Verse. 1945 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

بِالْبَيِّنٰتِ وَالزُّبُرِ۝۰ۭ وَاَنْزَلْنَاۗ اِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ اِلَيْہِمْ وَلَعَلَّہُمْ يَتَفَكَّرُوْنَ۝۴۴
Bialbayyinati waalzzuburi waanzalna ilayka alththikra litubayyina lilnnasi ma nuzzila ilayhim walaAAallahum yatafakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«بالبينات» متعلق بمحذوف أي أرسلناهم بالحجج الواضحة «والزُّبُر» الكتب «وأنزلنا إليك الذكر» القرآن «لتبين للناس ما نزل إليهم» فيه من الحلال والحرام «ولعلهم يتفكرون» في ذلك فيعتبرون.

44

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ } أي أرسلناهم بالبينات والزبر أي المعجزات والكتب، كأنه جواب: قائل قال: بم أرسلوا؟ ويجوز أن يتعلق بما أرسلنا داخلاً في الاستثناء مع رجالاً أي: وما أرسلنا إلا رجالاً بالبينات كقولك: ما ضربت إلا زيداً بالسوط، أو صفة لهم أي رجالاً ملتبسين بالبينات، أو بيوحي على المفعولية أو الحال من القائم مقام فاعله على أن قوله فاسألوا اعتراض، أو بلا تعلمون على أن الشرط للتبكيت والإِلزام. {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذّكْرَ } أي القرآن وإنما سمي ذكراً لأنه موعظة وتنبيه. {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } في الذكر بتوسط إنزاله إليك مما أمروا به ونهوا عنه، أو مما تشابه عليهم والتبيين أعم من أن ينص بالمقصود، أو يرشد إلى ما يدل عليه كالقياس. ودليل العقل. {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } وإرادة أن يتأملوا فيه فيتنبهوا للحقائق.

المحلي و السيوطي

تفسير : {بِٱلْبَيِّنَٰتِ } متعلق بمحذوف أي أرسلناهم بالحجج الواضحة {وَٱلزُّبُرِ } الكتب {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذّكْرَ } القرآن {لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } فيه من الحلال والحرام {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } في ذلك فيعتبرون.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِلَيْكَ الذِّكْرَ} القرآن، أو العلم.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [الآية: 44]. قال ابن عطاء: قطع عقول الخلق عن فهم كتابه والإشراف عليه والتبين منه إلا عقل النبى صلى الله عليه وسلم فإنه قال له: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} وإن كان فيه أحكام الخلق فالخطاب معك وأنت صاحب البيان لهم بما أنزل عليك لأنهم فى مقام الوحشة وأنت فى محل الحظور والإيمان فبيان الكتاب ما نبينه وآداب الشريعة ما ترسمه لأنك أنت الأمين فى جميع الأحوال لا يؤتمن على أسرار الخلق إلا الأمناء من العبيد. وأنشأ فى معناه. شعر : من سارروه فأبدى السر مشتهرًا لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وجانبوه فلـم يسـعد لقربهـم وأيدوه مكـان الأنس أنجاسًا لا يصطفون مضيعًا بعض سرهم حاشا ودادهم من ذاكم حاشا

القشيري

تفسير : أي إن البيانَ إليك، فأنت الواسطة بيننا وبينهم، وأنت الأمين على وحينا.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} اخفى الله سبحانه مكنون اسرار كتابه كما كانت بالحقيقة الا على نبيّه لانه كان بتلك الحقائق مخاطبا وكان بها مامونا ليبينها لامناء المعرفة واصفياء الحقيقة الذين لهم استعداد قبول الحقائق ولهم اسماع الاهلية الحاضرة لشهود الغيب وسماع الانباء العجيبة ليتفكروا فيها بعقول كاملة ويستخرجوا جواهر علومها باسرار ظاهرة وهمم عالية وخواطر مشرقة وادراكات منيرة وهم لا يضيعونها بان يقولوا عند غير اهلها فيسقطوا عن درجة الامانة وانشد فى ما ذكرنا شعر : من ساودوه فابدى السر مشتهرا لم يامنوه على الاسرار ما عاش وجانبوه فلم يسعد بقربهم وابدلوه مكان الانس ايحاش لا يصطفون مذيعا بعض سرهم حاشا ودادهم من ذاكم حاشا تفسير : قال ابن عطا قطع عقول الخلق عن فهم كتابه والاشراف عليه والنبيين منه الا عقل النبى صلى الله عليه وسلم فانه قال له وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس وان فيه احكام الخلق والخطاب معك وانت صاحب البيان لهم بما انزل عليك فانهم فى مقامات الوحشة وانت فى محل الحضور ومحل الايتمان فبيان الكتاب ما تبينه واداب الشريعة ما ترسمه لانك الامين فى جميع الاحوال ولا يوتمن على اسرار الحق الا الامناء من العبيد.

