Verse. 1942 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَالَّذِيْنَ ہَاجَرُوْا فِي اللہِ مِنْۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوْا لَنُبَوِّئَنَّہُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَـنَۃً۝۰ۭ وَلَاَجْرُ الْاٰخِرَۃِ اَكْبَرُ۝۰ۘ لَوْ كَانُوْا يَعْلَمُوْنَ۝۴۱ۙ
Waallatheena hajaroo fee Allahi min baAAdi ma thulimoo lanubawwiannahum fee alddunya hasanatan walaajru alakhirati akbaru law kanoo yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين هاجروا في الله» لإقامة دينه «من بعدما ظلموا» بالأذى من أهل مكة وهم النبي وأصحابه «لنبوِّئَنهم» ننزلهم «في الدنيا» داراً «حسنة» هي المدينة «ولأجر الآخرة» أي الجنة «أكبر» أعظم «لو كانوا يعلمون» أي الكفار أو المتخلفون عن الهجرة ما للمهاجرين من الكرامة لوافقوهم.

41

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم على إنكار البعث والقيامة دل ذلك على أنهم تمادوا في الغي، والجهل، والضلال، وفي مثل هذه الحالة لا يبعد إقدامهم على إيذاء المسلمين وضرهم، وإنزال العقوبات بهم، وحينئذ يلزم على المؤمنين أن يهاجروا عن تلك الديار والمساكن، فذكر تعالى في هذه الآية حكم تلك الهجرة وبين ما لهؤلاء المهاجرين من الحسنات في الدنيا، والأجر في الآخرة من حيث هاجروا وصبروا وتوكلوا على الله، وذلك ترغيب لغيرهم في طاعة الله تعالى. قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في ستة من الصحابة صهيب وبلال وعمار وخباب وعابس وجبير موليين لقريش فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام، أما صهيب فقال لهم: أنا رجل كبير إن كنت لكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله فلما رآه أبو بكر قال: ربح البيع يا صهيب، وقال عمر: نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، وهو ثناء عظيم يريد لو لم يخلق الله النار لأطاعه فكيف ظنك به وقد خلقها؟ وأما سائرهم فقد قالوا بعض ما أراد أهل مكة من كلمة الكفر والرجوع عن الإسلام فتركوا عذابهم، ثم هاجروا فنزلت هذه الآية، وبين الله تعالى بهذه الآية عظم محل الهجرة، ومحل المهاجرين فالوجه فيه ظاهر، لأن بسبب هجرتهم ظهرت قوة الإسلام، كما أن بنصرة الأنصار قويت شوكتهم، ودل تعالى بقوله: {وَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ فِى ٱللَّهِ } أن الهجرة إذا لم تكن لله لم يكن لها موقع، وكانت بمنزلة الانتقال من بلد إلى بلد، وقوله: {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } معناه أنهم كانوا مظلومين في أيدي الكفار، لأنهم كانوا يعذبونهم. ثم قال: {لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَة } وفيه وجوه: الأول: أن قوله: {حَسَنَةٌ } صفة للمصدر من قوله: {لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا } والتقدير: لنبوئنهم تبوئة حسنة، وفي قراءة علي عليه السلام: (لنبوئنهم إبواءة حسنة). الثاني: لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، وعلى العرب قاطبة، وعلى أهل المشرق والمغرب، وعن عمر أنه كان إذا أعطى رجلاً من المهاجرين عطاء قال: خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ذخر لك في الآخرة أكبر. والقول الثالث: لنبوئنهم مباءة حسنة وهي المدينة حيث آواهم أهلها ونصروهم، وهذا قول الحسن والشعبي وقتادة، والتقدير: لنبوئنهم في الدنيا داراً حسنة أو بلدة حسنة يعني المدينة. ثم قال تعالى: {وَلأَجْرُ ٱلأَخِرَةِ أَكْبَرُ } وأعظم وأشرف؛ {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } والضمير إلى من يعود؟ فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى الكفار، أي لو علموا أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المستضعفين في أيديهم الدنيا والآخرة لرغبوا في دينهم. والثاني: أنه راجع إلى المهاجرين، أي لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم. ثم قال: {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } وفي محل: {ٱلَّذِينَ } وجوه: الأول: أنه بدل من قوله: {وَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ } والثاني: أن يكون التقدير: هم الذين صبروا. والثالث: أن يكون التقدير: أعني الذين صبروا وكلا الوجهين مدح، والمعنى: أنهم صبروا على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة وبذل الأموال والأنفس في سبيل الله، وبالجملة فقد ذكر فيه الصبر والتوكل. أما الصبر فللسعي في قهر النفس، وأما التوكل فللانقطاع بالكلية من الخلق والتوجه بالكلية إلى الحق، فالأول: هو مبدأ السلوك إلى الله تعالى. والثاني: آخر هذا الطريق ونهايته، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} قد تقدّم في «النِّساء» معنى الهجرة، وهي ترك الأوطان والأهل والقرابة في الله أو في دين الله، وترك السيئات. وقيل: «في» بمعنى اللام، أي لله. {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} أي عُذّبوا في الله. نزلت في صُهَيب وبلال وخبّاب وعمّار، عذبهم أهل مكة حتى قالوا لهم ما أرادوا، فلما خلّوهم هاجروا إلى المدينة؛ قاله الكَلْبِيّ. وقيل: نزلت في أبي جَنْدل بن سهيل. وقال قتادة: المراد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة؛ ثم بوّأهم الله تعالى دار الهجرة وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين. والآية تعم الجميع. {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} في الحسنة ستة أقوال: الأوّل ـ نزول المدينة؛ قاله ابن عباس والحسن والشَّعْبِيّ وقَتادة. الثاني ـ الرزق الحسن؛ قاله مجاهد. الثالث ـ النصر على عدوّهم؛ قاله الضحاك. الرابع ـ إنه لسان صدق؛ حكاه ابن جُريج. الخامس ـ ما استولوا عليه من فتوح البلاد وصار لهم فيها من الولايات. السادس ـ ما بقي لهم في الدنيا من الثناء، وما صار فيها لأولادهم من الشرف. وكل ذلك اجتمع لهم بفضل الله، والحمد لله. {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ} أي ولأجر دار الآخرة أكبر، أي أكبر من أن يعلمه أحد قبل أن يشاهده؛ {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً}.تفسير : [الإنسان: 20] {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي لو كان هؤلاء الظالمون يعلمون ذلك. وقيل: هو راجع إلى المؤمنين. أي لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا أنه أكبر من حسنة الدنيا. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا دفع إلى المهاجرين العطاء قال: هذا ما وعدكم الله في الدنيا وما ادّخر لكم في الآخرة أكثر؛ ثم تلا عليهم هذه الآية.

البيضاوي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } هم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرون ظلمهم قريش فهاجر بعضهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة وبعضهم إلى المدينة، أو المحبوسون المعذبون بمكة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بلال وصهيب وخباب وعمار وعابس وأبو جندل وسهيل رضي الله تعالى عنهم، وقوله. {فِي ٱللَّهِ } أي في حقه ولوجهه. {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًً} مباءة حسنة وهي المدينة أو تبوئة حسنة. {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ } مما يعجل لهم في الدنيا. وعن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه كان إذا أعطى رجلاً من المهاجرين عطاء قال له خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أفضل. {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } الضمير للكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم، أو للمهاجرين أي لو علموا ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان رجاء ثواب الله وجزائه، ويحتمل أن يكون سبب نزولها في مهاجرة الحبشة؛ الذين اشتد أذى قومهم لهم بمكة حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة ليتمكنوا من عبادة ربهم، ومن أشرافهم عثمان بن عفان، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول، وأبو سلمة بن عبد الأسود في جماعة قريب من ثمانين ما بين رجل وامرأة، صديق وصديقة، رضي الله عنهم وأرضاهم، وقد فعل، فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَة} قال ابن عباس والشعبي وقتادة: المدينة، وقيل: الرزق الطيب، قاله مجاهد، ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم، فعوضهم الله خيراً منها في الدنيا، فإن من ترك شيئاً لله، عوضه الله بما هو خير له منه، وكذلك وقع، فإنهم مكن الله لهم في البلاد، وحكمهم على رقاب العباد، وصاروا أمراء حكاماً، وكل منهم للمتقين إماماً، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: {وَلأَجْرُ ٱلأَخِرَةِ أَكْبَرُ} أي: مما أعطيناهم في الدنيا {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي: لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر الله لمن أطاعه واتبع رسوله، ولهذا قال هشيم عن العوام عمن حدثه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: خذ، بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم قرأ هذه الآية: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَة وَلأَجْرُ ٱلأَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}. ثم وصفهم تعالى فقال: { ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي: صبروا على الأذى من قومهم، متوكلين على الله الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ هَٰجَرُواْ فِى ٱللَّهِ } لإِقامة دينه {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } بالأذى من أهل مكة وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه {لَنُبَوّئَنَّهُمْ } ننزلهم {فِى ٱلدُّنْيَا } داراً {حَسَنَةً } هي المدينة {وَلاَجْرُ ٱلاْخِرَةِ } أي الجنة {أَكْبَرُ } أعظم {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أي الكفار أو المتخلفون عن الهجرة ما للمهاجرين من الكرامة لوافقوهم.

