١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
39
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ} أي ليظهر لهم. {ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} أي من أمر البعث. {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالبعث وأقسموا عليه {أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ} وقيل: المعنى ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ليبين لهم الذي يختلفون فيه، والذي اختلف فيه المشركون والمسلمون أمور: منها البعث، ومنها عبادة الأصنام، ومنها إقرار قوم بأن محمداً حق ولكن منعهم من اتباعه التقليد؛ كأبي طالب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لِيُبَيّنَ } متعلق بـ(يبعثهم) المقدر {لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ } مع المؤمنين {فِيهِ } من أمر الدين بتعذيبهم وإثابة المؤمنين {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَٰذِبِينَ } في إنكار البعث.
ابن عطية
تفسير : اللام في قوله {ليبين} تتعلق بما في ضمن قوله {أية : بلى} تفسير : [النحل: 38] لأن التقدير "بلى يبعث ليبين"، وقيل هي متعلقة بقوله {أية : ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً} تفسير : [النحل: 36] والأول أصوب في المعنى، لأن به يتصور كذب الكفار في إنكار البعث، وقوله {إنما قولنا} الآية، "إنما" في كلام العرب هي للمبالغة وتحقيق تخصيص المذكور، فقد تكون مع هذا حاصرة إذا دل على ذلك المعنى، كقوله تعالى {أية : إنما الله إله واحد} تفسير : [النساء: 171] وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إنما الربا في النسيئة"تفسير : وقول العرب: إنما الشجاع عنترة، فبقي فيها معنى المبالغة فقط، و {إنما} في هذه الآية هي للحصر، وقاعدة القول في هذه الآية أن تقول، إن الإرادة والأمر اللذين هما صفتان من صفات الله تعالى القديمة، هما قديمان أزليان، وإن ما في ألفاظ هذه الآية من معنى الاستقبال والاستئناف إنما هو راجع إلى المراد، لا إلى الإرادة، وذلك أن الأشياء المرادة المكونة في وجودها استئناف واستقبال لا في إرادة ذلك ولا في الأمر به، لأن ذينك قديمان، فمن أجل المراد عبر بـ {إذا} وبـ {نقول} ، ويرجع الآن على هذه الألفاظ فتوضح الوجه فيها واحدة واحدة، أما قوله {لشيء} فيحتمل وجهين: أحدهما أن الأشياء التي هي مرادة وقيل لها {كن} ، معلوم أن للوجود يأتي على جميعها بطول الزمن وتقدير الله تعالى، فلما كان وجودها حتماً جاز أن تسمى أشياء وهي في حالة عدم، والوجه الثاني أن يكون قوله {لشيء} تنبيهاً لنا على الأمثلة التي تنظر فيها، أي إن كل ما تأخذونه من الأشياء الموجودة فإنما سبيله أن يكون مراداً وقيل له {كن} فكان، ويكون ذلك الشيء المأخوذ من الموجودات مثالاً لما يتأخر من الأمور وما تقدم وفني، فبهذا يتخلص من تسمية المعدوم شيئاً، وقوله {أردناه} منزل منزلة مراد، ولكنه أتى بهذه الألفاظ المستأنفة بحسب أن الموجودات تجيء وتظهر شيئاً بعد شيء، فكأنه قال إذا ظهر للمراد منه، وعلى هذا الوجه يخرج قوله تعالى: {أية : فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} تفسير : [التوبة: 105]، وقوله تعالى: {أية : وليعلم اللهُ الذين آمنوا} تفسير : [آل عمران: 140] ونحو هذا مما معناه، ويقع منكم ما رآه الله تعالى في الأزل وعلمه، وقوله {أن نقول} منزل منزلة المصدر، كأنه قال قولنا، ولكن {أن} مع الفعل تعطي استئنافاً ليس في المصدر في أغلب أمرها، وقد تجيء في مواضع لا يلحظ فيها الزمن كهذه الآية، وكقوله تعالى {أية : ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} تفسير : [الروم: 25] وغير ذلك، وذهب أكثر الناس إلى أن الشيء هو الذي يقال له، كالمخاطب، وكأن الله تعالى قال في الأزل لجميع ما خلق: {كن} بشرط الوقت والصفة، وقال الزجاج {له} بمعنى من أجله، وهذا يمكن أن يرد بالمعنى إلى الأول، وذهب قوم إلى أن قوله {أن نقول} مجاز، كما تقول قال برأسه فرفعه وقال بيده فضرب فلاناً، ورد على هذا المنزع أبو منصور، وذهب إلى أن الأولى هو الأولى، وقرأ الجمهور "فيكونُ" برفع النون، وقرأ ابن عامر والكسائي هنا وفي يس، "فيكونَ" بنصبها، وهي قراءة ابن محيصن. قال القاضي أبو محمد: والأول أبعد من التعقيب الذي يصحب الفاء في أغلب حالها فتأمله، وفي هذه النبذة ما يطلع منه على عيون هذه المسألة، وشرط الإيجاز منع من بسط الاعتراضات والانفصالات، والمقصود بهذه الآية إعلام منكري البعث بهوان أمره على الله وقربه في قدرته لا رب غيره.
