١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي بأن ٱعبدوا الله ووحدّوه. {وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ} أي اتركوا كلّ معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم، وكل من دعا إلى الضلال. {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ} أي أرشده إلى دينه وعبادته. {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ} أي بالقضاء السابق عليه حتى مات على كفره، وهذا يردّ على القدرية؛ لأنهم زعموا أن الله هدى الناس كلّهم ووفقهم للهدى، والله تعالى يقول: «فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ» وقد تقدم هذا في غير موضع. {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي فسيروا معتبرين في الأرض. {فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} أي كيف صار آخر أمرهم إلى الخراب والعذاب والهلاك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً } كما بعثناك في هؤلاء {أن } أي بأن {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وحِّدوه {وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّٰغُوتَ } الأوثان أن تعبدوها {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ } فآمن {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ } وجبت {عَلَيْهِ ٱلضَّلَٰلَةُ } في علم الله فلم يؤمن {فَسِيرُواْ } يا كفار مكة {فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } رسلهم من الهلاك.
ابن عطية
تفسير : لما أشار قوله تعالى: {أية : فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} تفسير : [النحل: 35] إلى إقامة الحجة حسبما ذكرناه، بين ذلك في هذه الآية، أي إنه بعث الرسل آمراً بعبادته وتجنب عبادة غيره، و {الطاغوت} في اللغة كل ما عُبد من دون الله من آدمي راض بذلك، أو حجر أو خشب، ثم أخبر أن منهم من اعتبر وهداه الله ونظر ببصيرته، ومنهم أيضاً من أعرض وكفر {فحقت عليه الضلالة} ، وهي مؤدية إلى النار حتماً، ومنه من أدته إلى عذاب الله في الدنيا، ثم أحالهم في علم ذلك على الطلب في الأرض واستقراء الأمم والوقوف على عواقب الكافرين المكذبين، وقوله {إن تحرص} الآية، الحرص أبلغ الإرادة في الشيء، وهذه تسلية للنبي عليه السلام أي إن حرصك لا ينفع، فإنها أمور محتومة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة ومجاهد وشبل ومزاحم الخراساني وأبو رجاء العطاردي وابن سيرين "لا يُهدَى" بضم الياء وفتح الدال، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "لا يهدي" بفتح الياء وكسر الدال، وهي قراءة ابن المسيب وابن مسعود وجماعة، وذلك على معنيين أي إن الله لا يهدي من قضى بإضلاله، والآخر أن العرب تقول هدي الرجل بمعنى اهتدى حكاه الفراء وفي القرآن {أية : لا يهدي إلا أن يهدى} تفسير : [يونس: 35] وجعله أبو علي وغيره بمعنى يهتدي، وقرأت فرقة "إن الله لا يَهدِي" بفتح الياء وكسر الهاء والدال، وقرأت فرقة "إن الله لا يُهدي" بضم الياء وكسر الدال، وهي ضعيفة، وفي مصحف أبي ابن كعب، "إن الله لا هادي لمن أضل"، قال أبو علي: الراجع إلى اسم {إن} مقدر في {يضل} على كل قراءة إلا على قراءة من قرأ "يَهْدِي" بفتح الياء وكسر الدال بمعنى يهدي الله، فإن الراجع مقدر في "يهدي"، وقوله {وما لهم} ضمير على معنى "من"، وتقول العرب حَرَص يحرص وَحَرص يحرُص والكسر في المستقبل هي لغة أهل الحجاز، وقرأ الحسن وإبراهيم وأبو حيوة بفتح الراء، وقرأ إبراهيم منهم، "وإن" بزيادة الواو، والضمير في قوله {وأقسموا} لكفار قريش، وذكر أن رجلاً من المسلمين حاور رجلاً من المشركين، فقال في حديثه: لا والذي أرجوه بعد الموت، فقال له الكافر أونبعث بعد الموت؟ قال: نعم، فأقسم الكافر مجتهداً في يمينه أن الله لا يبعث أحداً بعد الموت، فنزلت الآية بسبب ذلك، و {جَهْدُ} مصدر ومعناه فغاية جهدهم، ثم رد الله تعالى عليهم بقوله تعالى {بلى} فأوجب بذلك البعث، وقوله {وعداً عليه حقاً} مصدران مؤكدان، وقرأ الضحاك "بلى وعدٌ عليه حقٌ" بالرفع في المصدرين، و {أكثر الناس} في هذه الآية الكفار المكذبون بالبعث. قال القاضي أبو محمد: والبعث من القبور مما يجوزه العقل، وأثبته خبر الشريعة على لسان جميع النبيين، وقال بعض الشيعة إن الإشارة بهذه الآية إنما هي لعلي بن أبي طالب، وإن الله سيبعثه في الدنيا، وهذا هو القول بالرجعة، وقولهم هذا باطل وافتراء على الله وبهتان من القول رده ابن عباس وغيره.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ...} الآية: إِلى قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ}، وقرأ حمزة والكسائِيُّ وعاصم: «لاَ يَهْدِي» - بفتح الياء وكسر الدال -، وذلك على معنيين: أيْ: إِن اللَّه لا يَهْدِي من قضَى بإِضلاله، والمعنى الثاني: أنَّ العربَ تقُولُ: هَدَى الرَّجُلُ، بمعنى ٱهْتَدَى. وقوله سبحانه: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ}: الضمير في {أَقْسَمُواْ} لكفَّار قريش، ثم رَدَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله: {بَلَىٰ }، فأوجب بذلك البَعْثَ، و{أَكْثَرَ النَّاسِ} في هذه الآية: الكفَّار المكذِّبون بالبَعْث. وقوله سبحانه: {لِيُبَيِّنَ}: التقدير: بلى يبعثه؛ ليبيِّن لهم الذي يَخْتَلِفُونَ فيه. وقوله سبحانه: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ...} الآية: المَقْصَدُ بهذه الآية إِعلامُ مُنْكِرِي البَعْث بِهَوَانِ أمره على اللَّه تعالى، وقُرْبِهِ في قُدْرته، لا ربِّ غيره.
