١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
43
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الشبهة الخامسة لمنكري النبوة كانوا يقولون: الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحداً من البشر، بل لو أراد بعثة رسول إلينا لكان يبعث ملكاً، وقد ذكرنا تقرير هذه الشبهة في سورة الأنعام فلا نعيده ههنا، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عنهم: { أية : وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } تفسير : [الأنعام: 8] وقالوا: { أية : أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } تفسير : [المؤمنون: 47] وقالوا: { أية : مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مّثْلَكُمْ } تفسير : [المؤمنون: 33، 34] وقال: { أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مّنْهُمْ } تفسير : [يونس: 2] وقالوا: { أية : لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } تفسير : [الفرقان: 7]. فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ } والمعنى: أن عادة الله تعالى من أول زمان الخلق والتكليف أنه لم يبعث رسولاً إلا من البشر، فهذه العادة مستمرة لله سبحانه وتعالى، وطعن هؤلاء الجهال بهذا السؤال الركيك أيضاً طعن قديم فلا يلتفت إليه. المسألة الثانية: دلت الآية على أنه تعالى ما أرسل أحداً من النساء، ودلت أيضاً على أنه ما أرسل ملكاً، لكن ظاهر قوله: { أية : جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } تفسير : [فاطر: 1] يدل على أن الملائكة رسل الله إلى سائر الملائكة، فكان ظاهر هذه الآية دليلاً على أنه ما أرسل رسولاً من الملائكة إلى الناس. قال القاضي: وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء عليهم السلام إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة. ثم قال القاضي: لعله أراد أن الملك الذي يرسل إلى الأنبياء عليهم السلام بحضرة أممهم، لأنه إذا كان كذلك فلا بد من أن يكون أيضاً بصورة الرجال، كما روي أن جبريل عليه السلام حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي وفي صورة سراقة، وإنما قلنا ذلك لأن المعلوم من حال الملائكة أن عند إبلاغ الرسالة من الله تعالى إلى الرسول قد يبقون على صورتهم الأصلية الملكية، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها مرتين، وعليه تأولوا قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ } تفسير : [النجم: 13] ولما ذكر الله تعالى هذا الكلام أتبعه بقوله: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في المراد بأهل الذكر وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أهل التوراة، والذكر هو التوراة. والدليل عليه قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ } تفسير : [الأنبياء: 105] يعني التوراة. الثاني: قال الزجاج: فاسألوا أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب الله تعالى، فإنهم يعرفون أن الأنبياء كلهم بشر، والثالث: أهل الذكر أهل العلم بأخبار الماضين، إذ العالم بالشيء يكون ذاكراً له. والرابع: قال الزجاج: معناه سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق. وأقول: الظاهر أن هذه الشبهة وهي قولهم: الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحداً من البشر إنما تمسك بها كفار مكة، ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله بأن يرجعوا في هذه المسألة إلى اليهود والنصارى ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها، فإن اليهودي والنصراني لا بد لهما من تزييف هذه الشبهة وبيان سقوطها. المسألة الثانية: اختلف الناس في أنه هل يجوز للمجتهد تقليد المجتهد؟ منهم من حكم بالجواز واحتج بهذه الآية فقال: لما لم يكن أحد المجتهدين عالماً وجب عليه الرجوع إلى المجتهد الآخر الذي يكون عالماً لقوله تعالى: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } فإن لم يجب فلا أقل من الجواز. المسألة الثالثة: احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: المكلف إذا نزلت به واقعة فإن كان عالماً بحكمها لم يجز له القياس، وإن لم يكن عالماً بحكمها وجب عليه سؤال من كان عالماً بها لظاهر هذه الآية، ولو كان القياس حجة لما وجب عليه سؤال العالم لأجل أنه يمكنه استنباط ذلك الحكم بواسطة القياس، فثبت أن تجويز العمل بالقياس يوجب ترك العمل بظاهر هذه الآية فوجب أن لا يجوز، والله أعلم. وجوابه: أنه ثبت جواز العمل بالقياس بإجماع الصحابة، والإجماع أقوى من هذا الدليل، والله أعلم. ثم قال تعالى: {بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ذكروا في الجالب لهذه الباء وجوهاً: الأول: أن التقدير: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالاً يوحى إليهم، وأنكر الفراء ذلك وقال: إن صلة ما قبل إلا لا يتأخر إلى بعد، والدليل عليه: أن المستثنى عنه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته، فما لم يصر هذا المجموع مذكوراً بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه. الثاني: أن التقدير: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً يوحى إليهم بالبينات والزبر، وعلى هذا التقدير فقوله: {بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ } متعلق بالمستثنى. والثالث: أن الجالب لهذا الباء محذوف، والتقدير أرسلناهم بالبينات وهذا قول الفراء. قال: ونظيره ما مر إلا أخوك بزيد ما مر إلا أخوك ثم يقول مر بزيد. الرابع: أن يقال: الذكر بمعنى العلم، والتقدير فاسألوا أهل الذكر بالبينات والزبر إن كنتم لا تعلمون. الخامس: أن يكون التقدير: إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر فاسألوا أهل الذكر. المسألة الثانية: قوله تعالى: {بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ } لفظة جامعة لكل ما تكامل به الرسالة، لأن مدار أمرها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات وعلى التكاليف التي يبلغها الرسول من الله تعالى إلى العباد وهي الزبر. ثم قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: ظاهر هذا الكلام يقتضي أن هذا الذكر مفتقر إلى بيان رسول الله والمفتقر إلى البيان مجمل، فظاهر هذا النص يقتضي أن القرآن كله مجمل، فلهذا المعنى قال بعضهم متى وقع التعارض بين القرآن وبين الخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والدليل عليه هذه الآية، والخبر مبين له بدلالة هذه الآية، والمبين مقدم على المجمل. والجواب: أن القرآن منه محكم، ومنه متشابه، والمحكم يجب كونه مبيناً فثبت أن القرآن ليس كله مجملاً بل فيه ما يكون مجملاً فقوله: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } محمول على المجملات. المسألة الثانية: ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو المبين لكل ما أنزله الله تعالى على المكلفين، فعند هذا قال نفاة القياس لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول بيان كل ما أنزله الله تعالى على المكلفين من الأحكام، لاحتمال أن يبين المكلف ذلك الحكم بطريقة القياس، ولما دلت هذه الآية على أن المبين لكل التكاليف والأحكام، هو الرسول صلى الله عليه وسلم علمنا أن القياس ليس بحجة. وأجيب عنه بأنه صلى الله عليه وسلم لما بين أن القياس حجة، فمن رجع في تبيين الأحكام والتكاليف إلى القياس، كان ذلك في الحقيقة رجوعاً إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم قال تعالى: {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيّئَاتِ } المكر في اللغة عبارة عن السعي بالفساد على سبيل الإخفاء، ولا بد ههنا من إضمار، والتقدير: المكرات السيئات، والمراد أهل مكة ومن حول المدينة. قال الكلبي: المراد بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله تعالى، والأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه على سبيل الخفية، ثم إنه تعالى ذكر في تهديدهم أموراً أربعة: الأول: أن يخسف الله بهم الأرض كما خسف بقارون. الثاني: أن يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، والمراد أن يأتيهم العذاب من السماء من حيث يفجؤهم فيهلكهم بغتة كما فعل بقوم لوط. والثالث: أن يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين، وفي تفسير هذا التقلب وجوه: الأول: أنه يأخذهم بالعقوبة في أسفارهم، فإنه تعالى قادر على إهلاكهم في السفر كما أنه قادر على إهلاكهم في الحضر وهم لا يعجزون الله بسبب ضربهم في البلاد البعيدة بل يدركهم الله حيث كانوا، وحمل لفظ التقلب على هذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى: { أية : لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ } تفسير : [آل عمران: 196]. وثانيهما: تفسير هذا اللفظ بأنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم وحقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم. وثالثها: أن يكون المعنى أو يأخذهم في حال ما ينقلبون في قضايا أفكارهم فيحول الله بينهم وبين إتمام تلك الحيل قسراً كما قال: { أية : وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصّرٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ } تفسير : [يس: 66] وحمل لفظ التقلب على هذا المعنى مأخوذ من قوله: { أية : وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأمُورَ } تفسير : [التوبة: 48] فإنهم إذا قلبوها فقد تقلبوا فيها. والنوع الرابع: من الأشياء التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية على سبيل التهديد قوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ } وفي تفسير التخوف قولان: القول الأول: التخوف تفعل من الخوف، يقال خفت الشيء وتخوفته والمعنى أنه تعالى لا يأخذهم بالعذاب أولاً بل يخيفهم أولاً ثم يعذبهم بعده، وتلك الإخافة هو أنه تعالى يهلك فرقة فتخاف التي تليها فيكون هذا أخذاً ورد عليهم بعد أن يمر بهم قبل ذلك زماناً طويلاً في الخوف والوحشة. والقول الثاني: أن التخوف هو التنقص قال ابن الأعرابي يقال: تخوفت الشيء وتخفيته إذا تنقصته، وعن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون في هذه الآية؟ فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص، فقال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم. قال شاعرنا وأنشد: شعر : تخوف الرحل منها تامكا قردا كما تخوف عود النبعة السفن تفسير : فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال شعر الجاهلية فيه تفسير كتابكم. إذا عرفت هذا فنقول: هذا التنقص يحتمل أن يكون المراد منه ما يقع في أطراف بلادهم كما قال تعالى: { أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } تفسير : [الأنبياء: 44] والمعنى أنه تعالى لا يعاجلهم بالعذاب ولكن ينقص من أطراف بلادهم إلى القرى التي تجاورهم حتى يخلص الأمر إليهم فحينئذ يهلكهم، ويحتمل أن يكون المراد أنه ينقص أموالهم وأنفسهم قليلاً قليلاً حتى يأتي الفناء على الكل فهذا تفسير هذه الأمور الأربعة، والحاصل أنه تعالى خوفهم بخسف يحصل في الأرض أو بعذاب ينزل من السماء أو بآفات تحدث دفعة واحدة حال ما لا يكونون عالمين بعلاماتها ودلائلها، أو بآفات تحدث قليلاً قليلاً إلى أن يأتي الهلاك على آخرهم ثم ختم الآية بقوله: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } والمعنى أنه يمهل في أكثر الأمور لأنه رؤوف رحيم فلا يعاجل بالعذاب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} قراءة العامة «يُوحَى» بالياء وفتح الحاء. وقرأ حفص عن عاصم «نُوحي إليهم» بنون العظمة وكسر الحاء. نزلت في مشركي مكة حيث أنكروا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً، فهلاّ بعث إلينا مَلَكاً؛ فردّ الله تعالى عليهم بقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} إلى الأمم الماضية يا محمد «إلا رِجالا» آدميين. {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ} قال سفيان: يعني مؤمني أهل الكتاب. {إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} يخبرونكم أن جميع الأنبياء كانوا بشراً. وقيل: المعنى فاسألوا أهل الكتاب فإن لم يؤمنوا فهم معترفون بأن الرسل كانوا من البشر. رُوِيَ معناه عن ابن عباس ومجاهد. وقال ابن عباس: أهل الذكر أهل القرآن. وقيل: أهل العلم، والمعنى متقارب. {بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ} قيل: «بالبينات» متعلق بـ «أرسلنا». وفي الكلام تقديم وتأخير، أي ما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالاً ـ أي غير رجال، فـ «إلاّ» بمعنى غير؛ كقوله: لا إلٰه إلا الله، وهذا قول الكلبيّ ـ نوحِي إليهم. وقيل: في الكلام حذف دل عليه «أرسلنا» أي أرسلناهم بالبينات والزبر. ولا يتعلق «بِالبيناتِ» بـ «ـأرسلنا» الأوّل على هذا القول؛ لأن ما قبل «إلاّ» لا يعمل فيما بعدها، وإنما يتعلق بأرسلنا المقدّرة، أي أرسلناهم بالبينات. وقيل: مفعول بـ «تعلمون» والباء زائدة، أو نصب بإضمار أعني؛ كما قال الأعشى:شعر : وليس مُجِيراً إن أتى الحيَّ خائف ولا قائلاً إلا هو المتعيَّبَا تفسير : أي أعني المتعِيّب. والبينات: الحجج والبراهين. والزُّبُر: الكتب. وقد تقدّم في آل عمران. {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ} يعني القرآن. {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } في هذا الكتاب من الأحكام والوعد والوعيد بقولك وفعلك؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم مبيِّن عن الله عز وجل مراده مما أجمله في كتابه من أحكام الصلاة والزكاة، وغيرِ ذلك مما لم يفصّله. وقد تقدّم هذا المعنى مستوفىً في مقدّمة الكتاب، والحمد لله. {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} فيتّعظون.
البيضاوي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ} رد لقول قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً، أي جرت السنة الإِلهية بأن لا يبعث للدعوة العامة إلا بشراً يوحي إليه على ألسنة الملائكة، والحكمة في ذلك وقد ذكرت في سورة «الأنعام» فإن شككتم فيه. {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ} أهل الكتاب أو علماء الأخبار ليعلموكم. {إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا ملكاً للدعوة العامة وقوله: {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً }تفسير : [فاطر: 1] معناه رسلاً إلى الملائكة أو إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقيل لم يبعثوا إلى الأنبياء إلا متمثلين بصورة الرجال. ورد بما روي: حديث : أنه عليه الصلاة والسلام رأى جبريل صلوات الله عليه على صورته التي هو عليها مرتين. تفسير : وعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم.