اسماعيل حقي

تفسير : {بالبينات والزبر} بالمعجزات والكتب والباء متعلقة بمقدر وقع جوابا عن سؤال من قال بم ارسلوا فقيل ارسلوا بالبينات والزبر. والبينات جمع بينة وهى الواضحة. والزبر جمع زبور وهو الكتاب بمعنى المزبور اى الكتوب {وانزلنا اليك الذكر} اى القرآن انما سمى به لا نه تذكير وتنبيه للغافلين. يعنى انه سبب الذكر فاطلق عليه المسبب {لتبين للناس} كافة العرب والعجم {وما نزل اليهم} فى ذلك الذكر من الاحكام والشرائع وغير ذلك من احوال القرون المهلكة بافانين العذاب حسب اعمالهم الموجبة لذلك على وجه التفصيل بيانا شافيا كما ينبئ عنه صيغة التفعيل فى الفعلين {ولعلهم يتفكرون} التفكر تصرف القلب فى معانى الاشياء لدرك المطلوب اى وارادة ان يجيلوا فيه افكارهم فيتنبهوا للحقائق وما فيه من العبر ويحترزون عما يؤدى الى مثل ما اصاب الاولين من العذاب. وفى التأويلات النجمية ولعلهم اى وفى انزال الذكر اليك حكمة اخى وهى لعل الناس يتفكرون فيما يسمعون من بيان القرآن والاحكام منك على انك امى ما قرأت الكتب المنزلة ولا تعلمت العلوم وانما تبين لهم من نور الذكر فيلازمون الذكر ويواظبون عليه ليصلوا الى مقام المذكورين فى متابعتك ورعاية سنتك. حديث : ولما سئل النبى صلى الله عليه وسلم عن جلاء القلب قال "ذكر الله وتلاوة القرآن والصلاة علىّ"تفسير : ولا شك ان خير الاذكار كلمة التوحيد. قال ابراهيم الخواص رحمه الله دواء القلب خمسة. قراءة القرآن بالتدبر. وخلاء البطن. وقيام الليل. والتضرع الى الله عند السحر. ومجالسة الصالحين. وفى ابكار الافكار افضل اذكر قراءة القرآن فانها افضل من الدعوة الغير المأثورة. واما المأثورة فقيل انها افضل منها وقيل القراءة افضل انتهى. وفى نفائس المجالس مما يجب فيه التدبر والتذكر قوله تعالى {أية : يا ايها الذين آمنوا آمنوا} فالله تعالى امر المؤمنين بالايمان اى بتكرار عقد القلب وتجديده كما ورد {جددوا ايمانكم بقول لا اله الا الله}تفسير : . قال بعض الكبار قد علم بحديث التجيد ان الايمان يقبل البلى وذلك بزوال الحب وتجديده بالتوحيد وكلمة التوحيد مركبة من النفى والاثبات فبنفى ما سوى المعبود واثبات ما هو المقصود يصل الموحد الى كمال الشهود وحصول ذلك بنور التلقين والكينونة التامة مع الصادقين كما قال تعالى {أية : وكونوا مع الصادقين}تفسير : والكينونة صورية وهى بملازمة اهل الصدق ومجالستهم ومعنوية وهى باتخاذ الاسرار وتحصيل المناسبة المعنوية فلا بد من الارتباط بواحد من الصادقين شعر : زمن اى دوست اين يك بندبيذير برو فتراك صاحب دولتى كير كه قطره تاصدف را درنيايد نكردد كوهر وروشن نتابد تفسير : واعلم ان التبيين حق اهل الدعوة والارشاد اذ ليس عليهم الا البلاغ المبين والعمل بموجب الدعوة على العباد اذ ليس عليهم الاقبول ما جاء من طرف النبى الامين فاذا قبلوا ذلك ورجعوا فى المشكلات اليه او الى وارث من ورثته الكمل علموا ما لم يعلموا ووصلوا الى كمال العلم والعمل وحصلوا عند المقصود من نزول القرآن فطوبى لهم فلهم درجات الجنان ورؤية المنان.

الجنابذي

تفسير : {بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ} البيّنات آثار النّبوّة والرّسالة واحكامهما والزّبر آثار الولاية واحكامها، والتّفسير بالمعجزات والكتب السّماويّة لانّهما آثار النّبوّة والولاية، وقيل: قوله بالبينات والزّبر متعلّق بما ارسلنا، وقيل: متعلّق بمحذوف وهو مستأنف كأنّه قيل: بم أرسلوا؟ - فقال: بالبيّنات والزّبر {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ} اى القرآن او احكام النبوّة او الولاية {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} والمقصود من مجموع ما نزل ولاية علىّ (ع) فلا ينبغى لك ان تنظر الى ردّهم وقبولهم بل عليك النّظر الى غاية الامر والتّنزيل وهى التّبيين ردّوا او قبلوا {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} فيعلموا انّ الاصل فى جملة الاحكام هو الاقتداء والخروج من الرّأى والاستبداد ولا يتيسّر ذلك الاّ بوجود من يقتدى به وانّه لا بدّ لك من تعيين من يقتدى به باذن الله حتّى يسلّموا الامر لخليفتك ومن عيّنته فيقتدوا به ويفلحوا.

