Verse. 1939 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَاَقْسَمُوْا بِاللہِ جَہْدَ اَيْمَانِہِمْ۝۰ۙ لَا يَبْعَثُ اللہُ مَنْ يَّمُوْتُ۝۰ۭ بَلٰى وَعْدًا عَلَيْہِ حَقًّا وَّلٰكِنَّ اَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُوْنَ۝۳۸ۙ
Waaqsamoo biAllahi jahda aymanihim la yabAAathu Allahu man yamootu bala waAAdan AAalayhi haqqan walakinna akthara alnnasi la yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأقسموا بالله جهد أيمانهم» أي غاية اجتهادهم فيها «لا يبعث الله من يموت» قال تعالى «بلى» يبعثهم «وعداً عليه حقا» مصدران مؤكدان منصوبان بفعلهما المقدر أي وعد ذلك وحقه حقا «ولكن أكثر الناس» أي أهل مكة «لا يعلمون» ذلك.

38

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الشبهة الرابعة لمنكري النبوة فقالوا القول بالبعث والحشر والنشر باطل، فكان القول بالنبوة باطلاً. أما المقام الأول: فتقريره أن الإنسان ليس إلا هذه البينة المخصوصة، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه وبطل ذلك المزاج والاعتدال امتنع عوده بعينه، لأن الشيء إذا عدم فقد فنى ولم يبق له ذات ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه، فالذي يعود يجب أن يكون شيئاً مغايراً للأول فلا يكون عينه. وأما المقام الثاني: وهو أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة وتقريره من وجهين: الأول: أن محمداً كان داعياً إلى تقرير القول بالمعاد، فإذا بطل ذلك ثبت أنه كان داعياً إلى القول الباطل ومن كان كذلك لم يكن رسولاً صادقاً. الثاني: أنه يقرر نبوة نفسه ووجوب طاعته بناء على الترغيب في الثواب والترهيب عن العقاب، وإذا بطل ذلك بطلت نبوته. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ } معناه أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن الشيء إذا فنى وصار عدماً محضاً ونفياً صرفاً، فإنه بعد هذا العدم الصرف لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر غيره. وهذا القسم واليمين إشارة إلى أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن عوده بعينه بعد عدمه محال في بديهة العقل: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } على أنهم يجحدون في قلوبهم وعقولهم هذا العلم الضروري، وأما بيان أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة فلم يذكره على سبيل التصريح، لأنه كلام جلي متبادر إلى العقول فتركوه لهذا العذر. ثم إنه تعالى بين أن القول بالبعث ممكن ويدل عليه وجهان: الوجه الأول: أنه وعد حق على الله تعالى، فوجب تحقيقه، ثم بين السبب الذي لأجله كان وعداً حقاً على الله تعالى، وهو التمييز بين المطيع وبين العاصي، وبين المحق والمبطل، وبين الظالم والمظلوم، وهو قوله: {لِيُبَيّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰذِبِينَ } وهذه الطريقة قد بالغنا في شرحها وتقريرها في سورة يونس. والوجه الثاني: في بيان إمكان الحشر والنشر أن كونه تعالى موجداً للأشياء ومكوناً لها لا يتوقف على سبق مادة ولا مدة ولا آلة، وهو تعالى إنما يكونها بمحض قدرته ومشئته، وليس لقدرته دافع ولا لمشيئته مانع فعبر تعالى عن هذا النفاذ الخالي عن المعارض بقوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وإذا كان كذلك، فكما أنه تعالى قدر على الإيجاد في الإبتداء وجب أن يكون قادراً عليه في الإعادة، فثبت بهذين الدليلين القاطعين أن القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة حق وصدق، والقول إنما طعنوا في صحة النبوة بناء على الطعن في هذا الأصل، فلما بطل هذا الطعن بطل أيضاً طعنهم في النبوة، والله أعلم. المسألة الثانية: قوله: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } حكاية عن الذين أشركوا، وقوله: {بَلَىٰ } إثبات لما بعد النفي، أي بلى يبعثهم، وقوله: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا } مصدر مؤكد أي وعد بالبعث وعداً حقاً لا خلف فيه، لأن قوله يبعثهم دل على قوله وعد بالبعث، وقوله: {لِيُبَيّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ } من أمور البعث أي بلى يبعثهم ليبين لهم وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فيما أقسموا فيه. ثم قال تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: قوله: {كُنَّ } إن كان خطاباً مع المعدوم فهو محال، وإن كان خطاباً مع الموجود كان هذا أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال. والجواب: أن هذا تمثيل لنفي الكلام والمعاياة وخطاب مع الخلق بما يعقلون، وليس خطاباً للمعدوم، لأن ما أراده الله تعالى فهو كائن على كل حال وعلى ما أراده من الإسراع، ولو أراد خلق الدنيا والآخرة بما فيهما من السموات والأرض في قدر لمح البصر لقدر على ذلك، ولكن العباد خوطبوا بذلك على قدر عقولهم. المسألة الثانية: قوله تعالى: {قَوْلُنَا } مبتدأ و {أَن نَّقُولَ } خبره و {كُنْ فَيَكُونُ } من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود أي إذا أردنا حدوث شيء فليس إلا أن نقول له أحدث فيحدث عقيب ذلك من غير توقف. المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر والكسائي {فَيَكُونُ } بنصب النون، والباقون بالرفع قال الفراء: القراءة بالرفع وجهها أن يجعل قوله: {أَن نَّقُولَ لَهُ } كلاماً تاماً ثم يخبر عنه بأنه سيكون كما يقال: إن زيداً يكفيه إن أمر فيفعل فترفع قولك فيفعل على أن تجعله كلاماً مبتدأ، وأما القراءة بالنصب فوجهه أن تجعله عطفاً على أن نقول، والمعنى: أن نقول كن فيكون هذا قول جميع النحويين، قال الزجاج: ويجوز أن يكون نصباً على جواب {كُنَّ } قال أبو علي لفظة «كن» وإن كانت على لفظة الأمر فليس القصد بها ههنا الأمر إنما هو والله أعلم الإخبار عن كون الشيء وحدوثه، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ يبطل قوله إنه نصب على جواب {كُنْ }، والله أعلم. المسألة الرابعة: احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على قدم القرآن فقالوا قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } يدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له كن فيكون، فلو كان قوله {كُنْ } حادثاً لافتقر إحداثه إلى أن يقول له كن وذلك يوجب التسلسل، وهو محال فثبت أن كلام الله قديم. واعلم أن هذا الدليل عندي ليس في غاية القوة، وبيانه من وجوه: الوجه الأول: أن كلمة {إِذَا } لا تفيد التكرار، والدليل عليه أن الرجل إذا قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت الدار مرة طلقت طلقة واحدة فلو دخلت ثانياً لم تطلق طلقة ثانية فعلمنا أن كلمة إذا لا تفيد التكرار، وإذا كان كذلك ثبت أنه لا يلزم في كل ما يحدثه الله تعالى أن يقول له كن فلم يلزم التسلسل. والوجه الثاني: أن هذا الدليل إن صح لزم القول بقدم لفظه «كن» وهذا معلوم البطلان بالضرورة، لأن لفظة: كن، مركبة من الكاف والنون، وعند حضور الكاف لم تكن النون حاضرة وعند مجيء النون تتولى الكاف، وذلك يدل على أن كلمة كن يمتنع كونها قديمة، وإنما الذي يدعي أصحابنا كونه قديماً صفة مغايرة للفظة كن، فالذي تدل عليه الآية لا يقول به أصحابنا، والذي يقولون به لا تدل عليه الآية فسقط التمسك به. والوجه الثالث: أن الرجل إذا قال إن فلاناً لا يقدم على قول، ولا على فعل إلا ويستعين فيه بالله تعالى فإن عاقلاً لا يقول: إن استعانته بالله فعل من أفعاله فيلزم أن يكون كل استعانة مسبوقة باستعانة أخرى إلى غير النهاية لأن هذا الكلام بحسب العرف باطل فكذلك ما قالوه. والوجه الرابع: أن هذه الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه: الوجه الأول: أن قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ } يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة، وما كان كذلك فهو محدث. والوجه الثاني: أنه علق القول بكلمة إذا، ولا شك أن لفظة «إذا» تدخل للاستقبال. والوجه الثالث: أن قوله: {أَن نَّقُولَ لَهُ } لا خلاف أن ذلك ينبىء عن الاستقبال. والوجه الرابع: أن قوله: {كُنْ فَيَكُونُ } يدل على أن حدوث الكون حاصل عقيب قوله: {كُنْ } فتكون كلمة {كُنْ } متقدمة على حدوث الكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثاً. والوجه الخامس: أنه معارض بقوله تعالى: { أية : وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } تفسير : [النساء: 47]، { أية : وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً } تفسير : [الأحزاب: 38]. { أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ } تفسير : [الزمر: 23]. { أية : فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ } تفسير : [الطور: 34]، { أية : وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إماماً وَرَحْمَةً } تفسير : [الأحقاف: 12]. فإن قيل: فهب أن هذه الآية لا تدل على قدم الكلام، ولكنكم ذكرتم أنها تدل على حدوث الكلام فما الجواب عنه؟. قلنا: نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف والأصوات، ونحن نقول بكونه محدثاً مخلوقاً. والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} هذا تعجيب من صنعهم، إذ أقسموا بالله وبالغوا في تغليظ اليمين بأن الله لا يبعث من يموت. ووجه التعجيب أنهم يظهرون تعظيم الله فيقسمون به ثم يعجّزونه عن بعث الأموات. وقال أبو العالية: كان لرجل من المسلمين على مشرك دين فتقاضاه، وكان في بعض كلامه: والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا، فأقسم المشرك بالله: لا يبعث الله من يموت؛ فنزلت الآية. وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس قال له رجل: يا ابن عباس، إن ناساً يزعمون أن عليًّا مبعوث بعد الموت قَبْل الساعة، ويتأوّلون هذه الآية. فقال ابن عباس: كذب أولئك! إنما هذه الآية عامة للناس، لو كان عليّ مبعوثاً قبل القيامة ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه. {بَلَىٰ} هذا ردّ عليهم؛ أي بلى ليبعثنهم. {وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً} مصدر مؤكّد؛ لأن قوله «يبعثهم» يدل على الوعد، أي وعد البعث وعداً حقاً. {وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أنهم مبعوثون. وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وأما شتمه إيّاي فقوله اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كُفُؤاً أحد»تفسير : . وقد تقدّم ويأتي.