ابن كثير
تفسير : قال الضحاك: عن ابن عباس: لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً، أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً، فأنزل: {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} تفسير : [يونس: 2] الآية، وقال: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِىۤ إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} يعني: أهل الكتب الماضية، أبشراً كانت الرسل إليهم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة، أنكرتم، وإن كانوا بشراً، فلا تنكروا أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، قال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِىۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} تفسير : [يوسف: 109] ليسوا من أهل السماء كما قلتم، وكذا روي عن مجاهد عن ابن عباس: أن المراد بأهل الذكر أهل الكتاب، وقاله مجاهد والأعمش، وقول عبد الرحمن بن زيد: الذكر القرآن، واستشهد بقوله: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9] صحيح، لكن ليس هو المراد ههنا، لأن المخالف لا يرجع في إثباته بعد إنكاره إليه، وكذا قول أبي جعفر الباقر: نحن أهل الذكر، ومراده أن هذه الأمة أهل الذكر، صحيح؛ فإن هذه الأمة أعلم من جميع الأمم السالفة. وعلماء أهل بيت رسول الله عليهم السلام والرحمة من خير العلماء إذا كانوا على السنة المستقيمة كعلي وابن عباس وابني علي الحسن والحسين، ومحمد بن الحنفية وعلي بن الحسين زين العابدين، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبي جعفر الباقر، وهو محمد بن علي بن الحسين، وجعفر ابنه، وأمثالهم وأضرابهم وأشكالهم ممن هو متمسك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، وعرف لكل ذي حق حقه، ونزل كل المنزل الذي أعطاه الله ورسوله، واجتمعت عليه قلوب عباده المؤمنين، والغرض أن هذه الآية الكريمة أخبرت بأن الرسل الماضين قبل محمد صلى الله عليه وسلمكانوا بشراً كما هو بشر؛ كما قال تعالى: {أية : قُلْ سُبْحَـٰنَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 93-94] وقال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان: 20] وقال تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَـٰلِدِينَ} تفسير : [الأنبياء: 8] وقال: {أية : قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [الأحقاف: 9] وقال تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ} تفسير : [الكهف: 11] ثم أرشد الله تعالى من شك في كون الرسل كانوا بشراً إلى سؤال أصحاب الكتب المتقدمة عن الأنبياء الذين سلفوا: هل كان أنبياؤهم بشراً أو ملائكة؟ ثم ذكر تعالى أنه أرسلهم {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي: بالحجج والدلائل {وَٱلزُّبُرِ} وهي الكتب، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم، والزبر جمع زبور، تقول العرب: زبرت الكتاب إذا كتبته. وقال تعالى: {أية : وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى ٱلزُّبُرِ } تفسير : [القمر: 52] وقال: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 105] ثم قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ} يعني: القرآن {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} أي: من ربهم؛ لعلمك بمعنى ما أنزل الله، وحرصك عليه، واتباعك له، ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق، وسيد ولد آدم، فتفصل لهم ما أجمل، وتبين لهم ما أشكل {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي: ينظرون لأنفسهم، فيهتدون، فيفوزون بالنجاة في الدارين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ } لا ملائكة {فَٱسئَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ } العلماء بالتوراة والإِنجيل {إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك فإنهم يعلمونه وأنتم إلى تصديقهم أقرب من تصديق المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل:{وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم}هذا خطابٌ لمشركي قريش. {فاسألوا أهل الذكر إن كنت لا تعلمون}فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن أهل الذكر العلماء بأخبار من سلف من القرون الخالية الذين يعلمون أن الله تعالى ما بعث رسولاً إلا من رجال الأمة، وما بعث إليهم ملكاً. الثاني: أنه عنى بأهل الذكر أهل الكتاب خاصة، قاله ابن عباس ومجاهد. الثالث: أنهم أهل القرآن، قاله ابن زيد. قوله تعالى: {... وأنزلنا إليك الذِّكر لتبين للناس ما نُزِّلَ إليهم} تأويلان: أحدهما: أنه القرآن. الثاني: أنه العلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {الذِّكْرِ} العلماء بأخبار القرون الخالية يعلمون أن الله ـ تعالى ـ ما بعث رسولاً إلا من رجال الأمة ولم يبعث ملكاً أو أهل الكتاب خاصة "ع"، أو أهل القرآن.
النسفي
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ } ــ يوحى اليهم ــ على ألسنة الملائكة. {نوحي} حفص {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ } أهل الكتاب ليعلموكم أن الله لم يبعث إلى الأمم السالفة إلا بشراً. وقيل للكتاب الذكر لأنه موعظة وتنبيه للغافلين {إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَـاتِ وَالزُّبُرِ} أي بالمعجزات والكتب والباء يتعلق بـ {رجالاً} صفة له أي رجالاً ملتبسين بالبينات، أو بأرسلنا مضمراً كأنه قيل: بم أرسل الرسل؟ فقيل: بالبينات، أو بـ {يوحي} أي يوحي إليهم بالبينات أو بـ {لا تعلمون}، وقوله: {فاسألوا أهل الذكر} اعتراض على الوجوه المتقدمة وقوله {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ} القرآن {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } في الذكر مما أمروا به ونهوا عنه ووعدوا به وأوعدوا {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } في تنبيهاته فينتبهوا {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ } أي المكرات السيئات، وهم أهل مكة وما مكروا به رسول الله عليه السلام {أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ } كما فعل بمن تقدمهم {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } أي بغتة {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ } متقلبين في مسايرهم ومتاجرهم {فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ } متخوفين وهو أن يهلك قوماً قبلهم فيتخوفوا فيأخذهم العذاب وهم متخوفون متوقعون وهو خلاف قوله {أية : من حيث لا يشعرون}تفسير : [الزمر: 25] {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } حيث يحلم عنكم ولا يعاجلكم مع استحقاقكم، والمعنى أنه إذا لم يأخذكم مع ما فيكم فإنما رأفته تقيكم ورحمته تحميكم .
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {نوحي} بالنون: حفص غير الخزاز. الباقون بالياء مجهولاً {أو لم تروا} بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف {تتفيؤ} بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب، الآخرون على الغيبة. الوقوف: {لا تعلمون} ه لا لتعلق الباء {والزبر} ط {يتفكرون} ه {لا يشعرون} ه لا للعطف {بمعجزين} ه لا كذلك {على تخوّف} ط للفصل بين الاستخبار والإخبار {رحيم} ه {داخرون} ه {لا يستكبرون} ه {ما يؤمرون} ه {اثنين} ج للابتداء بانما مع اتحاد القائل {واحد} ج للعدول مع الفاء {فارهبون} ه {واصباً} ط {تتقون} ه {تجأرون} ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع شدة اتصال المعنى {يشركون} ه لا لتعلق لام كي {آتيناهم} ط للعدول والفاء للاستئناف {تعلمون} ه {رزقناهم} ط {تفترون} ه {سبحانه} لا لأن ما بعده من جملة مفعول {يجعلون} و {سبحانه} معترض للتنزيه {يشتهون} ه {كظيم} ه ج لاحتمال أن ما بعد وصف {لكظيم} أو استنئاف. {ما بشر به} ط لأن التقدير يتفكر في نفسه المسألة {في التراب} ط {ما يحكمون} ه {السوء} ج لتضاد الجملتين معنى مع العطف لفظاً {الأعلى} ط {الحكيم} ه. التفسير: الشبهة الخامسة أن قريشاً كانوا يقولون الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله بشراً فأجاب سبحانه بقوله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً} والمراد أن هذه عادة مستمرة من أوّل زمان الخلق والتكليف. وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة. قال القاضي: ولعله أراد الملك الذي يرسل إلى الأنبياء بحضرة أممهم كما روي أن جبرائيل عليه السلام كان يأتي في صورة دحية وفي صورة سراقة، وإنما قيدنا بحضرة الأمم لأن الملائكة قد يبعثون على صورتهم الأصلية عند إبلاغ الرسالة من الله إلى نبيه كما روي أنه صلى الله عليه وسلم رآى جبرائيل على صورته التي هو عليها مرتين. وعليه تأوّلوا قوله: {أية : ولقد رآه نزلة أخرى}تفسير : [النجم: 13] ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله - أعني قريشاً - بأن يرجعوا إليهم في هذه المسألة ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها وذلك قوله: {فاسئلوا أهل الذكر} قال بعض الأصولين: فيه دليل على أنه يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر فيما يشتبه عليه. واحتج نفاة القياس بالآية قالوا: لو كان حجة لما وجب على المكلف السؤال بل كان عليه أن يستنبط ذلك الحكم بواسطة القياس. وأجيب بأنه قد ثبت العمل بالقياس لإجماع الصحابة، والإجماع أقوى من ظاهر النص. أما قوله: {بالبينات} ففي متعلقه وجوه منها: أن يتعلق بـ {أرسلنا} داخلاً تحت حكم الاستثناء مع {رجالاً} وأنكر الفراء ذلك قال: إن صلة ما قبل "إلا" لا تتأخر على ما بعد "إلا" لأن المستثنى منه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته كما لو قيل: ما أرسلنا بالبينات إلا رجالاً. ولما لم يصر هذا المجموع مذكوراً بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه. ومنها أن يتعلق بـ {رجالاً} صفة له أي رجالاً متلبسين بالبينات. ومنها أن يتعلق بـ {أرسلنا} مضمراً نظيره "ما مر إلا أخوك"، ثم تقول "مرَّ بزيد" قاله الفراء. ومنها أن يتعلق بـ {بيوحى} أي يوحى إليهم بالبينات. ومنها أن يتعلق بالذكر بناء على أنه بمعنى العلم. ومنها أن يتعلق بـ {لا تعلمون} أي إن كنتم لا تعلمون بالبينات وبالزبر فاسألوا. وقال في الكشاف: الشرط ههنا في معنى التبكيت والإلزام كقول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني حقي. قلت: أراد أن عدم علمهم مقرر كما أن عمل الأجير ثابت. وسلم جار الله أن مثل قوله: {فاسألوا} جواب الشرط على هذا الوجه. وأما على الوجوه المتقدمة فجزم أنه اعتراض بناء على أن جواب الشرط هو ما دل عليه قوله {وما أرسلنا} الخ. وعندي أن هذا الجزم ليس بحتم ويجوز على كل الوجوه أن يكون مثل {فاسألوا} جواباً والله أعلم. وأهل الذكر أهل التوراة. كقوله: {أية : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر}تفسير : [الأنبياء: 105] يعني التوراة. وقال الزجاج: سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق. وقوله: {بالبينات والزبر} لفظ جامع لكل ما تتكامل به الرسالة لأن مدارها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات، وعلى التكاليف التي تعتبر في باب العبادة وهي للزبر. ثم قال: {وأنزلنا إليك الذكر} أي القرآن الذي هو موعظة وتنبيه وتذكير لأهل الغفلة والنسيان، وبيّن الغاية المترتبة على الإنزال وهي تبيين الأحكام والشرائع بالنسبة إلى الرسول وإرادة التأمل والتفكر في المبدإ والمعاد بالإضافة إلى المكلفين. وفي ظاهر هذا النص دلالة على أن القرآن كله مجمل، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أنه متى وقع التعارض بين القرآن والخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والخبر مبين له. وأجيب بمنع الكلية فمن القرآن ما هو محكم، وقوله: {لتبين} محمول على المتشابهات المجملات. قال بعض من نفى القياس: لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول أن يبين للمكلفين ما أنزل الله عليه من الأحكام بل كان له أن يفوض بعضها إلى رأي القائس، وأجيب بأنه لما بيّن أن القياس من جملة الحجج فالقياس أيضاً راجع إلى بيان الرسول. ثم لما ذكر شبهات المنكرين مع أجوبتها شرع في التهديد والوعيد والإنذار والتنبيه فقال {أفأمن الذين مكروا السيئات} أي المكرات السيئات أراد أهل مكة ومن حول المدينة. قال الكلبي: عنى بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله، والأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وإيذاء أصحابه على سبيل الخفية {أن يخسف الله بهم الأرض} كما خسف بقارون {أو يأتيهم العذاب} أو ملائكة العذاب من السماء {من حيث لا يشعرون} كما فعل بقوم لوط {أو يأخذهم في تقلبهم فيما هم بمعجزين} فائتين الله، وذكر المفسرون في هذا التقلب وجوهاً منها: أنه تعالى يأخذهم في أسفارهم ومتاجرهم فإنه قادر على أن يهلكهم في السفر كما أنه قادر على أن يهلكهم في الحضر وهم لا يفوتون الله بسبب ضربهم في البلاد البعيدة. ومنها أنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم، وحقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم. ومنها أنه أراد في حال ما يتقلبون في قضاء أوطارهم بوجوه الحيل فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم. والتقلب بالمعنى الأوّل مأخوذ من قوله: {أية : لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد}تفسير : [آل عمران: 196] وبالمعنى الثالث من قرأ {أية : وقلبوا لك الأمور}تفسير : {التوبة: 48]. {أو يأخذهم على تخوف} على حالة تخوفهم وتوقعهم للبلاء بأن يكون قد أهلك قوماً قبلهم فكان أثر الخوف باقياً فيهم ظاهراً عليهم فهو خلاف قوله: {من حيث لا يشعرون} وقيل: التخوف التنقص والمعنى أنه يأخذهم بطريق النقص شيئاً بعد شيء في ديارهم وأموالهم وأنفسهم حتى يأتي الفناء على الكل. عن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا: فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص فقال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم قال شاعرنا زهير: شعر : تخوّف الرحل منها تامكاً قرداً كما تخوف عود النبعة السفن تفسير : قوله تامكا قرداً أي سناماً مرتفعاً متراكماً، والسفن ما ينحت به الشيء ومنه السفينة لأنها تسفن وجه الماء بالمر في البحر. فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم. ثم ختم الآية بقوله: {فإن ربكم لرءُوف رحيم} فذهب المفسرون إلى أن معناه أنه يمهل في أكثر الأمر لأنه رءُوف رحيم فلا يعجل بالعذاب. وأقول: يحتمل أن يكون قوله "فإن" تعليلاً لقوله {أفأمن} كقوله: {أية : ما غرك بربك الكريم}تفسير : [الانفطار: 6]. ولما خوف الماكرين بما خوف أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وسكانهما فقال {أو لم يروا إلى ما خلق الله} قال جار الله: "ما" مبهمة بيانه {من شيء} وقال أهل المعاني: قوله: {يتفيؤ ظلاله} إخبار عن شيء وليس بوصف له. ويتفيأ "يتفعل" من الفيء وأصله الرجوع ومنه فيئة المولى. وقال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار. فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشيّ، وما انصرف عنه الشمس والقمر والذي يكون بالغداة ظل. وقال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل. وقوله: {ظلاله} أضاف الظلال إلى مفرد ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال ووجه حسنه كون المرجوع إليه واحداً في اللفظ وإن كان كثيراً في المعنى وهو قوله: {إلى ما خلق} نظيره {أية : لتستووا على ظهوره}تفسير : [الزخرف: 13] أضاف الظهور - وهو جمع - إلى ضمير مفرد لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو ما تركبون. قال الجوهري: تفيأت الظلال أي تقلبت.