الشوكاني

تفسير : قد تقدّم تحقيق معنى الهجرة في سورة النساء، وهي ترك الأهل والأوطان، ومعنى {هَـٰجَرُواْ فِى ٱللَّهِ } في شأن الله سبحانه وفي رضاه. وقيل: {فِى ٱللَّهِ} في دين الله. وقيل: في بمعنى اللام أي: لله {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } أي: عذبوا وأهينوا، فإن أهل مكة عذبوا جماعة من المسلمين حتى قالوا ما أرادوا منهم، فلما تركوهم هاجروا. وقد اختلف في سبب نزول الآية، فقيل: نزلت في صهيب وبلال وخباب وعمار. واعترض بأن السورة مكية، وذلك يخالف قوله: {وَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ }. وأجيب بأنه يمكن أن تكون هذه الآية من جملة الآيات المدنية في هذه السورة كما قدّمنا في عنوانها، وقيل: نزلت في أبي جندل بن سهيل، وقيل: نزلت في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لما ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة. {لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَة } اختلف في معنى هذا على أقوال. فقيل: المراد: نزولهم المدينة، قاله ابن عباس، والحسن، والشعبي، وقتادة. وقيل: المراد: الرزق الحسن، قاله مجاهد. وقيل: النصر على عدّوهم قاله الضحاك. وقيل: ما استولوا عليه من فتوح البلاد، وصار لهم فيها من الولايات. وقيل: ما بقي لهم فيها من الثناء، وصار لأولادهم من الشرف. ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور. ومعنى {لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَة } لنبوئنهم مباءة حسنة، أو تبوئة حسنة، فحسنة صفة مصدر محذوف {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ } أي: جزاء أعمالهم في الآخرة {أَكْبَرَ} من أن يعلمه أحد من خلق الله قبل أن يشاهده، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً }تفسير : [الإنسان: 20]. {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أي: لو كان هؤلاء الظلمة يعلمون ذلك. وقيل: إن الضمير في {يعلمون} راجع إلى المؤمنين، أي: لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا أنه أكبر من حسنة الدنيا. {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } الموصول في محل نصب على المدح، أو الرفع على تقدير مبتدأ، أو هو بدل من الموصول الأوّل، أو من الضمير في {لنبؤئنهم}، {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } أي: على ربهم خاصة يتوكلون في جميع أمورهم معرضين عما سواه، والجملة معطوفة على الصلة أو في محل نصب على الحال. {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ }. قرأ حفص عن عاصم {نوحي} بالنون، وقرأ الباقون "يوحي" بالياء التحتية، وهذه الآية ردّ على قريش حيث زعموا أن الله سبحانه أجلّ من أن يرسل رسولاً من البشر، فردّ الله عليهم بأن هذه عادته وسنّته أن لا يرسل إلاّ رجالاً من البشر يوحي إليهم. وزعم أبو عليّ الجبائي أن معنى الآية أن الله سبحانه لم يرسل إلى الأنبياء بوحيه إلاّ من هو على صورة الرجال من الملائكة. ويردّ عليه بأن جبريل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على صور مختلفة. ولما كان كفار مكة مقرّين بأن اليهود والنصارى هم أهل لعلم بما أنزل الله في التوراة والإنجيل، صرف الخطاب إليهم، وأمرهم أن يرجعوا إلى أهل الكتاب، فقال: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } أي: فاسألوا أيها المشركون مؤمن أهل الكتاب إن كنتم لا تعلمون، فإنهم سيخبرونكم أن جميع الأنبياء كانوا بشراً، أو اسألوا أهل الكتاب من غير تقييد بمؤمنيهم كما يفيده الظاهر، فإنهم كانوا يعترفون بذلك ولا يكتمونه. وقيل: المعنى: فاسألوا أهل القرآن. و{بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ} يتعلق بـ {أرسلنا}، فيكون داخلاً في حكم الاستثناء مع {رجالاً}، وأنكر الفراء ذلك، وقال: إن صفة ما قبل "إلاّ" لا تتأخر إلا ما بعدها، لأن المستثنى عنه هو مجموع ما قبل: "إلاّ" مع صلته، كما لو قيل [ما] أرسلنا إلاّ رجالاً بالبينات، فلما لم يصر هذا المجموع مذكوراً بتمامه، امتنع إدخال الاستثناء عليه. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلاّ رجالاً. وقيل: يتعلق بمحذوف دلّ عليه المذكور، أي: أرسلناهم بالبينات والزبر، ويكون جواباً عن سؤال مقدّر كأنه قيل: لماذا أرسلهم؟ فقال: أرسلناهم بالبينات والزبر. وقيل: متعلق بـ {تعلمون} على أنه مفعوله. والباء زائدة، أي: إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر؛ وقيل: متعلق بـ {رجالاً} أي: رجالاً متلبسين بالبينات والزبر. وقيل: بـ {نوحى} أي: نوحي إليهم بالبينات والزبر. وقيل: منصوب بتقدير أعني، والباء زائدة، وأهل الذكر هم أهل الكتاب كما تقدّم. وقال الزجاج: اسألوا كل من يذكر بعلم، والبينات: الحجج والبراهين، والزبر: الكتب. وقد تقدّم الكلام على هذا في "آل عمران" {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذّكْرَ } أي القرآن. ثم بين الغاية المطلوبة من الإنزال، فقال: {لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ } جميعاً {مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } في هذا الذكر من الأحكام الشرعية، والوعد والوعيد {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } أي: إرادة أن يتأملوا ويعملوا أفكارهم فيتعظوا. {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيّئَاتِ } يحتمل أن تكون {السيئات} صفة مصدر محذوف أي: مكروا المكرات السيئات، وأن تكون مفعولة للفعل المذكور على تضمينه معنى العمل، أي: عملوا السيئات، أو صفة لمفعول مقدّر، أي: أفأمن الماكرون العقوبات السيئات. أو على حذف حرف الجرّ، أي: مكروا بالسيئات {أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ } هو مفعول "أمن"، أو بدل من مفعوله على القول بأن مفعوله محذوف، وأن السيئات صفة للمحذوف، والاستفهام للتقريع والتوبيخ. ومكر السيئات وسعيهم في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيذاء أصحابه على وجه الخفية، واحتيالهم في إبطال الإسلام، وكيد أهله {أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ } كما خسف بقارون. يقال: خسف المكان يخسف خسوفاً، ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض خسوفاً أي: غاب به فيها، ومنه قوله: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ } تفسير : [القصص: 81] وخسف هو في الأرض، وخسف به {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } به في حال غفلتهم عنه كما فعل بقوم لوط وغيرهم. وقيل: يريد يوم بدر، فإنهم أهلكوا ذلك اليوم، ولم يكن في حسبانهم. {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ }. ذكر المفسرون فيه وجوهاً، فقيل: المراد: في أسفارهم ومتاجرهم، فإنه سبحانه قادر على أن يهلكهم في السفر كما يهلكهم في الحضر، وهم لا يفوتونه بسبب ضربهم في الأرض، وبعدهم عن الأوطان. وقيل: المراد: في حال تقلبهم في قضاء أوطارهم بوجود الحيل. فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم. وقيل: في حال تقلبهم في الليل على فرشهم. وقيل: في حال إقبالهم وإدبارهم، وذهابهم ومجيئهم بالليل والنهار. والقلب بالمعنى الأوّل مأخوذ من قوله: {أية : لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ } تفسير : [آل عمران: 196]. وبالمعنى الثاني مأخوذ من قوله: {أية : وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأَمُورَ } تفسير : [التوبة: 48]. {فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ } أي: بفائتين ولا ممتنعين. {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ } أي: حال تخوّف وتوقع للبلايا بأن يكونوا متوقعين للعذاب، حذرين منه غير غافلين عنه، فهو خلاف ما تقدم من قوله: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ }، وقيل: معنى {عَلَىٰ تَخَوُّفٍ } على تنقص. قال ابن الأعرابي: أي على تنقص من الأموال والأنفس والثمرات حتى أهلكهم. قال الواحدي: قال عامة المفسرين: {على تخوّف} قال: تنقص، إما بقتل أو بموت، يعني: بنقص من أطرافهم ونواحيهم يأخذهم الأول فالأوّل حتى يأتي الأخذ على جميعهم. قال: والتخوّف: التنقص، يقال: هو يتخوف المال، أي: يتنقصه، ويأخذ من أطرافه، انتهى. يقال: تخوّفه الدهر وتخونه بالفاء والنون: تنقصه، قال ذو الرّمة:شعر : لا بل هو الشوق من دار تخوّفها مرا سحاب ومرا بارح ترب تفسير : وقال لبيد:شعر : تخوّفها نزولي وارتحالي تفسير : أي: تنقص لحمها وشحمها قال الهيثم بن عديّ: التخوّف بالفاء: التنقص. لغة لأزد شنودة. وأنشد:شعر : تخوف عدوهم مالي وأهدي سلاسل في الحلوق لها صليل تفسير : وقيل: {على تخوّف} على عجل، قاله الليث بن سعد، وقيل: على تقريع بما قدّموه من ذنوبهم، روي ذلك عن ابن عباس، وقيل: {على تخوّف} أن يعاقب ويتجاوز، قاله قتادة: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ} لا يعاجل، بل يمهل رأفة بكم ورحمة لكم مع استحقاقهم للعقوبة. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْء } لما خوّف سبحانه الماكرين بما خوّف، أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي ومكانهما، والاستفهام في {أَوَلَمْ يَرَوْاْ } للإنكار، و"ما" مبهمة مفسرة بقوله: {من شيء}، قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويحيـى بن وثاب، والأعمش "تروا" بالمثناة الفوقية، على أنه خطاب لجميع الناس، وقرأ الباقون بالتحتية بإرجاع الضمير إلى {الذين مكروا السيئات}، وقرأ أبو عمرو ويعقوب (تتفيؤا ظلاله) بالمثناة الفوقية. وقرأ الباقون بالتحتية، واختارها أبو عبيد، أي يميل من جانب إلى جانب، ويكون أوّل النهار على حال ويتقلص، ثم يعود في آخر النهار على حالة أخرى. قال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار، فالتفيؤ لا يكون إلاّ بالعشيّ، وما انصرف عنه الشمس والقمر، والذي يكون بالغداة هو الظلّ. وقال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظلّ. ومعنى {مِن شَىْء } من شيء له ظلّ، وهي الأجسام، فهو عام أريد به الخاص. و{ظلاله} جمع ظلّ، وهو مضاف إلى مفرد لأنه واحد يراد به الكثرة. {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ } أي: عن جهة أيمانها وشمائلها، أي: عن جانبي كل واحد منها. قال الفراء: وحد اليمين؛ لأنه أراد واحداً من ذوات الأظلال، وجمع الشمائل؛ لأنه أراد كلها، لأن ما خلق الله لفظه مفرد ومعناه جمع. وقال الواحدي: وحد اليمين والمراد به الجميع إيجازاً في اللفظ كقوله: {أية : وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } تفسير : [القمر: 45]، ودلت الشمائل على أن المراد به الجمع. وقيل: إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع، عبرت عن أحدهما بلفظ الواحد كقوله: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } تفسير : [الأنعام: 1]، و {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ } تفسير : [البقرة: 7]، وقيل: المراد باليمين: النقطة التي هي مشرق الشمس، وأنها واحدة. والشمائل: عبارة عن الانحراف في فلك الإظلال بعد وقوعها على الأرض، وهي كثيرة. وإنما عبر عن المشرق باليمين؛ لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه، ومنه تظهر الحركة القوية. {سُجَّدًا لِلَّهِ } منتصب على الحال، أي: حال كون الظلال سجداً لله. قال الزجاج: يعني: أن هذه الأشياء مجبولة على الطاعة، وقال أيضاً: سجود الجسم: انقياده وما يرى من أثر الصنعة {وَهُمْ دٰخِرُونَ } في محل نصب على الحال، أي: خاضعون صاغرون، والدخور: الصغار والذلّ، يقال: دخر الرجل، فهو داخر، وأدخره الله. قال الشاعر:شعر : فلم يبق إلا داخر في مخيس ومنجحر في غير أرضك في حجر تفسير : ومخيس: اسم سجن كان بالعراق {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَن دَابَّةٍ} أي: له وحده يخضع وينقاد، لا لغيره ما في السموات جميعاً، {وما في الأرض من دابة} تدبّ على الأرض. والمراد به كل دابة. قال الأخفش: هو كقولك ما أتاني من رجل مثله، وما أتاني من الرجال مثله. وقد دخل في عموم ما في السموات وما في الأرض جميع الأشياء الموجودة فيهما، وإنما خصّ الدابة بالذكر، لأنه قد علم من قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْء } انقياد الجمادات، وعطف الملائكة على ما قبلهم، تشريفاً لهم، وتعظيماً لدخولهم في المعطوف عليه {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } أي: والحال أنهم لا يستكبرون عن عبادة ربهم، والمراد: الملائكة. ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة. وفي هذا رد على قريش حيث زعموا أن الملائكة بنات الله. ويجوز أن تكون حالاً من فاعل {يسجد}، و"ما" عطف عليه، أي: يسجد لله ما في السموات وما في الأرض، والملائكة، وهم جميعاً لا يستكبرون عن السجود. {يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } هذه الجملة في محل نصب على الحال، أي: حال كونهم يخافون ربهم من فوقهم. أو جملة مستأنفة لبيان نفي استكبارهم، ومن آثار الخوف عدم الاستكبار، و{من فوقهم} متعلق بـ {يخافون} على حذف مضاف، أي: يخافون عذاب ربهم من فوقهم، أو يكون حالاً من الربّ، أي: يخافون ربهم حال كونه من فوقهم. وقيل: معنى {يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } يخافون الملائكة، فيكون على حذف المضاف، أي يخافون ملائكة ربهم كائنين من فوقهم. وهو تكلف لا حاجة إليه، وإنما اقتضى مثل هذه التأويلات البعيدة المحاماة على مذاهب قد رسخت في الأذهان، وتقرّرت في القلوب. قيل: وهذه المخافة هي مخافة الإجلال، واختاره الزجاج فقال: {يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ } خوف مجلين. ويدلّ على صحة هذا المعنى قوله: {أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } تفسير : [الأنعام: 18]. وقوله إخباراً عن فرعون {أية : وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 127]. {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } أي: ما يؤمرون به من طاعة الله يعني: الملائكة، أو جميع من تقدّم ذكره، وحمل هذه الجمل على الملائكة أولى؛ لأن في مخلوقات الله من يستكبر عن عبادته، ولا يخافه ولا يفعل ما يؤمر به، كالكفار والعصاة الذين لا يتصفون بهذه الصفات وإبليس وجنوده. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ فِى ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } قال: هم قوم من أهل مكة هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ظلمهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن داود بن أبي هند قال: نزلت هذه الآية في أبي جندل بن سهيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ فِى ٱللَّهِ } الآية قال: هؤلاء أصحاب محمد، ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طوائف منهم بأرض الحبشة، ثم بوّأهم الله المدينة بعد ذلك، فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين {وَلأَجْرُ ٱلأَخِرَةِ أَكْبَرُ } قال: أي والله لما يصيبهم الله من جنته ونعمته أكبر {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن الشعبي في قوله: {فِى ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً } قال: المدينة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: لنرزقنهم في الدنيا رزقاً حسناً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «لما بعث الله محمداً رسولاً أنكرت العرب ذلك، فأنزل الله {مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ }». وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ } الآية، يعني: مشركي قريش، أن محمداً رسول الله في التوراة والإنجيل. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: نزلت في عبد الله بن سلام ونفر من أهل التوراة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } قال: الآيات. {وَٱلزُّبُرِ } قال: الكتب. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيّئَاتِ } قال: نمروذ بن كنعان وقومه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: أي الشرك. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، قال: تكذيبهم الرسل، وإعمالهم بالمعاصي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ } قال: في اختلافهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه {فِى تَقَلُّبِهِمْ } قال: إن شئت أخذته في سفره {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ } يقول: على أثر موت صاحبه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً {عَلَىٰ تَخَوُّفٍ } قال: تنقص من أعمالهم. وأخرج ابن جرير عن عمر أنه سألهم عن هذه الآية {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ } فقالوا: ما نرى إلاّ أنه عند تنقص ما يردّده من الآيات. فقال: عمر ما أرى إلا أنه على ما ينقصون من معاصي الله، فخرج رجل ممن كان عند عمر فلقي أعرابياً، فقال يا فلان: ما فعل ربك؟ قال: قد تخيفته، يعني انتقصته، فرجع إلى عمر فأخبره، فقال: قد رأيته ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ } قال: يأخذهم بنقص بعضهم بعضاً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {يتفيؤ} قال: يتميل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وَهُمْ دٰخِرُونَ} قال: صاغرون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ } الآية قال: لم يدع شيئاً من خلقه إلاّ عبده له طائعاً أو كارهاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية، قال: يسجد من في السموات طوعاً، ومن في الأرض طوعاً وكرهاً.