النسفي
تفسير : {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ } متعلق بما دل عليه {بلى} أي يبعثهم ليبين لهم، والضمير لـ {من يموت} وهو يشمل المؤمنين والكافرين {ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ } هو الحق {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰذِبِينَ } في قولهم {لا يبعث الله من يموت} {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } أي فهو يكون، وبالنصب: شامي وعلي، على جواب. كن {قولنا} مبتدأ و{أن نقول} خبره و{كن فيكون} من «كان» التامة التي بمعنى الحدوث والوجود أي إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له أحدث فهو يحدث بلا توقف، وهذه عبارة عن سرعة الإيجاد تبين أن مراداً لا يمتنع عليه، وأن وجوده عند إرادته غير متوقف كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع المتمثل ولا قول ثَم. والمعنى أن إيجاد كل مقدور على الله بهذه السهولة فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من بعض المقدورات؟ {وَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ فِى ٱللَّهِ } في حقه ولوجهة {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } هم رسول الله وأصحابه ظلمهم أهل مكة ففروا بدينهم إلى الله، منهم من هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فجمع بين الهجرتين، ومنهم من هاجر إلى المدينة {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَة } صفة للمصدر أي تبوئة حسنة أو لنبوئنهم مباءة حسنة وهي المدينة حيث آواهم أهلها ونصروهم {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ } الوقف لازم عليه لأن جواب {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } محذوف والضمير للكفار أي لو علموا ذلك لرغبوا في الدين أو للمهاجرين أي لو كانوا يعلمون لزادوا في اجتهادهم وصبرهم {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } أي هم الذين صبروا أو أعني الذين صبروا، وكلاهما مدح أي صبروا على مفارقة الوطن الذي هو حرم الله المحبوب في كل قلب فكيف بقلوب قوم هو مسقط رؤوسهم، وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في سبيل الله {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } أي يفوضون الأمر إلى ربهم ويرضون بما أصابهم في دين الله. ولما قالت قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً نزل
الخازن
تفسير : {ليبين لهم الذي يختلفون فيه} يعني من أمر البعث ويظهر لهم الحق الذي لا خلق فيه {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} يعني في قولهم لا بعث بعد الموت {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} يعني أن الله سبحانه وتعالى قادر إذا أراد أن يحيي الموتى، ويبعثهم للحساب والجزاء فلا تعب عليه في إحيائهم وبعثهم إنما يقول لشيء أراده كن فيكون على ما أراد لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء أراده (خ) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله تبارك وتعالى يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني ويكذبني، وما ينبغي له أن يكذبني أما شتمه إياي فيقول إن لي ولداً، وأما تكذيبه إياي فقوله ليس يعيدني كما بدأني"تفسير : وفي رواية "حديث : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني، ولم يكن له ذلك أما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون من إعادته وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد" تفسير : وقوله تعالى {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا} يعني أوذوا وعذبوا نزلت في بلال وصهيب وخباب وعابس وجبير وأبي جندل بن سهيل، أخذهم المشركون بمكة فجعلوا يعذبونهم ليرجعوا عن الإسلام إلى الكفر وهم المستضعفون. فأما بلال فكان أصحابه يخرجونه إلى بطحاء مكة في شدة الحر ويشدونه، ويجعلون على صدره الحجارة وهو يقول أحد أحد فاشتراه منهم أبو بكر الصديق وأعتقه واشترى معه ستة نفر آخرين، وأما صهيب فقال لهم إني رجل كبير إن كنت معكم فلن أنفعكم وإن كنت عليكم فلا أضركم فاشترى نفسه بماله فباعوه منه فمر به أبو بكر الصديق. فقال: يا صهيب ربح البيع. وأما باقيهم فأعطوهم بعض ما يريدون، فخلوا عنهم. وقالت قتادة: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم حتى لحق طائفة بالحبشة ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، فهاجروا إليها وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين فآووهم ونصروهم وواسوهم، وهذه الآية تدل على فضل المهاجرين, وفضل الهجرة وفيه دليل على أن الهجرة إذا لم تكن لله خالصة لم يكن لها موقع، وكانت بمنزلة الانتقال من بلد إلى آخر ومنه حديث "حديث : الأعمال بالنيات"تفسير : وفيه "حديث : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"تفسير : الحديث أخرجاه في الصحيحين من رواية عمر بن الخطاب وقوله تعالى {لنبوأنهم في الدنيا حسنة} يعني لنبوأنهم تبوئة حسنة وهو أنه تعالى أنزلهم المدينة، وجعلها لهم دار هجرة والمعنى لنبوأنهم في الدنيا داراً حسنة أو بلدة حسنة، وهي المدينة روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء يقول له: خذ هذا بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم يقول هذه الآية. وقيل: معناه ليحسنن إليهم في الدنيا بأن يفتح لهم مكة، ويمكنهم من أهلها الذين ظلموهم وأخرجوهم منها ثم ينصرهم على العرب قاطبة، وعلى أهل المشرق والمغرب وقيل المراد بالحسنة في الدنيا التوفيق والهداية في الدين {ولأجر الآخرة أكبر} يعني أعظم وأفضل وأشرف مما أعطاهم في الدنيا {لو كانوا يعلمون} قيل: الضمير يرجع إلى الكفار لأن المؤمنين يعلمون ما لهم في الآخرة، والمعنى لو كان هؤلاء الكفار يعلمون أن أجر الآخرة أكبر مما هم فيه من نعيم الدنيا لرغبوا فيه، وقيل: إنه راجع إلى المهاجرين والمعنى لو كانوا يعلمون ما أعد الله لهم في الآخرة، لزادوا في الجد والاجتهاد والصبر على ما أصابهم من أذى الماكرين {الذين صبروا} يعني في الله على ما نالهم، وبذل الأنفس والأموال في سبيل الله {وعلى ربهم يتوكلون} يعني في أمورهم كلها قال بعضهم ذكر الله الصبر والتوكيل في هذه الآية، وهما مبدأ السلوك إلى الله تعالى ومنتهاه أما الصبر فهو قهر النفس وحبسها على أعمال البر وسائر الطاعات، واحتمال الأذى من الخلق والصبر عن الشهوات المباحات والمحرمات والصبر على المصائب، وأما التوكل فالانقطاع عن الخلق بالكلية والتوجه إلى الحق تعالى بالكلية فالأول هو مبدأ السلوك إلى الله تعالى، والثاني هو آخر الطريق ومنتهاه {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم} نزلت هذه الآية جواباً لمشركي مكة حيث أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا الله أعظم وأجل أن يكون رسوله بشراً فهلا بعث ملكاً إلينا فأجابهم الله عز وجل بقوله: وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالاً يعني مثلك نوحي إليهم والمعنى أن عادة الله عز وجل جارية من أول مبدأ الخلق أنه لم يبعث إلا رسولاً من البشر فهذه عادة مستمرة، وسنة جارية قديمة {فاسألوا أهل الذكر} يعني أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، وإنما أمرهم الله بسؤال أهل الكتاب لأن كفار مكة كانوا يعتقدون أن أهل الكتاب أهل علم، وقد أرسل الله إليهم رسلاً منهم مثل موسى وعيسى وغيرهم من الرسل، وكانوا بشراً مثلهم فإذا سألوهم فلا بد، وأن يخبروهم بأن الرسل الذين أرسلوا إليهم كانوا بشراً، فإذا أخبروهم بذلك زالت الشبهة عن قلوبهم {إن كنتم لا تعلمون} الخطاب لأهل مكة يعني إن كنتم يا هؤلاء لا تعلمون ذلك {بالبينات والزبر} اختلفوا في المعنى الجالب لهذه الباء فقيل المعنى، وما أرسلنا من قبلك بالبيِّنات والزبر إلا رجالاً يوحى إليهم أرسلناهم بالبينات والزبر، وقيل الذكر بمعنى العلم في قوله فاسألوا أهل الذكر يعني أهل العلم والمعنى فاسئلوا أهل الذكر الذي هو العلم بالبينات والزبر إن كنتم لا تعلمون أنتم ذلك. والبينات والزبر اسم جامع لكل ما يتكامل به أمر الرسالة، لأن مدار أمر الرسول على المعجزات الدالة على صدقه، وهي بالبينات وعلى بيان الشرائع والتكاليف، وهي المراد بالزبر يعني الكتب المنزلة على الرسل من الله عز وجل {وأنزلنا إليك الذكر} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني: وأنزلنا عليك يا محمد الذكر الذي هو القرآن وإنما سماه ذكراً لأن فيه مواعظ، وتنبيهاً للغافلين {لتبين للناس ما نزل إليهم} يعني ما أجمل إليك من أحكام القرآن, وبيان الكتاب يطلب منه السنة والمبين لذلك المجمل هو الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا قال بعضهم: متى وقع تعارض بين القرآن والحديث وجب تقديم الحديث لأن القرآن مجمل، والحديث مبين بدلالة هذه الآية والمبين مقدم على المجمل وقال بعضهم القرآن منه محكم، ومنه متشابه فالمحكم يجب أن يكون مبيناً والمتشابه هو المجمل ويطلب بيانه من السنة فقوله تعالى: لتبين للناس ما نزل إليهم محمول على ما أجمل فيه دون المحكم البين المفسر {ولعلهم يتفكرون} يعني فيما أنزل إليهم فيعلموا به {أفأمن الذين مكروا السيئات} فيه حذف تقديره المنكرات السيئات وهم كفار قريش مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه، وبالغوا في أذيتهم والمكر عبارة عن السعي بالفساد على سبيل الإخفاء، وقيل: المراد بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله فيكون مكرهم على أنفسهم والصحيح أن المراد بهذا المكر السعي في أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وقيل: المراد بالذين مكروا السيئات نمروذ، ومن هو مثله والصحيح أن المراد بهم كفار مكة {أن يخسف الله بهم الأرض} يعني كما خسف بقرون من قبلهم {أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون} يعني أن العذاب يأتيهم بغتة فيهلكهم فجأة كما أهلك قوم لوط وغيرهم {أو يأخذهم في تقلبهم} بمعنى في تصرفهم في الأسفار فإنه سبحانه وتعالى، على إهلاكهم في السفر كما هو قادر على إهلاكهم في الحضر، وقال ابن عباس يأخذهم في اختلافهم. وقال ابن جريج: إقبالهم وإدبارهم يعني أنه تعالى قادر على أن يأخذهم في ليلهم ونهارهم، وفي جميع أحوالهم {فما هم بمعجزين} يعني بسابقين الله أو يفوتونه بل هو قادر عليهم {أو يأخذهم على تخوف} قال ابن عباس ومجاهد: يعني على تنقص. قال ابن قتيبة: التخوف التنقص ومثله التخون. يقال تخوفه الدهر وتخونه إذا انتقصه وأخذ ماله وحشمه، ويقال: هذه لغة هذيل فعلى هذا القول يكون المراد به أن ينقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يهلك جميعهم وقيل هو على أصله من الخوف فيحتمل أنه سبحانه وتعالى لا يأخذهم بالعذاب أولاً، بل يخوفهم ثم يعذبهم بعد ذلك وقال الضحاك والكلبي: هو من الخوف يعني يهلك طائفة فيتخوف الآخرون أن يصيبهم مثل ما أصابهم، فيحتمل أنه سبحانه وتعالى خوفهم بخسف يحصل في الأرض أو بعذاب ينزل من السماء، أو بآفات تحدث دفعة أو بآفات, تحدث قليلاً قليلاً إلى أن يأتي الهلاك على أخرهم ثم إنه سبحانه وتعالى، ختم الآية بقوله {فإن ربكم لرؤوف رحيم} يعني أنه سبحانه وتعالى، لا يعجل العقوبة والعذاب. قوله سبحانه وتعالى {أولم يروا} قرىء بالتاء على خطاب الحاضرين وبالياء على الغيبة {إلى ما خلق الله من شيء} يعني من جسم قائم له ظل، وهذه الرؤية لما كانت بمعنى النظر وصلت بإلى لأن المراد منها الاعتبار، والاعتبار لا يكون إلا بنفس الرؤية، التي يكون معها نظر إلى الشيء ليتأمل أحواله، ويتفكر فيه فيعتبر به {يتفيئوا ظلاله} يعني تميل وتدور من جانب إلى جانب فهي من أول النهار على حال ثم تقلص ثم تعود في آخر النهار إلى حالة أخرى ويقال للظل بالعشي فيء، لأنه من فاء يفيء إذا رجع من المغرب إلى المشرق، والفيء الرجوع قال الأزهري تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار فالتفيؤ لايكون إلا بالعشي وما انصرفت عنه الشمس، والظل يكون الغداة، وهو ما لم تنله الشمس وقوله ظلاله جمع ظل وإنما أضاف الظلال، وهو جمع مفرد وهو قوله: من شيء لأنه يراد به الكثرة ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال {عن اليمين والشمائل} قال العلماء: إذا طلعت الشمس من المشرق وأنت متوجه إلى القبلة كان ظلك عن يمينك فإذا ارتفعت الشمس واستوت في وسط السماء كان ظلك خلفك فإذا مالت الشمس إلى الغروب كان ظلك عن يسارك. وقال الضحاك أما اليمين فأول النهار وأما الشمال فآخر النهار وإنما وحد اليمين وإن كان المراد به الجمع للإيجاز والاختصار في اللفظ وقيل اليمين راجع إلى لفظ الشيء وهو واحد والشمائل راجع إلى المعنى لأن لفظ الشيء يراد به الجمع {سجداً لله} في معنى هذا السجود قولان: أحدهما أن المراد به الاستسلام والانقياد والخضوع. يقال سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب، وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل والمعنى أن جميع الأشياء التي لها ظلال فهي منقادة لله تعالى مستسلمة لأمره غير ممتنعة عليه، فيما سخرها له من التفيؤ وغيره وقال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله، والقول الثاني في معنى هذا السجود أن الظلال واقعة على الأرض، ملتصقة بها كالساجد على الأرض فلما كانت الظلال يشبه شكلها الساجدين أطلق الله عليها هذا اللفظ وقيل ظل كل شيء ساجد لله سواء كان ذلك الشيء يسجد لله أو لا ويقال إن ظل الكافر ساجد لله وهو غير ساجد لله، {وهم داخرون} أي صاغرون أذلاء والداخر الصاغر الذي يفعل ما تأمره به شاء أم أبى وذلك أن جميع الأشياء منقادة لأمر الله تعالى. فإن قلت الظلال ليست من العقلاء فكيف عبر عنا بلفظ من يعقل وجمعها بالواو والنون. قلت: لما وصفها الله سبحانه وتعالى بالطاعة والانقياد لأمره، وذلك صفة من يعقل عبر عنها بلفظ من يعقل، وجاز جمعها بالواو والنون، وهو جمع العقلاء قوله عز وجل {ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة} قال العلماء: السجود على نوعين سجود طاعة، وعبادة كسجود المسلم لله عز وجل، وسجود انقياد وخضوع كسجود الظلال فقوله: ولله يسجد ما في السموات، وما في الأرض من دابة يحتمل النوعين لأن سجود كل شيء بحسبه فسجود المسلمين، والملائكة لله سجود عبادة وطاعة وسجود غيرهم سجود انقياد, وخضوع وأتى بلفظ ما في قوله ما في السموات وما في الأرض للتغليب لأن ما لا يعقل أكثر ممن يعقل في العدد، والحكم للأغلب كتغليب المذكر على المؤنث، ولأنه لو أتى بمن التي هي للعقلاء لم يكن فيها دلالة على التغليب بل كانت متناولة للعقلاء خاصة فأتى بلفظة ما ليشمل الكل، ولفظة الدابة مشتقة من الدبيب وهو عبارة عن الحركة الجسمانية، فالدابة اسم يقع على كل حيوان جسماني يتحرك ويدب فيدخل فيه الإنسان، لأنه مما يدب على الأرض, ولهذا أفرد الملائكة في قوله {والملائكة} لأنهم أولو أجنحة يطيرون بها أو أفردهم بالذكر، وإن كانوا من جملة من في السموات لشرفهم. وقيل: أراد ولله يسجد ما في السموات من الملائكة، وما في الأرض من دابة فسجود الملائكة والمسلمين للطاعة، وسجود غيرهم تذليلها وتسخيرها لما خلقت له وسجود ما لا يعقل، وسجود الجمادات يدل على قدرة الصانع سبحانه وتعالى، فيدعو الغافلين إلى السجود لله عند التأميل والتدبر {وهم لا يستكبرون} يعني الملائكة {يخافون ربهم من فوقهم} وكقوله {أية : وهو القاهر فوق عباده} تفسير : [الأَنعام: 18] وقد تقدم تفسيره {ويفعلون ما يؤمرون} عن أبي ذر قال رسول الله عليه وسلم: "حديث : إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا، وملك واضع جبهته ساجداً والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى" تفسير : قال أبو ذر: لوددت أني كنت شجرة تعضد أخرجه الترمذي وقال عن أبي ذر موقوفاً. فصل وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن، فيسن للقارىء والمستمع أن يسجد عند قراءتها وسماعها.