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المشركين: أنهم حلفوا فأقسموا بالله جهد أيمانهم، أي: اجتهدوا في الحلف، وغلظوا الأيمان على أنه لا يبعث الله من يموت، أي: استبعدوا ذلك، وكذبوا الرسل في إخبارهم لهم بذلك، وحلفوا على نقيضه، فقال تعالى مكذبا لهم، وراداً عليهم {بَلَىٰ} أي: بلى سيكون ذلك {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} أي: لا بد منه {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: فلجهلهم يخالفون الرسل، ويقعون في الكفر، ثم ذكر تعالى حكمته في المعاد وقيام الأجساد يوم التناد، فقال: {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} أي: للناس {ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} أي: من كل شيء {أية : لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى} تفسير : [النجم: 31] {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰذِبِينَ} أي: في أيمانهم وأقسامهم لا يبعث الله من يموت، ولهذا يدعون يوم القيامة إلى نار جهنم دعاً، وتقول لهم الزبانية: {أية : هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تفسير : [الطور:14-16] ثم أخبر تعالى عن قدرته على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، والمعاد من ذلك، إذا أراد كونه، فإنما يأمر به مرة واحدة، فيكون كما يشاء، كقوله: { أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} تفسير : [القمر: 50] وقال: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ} تفسير : [لقمان: 28] وقال: في هذه الآية الكريمة: { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} أي: أن نأمر به مرة واحدة، فإذا هو كائن، كما قال الشاعر:شعر : إذا ما أرادَ اللهاُ أَمْراً فَإِنَّما يقولُ لَهُ كُنْ كائِناً فَيَكونُ تفسير : أي: إنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به، فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف، لأنه الواحد القهار العظيم الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه، وقال ابن أبي حاتم: ذكر الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج عن ابن جريج، أخبرني عطاء: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال الله تعالى: شتمني ابن آدم، ولم يكن ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فقال: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} قال: وقلت: {بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} وأما شتمه إياي: فقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ} تفسير : [المائدة: 73] وقلت: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص:1-4]. هكذا ذكره موقوفاً، وهو في الصحيحين مرفوعاً بلفظ آخر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ } أي غاية اجتهادهم فيها {لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ } قال تعالى {بَلَىٰ } يبعثهم {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا } مصدران مؤكدان منصوبان بفعلهما المقدر أي وعد ذلك وحقه حقاً {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ } أي أهل مكة {لاَّ يَعْلَمُونَ } ذلك.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} الآية هذه شبهة رابعة لمنكري النبوة، وهو قولهم: بأنَّ الحشر، والنشر، باطلٌ، لأن هذه البِنْيَة إذا مات صاحبها، وتفرقت أجزاؤه، امتنع عوده بعينه، وإذا بطل القول بالبعث، بطل القول بالنبوة من وجهين: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى تقرير القول بالمعاد، وهو باطل؛ فيكون داعياً إلى الباطل؛ ومن كان كذلك لم يكن رسولاً. والثاني: أنه يقرر نبوة نفسه، ووجوب طاعته؛ بناء على الترغيب في الثواب والترهيب من العقاب، وإذا بطل ذلك، بطلت نبوته. فقوله: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ}. معناه: أنهم كانوا يدعون العلم الضروريَّ بأن الشيء إذا فني وعدم، فإنه لا يعود بعينه، وأن عوده بعينه محال في بديهة العقل. وأمَّا بيان أنَّه لما أبطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة، فلم يصرِّحوا به، فتركوه، لأنَّه كلام متبادر إلى العقول، ثمَّ إنه تعالى بيَّن أنَّ القول بالبعث ممكن؛ فقال: "بَلَى وعْداً عليْهِ حَقًّا" أي حق على الله التمييز بين المطيع، والعاصي، وبين المحق، والمبطل، وبين المظلوم، والظالم؛ وهو قوله تعالى: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ} وسيأتي بيان تقرير هذه الطريقة في سورة "يس" إن شاء الله تعالى، ثم بين إمكان الحشر، والنشر؛ بأن كونه - تعالى - موجداً للأشياء، لا يتوقف على سبق مادة، ولا مدة، ولا آلة؛ وهو تعالى إنما يكونها بقوله: "كُنْ". فقال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وكما أنه قدر على ابتداء إيجاده؛ وجب أن يكون قادراً على إعادته. قوله: "وأقْسَمُوا" ظاهره أنه استئناف خبر، وجعله الزمخشريُّ نسقاً على {وقَالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا} إيذاناً بأنهما كفرتان عظيمتان، وقوله "بَلَى" إثبات لما بعد النفي. قوله {وعْداً عَليْهِ حقًّا} هذان المصدران منصوبان على المصدر المؤكد، أي: وعد ذلك وعداً وحق حقًّا. وقيل: "حقًّا" نعت لـ "وعْداً" والتقدير: بلى يبعثهم، وعد بذلك وعداً حقًّا. وقرأ الضحاك: {وعْد عَليْهِ حَقٌّ} برفعهما؛ على أنَّ "وعْدٌ" خبر مبتدأ مضمر، أي: بلى يبعثهم وعد على الله، و "حَقٌّ" نعت لـ "وعْدٌ". قوله: "لِيُبَيِّنَ" هذه اللام متعلقة بالفعل المقدَّر بعد حرف الإيجاب، أي: بلى يبعثهم، ليبيَّن، وقوله "كُنْ فَيكُونُ" تقدم في البقرة، "واللام" في "لِشيْءٍ" وفي "لَهُ" لام التبليغ؛ كهي في قوله قلت لهُ قُمْ فقَامَ، وجعلها الزجاج للسبب فيهما، أي: لأجل شيء أن يقول لأجله، وليس بواضح. وقال ابن عطية: "وقوله "أنْ نَقُولَ" ينزَّل منزلة المصدر، كأنه قال: قولنا؛ ولكن "أنْ" مع الفعل تعطي استقبالاً ليس في المصدر في أغلب أمرها، وقد يجيء في مواضع لا يلحظ فيها الزمن؛ كهذه الآية؛ وكقوله - سبحانه وتعالى-: {أية : وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ} تفسير : [الروم: 25] إلى غير ذلك". قال أبو حيَّان: وقوله: "ولكن "أنْ" مع الفعل يعني المضارع" وقوله: "في أغلب أمرها" ليس بجيدٍ؛ بل تدل على المستقبل في جميع أمورها، وقوله: "قد تجيء... إلى آخره" لم يفهم ذلك من دلالة "أنْ" وإنما فهم من نسبة قيام السماءِ، والأرض بأمر الله؛ لأنه يختصُّ بالمستقبل دون الماضي في حقه - تعالى -. ونظيره: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [الأحزاب: 5] فكان تدلُّ على اقتران مضمون الجملة بالزمن الماضي، وهو - سبحانه وتعالى - متَّصف بذلك في كل زمان. قوله "قَولُنَا" مبتدأ، و "أن نقُول" خبره، و "كُنْ فَيكُونُ": "كُنْ" من "كَانَ" التامة التي بمعنى الحدوث والوجود، أي: إذا أردنا حدوث شيء، فليس إلاَّ أن نقول له احدث فيحدث عقيب ذلك من غير توقفٍ. وقرأ ابن عامر، والكسائي "فيكون" بنصب النون، والباقون بالرفع. قال الفراء: ولقراءة الرفع وجهها: أن يجعل قوله "أن نقُول له" كلاماً تاماً، ثم يخبر عنه بأنه سيكون، كما يقال: "إنَّ زَيْداً يَكْفيهِ إنْ أمِرَ فيَفْعَلُ" برفع قولك "فَيَفْعَلُ" على أن تجعله كلاماً مبتدأ. وأما وجه القراءة الأولى: فأن تجعله عطفاً على "أن نَقُول" والمعنى: أن نقول كن فيكون. هذا قول الجمهور. وقال الزجاج: "ويجوز أن يكون نصباً على جواب "كُنْ"". ويجاب بأن قوله كُنْ وإن كانت على لفظ الأمر، فليس القصد به ههنا الأمر، إنما هو - والله أعلم - الإخبار عن كون الشيء وحدوثه، وإذا كان كذلك بطل قوله: إنه نصب على جواب "كُنْ". فإن قيل: قوله "كُنْ" إن كان خطاباً مع المعدون؛ فهو محالٌ، وإن كان خطاباً مع الموجود، كان