وقوله {عن اليمين والشمائل} قال أهل التفسير ومنهم الفراء: إنه وحد اليمين لأنه أراد واحداً من ذوات الأظلال، وجمع الشمائل لأنه أراد كلها لأن قوله {ما خلق الله} لفظ مفرد ومعناه جمع، وقيل: إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله {أية : وجعل الظلمات والنور}تفسير : [الأنعام: 1] {أية : وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم}تفسير : [الأنعام: 46] وقيل: المراد باليمين النقطة التي هي مشرق الشمس وإنها واحدة، والشمائل عبارة عن الانحراف الواقع في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة. وإنما عبر عن المشرق باليمين لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه ومنه تظهر الحركة القوية، وكذا جانب الشرق أقوى جوانب الفلك ومنه تظهر الحركة اليومية التي هي أسرع الحركات وأقواها. ويمكن أن يقال: إن الإنسان إذا توجه إلى الشرق الذي هو أولى الجوانب بالاعتبار لشرفه كان الجنوب يمينه والشمال شماله، ولا ريب أن وصول الشمس إلى فلك نصف النهار يختلف بحسب البلاد. وقد يتفق انتقالها من الجنوب إلى الشمال وبالعكس في بلد واحد إذا كان عرضه ناقصاً عن الميل الكلي. ومن المعلوم أن الشمس حين وصولها إلى نصف النهار إن كانت في جنوب سمت الرأس وقع ظلها إلى جانب الشمال، وإن كانت في شماله وقع ظلها إلى الجنوب، فيحتمل أن يراد بتفيؤ الأظلال تقلبها في هاتين الجهتين والله أعلم. أما قوله {سجداً لله} فإنه حال من الظلال، ومعنى سجودها انقيادها لأمر الله منتقلة من جانب إلى جانب حسب تحرك النير على نسب مخصوصة ومقادير معلومة ذكرنا بعضها في كتبنا النجومية. وقد نبى المتأخرون على الأظلال مسائل كثيرة منها: الشكل الموسوم بالظلي مع فروعه، وذكر بعضهم في تفسير هذا السجود أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملصقة بها على هيئة الساجد. وقوله {وهم داخرون} حال أخرى من الظلال. وإنما جمع بالواو والنون لأنهم أشبهوا العقلاء من حيث طاعتها لله سبحانه. وقال جار الله: اليمين والشمائل استعارة عن يمين الإنسان وشماله بجانبي الشيء أي ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ. والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله فيها لا تمتنع {ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة} قال الأخفش: أي من الدواب: وأخبر بالواحد كما تقول: ما أتاني من رجل مثله وما أتاني من الرجال مثله. وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض، والوجه في تخصيص الدابة والملائكة بالذكر أنه علم من آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة له، فبين في هذه الآية أن الحيوانات بأسرها أيضاً كذلك. ثم عطف عليها الملائكة إما لشرفها وإما لأنها ليست مما يدب ولكنها تطير بالجناحين، وبين النوعين مغايرة لقوله: {أية : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه}تفسير : [الأنعام: 38] وعلى قاعدة الحكماء: وجه المغايرة أنها أرواح مجردة ليست من شأنها الحركة والدب. قال جار الله: ومن دابة يجوز أن يكون بياناً لما في السموات وما في الأرض جميعاً، على أن في السموات خلقاً لله يدبون فيها كما يدب الأناسيّ في الأرض، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الخلق الذي يقال له الروح، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الملائكة. وكرر ذكرهم على معنى والملائكة خصوصاً من بين الساجدين لأنهم أطوع الخلق وأعدلهم، ويجوز أن يراد بما في السموات ملائكتهن، وبقوله: {والملائكة} ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم انتهى كلامه. ثم شرع سبحانه في صفة الملائكة وذكر عصمتهم قال: {وهم لا يستكبرون يخافون} على أنه حال منهم أو بيان لنفي استكبارهم لأن الخوف أثره عدم الاستكبار. وقوله {من فوقهم} إما أن يتعلق بـ[يخافون} والمعنى يخافون ربهم أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم، وإما أن يكون حالاً من الرب أي يخافونه غالباً قاهراً. وبحث الفوقية قد تقدم في الأنعام في قوله: {أية : وهو القاهر فوق عباده}تفسير : {الأنعام: 18] زعم بعض الطاعنين في عصمة الملائكة أنه تعالى وصفهم بالخوف وحصول الخوف نتيجة تجويز الإقدام على الذنوب، وهب أنهم فعلوا كل ما أمروا به فمن أين علم أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟ والجواب عن الأوّل أنهم إنما يخافون من العذاب لقوله تعالى: {أية : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم}تفسير : [الأنبياء: 29] فمن هذا الخوف يتركون الذنب. وعن ابن عباس أن هذا الخوف خوف الإجلال كقوله: {أية : إنما يخشى الله من عباده العلماء}تفسير : [فاطر: 28] ولا ريب أنه كلما كانت معرفة جلال الله أتم كانت الهيبة والحيرة أعظم. وعن الثاني أن النهي عن الشيء أمر بتركه، وفي الآية دلالة على أن إبليس لم يكن من الملائكة لأنه أبى واستكبر وإنهم لا يستكبرون. وقد يستدل بها على أن الملك أفضل من البشر بل من كل المخلوقات وإلا لما خصهم بالذكر من بينها، ولخلو بواطنهم وظواهرهم عن الأخلاق الذميمة وانغماس البشر في الدواعي الشهوية والغضبية، ولهذا ورد في حقه {أية : قتل الإنسان ما أكفره}تفسير : [عبس: 17] وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما منا إلا من قد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا"تفسير : وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم "حديث : الشيخ في قومه كالنبي في أمته"تفسير : فضل الشيخ على الشاب لتقادم عهده وطول مدته، ولا شك أن الملائكة خلقوا قبل البشر بسنين متطاولة وقرون متمادية، وأنهم سنوا الطاعة والعبودية ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها. وتمام البحث في هذه المسألة مذكور في أول سورة البقرة. وفي قوله: {ما يؤمرون} دلالة على أن الملائكة مكلفون بالأمر والنهي والوعد والوعيد راجين خائفين. ولما بين أن كل ما سواه في عالمي الأرواح والأجسام فإنه منقاد خاضع لجلاله وكبريائه أتبعه النهي عن الشرك قائلاً {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد} فسئل أن التثنية والواحد حيث كانا يدلان على العدد الخاص، فما الفائدة في وصف إلهين باثنين ووصف إله بواحد؟ وأجيب بوجوه منها: قول صاحب النظم أن فيه تقديماً وتأخيراً أي لا تتخذوا اثنين إلهين. ومنها أنه كررت العبارة لأجل المبالغة في التنفير عن اتخاذ الشريك. ومنها قول لأهل المعاني إن فائدة الوصف والبيان هي أن يعلم أن النهي راجع إلى التعدد لا إلى الجنسية، ولهذا لو قلت: إنما هو إله ولم تؤكده بواحد سبق إلى الوهم إنك تثبت الإلهية لا الوحدانية. وكيف لا يحتاج المقام إلى التوكيد والأثنينية منافية للإلهية لاستلزام تعدد الواجب كون كل منهما مركباً من جزأين ما به الاشتراك في الوجوب الذاتي، وما به الامتياز ولكن التركيب يوجب الافتقار إلى البسائط والافتقار ينافي الوجوب. ودليل التمانع أيضاً يعين على المطلوب كما لو أراد أحدهما تحريك جسم معين وأراد الآخر تسكينه، أو قوي أحدهما على مخالفة الآخر أو لا يقوى، أو قدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر. ثم نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم على طريقة الالتفات قائلاً: {فإياي فارهبون} وقد مر مثله في أوّل "البقرة" ثم لما قرر وحدته وأنه يجب أن يخص بالرهبة منه والرغبة إليه ذكر أن الكل ملكه فقال: {وله ما في السموات والأرض} فقالت الأشاعرة: ليس المراد من كونها لله أنها مفعولة لأجله ولغرض طاعته لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة لا لغرض الطاعة، فالمراد أن كلها بتخليقه وتكوينه ومن جملة ذلك أفعال العباد، ثم قال {وله الدين واصباً} فالدين الطاعة، والواصب الدائم، ومفازة واصبة بعيدة لا غاية لها. ويقال للمريض وصب لكون ذلك المرض لازماً له. وانتصابه على الحال والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل. قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو الموت إلا الحق سبحانه، فإن طاعته واجبة أبداً. ويحتمل أن يكون الدين بمعنى الملة أي وله الدين ذا كلفة ومشقة ولذلك سمي تكليفاً، أو وله الجزاء سرمداً لا يزول يعني الثواب والعقاب. وقال بعض المتكلمين المحققين: قوله {وله ما في السموات والأرض} إشارة إلى احتياج الكل إليه في حال حدوثه. وقوله: {وله الدين} أي الانقياد {واصباً} إشارة إلى أن جميع الممكنات مفتقرة إلى فيض وجوده في حال وجوده لأن الصحيح أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرحج. ثم أنكر أن يكون الممكن مع شدة افتقاره إليه يخشى غيره فقال {أفغير الله تتقون} ثم منّ عليهم بقوله: {وما بكم من نعمة فمن الله} "ما" بمعنى "الذي" وبكم صلته و {من نعمة} حال من الضمير في الجار، أو بيان لما وقوله: {فمن الله} الخبر. وقيل: "ما" شرطية وفعل الشرط محذوف أي ما يكن. وقال جار الله: معناه أي شيء حل بكم أو اتصل بكم من نعمة فهو من الله، قال الأشاعرة: أفضل النعم نعمة الإيمان والآية تفيد العموم فهو من نعم الله. والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به، وإما دنيوية نفسانية أو بدنية أو خارجة كالسعادات المالية وغيرها، وكل واحدة من هذه جنس تحتها أنواع لا حصر لها والكل من الله، فعلى العاقل أن لا يشكر إلا إياه. ثم بين تلون حال الإنسان بعد استغراقه في بحار نعم الله قائلاً {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} ما تتضرعون إلا إليه. والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة. {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} قال جار الله: يجوز أن يكون الخطاب في قوله: {وما بكم} عاماً، ويريد بالفريق فريق الكفرة وأن الخطاب للمشركين و{منكم} للبيان لا للتبعيض كأنه قال: فإذا فريق كافر وهم أنتم، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر كقوله: {أية : فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد}تفسير : [لقمان: 32] أقول: وأظهر الوجهين الأول والمعنى أن فريقاً منكم يبقى على ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى لله، وفريقاً يتغير عن حاله فيشرك بالله، ولعل هذه صفة لازمة لجوهر الإنسان ولهذا قال: {ليكفروا} كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة، ويجوز أن تكون لام العاقبة يعني عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفران. والمراد بقوله: {بما آتيناهم} كشف الضر وإزالة المكروه، أو القرآن والشرائع، أو جميع النعم الظاهرة والباطنة التي أنعم الله بها على الإنسان. ثم قال على سبيل التهديد وبطريقة الالتفات نظراً إلى أوّل الكلام {فتمتعوا فسوف تعلمون} عاقبة كفركم ومثله في "الروم" كما سيجيء، وأما في "العنكبوت" فإنه قال: {أية : ليكفروا بما أتيناهم وليتمتعوا}تفسير : [الآية: 66] بالعطف على القياس. ثم حكى نوعاً آخر من قبائح أعمال بني آدم فقال {ويجعلون لما لا يعلمون} الضمير الأوّل للمشركين والثاني قيل لهم وقيل للأصنام التي لا توصف بالعلم والشعور، ورجح الأوّل بأن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز، وبأن جمع السلامة بالعقلاء أليق، وقد يرجح الثاني بأن الأوّل يفتقر إلى الإضمار كما لو قيل: ويجعلون لما لا يعلمون في طاعته نفعاً ولا في الإعراض عنه ضراً. وقال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم {نصيباً} أو يجعلون لما لا يعلمون إلاهيتها، أو السبب في صيرورتها معبودة. والمراد بجعل النصيب ما مر في "الأنعام" في قوله: {أية : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا}تفسير : [الأنعام: 136] وقيل: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. عن الحسن: وقيل هم المنجمون الذين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة فيقولون لزحل كذا وكذا من المعادن والنبات والحيوان، وللمشتري كذا إلى آخر الكواكب. ثم أوعدهم الله بقوله: {تالله لتسئلن عما كنتم تفترون} على الله من أن له شريكاً وأن الأصنام أهل للتقرب إليها مع أنه لا شعور لها بشىء أصلاً، أو المراد بالافتراء قولهم هذا حلال وهذا حرام من غير إذن شرعي، أو قولهم أن لغير الله تأثيراً في هذا العالم. ومتى يكون هذا السؤال؟ قيل: عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل: في القبر. والأقرب أنه في الآخرة وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة كقوله: {أية : فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون}تفسير : [الحجر: 29] في الأمم عامة. قوله: {ويجعلون لله البنات} نوع آخر من القبائح وكانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله. قال الإمام فخر الدين الرازي: أظن أن ذلك لأن الملائكة يستترون عن العيون كالنساء، ومنه إطلاق التأنيث على الشمس لاستتارها عن أن تدرك بالأبصار لضوئها الباهر ونورها القاهر. {سبحانه} تنزيه لذاته عن نسبة الولد إليه أو تعجب من قولهم. ومحل "ما" في قوله {ولهم ما يشتهون} إما الرفع على الابتداء، أو النصب أي وجعلوا لهم ما يشتهون يعني البنين. وأبى الزجاج جواز النصب وقال: لأن العرب لا تقول جعل له كذا وهو يعني نفسه وإنما تقول جعل لنفسه كذا. فلو كان منصوباً لقيل: و "لأنفسهم ما يشتهون". ثم ذكر غاية كراهتهم للإناث التي جعلوها لله تعالى فقال: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه} أي صار {مسودّاً} ويحتمل أن يكون استعمل "ظل" لان وضع الحمل يتفق بالليل غالباً فيظل نهاره مسود الوجه {وهو كظيم} مملوء غماً وحزناً وغيظاً على المرأة. قال أهل المعاني: جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم والكآبة لأن الإنسان إذا قوي فرحه انبسط الروح من قلبه ووصل إلى الأطراف ولا سيما إلى الوجه لما بين القلب والدماغ من التعلق الشديد فاستنار الوجه وأشرق، وإذا قوي غمه انحصر الروح في داخل القلب ولم يبق منه أثر قويّ على الوجه فيتربد الوجه لذلك ويصفر أو يسود {يتوارى} يستخفي {من القوم من سوء ما بشر به} من أجل سوء المبشر به ولم يظهر أياماً يحدث نفسه ويدبر فيها ماذا يصنع بها وذلك قوله: {أيمسكه} أي يحبسه {على هون} ذل وهوان. والظاهر أن هذا صفة المولود أي يمسكها على هوان منه لها. وقال عطاء عن ابن عباس: إنه صفة الأب أي يمسكها مع الرضا بهوان نفسه {أم يدسه في التراب} أي بيده. والدس إخفاء الشيء في الشيء. وإنما ذكر الضمير في {يمسكه} و {يدسه} باعتبار ما بشر به. كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنها من يذبحها. وكانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية، وأخرى خوفاً من الفقر والفاقة ولزوم النفقة. روي أن رجلاً قال: يا رسول الله والذين بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام وقد كانت لي في الجاهلية ابنة وأمرت امرأتي أن تزينها وأخرجتها، فلما انتهيت إلى وادٍ بعيد القعر ألقيتها فقال: يا أبتي قتلتني. فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء. فقال صلى الله عليه وسلم: ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار. ولا ريب أن الأنثى التي هذا محلها عندهم كانت في غاية الكراهية والتنفير ومع ذلك أثبتوها لله المتعالي عن الصاحبة والولد فلذلك قال: {ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة} ولهذا يقدمون على القتل والإيذاء {مثل السوء} وصفة السوء وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ووأدهن خشية الإملاق والتزام الشح البالغ {ولله المثل الأعلى} وهو أضداد صفات المخلوقين من الغنى الكامل والجود الشامل {وهو العزيز} الذي لا يغالب فلا يستضر بأن ينسب إليه ما لا يليق به {الحكيم} في خلق الذكور والإناث أو في الوعيد على قتل البنات. قال القاضي: إن هؤلاء المشركين استحقوا الذم بإضافة البنات إلى الله وإنه أسهل من إضافة الفواحش والقبائح كلها إليه وهذا شأن المجبرة. وأجابت الأشاعرة بأنه ليس كل ما قبح منافي العرف فإنه يقبح من الله. ألا ترى أن رجلاً لو زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن وتقوية الشهوة فيهم وفيهن، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالاتفاق حسن من الله تعالى وقبيح من كل الخلق، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبنية على العرف إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية، وقد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله تعالى فعلى جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الإقناعية. أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية أن خالقها هو الله تعالى فكيف يمكن إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى والله أعلم. التأويل: أن يخسف الله بهم أرض البشرية ودركات السفل أو يأتيهم العذاب بالمكر والاستدراج من حيث لا يشعرون، أنه من أين أتاهم من قبل الأعمال الدنيوية أو من قبل الأعمال الأخروية أو يأخذهم في تقلبهم من أعمال الدنيا إلى أعمال الآخرة بالرياء، ومن أعمال الآخرة إلى أعمال الدنيا بالهوى {أو يأخذهم على تخوّف} تنقص من مقاماتهم ودرجاتهم بلا شعورهم {فإن ربكم لرءُوف} بالعباد إذ أعطاهم حسن الاستعداد {رحيم} حين لا يأخذهم بعد إفساد الاستعداد في الحال لعلهم يتوبون في المآل فيقبل توبتهم بالفضل والنوال. ما خلق الله من شيء وهو عالم الأجسام فإن عالم الأرواح خلق من لا شيء يتفيأ ظلاله، فإن الأجسام ظلال الأرواح فتارة تميل بعمل أهل السعادة إلى أصحاب اليمين، وأخرى تميل بعمل أهل الشقاء إلى أصحاب الشمال {سجداً لله} منقادين لأمره مسخرين لما خلقوا لأجله. وإنما وحد اليمين وجمع الشمال لكثرة أصحاب الشمال، وسجود كل موجود يناسب حاله كما أن تسبيح كل منهم يلائم لسانه {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين} أراد بالإله الآخر الهوى لقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما عبد إله أبغض على الله من الهوى" تفسير : {ويجعلون} يعني أصحاب النفوس والأهواء {لما لا يعلمون} لمن لا علم لهم بأحوالهم {نصيباً} بالرياء {مما رزقناهم} من الطاعات {تالله ليسئلن عما كنتم تفترون} والسؤال عن المعاملات إنما هو بتبديل الصفات وتغير الأحوال من سمة السعادة إلى سمة الشقاوة وبالعكس {ويجعلون لله البنات} أظن أن البنات إشارة إلى صفات فيها نوع نقص كالتجسيم والتشبيه والحلول والاتحاد، ونسبته إلى الظلم والجور والتعطيل وعدم الاستقلال بالتأثير وغير ذلك مما لا يليق بغاية جلاله ونهاية كماله فلهذا قال سبحانه: {ولهم ما يشتهون} يعني أن كل أحد يجب أن يوصف بغاية الكمال ويتغير وجهه إذا نبه على عيب فيه ولا يعلم أن مطلق الكمال لا يليق إلا بالواجب بالذات، ونفس الإمكان نقصان يستلزم جميع النقصانات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمداً رسولاً أنكرت العرب ذلك، ومن أنكر منهم قالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد. فأنزل الله: {أية : أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم} تفسير : [يونس: 2] وقال: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} يعني فاسألوا أهل الذكر والكتب الماضية: أبشرا كانت الرسل الذين أتتهم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أتتكم، وإن كانوا بشراً فلا تنكروا أن يكون رسولاً. ثم قال: {أية : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحى إليهم من أهل القرى} تفسير : [يوسف: 109] أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً} قال: قالت العرب {أية : لولا أنزل علينا الملائكة} تفسير : [المائدة: 73] قال الله: ما أرسلت الرسل إلا بشراً {فاسألوا} يا معشر العرب {أهل الذكر} وهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، الذين جاءتهم قبلكم {إن كنتم لا تعلمون} أن الرسل الذين كانوا من قبل محمد كانوا بشراً مثله، فإنهم سيخبرونكم أنهم كانوا بشراً مثله. وأخر الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس {فاسألوا أهل الذكر} يعني مشركي قريش، أن محمداً رسول الله في التوراة والإنجيل. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {فاسألوا أهل الذكر} قال: نزلت في عبد الله بن سلام ونفر من أهل التوراة، وكانوا أهل كتب يقول: فاسألوهم {إن كنتم لا تعلمون} أن الرجل ليصلي ويصوم ويحج ويعتمر، وأنه لمنافق. قيل: يا رسول الله، بماذا دخل عليه النفاق؟ قال: يطعن على إمامه، وإمامه من قال الله في كتابه: {فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون}. وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ينبغي للعالم أن يسكت عن علمه، ولا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله. وقد قال الله {فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون} فينبغي للمؤمن أن يعرف عمله على هدى أم على خلافه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {بالبينات} قال: الآيات {والزبر} قال: الكتب. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي عن أصحابه في قوله: {بالبينات والزبر} قال: {البينات} الحلال والحرام الذي كانت تجيء به الأنبياء {والزبر} كتب الأنبياء {وأنزلنا إليك الذكر} قال: هو القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {لتبين للناس ما نزل إليهم} قال: ما أحل لهم وما حرم عليهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {لتبين للناس ما نزل إليهم} قال: أرسله الله إليهم ليتخذ بذلك الحجة عليهم. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: {ولعلهم يتفكرون} قال: يطيعون. وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً أخبرنا بما يكون إلى قيام الساعة، عقله منا من عقله ونسيه من نسيه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {أفأمن الذين مكروا السيئات} قال: هو نمرود بن كنعان وقومه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {أفأمن الذين مكروا السيئات} أي الشرك. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: {أفأمن الذين مكروا السيئات} قال: تكذيبهم الرسل وأعمالهم بالمعاصي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {أو يأخذهم في تقلبهم} قال: في اختلافهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {أو يأخذهم في تقلبهم} قال: إن شئت أخذته في سفره. وفي قوله: {أو يأخذهم على تخوف} يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه. وتخوف بذلك. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {أو يأخذهم في تقلبهم} قال: في أسفارهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: {أو يأخذهم في تقلبهم} يعني على أي حال كانوا بالليل والنهار {أو يأخذهم على تخوف} يعني أن يأخذ بعضاً بالعذاب ويترك بعضاً، وذلك أنه كان يعذب القرية فيهلكها ويترك الأخرى. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أو يأخذهم على تخوف} قال: ينقص من أعمالهم. وأخرج ابن جرير من طريق عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: {أو يأخذهم على تخوف} قالوا: ما نرى إلا أنه عند تنقص ما نردده من الآيات، فقال عمر: ما أرى إلا أنه على ما تنتقصون من معاصي الله. فخرج رجل ممن كان عند عمر فلقي أعرابياً فقال: يا فلان، ما فعل ربك. فقال: قد تخيفته. يعني تنقصته. فرجع إلى عمر فأخبره فقال: قدر الله ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {أو يأخذهم على تخوف} قال: يأخذهم بنقص بعضهم بعضاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: {أو يأخذهم على تخوف} قال: كان يقال: التخوف، هو التنقص... تنقصهم من البلد والأطراف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤُا ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله} قال: ظل كل شيء فيه، وظل كل شيء سجوده. {فاليمين} أول النهار {والشمائل} آخر النهار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: {أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤُا ظلاله} قال: إذا فَاءَ الْفَيءُ توجه كل شيء ساجداً لله قِبَلَ القبلة من بيت أو شجر. قال: فكانوا يستحبون الصلاة عند ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن الضحاك في الآية قال: إذا فاء الفيء، لم يبق شيء من دابة ولا طائر إلا خر لله ساجداً. وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وأبو الشيخ، عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أربع قبل الظهر بعد الزوال تحسب بمثلين من صلاة السحر". تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وليس من شيء إلا وهو يسبح الله تلك الساعة" تفسير : ثم قرأ {يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله ...} الآية كلها. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن إبراهيم قال: صلوا صلاة الآصال حتى يفيء الفيء قبل النداء بالظهر، من صلاها فكأنما تهجد بالليل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: فيء كل شيء ظله، وسجود كل شيء فيه سجود الخيال فيها. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية في قوله: {يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل} قال: الغدو والآصال، إذا فاء ظل كل شيء. أما الظل بالغداة فعن اليمين، وأما بالعشي فعن الشمائل. إذا كان بالغداة سجدت لله، وإذا كان بالعشي سجدت له. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي غالب الشيباني قال: أمواج البحر صلاته. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {داخرون} قال: صاغرون. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله {وهم داخرون} قال: صاغرون.