البقاعي
تفسير : ولما بين أنه لا بد من ذلك لسبق الوعد به من القادر، بين حكمته بأمر مبين أنه لا يسوغ تركه بوجه، وهو أنه لا يجوز في عقل عاقل أن أحداً ملكاً فما دونه يأمر عبيده بشيء ثم يهملهم فلا يسألهم ولا سيما إن اختلفوا ولا سيما إن أدى اختلافهم إلى المقاطعة والمقاتلة فكيف إن كان حاكماً فكيف إذا كان حكيماً فكيف وهو أحكم الحاكمين! فقال معلقاً بما دل عليه { بلى}: {ليبين} أي فعله ووعد به فهو يبعثهم ليبين {لهم} أي للناس {الذي يختلفون} أي يوجد اختلافهم {فيه} من البعث وغيره، ويجزي كلاًّ بما عمل لأن ذلك من العدل الذي هو فعله {وليعلم الذين كفروا} أي جهلوا الآيات الدالة عليه، فكأنهم ستروها لأنها لظهورها لا تجهل {أنهم كانوا} أي جبلة وطبعاً {كاذبين *} أي عريقين في الكذب في إنكارهم للمعاد وزعمهم أنهم المختصون بالمفاز علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. ولما بين تحتمه وحكمته، بين إمكانه ويسره عليه وخفته لديه، فقال تعالى: {إنما قولنا} أي بما من العظمة {لشيء} إبداء وإعادة {إذا أردناه} أي أردنا كونه {أن نقول له} ثم ذكر محكى القول النفسي فقال - بانياً من "كان" التامة ما دل على موافقة الأشياء المرادة موافقة المأمور للآمر المطاع -: {كن} أي أحدث {فيكون *} أي فيتسبب عن ذلك القول أنه يكون حين تعلق القدرة به من غير مهلة أصلاً، فنحن خلقنا الخلق لنأمرهم وننهاهم. ولما كان التقدير تفصيلاً لفريقي المبين لهم وترغيباً في الهجرة لأنها بعد الإيمان أوثق عرى الإسلام: فالذين كفروا واغتروا بما شاهدوه من العرض الفاني لنخزينهم في الدنيا والآخرة ولنجازينهم بجميع ما كانوا يعملون، عطف عليه قوله تعالى: {والذين هاجروا} أي أوقعوا المهاجرة فراراً بدينهم فهجروا آباءهم وأبناءهم وأقاربهم من الكفار وديارهم وجميع ما نهوا عنه {في الله} أي الملك الأعلى الذي له صفات الكمال، بعدما "تمادى" المكذبون بالبعث على إيذائهم، فتركوا لهم بلادهم. ولما كانت هجرتهم لم تستغرق زمان البعد لموت بعض من هجروه وإسلام آخرين بعد احتمالهم لظلمهم ما شاء الله، قال تعالى: {من بعد ما ظلموا} أي وقع ظلمهم من الكفار، بناه للمفعول لأن المحذور وقوع الظلم لا كونه من معين {لنبوئنهم} أي نوجد لهم منزلاً هو أهل لأن يرجع إليه، بما لنا من الملائكة وغيرهم من الجنود وجميع العظمة {في الدنيا} مباءة {حسنة} كبيرة عظيمة، جزاء لهم على هدمتنا، بأن نعلي أمرهم وإن كره المشركون، كما يراه من يتدبر بمعني لأوليائي على قلتهم، وسينكشف الأمر عما قريب انكشافاً لا يجهله أحد، فالآية دليل على ما قبلها. ولما كان التقدير: ولنبوئنهم في الآخرة أجراً كبيراً، عطف عليه قوله تعالى: {ولأجر الآخرة} المعد لهم {أكبر} مما جعلته لهم في الدنيا {لو كانوا يعلمون *} أي لو كان الكفار لهم بجبلاتهم علم بأن يكون لهم عقل يتدبرون به لعلموا - بإحساني إلى أوليائي في الدنيا من منعي لهم منهم في عنادهم مع كثرتهم وقلتهم، وإسباغي لنعمي عليهم لا سيما في الأماكن التي هاجروا إليها من الحبشة والمدينة وغيرهما مع اجتهادهم في منعها عنهم - أني أجمع لأوليائي الدارين، وأن إحساني إليهم في الآخرة أعظم - روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء قال: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أكثر وأفضل - ثم تلا هذه الآية.
ابو السعود
تفسير : {لِيُبَيّنَ لَهُمُ} غايةٌ لما دل عليه بلى من البعث، والضمير لمن يموت إذ التبـيـينُ يعم المؤمنين أيضاً فإنهم وإن كانوا عالمين بذلك لأنه عند معاينةِ حقيقةِ الحال يتضح الأمرُ فيصل علمُهم إلى مرتبة عينِ اليقين، أي يبعثهم ليبـينَ لهم بذلك وبما يحصُل لهم من مشاهدة الأحوالِ كما هي ومعاينتِها بصورها الحقيقيةِ الشأن {ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} من الحق المنتظمِ لجميع ما خالفوه مما جاء به الشرعُ المبـين ويدخل فيه البعثُ دخولاً أولياً {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله سبحانه بالإشراك وإنكارِ البعث وتكذيبِ وعده الحق {أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰذِبِينَ} في كل ما يقولون لا سيما في قولهم: لا يبعث الله من يموت، والتعبـيرُ عن الحق بالموصول للدِلالة على فخامته وللإشعار بعلية ما ذكر في حيز الصلةِ للتبـيـين وما عُطف عليه وما جعلهما غاية للبعث المشار إليه باعتبار ورودِه في معرِض الردّ على المخالفين، وإبطال مقالةِ المعاندين المستدعي للتعرض لما يردعهم عن المخالفة ويُلجِئهم إلى الإذعان للحق، فإن الكفرة إذا علِموا أن تحقيقَ البعث إذا كان لتبـيـين أنه حق وليعلموا أنهم كانوا كاذبـين في إنكاره كان ذلك أزجرَ لهم عن إنكاره وأدعى إلى الاعتراف به ضرورة أنه يدل على صدق العزيمةِ على تحقيقه كما تقول لمن ينكر أنك تصلّي: لأصَلينّ رغماً لأنفك وإظهاراً لكذبك، ولأن تكررَ الغايات أدلُّ على وقوع الفعل المُغيّا بها وإلا فالغايةُ الأصلية للبعث باعتباره ذاتَه إنما هو الجزاءُ الذي هو الغايةُ القصوى للخلق المُغيّا بمعرفته عز وجل وعبادته، وإنما لم يُذكر ذلك لتكرر ذكرِه في مواضعَ أُخَرَ وشهرتِه، وإنما لم يُدرَج علمُ الكفار بكذبهم تحت التبـيـين بأن يقال: وإن الذين كفروا كانوا