١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي بالسيئات، وهذا وعيد للمشركين الذين احتالوا في إبطال الإسلام. {أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ} قال ابن عباس: كما خسف بقارون، يقال: خَسفَ المكانُ يخسِف خسوفاً ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض خسوفاً أي غاب به فيها؛ ومنه قوله: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} تفسير : [القصص:71]. وخَسَف هو في الأرض وخُسِف به. والاستفهام بمعنى الإنكار؛ أي يجب ألا يأمنوا عقوبة تلحقهم كما لحقت المكذبين. {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} كما فعل بقوم لوط وغيرِهم. وقيل: يريد يوم بدر؛ فإنهم أهلكوا ذلك اليوم، ولم يكن شيء منه في حسابهم. {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} أي في أسفارهم وتصرفهم؛ قاله قتادة. {فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} أي سابقين الله ولا فائتيه. وقيل: «في تَقَلُّبِهِم» على فراشهم أينما كانوا. وقال الضحاك: بالليل والنهار. {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: أي على تنقّص من أموالهم ومواشيهم وزروعهم. وكذا قال ابن الأعرابي: أي على تنقّص من الأموال والأنفس والثمرات حتى أهلكهم كلّهم. وقال الضحاك: هو من الخوف؛ المعنى: يأخذ طائفة ويدع طائفة، فتخاف الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها. وقال الحسن: «على تَخَوُّفٍ» أن يأخذ القرية فتخافه القرية الأخرى، وهذا هو معنى القول الذي قبله بعينه، وهما راجعان إلى المعنى الأوّل، وأن التخوّف التنقص؛ تخوّفه تنقصه، وتخوّفه الدهر وتخوّنه (بالفاء والنون) بمعنىً؛ يقال: تخوّنني فلان حَقِّي فلان حَقِّي إذا تنقصك. قال ذو الرُّمَّة:شعر : لا، بل هو الشّوْقُ مِن دارٍ تَخوّنها مَرّاً سحابٌ ومَرّاً بارِحٌ تَرِبُ تفسير : وقال لبيد:شعر : تخوّنهـا نزولـي وارتحالـي تفسير : أي تنقص لحمها وشحمها. وقال الهَيْثَم بن عَدِيّ: التخوّف (بالفاء) التنقص، لغة لأزدِشُنوءة. وأنشد:شعر : تخوّف غَدْرهم مالي وأهْدَى سلاسلَ في الحلوق لها صليل تفسير : وقال سعيد بن المسيِّب: بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال: يا أيها الناس، ما تقولون في قول الله عز وجل: «أوْ يَأْخُذَهُم على تَخَوُّفٍ» فسكت الناس، فقال شيخ من بني هُذَيل: هي لغتنا يا أمير المؤمنين، التخوّف التنقص. فخرج رجل فقال: يا فلان، ما فعل دَيْنُك؟ قال: تخوّفته، أي تنقّصته؛ فرجع فأخبر عمر فقال عمر: أتعرف العرب ذلك في أشعارهم؟ قال نعم؛ قال شاعرنا أبو كبِير الهُذَلِيّ يصف ناقة تنقّص السير سنامها بعد تَمْكِه واكتنازه:شعر : تخوف الرَّجلُ منها تامِكاً قَرِداً كما تخوف عُودَ النَّبْعة السَّفَنُ تفسير : فقال عمر: يأيها الناس، عليكم بديوانكم شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. تَمَك السنام يَتْمِك تَمْكاً، أي طال وارتفع، فهو تامك. والسَّفَن والمسْفن ما يُنْجَر به الخشب. وقال اللّيث بن سعد: «على تخوّفٍ» على عجل. وقيل: على تقريع بما قدّموه من ذنوبهم، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. وقال قتادة: «على تخوّف» أن يعاقب أو يتجاوز. {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} أي لا يعاجل بل يمهل.