أمراً بتحصيل الحاصل؛ وهو محالٌ. فالجواب: أن هذا تمثيل لنفي الكلام والمعاياة وخطاب مع قوم يعقلون ليس هو خطاب المعدوم؛ ولأن ما أراده فهو كائن على كُلِّ حالٍ، وعلى ما أراده من الإسراعِ، ولو أراد خلق الدنيا، والآخرة بما فيهما من السماوات، والأرض، في قدر لمحِ البصر لقدر على ذلك؛ ولكن خاطب العباد بما يعقلون. فصل في دلالة الآية على قدم كلام الله دلت هذه الآية على قدم القرآن؛ لأنَّ قوله تعالى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} فلو كان قوله حادثاً؛ لافتقر إحداثه إلى أن يقول له: كن فيكون، وذلك يوجب التسلسل؛ وهو محال؛ فثبت أنَّ كلام الله قديمٌ. قال ابن الخطيب: وهذا الدليل عندي ليس بالقوي من وجوه: أحدها: أنَّ كلمة "إذَا" لا تفيد التكرار؛ لأن الرجل إذا قال لامرأته: "إذا دخَلْتِ الدَّارَ فأنْتِ طالقٌ" فدخلت الدَّار مرة واحدة طلِّقت واحدة، ولو دخلت ثانياً لم تطلَّق طلقة ثانية، فعلمنا أنَّ ذلك لا يفيد التكرار؛ وإذا كان كذلك ثبت أنَّه لا يلزم من كل ما يحدثه الله تعالى أن يقول له: كن فيكون، فلم يلزم التَّسلسلُ. وثانيها: أن هذا الدليل إن صح، لزم القول بقدم لفظ "كُنْ" وهذا معلوم البطلان بالضرورة؛ لأنَّ لفظة "كُنْ" مركبة من الكاف والنُّون، وعند حصول الكاف لم تكن النون حاضرة، وعند مجيء النون تفوت الكاف، وهذا يدلُّ على أنَّ لفظة "كُنْ" يمتنع كونها قديمة، وإنَّما الذي يدعي أصحابنا قدمه صفة [مغايرة] للفظ: "كُنْ" فالذي تدل عليه الآية لا يقول به أصحابنا، والذي يقولون به لا تدلُّ عليه الآية؛ فسقط التمسك به. ثالثها: أنَّ الرجل إذا قال: إنَّ فلاناً لا يقدم على قولٍ، ولا على فعل، إلا ويستعين فيه بالله كان عاقلاً؛ لأنا نقول إن استعانته بالله فعل من أفعاله؛ فيلزم أن يكون كل استعانةٍ مسبوقةٍ باستعانة أخرى إلى غير نهاية؛ وهذا كلام باطل بحسب العرف؛ فكذلك ما قالوه. ورابعها: أنَّ هذه الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه: الأول: أن قوله تعالى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ} يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة؛ فيكون محدثاً. الثاني: أنه علق القول بكلمة "إذَا" وهي إنَّما تدخل للاستقبال. الثالث: أن قوله تعالى: {أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} لا خلاف أنَّ ذلك ينبىءُ عن الاستقبال. الرابع: أن قوله "كن فَيكُونُ" كلمة مقدمة على حدوثِ الكونِ بزمان واحدٍ، والمتقدم على المحدث بزمان واحد؛ يجب أن يكون محدثاً. الخامس: أنه معارض بقوله تعالى: {أية : وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} تفسير : [الأحزاب: 37] و {أية : وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} تفسير : [الأحزاب: 38] و {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} تفسير : [الزمر: 23] و {أية : فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} تفسير : [الطور: 24] و {أية : وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً} تفسير : [الأحقاف: 12] فإن قيل: فهب أنَّ هذه الآية لا تدل على قدم الكلام لكنكم ذكرتم أنَّها تدل على حدوث الكلام، فما الجواب عنه؟. قلنا: نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف، والأصوات، ونحن نقول بكونه محدثاً. قوله: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} الآية. لما حكى عن الكفَّار أنَّهم أقسموا بالله جهد أيمانهم، على إنكار البعث، دلَّ ذلك على تماديهم في الغيِّ والجهل، ومن هذا حاله، لا يبعد إقدامه على إيذاء المسلمين؛ بالضَّرب، وغيره من العقوبات؛ وحينئذ يلزم على المؤمنين أن يهاجروا عن ديارهم، ومساكنهم فذكر - تعالى - في هذه الآية حكم تلك الهجرة، وبيَّن ما للمهاجرين من الحسنة في الدنيا والآخرة؛ من حيث هاجر، وصبر، وتوكَّل على الله - عز وجل - وذلك ترغيبٌ لغيرهم في طاعة الله - عز وجل -. قال ابن عباسٍ - رضي الله عنه-: نزلت هذه الآية في صهيب، وبلال، وعمار، وخبَّاب، وعابس، وجبير، وأبي جندل بن سهيل، أخذهم المشركون بمكة فجعلوا يعذبونهم؛ ليردوهم عن الإسلام، فأما صهيب فقال لهم: أنا رجل كبيرٌ إن كنت لكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضركم؛ فافتدى منهم بماله، فلما رآه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: رَبِحَ البيعُ يا صهيب، وقال عمر رضي الله عنه: "نِعْمَ الرَّجلُ صهيبٌ، لوْ لَمْ يَخفِ الله لَمْ يَعْصِه"، يريد لو لم يخلق الله النار لأطاعه. وقال قتادة - رضي الله عنه-: هم أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم ظلمهم أهل مكة، وأخرجوهم من ديارهم؛ حتَّى لحق طائفة منهم بالحبشة، ثم بوَّأهم الله المدينة بعد ذلك؛ فجعلها لهم دار هجرة، وجعلهم أنصاراً للمؤمنين، وبسبب هجرتهم ظهرت قوة الإسلام، كما أن نصرة الأنصار قوَّت شوكتهم، ودل عليه قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ} على أنَّ الهجرة إذا لم تكن لله، لم يكن لها موقع، وكانت بمنزلة الانتقال من بلدٍ إلى بلد. وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} أي أنهم كانوا مظلومين في أيدي الكفار. قوله: "حَسنَةً" فيها أوجه: أحدها: أنها نعتٌ لمصدر محذوف، أي: تبوئة حسنة. الثاني: أنها منصوبة على المصدر الملاقي لعامله في المعنى؛ لأنَّ معنى "لَنُبَوِّئَنهُمْ" لنحسنن إليهم. الثالث: أنها مفعول ثانٍ؛ لأن الفعل قبلها مضمن لمعنى لنعطينهم، و "حَسَنةً" صفة لموصوف محذوفٍ، أي: داراً حسنة؛ وفي تفسير الحسن: دار حسنة وهي المدينة على ساكنها - أفضل الصلاة والسلام-. وقيل: تقديره: منزلة حسنة، وهي الغلبة على أهل المشرق. وقيل: حسنة بنفسها هي المفعول من غير حذف موصوف. وقرأ أمير المؤمنين، وابن مسعود، ونعيم بن ميسرة: "لنُثوينَّهُمْ" بالثاء المثلثة والياء، مضارع أثوى المنقول بهمزة التعدية من "ثَوَى بالمكان" أقام فيه وسيأتي أنَّه قرىء بذلك في السبع في العنكبوت، و "حَسنَةً" على ما تقدم. ويريد أنه يجوز أن يكون على نزع الخافض أي "في حَسَنة" والموصول مبتدأ، والجملة من القسم المحذوف وجوابه خبره، وفيه ردٌّ على ثعلب؛ حيث منع وقوع جملة القسم خبراً. وجوَّز أبو البقاء في: "الَّذينَ" النصب على الاشتغالِ بفعلٍ مضمر، أي: لنبوأنَّ الذين. ورده أبو حيان: بأنه لا يجوز أن يفسر عاملاً، إلا ما جاز أن يعمل، وإن قلت "زَيْداً لأضْربنَّ" لم يجز، فكذا لا يجوز "زَيْداً لأضْربنَّه". قوله: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} يجوز فيه أن يعود الضمير على الكفار، أي: لو كانوا يعلمون ذلك لرجعوا مسلمين. أو على المؤمنين، أي: لاجتهدوا في الهجرة والإحسان كما فعل غيرهم. فصل: الإحسان عند الإعطاء روي أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء يقول: خُذه بَاركَ الله لَكَ فِيهِ، هذا ما وَعدكَ الله في الدُّنيَا وما ادَّخرَ لَكَ في الآخرةِ أفضلُ، ثم تلا هذه الآية. وقيل: المعنى: لنحسنن إليهم في الدنيا. وقيل: الحسنة في الدنيا التوفيق والهداية. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} محلُّه رفعٌ على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم الذين صبروا، أو نصب على تقدير أمدح، ويجوز أن يكون تابعاً للموصول قبله نعتاً، أو بدلاً، أو بياناً فمحله محله. والمعنى: أنَّهم صبروا على العذاب، وعلى مفارقة الوطن، وعلى الجهاد، وبذل الأموال، و الأنفس في سبيل الله. قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً} الآية هذه الآية شبهة خامسة لمنكري النبوة، كانوا يقولون: الله أعلى، وأجلُّ من أن يكون رسوله واحداً من البشر؛ بل لو أراد بعثة رسولٍ إلينا كان يبعث ملكاً، وتقدم تقريرُ هذه الشبهة في سورة الأنعام؛ فأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} والمعنى: أنَّ عادة الله من أول زمان التكليف لم يبعث رسولاً إلاَّ من البشر، وهذه العادة مستمرةٌ، فلا يلتفت إلى طعن هؤلاء الجهال. ودلت هذه الآية على أنه ما أرسل أحداً من النساءِ، ودلت على أنه -تعالى - ما أرسل ملكاً، إلاَّ أن ظاهر قوله تعالى: {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً}تفسير : [فاطر: 1] يدل على أن الملائكة رسل الله إلى سائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، ثم قال الله تعالى: {فَسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ}. قال ابن عباس - رضي الله عنه-: يريد أهل التوراة، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} تفسير : [الأنبياء: 105] يعني التوراة. وقال الزجاج: معناه سلوا كلَّ من يذكر بعلم وتحقيق. واختلف الناس في أنه هل يجوز للمجتهد تقليد المجتهد؟ منهم من أجازه محتجاً بهذه الآية؛ فقال: لمَّا لم يكن أحد المجتهدين عالماً، وجب عليه الرجوع إلى المجتهد العالم بالحكم؛ لقوله تعالى: {فَسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} فإن لم يجب؛ فلا أقل من الجواز. واحتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: المكلف إذا نزلت به واقعة، فإن كان عالماً بحكمها، لم يجز له القياس، وإن لم يكن عالماً بحكمها، وجب عليه سؤال من كان عالماً بها؛ لظاهر هذه الآية، ولو كان القياس حجة، لما وجب عليه سؤال العالم؛ لأنه يمكنه استنباط ذلك الحكم بالقياس، فثبت أن تجويز العمل بالقياس يوجب ترك العمل بظاهر هذه الآية؛ فوجب أن لا يجوز. والجواب: أنه ثبت جواز العمل بالقياس بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فالإجماع أقوى من هذا الدليل. قوله "بِالبَيِّناتِ" فيه ثمانية أوجه: أحدها: أنه متعلق بمحذوفٍ على أنه صفة لـ "رِجَالاً" فيتعلق بمحذوفٍ، أي رجالاً ملتبسين بالبينات، أي: مصاحبين لها وهو وجه حسنٌ لا محذور فيه، ذكره الزمخشريُّ. الثاني: أنه متعلق بـ "أرْسَلْنَا" ذكره الحوفي، والزمخشريُّ، وغيرهما، وبه بدأ الزمخشريُّ، فقال: "يتعلق بـ "أرْسَلْنَا" داخلاً تحت حكم الاستثناء مع "رِجَالاً" أي: وما أرسلنا إلا رجالاً بالبينات، كقولك: ما ضَربْتُ إلاَّ زيْداً بالسَّوطِ؛ لأن أصله: ضَربتُ زَيْداً بالسَّوطِ". وضعفه أبو البقاء: بأن ما قبل "إلاَّ" لا يعمل فيما بعدها، إذا تم الكلام على "إلا" وما يليها، قال: إلا أنه قد جاء في الشعر: [البسيط] شعر : 3310- نُبِّئْتهُمْ عَذَّبُوا بالنَّارِ جَارتَهُم ولا يُعَذِّبُ إلاَّ الله بالنَّارِ تفسير : وقال أبو حيَّان: "وما أجازه الحوفي، والزمخشري، لا يجيزه البصريون؛ إذ لا يجيزون أن يقع بعد "إلاَّ" إلاَّ مستثنى، أو مستثنى منه، أو تابع لذلك، وما ظن بخلافه قدر له عامل، وأجاز الكسائي أن يليها معمول ما بعدها مرفوعاً، أو منصوباً أو مخفوضاً، نحو: ما ضَربَ إلا عمراً زيدٌ، وما ضَربَ إلاَّ زيْدٌ عَمْراً، وما مرَّ إلاَّ زيْدٌ بِعَمْرٍو". ووافقه ابن الأنباري في المرفوع، والأخفش، في الظرف، وعديله؛ فما قالاه يتمشَّى على قول الكسائي، والأخفش. الثالث: أنه يتعلق بـ "أرْسَلْنَا" أيضاً؛ إلاَّ أنه على نية التقديم قبل أداة الاستثناء تقديره: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالاً؛ حتى لا يكون ما بعد "إلاَّ" معمولين متأخرين لفظاً ورتبة داخلين تحت الحصر لما قبل "إلاَّ"، حكاه ابن عطية. وأنكر الفراء ذلك وقال: "إنَّ صلة ما قبل "إلاَّ" لا يتأخر إلى ما بعد "إلا" لأن المستثنى منه هو مجموع ما قبل "إلاَّ" مع صلته، فلما لم يصر هذا المجموع مذكوراً بتمامه؛ امتنع إدخال الاستثناء عليه". الرابع: أنه متعلق بـ "نُوحِي" كما تقول: أوحى إليه بحق. ذكره الزمخشري، وأبو البقاء. الخامس: أنَّ الباء مزيدة في "بالبَيِّناتِ" وعلى هذا؛ فيكون "البَيِّنَات" هو القائم مقام الفاعل؛ لأنها هي الموحاة. السادس: أن الجارَّ متعلق بمحذوف؛ على أنَّه حالٌ من القائم مقام الفاعل، وهو "إليْهِمْ" ذكرهما أبو البقاء. وهما ضعيفان جدًّا. السابع: أن يتعلَّق بـ "لا تَعْلَمُون" على أنَّ الشرط في معنى: التبكيت والإلزام؛ كقول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني حقِّي. قال الزمخشريُّ: وقوله تعالى: {فَسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ} اعتراضٌ على الوجوه المتقدمة، ويعني بقوله: "فاسْئَلُوا" الجزاء وشرطه، وأما على الوجه الأخير، فعدم الاعتراض واضحٌ. الثامن: أنه متعلق بمحذوف جواباً لسؤالٍ مقدرٍ؛ كأنه قيل: بِمَ أرسلوا؟ فقيل: أرسلوا بالبينات، والزُّبرِ، كذا قدره الزمخشري. وهو أحسن من تقدير أبي البقاءِ: بعثوا لموافقته للدالِّ عليه لفظاً ومعنى. فصل في تأويل "إلا" قال البغوي - رحمه الله-: "إلاَّ" بمعنى "غَيْرَ"، أي: وما أرسلنا قبلك بالبينات، والزبر، غير رجالٍ يوحى إليهم، ولو لم نبعث إليهم ملائكة. وقيل: تأويله: وما أرسلنا من قبلك إلاَّ رجالاً يوحى إليهم بالبينات والزبر، والبينات والزبر: كل ما يتكامل به الرسالة؛ لأن مدارها على المعجزات الدالة على صدق مدعي الرسالة، وهي البينات على التكاليفِ، التي يبلغها الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - إلى العباد، وهي الزبر. ثم قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} أراد بالذكر الوحي وكان - عليه الصلاة والسلام - مبيناً للوحي، وبيان الكتاب يطلب من السنة. انتهى. فصل القرآن ليس كله مجملاً بل منه المجمل والمبين ظاهر هذه الآية يقتضي أن هذا الذكر مفتقر على بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمفتقر إلى [البيان] مجملٌ، فهذا النص يقتضي أنَّ هذا القرآن كله مجمل؛ فلهذا قال بعضهم: متى وقع التعارض بين القرآن والخبر وجب تقديم الخبر؛ لأن القرآن مجملٌ بنص هذه الآية، والخبر مبين لهذه الآية، والمبين مقدم على المجمل. وأجيب: بأن القرآن منه محكمٌ، ومنه متشابه، والمحكم يجب كونه مبيناً؛ فثبت أن القرآن كله ليس مجملاً، بل فيه المجمل. فقوله: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} محمول على تلك المجملات. فصل هل الرسول مبين لكل ما أنزل الله ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو لمبين لكلِّ ما أنزل الله على المكلفين، وعند هذا قال نفاة القياس: لو كان القياس حجة، لما وجب على الرسول بيانُ كلِّ ما أنزل الله تعالى على المكلفين من الأحكام؛ لاحتمال أن يبين لمكلف ذلك الحكم بطريق القياس، ولما دلت هذه الآية على أنَّ المبين للتكاليف، والأحكام؛ هو الرسول، علمنا أنَّ القياس ليس بحجةٍ. وأجيب عنه: بأنَّه صلى الله عليه وسلم لما بين أنَّ القياس حجة فمن رجع في تبيين الأحكام والتكاليف إلى القياس؛ كان ذلك في الحقيقة رجوعاً إلى بيان الرسولِ صلى الله عليه وسلم. قالوا: لو كان البيان بالقياس من بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع فيه اختلافٌ. قوله تعالى: {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} الآية في "السَّيِّئاتِ" ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنها نعت لمصدر محذوف، أي: المكرات السيئات. الثاني: أنه مفعول به على تضمين: "مَكرُوا" عملوا وفعلوا، وعلى هذين الوجهين، فقوله {أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ} مفعولٌ بـ "أمِنَ". الثالث: أنه منصوب بـ "أمن"، أي: أمنوا العقوبات السيئات، وعلى هذا فقوله {أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ} بدل من "السَّيِّئات". والمكرُ في اللغة: هو السعي بالفسادِ خفية، ولا بد هنا من إضمارٍ، تقديره المكرات السيئات، والمراد أهل مكة، ومن حول المدينة. قال الكلبيُّ: المراد بهذا المكر: اشتغالهم بعبادة غير الله - تعالى - والأقربُ أن المراد سعيهم في إيذاءِ الرسول، وأصحابه على سبيل الخفيةِ، أي: يخسف الله بهم الأرض؛ كما خسف بالقرون الماضية. قوله: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: يأتيهم العذاب من السماء من حيث يفجؤهم؛ فيهلكهم بغتة؛ كما فعل بالقرون الماضية. {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} أي: أسفارهم {أية : لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ} تفسير : [آل عمران: 196]. وقال ابن عباس - رضي الله عنه-: في اختلافهم. وقال ابن جريج: في إقبالهم وإدبارهم. وقيل: في حال تلقُّبهم في أمكارهم، فيحول الله بينهم، وبين إتمام تلك الحيل. وحمل التقلُّب على هذا المعنى، مأخوذ من قوله تعالى: {أية : وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ} تفسير : [التوبة: 48]. {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} هذا الجارُّ متعلق بمحذوفٍ؛ فإنه حال، إمَّا من فاعل "يَأخُذهُمْ" وإما من مفعوله، ذكرهما أبو البقاء. والظاهر كونه حالاً من المفعول دون الفاعل. والتَّخَوُّفُ: تفعُّلٌ من الخَوفِ، يقال: خِفْتُ الشَّيء، وتخَوَّفتهُ. والتَّخوُّفُ: التَّنقُّص، أي: نقص من أطرافهم، ونواحيهم، الشيء بعد الشيء حتًّى يهلك جميعهم، يقال: تخوَّفته الدَّهرَ؛ وتخوفه، إذا نقصه، وأخذ ماله، وحشمه، ويقال: هذه لغة بني هذيل. وقال الأعرابيِّ: تخوَّفتُ الشَّيءَ وتخيَّفتهُ إذا تنقَّصتهُ. حكى الزمخشريُّ أن عمر - رضي الله عنه - سألهم على المنبر عن هذه الآية فسكتوا، فقام شيخٌ من هذيل، فقال: هذه لغتنا، التخَوُّف التنقُّص، فقال عمر: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟. قال: نعم، قال شاعرنا: [البسيط] شعر : 3311- تخوَّف الرَّحلُ منهَا تَامِكاً قَرِداً كمَا تَخوَّفَ [عُودَ] النَّبْعةِ السَّفن تفسير : فقال عمر - رضي الله عنه-: أيُّها الناس عليكم بديوانكم لا تضلُّوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية؛ فإنَّ فيه تفسير كتابكم، وكان الزمخشري نسب البيت قبل ذلك لزهير، وكأنه سهوٌ؛ فإنه لأبي كبير الهذلي؛ ويؤيد ذلك قول الرجل: قال شاعرنا، وكان هذيلياً كما حكاه هو، فعلى هذا يكون المراد ما يقع في أطراف بلادهم، كما قال تعالى: {أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ} تفسير : [الأنبياء: 44] أي: لا نعاجلهم بالعذاب، ولكن ننقص من أطراف بلادهم حتى يصل إليهم فيهلكهم. ويحتمل أن النَّقص من أموالهم وأنفسهم يكون قليلاً قليلاً حتى يفنوا جميعهم. وقال الضحاك، و الكلبيُّ: من الخوف، أي: لا يأخذهم بالعذاب، أولاً؛ بل يخيفهم، أو بأن يعذب طائفة؛ فتخاف التي يليها. ثم قال: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي يمهل في أكثر الأمر؛ لأنه رءوف رحيم، فلا يعاجل بالعذاب.