اطفيش

تفسير : {بِالْبيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} كأنه قال قائل: بم أرسلوا؟ فقال: أرسلوا بالبينات فحذف أرسلوا، أَو متعلق بلا تعلمون لتضمن معنى الإِلصاق، أَو أَرسلنا رجالا ملتبسين بالبينات، أَو يوحى بالبينات، أَو ما أَرسلنا قبلك بالبينات، والبينات الحجج الواضحة وهى المعجزات، والزبر الكتب أَو هما شىء واحد من حيث إنه موضح يسمى بينات، ومن حيث إنه مكتوب، أَو زاجر يسمى ربرا من قولك زبرت أى كتبت أو زبرت بمعنى زجرت جمع زبور، بمعنى مكتوب أَو زاجر، ويجوز تعليقه بأَرسلنا على حد قولك ما ضربت زيداً بسوط استثناءً لشيئين بلا عطف لأَن الأَصل ضربت زيداً بسوط فدخلت إِلا على ذلك، والمانع يقدر بسوط {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ} القرآن سماه ذكرا لأَنه يحصل به التذكر والاتعاظ والإِيقاظ من سنة الغفلة {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} بالنص أو بالإِرشاد إلى قياس ودليل بالمشافهة والوسائط إلى يوم القيامة {مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} أى مجمل ما نزل إليهم من الحلال والحرام، فالسنة تبين القرآن مقدمة عليه إذا تعارضا أو تخبرهم بأَلفاظه مطلقاً، فإِنه إِذا نزل بينه لهم بتلاوته، وعطف على لتبين قوله: {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفْكَرُونَ} تأَملون فيما أنزل إليهم فيذعنون للحق ويؤْمنون به، وهذا مما يدل على أن تبينه صلى الله عليه وسلم للناس لا يختص بالتصريح لهم بل يشمل كل إرشاد، ولو سكوته عن النهى فنعلم الإباحة أَو العبادة منه لأَن ما ينص عليه لا يحتاج إلى تفكر.