القشيري
تفسير : تعجبوا أن يكون من البَشَرِ رُسلاً، فأخبر أنَّ الرسلَ كلّهم كانوا من البشر، وأَنَّ فيمن سبق مَنْ أَقَرَّ بذلك. {أَهْلَ ٱلذِّكْرِ} هم العلماء؛ والعلماء مختلفون: فالعلماءُ بالأحكام إليهم الرجوعُ في الاستفتاء من قِبَل العوام فَمَنْ أُشْكِل عليه شيءٌ من أحكام الأمر والنهي يرجع إلى الفقهاء في أحكام الله، ومن اشتبه عليه شيءٌ من علم السلوك في طريق الله يرجع إلى العارفين بالله، فالفقيه يوقِّع عن الله، والعارف ينطق - في آداب الطلب وأحكام الإرادة وشرائط صحتها - عن الله، فهو كما قيل: أليس حقاً نطقت بين الورى فاشتهرت، كاشفها يعلم ما منَّ عليها فجرت، فهي عناء به عينيه قد طهرت.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما ارسلناك} وذلك ان مشركى قريش لما بلغهم النبى صلى الله عليه وسلم الرسالة ودعاهم الى عبادة الله تعالى انكروا ذلك وقالوا الله اعظم من ان يكون رسوله بشرا ولو اراد ان يبعث الينا رسولا لبعث من الملائكة الذين عنده فنزل قوله تعالى وما ارسلنا {من قبلك} اى الامم الماضية {الا رجالا} آدميين لا ملكا وقوله تعالى {أية : جاعل الملائكة رسلا}تفسير : اى الى الملائكة أو الى الانبياء ولا امرأة اذ مبنى حالها على الستر والنبوة تقتضى الظهور ولا صبيا ونبوة عيسى فى المهد لا تنافيه اذ الرسالة اخص. قال ابن الجوزى اشتراط الاربعين في حق الانبياء ليس بشئ {نوحى اليهم} على ألسنة الملائكة فى الغلب واكثر الامر وفيه اشارة الى ان الرسالة والنبوة والولاية لا تسكن الا فى قلوب الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. شعر : نه هركس سزاوار باشد بصدر كرامت بفضلست ورتبت بقدر تفسير : {فاسألوا} اى فان شككتم فى ذلك فاسألوا يا معشر قريش {اهل الذكر} علماء اهل الكتاب ليخبروكم ان الله تعالى لم يبعث الى الامم السالفة الا بشرا وكانوا يشارونهم فى بعض الامور ولذلك احالهم الى هؤلاء للالزام {ان كنتم لا تعلمون} ذلك. وفى الآية اشارة الى وجوب المراجعة الى العلماء فيما لا يعلم. وسئل الامام الغزالى رحمه الله من اين حصل لك الاحاطة بالعلوم اصولها وفروعها فتلا هذه الآية اى افاد ان ذلك العلم الكلى انما حصل باستعلام المجهول من العلماء وترك العار وقد ورد "حديث : الحكمة ضالة المؤمن اينما وجدها اخذها"تفسير : يعنى ينبغى للمؤمن ان يطلب الحكمة كما يطلب ضالته.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {بالبينات}: يتعلق بأرسلنا الذي في أول الآية، على التقديم والتأخير، أي: وما أرسلنا إلا رجالاً بالبينات، فاسألوا أهل الذكر، أو بأرسلنا؛ مضمرًا، وكأنه جواب سائل قال: بم أُرسلوا به؟ فقال: بالبينات، أو: صفة لرجال، أي: رجالاً ملتبسين بالبينات، أو: بيوحى. انظر البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: في الرد على قريش، حيث قالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا: وما أرسلنا من قَبْلِكَ يا محمد {إلا رجالاً} بشرًا، {يوحى إليهم} كما يُوحى إليك. فليس ببدع أن يكون الرسول بشرًا، بل جرت السنة الإلهية بأن لا يبعث للدعوة العامة إلا بشرًا يوحى إليه على ألسنة الملائكة؛ إذ لا يطيق كل البشر رؤية الملائكة ولا التلقي منهم. فإن شككتم {فاسألوا أهل الذكر}: أهل الكتاب، أو علماءهم الأحبار، أي: الذين لم يسلموا، لأنهم لا يتهمون في شهادتهم، من حيث إنهم مدافعون في صدر ملة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنتم إلى تصديق من لم يؤمن من أهل الكتاب أقرب من تصديقكم المؤمنين منهم، فاسألوهم؛ ليخبروكم: هل كانت الرسل ملائكة أو بشرًا، {إن كنتم لا تعلمون} ذلك. قال البيضاوي: وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا ملكًا للدعوة العامة. وأما قوله: {أية : جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً} تفسير : [فَاطِر: 1]؛ فمعناه: رسلاً إلى الأنبياء. وقيل: لم يُبعثوا إلى الأنبياء إلا متمثلين بصورة الرجال. ورُدَّ بما رُوي أنه عليه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها مرتين. وعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم. هـ. ومفهوم قوله: "الدعوة العامة" أن الدعوة الخاصة؛ كالأنبياء - عليهم السلام-، فإن الله يبعث إليهم الملك ليعلمهم أمر دينهم. ثم قال تعالى: {بالبينات والزُّبر} أي: أرسلناهم بالمعجزات والكتب. {وأنزلنا إليك الذكر} أي: القرآن؛ لأنه تذكير ووعظ، {لتُبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم} من الأحكام، مما أمروا به ونهوا عنه، ومما تشابه عليهم منه. والتبيين أعم من أن ينص على المقصود، أو يرشد إلى ما يدل عليه، كالقياس ودليل العقل. قاله البيضاوي. قال ابن جزي: يحتمل أن يريد: لتبين القرآن بسردك نَصَّهُ وتعليمِهِ، أو لتُبين معانيه بتفسير مُشكله، فيدخل في هذا ما سنته السنة من الشريعة. هـ. {ولعلهم يتفكرون} في عجائبه وأسراره، فيخوضون بسفن أفكارهم في تيار بحر معانيه وأنواره، فينتبهون للحقائق والشرائع. الإشارة: كما لم يبعث الله في الدعوة العامة - وهي دعوة الرسالة - إلا رجالاً من البشر، كذلك لم يبعث الله في الدعوة الخاصة - وهي دعوة الولاية إلى سر الخصوصية - إلا رجالاً من البشر أحياء، يُربون التربية النبوية العرفية، فلا يصلح للتربية النساء؛ لقلة عقلهن، ولا الجن؛ لانحرافه عن الاعتدال الذي في البشر، ولا الميت؛ لعدم وجود بشريته؛ فإنَّ بشرية الحي تمد البشرية، والروحانية تمد الروحانية. فلا تتهذب البشرية إلا بشهود بشرية الشيخ، ولا تصفى الروحانية إلا بالقرب من روحانية الشيخ. ولذلك قالوا: الثدي الميتة لا تُرضع. وقولنا: "التربية العرفية"؛ أعني: بالصحبة العرفية، وأما التربية الغيبية، على وجه خرق العادة، كطيران الشيخ إلى المريد، أو المريد إلى الشيخ، فلا تجد صاحب هذه التربية إلا منحرفًا لإحدى الجهتين، إما إلى الحقيقة أو إلى الشريعة، بخلاف التربية العرفية، فلا يكون صاحبها، في الغالب، إلا معتدلاً كاملاً. وقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر}؛ هم العارفون بالله، فإذا أشكل علينا أمر من أمر القلوب؛ كأسرار التوحيد، وأمر الخواطر، رجعنا إليهم؛ لأنهم أهل الذوق والكشف، يُجيبون سائلهم بالهمة والحال، حتى يقلعوا عروق ما أشكل على السائل، إن أتاهم متعطشًا لهفانًا، وكذا ما أشكل في أمر الدنيا، من فعل تريد أن تفعله أو تتركه، فينبغي الرجوع إليهم؛ لأنهم ينظرون بنور الله، فلا ينطقهم الله إلا بما هو حق سبق به القدر. وأما أمور الدين، فإن كان له علم بالشريعة الظاهرة فالرجوع إليه، وإن لم يكن له علم بالظاهر، فالعلماء قائمون بهذا الأمر. وقوله تعالى: {إن كنتم لا تعلمون}؛ يُفهم منه أن من كان من أهل الفهم عن الله، يأخذ العلم عن الله بإلهام أو تجل حقيقي، فلا يحتاج إلى سؤالهم، حيث صفت مرآة قلبه، وقد يكون الولي ذاكرًا، باعتبار قوم، وغير ذاكر، باعتبار آخرين، الذين هم أنهض منه حالاً، وأصوب مقالاً. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم يقول له إِنا لم نرسل من قبلك إِلا رجالا امثالك من البشر {نوحي إليهم} أي يوحي الله اليهم. ومن قرأ بالنون، وهو حفص، أَراد نوحي نحن، إِخبار منه تعالى. ثم قال الله لهم {فاسألوا أهل الذكر إِن كنتم لا تعلمون} صحة ما اخبرناكم به من أنّا ارسلنا رجالا قبلك وأوحينا اليهم. وقال ابن عباس ومجاهد: المعني بأهل الذكر أهل الكتاب ومنهم من قال: المراد من آمن من اهل الكتاب، ومنهم من قال: امر مشركي العرب ان يسألوا اهل الكتاب عن ذلك فانهم لا يتهمونهم. وقال ابن زيد: يريد اهل القرآن لان الذكر هو القرآن. وقال الرماني والازهري والزجاج: المعني بذلك اهل العلم بأخبار من مضى من الامم، سواء كانوا مؤمنين او كفاراً، وما آتاهم من الرسل قال: وفي ذلك دلالة على انه يحسن ان يرد الخصم - اذا التبس عليه امر - الى أهل العلم بذلك الشيء ان كان من اهل العقول السليمة من آفة الشبه. والذكر ضد السهو وسمي العلم بذلك، لأنه منعقد بالعلم، وهو بمنزلة السبب المؤدي اليه في ذكر الدليل؛ واذا تعلق هذا التعلق حسن ان يقع موقعه وينبىء عن معناه. وروى جابر عن ابي جعفر (ع) انه قال: (نحن اهل الذكر). وقوله {بالبينات والزبر} العامل بالباء أحد امرين: احدهما - قوله {أرسلنا} والتقدير ما ارسلنا قبلك إِلاَّ رجالاً بالبينات نوحي اليهم. الثاني - ان يكون على حذف (أرسلنا بالبينات) كما قال الأعشى: شعر : وليس مجيراً إِن أتى الحي خائف ولا قائل إِلا هو المتعيِّبا تفسير : أي أعني المتعيبا، ومثل الأول، قول الشاعر: شعر : نبِّئتهم عذّبوا بالنار جارتهم وهل يعذّب إِلاّ الله بالنار تفسير : وقوله {بالبينات والزّبر} اي بالدلالات الواضحات والكتب المنزلة. والزّبر الكتب، واحدها زبور، يقال: زبرت الكتاب أزبره زبراً إِذا كتبته. ثم قال {وأنزلنا إليك} يا محمد {الذِّكر} يعني القرآن {لتبين للناس ما نزِّل إِليهم} فيه من الاحكام والدلالة على توحيد الله، لكي يتفكروا في ذلك ويعتبروا، وانما قال {وما أرسلنا من قبلك إِلا رجالاً} مع انه أرسل قبله الملائكة، لأن المعنى وما أرسلنا من قبلك الى الأمم الماضية إِلا رجالاً بدلالة الآية، لانها حجة عليهم في انكار رسول الله الى الناس من الرجال.
فرات الكوفي
تفسير : {فاسألوا أهل الذكر إِن كنتم لا تعلمون43=7/ الأنبياء} فرات قال: حدّثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام في قوله [تعالى. ر]: {فاسألوا أهل الذكر إِن كنتم لا تعلمون} قال: نحن أهل الذكر. فرات قال: حدّثني محمد بن الحسن بن إِبراهيم معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: {فاسألوا أهل الذكر إِن كنتم لا تعلمون} قال: هم آل محمد. فرات قال: حدّثني أحمد بن موسى معنعناً: عن زيد بن علي [عليهما السلام. أ، ر] عن قول الله: {فاسألوا أهل الذكر إِن كنتم لا تعلمون} [قال: إن الله سمى رسوله في كتابه ذكراً فقال: {أية : وأرسلنا إِليكم ذكراً رسولاً}تفسير : [10/ الطلاق] وقال: {فاسألوا أهل الذكر إِن كنتم لا تعلمون}. ر، ب].
اطفيش
تفسير : {وَمَا أرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} إِلى الأُمم {إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ} على الأَلسن الملائكة وهكذا عادته لم يرسل ملكاً للدعوة العامة، وأما قوله تعالى جاعل الملائكة رسلا فمعناه رسلا إلى الملائكة والأَنبياء وإِلى ما أراد وقيل لم يرسل ملكاً على صورة للدعوة العامة ولا الخاصة وإِنما بعثهم لدعوة الخاصة إِلى الأَنبياء على صورة الرجل، ورد بأَنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى جبريل على صورته مرتين وأجيب بأَنه رآه عليها فى حال لم يرسل إليه بشىء وفيه نظروا إِليه نائب فاعل يوحى والآية دلت على أن الله سبحانه لم يرسل امرأة {فَاسْأَلُوا أهْلَ الذِّكْرِ} علماء التوراة والإِنجيل، كان كفار مكة يعتقدون أن أهل الكتاب أهل علم وكانوا يسأَلونهم ويستندون إِليهم فلذلك أمره الله أن يسائلوهم فيطمئنوا بقولهم إِذا أخبروهم أن الرسل رجال كموسى وعيسى أو أهل الذكر علماء الأَخبار بالخاء المعجمة والفاء للاستئناف والجملة بعدها دليل على جواب الشرط فى قوله {إِن كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} وهذا على طريق التبكيت والإِلزام كقولك إِن كنت عملت لك فأَعطينى أجرتى أن علق قوله {بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} بقوله لا تعلمون ويجوز تعليقه بمحذوف جواب لسؤال مقدر كأَنه قيل بم أرسلوا فقيل أرسلناهم بالبينات والزبر، ويجوز أن يتعلق بأَرسلنا المذكور والأَصل وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إِلا رجالا فأخر كقولك: ما ضربت إلا زيدا بالسوط أو بمحذوف حال من رجال الوصف بيوحى إِليهم أو نعت الرجالا أو حال من هاء إِليهم أو يتعلق بيوحى أو بالذكر وبمعنى العلم وجملة فاسألوا أهل الذكر معترضة على هذه الأَوجه غير الذى بنيت عليه وغير الأَخير والبينات المعجزات الواضحة والحجج الواضحة والزبر الكتب وقيل أهل الذكر أهل القرآن وهذا لا يصح علمه أن يتعلق بالبينات بالذكر، وإِن قلت كيف يأْمرهم بسؤال أهل القرآن وهم مكذبون بالقرآن مخاصمون لأَهله قلت يصح بطريق التلويح إِلى أن تكذيبهم به باطل لا يلتفت إِليه وعناد ومكابرة ففيه شفاؤهم لو طرحوا المكابرة والجحود، فإِنهم قد علموا حقا كذا ظهر لى فى توجيه هذا القول {وَأنزَلْنَا إِلَيْكَ} إِليك يا محمد {الذِّكْرَ} القرآن سمى ذكرا لأَنه تذكير {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} من أمر ونهى بأَن تذكره لهم فيعلموه أو لتوضح لهم ما أشكل عليهم منه بإِجمال أو غيره فالحديث مفسر لمجمل القرآن لا ناسخ له ولا معارض كما توهم والتبيين يطلق على النص على المقصود وعلى الإِرشاد إِلى ما يدل على المقصود كالقياس ودليل العقل {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أى وليتفكروا أى يتأَملوا فيه فينتهوا للحقائق.