ابن عطية

تفسير : لما ذكر الله تعالى كفار مكة الذين أقسموا أن الله لا يبعث من يموت، ورد على قولهم، ذكر مؤمني مكة المعاصرين لهم، وهم الذين هاجروا إلى أرض الحبشة، هذا قول الجمهور، وهو الصحيح في سبب الآية، لأن هجرة المدينة لم تكن وقت نزول الآية، وقالت فرقة سبب الآية أبو جندل بن سهيل بن عمرو. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، لأن أمر أبي جندل كان والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وقالت فرقة نزلت في عمار وصهيب وخباب وأصحابهم الذين أوذوا بمكة وخرجوا عنها. قال القاضي أبو محمد: وعلى كل قول فالآية تتناول بالمعنى كل من هاجر أولاً وآخراً. وقرأ الجمهور "لنبوئنهم" وقرأ ابن مسعود ونعيم بن ميسرة والربيع بن خثيم وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب. "لنثوينهم" وهاتان اللفظتان معناهما التقرير، فقالت فرقة: الحسنة عِدَةٌ ببقعة شريفة كشف الغيب أنها كانت المدينة، وإليها كانت الإشارة بقوله {حسنة} وقالت فرقة: الحسنة لسان الصدق الباقي عليهم في غابر الدهر. قال القاضي أبو محمد: وفي {لنبوئنهم} أو "لنثوينهم" على هذا التأويل في لسان الصدق تجوز كثير واستعارة بعيدة، وهذا على أن {حسنة} هي المباءة والمثوى، وأن الفعل الظاهر عامل فيها، وقال أبو الفتح: نصبها على معنى نحسن إليهم في ذلك إحساناً، وجعلت {حسنة} موضع إحساناً، وذهبت فرقة إلى أن الحسنة عامة في كل ما يستحسن أن يناله ابن آدم وتخف الاستعارة المذكورة على هذا التأويل، وفي هذا القول يدخل ما روي عن عمر بن الخطاب أنه كان يعطي المال وقت القسمة للرجل من المهاجرين ويقول له: خذ ما وعدك الله في الدنيا، {ولأجر الآخرة أكبر}، ثم يتلو هذه الآية. قال القاضي أبو محمد: ويدخل في هذا القول النصر على العدو وفتح البلاد، وكل أمل أبلغه المهاجرون، و"أجر الآخرة" هنا إشارة إلى الجنة، والضمير في {يعلمون} عائد إلى كفار قريش، وجواب {لو} مقدر محذوف، ومفعول {يعلمون} كذلك، وفي هذا نظر، وقوله {الذين صبروا} من صفة المهاجرين الذين وعدهم الله، والصبر يجمع عن الشهوات وعلى المكاره في الله تعالى، و"التوكل" تتفاضل مراتبه، فمطيل فيه وذلك مباح حسن ما لم يغل حتى يسبب الهلاك، ومتوسط يسعى جميلاً، وهذا مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : قيدها وتوكل" تفسير : ، ومقصر لا نفع في تقصيره وإنما له ما قدر له، وقوله {وما أرسلنا من قبلك} الآية، هذه الآية رد على كفار قريش الذين استبعدوا أن يكون البشر رسولاً من الله تعالى، فأعلمهم الله تعالى مخاطباً لمحمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يرسل إلى الأمم {إلا رجالاً}. ولم يرسل ملكاً ولا غير ذلك، و {رجالاً} منصوب بـ {أرسلنا} و {إلا} إيجاب، وقرأ الجمهور بضم الياء وفتح الحاء، وقرأت فرقة "يُوحِي" بضم الياء وكسر الحاء، وقرأ عاصم من طريق حفص وحده "نوحِي" بالنون وكسر الحاء، وهي قراءة ابن مسعود وطلحة بن مصرف وأبي عبد الرحمن ثم قال تعالى {فاسألوا}، و {أهل الذكر} هنا اليهود والنصارى، قاله ابن عباس ومجاهد والحسن، وقال الأعمش وسفيان بن عيينة: المراد من أسلم منهم، وقال ابن جبير وابن زيد: {أهل الذكر} أهل القرآن. قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان فيهما ضعف، لأنه لا حجة على الكفار في إخبار المؤمنين بما ذكر، لأنهم يكذبون هذه الصنائف، وقال الزجاج: {أهل الذكر} هنا أحبار اليهود والنصارى الذين لم يسلموا، وهم في هذه النازلة خاصة إنما يخبرون بأن الرسل من البشر، وإخبارهم حجة على هؤلاء، فإنهم لم يزالوا مصدقين لهم ولا يتهمون لشهادة لنا لأنهم مدافعون في صدر ملة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا هو كسر حجتهم من مذهبهم، لا أنّا افتقرنا إلى شهادة هؤلاء، بل الحق واضح في نفسه، وقد أرسلت قريش إلى يهود يثرب يسألون ويستندون إليهم، وقوله {بالبينات} متعلق بفعل مضمر تقديره أرسلناهم بالبينات، وقالت فرقة الباء متعلقة بـ {أرسلنا} في أول الآية، والتقدير على هذا وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالاً، ففي الآية تقديم وتأخير، {والزبر} الكتب المزبورة، تقول زبرت ودبرت إذا كتبت، و {الذكر} في هذه الآية القرآن، وقوله {لتبين} يحتمل أن يريد لتبين بسردك نص القرآن ما نزل، ويحتمل أن يريد لتبين بتفسيرك المجمل، وشرحك ما أشكل مما نزل، فيدخل في هذا ما بينته السنة من أمر الشريعة، وهذا قول مجاهد.

ابن عبد السلام

تفسير : {ظُلِمُواْ} ظلمهم أهل مكة بإخراجهم إلى الحبشة بعد العذاب والإبعاد. {حَسَنَةً} نزول المدينة "ع"، أو الرزق الحسن نزلت في أبي جَندل بن سهيل، أو في بلال وعمار وخباب بن الأرتْ عُذبوا حتى قالوا ما أراده الكفار فلما خلوهم هاجروا.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ هَـاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ}: هؤلاء هُمُ الذين هاجروا إِلى أرض الحبشةِ، هذا قول الجمهورِ، وهو الصحيحُ في سبب نزولِ الآية؛ لأن هجرة المدينة لم تكُنْ وقْتَ نزول الآيةِ، والآيةُ تتناوَلُ كلَّ مَنْ هاجر أَولاً وآخراً، وقرأ جماعة خارجَ السبْعِ: «لَنُثْوِيَنَّهُمْ»، واختلف في معنى الـــ {حَسَنَةً} هنا، فقالتْ فرقة: الحسنةُ عِدَةٌ بَبُقْعةٍ شريفةٍ، وهي المدينةُ، وذهبَتْ فرقةٌ إِلى أن الحسنة عامَّة في كلِّ أمْرٍ مستحسَنٍ يناله ابنُ آدم، وفي هذا القولِ يدخُلُ ما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه: أنه كَانَ يُعْطِي المَالَ وَقْتَ القِسْمَة الرَّجُلَ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ويقُولُ له: خُذْ ما وَعَدَكَ اللَّهُ في الدنيا، وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، ثم يتلو هذه الآية، ويدخل في هذا القولِ النَّصْرُ على العدوِّ، وفتْحُ البلادِ، وكلُّ أَمَلٍ بلغه المهاجرون، والضمير في {يَعْلَمُونَ} عائدٌ على كفار قريشٍ. وقوله: {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ }: من صفة المهاجرين. وقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ}: هذه الآيةُ ردٌّ على كفَّار قريش الذين ٱستبْعدُوا أنْ يبعث اللَّه بشراً رسولاً، ثم قال تعالَى: {فَٱسْئَلُواْ }، أي: قلْ لهم: {فَٱسْئَلُواْ }، و{أَهْلَ ٱلذِّكْرِ }؛ هنا: أحبارِ اليهودِ والنصارَى؛ قاله ابن عباس وغيره، وهو أظهر الأقوال، وهم في هذه النازِلَةِ خاصَّة إِنما يخبرون بأنَّ الرسُلَ من البَشَر، وأخبارُهم حجَّة على هؤلاء، وقدْ أرسلَتْ قريشٌ إِلى يهودِ يَثْرِبَ يسألونهم ويُسْنِدُون إِليهم. وقوله: {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ}: متعلِّق بفعلٍ مضمرٍ، تقديره: أرسلناهم بالبيِّنات، وقالتْ فرقة: الباءُ متعلِّقة بـ {أَرْسَلْنَا} في أول الآية، والتقدير على هذا: وما أرسلنا من قبلك بالبيِّنات والزُّبُرِ إِلاَّ رجالاً، ففي الآية تقديمٌ وتأخير، و{ٱلزُّبُرِ}: الكُتُبُ المزبورة. وقوله سبحانه: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ...} الآية. * ت *: وقد فعل صلى الله عليه وسلم ذلك، فبيَّن عن اللَّهِ، وأوْضَح، وقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامعَ الكَلِم، فأعرب عن دين اللَّهِ، وأفصح، ولنذكُر الآن طَرَفاً من حِكَمِهِ، وفصيحِ كلامِهِ بحذف أسانيده، قال عِياضٌ في «شِفَاهُ»: وأما كلامُهُ صلى الله عليه وسلم المعتادُ، وفصاحَتُه المعلومةُ، وجوامُع كَلِمِهِ، وحِكَمُه المأثورةُ، فمنها ما لا يُوَازَى فصاحةً، ولا يبارَى بلاغةً؛ كقوله: « حديث : المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ »تفسير : وقوله: « حديث : النَّاسُ كَأَسْنَانِ المِشْطِ »تفسير : و « حديث : المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ »تفسير : و « حديث : لاَ خَيْرِ فِي صُحْبَةِ مَنْ لاَ يَرَى لَكَ مَا تَرَى لَهُ »تفسير : و « حديث : النَّاسُ مَعَادِنٌ »تفسير : و « حديث : مَا هَلَكَ ٱمْرُءٌ عَرَفَ قَدْرَهُ »تفسير : و « حديث : المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ »تفسير : و «حديث : هو بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَكَلَّم »تفسير : و « حديث : رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً قَالَ خَيْراً فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ عَنْ شَرٍّ فَسَلِمَ »تفسير : وقوله: « حديث : أَسْلِمْ تَسْلَمْ »تفسير : و « حديث : أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ »تفسير : و « حديث : إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاَقاً المُوطَّؤُونَ أَكْنَافاً الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ »تفسير : وقوله: « حديث : لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِمَا لاَ يَعْنِيهِ، وَيَبْخَلُ بِمَا لاَ يُغْنِيهِ »تفسير : وقوله: « حديث : ذُو الوَجْهَيْنِ لاَ يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً » تفسير : وَنَهْيُهُ عَنْ قِيلٍ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ، وقوله: « حديث : ٱتَّقِ اللَّهَ حَيْثُ كُنْتَ، وَأَتْبِع السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِق النَّاسَ بِخُلُقٍ حسنٍ )تفسير : و « حديث : خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَاطُها »تفسير : وقوله: « حديث : أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَّا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَّا »تفسير : ، وقوله: « حديث : الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَة »تفسير : ، وقولِهِ في بَعْضِ دعائه: « حديث : اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي، وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي، وَتُلِمُّ بِهَا شَعْثِي، وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي، وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي، وتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي، وَتُلْهِمُنِي بِهَا رَشَدِي، وَتُرَدُّ بِهَا أُلْفَتِي، وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ، اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الفَوْزَ فِي القَضَاءِ، وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ، وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَالنَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاءِ »تفسير : ، إِلى غَيْرِ ذلكَ مِنْ بيانِهِ، وحُسْنِ كلامه ممَّا روتْهُ الكافَّة عن الكافَّة مما لا يُقَاسُ به غيره، وحاز فيه سبقاً لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ؛ كقوله: « حديث : السَّعَيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ »تفسير : في أخواتها مما يدرك الناظِرُ العَجَبَ في مضمَّنها، ويذهَبُ به الفكْرُ في أداني حِكَمِها، وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ، وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ »تفسير : فجمع اللَّه له بذلك قُوَّة عارضَةِ الباديةِ وجزالَتَهَا، وَنَصَاعَةَ ألفاظِ الحاضِرَةِ وَرَوْنَقَ كلامِهَا، إِلى التأييد الإِلٰهيِّ الذي مَدَدُهُ الوَحْي، الذي لا يحيطُ بعلمه بَشَرِيّ. انتهى. وبالجملة فليس بَعْدَ بيان اللَّه ورسُولِهِ بيانٌ لمن عَمَّر اللَّهُ قلْبَه بالإِيمان. وقوله سبحانه: {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ...} الآية: تهديدٌ لكفَّار مكَّة ونَصْبُ السيئات بـــ {مَكَرُواْ } وعُدِّيَ {مَكَرُواْ} لأنه في معنى عملوا، قال البخاريُّ: قال ابن عباس: {فِي تَقَلُّبِهِمْ }، أي: في اختلافهم انتهى. وقال المهدويُّ: قال قتادة: {فِي تَقَلُّبِهِمْ }: في أسفارهم الضَّحَّاك: {فِي تَقَلُّبِهِمْ }: باللْيلِ انتهى. وقوله: {عَلَىٰ تَخَوُّفٍ}، أي على جهة التخُّوف، والتخُّوفُ التنقُّص، وروي أن عمر بن الخطَّاب رضي اللَّه عنه خَفِيَ عليه معنى التخُّوف في هذه الآية، وأراد الكَتْبَ إلى الأمصار يسأل عن ذلك، فيروَى أنه جاءه فَتًى مِن العرب، فقال: يا أمير المؤمِنِين، إِنَّ أَبي يتخَّوفُنِي مَالي، فقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ! {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ } ومنه قول النابغة: [الطويل] شعر : تَخَّوَفَهُمْ حَتَّى أَذَلَّ سَرَاتَهُمْ بِطَعْنِ ضِرَارٍ بَعْدَ فَتْحِ الصَّفائِحِ تفسير : وهذا التنقُّص يتَّجه به الوعيدُ على معنيين: أحدهما: أن يهلكهم ويخرج أرواحهم على تخَّوف، أي: أفذاذاً يتنقَّصهم بذلك الشيءَ بعد الشيءِ، ويصيِّرهم إِلى ما أعدَّ لهم من العذاب، وفي هذه الرتبةِ الثالثة مِنَ الوعيدِ رأْفَةٌ ورحمةٌ وإِمهال؛ ليتوبَ التائِبُ، ويرجِعَ الرَّاجع، والثاني: ما قاله الضَّحَّاك: أنْ يأخذ بالعذابِ طائفةً أو قريةً، ويترك أخرى، ثم كذلك حتَّى يَهْلِكَ الكُلُّ. وقالت فرقة: «التخُّوف» هنا: من الخْوف، أي: فيأخذهم بعد تخُّوف ينالهم يعذِّبهم به.