البقاعي
تفسير : ولما كان جمع الرسل مفهماً لتوزيعهم على الأمم، كان موضع توقع التصريح بذلك، فقال - دافعاً لكرب هذا الاستشراف، نافياً لطروق احتمال، دالاً علا أن هذا القول السابق منصب إنكاره بالذات إلى اعتراضهم على الإرسال، ومسلياً لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحاثاً لهم على الاعتبار، عطفاً على ما تقديره: فلقد بعثناك في أمتك هذه لأن يعبدوا الله وحده ويجتنبوا الطاغوت، فمنهم من هدينا، ومنهم من حقت عليه الضلالة، فكان من غير شك بعضهم مرضٍ لله وبعضهم مغضب له، فإنه لا يكون حكم المتنافيين واحداً أبداً: {ولقد} أي والله لقد {بعثنا} أي على ما لنا من العظمة التي من اعترض عليها أخذ {في كل أمة} من الأمم الذين قبلكم {رسولا} فما بقي في الأرض أحد لم تبلغه الدعوة، ولأجل أن الرسل قد تكون من غير المرسل إليهم كلوط وشعيب عليهما السلام في أصحاب الأيكة وسليمان عليه السلام في غير بني إسرائيل من سائر من وصل إليه حكمه من أهل الأرض لم يقيد بـ "منهم". ولما كان البعث متضمناً معنى القول، كان المعنى: فذهبوا إليهم قائلين: {أن اعبدوا الله} أي الملك الأعلى وحده {واجتنبوا} أي بكل جهدكم {الطاغوت} كما أمركم رسولنا {فمنهم} أي فتسبب عن إرسال الرسل أن كانت الأمم قسمين: منهم {من هدى الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة، للحق فحقت له الهداية فأبصر الحق وعمل به باتباع الدعاة الهداة فيما أمروا به عن الله، فحقت له الجنة {ومنهم من حقت} أي ثبتت غاية الثبات {عليه الضلالة} بأن أضله الله فنابذ الأمر فلم يعمل به وعمل بمقتضى الإرادة، فإن الأمر قد لا يكون ما تعلق به، والإرادة لا بد أن يكون ما تعلقت به، وقد يكون موافقها عاملاً بالضلالة فحق عليه عذابها فحقت له النار فهلك، لأنه لم تبق له حجة يدفع بها عن نفسه، فلو كان كل ما شاءه حقاً كان الفريقان محقين فلم يعذب أحدهما، لكنه لم يكن الأمر كذلك، بل عذب العاصي ونجى الطائع في كل أمة على حسب ما قال الرسل، وهذا هو معنى رضي الله، إطلاقاً لاسم الملزوم على اللازم، فدل ذلك قطعاً على صدق الرسل وكذب مخالفيهم، فالآية من الاحتباك: ذكر فعل الهداية أولاً دليلاً على فعل الضلال ثانياً، وحقوق الضلالة ثانياً دليلاً على حقوق الهداية أولاً. ثم التفت إلى مخاطبتهم إشارة إلى أنه لم يبق بعد هذا الدليل القطعي في نظر البصيرة إلا الدليل المحسوس للبصر فقال: {فسيروا} أي فإن كنتم أيها المخاطبون في شك من إخبار الرسل فسيروا {في الأرض} أي جنسها {فانظروا} أي إذا سرتم ومررتم بديار المكذبين وآثارهم، وعبر هنا بالفاء المشيرة إلى التعقب دون تراخ لأن المقام للاستدلال المنقذ من الضلال الذي تجب المبادرة إلى الإقلاع عنه بخلاف { ثم انظروا} في الأنعام لما تقدم، وأشار بالاستفهام إلى أن أحوالهم مما يجب أن يسأل عنه للاتعاظ به فقال: {كيف كان} أي كوناً لا قدرة على الخلاص منه {عاقبة} أي آخر أمر {المكذبين *} أي من عاد ومن بعدهم الذين تلقيتم أخبارهم عمن قلدتموهم في الكفر من أسلافكم، فإنهم كذبوا الرسل فيما أمرتهم بإبلاغه مخالفة لأمري وعملاً بمشيئتي، فأوقعت بهم لأنهم خالفوا أمري باختيارهم مع جهلهم بإرادتي، فقامت عليهم الحجة على ما يتعارفه الناس بينهم. ولما كان المحقق أنه ليس بعد الإيصال في الاستدلال إلى الأمر المحسوس إلا العناد، أعرض عنهم ملتفتاً إلى الرؤوف بهم الشفيق عليهم، فقال مسلياً له صلى الله عليه وعلى آله وسلم: {إن تحرص على هداهم} فتطلبه بغاية جدك واجتهادك {فإن الله} أي الملك الأعظم {لا يهدي} أي هو بخلق الهداية في القلب - هذا على قراءة الكوفيين بفتح الياء وكسر الدال، ومن هاد ما بوجه من الوجوه على قراءة الجمهور بالبناء للمفعول {من يضل} أي من يحكم بضلاله، وهو الذي أضلهم فلا يمكن غيره أن يهديهم لأنه لا غالب لأمره؛ وقرىء شاذاً بفتح الياء من ضل بمعنى نسي، أي فلا تمكن هداية من نسيه، أي تركه من الهداية ترك المنسي فإنه ليس في يد غيره شيء، ونقل الصغاني في مجمع البحرين أنه يقال: ضل فلان البعير أي أضله، والضلال عند العرب سلوك غير سبيل القصد، فالمعنى أنه كان سبباً لسلوك البعير غير المقصود، فمعنى الآية: لا تهدي من يضله الله - بفتح الياء، أي يكون سبباً لسلوكه غير سبيل القصد، فلا تحزن ولا يضيق صدرك من عدم تأثرهم بنصحك وإخلاصك في الدعاء، ولا يقع في فكرك أن في دعائك نقصاً، إنما النقص في مرائيهم العمياء، وليس عليك إلا البلاغ. وقوله تعالى -: {وما لهم} أي هؤلاء الذين أضلهم الله وجميع من يضله {من ناصرين *} أي ينصرونهم عند مجازاتهم على الضلال، لينقذوهم مما لحقهم عليه من الوبال، كما فعل بالمكذبين من قبلهم - عطف على نتيجة ما قبله، وهو فلا هادي لهم ما أراد الله ضلالهم، وتبكيت لهم وتقريع وحث وتهييج على أن يقوموا بأنفسهم ويستعينوا بمن شاؤوا على نصب دليل ما يدعونه من أنهم أتبع الناس للحق، إما بأن يبرهنوا على صحة معتقدهم أو يعينوهم على الرجوع عنه عند العجز عن ذلك، أو يكفوا عنهم العذاب إذا حاق بهم. ولما كان من حقهم - بعد قيام الأدلة على كمال قدرته وشمول علمه وبلوغ حكمته في إبداع جميع المخلوقات مما نعلم وما لا نعلم على أبدع ترتيب وأحسن نظام - تصديق الهداة في إعلامهم بأنه سبحانه يعيدهم للبعث وأنهم لم يفعلوا ولا طرقوا لذلك احتمالاً، بل حلفوا على نفيه من غير شبهة عرضت لهم ولا إخبار عن علم وصل إليهم فعل الجلف الجافي الغبي العاسي، أتبع ذلك سبحانه تعجيباً آخر من حالهم، فقال - عاطفاً على {وقال الذين أشركوا} لأن كلاًّ من الجملتين لبيان تكذيبهم الرسل والتعجيب منهم في ذلك، دالاً على ان اعتقادهم مضمون هذه الجملة هو الذي جرأهم على قول الأولى وما تفرع منها -: {وأقسموا بالله} أي الملك الأعظم {جهد أيمانهم} جعلت الأيمان جاهدة لكثرة ما بالغوا فيها: {لا يبعث الله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {من يموت} أي يحيي أحداً بعد موته، استناداً منهم إلى مجرد استبعاد مالم تجر به نفسه عندهم عادة، جموداً منهم عن حلها بأن النشأة الأولى كانت من غير عادة، مع ادعائهم أنهم أعقل الناس وأحدهم أذهاناً وأثقبهم أفهاماً. ثم رد عليهم بقوله تعالى: {بلى} أي ليبعثهم لأنه لا مانع له من ذلك وقد وعد به {وعداً} وبين أنه لا بد منه بقوله: {عليه} وزاده تأكيداً في مقابلة اجتهادهم في أيمانهم بقوله: {حقاً} أي لأنه قادر عليه وهو لا يبدل القول لديه، فصار واجباً في الحكمة كونه، وأمر البعث معلوم عند كل عاقل سمع أقوال الهداة تاركاً لهواه {ولكن أكثر الناس} أي بما لهم من الاضطراب {لا يعلمون *} أي لا علم لهم يوصلهم إلى ذلك لأنه من عالم الغيب لا يمكن عقولهم الوصول إليه بغير إرشاد من الله، ولا هم يقبلون أقوال الدعاة إليه الذين أيدهم بروح منه لتقيدهم بما توصلهم إليه عقولهم، وهي مقصورة على عالم الشهادة لا يمكنها الترقي منه إلى عالم الغيب بغير وساطة منه سبحانه تعالى، فلذلك ترى الإنسان منهم يأبى ذلك استعباداً لأن يكون شيء معقول لا يصل إليه بمجرد عقله وهو خصيم مبين.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ}[36] قال: العبادة زينة العارفين، وأحسن ما يكون العارف إذا كان في ميادين العبودية والخدمة، يترك ما له لما عليه.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} [الآية: 36]. قال: محمد بن الفضل: بعث الله تعالى الأنبياء عليهم السلام بإظهار الوحدانية وتعليم العبودية. واجتناب موافقة الطبائع والأهواء والشهوات لذلك قال فى كتابه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ}. قوله عز وجل: {وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ} [الآية: 36]. قال سهل: العبادة زينة العارفين وأحسن ما يكون العارف إذا كان فى ميادين العبودية والحذوة بترك ما له لما عليه.