الالوسي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ} رد لقريش حيث أنكروا رسالة النبـي صلى الله عليه وسلم وقالوا: الله تعالى أعظم أن يكون رسوله بشراً هلا بعث إلينا ملكاً أي جرت السنة الإلهية حسبما اقتضته الحكمة بأن لا نبعث للدعوة العامة إلا بشراً نوحي إليهم بواسطة الملك في الأغلب الأوامر والنواهي ليبلغوها، ويحترز بالدعوة العامة عن بعث الملك للأنبياء عليهم السلام للتبليغ أو لغيرهم كبعثه لمريم للبشارة، وبالأغلب بعض أقسام الوحي مما لم يكن بواسطة الملك كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء } تفسير : [الشورى: 51] وقرأ الجمهور {يوحي} بالياء وفتح الحاء وفرقة بالياء وكسرها؛ وعبد الله والسلمي وطلحة وحفص بالنون وكسرها وفي ذلك من تعظيم أمر الوحي ما لا يخفى. ولما كان المقصود من الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم تنبيه الكفار على مضمونه صرف الخطاب إليهم فقيل: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ} أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى قاله ابن عباس والحسن والسدي وغيرهم، وتسمية الكتاب تعلم مما سيأتي إن شاء الله تعالى، وعن مجاهد تخصيصه بالتوراة لقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ } تفسير : [الأنبياء: 105] فأهله اليهود. قال في «البحر» والمراد من لم يسلم من أهل الكتاب لأنهم الذين لا يتهمون عند أهل مكة في إخبارهم بأن الرسل عليهم السلام كانوا رجالاً فإخبارهم بذلك حجة عليهم، والمراد كسر حجتهم وإلزامهم وإلا فالحق واضح في نفسه لا يحتاج فيه إلى إخبار هؤلاء، وقد أرسل المشركون بعد نزولها إلى أهل يثرب يسألونهم عن ذلك، وقال الأعمش وابن عيينة وابن جبير: المراد من أسلم منهم كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهما وغيرهما. ويضعفه أن قول من أسلم لا حجة فيه على الكفار ومنه يعلم ضعف ما قال أبو جعفر وابن زيد من أن المراد من الذكر القرآن لأن الله تعالى سماه ذكراً في مواضع منها ما سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً، وأهل الذكر على هذا المسلمون مطلقاً، وخصهم بعض الإمامية بالأئمة أهل البيت احتجاجاً بما رواه جابر ومحمد بن مسلم منهم عن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه أنه قال: نحن أهل الذكر، وبعضهم فسر الذكر بالنبـي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {أية : ذِكْرا *ً رَسُولاً} تفسير : [الطلاق: 10-11] على قول، ويقال على مقتضى ما في «البحر»: كيف يقنع كفار أهل مكة بخبر أهل البيت في ذلك وليسوا بأصدق من رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهم وهو عليه الصلاة والسلام المشهور فيما بينهم بالأمين، ولعل ما رواه ابن مردويه منا موافقاً بظاهره لمن زعمه ذلك البعض من الإمامية عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الرجل ليصلي ويصوم ويحج ويعتمر وإنه لمنافق قيل: يا رسول الله بماذا دخل عليه النفاق؟ قال: يطعن على إمامه وإمامه من قال الله تعالى في كتابه: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ} إلى آخره»تفسير : مما لا يصح، وأنا أقول يجوز أن يراد من أهل الذكر أهل القرآن وإن قال أبو حيان ما قال وستعلم وجهه قريباً إن شاء الله تعالى المنان، وقال الرماني والزجاج والأزهري: المراد بأهل الذكر علماء أخبار الأمم السالفة كائناً من كان فالذكر بمعنى الحفظ كأنه قيل: اسألوا المطلعين على أخبار الأمم يعلموكم بذلك {إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } وجواب {إن} إما محذوف لدلالة ما قبله عليه أي فاسألوا، وأما نفس ما قبله بناءً على جواز تقدم الجواب على الشرط. واستدل بالآية على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا صبياً لا ينافيه نبوة عيسى عليه السلام في المهد فإن النبوة أعم من الرسالة؛ ولا يقتضي صحة القول بنبوة مريم أيضاً لأن غايته نفي رسالة المرأة، ولا يلزم من ذلك إثبات نبوتها، وذهب إلى صحة نبوة النساء جماعة وصحح ذلك ابن السيد، ولا ينافي ما دلت عليه الآية من نفي إرسال الملائكة عليهم السلام قوله تعالى: {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً } تفسير : [فاطر: 1] لأن المراد جاعلهم/ رسلاً إلى الملائكة أو إلى الأنبياء عليهم السلام لا للدعوة العامة وهو المدعى كما علمت فالرسول إما بالمعنى المصطلح أو بالمعنى اللغوي، وقال الجبائي: إن الملائكة عليهم السلام لم يبعثوا إلى الأنبياء عليهم السلام إلا ممثلين بصور الرجال ورد بما روي أن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها مرتين، وهو وارد على الحصر المقتضي للعموم فلا يرد عليه أنه لا دلالة فيما روي على رؤية من قبل نبينا عليه الصلاة والسلام لجبريل عليه السلام على صورته مع أنه إذا ثبت ذلك للنبـي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت أنه من خصوصياته عليه الصلاة والسلام فلا مانع من ثبوته لغيره قاله الشهاب، وذكر أنه نقل الإمام عن القاضي أن مراد الجبائي أنهم لم يبعثوا إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بحضرة أممهم إلا وهم على صور الرجال كما روي أن جبريل عليه السلام حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحضر من أصحابه في صورة دحية الكلبـي وفي صورة سراقة وفي صورة أعرابـي لم يعرفوه. واستدل بها أيضاً على وجوب المراجعة للعلماء فيما لا يعلم. وفي "الإكليل" للجلال السيوطي أنه استدل بها على جواز تقليد العامي في الفروع وانظر التقييد بالفروع فإن الظاهر العموم لا سيما إذا قلنا إن المسألة المأمورين بالمراجعة فيها والسؤال عنها من الأصول، ويؤيد ذلك ما نقل عن الجلال المحلي أنه يلزم غير المجتهد عامياً كان أو غيره التقليد للمجتهد لقوله تعالى: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} والصحيح أنه لا فرق بين المسائل الاعتقادية وغيرها وبين أن يكون المجتهد حياً أو ميتاً اهـ. وصحح هو وغيره امتناع التقليد على المجتهد مطلقاً سواء كان له قاطع أو لا، وسواء كان مجتهداً بالفعل أو له أهلية الاجتهاد، ومقتضى كلامهم أنه لا فرق بين تقليد أحد أئمة المذاهب الأربع وتقليد غيره من المجتهدين. نعم ذكر العلامة ابن حجر وغيره أنه يشترط في تقليد الغير أن يكون مذهبه مدوناً محفوظ الشروط والمعتبرات فقول السبكي: إن مخالف الأربعة كمخالف الإجماع محمول على ما لم يحفظ ولم تعرف شروطه وسائر معتبراته من المذاهب التي انقطع حملتها وفقدت كتبها كمذهب الثوري والأوزاعي وابن أبـي ليلى وغيرهم، ثم إن تقليد الغير بشرطه إنما يجوز في العمل وأما للإفتاء والقضاء فيتعين أحد المذاهب الأربع، واستشكل الفرق العلامة ابن قاسم العبادي، وأجيب بأنه يحتمل أن يكون الفرق أنه يحتاط فيهما لتعديهما ما لا يحتاط في العمل فيتركان لأدنى محذور ولو محتملاً، ونظير ذلك ما ذكره بعض الشافعية في القولين المتكافئين أنه لا يفتى ولا يقضى بكل منهما لاحتمال كونه مرجوحاً ويجوز العمل به؛ وذكر الإمام أن من الناس من جوز التقليد للمجتهد لهذه الآية فقال: لما لم يكن أحد المجتهدين عالماً وجب عليه الرجوع إلى المجتهد العالم لقوله تعالى: {فَٱسْأَلُواْ} الآية فإن لم يجب فلا أقل من الجواز، وأيد ذلك بأن بعض المجتهدين نقلوا مذاهب بعض الصحابة وأقروا الحكم عليها، والصحيح ما سمعت أولاً، وما ذكر ليس بتقليد بل هو من باب موافقة الاجتهاد الاجتهاد. واحتج بها أيضاً نفاة القياس فقالوا: المكلف إذا نزلت به واقعة فإن كان عالماً بحكمها لم يجز له القياس وإلا وجب عليه سؤال من كان عالماً بها بظاهر الآية ولو كان القياس حجة لما وجب عليه السؤال لأجل أنه يمكنه استنباط ذلك الحكم بالقياس، فثبت أن تجويز العمل بالقياس يوجب ترك العمل بظاهر الآية فوجب أن لا يجوز. وأجيب بأنه ثبت جواز العمل بالقياس بإجماع الصحابة والإجماع أقوى من هذا الدليل. وقال بعضهم: إذا كان المكلف ممن يقدر على القياس كان ممن يعلم فلا يجب عليه السؤال فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِىۤ إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ}. كانت الآيات السابقة جارية على حكاية تكذيب المشركين نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم وإنكارهم أنه مرسل من عند الله وأن القرآن وحي الله إليه، ابتداء من قوله تعالى: {أية : وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} تفسير : [سورة النحل: 24]، وردّ مزاعمهم الباطلة بالأدلّة القارعة لهم متخلّلاً بما أدمج في أثنائه من معان أخرى تتعلّق بذلك، فعاد هنا إلى إبطال شبهتهم في إنكار نبوءته من أنه بشر لا يليق بأن يكون سفيراً بين الله والناس، إبطالاً بقياس التّمثيل بالرّسل الأسبقين الذين لا تنكر قريش رسالتهم مثل نوح وإبراهيم عليهما السلام. وهذا ينظر إلى قوله في أول السورة {أية : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده} تفسير : [سورة النحل: 1]. وقد غيّر أسلوب نظم الكلام هنا بتوجيه الخطاب إلى النبي بعد أن كان جارياً على أسلوب الغيبة ابتداء من قوله تعالى: {أية : فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة} تفسير : [سورة النحل: 22]، وقوله تعالى {أية : وقال الذين أشركوا} تفسير : [سورة النحل: 35] الآية، تأنيساً للنبي عليه الصلاة والسلام لأن فيما مضى من الكلام آنفاً حكاية تكذيبهم إيّاه تصريحاً وتعريضاً، فأقبل الله على الرسول بالخطاب لما في هذا الكلام من تنويه منزلته بأنه في منزلة الرسل الأولين عليهم الصلاة والسلام. وفي هذا الخطاب تعريض بالمشركين، ولذلك التفت إلى خطابهم بقوله تعالى: {فسألوا أهل الذكر}. وصيغة القصر لقلب اعتقاد المشركين وقولهم: {أية : أبعث الله بشراً رسولاً}تفسير : [سورة الإسراء: 94]، فقصر الإرسال على التعلّق برجال موصوفين بأنهم يوحى إليهم. ثم أشهد على المشركين بشواهد الأمم الماضية وأقبل عليهم بالخطاب توبيخاً لهم لأن التوبيخ يناسبه الخطاب لكونه أوقع في نفس الموبّخ، فاحتجّ عليهم بقوله: {فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} الخ. فهذا احتجاج بأهل الأديان السابقين أهل الكتُب اليهود والنصارى والصابئة. و{الذّكر}: كتاب الشريعة. وقد تقدم عند قوله تعالى:{أية : وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر} تفسير : في أول سورة الحِجر (6). وفي قوله تعالى: {إن كنتم لا تعلمون} إيماء إلى أنهم يعلمون ذلك ولكنهم قصدوا المكابرة والتمويه لتضليل الدهماء، فلذلك جيء في الشرط بحرف {إن} التي ترد في الشرط المظنون عدم وجوده. وجملة {فسألوا أهل الذكر} معترضة بين جملة {وما أرسلنا} وبين قوله تعالى: {بالبينات والزبر}. والجملة المعترضة تقترن بالفاء إذا كان معنى الجملة مفرّعاً على ما قبله، وقد جعلها في «الكشاف» معترضة على اعتبار وجوه ذكرها في متعلّق قوله تعالى: {بالبينات}. ونقل عنه في سورة الإنسان (29) عند قوله تعالى: {أية : إن هذه تذكرة فمن شاء اتّخذ إلى ربه سبيلا} تفسير : أنه لا تقترن الجملة المعترضة بالفاء. وتردد صاحب الكشاف في صحة ذلك عنه لمخالفته كلامه في آية سورة النحل. وقوله {بالبينات} متعلّق بمستقر صفةً أو حالاً من {رجالاً}. وفي تعلّقه وجوه أخر ذكرها في «الكشاف»، والباء للمصاحبة، أي مصحوبين بالبينات والزبر، فالبينات دلائل الصّدق من معجزات أو أدلّة عقلية. وقد اجتمع ذلك في القرآن وافترق بين الرسل الأوّلين كما تفرّق منه كثير لرسولنا صلى الله عليه وسلم و{الزُّبُر}: جمع زبور وهو مشتقّ من الزبرْ أي الكتابة، ففعول بمعنى مفعول. {والزبر} الكتب التي كتب فيها ما أوحي إلى الرسل مثل صحف إبراهيم والتوراة وما كتبه الحواريون من الوحي إلى عيسى ــــ عليه السلام ــــ وإن لم يكتبه عيسى. ولعل عطف {الزبر} على {بالبينات} عطف تقسيم بقصد التوزيع، أي بعضهم مصحوب بالبينات وبعضهم بالأمرين لأنه قد تجيء رسل بدون كتب، مثل حنظلة بن صفوان رسول أهل الرّسّ وخالد بن سنان رسول عبس. ولم يذكر الله لنوح ــــ عليه السلام ــــ كتاباً. وقد تجعل {الزّبر} خاصة بالكتب الوجيزة التي ليست فيها شريعة واسعة مثل صحف إبراهيم وزبور داود ــــ عليهما السلام ــــ والإنجيل كما فسّروها به في سورة فاطر. لما اتّضحت الحجّة بشواهد التاريخ الذي لا ينكر ذُكرت النتيجة المقصودة، وهو أن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم إنما هو ذكر وليس أساطير الأوّلين. والذكر الكلام الذي شأنه أن يُذكر، أي يُتلى ويكرّر. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر}تفسير : في سورة الحِجر (6). أي ما كنتَ بدعاً من الرّسل فقد أوحينا إليك الذكر. والذكر: ما أنزل ليقرأه الناس ويتلونه تكراراً ليتذكروا ما اشتمل عليه. وتقديم المتعلّق المجرور على المفعول للاهتمام بضمير المخاطب. وفي الاقتصار على إنزال الذكر عقب قوله: {بالبينات والزبر} إيماء إلى أن الكتاب المنزّل على محمد صلى الله عليه وسلم هو بيّنةٌ وزبور معاً، أي هو معجزة وكتاب شرع. وذلك من مزايا القرآن التي لم يشاركه فيها كتاب آخر، ولا معجزةٌ أخرى، وقد قال الله تعالى: {أية : وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربّه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مُبين أو لم يكفهم أنّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمةً وذكرى لقوم يؤمنون} تفسير : سورة العنكبوت (50، 51). وفي الحديث: أن النبي قال: حديث : ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مِثْلُه آمَنَ عليه البشر وإنما كان الذي أوتيتُ وحياً أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامةتفسير : . والتبيين: إيضاح المعنى. والتعريف في الناس للعموم. والإظهار في قوله تعالى: {ما نزل إليهم} يقتضي أن ما صدق الموصول غير الذكر المتقدم، إذ لو كان إيّاه لكان مقتضى الظاهر أن يقال لتبيّنه: للناس. ولذا فالأحسن أن يكون المراد بما نزل إليهم الشرائع التي أرسل الله بها محمداً صلى الله عليه وسلم فجعل القرآن جامعاً لها ومبيناً لها ببليغ نظمه ووفرة معانيه، فيكون في معنى قوله تعالى: {أية : ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} تفسير : [سورة النحل: 89]. وإسناد التبيين إلى النبي عليه الصلاة والسلام باعتبار أنه المبلّغ للناس هذا البيانَ. واللّام على هذا الوجه لذكر العِلّة الأصلية في إنزال القرآن. وفسر ما نزل إليهم} بأنه عين الذكر المنزّل، أي أنزلنا إليك الذكر لتبينّه للناس، فيكون إظهاراً في مقام الإضمار لإفادة أن إنزال الذكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو إنزاله إلى الناس كقوله تعالى: {أية : لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم} تفسير : [سورة الأنبياء: 10]. وإنّما أتي بلفظه مرتين للإيماء إلى التّفاوت بين الإنزالين: فإنزاله إلى النبي مباشرةً، وإنزاله إلى إبلاغه إليهم. فالمراد بالتبيين على هذا تبيين ما في القرآن من المعاني، وتكون اللّام لتعليل بعض الحِكم الحافّة بإنزال القرآن فإنها كثيرة، فمنها أن يبيّنه النبي فتحصل فوائد العلم والبيان، كقوله تعالى: {أية : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للناس} تفسير : [سورة آل عمران: 187]. وليس في هذه الآية دليل لمسائل تخصيص القرآن بالسنّة، وبيان مجمل القرآن بالسنّة، وترجيح دليل السنّة المتواترة على دليل الكتاب عند التعارض المفروضات في أصول الفقه إذ كل من الكتاب والسنّة هو من تبيين النبي إذ هو واسطته. عطف {لعلهم يتفكرون} حكمة أخرى من حِكَم إنزال القرآن، وهي تهيئة تفكّر الناس فيه وتأمّلهم فيما يقرّبهم إلى رضى الله تعالى. فعلى الوجه الأول في تفسير {لتبين للناس} يكون المراد أن يتفكّروا بأنفسهم في معاني القرآن وفهم فوائده، وعلى الوجه الثاني أن يتفكّروا في بيانك ويعوه بأفهامهم.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لم يرسل قبله صلى الله عليه وسلم من الرسل إلا رجالاً، أي لا ملائكة. وذلك أن الكفار استغربوا جداً بعث الله رسلاً من البشر، وقالوا: الله أعظم من أن يرسل بشراً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. فلو كان مرسلاً أحداً حقاً لأرسل ملائكة كما بينه تعالى في آيات كثيرة، كقوله: {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاس} تفسير : [يونس: 2]، وقوله: {أية : بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ}تفسير : [ق: 2] الآية، وقوله: {أية : وَقَالُواْ مَا لِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان: 7]، وقوله: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 94]، وقوله: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ} تفسير : [التغابن: 6] الآية، وقوله {أية : أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ} تفسير : [القمر: 24] الآية، وقوله: {أية : فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِين} تفسير : [المؤمنون: 24]، وقوله: {أية : وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ}تفسير : [المؤمنون: 33-34]، وقوله {أية : قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا} تفسير : [إبراهيم: 10] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد بين الله جل وعلا في آيات كثيرة: أن الله ما أرسل لبني آدم إلا رسلاً من البشر، وهم رجال يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويتزوجون، ونحو ذلك من صفات البشر. كقوله هنا: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43] وقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} تفسير : [يوسف: 109]، وقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان: 20]، وقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ} تفسير : [الأنبياء: 8]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} تفسير : [الرعد: 38]، وقوله: {أية : قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ}تفسير : [الأحقاف: 9] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ جمهور القراء هذا الحرف "يوحى إليهم" بالياء المثناة التحتية، وفتح الحاء مبنياً للمفعول. وقرأه حفص عن عاصم "نوحي إليهم" بالنون وكسر الحاء مبنياً للفاعل. وكذلك قوله في آخر سورة يوسف "إلا رجالاً يوحى إليهم من أهل القرى". وأول الأنبياء "إلا رجالاً يوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر.." الآية. كل هذه المواضع قرأ فيها حفص وحده بالنون وكسر الحاء. والباقون بالياء التحتية وفتح الحاء أيضاً وأما الثانية في سورة الأنبياء وهي قوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ} تفسير : [الأنبياء: 25] الآية. فقد قرأه بالنون وكسر الحاء حمزة والكسائي وحفص, والباقون بالياء التحتية وفتح الحاء أيضاً. وحصر الرسل في الرجال في الآيات المذكورة لا ينافي أن من الملائكة رسلاً. كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [الحج: 75]، وقال: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً}تفسير : [فاطر: 1]الآية. لأن الملائكة يرسلون إلى الرسل، والرسل ترسل إلى الناس. والذي أنكره الكفار هو إرسال الرسل إلى الناس، وهو الذي حصر الله فيه الرسل في الرجال من الناس. فلا ينافي إرسال الملائكة للرُّسل بالوحي، ولقبض الأرواح، وتسخير الرِّياح والسَّحاب، وكتب أعمال بني آدم، وغير ذلك. كما قال تعالى: {أية : فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} تفسير : [النازعات: 5]. تنبيه يفهم من هذه الآيات أن الله لم يرسل امرأة قط. لقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً}. ويفهم من قوله: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ} الآيه - أن من جهل الحكم: يجب عليه سؤال العلماء والعمل بما أفتوه به. والمراد بأهل الذكر في الآية: أهل الكتاب، وهذه الأمة أيضاً يصدق عليها أنها أهل الذكر. لقوله: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ} تفسير : [الحجر: 9] الآية. إلا أن المراد في الآية أهل الكتاب. والباء في قوله{أية : بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ} تفسير : [النحل: 44] قيل: تتعلق بـ "ما أرسلنا" داخلاً تحت حكم الاستثناء مع "رجالاً" أي وما أرسلنا إلاّ رجالاً بالبينات، كقولك: ما ضربت إلا زيداً بالسوط. لأن أصله ضربت زيداً بالسوط. وقيل: تتعلق بقوله "رجالاً" صفة له، أي رجالاً متلبسين بالبينات. وقيل: تتعلق بـ "أرسلنا" مضمراً دل عليه ما قبله. كأنه قيل: بم أرسلوا؟ قيل: بالبينات. وقيل: تتعلق بـ، "نوحي" إليهم بالبينات. قاله صاحب الكشاف. والعلم عند الله تعالى.