كاذبـين، بل جيء بصيغة العلم لأن ذلك ليس مما تعلق به التبـيـينُ الذي هو عبارةٌ عن إظهار ما كان مُبهماً قبل ذلك بأن يخبرَ به فيُختلفَ فيه، كالبعث الذي نطق به القرآن فاختلف فيه المختلفون، وأما كذِبُ الكافرين فليس من هذا القبـيل فما يتعلق به علمٌ ضروريٌّ حاصل هلم من قِبل أنفسِهم، وقد مر تحقيقُه في سورة التوبة عند قوله تعالى: { أية : حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} تفسير : [التوبة: 43] وإنما خُص الإسنادُ بهم حيث لم يقل: {وليعلموا أن الكافرين} الآية، لأن علمَ المؤمنين بذلك حاصل قبل ذلك أيضاً. {إِنَّمَا قَوْلُنَا} استئناف لبـيان كيفية التكوينِ على الإطلاق إبداءً وإعادةً بعد التنبـيهِ على آنية البعثِ، ومنه يظهر كيفيتُه، فما كافةٌ وقولُنا مبتدأ وقوله: {لِشَىْء} أي أيِّ شيءٍ كان مما عز وهان متعلقٌ به، على أن اللامَ للتبليغ كهي في قولك: قلت له قم فقام، وجعلها الزجاجُ سببـيةً أي لأجل شيءٍ وليس بواضح، والتعبـيرُ عنه بذلك باعتبار وجودِه عند تعلق مشيئتِه تعالى به لا أنه كان شيئاً قبل ذلك {إِذَا أَرَدْنَاهُ} ظرفٌ لقولنا أي وقت إرادتِنا لوجوده {أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ} خبر للمبتدأ {فَيَكُونُ} إما عطفٌ على مقدر يُفصِحُ عنه الفاء وينسحب عليه الكلام، أي فنقول ذلك فيكون كقوله تعالى: { أية : فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ} تفسير : [غافر، الآية 68] وإما جوابٌ لشرط محذوف أي فإذا قلنا ذلك فهو يكون، وليس هناك قولٌ ولا مقولٌ له ولا أمرٌ ولا مأمورٌ حتى يقال إنه يلزم منه أحدُ المُحالين إما خطابُ المعدومِ أو تحصيلُ الحاصل، أو يقال إنما يستدعيه انحصار قوله تعالى: {كُنْ} وليس يلزم منه انحصارُ أسباب التكوين فيه كما يفيده قوله تعالى: { أية : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] ـ فإن المرادَ بالأمر هو الشأنُ الشاملُ للقول والفعل ومن ضرورة انحصارِه في كلمة كن انحصارُ أسبابه على الإطلاق فيه ـ بل إنما هو تمثيلٌ لسهولة تأتّي المقدورات حسب تعلقِ مشيئتِه تعالى بها وتصويرٌ لسرعة حدوثِها بما هو عَلَمٌ في ذلك من طاعة المأمورِ المطيعِ لأمر الآمر المُطاع، فالمعنى إنما إيجادُنا لشيء عند تعليق مشيئتِنا به أن نوجدَه في أسرع ما يكون، ولمّا عنه بالأمر الذي هو قولٌ مخصوصٌ وجب أن يُعبّر عن مطلق الإيجادِ بالقول المطلقِ فتأمل، وفي الآية الكريمة من الفخامة والجزالةِ ما يحار فيه العقولُ والألباب، وقرىء بنصب يكون عطفاً على نقول أو تشبـيهاً له بجواب الأمر.
اسماعيل حقي
تفسير : {ليبين لهم} عبارة عن اظهار ما كان مبهما قبل ذلك اى يبعث الله كل من يموت مؤمنا كان او كافرا ليبن لهم الشان {الذى يختلفون} مع المؤمنين {فيه} من الحق المنتظم للبعث والجزاء وجميع ما خالفوه مما جاء به الشرع المبين والمؤمنون وان كانوا عالمين بذلك عند معاينة حقيقة الحال يتضح الامر فيصل علمهم الى مرتبة عين اليقين لانه يحصل لهم مشاهدة الاحوال كما هى ومعاينتها بصورها الحقيقية {وليعلم الذين كفروا} بالله تعالى بالاشراك وانكار البعث وتكيب وعده الحق عندما خرجوا من قبورهم {انهم كانوا كاذبين} فى قولهم لا يبعث الله من يموت ونحوه وهو اشارة الى السبب الداعى الى البعث المتقضى له من حيث الحكمة وهو التمييز بين الحق والباطل والمحق والمطبل بالثواب والعقاب.
الجنابذي
تفسير : { لِيُبَيِّنَ لَهُمُ} متعلّق بيبعث المقدّر بعد بلى {ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله او الآخرة او بالولاية {أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ} فى انكار البعث والجزاء والعقاب او فى ادّعاء الخلافة والاستبداد.
اطفيش
تفسير : {لِيُبَيِّنَ} الله متعلق بيبعث الذى ناب عنه بلى وقيل ببلى لنيابتها عنه ولو كانت حرفا وقال به أبو على وأبو الفتح ويجوز تعليقه بمحذوف أى يبعثهم ليبين {لَهُمُ} أى لمن يموت وهو عام للمؤمنين والكافرين ويجوز تعليقه ببعث فى قوله ولقد بعثنا أى ولقد بعثنا فى كل أُمة رسولا ليبين لهم أى لأُمته {الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} وهو الحق كالتوحيد والبعث وليس الاختلاف فيما بينهم بل مع المؤمنين فكأَنه قيل يختلفون فيه مع المؤمنين والمراد ليبين لهم بالإِنزال ماذا أنزل اختلفوا فيه معهم بأَن يكفروا به ويؤمن به من قدر الله الرحمن الرحيم إِيمانه أو ليبين لهم ما اختلفوا فيه مع المؤمنين الماضين قبلهم أى ما خالفوهم فيه أو ليبين لهم ما يختلفون فيه مع المؤمنين من سائر الأُمور الدنيوية والدينية التى قالوها فهما من كلام كتابهم بلا نص فيه أو من كلام رسولهم وأنكره عليهم المشركون {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} وقولهم لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شىء لأَنهم يقولونه على معنى أنهم مجبرون أو على معنى أن تلك العبادة حسنة وإلا لصرفنا الله عنها وفى قولهم لا بعث وفى غير ذلك من زعماتهم وذلك الذى اختلفوا فيه هو الداعى إِلى بعثه الرسل كما قال وإلى بعث الموتى لبيان الحق والباطل وللجزاء ثم بين الله جل جلاله أن البعث وكلما أراد أمر هين بقوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ}.