القشيري
تفسير : لم يُخْلِ زماناً من الشرع توضيحاً لحجته، ولكن فرَّقهم في سابِق حُكْمِه؛ ففريقاً هداهم، وفريقاً حَجَبَهم وأعماهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد بعثنا فى كل امة} من الامم. وبالفارسية [درميان هر كروهى]{رسولاً} خاصا بهم كما بعثناك {ان اعبدوا الله} ان مفسرة لبعثنا اى قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا الله وحده {واجتنبوا الطاغوت} هو الشيطان وكل ما يدعوا الى الضلالة وذلك لالزام الحجة وقطع المعذرة مع علمه ان منهم من لا يأتمر بالاوامر ولا يؤمن. والطاغوت فعلوت من الطغيان كالجبروت والملكوت من الجبر والملك واصله طغيوت فقدم اللام على العين وتاؤه زائدة دون التأنيث {فمنهم} اى من تلك الامم والفاء فصيحة اى فبلغوا ما بعثوا به من الامر بعبادة الله وحده واجتناب الطاغوت فتفرقوا فمنهم {من هدى الله} خلق فيه الاهتداء الى الحق الذى هو عبادته واجتناب الطاغوت بعد صرف قدرتهم واختيارهم الجزئى الى تحصليه {ومنهم من حقت عليه الضلالة}[كمراهى بسبب خذلان الهى] اى وجبت وثبتت الى حين الموت لعناده واصراره عليها وعدم صرف قدرته فلم يخلق فيه الاهتداء ولم يرد ان يطهر قلبه {فسيروا} سافروا يا معشر قريش اذ الكلام معهم {فى الارض فانظروا} فى اكنافها وفى الفاء الموضوعة للتعقيب اشارة الى وجوب المبادرة الى النظر والاستدلال المؤديين الى الاقلاع عن الضلال {كيف كان عاقبة المكذبين} من عاد وثمون ومن سار بسيرتهم ممن حقت عليه الضلالة لعلكم تعتبرون حين تشاهدون من منازلهم وديارهم آثار الهلاك والعذاب.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه قد ارسل في كل امّة من الأمم السالفة رسولا بأن {اعبدوا الله} اي امرهم أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، وان يجتنبوا عبادة الطاغوت، وهو كل ما يعبد من دون الله. وقيل: الطاغوت اسم الشيطان ويكون المعنى {اجتنبوا} اغواء الشيطان، وكل داع يدعو الى الفساد. ثم اخبر عن المبعوث اليهم بأن منهم من لطف الله لهم بما علم انه يؤمن عنده، فآمن عنده، فسمى ذلك اللطف هداية، ولم يرد نصب الأدلة على الحق لأنه تعالى سوى في ذلك بين المؤمن والكافر، كما قال {أية : فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}تفسير : ويحتمل أن يكون المراد فمنهم من هداه الله الى الجنة بايمانه. وقوله {ومنهم من حقت عليه الضلالة} قيل فيه قولان: احدهما - لانهم ضلوا عن طريق الحق وكفروا بالله، وهو قول الحسن. الثاني - حقت عليهم الضلالة عن طريق الجنة بما ارتكبوه من الكفر. والضلالة - ها هنا - المراد به العدول عن الجنة، وقد سمى الله العقاب ضلالا، فقال {أية : إن المجرمين في ضلال}تفسير : اي عذاب. ثم قال قل لهم {سيروا في الأرض} وتعرفوا اخبار من مضى وتبينوا كيف كان عاقبة الذين كذبوا بآيات الله، ولم يصدقوا رسله، فان الله اهلكهم ودمر عليهم، كقوم هود، ولوط، وثمود، وغيرهم، فان ديارهم عليها آثار الهلاك والدمار ظاهرة.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} ولقد بلّغ الرّسل فقد ادّينا ما علينا وادّوا ما عليهم فالنّقص والتّقصير كان منهم {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ} فلم يقبلوا من رسولهم {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ} بقبوله قول الرّسول (ع) {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ} ووجه اختلاف الفعلين فى النّسبة ظاهر لانّ الهداية منتسبة الى الله اوّلاً وبالّذات والاضلال منتسب اليه تعالى ثانياً وبالعرض وفى الخبر، ما بعث الله نبيّاً قطّ الاّ بولايتنا والبراءة من اعدائنا وذلك قوله تعالى: ولقد بعثنا (الآية) الى قوله من حقّت عليه الضّلالة يعنى بتكذيبهم آل محمّد ووجه الخبر قد مضى مفصّلاً من انّ شأن النّبوّة الانذار والدّلالة الى الولاية وانّ ولاية كلّ ولىّ ظلّ من ولاية الاولياء الكلّيّة وهم آل محمّد (ص) وانّ عبادة الله لا تتصوّر الاّ من طريق الولاية وانّ آل محمّد (ص) مظاهر الله وعبادة الله لا تتصوّر الاّ بتوسّط طاعة المظاهر {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} اى ارض عالم الطّبع لتعلموا آثار المكذّبين واخبارهم او ارض القرآن واخبار الماضين او ارض العالم الصّغير {فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ} يا محمّد (ص) {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} اقناط له (ص) عن هديهم وتهديد بليغ للمكّذبين.
الأعقم
تفسير : {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله} أي وحدّوه وأطيعوه {واجتنبوا الطاغوت} الشيطان، وقيل: ما عبد من دون الله، وقيل: شياطين الانس والجن {فمنهم} من تلك الأمم {من هدى الله} أي من اهتدى بهداي أوجبت له الجنة، وقيل: فمنهم من هدى الله إلى جنته وثوابه وهم المؤمنون، وقيل: من هدى الله أي لطف به لأنه عرف أنه من أهل اللطف {ومنهم من حقت عليه الضلالة} أي وجبت عليه وهو الهلاك كقوله: {ان المجرمين في ضلال وسعر}، وقيل: منهم من استحق الضلالة بكفره وتكذيبه {فسيروا في الأرض} خطاب لهذه الأمة {فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} ممن تقدم فكذبوا الرسل فأهلكهم الله {إن تحرص على هداهم} يعني على الإِسلام وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) حريصاً على إيمانهم {فإن الله لا يهدي من يضل} قرأ بفتح الياء الكوفيون، قيل: من حكم بضلالته لا يحكم بهدايته أحد، وقيل: لا يطلف به، وقيل: لا يثيب ولا يهدي إلى الجنة وأما إذا قرئ بضم الياء وفتح الدال وهي أيضاً قراءة نافع ومن تبعه، فقيل: من يهلكه الله لم ينجيه أحد، وقيل: من أضلّه من طريق الجنة لا يهديه أحد {وما لهم من ناصرين} يرفع العذاب عنهم {وأقسموا بالله} أي حلفوا به {جهد أيمانهم} أي مجتهدين {لا يبعث الله من يموت} أي لا يحييهم بعد الموت، ولا يقيمهم من قبورهم للجزاء والحساب {بلى} هو من كلام الله تعالى {وعداً عليه حقاً} وعده وأوجبه {ولكن أكثر الناس لايعلمون} أنهم مبعوثون {ليبين لهم} لهؤلاء المشركين الذين أقسموا بالله {لا يبعث الله}، وقيل: {ليبين لهم الذي يختلفون فيه} جميع الذي اختلفوا فيه من أمور دينهم، وليميز لهم الحق من الباطل {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} {إنما قولنا لشيء إذا أردناه} يعني إذا أردنا إيجاده {ان نقول له كن فيكون} لسرعته ووجوده كما شاء، فإذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائه {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوّئَنهم في الدنيا حسنة} الآية نزلت في المعذبين بمكة مثل صهيب وخباب وعمَّار وغيرهم لمكنهم الله بالمدينة، وروي أن صهيباً قال: لي مال كثير فخذوه ودعوني وديني، فقالوا: قبلنا، وقيل: نزلت في جميع أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم فبوّأهم الله بالمدينة بعد ذلك جعل لهم بها أنصاراً لنبوّئَنهم في الدنيا حسنة أي ننزلهم في الدنيا منزلاً كريماً {ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} {وما أرسلنا من قبلك إلاَّ رجالاً نوحي اليهم} الآية نزلت في مشركي مكة لما أنكروا نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالوا: الله أعظم من أن يبعث بشراً هلاّ بعث ملكاً {فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون}، قيل: أهل العلم بأخبار من مضى من الأمم، وقيل: هم مؤمنوا أهل الكتاب، وقيل: هم أهل القرآن {بالبينات} أي بالمعجزات {والزبر} أي الكتب يعني أعطيناهم الكتب، وقيل: أراد بالبينات حجج العقول {وأنزلنا اليك الذكر} أي القرآن والأحكام {لتبين للناس ما نزل اليهم ولعلهم يتفكرون}.