ابو السعود

تفسير : {وَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ فِى ٱللَّهِ} أي في شأن الله تعالى ورِضاه وفي حقه ولوجهه {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} ولعلهم الذين ظلمهم أهلُ مكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجوهم من ديارهم فهاجروا إلى الحبشة ثم بوّأهم الله تعالى المدينةَ حسبما وعد بقوله سبحانه: {لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَة} أي مَباءةً حسنةً أو تبوئةً حسنة كما قال قتادة وهو الأنسبُ بما هو المشهورُ من كون السورةِ غيرَ ثلاثِ آياتٍ من آخرها مكيةً. وأما ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنها نزلت في صهيبٍ وبلالٍ وعمارٍ وخبابٍ وعابس وجُبـير وأبـي جندل بن سهيل، أخذهم المشركون فجعلوا يعذّبونهم ليردوهم عن الإسلام، فأما صهيبٌ فقال لهم: أنا رجلٌ كبـير إن كنت معكم لم أنفعْكم وإن كنت عليكم لم أضرَّكم، فافتدى منهم بماله وهاجر فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه قال: ربح البـيعُ يا صهيب، وقال عمر رضي الله عنه: « حديث : نعم العبدُ صُهيب لو لم يخِفِ الله لم يَعْصِمْه » تفسير : فإنما يناسب ما حُكي عن الأصم من كون كل السورةِ مدنيةً، وما نقل عن قتادةَ من كون هذه الآية إلى آخر السورةِ مدنيةً فيُحمل ما نقلناه عنه من نزول الآيةِ في أصحاب الهجرتين على أن يكون نزولُها بالمدينة بـين الهجرتين، وأما جعلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من جملتهم فلا يساعده نظمُ التنزيلِ ولا شأنُه الجليل، وقرىء لنُثْوِينّهم ومعناه إثواءةً حسنةً أو لنُنزّلنهم في الدنيا منزلة حسنة وهي الغَلبةُ على من ظلمهم من أهل مكةَ وعلى العرب قاطبةً وأهلِ الشرقِ والغربِ كافة {وَلأَجْرُ ٱلأَخِرَةِ} أي أجرُ أعمالِهم المذكورةِ في الآخرة {أَكْبَر} مما يعجّل لهم في الدنيا، وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا أعطىٰ رجلاً من المهاجرين عطاءً قال له: خُذ بارك الله تعالى لك فيه، هذا ما وعدك الله تعالى في الدنيا وما ادّخر في الآخرة أفضلُ {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} الضمير للكفار أي لو علموا أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين خيرَ الدارين لوافقوهم في الدين، وقيل: للمهاجرين أي لو علموا ذلك لزادوا فى الاجتهاد أو لَما تألموا لما أصابهم من المهاجَرة وشدائدِها.

القشيري

تفسير : مَنْ هَاجَرَ عن أوطان السوء - في الله - أبدل له اللَّهُ في جوار أوليائه ما يكون له في جوارهم معونَةٌ على الزيادة في صفاء وقته، ومَنْ هَجَرَ أوطانَ الغفلة مَكَّنَهُ الله مِنْ مشاهدِ الوصلة. ومَنْ فَارقَ مجالسة المخلوقين، وانقطع بقلبه إليه - سبحانه - باستدامة ذكره - فكما في الخبر: "حديث : أنا جليس من ذكرني"تفسير : . وبدايةُ هؤلاء القوم نهايةُ أهل الجنة؛ ففي الخبر"حديث : الفقراء الصابرون جلساءُ الله يوم القيامة" تفسير : . ويقال القلبُ مظلومٌ من جهة النَّفْس لما تدعوه إليه من شهواتها، فإذا هجرها أورث اللَّهُ القلبَ أوطانَ النَّفْس حتى تنقادَ لما يطالِبُ به القلبُ من الطاعة؛ فبعد ما تكون أوطان الزَّلَّةِ بدواعي الشهوة تصير أوطانَ الطاعة لسهولة أدائها.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين هاجروا فى الله} اى فى شأن الله ورضاه وفى حقه والتمكين من طاعته ولوجهه {من بعد ما ظلموا} هم الين ظلمهم اهل مكة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واخرجوهم من ديارهم فهاجروا الى الحبشة ثم الى المدينة فجمعوا بين الهجرتين لا المهاجرون مطلقا فان السورة مكية - روى - حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ما نزل بالمسلمين من توالى الاذى عليهم من كفار قريش قال لهم "تفرقوا فى الارض فان الله سيجمعكم" قالوا الى اين نذهب قال "اخرجوا الى ارض الحبشة فان بها ملكا عظيما لا يظلم عنده احد وهى ارض صدق حى يجعل الله لكم فرجا مما انتم فيه" فهاجر اليها ناس ذو عدد تفسير : قال بعضهم كانوا فوق ثمانين مخافة الفتنة فرار الى الله تعالى بدينهم منهم من هاجر الى الله باهله كعثمان بن عفان رضى الله عنه هاجر ومعه زوجته رقية بنت النبى صلى الله عليه وسلم وكان اول خارج ومنهم من هاجر بنفسه وفى الحديث "حديث : من فر بدينه من ارض الى ارض وان كان شبرا من الارض استوجب له الجنة وكان رفيق ابيه خليل الله ابراهيم ونبيه محمد عليهما السلام"تفسير : {لنبوئنهم} لننزلنهم {فى الدنيا حسنة} اى مباءة حسنة وهى المدينة المنورة حيث آواهم اهلها ونصروهم. يقال بوأه منزلا انزله والمباءة المنزل فهى منصوبة على الظرفية او على انها مفعول ثان ان كان لنبوئنهم فى معنى لنعطينهم {ولا جر الآخرة} المعد لهم فى مقابلة الهجرة {اكبر} مما يعجل لهم فى الدنيا. فى المدارك الوقف لاز عليه لان جواب قوله {لو كانوا يعلمون} محذوف والضمير للكفار اى لو علموا ان الله تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لو افقوهم فى الدين ويجوز ان يعود الى المؤمنين المهاجرين فانهم لو علموا علم المشاهدة لازدادوا فى المجاهدة والصبر واحبوا الموت وليس الخبر كالمعاينة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {الذين صبروا}: نعت للذين هاجروا، أو على تقدير: (هم)، أو نصب على المدح. يقول الحقّ جلّ جلاله: {والذين هاجروا في الله} أي: طلب رضا الله، أو: في نصر دينه، أو: طلب معرفته، {من بعد ما ظُلموا}؛ من بعد ما ظلمهم الكفار بالإيذاء والتضييق، وهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرون. ظلمهم قريش وضيقوا عليهم، فهاجر بعضهم إلى الحبشة، وبعضهم إلى المدينة. قال ابن عطية: الجمهور أنها نزلت في الذين هاجروا إلى أرض الحبشة؛ لأن الآية مكية، وهجرة المدينة لم تكن وقت نزول الآية. هـ. قلت: والمختار: العموم، ويكون من جملة الإخبار بما سيقع، أو: هم المحبوسون المعذبون بمكة، بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهم بلال، وصُهَيب، وعمَّار، وخَبَّاب، وأبو جَنْدَل بن سُهَيل؛ أو: كل من هاجر من بلده؛ لإقامة دينه. {لنبوِّئنَّهم في الدنيا حسنةً} أي: لننزلنهم في الدنيا بقعة حسنة، وهي المدينة، أو منزلة حسنة، وهي العز والتمكين في البلاد، وكل أمل بَلَغَهُ المهاجرون، أو حياة حسنة، وهي الاستقامة والمعرفة. {ولأجرُ الآخرة أكبرُ} مما يُعجل لهم في الدنيا؛ من سعة الأموال، وتعظيم الشأن والحال، وهو النعيم الدائم. وعن عمر رضي الله عنه: أنه كان، إذا أَعطى رجلاً من المهاجرين عطاءه من قسمْ الغنائم، يقول له: (خذ، بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل). والضمير في قوله: {لو كانوا يعلمون} لكفار قريش، أي: لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم. أو للمهاجرين، أي: لو علموا أن أجر الآخرة خير مما عجل لهم لزادوا في اجتهادهم وصبرهم. ثم وصفهم بالصبر والتوكل فقال: {الذين صبروا} على الشدائد، كأذى الكفرة، ومفارقة الوطن، ونزول الفاقة، {وعلى ربهم يتوكلون} فيما نزل بهم، منقطعين إلى الله، مفوضين إليه الأمر كله، فآواهم إليه، وكفاهم كل مؤونة، ورزقهم من حيث لا يحتسبون. الإشارة: والذين هاجروا حظوظهم وهواهم وكل ما نهى الله عنه؛ ابتغاء مرضات الله، أو فارقوا أوطانهم وديارهم في طلب معرفة الله، كما فعل كثير من الصوفية، فقلَّ أن تجد وليّا إلا وهاجر من بلده؛ لإقامة دينه وجبر قلبه، وإفراغ سره لربه، من بعد ما ظُلموا بإيذاء الخلق - كما هو سنة الله في خواصه - لنبوئنهم في الدنيا حسنة، وهي معرفة الشهود والعيان في الباطن، واستقامة الدين والعافية في الظاهر. هذا في الدنيا، ولأجر الآخرة أكبر وأكبر؛ إذ فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. الذين صبروا على مجاهدة النفوس، وحط الرؤوس، ودفع الفلوس، أو على ضروب الفاقات، ونزول البليات، وركوب الأهوال والآفات، إذ لا يأتي الجمال إلا بعد الجلال، ولا تأتي الحلاوة إلا بعد المرارة: شعر : لا تَحْسَب المجْد تمرًا أنت آكلُه@_ لنْ تبلُغَ المجْدَ حتَّى تلْعَقَ الصبْرا تفسير : وعلى ربهم يتوكلون، أي: مفوضين في أمورهم كلها لله، ليس لهم مع الله اختيار، ولا لهم عن أنفسهم إخبار، بل هم كالميت بين يدي الغاسل. حققنا الله من هذا المقام بالحظ الأوفر... آمين.