السيوطي

تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال‏:‏ كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلم به والذي أرجوه بعد الموت، أنه لكذا وكذا‏.‏ فقال له المشرك‏:‏ إنك لتزعم أنك تبعث من بعد الموت‏.‏‏.‏‏.‏ فأقسم بالله جهد يمينه‏:‏ لا يبعث الله من يموت‏.‏ فأنزل الله‏:‏ {‏وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت‏ .‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن مردويه عن علي في قوله‏:‏ ‏{‏وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في‏‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏"‏حديث : قال الله‏:‏ سبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني‏.‏ فأما تكذيبه إياي فقال‏:‏ ‏{‏وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت‏}‏ وقلت‏:‏ ‏{‏بلى وعداً عليه حقاً‏}‏ وأما سبه إياي فقال‏:‏ ‏{‏إن الله ثالث ثلاثة‏}‏ وقلت‏‏ ‏{‏هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد‏}‏ ‏[الصمد‏] ‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ليبين لهم الذي يختلفون فيه‏}‏ قال‏:‏ للناس عامة، والله أعلم‏.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. القَسَمُ يؤكِّد الخبرَ، ولكنَّ يمينَ الكاذب توجِب ضَعْفَ قوله؛ لأنه كلما زاد في جحد الله ازداد القلبُ نفرةً من قوله: قوله جلّ ذكره: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ}. إذا بيَّن الله صِدْقَ ما ورد به الشرع في الآخرة بكشف الغيب زاد افتضاحُ أهل التكذيب فيكون في ذلك زيادةٌ لهم في التعذيب..

اسماعيل حقي

تفسير : {واقسموا بالله} الاقسام [سوكندخوردن] والقسم محركة اليمين بالله. والمعنى بالفارسية [سوكندخوردند بخداى تعالى]. عن ابى العالية كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فاتاه يتقاضاه فكان فيما تكلم به والذى ارجوه بعد الموت انه لكذا: يعنى {دراثنا مكالمه كفت بدان خدى كه بعد ازمرك بلقاء اواميد وارم] فقال المشرك انك لتزعم انك تبعث بعد الموت [اى كفت تواميد وارى كه بعد ازمرك زنده شوى مسلمان كفت آرى آن كافر بايمان غلاظ وشدادكه دركيش او مقرر بود سوكند ياد كردكه هيجكس بعد ازمرك زنده نشود] فانزل الله تعالى هذه الآية {جهد ايمانهم}[سخترين سوكند ايشان يعنى جهد كردند در تغليظ سوكند]. يقال جهد الرجل فى كذا كمنع جد فيه وبالغ واجتهد. قال فى القاموس وقوله تعالى {جهد أيمانهم} اى بالغوا فى اليمين واجتهدوا انتهى. مصدر في موقع الحال اى جاهدين فى ايمانهم اى حلفوا بالله مبالغين فى ايمانهم حتى بلغوا غاية شدتها ووكادتها. وفى تفسير ابى الليث كل من حلف بالله فهو جهد اليمين لانهم كانوا يحلفون بالاصنام وبآبئهم ويسمون اليمين بالله جهد ايمانهم {لا يبعث الله من يموت} مقسم عليه {بلى} اثبات لما بعد النفى اى بلى يبعثهم {وعدا} اى وعد بذلك وعدا ثابتا {عليه} انجازه لامتناع الخلف فى وعد الله تعالى {حقا} اى حق حقا {ولكن اكثر الناس لا يعلمون} انهم يبعثون والقول بعدمه لجهلهم بشؤن الله تعالى من العلم و القدرة والحكمة وغيرها من صفات الكمال وبما يجوز عليه ولما لا يجوز وعدم وقوفهم على سر التكوين والغاية القصوى منه.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {وأقسموا}: عطف على {وقال الذين أشركوا}؛ إيذانًا بأنهم، كما أنكروا التوحيد، أنكروا البعث، مقسمين عليه؛ زيادةً في القطع على فساده، فرد الله عليهم بأبلغ رد، فقال: {بلى}. قاله البيضاوي. وتقدم الكلام على "بلى"، في البقرة والأعراف، و {وعدًا}: مصدر مؤكد لنفسه، وهو ما دل عليه {بلى}؛ فإن {يبعث} وعد، أي: بلى، وعدهم ذلك وعدًا حقًا، ونصب ابن عامر، فيكون عطفًا على {نقول}، أو جوابًا للأمر. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وأقسموا} أي: المشركون، {بالله جَهْدَ أيمانهم} أي: أبلغها وأوكدها، {لا يبعثُ اللهُ مَن يموت}، فردَّ الله عليهم بأبلغ رد، فقال: {بلى} يبعثهم؛ {وعدًا عليه} إنجازه {حقًّا}، لا يخلف؛ لامتناع الخلف في وعده، أو: لأن البعث مقتضى حكمته؛ لتنزيه فعله عن العبث، {ولكنّ أكثرَ الناس لا يعلمون} أنهم يُبعثون، إما لعدم علمهم بأنه من موجبات الحكمة، التي جرت عادته بمراعاتها، وإما لقصور نظرهم باعتبار المألوف، ووقوفهم مع العوائد، فتوهموا امتناعه، وقالوا: {أية : أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} تفسير : [الرّعد: 5]، ولم ينظروا إلى قدرة الله التي لا يعجزها شيء. ثم بيَّن حكمة البعث، فقال: {ليُبيِّن لهم} أي: يبعثهم؛ ليبين لهم {الذي يختلفون فيه}؛ وهو الحق من الباطل؛ فإن الناس مختلفون في أديانهم ومذاهبهم؛ فيبعثهم الله؛ ليُبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه، فيظهر من كان على الحق ممن كان على الباطل، {ولِيَعْلَم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} فيما كانوا يزعمون؛ من عدم البعث، وتمسكهم بالحق، وهو إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث، المقتضي له من حيث الحكمة، وهو التمييز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل. ثم بيَّن كمال قدرته الموجبة للبعث وغيره فقال: {إنما قولُنا لشيء إذا أردناه أن نقولَ له كن فيكون}، فأمره بين الكاف والنون، فإذا كان إيجاد الأشياء من العدم بلفظ "كن"، فأولى إعادتها. وكون أمره بين الكاف والنون كناية عن السرعة، وإلاَّ فلا يحتاج إلى لفظ "كن"، بل مهما أراد شيئًا، أظهره؛ أقرب من لحظ العيون، وإنما جاءت العبارة على قدر ما تفهم العقول، وعلى هذا فلا يحتاج إلى ما تَعَسَّفَهُ ابن عطية وغيره؛ من كون القول في الأزل، وإظهاره فيما لا يزال - يعني: في وقت إظهاره -؛ فإن الكلام إنما خرج مخرج الاستعارة أو المجاز، فلا يتوقف إيجاد الأشياء على "كن". والله تعالى أعلم. الإشارة: ترى بعضَ الجهال يقسمون بالله جهد أيمانهم: أن الله لا يفتح على فلان، لِمَا يرون فيه من الجهل والغباوة، أو من الطغيان والمعاصي، فلا يبعث الله روحه بإحيائها بعد موتها، وتلفها في عالم الحس، مع أن القدرة صالحة؛ قال في الحكم: "من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدرًا". فإن سبقت له العناية يَقُلِ الحقُّ تعالى في شأنه: بلى، يبعثه، ويحيي روحه بالمعرفة واليقين، وعدًا عليه حقًا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن قدرته عامة. فكم من جاهل غبي يخرج منه عالِمَ ولي، وكم من خصوص خرجوا من اللصوص، والله يختص برحمته من يشاء. يبعثهم؛ ليُبين لهم الذي يختلفون فيه؛ من نفوذ قدرته تعالى وعموم تعلقها، وليعلم الذين كفروا بطريق الخصوص أنهم كانوا كاذبين فيما زعموا؛ {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}.

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى ثم ان هؤلاء الكفار حلفوا بالله على قدر طاقتهم وجهدهم انه لا يحشر الله أحداً يوم القيامة، ولا يحييه بعد موته. ثم كذبهم تعالى في ذلك، فقال: {بلى} يحشرهم الله ويبعثهم {وعداً} وعدهم به، ولا يخلف وعده. ونصب {وعداً} على المصدر والتقدير وعد وعداً. وقال الفراء: تقديره بلى ليبعثهم وعداً حقّاً، ولو رفع على معنى ان ذلك وعد عليه حق كان صوابا والمعنى وعد وعداً عليه حقّاً ذلك الوعد ليس له خلف {ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون} صحة ذلك لكفرهم بالله وجحدهم انبياءه. وقوله {ليبين لهم الذي يختلفون فيه} في دار الدنيا، لأنه يخلق فيهم العلم الضروي يوم القيامة، الذي يزول معه التكليف ويزول خلافهم فيه، ويعلم ايضاً كل كافر انه كان كاذباً في الدنيا في قوله: إِن الله لا يبعث احدا بعد موته، هذا إِن جعلنا قوله {ليبين} متعلقا بـ (بلى) يبعثهم الله. ويحتمل ان يكون متعلقاً بقوله {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً..... ليبين لهم الذي يختلفون فيه} ويهديهم الى طريق الحق ويثيبهم عليه.

الجنابذي

تفسير : {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} تعليل لاقناطه {لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} وجهد الايمان الايمان المغلّظة المؤكّدة ومن لا يعتقد البعث لا ينجع فيه نصح {بَلَىٰ} ردّ عليهم {وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ولو علموا لعلموا انّهم فى البعث آناً فآناً ويوماً فيوماً من غير انتظار البعث الكلّىّ الآتى.