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} يدعوهم إِلى الإِيمان كما بعثناك فى هؤلاء {أَنِ اعْبُدُوا اللهَ} أن تفسيريه فإِن فى البعث معنى القول دون حروفه وقيل مصدرية بتقدير الياء {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} أى اتركوا عبادة الطاغوت وهو ما عبد من دون الله وقيل الطاغوت الشيطان وهو الداعى لعبادة غير الله {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى} وفق {اللهُ} إِلى الإِيمان بإرشادهم {وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ} وجبت {عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ} لعدم التوفيق وذلك دليل على أن الهادى والمضل هو الله وأشار إِلى ذلك بقوله إِن تحرص على هداهم إلى آخره وعلى فساد قولهم أنه لو كان فعلهم قبيحا لما شاء الله صدوره منهم {فَسِيرُوا فِى الأَرْضِ} يا كفار مكة أو معشر قريش {فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} لرسلهم قبلكم كعاد وثمود لعلكم تتعظون بما ترون من سراف منازلهم بالهلاك.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ بَعَثْنا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً} الأُمة هنا من أُرسل إليهم رسول إلى أن يأْتى رسول آخر، وهكذا الرسول الأَول رسول لأُمة الرسول الآخر إن كان الآخر مقررا غير ناسخ، والمراد بالرسول هنا ما يشمل من نبى بلا رسالة بمعنى أرسل الله إليه جبريل، وبمعنى أنه لا بد أَن يأْمر وينهى ويعلم فكأَنه نبى رسول، والمراد أَن ما أَنت عليه ليس ببدع، وكذا ما لعيه أَمتك من التكذيب من قوم منهم بل بعثنا بالتوحيد رسلا كما بعثناك به، وكذب بعض أُممهم وصدق بعض كما صدقك بعض قومك وكذب بعضهم كما قال الله جل وعلا: {أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت فمِنْهُم مَّنْ هَدى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلْيهِ الضَّلاَلَةُ} أَن تفسيرية لأَن فى البعث والرسالة معنى القول دون حروفه، ومن زعموا أنه يجوز دخول حرف الجر على "أنْ" قبل الطلب أَجاز تقدير الباءِ هكذا: بأَن اعبدوا الله، والطاغوت الشيطان أَو الأَوثان، أَو ما يعبد من دون الله مطلقا، ومر فى سورة البقرة، ويقدر مضاف هكذا: عبادة الطاغوت، ودخل فيه ما يدعو إليه عموما، وفى حذفه تأْكيد كأَنه يجتنب من كل وجه ولو غير عبادة، وهدى الله وفقه للإيمان وآمن، وحقت عليه الضلالة ثبتت عليه بالخذلان، والأشياءُ كلها ملك لله خلقها بعد العدم ولا حق لغيره فيها، ولا يقبح منه شىءٌ إذ لا حق لغيره عليه، ولا يقال له: لم فعلت ولا لم لم تفعل، فخلق القبيح وإرادته غير قبيحين، وقبيح القبيح على فاعله لأَن الله حذره عنه قال الله سبحانه: "حديث : إنما هى أَعمالكم أَحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" تفسير : {فَسِيرُوا فِى الأَرْضِ} معشر قريش {فَانْظرُوا كيْفَ كَان عَاقِبَةُ الْمُكّذِّبِينَ} لرسلهم قبلكم وهى الهلاك، وهم عاد وثمود وغيرهم ممن ترون أثره، فخافوا أَن ينزل بكم ما نزل بهم لتكذيبكم الرسول كما كذبوا رسلهم، صرح بأَن عليهم السفر للاعتبار فى الأرض ولو بلا قصد تجر، ويجوز أن يكون المراد: سيروا للاعتبار مع قصدكم السفر للتجر مثلا ولا تخلصوا سفركم للتجر مثلا خاصا.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ} من الأمم الخالية {رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} وحده {وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ} هو كل ما يدعو إلى الضلالة، وقال الحسن: هو الشيطان، والمراد من اجتنابه اجتناب ما يدعو إليه. {فَمِنْهُمْ} أي من أولئك الأمم {مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ} إلى الحق من عبادته أو اجتناب الطاغوت بأن وفقهم لذلك {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ} ثبتت ووجبت إذ لم يوفقهم ولم يرد هدايتهم، ووجه الإشارة أن تحقق الضلال وثباته من حيث إنه وقع قسيماً للهداية التي هي بإرادته تعالى ومشيئته كان هو أيضاً كذلك. وأما أن إرادة القبيح قبيحة فلا يجوز اتصاف الله سبحانه بها فظاهر الفساد لأن القبيح كسب القبيح والاتصاف به لا إرادته وخلقه على ما تقرر في الكلام. وأنت تعلم أن كلتا الإشارتين في غاية الخفاء، ولينظر أي حاجة إلى الحصر وما المراد به على جعل {أية : فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ } تفسير : [النحل: 35] إلى آخره مشيراً إلى جواب الشبهة الأولى. وقال الإمام: إن المشركين أرادوا من قولهم ذلك أنه لما كان الكل من الله تعالى كان بعثه الأنبياء عليهم السلام عبثاً فنقول: هذا اعتراض على الله تعالى وجار مجرى طلب العلة في أحكامه تعالى وأفعاله وذلك باطل إذ لله سبحانه أن يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يجوز أن يقال له لم فعلت هذا ولم لم تفعل ذاك. والدليل على أن الإنكار إنما توجه إلى هذا المعنى أنه تعالى صرح بهذا المعنى في قوله سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا} إلى آخره حيث بين فيه أن سنته سبحانه في عباده إرسال الرسل إليهم وأمرهم بعبادته ونهيهم عن عبادة غيره، وأفاد أنه تعالى وإن أمر الكل ونهاهم إلا أنه جل جلاله هدى البعض وأضل البعض، ولا شك أنه إنما يحسن منه تعالى ذلك بحكم كونه إلهاً منزهاً عن اعتراضات المعترضين ومطالبات المنازعين، فكان إيراد هذا السؤال من هؤلاء الكفار موجباً للجهل والضلال والبعد عن الله المتعال، فثبت أن الله تعالى إنما ذم هؤلاء القائلين لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الرسل لا لأنهم كذبوا في قولهم ذلك، وهذا هو الجواب الصحيح الذي يعول عليه في هذا الباب، ومعنى {أية : فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ } تفسير : [النحل: 35] إلى آخره أنه تعالى أمر الرسل عليهم السلام بالتبليغ فهو الواجب عليهم، وأما أن الإيمان هل يحصل أَو لا يحصل فذاك لا تعلق للرسل به ولكن الله تعالى يهدي من يشاء بإحسانه ويضل من يشاء بخذلانه اهـ وهو كما ترى. / ونقل الواحدي في "الوسيط" عن الزجاج أنهم قالوا ذلك على الهزو ولم يرتضه كثير من المحققين، وذكر بعضهم أن حمله على ذاك لا يلائم الجواب. نعم قال في «الكشف» عند قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْ شَاء ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ } تفسير : [الزخرف: 20] إنهم دفعوا قول الرسل عليهم السلام بدعوتهم إلى عبادته تعالى ونهيهم عن عبادة غيره سبحانه بهذه المقالة وهم ملزمون على مساق هذا القول لأنه إذا استند الكل إلى مشيئته تعالى فقد شاء إرسال الرسل وشاء دعوتهم إلى العباد وشاء جحودهم وشاء دخولهم النار، فالإنكار والدفع بعد هذا القول دليل على أنهم قالوه لا عن اعتقاد بل مجازفة، وقال في موضع آخر عند نظير الآية أيضاً: إنهم كاذبون في هذا القول لجزمهم حيث لا ظن مطلقاً فضلاً عن العلم، وذلك لأن من المعلوم أن العلم بصفات الله تعالى فرع العلم بذاته والإيمان بها كذلك والمحتجون به كفرة مشركون مجسمون، وأطال الكلام في هذا المقام في سورة الزخرف. وذكر أن في كلامهم تعجيز الخالق بإثبات التمانع بين المشيئة وضد المأمور به فيلزم أن لا يريد إلا أمر به ولا ينهى إلا وهو لا يريده، وهذا تعجيز من وجهين إخراج بعض المقدورات عن أن يصير محلها وتضييق محل أمره ونهيه وهذا بعينه مذهب إخوانهم القدرية اهـ ويجوز أن يقال: إن المشركين إنما قالوا ذلك إلزاماً بزعمهم حيث سمعوا من المرسلين وأتباعهم أن ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن وإلا فهم أجهل الخلق بربهم جل شأنه وصفاته {أية : إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } تفسير : [الفرقان: 44] ومرادهم إسكات المرسلين وقطعهم عن دعوتهم إلى ما يخالف ما هم عليه والاستراحة عن معارضتهم فكأنهم قالوا: إنكم تقولون ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن فما نحن عليه مما شاءه الله تعالى وما تدعونا إليه مما لم يشأه وإلا لكان، واللائق بكم عدم التعرض لخلاف مشيئة الله تعالى، فإن وظيفة الرسول الجري على إرادة المرسل لأن الإرسال إنما هو لتنفيذ تلك الإرادة وتحصيل المراد بها، وهذا جهل منهم بحقيقة الأمر وكيفية تعلق المشيئة وفائدة البعثة، وذلك لأن مشيئته تعالى إنما تتعلق وفق علمه وعلمه إنما يتعلق وفق ما عليه الشيء في نفسه، فالله تعالى ما شاء شركهم مثلاً إلا بعد أن علم ذلك وما علمه إلا وفق ما هو عليه في نفس الأمر فهم مشركون في الأزل ونفس الأمر إلا أنه سبحانه حين أبرزهم على وفق ما علم فيهم لو تركهم وحالهم كان لهم الحجة عليه سبحانه إذا عذبهم يوم القيامة إذ يقولون حينئذ: ما جاءنا من نذير فأرسل جل شأنه الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فليس على الرسل إلا تبليغ الأوامر والنواهي لتقوم الحجة البالغة لله تعالى، فالتبليغ مراد الله تعالى من الرسل عليهم السلام لإقامة حجته تعالى على خلقه به، وليس مراده من خلقه إلا ما هم عليه في نفس الأمر خيراً كان أو شراً. وفي الخبر يقول الله تعالى: «حديث : يا عبادى إنما أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه»تفسير : ولا منافاة بين الأمر بشيء وإرادة غيره منه تعالى لأن الأمر بذلك حسبما يليق بجلاله وجماله، والإرادة حسبما يستدعيه في الآخرة الشيء في نفسه، وقد قرر الجماعة انفكاك الأمر عن الإرادة في الشاهد أيضاً وذكر بعض الحنابلة الانفكاك أيضاً لكن عن الإرادة التكوينية لا مطلقاً، والبحث مفصل في موضعه. وإذا علم ذلك فاعلم أن قوله سبحانه: {أية : فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ } تفسير : [النحل: 35] يتضمن الإشارة إلى ردهم كأنه قيل: ما أشرتم إليه من أن اللائق بالرسل ترك الدعوة إلى خلاف ما شاءه الله تعالى منا والجري على وفق المشيئة والسكوت عنا باطل لأن وظيفتهم والواجب عليهم هو التبليغ وهو مراد الله تعالى منهم لتقوم به حجة الله تعالى عليكم لا السكوت وترك الدعوة، وفي قوله سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا} الخ إشارة/ يتفطن لها من له قلب إلى أن المشيئة حسب الاستعداد الذي عليه الشخص في نفس الأمر فتأمل فإن هذا الوجه لا يخلو عن بعد ودغدغة. والذي ذكره القاضي في قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا} الخ أنه بين فيه أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم كلها سبباً لهدي من أراد سبحانه اهتداءه وزيادة لضلال من أراد ضلاله كالغذاء الصالح ينفع المزاج السوي ويقويه ويضر المنحرف ويفنيه. وفي "إرشاد العقل السليم" أنه تحقيق لكيفية تعلق مشيئته تعالى بأفعال العباد بعد بيان أن الإلجاء ليس من وظائف الرسالة ولا من باب المشيئة المتعلقة بما يدور عليه فلك الثواب والعقاب من الأفعال الاختيارية، والمعنى إنا بعثنا في كل أمة رسولاً يأمرهم بعبادة الله تعالى واجتناب الطاغوت فأمروهم فتفرقوا فمنهم من هداه الله تعالى بعد صرف قدرته واختياره الجزئي إلى تحصيل ما هدى إليه ومنهم من ثبت على الضلالة لعناده وعدم صرف قدرته إلى تحصيل الحق، والفاء في {فَمِنْهُمْ} نصيحة كما أشير إليه، وكان الظاهر في القسم الثاني ـ ومنهم من أضل الله ـ إلا أنه غير الأسلوب إلى ما في النظم الكريم للإشعار بأن ذلك لسوء اختيارهم كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } تفسير : [الشعراء: 80] و {أن} يحتمل أن تكون مفسرة لما في البعث من معنى القول وأن تكون مصدرية بتقدير حرف الجر أي بأن اعبدوا الله. {فَسِيرُواْ} أيها المشركون المكذبون القائلون: لو شاء الله ما عبدنا من دونه {فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ} من عاد وثمود ومن سار سيرهم ممن حقت عليه الضلالة وقال كما قلتم لعلكم تعتبرون، وترتيب الأمر بالسير على مجرد الإخبار بثبوت الضلالة عليهم من غير إخبار بحلول العذاب للإيذان بأن ذلك غني عن البيان، وفي عطف الأمر الثاني بالفاء إشعار بوجوب المبادرة إلى النظر والاستدلال المنقذين من الضلال.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : كذلك فعل الذين من قبلهم }تفسير : [سورة النحل: 35]. وهو تكملة لإبطال شبهة المشركين إبطالاً بطريقة التفصيل بعد الإجمال لزيادة تقرير الحجّة، فقوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة} بيان لمضمون جملة {أية : فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} تفسير : [النحل: 35]. وجملة فمنهم من هدى الله إلى آخرها بيان لمضمون جملة {كذلك فعل الذين من قبلهم}. والمعنى: أن الله بيّن للأمم على ألسنة الرسل ــــ عليهم السلام ــــ أنّه يأمرهم بعبادته واجتناب عبادة الأصنام؛ فمن كل أمّة أقوام هداهم الله فصدّقوا وآمنوا، ومنهم أقوام تمكّنت منهم الضلالة فهلكوا. ومن سار في الأرض رأى دلائل استئصالهم. و{أن} تفسيرية لجملة {بعثنا} لأنّ البعث يتضمّن معنى القول، إذ هو بعث للتبليغ. و{الطاغوت}: جنس ما يعبد من دون الله من الأصنام. وقد يذكرونه بصيغة الجمع، فيقال: الطواغيت، وهي الأصنام. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : يؤمنون بالجبت والطاغوت} تفسير : في سورة النساء (51). وأسندت هداية بعضهم إلى الله مع أنه أمر جميعهم بالهدى تنبيهاً للمشركين على إزالة شبهتهم في قولهم: {أية : لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} تفسير : [سورة النحل: 35] بأن الله بيّن لهم الهُدى، فاهتداء المهتدين بسبب بيانه، فهو الهادي لهم. والتّعبير في جانب الضلالة بلفظ حقّت عليهم دون إسناد الإضلال إلى الله إشارة إلى أن الله لما نهاهم عن الضلالة فقد كان تصميمهم عليها إبقاء لضلالتهم السابقة فحقّت عليهم الضلالة، أي ثبتت ولم ترتفع. وفي ذلك إيماء إلى أن بقاء الضلالة من كسب أنفسهم؛ ولكن ورد في آيات أخرى أن الله يضلّ الضالّين، كما في قوله: {أية : ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيقاً حرجاً }تفسير : [سورة الأنعام: 125]، وقوله عقب هذا {أية : فإن الله لا يهدي من يضلّ} تفسير : [سورة النحل: 37] على قراءة الجمهور، ليحصل من مجموع ذلك علم بأن الله كَوّنَ أسباباً عديدة بعضها جاءٍ من توالد العقول والأمزجة واقتباس بعضها من بعض، وبعضها تابع للدعوات الضالّة بحيث تهيّأت من اجتماع أمور شتّى لا يحصيها إلا الله، أسباب تامّة تحول بين الضالّ وبين الهدى. فلا جرم كانت تلك الأسباب هي سبب حقّ الضلالة عليهم، فباعتبار الأسباب المباشرة كان ضلالهم من حالات أنفسهم، وباعتبار الأسباب العالية المتوالدة كان ضلالهم من لدن خالق تلك الأسباب وخالق نواميسها في متقادم العصور. فافْهَم. ثم فرّع على ذلك الأمَر بالسير في الأرض لينظروا آثار الأمم فيروا منها آثار استئصال مخالف لأحوال الفناء المعتاد، ولذلك كان الاستدلال بها متوقّفاً على السير في الأرض، ولو كان المراد مطلق الفناء لأمرهم بمشاهدة المقابر وذكر السّلف الأوائل.