اطفيش
تفسير : {لِيُبيِّن} متعلق ببعثنا عند بعض وهو ضعيف أو متعلق ببلى، ولو كان صرفا لأنه بمعنى يبعث وما بينهما معترض فلا حاجة إلى تقدير يبعثهم ليبين، ولا إلى تقدير يبعثهم بعد بلى، وهذا وهم من النحاة وغيرهم فإن بلى هو نفس الجملة معنى فلا تقدر بعدها حتى أنها لو ذكرت كانت تأْكيدا لبلى وكأَنه قيل لا يبعث الله من يموت بلى ليبين {لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُون فِيهِ وَلِيعْلَم الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} وإنما قدر من قدر يبعثهم ليبين لأنه يبعد ذكر قوله: وعدا عليه إلخ إلى ما بعد كاذبين مع رجوعه إلى بلى، ولكن هذا البعد غير موجود إلا تقديرا فلم يمنع مما قلت من تعليقه ببلى والذى يختلفون فيه هو البعث، ومعنى يختلفون فيه يخالفون فيه المؤمنين به، أَو الافتعال على بابه فيقدر يختلفون فيه مع المؤمنين، أو اختلفوا فيما بينهم بعض يقول: لا يكون جزما، وبعض يقول ممكن جائز مرجحين عدم وقوعه على أن الضمير فى لهم ويختلفون للناس الكفار عموما، من يجزم بنفيه كما فى قوله: وأقسموا بالله إلخ، ومن يظن كما فى قوله: "أية : إن نظن إلا ظنا"تفسير : [الجاثية: 32] الأولين والآخرين، وقيل المراد بالناس: أهل مكة فيكون الضميران لهم خاصة، ومعنى وليعلم إلخ، ليعلموا الحق من الباطل وأن الحق هو ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم من أُمور الدين كله البعث وغيره، وزعم بعض أن الهاءَ فى لهم لمن يموت الشامل للمؤمنين والكافرين فيكون التبيين للمؤمنين تبيين معاينة حقيقة الحال وعين اليقين، ولو حصل لهم العلم بذلك قبل البعث ويجوز أن يراد بما اختلفوا فيه الحق مطلقا، وبقوله: كاذبين كذبهم فى إنكار البعث، وعلىكل حال البعث مقتضى الحكمة لأن به تمييز المحق من المبطل، وجزاءَ كل بما يستحقه فالبعث من توابع التكليف.
الالوسي
تفسير : {لِيُبَيّنَ لَهُمُ} متعلق بما دل عليه {بَلَىٰ} [النحل: 38] وهو يبعثهم، والضمير لـِ{أية : مَن يَمُوتُ } تفسير : [النحل: 38] الشامل للمؤمنين والكافرين إذ التبيين يكون للمؤمنين أيضاً فإنهم وإن كانوا عالمين بذلك لكنه عند معاينة حقيقة الحال يتضح الأمر فيصل علمهم إلى مرتبة عين اليقين أي يبعثهم ليبين لهم بذلك وبما يحصل لهم بمشاهدة الأحوال كما هي ومعاينتها بصورها الحقيقية الشأن {ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} من الحق الشامل لجميع ما خالفوه مما جاء به الرسل المبعوثون فيهم ويدخل فيه البعث دخولاً أولياً والتعبير عن ذلك بالموصول للدلالة على فخامته وللإشعار بعلية ما ذكر في حيز الصلة للتبيين، وتقدير الجار والمجرور لرعاية رؤس الآي. {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله تعالى بالإشراك وإنكار البعث الجسماني وتكذيب الرسل عليهم السلام {أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰذِبِينَ} في كل ما يقولونه ويدخل فيه قولهم: {أية : لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ } تفسير : [النحل: 38] دخولاً أولياً. ونقل في «البحر» القول بتعلق {لِيُبَيّنَ } الخ بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً } تفسير : [النحل: 36] أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا فيه وأنهم كانوا على الضلالة قبل بعثه مفترين على الله سبحانه الكذب ولا يخفى بعد ذلك وتبادر ما تقدم، وجعل التبيين والعلم المذكورين غاية للبعث كما في "إرشاد العقل السليم" باعتبار وروده في معرض الرد على المخالفين وإبطال مقالة المعاندين المستدعي للتعرض لما يردعهم عن المخالفة ويأخذ بهم الإذعان للحق فإن الكفرة إذا علموا أن تحقق البعث إذا كان لتبيين أنه حق وليعلموا أنهم كاذبون في إنكاره كان أزجر لهم عن إنكاره/ وأدعى إلى الاعتراف به ضرورة أنه يدل على صدق العزيمة على تحقيقه كما تقول لمن ينكر أنك تصلي لأصلين رغماً لأنفك وإظهاراً لكذبك، ولأن تكرر الغايات أدل على وقوع [الفعل] المغيا بها وإلا فالغاية الأصلية للبعث باعتبار ذاته إنما هو الجزاء الذي هو الغاية القصوى للخلق المغيا بمعرفته عز وجل وعبادته، وإنما لم يذكر ذلك لتكرر ذكره في مواضع [أخر] وشهرته، وفيه أنه إنما لم يدرج علم الكفار بكذبهم تحت التبيين بأن يقال مثلاً: وإن الذين كفروا كانوا كاذبين بل جيء بصيغة العلم لأن ذلك ليس مما يتعلق به التبيين الذي هو عبارة عن إظهار ما كان مبهماً قبل ذلك بأن يخبر به فيختلف فيه كالبعث الذي نطق به القرآن فاختلف فيه المختلفون، وأما كذب الكافرين فليس من هذا القبيل، ويستفاد من تحقيقه في نظير ما هنا أنه لما كان مدلول الخبر هو الصدق والكذب احتمال عقلي وكان معنى تبيين الصدق إظهار ذلك المدلول وقطع احتمال نقيضه بعد ما كان محتملاً له احتمالاً عقلياً ناسب أن يعلق التبيين بالذي فيه يختلفون من الحق، وليس بين الصدق والحق كثير فرق، ولما كان الكذب أمراً حادثاً لا دلالة الخبر عليه حتى يتعلق به التبيين والإظهار بل هو نقيض مدلوله فما