الالوسي

تفسير : {بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ} أي بالمعجزات والكتب، والأولى للدلالة على الصدق، والثانية لبيان الشرائع والتكاليف./ وانحرف عن الحق من فسرهما بما هو مصطلح أهل الحرف. والجار والمجرور متعلق بمقدر يدل عليه ما قبله وقع جواباً عن سؤال من قال: بم أرسلوا؟ فقيل: أرسلوا بالبينات والزبر. وجوز الزمخشري والحوفي تعلقه ـ بأرسلنا ـ السابق داخلاً تحت حكم الاستثناء مع {أية : رِجَالاً} تفسير : [النحل:43] أي وما أرسلنا إلا رجالاً بالبينات وهو في معنى قولك: ما أرسلنا جماعة من الجماعات بشيء من الأشياء إلا رجالاً بالبينات، ومثله ما ضربت إلا زيداً بسوط، وهو مبني على ما جوزه بعض النحاة من جواز أن يستثنى بأداة واحدة شيآن دون عطف وأنه يجري في الاستثناء المفرغ، وأكثر النحاة على منعه كما صرح به صاحب "التسهيل" وغيره. وقال في «الكشف»: والحق أنه لا يجوز لأن {إلا} من تتمة ما دخلت عليه كالجزء منه وللزوم الإلباس أو وجوب أن يكون جميع ما يقع بعد إلا محصوراً وأن يجب نحو ما ضرب إلا زيداً عمراً إذا أريد الحصر فيهما ولا يكون فرق بين هذا وذاك، وكل ذلك ظاهر الانتفاء. والزمخشري جوز ذلك وصرح به في مواضع من "كشافه"، واستدل عليه بأن أصل ما ضربت إلا زيداً بسوط ضربت زيداً بسوط وأراد أن زيادة ما وإلا ليست إلا تأكيداً فلتؤكد لما كان أصل الكلام عليه، وهو حسن لولا أن الاستعمال والقياس آبيان، وقال بعضهم: إنه متعلق به من غير دخوله مع {أية : رجالاً} تفسير : [النحل: 43] تحت حكم الاستثناء على أن أصله وما أرسلنا بالبينات والزبر إلا رجالاً. وتعقب بأنه لا يجوز على مذهب البصريين حيث لا يجيزون أن يقع بعد إلا إلا مستثنى أو مستثنى منه أو تابعاً وما ظن من غير الثلاثة معمولاً لما قبل إلا قدر له عامل، وأجاز الكسائي أن يقع معمولاً لما قبلها منصوب كما ضرب إلا زيد عمراً، ومخفوض كما مر إلا زيد بعمرو "ولا يعذب إلا الله بالنار"، ومرفوع كما ضرب إلا زيداً عمرو، ووافقه ابن الأنباري في المرفوع، والأخفش في الظرف والجار والحال، فما ذكر مبني على مذهب الكسائي والأخفش، لكن قال الشهاب: إنه خلاف ظاهر الكلام وإخراج له عن سنن الانتظام وأكثر النحاة على أنه ممنوع، وجوز أن يكون متعلقاً بما رفع صفة ـ لرجالاً ـ أي رجالاً ملتبسين بالبينات ولم يقع حالاً منه، قيل: لأنه نكرة متقدمة، نعم قيل: بجواز وقوعه حالاً من ضمير الرجال في {أية : إِلَيْهِمُ} تفسير : [النحل: 43] وقيل: يجوز كونه حالاً من {أية : رِجَالاً} تفسير : [النحل: 43] لأنه نكرة موصوفة، واختار أبو حيان مجيء الحال من النكرة بلا مسوغ كثيراً قياساً ونقله عن سيبويه وإن كان دون الاتباع في القوة. وجوز أيضاً تعلقه ـ بنوحي ـ وقوله سبحانه: {أية : فَاسْئَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ } تفسير : [النحل: 43] اعتراض على الوجوه المتقدمة أو غير الأول، وتصدير الجملة المعترضة بالفاء صرح به في "التسهيل" وغيره، وما نقل من منعه ليس بثبت، ثم إذا كان اعتراضاً متخللاً بين مقصوري حرف الاستثناء معناه فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون أنا أرسلنا رجالاً بالبينات وعلى الوصفية إن كنتم لا تعلمون أنهم رجال متلبسون بالبينات، وعلى هذا يقدر الاعتراض مناسباً لما تخلل بينهما، وأشبه الأوجه أن يكون على كلامين ليقع الاعتراض موقعه اللائق به لفظاً ومعنى قاله في «الكشف». وجوز أن يتعلق ـ بتعلمون ـ فلا اعتراض، وفي الشرط معنى التبكيت والإلزام كما في قول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني حقي، فإن الأجير لا يشك في أنه عمل وإنما أخرج الكلام مخرج الشك لأن ما يعامل به من التسويف معاملة من يظن بأجيره أنه لم يعمل، فهو في ذلك يلزمه مقتضى ما اعترف به من العمل ويبكته بالتقصير مجهلاً إياه، فكذا ما هنا لا يشك أن قريشاً لم يكونوا من علم البينات والزبر في شيء فيقول: إن كون الرسل عليهم السلام رجالاً أمر مكشوف لا شبهة فيه فاسألوا أهل الذكر إن لم تكونوا من أهله يبين لكم يريد أن إنكاركم/ وأنتم لا تعلمون ليس بسديد وإنما السبيل أن تسألوا من أهل الذكر لا أن تنكروا قولهم، فإنكاركم مناف لما تقتضيه حالكم من السؤال فهو تبكيت من حيث الاعتراف بعدم العلم وسبيل الجاهل سؤال من يعلم لا إنكاره، قاله في «الكشف» أيضاً، ثم قال: ولا أخص أهل الذكر