اطفيش

تفسير : {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أى غاية أيمانهم فالنصب على المفعولية المطلقة {لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ} جواب للقسم وغاية اجتهادهم فى اليمين أن يحلفوا بالله سبحانه وتعالى، تقاضى مسلم دينا له على مشرك وكان من كلامه أنه حلف كقوله والذى أرجوه بعد الموت فأَقسم المشرك أن لا بعث ونزلت الآية فى ذلك وجملة أقسموا مستأنفة أو معطوفة على قوله وقال الذين أشركوا أى جمعوا بين الإِشراك وإِنكار البعث مجتهدين فى إِقسامهم على إِنكاره {بَلَى} أى يبعثهم فإِن بلى إِثبات لما نفى وهذا رد عليهم ورد أيضا عليهم بقوله {وَعْداً} مصدر لمحذوف أى وعد ذلك البعث وعد عهد وهو مؤكد لنفسه أعنى لمعناه الذى يقصده قوله بلى النائب عن قوله يبعثهم فإِن قوله يبعثهم هو نفس الوعد فهو كقولك له على ألف اعترافا ورد عليهم أيضا بقوله {عَلَيْهِ} وهو نعت لوعد أى وعدا ثابتا عليه كتبه على نفسه فهو واقع الموعود، ولا بد أنه لا يخلف الوعد ولأَن البعث بمقتضى الحكمة فعدمه عبث، تعالى عنه ورد عليهم أيضا بقوله {حَقّاً} نعت لوعد أو حال منه لوصفه بعليه أو حال من ضمير الاستقرار فى عليه وإِن علق عليه بحقا كان حقا نعتا، وقيل حقا مفعول مطلق لمحذوف أى حق البعث حقا أى ثبت أو حقه حقا أى أثبته إثباتا وهو مؤكد لغير معناه فإِن معنى قوله يبعثهم ليس نفس قوله حق البعث أو حقه حقا فهو كقولك أنت ابنى حقا {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ} ذلك الأَكثر هم المكذبون بالبعث أو منكروه من ناس مكة {لاَ يَعْلَمُونَ} أنه قادر على البعث لقصور نظرهم على ما ألفوه من أن ما ذهب من الأَشياء وفنى لا يرجع وفى أنفسهم علامة على قدرته فإِنه أنشأَهم النشأَة الأُولى والنشأَة الثانية أهون منها باعتبار العقل والعادة أو لا يعلمون أنه يبعثهم لأَنهم لا يدرون أن البعث حكمة لا يصلح إِلغاؤها.

اطفيش

تفسير : {وأَقْسَمُوا بِاللهِ} عطف على قال الذين أَشركوا {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} مفعول مطلق لأن المعنى غاية إيمانهم، وغاية الإيمان يمين فالمعنى أقسموا بالله إقساما هو غاية فى القوة، والجهد بالفتح والضم الغاية هى الطاقة، وقيل بالفتح الشدة، وهو راجع لذلك المعنى لأن الطاقة شاقة وقوله {لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ} جملة لا محل لها لأَنها جواب القسم، وهو أَقسموا، وكانوا يحلفون بآلهتهم وآبائهم، وإِذا عظم الأمر أقسموا بالله عز وجل- عابهم الله وذمهم بأنهم كما أنكروا التوحيد أنكروا البعث، وزاد فى إنكاره اليمين، وقد قيل أن مسلما استقضى دينا له من مشرك وذكر البعث فقال: وإنك لتبعث بعد الموت وأقسم بالله لا يبعث من يموت، ونزلت الآية فرد الله عليهم بقوله: {بَلَى} أى يبعثهم وبقوله: {وَعْداً} أَى وعد البعث وعدا لا يتخلف، وهو مقتضى حكمته وبقوله: {عَلَيْهِ} هو نعت وعدا وبقوله: {حَقّاً} سواءٌ جعلناه نعتا لوعد أَو مفعولا مطلقا كوعدا فهما مؤكدَان لأَنفسهما بمعنى قوله: بلى، أَو جعلناه حالا من المستتر فى عليه يبعث الله - عز وجل - من فنى كله وما فنى من ميت يلقى بعضه يحيى الله الجميع بعينه بصورته فى الدنيا لا جسما آخر مثله ولا يكسو العظام لحما آخر بل لحمها الأول، ويدل لذلك خلقه ما خلق لا من شىءٍ، هذا ما عندى ولجمهور المتكلمين، ولكن زدته إيضاحا واستدلالا، وزعم الفلاسفة والكرامية وأبو الحسين المصرى من المعتزلة: أَن رد الفانى بعينه مستحيل لكن يرد مثله وما ذكر الله: "أية : فخذ أَربعة من الطير"تفسير : [البقرة: 260] مما يحتج فخذ به {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسَ لاَ يعْلَمُونَ} البعث حقا لعدم علمهم بكمال قدرته تعالى وبأَنه حكمة لا يهملها الله عز وجل ولاستبعادهم حياة ما مات قال الله عز وجل - "أية : قل يحييها الذى أَنشأَها أَول مرة "تفسير : [يس: 79] صرحت الآية أن أَكثر النَّاس مشركون منكرون للبعث فنقول: دونهم مشركون غير منكرين للبعث، ودون هؤلاءِ موحدون مقرون.

الالوسي

تفسير : {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ} شروع في بيان فن آخر من أباطيلهم وهو إنكارهم البعث، وهو على ما في «الكشاف» وغيره عطف على قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } تفسير : [النحل: 35] قيل: ولتضمن الأول إنكار التوحيد وهذا إنكار البعث وهما أمران عظيمان من الكفر والجهل حسن العطف بينهما، والضمير لأهل مكة أيضاً أي حلفوا بالله {جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } مصدر منصوب الحال أي جاهدين في أيمانهم {لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ } وهو مبني على أن الميت يعدم ويفنى وأن البعث إعادة له وأنه يستحيل إعادة المعدوم، وقد ذهب إلى هذه الاستحالة الفلاسفة ولم يوافقهم في دعوة ذلك أحد من المتكلمين إلا الكرامية وأبو الحسين البصري من المعتزلة، واحتجوا عليها بما رده المحققون، وبعضهم ادعى الضرورة في ذلك وأن ما يذكر في بيانه تنبيهات عليه، فقد نقل الإمام عن الشيخ أبـي علي بن سينا أنه قال: كل من رجع إلى فطرته السليمة ورفض عن نفسه الميل والتعصب شهد عقله الصريح بأن إعادة المعدوم بعينه ممتنعة؛ وفي قسم هؤلاء الكفار على عدم البعث إشارة كما قال في «التفسير» إلى أنهم يدعون العلم الضروري بذلك. وأنت تعلم أنه إذا جوز إعادة المعدوم بعينه كما هو رأي جمهور المتكلمين فلا إشكال في البعث أصلاً، وأما إن قلنا بعدم جواز الإعادة لقيام القاطع على ذلك فقد قيل: نلتزم القول بعدم انعدام شيء من الأبدان حتى يلزم في البعث إعادة المعدوم وإنما عرض لها التفرق ويعرض لها في البعث الاجتماع فلا إعادة لمعدوم، وفيه بحث وإن أيد بقصة إبراهيم عليه السلام ومن هنا قال المولى ميرزاجان: لا مخلص إلا بأن يقال ببقاء النفس المجردة وأن البدن المبعوث مثل البدن الذي كان في الدنيا وليس عينه بالشخص ولا ينافي هذا قانون العدالة إذ الفاعل هو النفس ليس إلا والبدن بمنزلة السكين بالنسبة إلى القطع فكما أن الأثر المترتب على القطع من المدح والذم والثواب والعقاب إنما هو للقاطع لا للسكين كذلك الأثر المترتب على أفعال الإنسان إنما هو للنفس وهي المتلذذة والمتألمة تلذذاً أو تألماً عقلياً أو حسياً فليس يلزم خلاف العدالة، وأما الظواهر الدالة على عود ذلك الشخص بعينه فمؤولة لفرض القاطع الدال على الامتناع، وذلك بأن يقال: المراد إعادة مادته مع صورة كانت/ أشبه الصور إلى الصورة الأولى فتدبر؛ وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة يس تحقيق هذا المطلق على أتم وجه. ونقل عن ابن الجوزي وأبـي العالية أن هذه الآية نزلت لأن رجلاً من المسلمين تقاضى ديناً على رجل من المشركين فكان فيما تكلم به المسلم والذي أرجوه بعد الموت فقال المشرك: وإنك لتبعث بعد الموت وأقسم بالله لا يبعث الله من يموت فقص الله تعالى ذلك ورده أبلغ رد بقوله سبحانه: {بَلَىٰ} لإيجاب النفي أي بلى يبعثهم {وَعْداً} مصدر مؤكد لما دل عليه {بَلَىٰ} إذ لا معنى له سوى الوعد بالبعث والإخبار عنه، ويسمى نحو هذا مؤكداً لنفسه وجوز أن يكون مصدراً لمحذوف أي وعد ذلك وعداً {عَلَيْهِ} صفة {وَعْداً} والمراد وعداً ثابتاً عليه إنجازه وإلا فنفس الوعد ليس ثابتاً عليه، وثبوت الإنجاز لامتناع الخلف في وعده أو لأن البعث من مقتضيات الحكمة. {حَقّاً} صفة أخرى ـ لوعداً ـ وهي مؤكدة إن كان بمعنى ثابتاً متحققاً ومؤسسة إن كان بمعنى غير باطل أو نصب على المصدرية بمحذوف أي حق حقاً {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} لجهلهم بشؤون الله تعالى من العلم والقدرة والحكمة وغيرها من صفات الكمال وبما يجوز عليه وما لا يجوز وعدم وقوفهم على سر التكوين والغاية القصوى منه وعلى البعث مما تقتضيه الحكمة {لاَّ يَعْلَمُونَ} أنه تعالى يبعثهم، ونعى عليهم عدم العلم بالبعث دون العلم بعدمه الذي يزعمونه على ما يقتضيه ظاهر قسمهم ليعلم منه نعي ذاك بالطريق. وجوز أن يكون للإيذان بأن ما عندهم بمعزل عن أن يسمى علماً بل هو توهم صرف وجهل محض، وتقدير مفعول {يَعْلَمُونَ} ما علمت هو الأنسب بالسياق، وجوز أن يكون التقدير لا يعلمون أنه وعد عليه حق فيكذبونه قائلين: {أية : لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءابَاؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [المؤمنون: 83].