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه بعث في كل أمة رسولاً بعبادة الله وحده، واجتناب عبادة ما سواه. وهذا هو معنى "لا إله إلا الله"، لأنها مركبة من نفي وإثبات، فنفيها هو خلع جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، وإثباتها هو إفراده جل وعلا بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم صلوات الله وسلامه. وأوضح هذا المعنى كثيراً في القرآن عن طريق العموم والخصوص. فمن النصوص الدالة عليه مع عمومها قاله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ}تفسير : [الأنبياء: 25]، وقوله: {أية : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}تفسير : [الزخرف: 45]، ونحو ذلك من الآيات. ومن النصوص الدالة عليه مع الخصوص في إفراد الأنبياء وأممهم قوله تعالى: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ}تفسير : [الأعراف: 59]، وقوله تعالى: {أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} تفسير : [الأعراف: 65]، وقوله: {أية : وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ}تفسير : [الأعراف: 73]، وقوله: {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُه} تفسير : [الأعراف: 85]، إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أن كل ما عبد من دون الله، فهو طاغوت. ولا تنفع عبادة الله إلا بشرط اجتناب عبادة ما سواه. كما بينه تعالى بقوله: {أية : فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} تفسير : [البقرة: 256]، وقوله: {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ}تفسير : [يوسف: 106]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الأمم التي بعث فيها الرسل بالتوحيد منهم سعيد، ومنهم شقي. فالسعيد منهم يهديه الله إلى اتباع ما جاءت به الرسل، والشقي منهم يسبق عليه الكتاب فيكذب الرسل، ويكفر بما جاؤوا به. فالدعوة إلى دين الحق عامة، والتوفيق للهدى خاص. كما قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَدْعُوۤ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [يونس: 25]. فقوله: {فَمِنْهُم} أي من الأمم المذكورة في قوله: {فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً}، وقوله: { مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ} أي وفقه لاتباع ما جاءت به الرسل. والضمير المنصوب الذي هو رابط الصلة بالموصول محذوف. أي فمنهم من هداه الله. على حد قوله في الخلاصة: شعر : والحذف عندهم كثير منجلي في عائد متصل إن انتصب تفسير : بفعل أو وصف كمن نرجو يهب وقوله: {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ} أي وجبت عليه ولزمته. لما سبق في علم الله من أنه يصير إلى الشقاوة. والمراد بالضلالة: الذهاب عن طريق الإسلام إلى الكفر. وقد بين تعالى هذا المعنى في آيات أخر. كقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} تفسير : [التغابن: 2]، {أية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}تفسير : [هود: 105]، وقوله: {أية : فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الشورى: 7]، إلى غير ذلك من الآيات.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 36- ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا ليقول لهم: اعبدوا الله - وحده - واجتنبوا كل طاغية مفسد، فبلغهم وأرشدهم، ففريق استمع إلى الإرشاد وتقبله، فهداه الله بحسن استعداده إلى الطريق المستقيم، وفريق أعرض عن سماع الحق فانحرف عن سواء السبيل، فأنزل الله به العذاب. وإذا كنتم فى شك من هذا - يا مشركى مكة - فسيروا فى الأرض، قريباً منكم، فانظروا وتأملوا كيف حل بالمكذبين - من عاد وثمود وقوم لوط - عذاب الله، وكيف كانت عاقبة أمرهم خسراناً وهلاكاً؟!. 37- إن تكن حريصاً - أيها النبى - على هداية المشركين من قومك، باذلاً معهم أقصى ما فى جهدك، فلا تهلك نفسك حزناً إذا لم يتحقق ما تريد، فقد تحكمت فيهم الشهوات، والله لا يجبر على الهداية من اختاروا الضلال وتمسكوا به، لأنه يتركهم لما اختاروا لأنفسهم، وسيلقون جزاءهم عذاباً عظيماً، ولا يجدون لهم يوم القيامة من ينصرهم ويحميهم من عذاب الله. 38- وقد أضاف المشركون إلى شركهم بالله إنكارهم ليوم القيامة، فأقسموا بالله غاية طاقتهم فى القسم، وأكدوا أن الله لا يبعث من يموت وهم كاذبون فى قَسَمِهِمْ، وسيبعثهم الله جميعاً، لأنه أخذ العهد على نفسه بذلك، ولن يخلف الله عهده، ولكن أكثر الناس من الكفار لا يعلمون حكمة الله فى خلْق هذا العالم وأنه لم يخلقه عبثاً، ولا عن حسابه فى الآخرة ومجازاته. 39- وأن من عدل الله فى خلقه أن يبعثهم جميعاً بعد موتهم، فيظهر لهم حقائق الأمور التى اختلفوا فيها، ليعلم المؤمنون أنهم على حق، ويعلم الكافرون أنهم كانوا مخطئين فى اتخاذهم شركاء لله كاذبين في قسمهم أن الله لا يبعث من يموت، وليلقى كل من الفريقين جزاءه على علم به وبأسبابه.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْطَّاغُوتَ} {ٱلضَّلالَةُ} {عَاقِبَةُ} (36) - فَقَدْ بَعَثَ اللهُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً دَعَاهُمْ إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَنَهَاهُمْ عَن اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ (الطَّاغُوتِ)، وَعَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَعَنِ الشِّرْكِ بِاللهِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ، وَاتَّبَعَ الرُّسُلَ فَاهْتَدَى، وَمِنْهُمْ مَنَ ضَلَّ وَاسْتَكْبَرَ وَعَتَا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ. فَقُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِهؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ: سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَتْ نِهَايَةُ المُكَذِّبِينَ، وَكَيْفَ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَأَهْلَكَهُمْ، وَجَعَلَ عَاقِبَتَهُمْ أَسْوَأَ عَاقِبَةٍ، وَلِذَلِكَ كُلِّهِ فَإِنَّ هؤُلاَءِ لاَ بُرْهَانَ لَهُمْ عَلَى قَوْلِهِمْ إِنَّ اللهَ رَضِيَ لَهُمُ الكُفْرَ. اجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ - كُلَّ مَعْبُودٍ بَاطِلٍ، وَكُلَّ دَاعٍ إِلى ضَلاَلَةٍ. حَقَّتْ - ثَبَتَتْ وَوَجَبَتْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فالحق سبحانه يقول هنا: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً ..} [النحل: 36]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : مِن كُلِّ أُمَّةٍ ..} تفسير : [النحل: 84]. فهذه لها معنى، وهذه لها معنى .. فقوله: {أية : مِن كُلِّ أُمَّةٍ ..} تفسير : [النحل: 84]. أي: من أنفسهم، منهم خرج، وبينهم تربَّى ودَرَج، يعرفون خِصَاله وصِدْقه ومكانته في قومه. أما قوله تعالى: {فِي كُلِّ أُمَّةٍ ..} [النحل: 36]. فـ "في" هنا تفيد الظرفية. أي: في الأمة كلها، وهذه تفيد التغلغل في جميع الأمة .. فلا يصل البلاغ منه إلى جماعة دون أخرى، بل لا بُدَّ من عموم البلاغ لجميع الأمة. وكذلك يقول تعالى مرة: {أية : أَرْسَلْنَا ..} تفسير : [الحديد: 26]. ومرة أخرى يقول: {بَعَثْنَا ..