهذين القدمين إلى حضرة الجلال. كما قال بعضهم: خطوتان وقد وصلت فالخطوة الأولى: عبادة الله بالتوحيد وهو التوجه إلى الله بالكلية طلباً وشوقاً ومحبة، والثانية: الخروج عما سوى الله بالكلية صدقاً واجتهاداً بليغاً؛ لينالوا ما نال من قال لربه: "كلي لكلك مشغول"، فقال: "كلي لكلك مبذول". وفي قوله: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ} [النحل: 36] إشارة إلى أن الهداية إلى الله مطلقاً وليس لأحد فيها شركة، ومن لم يهد الله إلى حضرة جلاله بالوصول والوصال، فإنه يبقى ضالاً في تيه الضلال قال: حتى قال لخير خلقه وحبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} تفسير : [الضحى: 7] وتلك الضلالة هي التي من نتيجة ظلمة الخلقية قبل إصابتها رشاش النور الذي من نتيجة الهداية {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ } [النحل: 36] أي: فاعتبروا من حال منكري البعث، فإن إنكارهم البعث لحرمانهم عن إحيائهم برشاش النور إذ لم يصبهم، فإن من أصابه ذلك النور فقد صار حياً بنور الله، ومن أخطأه بقي ميتاً كما قال: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً} تفسير : [الأنعام: 122]، فاعلم أن الإيمان بالبعث من نتيجة ذلك الإحياء، والكفر بالبعث من نتيجة حرمان ذلك الإحياء. ثم أكد هذا المعنى بقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ} [النحل: 37] أي: هدى من لم يصبه ذلك النور وأضله الله بخذلانه في ظلمة الخلقية {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} [النحل: 37] عن إصابة النور {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [النحل: 37] أي: على الهداية، ولو اجتمعت الإنس والجن لنصرتهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: احتج المشركون على شركهم بمشيئة الله، وأن الله لو شاء ما أشركوا، ولا حرموا شيئا من [الأنعام] التي أحلها كالبحيرة والوصيلة والحام ونحوها من دونه، وهذه حجة باطلة، فإنها لو كانت حقا ما عاقب الله الذين من قبلهم حيث أشركوا به، فعاقبهم أشد العقاب. فلو كان يحب ذلك منهم لما عذبهم، وليس قصدهم بذلك إلا رد الحق الذي جاءت به الرسل، وإلا فعندهم علم أنه لا حجة لهم على الله. فإن الله أمرهم ونهاهم ومكنهم من القيام بما كلفهم وجعل لهم قوة ومشيئة تصدر عنها أفعالهم. فاحتجاجهم بالقضاء والقدر من أبطل الباطل، هذا وكل أحد يعلم بالحس قدرة الإنسان على كل فعل يريده من غير أن ينازعه منازع، فجمعوا بين تكذيب الله وتكذيب رسله وتكذيب الأمور العقلية والحسية، { فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ } أي: البين الظاهر الذي يصل إلى القلوب، ولا يبقى لأحد على الله حجة، فإذا بلغتهم الرسل أمر ربهم ونهيه، واحتجوا عليهم بالقدر، فليس للرسل من الأمر شيء، وإنما حسابهم على الله عز وجل.