القطان
تفسير : اهل الذكر: اهل العلم. البينات: المعجزات. الزبر: الكتب، مفردها زبور. زبرت الكتاب: كتبته. المكر: السعي بالفساد خفية. في تقلبهم: في سيرهم وسعيهم وتصرفهم. على تخوف: على تنقص. يتفيأ ضلاله: يعود ويرجع. داخرون: صاغرون. من فوقهم: بالقهر والغلبة وهي كناية عن قدرة الله. {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ}. انكر كفارُ قريش بعثة الرسول الكريم، وقالوا: اللهُ أعظمُ من ان يكون رسوله بشراً. فردّ الله تعالى عليهم مبيناً أنه لم يرسِل الرسل إلا رجالاً من بني آدم، مؤيَّدين بالوحي، وانه لم يرسل ملائكةً وخلقا آخر. فاسألوا اهل العلم بالكتب السابقة، ان كنتم لا تعلمون ذلك. {بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. وقد أيَّدنا هؤلاء الرسل بالمعجزات والدلائل المبيّنة لصدقهم، وانزلنا إليك أيها النبي القرآنَ لتبين للناس ما اشتمل عليه من العقائد والأحكام، وتدعوهم الى التدبر فيه، ولعلّهم يتفكرون في آيات الله، ويتدبرون القرآن ويدركون أسراره واهدافه، ويعلمون انه أُنزل لخيرهم ومصلحتهم. ثم حذّرهم وخوفهم مغبّة ما هم فيه من العصيان والكفر فقال: {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}. افأمِن الذين مكروا برسول الله وحاولوا صدَّ أصحابه عن الايمان بالله ان يصيبهم بعقوبة من عنده. 1- إما بان يخسف بهم الارض ويبيدهم من صفحة الوجود كما فعل بقارونَ وغيره. 2- او بأن يأتيهم بعذابٍ من السماء فجأة من حيث لا يشعرون كما فعل بقوم لوط. 3- او يأخذَهم بعقوبة وهم في أعمالهم او اسفارِهم يكدحون في الارض. 4- او يهلكهم بنقصِ اموالهم او بنقص انفسِهم رويداً رويداً وهم في كل لحظة في عذاب من الخوف منه والترقيب لوقوعه، فلا تتمادوا ايها المشركون وتعتروا بتأخير عقوبتكم، فان الله سبحانه رؤوف رحيم، ورحمة الله واسعة شاملة. {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ}. أَغَفلَ هؤلاء الناس عن آيات الله حولهم، ولم يروا ما خلقه من الاشياء القائمة تنتقل ظلالها، وتمتد تراة يمينا وتارة شمالا، وكل ذلك خاضع لأمر الله منقاد لإحكام تدبيره والكل ساجد لله وهم صاغرون. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وخلق: "الم تروا" بالتاء والباقون بالياء. {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ}. وللهِ وحده يخضع وينقادُ جميع ما خلقه في السماوات، وما يدبّ على الأرض ويمشي على ظهرها من مخلوقات، وفي مقدِّمتهم الملائكةُ يخضعون له ولا يستكبرون عن طاعته. {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} وهنا موضعُ سجدة. وكل هؤلاء الذين مر ذكرهم يخافون ربهم القاهر، ويفعلون ما يأمرهم به.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَٱسْأَلُواْ} (43) - لَمَّا بَعَثَ اللهُ مُحْمَّداً رَسُولاً أَنْكَرَتِ العَرَبُ ذلِكَ، وَقَالُوا: اللهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ مِنَ البَشَرِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ}، تفسير : وَهُنَا يُؤَكِّدُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ المُرْسَلِينَ، مِنْ قَبْلِ مُحَمَّدٍ، إِلاَّ مِنَ البَشَرِ، فَاسْأَلُوا، يَا أَيُّهَا المُنْكِرُونَ ذلِكَ، أَهْلَ الكُتُبِ السَّابِقَةِ (أَهْلَ الذِّكْرِ) أَمِنَ البَشَرِ كَانَ الرُّسُلُ أَمْ مِنَ المَلاَئِكَةِ؟ فَإِنْ كَانُوا مِنَ المَلاَئِكَةِ أَنْكَرْتُمْ، وَإِنْ كَانُوا مِنَ البَشَرِ، فَلِمَ تُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ رَسُولاً؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقد اعترض المعاندون من الكفار على كون الرسول بشراً. وقالوا: إذا أراد الله أن يرسل رسولاً فينبغي أن يكون مَلَكاً فقالوا: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً ..} تفسير : [المؤمنون: 24]. وكأنهم استقلُّوا الرسالة عن طريق بشر، وهذا أيضاً من غباء الكفر وحماقة الكافرين؛ لأن الرسول حين يُبلّغ رسالة الله تقع على عاتقه مسئوليتان: مسئولية البلاغ بالعلم، ومسئولية التطبيق بالعمل ونموذجية السلوك .. فيأمر بالصلاة ويُصلِّي، وبالزكاة ويُزكِّي، وبالصبر ويصبر، فليس البلاغ بالقول فقط، لا بل بالسلوك العمليّ النموذجيّ. ولذلك كانت السيدة عائشة رضي الله عنها تقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان خُلقه القرآن ". تفسير : وكان قرآناً يمشي على الأرض، والمعنى: كان تطبيقاً كاملاً للمنهج الذي جاء به من الحق تبارك وتعالى. ويقول تعالى في حقِّه صلى الله عليه وسلم: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ..} تفسير : [الأحزاب: 21]. فكيف نتصور أن يكون الرسول مَلَكاً؟ وكيف يقوم بهذه الرسالة بين البشر؟ قد يؤدي الملك مهمة البلاغ، ولكن كيف يُؤدِّي مهمة القدوة والتطبيق العملي النموذجي؟ كيف ونحن نعلم أن الملائكة خَلْق جُبِلوا على طاعة الله: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6]. ومن أين تأتيه منافذ الشهوة وهو لا يأكل ولا يشرب ولا يتناسل؟ فلو جاء مَلَك برسالة السماء، وأراد أن ينهى قومه عن إحدى المعاصي، ماذا نتوقع؟ نتوقع أن يقول قائلهم: لا .. لا أستطيع ذلك، فأنت ملَك ذو طبيعة علوية تستطيع ترْك هذا الفعل، أما أنا فلا أستطيع. إذن: طبيعة الأُسْوة تقتضي أن يكون الرسول بشراً، حتى إذا ما أمر كان هو أول المؤتمرين، وإذا ما نهى كان هو أول المنتهين. ومن هنا كان من امتنان الله على العرب، ومن فضله عليهم أنْ بعثَ فيهم رسولاً من أنفسهم: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ..} تفسير : [التوبة: 128]. فهو أولاً من أنفسكم، وهذه تعطيه المباشرة، ثم هو بشر، ومن العرب وليس من أمة أعجمية .. بل من بيئتكم، ومن نفس بلدكم مكة ومن قريش؛ ذلك لتكونوا على علم كامل بتاريخه وأخلاقه وسلوكه، تعرفون حركاته وسكناته، وقد كنتم تعترفون له بالصدق والأمانة، وتأتمنونه على كل غَال ونفيس لديكم لعلمكم بأمانته، فكيف تكفرون به الآن وتتهمونه بالكذب؟! لذلك رَدَّ عليهم الحق تبارك وتعالى في آية أخرى فقال: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94]. فالذي صَدَّكم عن الإيمان به كَوْنه بشراً!! ثم نأخذ على هؤلاء مأخذاً آخر؛ لأنهم تنازلوا عن دعواهم هذه بأنْ يأتيَ الرسول من الملائكة وقالوا: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. فهذا تردُّد عجيب من الكفار، وعدم ثبات على رأي .. مجرد لَجَاجة وإنكار، وقديماً قالوا: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذَكُوراً. ويرد عليهم القرآن: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95]. فلو كان في الأرض ملائكة لنزَّلنا لهم ملكاً حتى تتحقَّق الأُسْوة. إذن: لا بُدَّ في القدوة من اتحاد الجنس .. ولنضرب لذلك مثلاً: هَبْ أنك رأيتَ أسداً يثور ويجول في الغابة مثلاً يفترس كُلَّ ما أمامه، ولا يستطيع أحد أنْ يتعرَّض له .. هل تفكر ساعتها أن تصير أسداً؟ لا .. إنما لو رأيتَ فارساً يمسك بسيفه، ويطيح به رقاب الأعداء .. ألا تحب أن تكون فارساً؟ بلى أحب. فهذه هي القدوة الحقيقية النافعة، فإذا ما اختلف الجنس فلا تصلح القدوة. وهنا يردُّ الحق تبارك وتعالى على افتراءات الكفار بقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ..} [النحل: 43]. أي: أنك يا محمد لَسْتَ بدْعاً في الرسل، فَمْن سبقوك كانوا رجالاً طيلة القرون الماضية، وفي موكب الرسالات جميعاً. وجاءتْ هنا كلمة {رِجَالاً} لتفيد البشرية أولاً كجنس، ثم لتفيد النوع المذكَّر ثانياً؛ ذلك لأن طبيعة الرسول قائمة على المخالطة والمعاشرة لقومه .. يظهر للجميع ويتحدث إلى الجميع .. أما المرأة فمبنية على التستُّر، ولا تستطيع أن تقوم بدور الأُسْوة للناس، ولو نظرنا لطبيعة المرأة لوجدنا في طبيعتها أموراً كثيرة لا تناسب دور النبوة، ولا تتمشَّى مع مهمة النبي، مثل انقطاعها عن الصلاة والتعبد لأنها حائض أو نُفَساء. كذلك جاءت كلمة {رِجَالاً} مُقيَّدة بقوله: {نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ..} [النحل: 43]. فالرسول رجل، ولكن إياك أنْ تقول: هو رجل مثْلي وبشر مِثْلي .. لا هناك مَيْزة أخرى أنه يُوحَى إليه، وهذه منزلة عالية يجب أن نحفظها للأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ثم يقول الحق سبحانه: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. أي: إذا غابتْ عنكم هذه القضية، قضية إرسال الرسل من البشر - ولا أظنها تغيب - لأنها عامة في الرسالات كلها. وما كانت لتخفَى عليكم خصوصاً وعندكم أهل العلم بالأديان السابقة، مثل ورقة بن نوفل وغيره، وعندكم أهل السِّيَر والتاريخ، وعندكم اليهود والنصارى .. فاسألوا هؤلاء جميعاً عن بشرية الرسل. فهذه قضية واضحة لا تُنكر، ولا يمكن المخالفة فيها .. وماذا سيقول اليهود والنصارى؟ .. موسى وعيسى .. إذنْ بشر. وقوله تعالى: {إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. يوحى بأنهم يعلمون، وليس لديهم شَكٌّ في هذه القضية .. مثل لو قلتَ لمخاطبك: اسأل عن كذا إنْ كنت لا تعرف .. هذا يعني أنه يعرف، أما إذا كان في القضية شَكٌّ فنقول: اسأل عن كذا دون أداة الشرط .. إذن: هم يعرفون، ولكنه الجدال والعناد والاستكبار عن قبول الحق.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ} قال: الإِمامُ زيدُ بن علي عليهما السلام: نَحنُ أَهلُ الذِّكرِ. ويقالُ: أَهلُ الذِّكرِ مَن أَسلَمَ مِن أَهلِ التوراةِ والإِنجيلِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وفي قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} [النحل: 43] إشارة إلى أن الرسالة والنبوة والولاية لا تسكن إلا في قلوب الرجال الذين {أية : لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [النور: 37] وهم أهل الذكر الذي قال الله فيهم: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] فإنهم الرجال في طلب الحق وترك ما سواه وإنهم يعرفون الرجال ليتبينوا {بِٱلْبَيِّنَاتِ} [النحل: 44] التي من خصائص نور الذكر {وَٱلزُّبُرِ} [النحل: 44] يعني: فيما قرءوا في الكتب، ثم جعل الله نبيه وحبيبه أهل الذكر وشرفه بقوله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ} [النحل: 44] يعني: كان يصعد الذكر إلينا بمقتضى قولنا: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة: 152] أنزلنا إليك ذكرنا {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] بنور ذكرنا {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] ما نزل إليهم بنور ذكرنا {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] فيما يستمعون من بيان القرآن والأحكام منك على أنك أمي ما قرأت الكتب المنزلة، ولا تعلمت العلوم. وإنما يتبين لهم من نور الذكر ما يجعلهم يلازمون الذكر ويواطبون عليه ليصلوا إلى مقام المذكورين في متابعتك ورعاية سنتك. ثم أخبر عن المنكرين الماكرين الممكورين تهديداً لهم بقوله: {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} [النحل: 45] أي: آمنوا بمكر الله أن ينكر بهم بشؤم سيئات مكرهن أن يخسف الله بهم الأرض؛ أي: أرض البشرية ودركات السفل {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ} [النحل: 45] بالمكر والاستدراج {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [النحل: 45] أنه من أين آتاهم من قبل الأعمال الآخرة بالرياء أو من أعمال الآخرة إلى الدنيا بالهوى الدنيوية أو من قبل الأعمال الأخروية {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} [النحل: 46] من أعمال الدنيا {فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} [النحل: 46] أي: بمعجز الله على تعذيبهم {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} [النحل: 47] أي: ينقص من مقاماتهم ودرجاتهم بلا شعورهم عليه {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 47] بالعباد إذا أعطاهم حسن الاستعداد رحيم عليهم عند فساد استعداداتهم بالمعاصي بألاَّ يأخذهم في الحال ويتوب عليهم في المآل، وتقبل توبتهم بالفضل والنوال. ثم أخبر عن الإجلال لسجود الظلال {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} [النحل: 48] يشير إلى أن المخلوقات على نوعين: منها ما خلق من شيء كعالم الخلق وهو عالم الأجسام، ومنها ما خلق من غير شيء كعالم الأمر وهو عالم الأرواح، كما قال تعالى: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} تفسير : [الأعراف: 54] دائماً سمي عالم الأرواح بالأمر؛ لأنه خلقه بأمر كن من غير شيء بلا زمان، كما قال الله تعالى: {أية : خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 9] يعني: خلقت روحك من قبل خلق جسدك {وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 9]. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام" تفسير : {يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ } [النحل: 48] يتفيأ الظلال إلى ما أودع الله في كل شيء من عالم الأجسام خاصية، وهي ظل ذلك الشيء يميل بها عن يمين السعادة أهل الشقاوة، وهم أصحاب اليمين أو عن شمال الشقاوة أهل الشقاوة وهم أصحاب الشمال، وهذه الخواص في الأشياء، ويسجدون لله انقياداً لما خصهم به مسخرين متذللين، وإنما وحد اليمين وجمع الشمال؛ لغلبة أصحاب الشمال على أصحاب اليمين، ثم خرج به. وقال: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 49] بل يتذللون لكل شيء من بين يدي صانعه ساجد سجود يلائم حاله كما أن كل شيء يسبح بحمده تسبيحاً يلائم حاله، فتسبيح بعضهم بلسان المقال، وتسبيح بعضهم بلسان الحال، والله يعلم لسان حالهم كما لسان مقالهم. واعلم أن الله تعالى أعطى لكل شيء من أصناف المخلوقات من الحيوانات إلى الجمال سمعاً وبصراً ولساناً وفهماً به يسمع كلام الحق ويبصر شواهد الحق ويكلم الحق ويفهم إشارته، كما أخبر الله تعالى عن حال السماوات والأرض وهما في العدم أعطاهما سمعاً به سمعاً قوله: {أية : ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} تفسير : [فصلت: 11] وأعطاهما فهماً به فهما كلامه وأعطاهما لساناً به قالتا: {أية : أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11] فكل شيء يسبح الله بذلك اللسان ويسجد له بذلك الطوع، فمن هذا اللسان الملكوت بمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم كانت الحصى تسبح له في يده، وكذلك الأحجار الثلاثة كلمت داود عليه السلام، وأوبت الجبال معه لما قال تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 44].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا } أي: لست ببدع من الرسل، فلم نرسل قبلك ملائكة بل رجالا كاملين لا نساء. { نُوحِي إِلَيْهِمْ } من الشرائع والأحكام ما هو من فضله وإحسانه على العبيد من غير أن يأتوا بشيء من قبل أنفسهم، { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ } أي: الكتب السابقة { إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } نبأ الأولين، وشككتم هل بعث الله رجالا؟ فاسألوا أهل العلم بذلك الذين نزلت عليهم الزبر والبينات فعلموها وفهموها، فإنهم كلهم قد تقرر عندهم أن الله ما بعث إلا رجالا يوحي إليهم من أهل القرى، وعموم هذه الآية فيها مدح أهل العلم، وأن أعلى أنواعه العلم بكتاب الله المنزل. فإن الله أمر من لا يعلم بالرجوع إليهم في جميع الحوادث، وفي ضمنه تعديل لأهل العلم وتزكية لهم حيث أمر بسؤالهم، وأن بذلك يخرج الجاهل من التبعة، فدل على أن الله ائتمنهم على وحيه وتنزيله، وأنهم مأمورون بتزكية أنفسهم، والاتصاف بصفات الكمال. وأفضل أهل الذكر أهل هذا القرآن العظيم، فإنهم أهل الذكر على الحقيقة، وأولى من غيرهم بهذا الاسم، ولهذا قال تعالى: { وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ } أي: القرآن الذي فيه ذكر ما يحتاج إليه العباد من أمور دينهم ودنياهم الظاهرة والباطنة، { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ } وهذا شامل لتبيين ألفاظه وتبيين معانيه، { وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فيه فيستخرجون من كنوزه وعلومه بحسب استعدادهم وإقبالهم عليه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):