} [النحل: 36]. وهناك فرق بين المعنيين فـ {أَرْسَلْنَا} تفيد الإرسال، وهو: أن يتوسط مُرْسَل إلى مُرْسَل إليه. أما {بَعَثْنَا} فتفيد وجود شيء سابق اندثر، ونريد بعثه من جديد. ولتوضيح هذه القضية نرجح إلى قصة آدم - عليه السلام - حيث عَلّمه الله الأسماء كلها، ثم أهبطه من الجنة إلى الأرض. وقال: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [البقرة: 38]. وقال في آية أخرى: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 123]. إذن: هذا منهج من الله تعالى لآدم ـ عليه السلام ـ والمفروض أن يُبلِّغ آدم هذا المنهج لأبنائه، والمفروض في أبنائه أن يُبلِّغوا هذا المنهج لأبنائهم، وهكذا، إلا أن الغفلة قد تستحوذ على المبلِّغ للمنهج، أو عدم رعاية المبلِّغ للمنهج فتنطمس المناهج، ومن هنا يبعثها الله من جديد، فمسألة الرسالات لا تأتي هكذا فجأة فجماعة من الجماعات، بل هي موجودة منذ أول الخلق. فالرسالات إذن بَعْثٌ لمنهج إلهي، كان يجب أنْ يظلَّ على ذكر من الناس، يتناقله الأبناء عن الآباء، إلا أن الغفلة قد تصيب المبلّغ فلا يُبلّغ، وقد تصيب المبلَّغ فلا يلتزم بالبلاغ؛ لذلك يجدد الله الرسل. وقد وردت آياتٌ كثيرة في هذا المعنى، مثل قوله تعالى: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر: 24]. وقوله: {أية : ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} تفسير : [الأنعام: 131]. وقوله: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15]. لذلك نرى غير المؤمنين بمنهج السماء يَضعُون لأنفسهم القوانين التي تُنظِّم حياتهم، أليس لديهم قانون يُحدِّد الجرائم ويُعاقب عليها؟ فلا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريمَ إلا بنصٍّ، ولا نصَّ إلا بإبلاغ. ومن هنا تأتي أهمية وَضْع القوانين ونشرها في الصحف والجرائد العامة ليعلمها الجميع، فلا يصح أنْ نعاقبَ إنساناً على جريمة هو لا يعلم أنها جريمة، فلا بُدَّ من إبلاغه بها أولاً، ليعلم أن هذا العمل عقوبته كذا وكذا، ومن هنا تُقام عليه الحُجة. وهنا أيضاً نلاحظ أنه قد يتعاصر الرسولان، ألم يكُنْ إبراهيم ولوط متعاصريْن؟ ألم يكُنْ شعيب وموسى متعاصريْن؟ فما عِلَّة ذلك؟ نقول: لأن العالمَ كان قديماً على هيئة الانعزال، فكُلّ جماعة منعزلة في مكانها عن الأخرى لعدم وجود وسائل للمواصلات، فكانت كل جماعة في أرض لا تدري بالأخرى، ولا تعلم عنها شيئاً. ومن هنا كان لكُلِّ جماعة بيئتُها الخاصة بما فيها من عادات وتقاليد ومُنكَرات تناسبها، فهؤلاء يعبدون الأصنام، وهؤلاء يُطفِّفون الكيل والميزان، وهؤلاء يأتون الذكْران دون النساء. إذن: لكل بيئة جريمة تناسبها، ولا بُدَّ أن نرسل الرسل لمعالجة هذه الجرائم، كُلّ في بلد على حِدَة. لكن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كانت على موعد مع التقاءات الأمكنة مع وجود وسائل المواصلات، لدرجة أن المعصية تحدث مثلاً في أمريكا فنعلم بها في نفس اليوم .. إذن: أصبحتْ الأجواء والبيئات واحدة، ومن هنا كان منطقياً أن يُرْسلَ صلى الله عليه وسلم للناس كافة، وللأزمنة كافة. وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذه الشمولية بقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً..} تفسير : [سبأ: 28]. أي: للجميع لم يترك أحداً، كما يقول الخياط: كففْتُ القماش أي: جمعتُ بعضه على بعض، حتى لا يذهبَ منه شيءٌ. ثم يقول الحق سبحانه: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ ..} [النحل: 36]. هذه هي مهمة الرسل: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ..} [النحل: 36]. والعبادة معناها التزامٌ بأمر فيُفعل، ويُنهي عن أمر فلا يُفعل؛ لذلك إذا جاء مَنْ يدَّعي الألوهية وليس معه منهج نقول له: كيف نعبدك؟ وما المنهج الذي جِئْتَ به؟ بماذا تأمرنا؟ عن أي شيءٍ تنهانا؟ فهنا أَمْر بالعبادة ونَهْي عن الطاغوت، وهذا يُسمُّونه تَحْلِية وتَخْلِيةً: التحلية في أنْ تعبدَ الله، والتخلية في أنْ تبتعدَ عن الشيطان. وعلى هذين العنصرين تُبنَى قضية الإيمان حيث نَفْي في: "أشهد أن لا إله" .. وإثبات في "إلا الله"، وكأن الناطق بالشهادة ينفي التعدُّد، ويُثبت الوحدانية لله تعالى، وبهذا تكون قد خلَّيْتَ نفسك عن الشرك، وحَلَّيْتَ نفسك بالوحدانية. ولذلك سيكون الجزاء عليها في الآخرة من جنس هذه التحلية والتخلية؛ ولذلك نجد في قول الحق تبارك وتعالى: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ ..} تفسير : [آل عمران: 185]. أي: خُلِّي عن العذاب. {أية : وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ ..} تفسير : [آل عمران: 185]. أي: حُلِّي بالنعيم. وقوله سبحانه: {وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ ..} [النحل: 36]. أي: ابتعدوا عن الطاغوت .. فيكون المقابل لها: تقرَّبوا إلى الله و {ٱلْطَّاغُوتَ} فيها مبالغة تدل على مَنْ وصل الذِّرْوة في الطغيان وزادَ فيه .. وفَرْق بين الحدث المجرَّد مثل طغى، وبين المبالغة فيه مثل (طاغوت)، وهو الذي يَزيده الخضوعُ لباطله طُغْياناً على باطل أعلى. ومثال ذلك: شاب تمرَّد على مجتمعه، وأخذ يسرق الشيء التافه القليل، فوجد الناس يتقرَّبون إليه ويُداهنونه اتقاء شره، فإذا به يترقَّى في باطله فيشتري لنفسه سلاحاً يعتدي به على الأرواح، ويسرق الغالي من الأموال، ويصل إلى الذروة في الظلم والاعتداء، ولو أخذ الناس على يده منذ أول حادثة لما وصل إلى هذه الحال. ومن هنا وجدنا الديات تتحملها العاقلة وتقوم بها عن الفاعل الجاني، ذلك لما وقع عليها من مسئولية تَرْك هذا الجاني، وعدم الأخذ على يده وكَفِّه عن الأذى. ونلاحظ في هذا اللفظ (الطاغوت) أنه لما جمعَ كلَّ مبالغة في الفعل نجده يتأبَّى على المطاوعة، وكأنه طاغوت في لفظه ومعناه، فنراه يدخل على المفرد والمثنى والجمع، وعلى المذكر والمؤنث، فنقول: رجل طاغوت، وامرأة طاغوت، ورجلان طاغوت، وامرأتان طاغوت، ورجال طاغوت، ونساء طاغوت، وكأنه طغى بلفظه على جميع الصِّيغ. إذن: الطاغوت هو الذي إذا ما خضع الناس لِظُلمه ازداد ظلماً. ومنه قوله تعالى: {أية : فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ..} تفسير : [الزخرف: 54]. فقد وصل به الحال إلى أن ادعى الألوهية، وقال: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي ..} تفسير : [القصص: 38]. ويُحكَى في قصص المتنبِّئين أن أحد الخلفاء جاءه خبر مُدَّعٍ للنبوة، فأمرهم ألاَّ يهتموا بشأنه، وأن يتركوه، ولا يعطوا لأمره بالاً لعله ينتهي، ثم بعد فترة ظهر آخر يدَّعي النبوة، فجاءوا بالأول ليرى رأيه في النبي الجديد: ما رأيك في هذا الذي يدعي النبوة؟! أيُّكم النبي؟ فقال: إنه كذاب فإني لم أرسل أحداً!! ظن أنهم صدقوه في ادعائه النبوة، فتجاوز هذا إلى ادعاء الألوهية، وهكذا الطاغوت. وقد وردت هذه الكلمة {ٱلْطَّاغُوتَ} في القرآن ثماني مرات، منها ستة تصلح للتذكير والتأنيث، ومرة وردتْ للمؤنث في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا ..} تفسير : [الزمر: 17]. ومرة وردتْ للمذكر في قوله تعالى: {أية : يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ..} تفسير : [النساء: 60]. وفي اللغة كلمات يستوي فيها المذكر والمؤنث، مثل قَوْل الحق تبارك وتعالى: {أية : وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ..} تفسير : [الأعراف: 146]. وقوله: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ ..} تفسير : [يوسف: 108]. فكلمة "سبيل" جاءت مرَّة للمذكَّر، ومرّة للمؤنث. ثم يقول تعالى: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ ..} [النحل: 36]. وقد أخذ بعضهم هذه الآية على أنها حُجَّة يقول من خلالها: إن الهداية بيد الله، وليس لنا دَخْل في أننا غير مهتدين .. إلى آخر هذه المقولات. نقول: تعالوا نقرأ القرآن .. يقول تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ..} تفسير : [فصلت: 17]. لو كانت الهداية بالمعنى الذي تقصدون لَمَا استحبُّوا العَمى وفضَّلوه، لكن "هديناهم" هنا بمعنى: دَلَلْناهم وأرشدناهم فقط، ولهم حَقّ الاختيار، وهم صالحون لهذه ولهذه، والدلالة تأتي للمؤمن وللكافر، دلَّ الله الجميع، فالذي أقبل على الله بإيمان به زاده هُدًى وآتاه تقواه، كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17]. ومن هذا ما يراه البعض تناقضاً بين قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ..} تفسير : [القصص: 56]. وقوله: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52]. حيث نفى الحق سبحانه عن الرسول صلى الله عليه وسلم الهداية في الأولى، وأثبتها له في الثانية. نلاحظ أن الحدث هنا واحد وهو الهداية، والمتحدَّث عنه واحد هو الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف يثبت حَدَثٌ واحد لمُحْدِثٍ واحد مرّة، وينفيه عنه مرّة؟! لا بُدَّ أن تكون الجهة مُنفكّة .. في: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي ..} تفسير : [القصص: 56]. أي: لا تستطيع أنْ تُدخِل الإيمان في قلب مَنْ تحب، ولكن تدلُّ وترشد فقط، أما هداية الإيمان فبيد الله تعالى يهدي إليه مَنْ عنده استعداد للإيمان، ويَصْرف عنها مَنْ أعرض عنه ورفضهُ. وكأن الله تعالى في خدمة عبيده، مَنْ أحب شيئاً أعطاه إياه ويسَّره له، وبذلك هدى المؤمن للإيمان، وختم على قَلْب الكافر بالكفر. إذن: تأتي الهداية بمعنيين: بمعنى الدلالة والإرشاد كما في الآية السابقة، وبمعنى المعونة وشَرْح الصدر للإيمان كما في قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ..} تفسير : [القصص: 56]. وقوله: {أية : زَادَهُمْ هُدًى ..} تفسير : [محمد: 17]. فقوله تعالى: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ ..} [النحل: 36]. أي: هداية إيمان ومعونةٍ بأن مكَّن المنهج في نفسه، ويسَّره له، وشرح به صدره. {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ ..} [النحل: 36]. حقَّتْ: أي أصبحتْ حقاً له، ووجبتْ له بما قدَّم من أعمال، لا يستحق معها إلا الضلالة، فما حقَّتْ عليهم، وما وجبتْ لهم إلا بما عملوا. وهذه كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنعام: 144]. أيُّهما أسبق: عدم الهداية من الله لهم، أم الظلم منهم؟ واضح أن الظلم حدث منهم أولاً، فسمَّاهم الله ظالمين، ثم كانت النتيجة أنْ حُرموا الهداية. ونذكر هنا مثالاً كثيراً ما كررناه ليرسخَ في الأذهان - ولله المثل الأعلى - هَبْ أنك سائر في طريق تقصد بلداً ما، فصادفك مُفْترق لطرق متعددة، وعلامات لاتجاهات مختلفة، عندها لجأتَ لرجل المرور: من فضل أريدُ بلدة كذا، فقال لك: من هنا. فقلت: الحمد لله، لقد كِدْتُ أضلَّ الطريق، وجزاكَ الله خيراً. فلمَّا وجدك استقبلتَ كلامه بالرضا والحب، وشكرْتَ له صنيعه أراد أنْ يُزيد لك العطاء. فقال لك: لكن في هذا الطريق عقبةٌ صعبة، وسوف أصحبُك حتى تمرَّ منها بسلام. هكذا كانت الأولى منه مُجرَّد دلالة، أما الثانية فهي المعونة، فلمَّا صدَّقْته في الدلالة أعانَك على المدلول .. هكذا أَمْرُ الرسل في الدلالة على الحق، وكيفية قبول الناس لها. ولك أنْ تتصور الحال لو قُلْتَ لرجل المرور هذا: يبدو أنك لا تعرف الطريق .. فسيقول لك: إذن اتجه كما تُحِب وسِرْ كما تريد. وكلمة "الضلالة" مبالغة من الضلال وكأنها ضلال كبير، ففيها تضخيمٌ للفعل، ومنها قوله تعالى: {أية : قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً ..} تفسير : [مريم: 75]. ثم يُقيم لنا الحق - تبارك وتعالى - الدليلَ على بَعْثة الرسل في الأمم السابقة لنتأكد من إخباره تعالى، وأن الناسَ انقسموا أقساماً بين مُكذِّب ومُصدِّق، قال تعالى: {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36]. فهناك شواهد وأدلة تدل على أن هنا كان ناس، وكانت لهم حضارة اندكتْ واندثرتْ، كما قال تعالى في آية أخرى: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ} تفسير : [الصافات: 137]. فأمر الله تعالى بالسياحة في الأرض للنظر والاعتبار بالأمم السابقة، مثل: عاد وثمود وقوم صالح وقوم لوط وغيرهم. والحق تبارك وتعالى يقول هنا: {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ..} [النحل: 36]. وهل نحن نسير في الأرض، أم على الأرض؟ نحن نسير على الأرض .. وكذلك كان فهْمُنا للآية الكريمة، لكن المتكلم بالقرآن هو ربُّنا تبارك وتعالى، وعطاؤه سبحانه سيظل إلى أنْ تقومَ الساعة، ومع الزمن تتكشف لنا الحقائق ويُثبت العلم صِدْق القرآن وإعجازه. فمنذ أعوام كنا نظنُّ أن الأرض هي هذه اليابسة التي نعيش عليها، ثم أثبت لنا العلم أن الهواء المحيط بالأرض (الغلاف الجوي) هو إكسير الحياة على الأرض، وبدونه لا تقوم عليها حياة، فالغلاف الجوي جزء من الأرض. وبذلك نحن نسير في الأرض، كما نطق بذلك الحق - تبارك وتعالى - في كتابه العزيز. ونقف أمام مَلْحظ آخر في هذه الآية: {أية : فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ ..}تفسير : [آل عمران: 137]. وفي آية أخرى يقول: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ ..} تفسير : [الأنعام: 11]. ليس هذا مجرد تفنُّن في العبارة، بل لكل منهما مدلول خاص، فالعطف بالفاء يفيد الترتيب مع التعقيب. أي: يأتي النظر بعد السَّيْر مباشرة .. أما في العطف بثُم فإنها تفيد الترتيب مع التراخي. أي: مرور وقت بين الحدثَيْن، وذلك كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} تفسير : [عبس: 22]. وقول الحق سبحانه: {فَٱنظُرُواْ ..} [النحل: 36]. فكأن الغرض من السَّيْر الاعتبار والاتعاظ، ولا بُدَّ - إذن - من وجود بقايا وأطلال تدلُّ على هؤلاء السابقين المكذبين، أصحاب الحضارات التي أصبحتْ أثراً بعد عَيْنٍ. وها نحن الآن نفخر بما لدينا من أبنية حجرية مثل الأهرامات مثلاً، حيث يفِد إليها السُّياح من شتى دول العالم المتقدم؛ لِيَروْا ما عليها هذه الحضارة القديمة من تطوُّر وتقدُّم يُعجزهم ويُحيّرهم، ولم يستطيعوا فَكّ طلاسِمه حتى الآن. ومع ذلك لم يترك الفراعنة ما يدل على كيفية بناء الأهرامات، أو ما يدل على كيفية تحنيط الموتى؛ مما يدل على أن هؤلاء القوم أُخِذوا أَخذْة قوية اندثرتْ معها هذه المراجع وهذه المعلومات، كما قال تعالى: {أية : هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} تفسير : [مريم: 98]. وقد ذكر لنا القرآن من قَصَص هؤلاء السابقين الكثير كما في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ} تفسير : [الفجر: 6-8]. وقال: {أية : وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} تفسير : [الفجر: 9-13]. هذا ما حدث للمكذِّبين في الماضي، وإياكم أنْ تظنُّوا أن الذي يأتي بعد ذلك بمنجىً عن هذا المصير .. كلا: ْ{أية : إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} تفسير : [الفجر: 14]. ثم يقول الحق سبحانه: {إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ} معناه الشَّيطانُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولا وكلهم متفقون على دعوة واحدة ودين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له { أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } فانقسمت الأمم بحسب استجابتها لدعوة الرسل وعدمها قسمين، { فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ } فاتبعوا المرسلين علما وعملا { وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ } فاتبع سبيل الغي. { فَسِيرُوا فِي الأرْضِ } بأبدانكم وقلوبكم { فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } فإنكم سترون من ذلك العجائب، فلا تجدون مكذبا إلا كان عاقبته الهلاك. { إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ } وتبذل جهدك في ذلك { فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ } ولو فعل كل سبب لم يهده إلا الله، { وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } ينصرونهم من عذاب الله ويقونهم بأسه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):