الطوسي

تفسير : موضع {الذين} رفع بالابتداء، والخبر {لنبوّئنهم} يقول الله تعالى ان الذين هاجروا من ديارهم فرارا بدينهم، واتّباعا لنبيهم، من بعد ان ظلمهم قومهم وآذوهم وبخسوهم حقوقهم، فان الله تعالى يبوئهم في الدنيا حسنة. والتبوء الاحلال بالمكان للمقام، يقال تبوأ منزلا يتبوأ اذا اتخذه، وبوأه غيره تبويئاً اذا احله غيره، ومنه {أية : بوّأنا بني إسرائيل مبوّء صدق}تفسير : وقال ابن عباس وقتادة والشعبي: تبوّأهم الله المدينة، واحل لهم فيها غنيمة حسنة يأخذونها من اموال الكفار. ثم اخبر ان ما اعدّه لهم من الأجر في الآخرة ونعيم الجنة اكثر من ذلك بكثير لو كانوا يعلمون. ثم وصف الذين هاجروا، فقال الذين صبروا على جهاد اعدائه واحتملوا الأذى في جنب الله واسندوا أمرهم اليه تعالى وتوكلوا عليه، فمن كان بهذه الصفة يستحق ما ذكرناه، ومن كان بخلافه لم يستحق منه شيئاً. وقيل: إِن الآية نزلت في عمار وصهيب وأمثالهم الذين كانوا يعذبون بمكة.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} تنزيله فى رسول الله (ص) والّذين هاجروا معه وبعده الى المدنية والّذين هاجروا قبله الى الحبشة بعد ما آذاهم المشركون ايذاء كثيراً والّذين حبسوهم قريش بمكّة بعد هجرة رسول الله (ص) وآذوهم ثمّ هاجروا الى رسول الله، ومعنى قوله فى الله فى طريق الله وهو الرّسول (ص) والامام او الرّسالة والولاية والطّريق الموصل اليهما او فى طلب الله او فى ابتغاء مرضاة الله او فى طاعة الله، ولمّا كانت التّنزيل غير مختصٍّ بمن نزلت الآية فيه بل تعمّه وغيره ممّن هو متّصف بوصفه كانت الآية شاملة لكلّ من هاجر من وطنه الصّورىّ ابتغاء دين الله الى نبىٍّ او ولىٍّ من بعد ما تأذىّ بانقلابات الزّمان واذى الاقران وتصرّفات الشّيطان، وتأويله كلّ من هاجر من اوطان شركه النّفسانيّة كما قال (ع): المهاجر من هجر السّيّئات الى رسوله العقل ونبيّه القلب وامامه الرّوح والكلّ دين الله وطريق الله ومظاهر الله، والهجرات الثّلاث متعاقبة مترتّبة فانّ الهجرة تقع اوّلاً من دار الشّرك النّفسانيّة الى دار الاسلام الصّدر ثمّ منها الى دار الايمان القلب ثمّ منه الى دار العيان الرّوح وبعبارة اخرى تقع الهجرة من دار الشّرك الى الرّسول وقبول احكامه القلبيّة ثمّ منه الى النّبىّ وقبول احكامه القالبيّة ثمّ منه الى الولىّ وقبول وارادته الرّوحيّة {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا} داراً {حَسَنَةً} او تبوئة حسنة او حالاً حسنة كما وقع فى الصّورة للمهاجرين مع الرّسول (ص) اذ آواهم وعزّزهم اهل مدينة وكما وقع لجعفر واصحابه اذ آويهم النّجاشى وعزّزهم، وفى الباطن لكلّ من هاجر من دار النّفس الامّارة اذ يأوى الى دار الصّدر السّالمة من تنازع القوى النّفسانيّة وتحاسد المتحاسدين وايذاء الموذين وهكذا، وهذا اجر الدّنيا {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ} وهو لقاء الرّحمن وجنّة الرّضوان {أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} لو كان النّاس يعلمون ذلك لاختاروا الهجرة او لما تثبّطوا اولو كان الّذين هاجروا يعلمون لسرّوا بذلك أوليتهم كانوا يعلمون فيتبادروا الى ذلك او فيسّروا بذلك.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِى اللهِ} أى لأَجل الله والمعنى أنهم هاجروا ليتمكنوا من دينهم فيقيموه فالتقدير هاجروا لدين الله ويجوز أن يكون المراد هاجروا لله بذاته أى لحبه {مِن بَعْدِ مَا} مصدرية {ظُلِمُوا} وهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنون ظلمهم قريش لدينهم فهاجر بعضهم إلى الحبشة ثم المدينة بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولما استقروا بالمدينة جاء إِليها الذين بالحبشة والمراد هجرة الحبشة لقوله {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ} لننزلنهم {فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً} بلدة حسنة وهى المدينة فالنصب على المفعولية الثانوية أو تبوئة حسنة وهى تبوئة المدينة لهم بالنصب على المفعولية المطلقة ولو كانت هجرة المدينة والآية نزلت بمكة قبل الهجرة إِليها لنافاه قوله هاجروا ولو كانت هجرة المدينة والآية بعد الهجرة وتبوء المدينة، لم يصح أن يقول لنبوئنهم وقد تبوأُوها ولم يبلغنا أنها نزلت بعد الهجرة إِليها وقبل وصولها وتبوأها هذا ما ظهر لى فى قول الجمهور وقتادة أن سبب النزول هجرة الحبشة وقيل المراد الهجرتان فيكون معنى لنبوئنهم حسنة لنجعلن لهم المدينة منزلا حسناً بأَن تكون المدينة ثقيلة على من هاجر إِليها وسكنها ثم بعد ذلك حببها الله إِليه وحسنها فى قلبه وجاء المهاجرون الحبشة إِليها فنزلوها واستحسنوها، وكذا إِن قيل المراد الهجرة إِلى المدينة فقط وعليهما تكون الآية مدنية وقال الكلبي المراد بالمهاجرين بلال وصهيب وخباب وعمار وعابس وأبو جندل وسهيل وهم المستضعفون بقوا بمكة بعد هجرة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعذبهم المشركون لدينهم كانوا يجرون بلال رضى الله عنه إِلى البطحاء بمكة فى شدة الحر ويشدونه ويجعلون على صدره الحجارة وهو يقول أحد أحد وقد كان قبل ذلك معذبا فى الله بذلك ونحوه ثم اشتراه أبو بكر وأعتقه وخلفه بعده واشترى معه ستة نفر، وقال صهيب إِنى كبير إِن كنت معكم فلن أنفعكم وإِن كنت عليكم فلن أضركم فاشترى نفسه بماله ومر به أبو بكر فقال ربح البيع يا صهيب؛ وهاجر أبو بكر وخلفه وكان مع شرائه نفسه يصيبه بعض العذاب منهم، وأما باقيهم فأعطوهم الشرك بأَلسنتهم وقد اطمأَنت قلوبهم بالإِيمان فخلوا عنْهم ثم هاجروا كلهم رضى الله عنهم فنزلت الآية وهذا يقتضى أنها مدنية نزلت بعد هجرتهم وقيل تبوأ المدينة وكانوا قبل ذلك كلما خرجوا اتبعوهم فردوهم قال عمرو رضى الله عنه نعم العبيد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه وفى رواية نعم الرجل أى لو لم يكن لله عقاب يخاف لم يعصه، وقالت جماعة المراد بالحسنة كل ما يستحسن أى لننيلنهم فى الدنيا ما يستحسنونه أو لننزلنهم منزلة يستحسنونها وهو عام، ويدل له قول عمر رضى الله عنه إِذا أعطى رجلا من المهاجرين وقت القسمة خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله فى الدنيا وما ادخر لك فى الآخرة أفضل ثم يتلو الآية وقيل المراد بالحسنة فتح مكة والنصر على قريش وفتح البلاد والنصر على أهل المشرق والمغرب وقيل التوفيق لأَمر الدين وقرأ على لنثوينهم بمثلثة قبل الواو من الإِثواء أى نسكننهم أى لنثوينهم إثواءه حسنة وذلك كله فى مقابلة هجرتهم فى الله كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : من كانت هجرته لله ورسوله فهجرته إِلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها وامرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" تفسير : {وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ} مما يعطى الإنسان فى الدنيا من أُمورها وهو الجنة وإِما ما يعطاه من أمر الدين فهو أفضل من الجنة {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} الضميران للمشركين وجواب لو محذوف أى لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدنيا والآخرة لوافقوهم ولو كانوا يعلمون أن أجر الآخرة أكبر مما هم فيه من نعيم الدنيا لآمنوا والضمير أن للذين تخلفوا عن الهجرة أى لو علموا أن للمهاجرين أجر الدارين لهاجروا أو الضميران للمهاجرين أى لو علموا ذلك الأَجر المعد لهم فى الآخرة لزادوا جدا واجتهادا أو صبرا على أذى المشركين.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ هَاجرُوا} بلادهم {فِى اللهِ} أَى لأَجل إِقامة دين الله، وهم النبى صلى الله عليه وسلم وأَصحابه الذين هاجروا إلى المدينة قبله أو بعده أَو معه، وإلى الحبشة فى المرة الأُولى والثانية وهجرتهم بعد من الحبشة إلى المدينة غير داخلة فى الهجرة المذكورة فى الاية لأَن السورة مكية، إِلا إن جعلت الآية المدنية فى سورة مكية، وقيل المراد الذين هاجروا الشرك فحبسوا بمكة وعذبوا وهم بلال وصهيب وخباب وعمار وعياش لا عايش وابن سهيل وأبو جندل لا ابن جندل، أو المراد هؤلاءِ المحبوسون هاجروا إلى المدينة بعد ما حبسوا ليرجعوا عن الإسلام قال صهيب: أنا رجل كبير لا أَنفعكم وإِن كنت عليكم لم أَضركم، ففدى نفسه بمال وهاجر إلى المدينة فقال له أَبو بكر: ربح البيع يا صهيب، ولم يصح أَن القائل له: نعم العبد صهيب إلخ، هو رسول الله صلى الله عليه ولا عمر كما قيل، ويجوز إِبقاءُ فى على الظرفية بمعنى أَن هجرتهم متمكنة فى حق الله تعالى تمكن المظروف فى ظرفه ليس فيها أدنى ميل إلى الدنيا {مِنْ بعدِ مَا ظُلِمُوا} بالعذاب من أَهل مكة أو بالشتم وسائر الأَذى وقوله: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ} لا محل لها لأَنها جواب القسم أى والله لنبوئنهم والقسم وجوابه فى محل رفع خبر الذين، ومعنى لنبوئنهم لننزلنهم {فى الدُّنْيا حَسَنةً} أى داراً حسنة أو مآبة حسنة والمآبة منزل القوم والمراد المدينة أَو تبوئة حسنة وهى تبوئة المدينة، وهو فى هذا الوجه نعت لمفعول مطلق محذوف وفى سائِر الوجه منصوب على أَنه مفعول ثان لنبوىءَ لتضمنه معنى نعطى أَو منصوب على التشبيه بالمفعول به أَو على الظرفية شذوذاً على الخلاف فى منصوب دخل {وَلأَجْرُ الآخِرَةِ} هو الجنة، فالآخرة ما بعد القيامة أو ما بعد الموت، الناس كلهم، ولا بأْس فى أن يقال أجره الجنة أو الاخرة الجنة وأجرها نعيمها {أَكْبَرُ} من نعيم الدنيا قيل أَوأَكبر من أَن يعلم أَحد عظمه قبل أَن يشاهده، ولا دليل يدل على هذا، وليس كل ما يجوز فى المعنى يجوز أن يفسر به القرآن ولو غير ظاهر ولا له دليل، وكان عمر رضى الله عنه إذا أَعطى رجلا من المهاجرين عطاءً من بيت المال أَو من الغنيمة أو الزكاة أَو غير ذلك قال: خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله فى الدنيا وما ادخر لك فى الآخرة أفضل ثم يقرأ هذه الآية {لَوْ كَانُوا} أى المشركون {يَعْلَمُونَ} البعث حقاً أو الإيما ن خيراً فى الدارين، وجواب لو محذوف أى لامنوا، قيل: أو الواو للمهاجرين أو للمؤمنين فيشمل المهاجرين ولآ دليل على إرادة ذلك بالآية، أى لو كان المهاجرون يعلمون ذلك عليماً بليغ أو علماً بالمشاهدة لأنها أَقوى، أَو علماًَ تفصيلياً لزادوا فى اجتهادهم وصبرهم، وكونه للمشركين أولى، أَو لا يقدر جواب، فالمعنى أكبر عندهم لو كانوا يعلمون، اَما إِذا لم يعلموا فليس بأَكبر عندهم.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ فِى ٱللَّهِ} أي في حقه ـ ففي ـ على ظاهرها ففيه إشارة إلى أنها هجرة متمكنة تمكن الظرف في مظروفه فهي ظرفية مجازية أو لأجل رضاه ـ ففي ـ للتعليل كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن امرأة دخلت النار في هرة»تفسير : والمهاجرة في الأصل مصارمة/ الغير ومتاركته واستعملت في الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان أي والذين هجروا أوطانهم وتركوها في الله تعالى وخرجوا {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} أي من بعد ظلم الكفار إياهم. أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن قتادة قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ظلمهم أهل مكة فخرجوا من ديارهم حتى لحق طوائف منهم بأرض الحبشة ثم بوأهم الله تعالى المدينة بعد ذلك حسبما وعد سبحانه بقوله جل وعلا: {لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَة} أي مباءة حسنة، وحاصله لننزلهم في الدنيا منزلاً حسناً، وعن الحسن داراً حسنة، والتقدير الأول أظهر لدلالة الفعل عليه، والثاني أوفق بقوله تعالى: {أية : تبوؤا الدَّارَ } تفسير : [الحشر: 9]، وأياً ما كان ـ فحسنة ـ صفة محذوف منصوب نصب الظروف، وجوز أن يكون مفعولاً ثانياً لنبؤئنهم على معنى لنعطينهم منزلة حسنة، وفسر ذلك بالغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم وعلى العرب قاطبة، وقيل: هي ما بقي لهم في الدنيا من الثناء وما صار لأولادهم من الشرف، وعن مجاهد أن التقدير معيشة حسنة أي رزقاً حسناً، وقيل: التقدير عطية حسنة، والمراد بالعطية المعطى، ويفسر ذلك بكل شيء حسن ناله المهاجرون في الدنيا، وقدر بعضهم تبوئة حسنة فهو صفة مصدر محذوف، وقد تعتبر هذه التبوئة بحيث تشمل إعطاء كل شيء حسن صار للمهاجرين على نحو السابق. وفي «البحر» أن الظاهر أن انتصاب {حَسَنَةً} على المصدر على غير الصدر لأن معنى لنبوئنهم لنحسنن إليهم فحسنة بمعنى إحساناً، وعلى جميع التقادير {ٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ} مبتدأ وجملة {لَنُبَوّئَنَّهُمْ} خبره. وجوز أبو البقاء أن يكون {ٱلَّذِينَ} منصوب بفعل محذوف يفسره المذكور، والأول متعين عند أبـي حيان قال: وفيه دليل على صحة وقوع الجملة القسمية خبراً للمبتدأ خلافاً لثعلب، والذي ذهب إليه بعض المحققين أن الخبر في مثل ذلك إنما هو جملة الجواب المؤكدة بالقسم وهي إخبارية لا إنشائية، واعترض على أبـي البقاء في الوجه الثاني بأنه لا يجوز النصب بالفعل المحذوف إلا حيث يجوز للمذكور أن يعمل في ذلك المنصوب حتى يصح أن يكون مفسراً وما هنا ليس كذلك فإنه لا يجوز زيداً لأضربن فلا يجوز زيداً لأضربنه، والجار والمجرور متعلق بما عنده، وقيل: بمحذوف وقع حالاً من {حَسَنَةً}. هذا: ونقل عن ابن عباس أن الآية نزلت في صهيب وبلال وعمار وخباب وعابس وجبير وأبـي جندل بن سهيل أخذهم المشركون فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام، فأما صهيب فقال لهم: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر فلما رآه أبو بكر رضي الله تعالى عنه قال: ربح البيع يا صهيب؛ وقال عمر رضي الله تعالى عنه: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، والجمهور على ما روي عن قتادة بل قال ابن عطية: إنه الصحيح، ولم نجد لهذا الخبر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما سنداً يعول عليه. وذكر العلامة الشيخ بهاء الدين السبكي في "شرح التلخيص" كغيره من المحدثين مثل الحافظ العلامة زين الدين عبد الرحيم العراقي وولده الفقيه الحافظ أبـي زرعة وغيرهما فيما نسب لعمر رضي الله تعالى عنه فيه من قوله: نعم العبد صهيب إلى آخره أنا لم نجده في شيء من كتب الحديث بعد الفحص الشديد، وهذا يوقع شبهة قوية في صحة ذلك. نعم في «الدر المنثور»: أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في هؤلاء الذين هاجروا: هم قوم من أهل مكة هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد/ ظلمهم ثم قال: وظلمهم الشرك، لكن يقتضي هذا بظاهره أنه رضي الله تعالى عنه كان يقرأ {ظلموا} بالبناء للفاعل. وأورد على الخبرين أنه قيل: إن السورة مكية إلا ثلاث آيات في آخرها فإنها مدنية، ويلتزم إذا صح الخبر الذهاب إلى أن فيها مدنياً غير ذلك، أو القول بأن المراد من المكي ما نزل في حق أهل مكة، أو أن هذه الآية لم تنزل بالمدينة وأن المكي ما نزل بغيرها، أو القول بأن ذلك من الإخبار بالشيء قبل وقوعه، والكل كما ترى، ولا يرد على القول الأول الذي عليه الجمهور أنه مخالف للقول المشهور في السورة لأن هجرة الحبشة كانت قبل هجرة المدينة فلا مانع من كون الآية مكية بالمعنى المشهور عليه، لكن قيل: إن قتادة القائل بما تقدم قائل بأن هذه الآية إلى آخر السورة مدنية وهو آب عما ذكر، ومن هنا حمل بعضهم ما نقل عنه سابقاً على أن نزولها كان بين الهجرتين بالمدينة، ولا يمكن الجمع بين هذه الأقوال أصلاً، والذي ينبغي أن يعول عليه أن السورة مكية إلا آيات ليست هذه منها بل هي مكية نزلت بين الهجرتين فيمن ذكره الجمهور، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال، وقال بعضهم: إن الذين هاجروا عام في المهاجرين كائناً من كان فيشمل أولهم وآخرهم وكان هذا من قائله اعتبار لعموم اللفظ لا لخصوص السبب كما هو المقرر عندهم. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وعبد الله رضي الله تعالى عنه ونعيم بن ميسرة والربيع بن خيثم ـ لنثوينهم ـ بالثاء المثلثة من أثوى المنقول بهمزة التعدية من ثوى بالمكان أقام فيه، قال في «البحر»: وانتصاب {حَسَنَةً} على تقدير إثواءة حسنة أو على نزع الخافض أي في حسنة أي دار حسنة أو منزلة حسنة ولا مانع على ما قيل من اعتبار تضمين الفعل معنى نعطيهم كما أشير إليه أوَّلاً. واستدل بالآية على أحد الأقوال على شرف المدينة وشرف إخلاص العمل لله تعالى. {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ} أي أجر أعمالهم المذكورة في الدار الآخرة {أَكْبَرَ} مما يعجل لهم في الدنيا. أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءً يقول له: خذ بارك الله تعالى لك هذا ما وعدك الله تعالى في الدنيا وما أخر لك في الآخرة أفضل ثم يقرأ هذه الآية، وقيل: المراد أكبر من أن يعلمه أحد قبل مشاهدته، ولا يخفى ما في مخالفة أسلوب هذا الوعد لما قبله من المبالغة {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} الضمير للكفرة الظالمين أي لو علموا أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم في الدين، وقيل: هو للمهاجرين أي لو علموا ذلك لزادوا في الاجتهاد ولما تألموا لما أصابهم من المهاجرة وشدائدها ولازدادوا سروراً. وفي "المعالم" لا يجوز ذلك لأن المهاجرين يعلمونه ودفع بأن المراد علم المشاهدة وليس الخبر كالمعاينة أو المراد العلم التفصيلي. وجوز أن يكون الضمير للمتخلفين عن الهجرة يعني لو علم المتخلفون عن الهجرة ما للمهاجرين من الكرامة لوافقوهم.