بأهل الكتابين ليشمل النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولو خص لجاز لأنهم موافقون في ذلك فإنكارهم إنكارهم، ثم التبكيت متوجه إلى العدول عن السؤال إلى الإنكار سألوا أو لا انتهى. ومنه يعلم جواز أن يراد بأهل الذكر أهل القرآن، وما ذكره أبو حيان في تضعيفه من أنه لا حجة في إخبارهم ولا إلزام ناشىء من عدم الوقوف على هذا التحقيق الأنيق، وهذا ظاهر على تقدير تعلق {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} ـ بيعلمون ـ والباء على هذا التقدير سببية والمفعول محذوف عند بعض، وزعم آخر أنها زائدة والبينات هي المفعول، فافهم ذاك والله تعالى يتولى هداك. {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذّكْرَ } أي القرآن وهو من التذكير إما بمعنى الوعظ أو بمعنى الإيقاظ من سنة الغفلة وإطلاقه على القرآن إما لاشتماله على ما ذكر أو لأنه سبب له، ومنه يعلم وجه تسمية التوراة ونحوها ذكراً، وقيل: المراد بالذكر العلم وليس بذاك {لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ } كافة ويدخل فيهم أهل مكة دخولاً أولياً {مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } في ذلك الذكر من الأحكام والشرائع وغير ذلك من أحوال القرون المهلكة بأفانين العذاب حسب أعمالهم مع أنبيائهم عليهم السلام الموجبة لذلك على وجه التفصيل بياناً شافياً كما ينبـىء عنه صيغة التفعيل في الفعلين لا سيما بعد ورود الثاني أولاً على صيغة الأفعال، وعن مجاهد أن المراد بهذا التبيين تفسير المجمل وشرح ما أشكل إذ هما المحتاجان للتبيين، وأما النص الظاهر فلا يحتاجان إليه. وقيل: المراد به إيقافهم على حسب استعداداتهم المتفاوتة على ما خفي عليهم من أسرار القرآن وعلومه التي لا تكاد تحصى، ولا يختص ذلك بتبيين الحرام والحلال وأحوال القرون الخالية والأمم الماضية، واستأنس له بما أخرجه الحاكم وصححه عن حذيفة قال: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً أخبرنا فيه بما يكون إلى يوم القيامة عقله منا من عقله ونسيه من نسيه» وهذا في معنى ما ذكره غير واحد أن التبيين أعم من التصريح بالمقصود ومن الإرشاد إلى ما يدل عليه، ويدخل فيه القياس وإشارة النص ودلالته وما يستنبط منه من العقائد والحقائق والأسرار الإلهية. ولعل قوله عز وجل: {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } إشارة إلى ذلك أي وطلب أن يتأملوا فينتبهوا للحقائق وما فيه من العبر ويحترز عما يؤدي إلى ما أصاب الأولين من العذاب، وقال بعض المعتزلة: أي وإرادة أن يتفكروا في ذلك فيعلموا الحق ثم قال، وفيه دلالة على أن الله تعالى أراد من جميع الناس التفكر والنظر المؤدي إلى المعرفة بخلاف ما يقول أهل الجبر، ونحن في غنى عن تقدير الإرادة بتقدير الطلب، ومن قدرها منا أراده منها، وإلا ورد عليه عدم تأمل البعض ولعله الأكثر، وهي لا ينفك المراد عنها على المذهب الحق فلا بد من العدول عنه إلى مقابله، وقيل: أراد تعلقها بالبعض وهو المتأمل لا بالكل، وأيد بعضهم إرادة الصحابة أو ما يشملهم والنبـي صلى الله عليه وسلم من أهل الذكر فيما تقدم بذكر هذه الآية بعده وليس بذي أيد.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. المراد بالذكر في هذه الآية: القرآن. كقوله:{أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية حكمتين من حكم إنزال القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم. إحداهما - أن يبين للناس ما نزل إليهم في هذا الكتاب من الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، ونحو ذلك. وقد بين هذه الحكمة في غير هذا الموضع أيضاً. كقوله: {أية : وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ}تفسير : [النحل: 64]، وقوله: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [النساء: 105] الآية. الحكمة الثانية - هي التفكر في آياته والاتعاظ بها. كما قال هنا: {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. وقد بين هذه الحكمة في غير هذا الموضع أيضاً. كقوله: {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [ص: 29]، وقوله: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82]،وقوله: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} تفسير : [محمد صلى الله عليه وسلم: 24]، إلى غير ذلك من الآيات.