ابن عاشور

تفسير : انتقال لحكاية مقالة أخرى من شنيع مقالاتهم في كفرهم، واستدلال من أدلّة تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به إظهاراً لدعوته في مظهر المحال، وذلك إنكارهم الحياة الثانية ولبعث بعد الموت. وذلك لم يتقدم له ذكر في هذه السورة سوى الاستطراد بقوله: {أية : فالذين لا يؤمنون بالآخرة} تفسير : [سورة النحل: 22]. والقسم على نفي البعث أرادوا به الدّلالة على يقينهم بانتفانه. وتقدّم القول في جهد أيمانهم} عند قوله تعالى: {أية : أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم} تفسير : في سورة العقود (53). وإنما أيقنوا بذلك وأقسموا عليه لأنّهم توهّموا أن سلامة الأجسام وعدم انخرامها شرط لقبولها الحياة، وقد رأوا أجساد الموتى معرّضة للاضمحلال فكيف تعاد كما كانت. وجملة {لا يبعث الله من يموت} عطف بيان لجملة {أقسموا} وهي ما أقسموا عليه. والبعث تقدّم آنفاً في قوله تعالى: {أية : وما يشعرون أيّان يبعثون} تفسير : [سورة النمل: 65]. والعدول عن (الموتى) إلى {من يموت} لقصد إيذان الصّلة بتعليل نفي البعث، فإن الصّلة أقوى دلالة على التعليل من دلالة المشتق على عليّة الاشتقاق، فهم جعلوا الاضمحلال منافياً لإعادة الحياة، كما حكي عنهم {أية : وقال الذين كفروا أإذا كنا تراباً وآباؤنا أإنا لمخرجون} تفسير : [سورة النمل: 67]. و{بَلى} حرف لإبطال النفي في الخبر والاستفهام، أي بل يبعثهم الله. وانتصب {وعداً} على المفعول المطلق مؤكداً لما دلّ عليْه حرف الإبطال من حصول البعث بعد الموت. ويسمى هذا النوع من المفعول المطلق مؤكداً لنفسه، أي مؤكداً لمعنى فعل هو عين معنى المفعول المطلق. و{عليه} صفة لــــ{وعداً}، أي وعداً كالواجب عليه في أنه لا يقبل الخلف. ففي الكلام استعارة مكنية. شبه الوعد الذي وعده الله بمحض إرادته واختياره بالحقّ الواجب عليه ورُمز إليه بحرف الاستعلاء. و{حقاً} صفة ثانية لــــ{وعداً}. والحقّ هنا بمعنى الصدق الذي لا يتخلّف. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: {أية : وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن}تفسير : في سورة براءة (111). والمراد بأكثر الناس المشركون، وهم يومئذٍ أكثر الناس. ومعنى {لا يعلمون} أنهم لا يعلمون كيفيّة ذلك فيقيمون من الاستبعاد دليل استحالة حصول البعث بعد الفناء. والاستدراك ناشىء عن جعله وعداً على الله حقّاً، إذ يتوهّم السامع أن مثل ذلك لا يجهله أحد فجاء الاستدراك لرفع هذا التوهّم، ولأن جملة {وعداً عليه حقاً} تقتضي إمكان وقوعه والناس يستبعدون ذلك.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار حلفوا جهد أيمانهم - أي اجتهدوا في الحلف -وغلظوا الأيمان على أن الله لا يبعث من يموت, وكذبهم الله جل وعلا في ذلك بقوله: {بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً}، وكرر في آيات كثيرة هذا المعنى المذكور هنا من إنكارهم للبعث وتكذيبه لهم في ذلك، كقوله: {أية : زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ}تفسير : [التغابن: 7] الآية، وقوله: {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} تفسير : [الأنبياء: 104]، وقوله: {أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}تفسير : [يس: 78-79]، وقوله: {أية : فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الإسراء: 51] والآيات بمثل هذا كثيرة جداً. وقوله: {بَلَى} نفي لنفيهم البعث كما قدمنا. وقوله: {وَعْداً} مصدر مؤكد لما دلت عليه "بلى". لأن "بلى" تدل على نفي قولهم: لا يبعث الله من يموت. ونفي هذا النفي إثبات، معناه: لتبعثن. وهذا البعث المدلول على إثباته بلفظة "بلى" فيه معنى وعد الله بأنه سيكون. فقوله: {وَعْداً} مؤكد له. وقوله: {حَقّاً} مصدر أيضاً. أي وعد الله بذلك وعداً، وحقه حقاً، وهو مؤكد أيضاً لما دلت عليه "بلى". واللام في قوله: {أية : لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} تفسير : [النحل: 39]، وفي قوله: {أية : وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [النحل: 39] الآية، تتعلق بقوله: "بلى" أي يبعثهم ليبين لهم..إلخ. والضمير في قوله: {لَهُمُ} عائد إلى من يموت. لأنه شامل للمؤمنين والكافرين. وقال بعض العلماء: اللام في الموضعين تتعلق بقوله: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً}تفسير : [النحل: 36] الآية. أي بعثناه ليبين لهم..إلخ والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} أغلظوا في الأيمان تكذيباً منهم بقدرة الله على البعث، فقال الله تعالى: {بلى} ليبعثنَّهم {وعداً عليه حقاً}. {ليبيِّن لهم} بالبعث ما اختلفوا فيه من أمره، وهو أنَّهم ذهبوا إلى خلاف ما ذهب إليه المؤمنون {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} ثمَّ أعلمهم سهولة خلق الأشياء عليه بقوله: {إنما قولنا لشيء...} الآية. {والذين هاجروا} نزلت في قومٍ عذَّبهم المشركون بمكَّة إلى أن هاجروا، وقوله: {في الله} أَيْ: في رضا الله {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} داراً وبلدةً حسنةً، وهي المدينة {ولأجر الآخرة} يعني: الجنَّة. {الذين صبروا} على أذى المشركين وهم في ذلك واثقون بالله تعالى مُتوكِّلون عليه. {وما أرسلنا من قبلك} ذكرنا تفسيره في آخر سورة يوسف. وقوله: {فاسألوا أهل الذكر} يعني: أهل التَّوراة فيخبرونكم أنَّ الأنبياء كلَّهم كانوا بشراً.