ابن عاشور

تفسير : لما ثبتت حكمة البعث بأنها تبيين الذي اختلف فيه الناس من هدى وضلالة، ومن ذلك أن يتبين أن الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين يعلم منه أنّه بتبيين بالبعث أن الذين آمنوا كانوا صادقين بدلالة المضادة وأنهم مثابون ومكرمون. فلما علم ذلك من السياق وقع التصريح به في هذه الآية. وأدمج مع ذلك وعدهم بحسن العاقبة في الدنيا مقابلة وعيد الكافرين بسوء العاقبة فيها الواقع بالتعّريض في قوله تعالى: {أية : فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين }تفسير : [سورة النحل: 36]. فالجملة معطوفة على جملة {أية : وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} تفسير : [سورة النحل: 39]. والمهاجرة: متاركة الدّيار لغرض ما. و{في} مستعملة في التّعليل، أي لأجل الله. والكلام على تقدير مضاف يظهر من السّياق. تقديره: هاجروا لأجل مرضاة الله. وإسناد فعل {ظلموا} إلى المجهول لظهور الفاعل من السّياق وهو المشركون. والظلم يشمل أصناف الاعتداء من الأذى والتعذيب. والتبوئة: الإسكان. وأطلقت هنا على الجزاء بالحسنى على المهاجرة بطريق المضادّة للمهاجرة، لأن المهاجرة الخروج من الدّيار فيضادّها الإسكان. وفي الجمع بين {هاجروا} و{لنبوئنهم} محسّن الطباق. والمعنى: لنجازينّهم جزاءً حسناً. فعبر عن الجزاء بالتّبوئة لأنه جزاء على ترك المباءة. و{حسنة} صفة لمصدر محذوف جار على «نبوئنهم»، أي تبوئة حسنة. وهذا الجزاء يجبر كل ما اشتملت عليه المهاجرة من الأضرار التي لقيها المهاجرون من مفارقة ديارهم وأهليهم وأموالهم، وما لاقَوُه من الأذى الذي ألجأهم إلى المهاجرة من تعذيب واستهزاء ومَذلّة وفتنة، فالحسنة تشتمل على تعويضهم دياراً خيراً من ديارهم، ووطناً خيراً من وطنهم، وهو المدينة، وأموالاً خيراً من أموالهم، وهي ما نالوه من المغانم ومن الخراج. روي أن عُمر ــــ رضي الله عنه ــــ كان إذا أعطى رجلاً من المهاجرين عطاء قال له: «هذا ما وعدك ربّك في الدنيا، وما ذخر لك في الآخرة أكبر»؛ وغلبة لأعدائهم في الفتوح وأهمّها فتح مكّة، وأمناً في حياتهم بما نالوه من السلطان، قال تعالى: {أية : وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمنا} تفسير : [سورة النور: 55]. وسبب النزول الذين هاجروا إلى أرض الحبشة من المسلمين لا محالة، أو الذين هاجروا إلى المدينة الهجرة الأولى قبل هجرة النبي وبقية أصحابه رضي الله عنهم مثل مصعب بن عمير وأصحابه إن كانت هذه الآية نازلة بعد الهجرة الأولى إلى المدينة. وكلا الاحتمالين لا ينافي كون السورة مكّية. ولا يقتضي تخصيص أولئك بهذا الوعد. ثم أعقب هذا الوعد بالوعد العظيم المقصود وهو قوله: {ولأجر الآخرة أكبر}. ومعنى {أكبر} أنّه أهمّ وأنفع. وإضافته إلى {الآخرة} على معنى (في)، أي الأمر الذي في الآخرة. وجملة {لو كانوا يعلمون} معترضة، وهي استئناف بياني ناشىء عن جملة الوعد كلّها، لأن ذلك الوعد العظيم بخير الدنيا والآخرة يثير في نفوس السامعين أن يسألوا كيف لم يقتدِ بهم من بقوا على الكفر فتقع جملة {لو كانوا يعلمون} بياناً لما استبهم على السّائِل. والتقدير: لو كانوا يعلمون ذلك لاقتدوا بهم ولكنّهم لا يعلمون. فضمير {يعلمون} عائد إلى {أية : الذين كفروا} تفسير : [سورة النحل: 39]. ويجوز أن يكون السؤال المثار هو: كيف يحْزن المهاجرون على ما تركوه من ديارهم وأموالهم وأهليهم، فيكون: المعنى لو كان المهاجرون يعلمون ما أعدّ لهم عِلم مشاهدة لما حزِنوا على مفارقة ديارهم ولكانت هجرتهم عن شوق إلى ما يلاقونه بعد هجرتهم، لأن تأثير العلم الحسّي على المزاج الإنساني أقوى من العلم العقلي لعدم احتياج العلم الحسّي إلى استعمال نظر واستدلال، ولعدم اشتمال العلم العقلي على تفاصيل الكيفيات التي تحبّها النفوس وترتمي إليها الشهوات، كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} تفسير : [سورة البقرة: 260]. فليس المراد بقوله تعالى: {لو كانوا يعلمون} لو كانوا يعتقدون ويؤمنون، لأن ذلك حاصل لا يناسب موقع {لو} الامتناعية. فضمير {يعلمون} على هذا «للذين هاجروا». وفي هذا الوجه تتناسق الضمائر. و{الذين صبروا} صفة «للذين هاجروا». والصبر: تحمّل المشاقّ. والتّوكّل: الاعتماد. وتقدم الصبر عند قوله تعالى: {أية : واستعينوا بالصبر والصلاة} تفسير : أوائل سورة البقرة (45). والتوكل عند قوله تعالى: {أية : فإذا عزمت فتوكل على الله} تفسير : في سورة آل عمران (159). والتعبير في جانب الصبر بالمضي وفي جانب التوكّل بالمضارع إيماء إلى أن صبرهم قد آذن بالانقضاء لانقضاء أسبابه، وأن الله قد جعل لهم فرجاً بالهجرة الواقعة والهجرة المترقّبة. فهذا بشارة لهم. وأنّ التوكّل ديدنهم لأنهم يستقبلون أعمالاً جليلة تتمّ لهم بالتوكّل على الله في أمورهم فهم يكرّرونه. وفي هذا بشارة بضمان النجاح. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: {أية : للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} تفسير : [سورة الزمر: 10]. وتقديم المجرور في قوله تعالى: {وعلى ربهم يتوكلون} للقصر، أي لا يتوكّلون إلاّ على ربّهم دون التوكّل على سادة المشركين وولائهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: والذين هاجروا في الله: أي خرجوا من مكة في سبيل الله نصرةً لدينه وإقامته بين الناس. لنبوئنهم في الدنيا حسنة: أي لننزلنهم داراً حسنة هي المدينة النبوية هذا بالنسبة لمن نزلت فيهم الآية. الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون: أي على أذى المشركين وهاجروا متوكلين على ربهم في دار هجرتهم. فاسألوا أهل الذكر: أي ايها الشاكّون فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فاسألوا أهل التوراة والإِنجيل لإِزالة شككم ووقوفكم على الحقيقة وأن ما جاء به محمد حق وأن الرسل قبله كلهم كانوا بشراً مثله. بالبينات والزبر: أي أرسلناهم بشراً بالبينات والزبر لهداية الناس. وأنزلنا إليك الذكر: أي القرآن. لتبين للناس ما نزل إليهم: علة لإِنزال الذكر إذ وظيفة الرسل، البيان. معنى الآيات: إنه بعد اشتداد الأذى على المؤمنين لعناد المشركين وطغيانهم، أذن الله تعالى على لسان رسوله للمؤمنين بالهجرة من مكة إلى الحبشة ثم إلى المدينة فهاجر رجال ونساء فذكر تعالى ثناء عليهم وتشجيعاً على الهجرة من دار الكفر فقال عز وجل {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ} أي في ذات الله ومن أجل عبادة الله ونصرة دينه {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} أي من قبل المشركين {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ} أي لننزلهم ولنسكننهم {فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} وهي المدينة النبوية ولنرزقنهم فيها رزقاً حسناً هذا بالنسبة لمن نزلت فيهم الآية، وإلا فكل من هاجر في الله ينجز له الرب هذا الوعد كما قال تعالى: {أية : وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَٰغَماً كَثِيراً وَسَعَةً}تفسير : [النساء: 100] أي في العيش والرزق {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ} المعد لمن هاجر في سبيل الله {أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}. هذا ترغيب في الهجرة وتشجيع للمتباطئين على الهجرة وقوله: {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} بيان لحالهم وثناء عليهم بخير لأنهم صبروا أولاً على الأذى في مكة لما أذن لهم بالهجرة هاجروا متوكلين على الله تعالى مفوضين أمورهم إليه، واثقين في وعده. هذا ما دلت عليه الآيتان [41]، [42]. وأما الآية الثالثة [43] والرابعة من هذا السياق فهما تقرير حقيقة علمية بعد إبطال شبهة المشركين القائلين كيف يرسل الله محمداً رسولاً وهو بشر مثلنا لم يرسل ملكاً.. وهو ما أخبر الله تعالى في قوله {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} أي من الرسل {إِلاَّ رِجَالاً} لا ملائكة {نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} بأمرنا وقوله: {فَٱسْأَلُواْ} أيها المشركون المنكرون أن يكون الرسول بشراً، اسألوا أهل الذكر وهو الكتاب الأول أي أسألوا علماء أهل الكتاب اليهود والنصارى هل كان الله تعالى يرسل الرسل من غير البشر {إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} فإنهم يخبرونكم. وما موسى ولا عيسى إلا بشر، وقوله: {بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ} أي أرسلنا أولئك الرسل من البشر بالبينات أي الحجج والدلائل الدالة على وجوب عبادتنا وترك عبادة من سوانا. والزبر أي الكتب. ثم يقول تعالى لرسوله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} وفي هذا تقرير لنبوته وقوله: {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} فيعرفون صدق ما جئتهم به فيؤمنوا. ويتوبوا إلى ربهم فينجوا ويسعدوا. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فضل الهجرة ووجوبها عند اضطهاد المؤمن وعدم تمكنه من عبادة الله تعالى. 2- وجوب سؤال أهل العلم على كل من لا يعلم أمور دينه من عقيدة وعبادة وحكم. 3- السنة لا غنى عنها لأنها المبينة لمجمل القرآن والموضحة لمعانيه.