الواحدي

تفسير : {بالبينات} أَيْ: أرسلناهم بالبيِّنات بالحجج الواضحة {والزبر} الكتب {وأنزلنا إليك الذكر} القرآن {لتبين للناس ما نزل إليهم} في هذا الكتاب من الحلال والحرام، والوعد والوعيد {ولعلهم يتفكرون} في ذلك فيعتبرون. {أفأمن الذين مكروا السيئات} عملوا بالفساد، يعني: عبادة الأوثان، وهم مشركو مكَّة {أن يخسف الله بهم الأرض} كما خسف بقارون {أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون} أَيْ: من حيث يأمنون، فكان كذلك؛ لأنَّهم أُهلكوا يوم بدر، وما كانوا يُقدِّرون في ذلك. {أو يأخذهم في تقلبهم} للسَّفر والتِّجارة {فما هم بمعجزين} بممتنعين على الله. {أو يأخذهم على تخوّف} على تنقُّص، وهو أن يأخذ الأوَّل حتى يأتي الأخذ على الجميع {فإنَّ ربكم لرؤوف رحيم} إذ لم يعجل عليهم بالعقوبة. {أَوَلَمْ يروا إلى ما خلق الله من شيء} له ظلٌّ من جبلٍ وشجرٍ وبناءٍ {يتفيَّأ} يتميَّل {ظلاله عن اليمين والشمائل} في أوَّل النَّهار عن اليمين، وفي آخره عن الشِّمال إذا كنت مُتوجِّهاً إلى القبلة {سجداً لله} قال المُفسِّرون: ميلانها سجودها، وهذا كقوله: {أية : وظلالهم بالغدو والآصال} تفسير : وقد مرَّ {وهم داخرون} صاغرون يفعلون ما يُراد منهم: يعني: هذه الأشياء التي ذكرها أنَّها تسجد لله.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِٱلْبَيِّنَاتِ} (44) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى إِنَّهُ أَرْسَلَ الرُّسُلَ السَّابِقِينَ مِنَ البَشَرِ، وَأَيَّدَهُمْ بِالحُجَجِ وَالدَّلاَئِلِ (البَيِّنَاتِ)، وَبِالكُتْبِ (الزُّبُرِ وَهِيَ جَمْعُ زَبُورٍ أَيْ كِتَابٍ) لِلدَّلاَلَةِ عَلَى صِدْقِهِمْ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ القُرْآنَ عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ، لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ، وَيُفَصِّلَ لَهُمْ مَا أُجْمِلَ، وَيُفَسِّرَ لَهُمْ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ، لَعَلَّ النَّاسَ يَتَفَكَّرُونَ فِيمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ فَيَهْتَدُوا، وَيَفُوزُوا بِالنَّجَاةِ فِي الدَّارَينِ. بِالبِيِّنَاتِ - أَرْسَلْنَاهُمْ بِالمُعْجِزَاتِ. الزُّبُرِ - كُتُبِ الشَّرَائِعِ وَالتَّكَالِيفِ. الذِّكْرَ - الْقُرْآنَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : استهل الحق سبحانه الآية بقوله: {بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ ..} [النحل: 44]. ويقول أهل اللغة: إن الجار والمجرور لا بُدَّ له من متعلق .. فبماذا يتعلق الجار والمجرور هنا؟ قالوا: يجوز أنْ يتعلّق بالفعل (نُوحِي) ويكون السياق: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نُوحِي إليهم بالبينات والزبر. وقد يتعلق الجار والمجرور بأهل الذكر .. فيكون المعنى: فاسألوا أهل الذكر بالبينات والزبر، فهذان وجهان لعودة الجار والمجرور. والبينات: هي الأمر البيِّن الواضح الذي لا يشكُّ فيه أحد .. وهو إما أن يكون أمارة ثُبوت صِدْق الرسالة كالمعجزة التي تتحدى المكذِّبين أنْ يأتوا بمثلها .. أو: هي الآيات الكونية التي تلفِتُ الخَلْق إلى وجود الخالق سبحانه وتعالى، مثل آيات الليل والنهارَ والشمس والقمر والنجوم. أما الزُّبُر، فمعناها: الكتب المكتوبة .. ولا يُكتب عادة إلا الشيء النفيس مخافة أنْ يضيعَ، وليس هنا أنفَسُ مما يأتينا من منهج الله لِيُنظِّم لَنا حركة حياتنا. ونعرف أن العرب - قديماً - كانوا يسألون عن كُلِّ شيء مهما كان حقيراً، فكان عندهم عِلمٌ بالسهم ومَنْ أول صانع لها، وعن القوس والرَّحْل، ومثل هذه الأشياء البسيطة .. ألاَ يسألون عن آيات الله في الكون وما فيها من أسرار وعجائب في خَلْقها تدلُّ على الخالق سبحانه وتعالى؟ ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ..} [النحل: 44]. كلمة الذكر وردتْ كثيراً في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة، وأَصلْ الذكر أنْ يظلَّ الشيءُ على البال بحيث لا يغيب، وبذلك يكون ضِدّه النسيان .. إذن: عندنا ذِكْر ونسيان .. فكلمة "ذكر" هنا معناها وجود شيء لا ينبغي لنا نسيانه .. فما هو؟ الحق سبحانه وتعالى حينما خلق آدم - عليه السلام - أخذ العهد على كُلِّ ذرِّة فيه، فقال تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} تفسير : [الأعراف: 172]. وأخْذ العهد على آدم هو عَهْد على جميع ذريته، ذلك لأن في كُلِّ واحد من بني آدم ذَرَّة من أبيه آدم .. وجزءاً حيّاً منه نتيجة التوالُد والتناسُل من لَدُن آدم حتى قيام الساعة، وما دُمْنا كذلك فقد شهدنا أخذ العهد: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}. وكأن كلمة (ذكر) جاءت لتُذكِّرنا بالعهد المطمور في تكويننا، والذي ما كان لنا أنْ ننساه، فلما حدث النسيان اقتضى الأمرُ إرسالَ الرسل وإنزالَ الكتب لتذكِّرنا بعهد الله لنا: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ ..} تفسير : [الأعراف: 172]. ومن هنا سَمّينا الكتب المنزلة ذِكراً، لكن الذكْر يأتي تدريجياً وعلى مراحل .. كلُّ رسول يأتي لِيُذكَّر قومه على حَسْب ما لديهم من غفلة .. أما الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم الذي جاء للناس كافّة إلى قيام الساعة، فقد جاء بالذكر الحقيقي الذي لا ذِكْر بعده، وهو القرآن الكريم. وقد تأتي كلمة (الذكْر) بمعنى الشَّرَف والرِّفْعة كما في قوله تعالى للعرب: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ..} تفسير : [الأنبياء: 10]. وقد أصبح للعرب مكانة بالقرآن، وعاشت لغتهم بالقرآن، وتبوءوا مكان الصدارة بين الأمم بالقرآن. وقد يأتي الذكْر من الله للعبد، وقد يأتي من العبد لله تعالى كما في قوله سبحانه: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 152]. والمعنى: فاذكروني بالطاعة والإيمان أذكركم بالفيوضات والبركة والخير والإمداد وبثوابي. وإذا أُطلقت كلمة الذكر انصرفت إلى ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الكتاب الجامع لكُلِّ ما نزل على الرسُل السابقين، ولكل ما تحتاج إليه البشرية إلى أنْ تقومَ الساعة. كما أن كلمة كتاب تطلق على أي كتاب، لكنها إذا جاءت بالتعريف (الكتاب) انصرفت إلى القرآن الكريم، وهذا ما نسميه (عَلَم بالغلبة). والذكْر هو القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو معجزته الخالدة في الوقت نفسه، فهو منهج ومعجزة، وقد جاء الرسُل السابقون بمعجزات لحالها، وكتب لحالها، فالكتاب منفصل عن المعجزة. فموسى كتابه التوراة ومعجزته العصا، وعيسى كتابه ومنهجه الإنجيل ومعجزته إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله. أما محمد صلى الله عليه وسلم فمعجزته هي نفس كتاب منهجه، لا ينفصل أحدهما عن الآخر لتظلّ المعجزة مُسَاندة للمنهج إلى قيام الساعة. وهذا هو السِّر في أن الحق تبارك وتعالى تكفل بحفظ القرآن وحمايته، فقال تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. أما الكتب السابقة فقد عُهد إلى التابعين لكل رسول منهم بحِفْظ كتابه، كما قال تعالى: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [المائدة: 44]. ومعنى اسْتُحفِظوا: أي طلبَ الله منهم أنْ يحفظوا التوراة، وهذا أمْرُ تكليف قد يُطاع وقد يُعصى، والذي حدث أن اليهود عَصَوْا وبدّلوا وحَرَّفوا في التوراة .. أما القرآن فقد تعهَّد الله تعالى بحفْظه ولم يترك هذا لأحد؛ لأنه الكتاب الخاتَم الذي سيصاحب البشرية إلى قيام الساعة. ومن الذِّكْر أيضاً ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مع القرآن، وهو الحديث الشريف، فللرسول مُهِمة أخرى، وهي منهجه الكلاميّ وحديثه الشريف الذي جاء من مِشْكاة القرآن مبيِّناً له ومُوضِّحاً له ... كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَلاَ وإنِّي قد أُوتِيتُ القرآن ومِثْله معه، يُوشك رجل شبعان يتكىء على أريكته يُحدَّث بالحديث عنِّي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال حَلَّلْناه، وما وجدنا فيه من حرام حَرَّمناه، أَلاَ وإنَّه ليس كذلك ". تفسير : ويقول الحق سبحانه: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ..} [النحل: 44]. إذن: جاء القرآن كتابَ معجزة، وجاء كتابَ منهج، إلا أنه ذكر أصول هذا المنهج فقط، ولم يذكر التعريفات المنهجية والشروح اللازمة لتوضيح هذا المنهج، وإلاَّ لَطالتْ المسألة، وتضخَّم القرآن وربما بَعُد عن مُرَاده. فجاء القرآن بالأصول الثابتة، وترك للرسول صلى الله عليه وسلم مهمة أنْ يُبيِّنه للناس، ويشرحه ويُوضِّح ما فيه. وقد يظن البعض أن كُلَّ ما جاءتْ به السُّنة لا يلزمنا القيام به؛ لأنه سنة يُثَاب مَنْ فعلها ولا يُعاقب مَنْ تركها .. نقول: لا .. لا بُدَّ أن نُفرِّق هنا بين سُنّية الدليل وسُنّية الحكم، حتى لا يلتبس الأمر على الناس. فسُنّية الدليل تعني وجود فَرْض، إلا أن دليله ثابت من السنة .. وذلك كبيان عدد ركعات الفرائض: الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فهذه ثابتة بالسنة وهي فَرْض. أما سُنيّة الحكم: فهي أمور وأحكام فقهية وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُثَاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها .. فحين يُبيِّن لنا الرسول بسلوكه وأُسْوته حُكْماً ننظر: هل هي سُنّية الدليل فيكون فَرْضاً، أم سُنّية الحكم فيكون سُنة؟ ويظهر لنا هذا أيضاً من مواظبة الرسول على هذا الأمر، فإنْ واظب عليه والتزمه فهو فَرْض، وإنْ لم يواظب عليه فهو سُنة. إذن: مهمة الرسول ليست مجرد مُنَاولة القرآن وإبلاغه للناس، بل وبيان ما جاء فيه من المنهج الإلهي، فلا يستقيم هنا البلاغ دون بيان .. ولا بُدَّ أن نفرّق بين العطائين: العطاء القرآني، والعطاء النبوي. ويجب أن نعلم هنا أن من المَيْزات التي مُيِّز بها النبي صلى الله عليه وسلم عن سائر إخوانه من الرُّسُل، أنه الرسول الوحيد الذي أمنه الله على التشريع، فقد كان الرسل السابقون يُبلِّغون أوامر السماء فَقط وانتهتْ المسألة، أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال الحق تبارك وتعالى في حقِّه: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..} تفسير : [الحشر: 7]. إذن: أخذ مَيْزة التشريع، فأصبحت سُنّته هي التشريع الثاني بعد القرآن الكريم. ثم يقول تعالى: {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]. يتفكرون .. في أي شيء؟ يتفكرون في حال الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، حيث لم يُؤْثَر عنه أنه كان خطيباً أو أديباً شاعراً، ولم يُؤْثَر عنه أنه كان كاتباً مُتعلِّماً .. لم يُعرف عنه هذا أبداً طيلة أربعين عاماً من عمره الشريف، لذلك أمرهم بالتفكُّر والتدبُّر في هذا الأمر. فليس ما جاء به محمد عبقرية تفجَّرت هكذا مرَّة واحدة في الأربعين من عمره، فالعمر الطبيعي للعبقريات يأتي في أواخر العِقْد الثاني وأوائل العِقْد الثالث من العمر. ولا يُعقل أنْ تُؤجّل العبقرية عند رسول الله إلى هذا السن وهو يرى القوم يُصْرعون حوله .. فيموت أبوه وهو في بطن أمه، ثم تموت أمه وما يزال طفلاً صغيراً، ثم يموت جَدُّه، فمَنْ يضمن له الحياة إلى سِنِّ الأربعين، حيث تتفجَّر عنده هذه العبقرية؟! إذن: تفكَّروا، فليستْ هذه عبقرية من محمد، بل هي أمْر من السماء؛ ولذلك أمره ربُّه تبارك وتعالى أن يقول لهم: {أية : قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يونس: 16]. فكان عليكم أنْ تفكِّروا في هذه المسألة .. ولو فكرتُمْ فيها كان يجب عليكم أنْ تتهافتوا على الإسلام، فأنتم أعلم الناس بمحمد، وما جرَّبتم عليه لا كذباً ولا خيانةً، ولا اشتغالاً بالشعر أو الخطابة، فما كان لِيْصدق عندكم ويكذب على الله. ولا بُدَّ أن نُفرّق بين العقل والفكر. فالعقل هو الأداة التي تستقبل المحسَّات وتُميِّزها، وتخرج منها القضايا العامة التي ستكون هي المبادىء التي يعيش الإنسان عليها، والتي ستكون عبارة عن معلومات مُخْتزنة، أما الفكر فهو أن تفكر في هذه الأشياء لكي تستنبط منها الحكم. والله سبحانه وتعالى ترك لنا حُرية التفكير وحرية العقل في أمور دنيانا، لكنه ضبطنا بأمور قَسْرية يفسَد العالم بدونها، فالذي يفسد العالم أن نترك ما شرعه الله لنا .. والباقي الذي لا يترتب عليه ضرر يترك لنا فيه مجالاً للتفكير والتجربة؛ لأن الفشل فيه لا يضر. فما أراده الله حُكْماً قسْرياً فرضه بنصٍّ صريح لا خلافَ فيه، وما أراده على وجوه متعددة يتركه للاجتهاد حيث يحتمل الفعل فيه أوجهاً متعددة، ولا يؤدي الخطأ فيه إلى فساد. فالمسألة ميزان فكري يتحكم في المحسَّات ويُنظم القضايا، لنرى أولاً ما يريده الله بتاً وما يريده اجتهاداً، وما دام اجتهاداً فما وصل إليه المجتهد يصح أنْ يعبد الله به، ولكن آفة الناس في الأمور الاجتهادية أن منهم مَنْ يتهم مخالفه، وقد تصل الحال بهؤلاء إلى رَمْي مخالفيهم بالكفر والعياذ بالله. ونقول لمثل هذا: اتق الله، فهذا اجتهادٌ مَنْ أصاب فيه فَلَهُ أجران، ومَنْ أخطأ فله أجر .. ولذلك نجد من العلماء مَنْ يعرف طبيعة الأمور الاجتهادية فنراه يقول: رَأْيي صواب يحتمل الخطأ، ورَأْي غيري خطأ يحتمل الصواب. وهكذا يتعايش الجميع وتُحتَرم الآراء. ومن رحمة الله بعباده أن يأمرهم بالتفكُّر والتدبُّر والنظر؛ ذلك لأنهم خَلْقه سبحانه، وهم أكرم عليه من أنْ يتركهم للضلال والكفر، بعد أن أكرمهم بالخَلْق والعقل، فأراد سبحانه أن يكرمهم إكراماً آخر بالطاعة والإيمان. وكأنه سبحانه يقول لهم: رُدُّوا عقولكم ونفوسكم عن كبرياء الجدل ولَجَج الخصومة، وإنْ كنتم لا تؤمنون بالبعث في الآخرة، وبما أُعدَّ للظالمين فيها من عقاب، فانظروا إلى ما حدث لهم وما عُجِّل لهم من عذاب في الدنيا. انظروا للذين سبقوكم من الأمم المكذَّبة وما آلَ إليه مصيرهم، أم أنتم آمنون من العذاب، بعيدون عنه؟! ثم يقول تبارك وتعالى: {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ} فالزُّبرُ: الكُتبُ. واحدُها زَبورٌ.