يتعلق به يكون علماً مستأنفاً ناسب أن يعلق العلم بأنهم كانوا كاذبين فليتدبر. قيل: ولكون العلم بما ذكر من روادف ذلك التبيين قيل: {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } دون وليجعل الذين كفروا عالمين، وخص الإسناد بهم حيث لم يقل وليعلموا أن الذين كفروا كانوا كاذبين تنبيهاً على أن الأهم علمهم، وقيل: لم يقل ذلك لأن علم المؤمنين بما ذكر حاصل قبل ذلك أيضاً. وتعقب بأن حصول مرتبة من مراتب العلم لا يأبى حصول مرتبة أعلا منها فلم لم يقل ذلك إيذاناً بحصول هذه المرتبة من العلم لهم حينئذ، ولعل فيه غفلة عن مراد القائل. وجوز أن يراد من علم الكفرة بأنهم كانوا كاذبين تعذيبهم على كذبهم فكأنه قيل: ليظهر للمؤمنين والكافرين الحق وليعذب الكافرون على كذبهم فيما كانوا يقولونه من أنه تعالى لا يبعث من يموت ونحوه، وهذا كما يقال للجاني: غداً تعلم جنايتك، وحينئذ وجه تخصيص الإسناد بهم ظاهر، وهو كما ترى. وزعم بعض الشيعة أن الآية في علي كرم الله تعالى وجهه والأئمة من بنيه رضي الله تعالى عنهم وأنها من أدلة الرجعة التي قال بها أكثرهم، وهو زعم باطل، والقول بالرجعة محض سخافة لا يكاد يقول بها من يؤمن بالبعث، وقد بين ذلك على أتم وجه في "التحفة الاثني عشرية"، ولعل النوبة تفضي إن شاء الله تعالى إلى بيانه، وما أخرجه ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: إن قوله تعالى: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ}تفسير : الآية [النحل: 38] نزلت في غير مسلم الصحة، وعلى فرض التسليم لا دليل فيه على ما يزعمونه من الرجعة بأن يقال: إنه رضي الله تعالى عنه أراد أنها نزلت بسببـي، ويكون رضي الله تعالى عنه هو الرجل الذي تقاضى ديناً له على رجل من المشركين فقال ما قال كما مر عن ابن الجوزي وأبـي العالية، وأخرجه عن أبـي العالية عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم واستنبط الشيخ بهاء الدين من الآية دليلاً على أن الكذب مخالفة الواقع ولا عبرة بالاعتقاد، وهو ظاهر فافهم.
ابن عاشور
تفسير : {ليبين} تعليل لقوله تعالى: {أية : وعداً عليه حقاً} تفسير : [سورة النحل: 38] لقصد بيان حكمة جعله وعداً لازماً لا يتخلّف، لأنه منوط بحكمة، والله تعالى حكيم لا تجري أفعاله على خلاف الحكمة التامّة، أي جعل البعث ليبيّن للناس الشيء الذي يختلفون فيه من الحقّ والباطل فيظهر حقّ المحقّ ويظهر باطل المبطل في العقائد ونحوها من أصول الدّين وما ألحق بها. وشمل قوله: {يختلفون} كل معاني المحاسبة على الحقوق لأن تمييز الحقوق من المظالم كلّه محل اختلاف الناس وتنازعهم. وعطف على هذه الحكمة العامّة حكمةٌ فرعيّة خاصّة بالمردود عليهم هنا، وهي حصول العلم للّذين كفروا بأنهم كانوا كاذبين فيما اخترعوه من الشرك وتحريم الأشياء وإنكار البعث. وفي حصول علمهم بذلك يوم البعث مثارٌ للندامة والتحسّر على ما فرط منهم من إنكاره. وقد تقدّم بيان حكمة الجزاء في يوم البعث في أول سورة يونس. و{كانوا كاذبين} أقوى في الوصف بالكذب من (كذَبوا أو كاذبون)، لما تدلّ عليه (كان) من الوجود زيادة على ما يقتضيه اسم الفاعل من الاتّصاف، فكأنه قيل: وُجد كذبهم ووصفوا به. وكذبهم يستلزم أنهم معذّبون عقوبة على كذبهم. ففيه شتم صريح تعريض بالعقاب.
د. أسعد حومد
تفسير : {كَاذِبِينَ} (39) - وَيَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى حِكْمَتَهُ فِي المَعَادِ وَالحَشْرِ، فَيَقُولُ: إِنَّ حِكْمَتَهُ اقَتْضَتْ ذَلِكَ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ فِي أَيْمَانِهِمْ، وَفِي حَلْفِهِمْ عَلَى أَنَّ اللهَ لاَ يَبْعَثُ مَنْ يَمُوتُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فمعنى قوله تعالى: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ..} [النحل: 39]. أي: من أمر البعث؛ لأن القضية لا تستقيم بدون البعث والجزاء؛ ولذلك كنت في جدالي للشيوعيين أقول لهم: لقد أدركتم رأسماليين شرسين ومفترين، شربوا دم الناس وعملوا كذا وكذا .. فماذا فعلتُم بهم؟ يقولون: فعلنا بهم كيت وكيت، فقلت: ومن قبل وجود الشيوعية سنة 1917، ألم يكن هناك ظلمة مثل هؤلاء؟ قالوا: بلى. قلت: إذن من مصلحتكم أن يوجد بعث وحساب وعقاب لا يفلت منه هؤلاء الذين سبقوكم، ولم تستطيعوا تعذيبهم. ثم يأتي فَصْل الخطاب في قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ} [النحل: 39]. أي: كاذبين في قولهم: {أية : لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ..} تفسير : [النحل: 38]. وذلك علم يقين ومعاينة، ولكن بعد فوات الأوان، فالوقت وقت حساب وجزاء لا ينفع فيه الاعتراف ولا يُجدي التصديق، فالآن يعترفون بأنهم كانوا كاذبين في قَسَمهم: لا يبعث الله مَنْ يموت وبالغوا في الأَيْمان وأكَّدوها؛ ولذلك يقول تعالى عنهم في آية أخرى: {أية : وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الواقعة: 46]. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):