د. أسعد حومد

تفسير : (41) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنِ الجَزَاءِ الذِي أَعَدَّهُ لِلمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِهِ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ، وَهُمُ الذِينَ فَارَقُوا الدَّارَ وَالإِخْوَانَ وَالخِلاَّنَ، رَجَاءَ ثَوَابِ اللهِ وَحُسْنِ جَزَائِهِ: فَقَالَ إِنَّهُ وَعَدَهُمْ بِالمُجَازَاةِ الحَسَنَةِ فِي الدَّارِ الدُّنْيا وَفِي الدَّارِ الآخِرَةِ، فَأَكْرَمَهُمُ اللهُ بِالسَّكَنِ فِي المَدِينَةِ، وَآتَاهُمُ الرِّزْقَ وَالحَلاَلَ الطَّيِّبَ، وَجَعَلَهُمْ سَادَةً وَأُمَرَاءَ، وَسَيَكُونُ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ اللهِ فِي الآخِرَةِ أَكْبَرَ وَأَعْظَمَ مِمَّا آتَاهُمْ فِي الدُّنْيا. وَلَوْ كَانَ الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الهِجْرَةِ يَعْلَمُونَ مَا ادَّخَرَ اللهُ، لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَاتَّبَعَ رَسُولَهُ، مِنْ عَظِيمِ الثَّوَابِ، لَمَا تَأَخَّرُوا عَنِ اللَّحَاقِ بِهِمْ. لَنُبَوِّئَنَّهُمْ - لَنُنْزِلَنَّهُمْ. حَسَنَةً - مُبَاءَةً حَسَنَةً أَوْ دَاراً أَوْ أُعْطِيَةً حَسَنَةً.

الثعلبي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} عُذّبوا وقُتلوا في الله، نزلت في بلال وصهيب وخبّاب وعمار وعابس وجبير وأبي جندل بن سهيل، أخذهم المشركون بمكة فعذّبوهم. وقال قتادة: يعني أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم ظلمهم أهل مكة وأخرجوهم من ديارهم حتّى لحق جماعة منهم بالحبشة ثمّ بوّأهم الله بالمدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار الهجرة وجعل لهم على من ظلمهم [أنصاراً من المؤمنين والآية تعم الجميع]. {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} أنزلهم المدينة وأطعمهم الغنيمة. ويروى إن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كان إذا أعطى لرجل من المهاجرين عطاء يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ذخر لك في الآخرة أفضل، ثمّ تلا هذه الآية. وقال بعض أهل المعاني: مجاز قوله تعالى: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} ليحسنّن إليهم في الدنيا. {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} في الله على ما نابهم {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} الآية نزلت في مشركي مكة حين أنكروا نبوة محمّد صلى الله عليه وسلم وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً فهّلا بعثت إلينا ملكاً. {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ} يعني هم أهل الكتاب {إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ * بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ} فإن قيل: ما الجالب لهذه الباء؟ قيل: قد اختلفوا في ذلك: فقال بعضهم: هي من صلة أرسلنا و {إِلاَّ} بمعنى غير، مجازه: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر غير رجال يوحى إليهم ولم نبعث ملائكة. وهذا كما تقول: ماضرب إلاّ أخوك عمر، وهل كلم إلاّ أخوك زيداً، بمعنى ماضرب عمر غير أخيك، هل كلم زيداً غير أخيك. قال أوس بن حجر: شعر : أبني لبيني لستمُ بيد إلا يد ليست لها عضد تفسير : يعني غير يده، قال الله {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22] أي غير الله. وقال بعضهم: إنما هذا على كلامين، يريد: وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً أرسلنا بالبينات والزبر ويشهد على ذلك بقول الأعمش: شعر : وليس مجيراً إن أتى الحي خائف ولا قائلا إلاّ هو المتعيّبا تفسير : يقول: لو كان بذلك على كلمة لكان خطأ من سفه القائل، ولكن جاء ذلك على كلامين كقول الآخر: شعر : نبّئتهم عذّبوا بالنار جارهم وهل يعذّب إلاّ الله بالنار تفسير : وتأويل الكلام: وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم أرسلناهم بالبينات والزبر. {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} يعني نمرود بن كنعان وغيره من الكفار وأهل الأوثان {أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ} العقاب {فِي تَقَلُّبِهِمْ} تصرفهم في أسفارهم بالليل والنهار {فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} مسابقي الله {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ}. قال الضحاك والكلبي: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} يعني يأخذ طائفة ويدع فتخاف الطائفة الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها. وقال سائر المفسرين: التخوّف: التنقّص، يعني ينقص من أطرافهم ونواصيهم الشيء بهذا الشيء حتّى يهلك جميعهم. يقال: تخوّف مال فلان الإنفاق، إذا انتقصه وأخذه من حافاته وأطرافه. وقال الهيثم بن عدي: هي لغة لازد شنوءة، وأنشد: شعر : تخوّف عدوهم مالي وأهدى سلاسل في الحلوق لها صليل تفسير : قال سعيد بن المسيب: بينما عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) على المنبر فقال: يا أيها الناس ما تقولون في قول الله: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} فسكت الناس، فقام شيخ فقال: يا أمير المؤمنين هذه لغتنا في هذيل، التخوّف: التنقص، فقال عمر: وهل تعرف العرب ذلك في أشعارهم قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: [يصف ناقة تنقص السير سنامها بعد تمكه واكتنازه]. شعر : تخوّف السير منها تامكاً قرداً كما تخوف عود النبعة السفن تفسير : فقال عمر: شعر : يا أيها الناس عليكم بديوانكم الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم تفسير : {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} يعني لم يعجّل العقوبة { أَوَلَمْ يَرَوْاْ} قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى والأعمش: (تروا) بالتاء على الخطاب، وقرأ الآخرون بالياء خبراً عن الذين مكروا السيئات وهو اختيار الأئمة. {إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} يعني من جسم قائم له ظل {يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ}. بالتاء أهل البصرة. الباقون بالياء، ومعنى قوله {يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ}: يميل ويرجع من جانب إلى جانب فهي في أوّل النهار ثمّ تعود إلى حال أخرى في آخر النهار، فميلانها ودورانها من موضع إلى موضع سجودها، ومنه قيل للظل بالعشي: فيء، لأنه فاء من المغرب إلى المشرق، والفي: الرجوع، قال الله: {أية : حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحجرات: 9] يقال: سجدت النخلة إذا حالت، وسجد البعير وأسجد إذا جعل للركوب، ومثله قال في هذه الآية على هذا التأويل. قتادة والضحاك: أمّا اليمين فأول النهار وأمّا الشمال فآخر النهار، تسجد الضلال لله غدوة إلى أن تفيء الظلال ثمّ تسجد أيضاً إلى الليل. وقال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله. وقال عبد الله بن عمر: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : "أربع قبل الظهر بعد الزوال تحسب بمثلهن في صلاة السحر وليس من شيء إلاّ وهو يسبح لله تعالى تلك الساعة" ثمّ قرأ {يَتَفَيَّؤُاْ} تفسير : الآية. الكلبي: الظل قبل طلوع الشمس عن يمينك وعن شمالك وقدامك وخلفك، ولذلك إذا غابت وإذا طلعت كان قدامك، فإذا إرتفعت كان عن يمينك وإذا كان بعد ذلك كان خلفك، فإذا كان قبل أن تغيب الشمس كان على يسارك فهذا تفيؤه أي تضلله هاهنا وهاهنا، وهو سجوده. وأمّا الوجه في توحيد اليمين وجمع الشمال، فهو أنّ من شأن العرب إذا اجتمعت علامتان في شيء واحد أن يبقى واحدة ويلقى الأخرى، واكتفي بالملقي على الملقى بقوله: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ} تفسير : [البقرة: 7] كقوله: {أية : يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [البقرة: 257]. وقال بعضهم: اليمين راجع إلى قوله: {مَا خَلَقَ} ولفظة من أحد، والشمائل راجعة إلى المعنى وقيل: هذا في الكلام كثير. قال الشاعر: شعر : بفي الشامتين الصخر إن كان هدني رزية شبلي مخدر في الضراغم تفسير : لم يقل: بأفواه الشامتين. وقال آخر: شعر : الواردون وتيم في ذرا سبأ قد عض أعناقهم جلد الجواميس تفسير : لم يقل: جلود. {وَهُمْ دَاخِرُونَ} صاغرون {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [وإنما أخبر ب (ما) عن الذي يعقل ولا يعقل على التغلب، كما يغلب الكثير على القليل والمذكر على المؤنث] {مِن دَآبَّةٍ} يدب عليها كل حيوان يموت، كقوله: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} تفسير : [هود: 6] وقوله: {أية : مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} تفسير : [هود: 56]. {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} خص الملائكة بالذكر مع كونهم من جملتها في الآية لرفع شأنهم، وقيل: لخروجهم من جملة الموصوفين بالتسبيب إذ جعل الله لهم أجنحة كما قال تعالى: {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ} تفسير : [فاطر: 1] فالطيران أغلب عليهم من الدبيب، وقيل: أراد لله يسجد ما في السماوات من الملائكة وما في الأرض من دابة ويسجد ملائكة الأرض. {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ} يعني: يخافون [قدرة] ربهم أن يأتيهم بالعذاب من فوقهم، ويدل عليه قوله: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} ما يؤمرون يعني الملائكة، وقيل: معناه يخافون ربهم الذي فوقهم بالقول والقدرة فلا يعجزه شيء ولا يغلبه أحد [يدل عليه] قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} تفسير : [الأنعام: 18] وقوله إخباراً عن فرعون: {أية : وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 127].