القطان

تفسير : جهد ايمانهم: اشد ايمانهم، أي بالغوا في الايمان. لنبوئنهم: نُسكنهم، ونعطيهم. {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ}. لقد أقسمَ المشركون أشدّ أيمانهم وأكدوا بان الله لا يبعث من يموت. وكانت قضيةُ البعث بعد الموت هي المشكلة الكبرى عند المشركين.. لقد غلقوا عن معجزة الحياة الأولى، مع أن الله الذي اوجدَ الانسانَ من العدم قادر على ان يبعثه بعد الموت. لذلك ردّ الله عليهم وكذبهم فقال: {بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. بلى إن الله سيبعث الخلقَ بعد الموت، قد وعد بذلك وعدا حقا لا بد منه، ولن يُخلف اللهُ وعدَه، ولكن اكثر الناس لجهلهم لا يعلمون حكمة الله في خلق هذا العالم. ثم ذكر سبحانه الحكمة في المعاد، وقيامِ الأجساد يوم القيامة فقال: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ}. ان من عدْل الله في خلقه ان يبعثهم جميعاً بعد موتهم، ليبين لهم حقائق الأمور التي اختلفوا فيها، فيعلم المؤمنون أنهم على حق، ويعلم الكافرون كذبهم في دعواهم ان الله لا يبعث من يموت. ثم أخبر عن كامل قدرته، وانه لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء فقال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. إننا اذا اردْنا شيئا فإنما نقول له كن فيكون، والبعث شيء من هذه الأمور يتم عندما نريد. {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} تفسير : [لقمان: 28]. قراءات: قرأ الكسائي وابن عامر: "فيكون" بنصب النون. والباقون بالرفع. ثم جاء العرض للجانب المقابل للمنكرين، فذكر لمحةً عن المؤمنين الذين حملهم إيمانُهم على الهجرة في سبيل الله، فقال: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}. والمؤمنون الذين فارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم وهاجروا الى بلاد غريبة عنهم وتحمّلوا التعب احتساباً لأجر الله، وإخلاصاً لعقيدتهم من بعدِ ما وقع عليهم الظلم والعذاب، سنعوّضهم عن ذلك مساكنَ طيبةً في الدنيا وسيكون أجرُهم يوم القيامة أكبرَ ونعيمهم في الجنة أعظم. ثم وصف اولئك المهاجرن بقوله: {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} سينالون أعظم الأجرِ عند الله في الدنيا والآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَيْمَانِهِمْ} (38) - حَلَفَ المُشْرِكُونَ وَأَجْهَدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الحَلْفِ (جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ)، وَغَلَّظُوا الأَيْمَانَ عَلَى أَنَّ اللهَ لاَ يَبْعَثُ المَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ، يَوْمَ القِيَامَةِ، فَاسْتَبْعَدوا ذلِكَ، وَكَذَّبُوا الرُّسُلَ فِي إِخْبَارِهِمْ لَهُمْ بِذَلِكَ. وَحَلَفُوا عَلَى نَقِيضِهِ. وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: بَلَى. سَيَكُونُ ذلِكَ البَعْثُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُوَ وَعْدٌ مِنَ اللهِ حَقٌّ لاَ بُدَّ مِنْهُ. وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَجْهَلُونَ حِكْمَةَ اللهِ فِي خَلْقِ هَذَا العَالَمِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْهُ عَبَثاً، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يُخَالِفُونَ الرُّسُلَ، وَيَقَعُونَ فِي الكُفْرِ وَيُكَذِّبُونَ بِوُقُوعِ البَعْثِ، وَحُدُوثِ المَعَادِ. جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ - يُجْهِدُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الحَلِفِ بِأَغْلَظِ الأَيْمَانِ وَأَوْكَدِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ ..} [النحل: 38]. سبحان الله!! كيف تُقسِمون بالله وأنتم لا تؤمنون به؟! وما مدلول كلمة الله عندكم؟ .. هذه علامة غباء عند الكفار ودليل على أن موضوع الإيمان غير واضح في عقولهم؛ لأن كلمة الله نفسها دليلٌ على الإيمان به سبحانه، ولا توجد الكلمة في اللغة إلا بعد وجود ما تدل عليه أولاً .. فالتلفزيون مثلاً قبل أن يوجد لم يكن له اسم، ثم بعد أن وُجد أوجدوا له اسماً. إذن: توجد المعاني أولاً، ثم توضع للمعاني أسماء، فإذا رأيت اسماً يكون معناه قبله أم بعده؟ يكون قبله .. فإذا قالوا: الله غير موجود نقول لهم: كذبتم؛ لأن كلمة الله لفظ موجود في اللغة، ولا بُدَّ أن لها معنىً سبق وجودها. إذن: فالإيمان سابقٌ للكفر .. وجاء الكفر منطقياً؛ لأن معنى الكفر: السَّتْر .. والسؤال إذن: ماذا ستر؟ ستر الإيمان، ولا يستر إلا موجوداً، وبذلك نقول: إن الكفر دليل على الإيمان. {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ..} [النحل: 38]. أي: مبالغين في اليمين مُؤكّدينه، وما أقربَ غباءَهم هنا بما قالوه في آية أخرى: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32]. فليس هذا بكلام العقلاء. وكان ما أقسموا عليه بالله أنه: {لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ..} [النحل: 38]. وهذا إنكار للبعث، كما سبق وأنْ قالوا: {أية : قَالُوۤاْ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} تفسير : [المؤمنون: 82]. فيرد عليهم الحق سبحانه {بَلَىٰ}. وهي أداة لنفي النفي السابق عليها، وأهل اللغة يقولون: نفي النفي إثبات، إذاً "بلى" تنفي النفي قبلها وهو قولهم: {لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ..} [النحل: 38]. فيكون المعنى: بل يبعث الله مَنْ يموت. {وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ..} [النحل: 38]. والوَعْد هو الإخبار بشيء لم يأْتِ زمنه بعد، فإذا جاء وَعْدٌ بحدَث يأتي بَعْد ننظر فيمَنْ وعد: أقادرٌ على إيجاد ما وعد به؟ أم غير قادر؟ فإن كان غيرَ قادر على إنفاذ ما وعد به لأنه لا يضمن جميع الأسباب التي تعينه على إنفاذ وعده، قُلْنا له قُلْ: إنْ شاء الله .. حتى إذا جاء موعد التنفيذ فلم تَفِ بوعدك التمسْنا لك عُذْراً، وحتى لا تُوصف ساعتها بالكذب، فقد نسبتَ الأمر إلى مشيئة الله. والحق - تبارك وتعالى - لا يمنعنا أن نُخطِّط للمستقبل ونعمل كذا ونبني كذا .. خَطِّط كما تحب، واعْدُدْ للمستقبل عِدَته، لكن أردف هذا بقولك: إنْ شاء الله؛ لأنك لا تملك جميع الأسباب التي تمكِّن من عمل ما تريد مستقبلاً، وقد قال الحق تبارك وتعالى: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الكهف: 23-24]. ونضرب لذلك مثلاً: هَبْ أنك أردتَ أن تذهب غداً إلى فلان لتكلمه في أمر ما .. هل ضمنت لنفسك أن تعيش لغد؟ وهل ضمنت أن هذا الشخص سيكون موجوداً غداً؟ وهل ضمنتَ ألاَّ يتغير الداعي الذي تريده؟ وربما توفرت لك هذه الظروف كلها، وعند الذهاب أَلَمَّ بك عائق منعك من الذهاب. إذن: يجب أن نُردف العمل في المستقبل بقولنا: إن شاء الله. أما إذا كان الوعد من الله تعالى فهو قادر سبحانه على إنفاذ ما يَعِد به؛ لأنه لا قوة تستطيع أن تقفَ أمام مُراده، ولا شيءَ يُعجزه في الأرض ولا في السماء، كان الوعد منه سبحانه (حقاً) أنْ يُوفّيه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [النحل: 38]. أي: لا يعلمون أن الله قادر على البعث، كما قال تعالى: {أية : وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ..} تفسير : [السجدة: 10]. وقال: {أية : وَقَالُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} تفسير : [الإسراء: 49]. فقد استبعد الكفار أمر البعث؛ لأنهم لا يتصورون كيف يبعث الله الخلْق من لَدُن آدم - عليه السلام - حتى تقوم الساعة .. ولكن لِمَ تستبعدون ذلك؟ وقد قال تعالى: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} تفسير : [لقمان: 28]. فالأمر ليس مزاولة يجمع الله سبحانه بها جزئيات البشر كل على حدة .. لا .. ليس في الأمر مزاولة أو معالجة تستغرق وقتاً. {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82]. ونضرب لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى - فنحن نرى مثل هذه الأوامر في عالم البشر عندما يأتي المعلّم أو المدرب الذي يُدرِّب الجنود نراه يعلِّم ويُدرِّب أولاً، ثم إذا ما أراد تطبيق هذه الأوامر فإنه يقف أمام الجنود جميعاً وبكلمة واحدة يقولها يمتثل الجميع، ويقفون على الهيئة المطلوبة، هل أمسك المدرب بكل جندي وأوقفه كما يريد؟! لا .. بل بكلمة واحدة تَمَّ له ما يريد. وكأن انضباط المأمور وطاعته للأمر هو الأصل، كذلك كل الجزئيات في الكون منضبطة لأمره سبحانه وتعالى .. هي كلمة واحدة بها يتم كل شيء .. فليس في الأمر مُعَالجة، لأن المعالجة أنْ يُباشر الفاعل بجزئيات قدرته جزئيات الكائن، وليس البعث هكذا .. بل بالأمر الانضباطي: كن. ولذلك يقول تعالى: {وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [النحل: 38]. نقول: الحمد لله أن هناك قليلاً من الناس يعلمون أمر البعث ويؤمنون به. ثم يقول الحق سبحانه: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ} [النحل: 38] وهذا من نتيجة ظلمة الخلقية عند عدم إصابة النور {بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً} [النحل: 38] فيه إشارة إلى أن أكثر الخلق محرومون عن إصابة رشاش النور؛ لأنهم أنكروا البعث، وهو وعد صادق ووقوعه حق. ثم أقام البينة على القدرة بالبعث وعلى كذب من اختلف فيه، كما قال: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ} [النحل: 39] بقوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] أي: من كمال قدرتنا أنا لا نحتاج في إحداث شيء وإيجاده إلى استعمال آلة يشق علينا استعمالها، وإنما هي مشيئته القديمة بمقتضى الحكمة القديمة لتعلق الإرادة القديمة بالقدرة القديمة التي هي عبارة عن قولنا: {كُنْ فَيَكُونُ} وهو إخراج الشيء المعدوم من العلم إلى الوجود بلا تعب ولا نصب، وفي الآية دلالة على أن المعدوم الذي هو في علم الله إيجاده أنه قبل إيجاده شيء بخلاف المعدوم الذي في علم الله عدمه أبداً. ثم أخبر عن درجات المهاجرين الصابرين بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} [النحل: 41] إلى قوله: {أية : لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 47] أي: بالله إلى الله، فهاجروا في الله بالأبدان عنا نهى الله عنه بالشريعة، وهاجروا بالله بالقلوب عن الحظوظ الأخروية برعاية الطريق، وهاجروا إلى الله بالأرواح عن مقامات القربة ورؤية الكرامات بجذبات الحقيقة، بل هاجروا عن الوجود المجازي مستهلكاً في بحر الوجود الحقيقي حتى لم يبقَ لهم في الوجود سوى الله {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} [النحل: 47] أي: من بعد ما ردوا إلى أسفل السافلين {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} [النحل: 41] أي: ننزلهم أعلى مراتب القرب في حال حياتهم {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ} [النحل: 41] أي: بعد الخروج عن الدنيا والخلاص عن حبس أوصاف البشرية وتلوناتها {أَكْبَرُ} [النحل: 41] أي: أعظم وأجل وأصفى وأهنأ وأخرى فما كان لهم من حسنات الدنيا {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [النحل: 41] قدره ويؤدون شكره {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} [النحل: 42] على الائتمار بالأوامر وعن الانتهاء عن النواهي، بل صبروا على المجاهدات والمكابدات والمشاهدات والمواصلات {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 42] فيما يتأملون صبروا بالله في طلبه، وتوكلوا على الله في وجدانه، فبالصبر ساروا وبالتوكل طاروا، ثم في الله حاروا حيرة لا نهاية لها إلى الأبد.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن المشركين المكذبين لرسوله أنهم { أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } أي: حلفوا أيمانا مؤكدة مغلظة على تكذيب الله، وأن الله لا يبعث الأموات، ولا يقدر على إحيائهم بعد أن كانوا ترابا، قال تعالى مكذبا لهم: { بَلَى } سيبعثهم ويجمعهم ليوم لا ريب فيه { وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا } لا يخلفه ولا يغيره { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } ومن جهلهم العظيم إنكارهم للبعث والجزاء، ثم ذكر الحكمة في الجزاء والبعث فقال: { لِيُبَيِّنَ لَهُم الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ } من المسائل الكبار والصغار، فيبين حقائقها ويوضحها. { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ } حين يرون أعمالهم حسرات عليهم، وما نفعتهم آلهتهم التي يدعون مع الله من شيء لما جاء أمر ربك، وحين يرون ما يعبدون حطبا لجهنم، وتكور الشمس والقمر وتتناثر النجوم، ويتضح لمن يعبدها أنها عبيد مسخرات، وأنهن مفتقرات إلى الله في جميع الحالات، وليس ذلك على الله بصعب، ولا شديد فإنه إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون، من غير منازعة ولا امتناع، بل يكون على طبق ما أراده وشاءه.

همام الصنعاني

تفسير : 1484- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادَةَ، قال: قيل لابن عباس: إن رجالاً يقولون إن علياً مَبْعُوثٌ قبل يومِ القيامةِ، ويتأوَّلُون هذه الآية {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}: [الآية: 38]، قال: لو كنَّا نَعْلَمُ أنَّ عليّاً مبعوثٌ، ما تزوجنا نساءه، ولا قسمنا ميراثَه، ولكن هذه الناس عامة.