البيضاوي
تفسير : {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيّئَاتِ} أي المكرات السيئات وهم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء، أو الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وراموا صد أصحابه عن الإِيمان. {أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ} كما خسف بقارون {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} بغتة من جانب السماء كما فعل بقوم لوط.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن حلمه وإنظاره العصاة الذين يعملون السيئات، ويدعون إليها، ويمكرون بالناس في دعائهم إياهم وحملهم عليها، مع قدرته على أن يخسف بهم الأرض، أو يأتيهم العذاب {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ}، أي: من حيث لا يعلمون مجيئه إليهم؛ كقوله تعالى: {أية : أَءَمِنتُمْ مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَـٰصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } تفسير : [الملك:16-17] وقوله: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ} أي: في تقلبهم في المعايش، واشتغالهم بها في أسفارهم ونحوها من الأشغال الملهية، قال قتادة والسدي: تقلبهم، أي: أسفارهم، وقال مجاهد والضحاك وقتادة: {فِى تَقَلُّبِهِمْ} في الليل والنهار؛ كقوله: {أية : أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ } تفسير : [الأعراف:97-98]. وقوله: {فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} أي: لا يعجزون الله على أي حال كانوا عليه. وقوله: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} أي: أو يأخذهم الله في حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد، فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد، ولهذا قال العوفي عن ابن عباس: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوفه بذلك، وكذا روي عن مجاهد والضحاك وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} أي: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، كما ثبت في الصحيحين: «حديث : لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولداً، وهو يرزقهم ويعافيهم» تفسير : وفيهما: «حديث : إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته» تفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} تفسير : [هود: 102] وقال تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [الحج: 48].
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ } المكرات {ٱلسَّيّئَاتِ } بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة من تقييده أو قتله أو إخراجه كما ذكر في (الأنفال)[30:8] {أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ } كـ(قارون) {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } أي من جهة لا تخطر ببالهم؟ وقد أهلكوا ببدر ولم يكونوا يقدّرون ذلك.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين} فيه أربعة أوجه: أحدها: في إقبالهم وإدبارهم، قاله ابن بحر. الثاني: في اختلافهم، قاله ابن عباس. الثالث: بالليل والنهار، قاله ابن جريج. الرابع: في سفرهم. {أو يأخذهم على تخوفٍ} فيه ستة أوجه: أحدها: يعني على تنقص بأن يهلك واحد بعد واحد فيخافون الفناء، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك. الثاني: على تقريع بما قدموه من ذنوبهم، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. الثالث: على عجل، وهذا قول الليث. الرابع: أن يهلك القرية فتخاف القرية الأخرى، قاله الحسن. الخامس: أن يعاقبهم بالنقص من أموالهم وثمارهم، قاله الزجاج. {فإن ربكم لرءُوف رحيم} أي لا يعاجل بل يمهل.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية تهديد لأهل مكة، وهم المراد بـ {الذين} في قول الأكثر، وقال مجاهد: المراد نمرود بن كنعان، والأول أظهر، ونصب {السيئات} يحتمل وجهين: أحدهما أن ينصب بقوله {أفأمن} وتكون {السيئات} على هذا العقوبات التي تسوء من تنزل به، ويكون قوله {أن يخسف} بدلاً منها. والوجه الثاني أن ينصب بـ {مكروا}، وعدي {مكروا} لأنه بمعنى عملوا وفعلوا، و {السيئات} على هذا معاصي الكفر وغيره، قاله قتادة، ثم توعدهم بما أصاب الأمم قبلهم من الخسف، وهو أن تبتلع الأرض المخسوف به ويقعد به إلى أسفل وأسند النقاش، أن قوماً في هذه الأمة، أقيمت الصلاة فتدافعوا الإمامة وتصلفوا في ذلك فما زالوا كذلك حتى خسف بهم، و {تقلبهم} سفرهم ومحاولتهم المعايش بالسفر والرعاية ونحوها، و"المعجز" المفلت هرباً