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : المهاجرون قوم آمنوا بالله إيماناً صار إلى مرتبة من مراتب اليقين جعلتهم يتحمَّلون الأذى والظلم والاضطهاد في سبيل إيمانهم، فلا يمكن أن يُضحِّي الإنسان بماله وأهله ونفسه إلا إذا كان لأمر يقينيّ. وقد جاءت هذه الآية بعد آية إثبات البعث الذي أنكره الكافرون وألحُّوا في إنكاره وبالغوا فيه، بل وأقسموا على ذلك: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ..} تفسير : [النحل: 38]. وهم يعلمون أن من الخلق مَنْ يُسيء، ومنهم من يُحسِن، فهل يعتقدون - في عُرْف العقل - أن يتركَ الله من أساء ليُعربد في خَلْق الله دون أن يُجازيه؟ ذلك يعني أنهم خائفون من البعث، فلو أنهم كانوا محسنين لَتَمنَّوا البعث، أمَا وقد أسرفوا على أنفسهم إسرافاً يُشفِقون معه على أنفسهم من الحساب والجزاء، فمن الطبيعي أنْ يُنِكروا البعث، ويلجأوا إلى تمنية أنفسهم بالأماني الكاذبة، ليطمئنوا على أن ما أخذوه من مظالم الناس ودمائهم وكرامتهم وأمنهم أمرٌ لا يُحاسبون عليه. وإذا كانوا قد أنكروا البعث، ويوجد رسول ومعه مؤمنون به يؤمنون بالبعث والجزاء إيماناً يصل إلى درجة اليقين الذي يدفعهم إلى التضحية في سبيل هذا الإيمان .. إذن: لا بُدَّ من وجود معركة شرسة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، معركة بين الحق والباطل. ومن حكمة الله أن ينتشر الإسلام في بدايته بين الضعفاء، حتى لا يظن ظَانٌّ أن المؤمنين فرضوا إيمانهم بالقوة، لا .. هؤلاء هم الضعفاء الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، والكفار هم السادة .. إذن: جاء الإسلام ليعاند الكبارَ الصناديدَ العتاة. وكان من الممكن أن ينصرَ الله هؤلاء الضعفاء ويُعلي كلمة الدين من البداية، ولكن أراد الحق تبارك وتعالى أن تكون الصيحةُ الإيمانية في مكَّة أولاً؛ لأن مكة مركز السيادة في جزيرة العرب، وقريش هم أصحاب المهابة وأصحاب النفوذ والسلطان، ولا تقوى أيَّ قبيلة في الجزيرة أن تعارضها، ومعلوم أنهم أخذوا هذه المكانة من رعايتهم لبيت الله الحرام وخدمتهم للوافدين إليه. فلو أن الإسلام اختار بقعة غير مكة لَقَالوا: إن الإسلام استضعفَ جماعة من الناس، وأغرَاهم بالقول حتى آمنوا به. لا، فالصيحة الإسلاميةُ جاءت في أُذن سادة قريش وسادة الجزيرة الذين أمَّنهم الله في رحلة الشتاء والصيف، وهم أصحاب القوة وأصحاب المال. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم ينصر الله دينه في بلد السادة؟ نقول: لا .. الصيحة في أذن الباطل تكون في بلد السادة في مكة، لكن نُصْرة الدين لا تأتي على يد هؤلاء السادة، وإنما تأتي في المدينة. وهذا من حكمة الله تعالى حتى لا يقول قائل فيما بعد: إن العصبية لمحمد في مكة فرضتْ الإيمان بمحمد .. لا بل يريد أن يكون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي خلق العصبية لمحمد، فجاء له بعصبية بعيدة عن قريش، وبعد ذلك دانتْ لها قريش نفسها. وما دامت هناك معركة، فمَن المطحون فيها؟ المطحون فيها هو الضعيف الذي لا يستطيع أنْ يحميَ نفسه .. وهؤلاء هم الذين ظُلِموا .. ظُلِموا في المكان الذي يعيشون فيه؛ ولذلك كان ولا بُدَّ أن يرفع الله عنهم هذا الظلم. وقد جاء رَفْع الظلم عن هؤلاء الضعفاء على مراحل .. فكانت المرحلة الأولى أن ينتقلَ المستضعفون من مكة، لا إلى دار إيمان تحميهم وتساعدهم على نَشْر دينهم، بل إلى دار أَمْن فقط يأمنون فيها على دينهم .. مجرد أَمْن يتيح لهم فرصة أداء أوامر الدين. ولذلك استعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاد كلها لينظر أيَّ الأماكن تصلح دار أَمْن يهاجر إليها المؤمنون بدعوته فلا يعارضهم أحد، فلم يجد إلا الحبشة؛ ولذلك قال عنها: "إن بأرض الحبشة ملكاً لا يُظلم عنده أحد، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه". وتكفي هذه الصفة في ملك الحبشة ليهاجر إليه المؤمنون، ففي هذه المرحلة من نُصْرة الدين لا نريد أكثر من ذلك، وهكذا تمت الهجرة الأولى إلى الحبشة. ثم يسَّر الله لدينه أتباعاً وأنصاراً التقوْا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على النُّصْرة والتأييد، ذلكم هم الأنصار من أهل المدينة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة ومَهَّدوا للهجرة الثانية إلى المدينة، وهي هجرةٌ - هذه المرة - إلى دار أَمْن وإيمان، يأمن فيها المسلمون على دينهم، ويجدون الفرصة لنشره في رُبُوع المعمورة. ونقف هنا عند قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ...} [النحل: 41]. ومادة هذا الفعل: هجر .. وهناك فَرْق بين هجر وبين هاجر: هجر: أن يكره الإنسانُ الإقامةَ في مكان، فيتركه إلى مكان آخر يرى أنه خَيْرٌ منه، إنما المكان نفسه لم يُكرهه على الهجرة .. أي المعنى: ترك المكان مختاراً. أما هاجر: وهي تدل على المفاعلة من الجانبين، فالفاعل هنا ليس كارهاً للمكان، ولكن المفاعلة التي حدثتْ من القوم هي التي اضطرتْه للهجرة .. وهذا ما حدث في هجرة المؤمنين من مكة؛ لأنهم لم يتركوها إلى غيرها إلاَّ بعد أن تعرضوا للاضطهاد والظُلْم، فكأنهم بذلك شاركوا في الفعل، فلو لم يتعرَّضوا لهم ويظلموهم لما هاجروا. ولذلك قال الحق تبارك وتعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ ...} [النحل: 41]. وينطبق هذا المعنى على قول المتنبي: شعر : إِذَا ترحلْتَ عن قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوا ألاَّ تُفارِقهم فَالرَّاحِلُون هُمُوا تفسير : يعني: إذا كنت في جماعة وأردْتَ الرحيل عنهم، وفي إمكانهم أن يقدموا لك من المساعدة ما يُيسِّر لك الإقامة بينهم ولكنهم لم يفعلوا، وتركوك ترحل مع مقدرتهم، فالراحلون في الحقيقة هم، لأنهم لم يساعدوك على الإقامة. كذلك كانت الحال عندما هاجر المؤمنون من مكة؛ لأنه أيضاً لا يعقل أن يكره هؤلاء مكة وفيها البيت الحرام الذي يتمنى كل مسلم الإقامة في جواره. إذن: لم يترك المهاجرون مكة، بل اضطروا إلى تركها وأجبروا عليه، وطبيعي إذن أن يلجأوا إلى دار أخرى حتى تقوى شوكتهم ثم يعودون للإقامة ثانية في مكة إقامة طبيعية صحيحة. ثم إن الحق تبارك وتعالى قال: {هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ ...} [النحل: 41]. ونلاحظ في الحديث الشريف الذي يوضح معنى هذه الآية: "حديث : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". تفسير : فما الفرق هنا بين: هاجر في الله، وهاجر إلى الله؟ هاجر إلى مكان تدل على أن المكان الذي هاجر إليه أفضل من الذي تركه، وكأن الذي هاجر منه ليس مناسباً له. أما هاجر في الله فتدل على أن الإقامة السابقة كانت أيضاً في الله .. إقامتهم نفسها في مكة وتحمُّلهم الأذى والظلم والاضطهاد كانت أيضاً في الله. أما لو قالت الآية "هاجروا إلى الله" لدلَّ ذلك على أن إقامتهم الأولى لم تكن لله .. إذن: معنى الآية: {هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ ..} [النحل: 41]. أي: أن إقامتهم كانت لله، وهجرتهم كانت لله. ومثل هذا قوله تعالى: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ..} تفسير : [آل عمران: 133]. أي: إذا لم تكونوا في مغفرة فسارعوا إلى المغفرة، وفي الآية الأخرى: {أية : يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ..} تفسير : [المؤمنون: 61]. ذلك لأنهم كانوا في خير سابق، وسوف يسارعون إلى خير آخر .. أي: أنتم في خير ولكن سارعوا إلى خير منه. وهناك ملمح آخر في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ ..} [النحل: 41]. نلاحظ أن كلمة "الذين" جمع .. لكن هل هي خاصة بمَنْ نزلت فيهم الآية؟ أم هي عامة في كُلِّ مَنْ ظُلِم في أيِّ مكان - في الله - ثم هاجر منه؟ الحقيقة أن العبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهي عامة في كل مَنْ انطبقت عليه هذه الظروف، فإن كانت هذه الآية نزلت في نفر من الصحابة منهم: صُهيب، وعمار، وخباب، وبلال، إلا أنها تنتظم غيرهم مِمَّن اضطروا إلى الهجرة فِراراً بدينهم. ونعلم قصة صهيب رضي الله عنه - وكان رجلاً حداداً - لما أراد أنْ يهاجر بدينه، عرض الأمر على قريش: والله أنا رجل كبير السِّنِّ، إنْ كنت معكم فلن أنفعكم، وإنْ كنت مع المسلمين فلن أضايقكم، وعندي مال .. خذوه واتركوني أهاجر، فرضَوْا بذلك، وأخذوا مال صُهَيب وتركوه لهجرته. ولذلك قال له صلى الله عليه وسلم: "حديث : ربح البيع يا صُهَيْب" تفسير : أي: بيعة رابحة. ويقول له عمر - رضي الله عنه: "نِعْم العبدُ صُهيب، لو لم يخَفِ الله لم يَعْصِه". وكأن عدم عصيانه ليس خوفاً من العقاب، بل حُبّاً في الله تعالى، فهو سبحانه لا يستحق أنْ يُعصى. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ..} [النحل: 41]. نُبوِّئ، مثل قوله تعالى: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ ..} تفسير : [الحج: 26]. أي: بيَّنا له مكانه، ونقول: باء الإنسان إلى بيته إذا رجع إليه، فالإنسان يخرج للسعي في مناكب الأرض في زراعة أو تجارة، ثم يأوي ويبوء إلى بيته، إذن: باء بمعنى رجع، أو هو مسكن الإنسان، وما أعدَّه الله له. فإنْ كان المؤمنون سيخرجون الآن من مكة مغلوبين مضطهدين فسوف نعطيهم ونُحِلهم ونُنزِلهم منزلةً أحسن من التي كانوا فيها، فقد كانوا مُضطهدين في مكة، فأصبحوا آمنين في المدينة، وإنْ كانوا تركوا بلدهم فسوف نُمهّد لهم الدنيا كلها ينتشرون فيها بمنهج الله، ويجنُون خير الدنيا كلها، ثم بعد ذلك نُرجعهم إلى بلدهم سادة أعزَّة بعد أن تكون مكة بلداً لله خالصة من عبادة الأوثان والأصنام .. هذه هي الحسنة في الدنيا. ثم يقول تعالى: {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ ..} [النحل: 41]. ما ذكرناه من حسنة الدنيا وخيرها للمؤمنين هذا من المعجِّلات للعمل، ولكن حسنات الدنيا مهما كانت ستؤول إلى زوال، إما أنْ تفارقها، وإما أن تُفارقك، وقد أنجز الله وَعْده للمؤمنين في الدنيا، فعادوا منتصرين إلى مكة، بل دانتْ لهم الجزيرة العربية كلها بل العالم كله، وانساحوا في الشرق في فارس، وفي الغرب في الرومان، وفي نصف قرن كانوا سادة العالم أجمع. وإنْ كانت هذه هي حسنة الدنيا المعَجَّلة، فهناك حسنة الآخرة المؤجلة: {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ ..} [النحل: 41]. أي: أن ما أعدَّ لهم من نعيم الآخرة أعظم مما وجدوه في الدنيا. ولذلك كان سيدنا عمر - رضي الله عنه - إذا أعطى أحد الصحابة نصيب المهاجرين من العطاء يقول له: "بارك الله لك فيه .. هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أكبر من هذا". فهذه حسنة الدنيا. {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ ..} [النحل: 41]. وساعة أنْ تسمع كلمة (أكبر) فاعلم أن مقابلها ليس أصغر أو صغير، بل مقابلها (كبير) فتكون حسنة الدنيا التي بوَّأهم الله إياها هي (الكبيرة)، لكن ما ينتظرهم في الآخرة (أكبر). وكذلك قد تكون صيغةُ أفعل التفضيل أقلَّ في المدح من غير أفعل التفضيل .. فمن أسماء الله الحسنى (الكبير) في حين أن الأكبر صفةٌ من صفاته تعالى، وليس اسماً من أسمائه، وفي شعار ندائنا لله نقول: الله أكبر ولا نقول: الله كبير .. ذلك لأن كبير ما عداه يكون صغيراً .. إنما أكبر، ما عداه يكون كبيراً، فنقول في الأذان: الله أكبر لأن أمور الدنيا في حَقِّ المؤمن كبيرة من حيث هي وسيلة للآخرة. فإياك أنْ تظنَّ أن حركةَ الدنيا التي تتركها من أجل الصلاة أنها صغيرة، بل هي كبيرة بما فيها من وسائل تُعينك على طاعة الله، فبها تأكل وتشرب وتتقوَّى، وبها تجمع المال لِتسُدَّ به حاجتك، وتُؤدِّي الزكاة إلى غير ذلك، ومن هنا كانت حركة الدنيا كبيرة، وكانت الصلاة والوقوف بين يدي الله أكبر. ولذلك حينما قال الحق تبارك وتعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ..} تفسير : [الجمعة: 9]. أخرجنا بهذا النداء من عمل الدنيا وحركتها، ثم قال: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الجمعة: 10]. فأمرنا بالعودة إلى حركة الحياة؛ لأنها الوسيلةُ للدار الآخرة، والمزرعة التي نُعد فيها الزاد للقاء الله تعالى .. إذن: الدنيا أهم من أنْ تُنسَى من حيث هي معونة للآخرة، ولكنها أتفَهُ من أن تكونَ غاية في حَدِّ ذاتها. ثم يقول الحق سبحانه: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [النحل: 41]. الخطاب هنا عن مَنْ؟ الخطاب هنا يمكن أن يتجه إلى ثلاثة أشياء: يمكن أنْ يُراد به الكافرون .. ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون عاقبة الإيمان وجزاء المؤمنين لآثروه على الكفر. ويمكن أنْ يُراد به المهاجرون .. ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون لازدادوا في عمل الخير. وأخيراً قد يُرَاد به المؤمن الذي لم يهاجر .. ويكون المعنى: لو كان يعلم نتيجة الهجرة لسارع إليها. وهذه الأوجه التي يحتملها التعبير القرآني دليل على ثراء الأداء وبلاغة القرآن الكريم، وهذا ما يسمونه تربيب الفوائد. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى بفضل المؤمنين الممتحنين { الَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ } أي: في سبيله وابتغاء مرضاته { مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا } بالأذية والمحنة من قومهم، الذين يفتنونهم ليردوهم إلى الكفر والشرك، فتركوا الأوطان والخلان، وانتقلوا عنها لأجل طاعة الرحمن، فذكر لهم ثوابين: ثوابا عاجلا في الدنيا من الرزق الواسع والعيش الهنيء، الذي رأوه عيانا بعد ما هاجروا، وانتصروا على أعدائهم، وافتتحوا البلدان وغنموا منها الغنائم العظيمة، فتمولوا وآتاهم الله في الدنيا حسنة. { وَلأجْرُ الآخِرَةِ } الذي وعدهم الله على لسان رسوله { أَكْبَرُ } من أجر الدنيا، كما قال تعالى: {أية : الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ *خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } تفسير : وقوله: { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } أي: لو كان لهم علم ويقين بما عند الله من الأجر والثواب لمن آمن به وهاجر في سبيله لم يتخلف عن ذلك أحد. ثم ذكر وصف أوليائه فقال: { الَّذِينَ صَبَرُوا } على أوامر الله وعن نواهيه، وعلى أقدار الله المؤلمة، وعلى الأذية فيه والمحن { وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } أي: يعتمدون عليه في تنفيذ محابّه، لا على أنفسهم. وبذلك تنجح أمورهم وتستقيم أحوالهم، فإن الصبر والتوكل ملاك الأمور كلها، فما فات أحدا شيء من الخير إلا لعدم صبره وبذل جهده فيما أريد منه، أو لعدم توكله واعتماده على الله.

همام الصنعاني

تفسير : 1486- حدثنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن داود بن أبي هند، قال: نزلت {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا ...}: [الآية: 41]، نزلت في أبي جَنْدل بن سُهيْلٍ.