كأنه عجز طالبه، وقوله {على تخوف} أي على جهة التخوف، والتخوف النقص ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : تخوف السير منها تامكاً فرداً كما تخوف عود النبعة السفن تفسير : والسفن المبرد ويروى أن عمر بن الخطاب خفي عليه معنى "التخوف" في هذه الآية، وأراد الكتب إلى الأمصار يسأل عن ذلك، حتى سمع هذا البيت، ويروى أنه جاءه فتى من العرب وهو قد أشكل عليه أمر لفظة "التخوف"، فقال له يا أمير المؤمنين: إن أبي يتخوفني مالي، فقال عُمر: الله كبر {أو يأخذهم على تخوف}، ومنه قول طرفة: شعر : وجامل خوف من نبيه زجرُ المعلى أبداً والسفيح تفسير : ويروى من نبته، ومنه قول الآخر: [الوافر] شعر : ألأم على الهجاء وكل يوم تلاقيني من الجيران غول تخوف غدرهم مالي وهدي سلاسل في الحلوق لها صليل تفسير : يريد الأهاجي، ومنه قول النابغة: [الطويل] شعر : تخوفهم حتى أذل سراتهم بطعن ضرار بعد قبح الصفائح تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذا التنقص يتجه الوعيد به على معنيين: أحدهما أن يهلكهم ويخرج أرواحهم على تخوف أي أفذاذاً ينقصهم بذلك الشيء بعد الشيء، وهذا لا يدعي أحد أنه يأمنه، وكأن هذا الوعيد إنما يكون بعذاب ما يلقون بعد الموت، وإلا فبهذا تهلك الأمم كلها، ويؤيد هذا قوله {فإن ربكم لرؤوف رحيم} أي إن هذه الرتبة الثالثة من الوعيد، فيها رأفة ورحمة وإمهال ليتوب التائب ويرجع الراجع: والآخر أن يأخذ بالعذاب طائفة أو قرية ويترك أخرى، ثم كذلك حتى يهلك الكل، وقالت فرقة: "التخوف" هنا من الخوف أي يأخذهم بعد تخوف ينالهم فيعذبهم به. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا القول تكلف ما، وقوله {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء} الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر "أو لم يروا" بالياء على لفظ الغائب، وكذلك في العنكبوت، فهي جارية على قوله: {أو يأخذهم}، وقوله: {أو يأتيهم} وقوله: {لا يشعرون}، ورجحها الطبري، وقرأ حمزة والكسائي "أولم تروا" بالتاء في الموضعين، وهي قراءة الحسن والأعرج وأبي عبد الرحمن، وذلك يحتمل من المعنى وجهين أحدهما: أن يكون على معنى قل لهم يا محمد أولم تروا، والوجه الآخر أن يكون خطاباً عاماً لجميع الخلق ابتدأ به القول آنفاً، وقرأ عاصم في النحل بالتاء من فوق، واختلف عنه في العنكبوت، وقوله {من شيء} لفظ عام في كل ما اقتضته الصفة في قوله {يتفيأ ظلاله} لأن ذلك صفة لما عرض العبرة في جميع الأشخاص التي لها ظل، والرؤية هنا هي رؤية القلب، ولكن الاعتبار برؤية القلب إنما تكون في مرئيات بالعين، وقرأ أبو عمرو وحده "تتفيأ" بالتاء من فوق، وهي قراءة عيسى ويعقوب، وقرأ الجمهور "يتفيأ"، قال أبو علي: إذا تقدم الفعل المنسوب إلى مثل هذا الجمع فالتذكير والتأنيث فيه حسنان، وفاء الظل رجع بعكس ما كان إلى الزوال، وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى وقت الزوال إنما هي في نسخ الظل العام قبل طلوعها، فإذا زالت ابتدأ رجوع الظل العام، ولا يزال ينمو حتى تغيب الشمس، فيعم، والظل الممدود في الجنة لم يذكر الله فيئه لأنه لم يرجع بعد أن ذهب، وكذلك قول حميد بن ثور: شعر : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تذوق تفسير : فهو على المهيع، وكذلك قول علقمة بن عبدة: [الطويل] شعر : تَتَبع أفياء الظلال عشية على طرق كأنهن سيوف تفسير : وكذلك قول امرىء القيس: شعر : يفيء عليها الظل تفسير : وأما النابغة الجعدي فقال: [الخفيف] شعر : فسلام الإله يغدو عليهم وفيء الفردوس ذات الظلال تفسير : فتجوز في أن جعل الفيء حيث لا رجوع، وقال رؤبة بن العجاج: يقال بعد الزوال فيء وظل، ولا يقال قبله إلا ظل فقط، ويقال فاء الظل أي رجع من النقصان إلى الزيادة، ويعدى فاء بالهمزة كقوله تعالى: {أية : ما أفاء الله} تفسير : [الحشر: 7] ويعدى بالتضعيف فيقال أفاءه الله وفياه الله وتفيأ مطاوع فيا، ولا يقال الفيء إلا من بعد الزوال في مشهور كلام العرب، لكن هذه الآية الاعتبار فيها من أول النهار إلى آخره، فكأن الآية جارية في بعض التأويلات على تجوز كلام العرب واقتضائه وضع تتفيأ مكان تتنقل وتميل، وأضاف الظلال إلى ضمير مفرد حملاً على لفظ ما أو لفظ شيء، وهو في المعنى لجمع، وقرأ الثقفي "ظُلَلُه" بفتح اللام الأولى وضم الثانية وضم الظاء، وقوله {عن اليمين والشمائل} أفرد اليمين وهو يراد به الجمع، فكأنه للجنس، والمراد عن الأيمان والشمائل، كما قال الشاعر: [جرير] شعر : الواردون ونِيمٌ في ذرى سبأ قد عض أعناقهم جلد الجواميس تفسير : وكما قال الآخر: شعر : ففي الشامتين الصخر إن كان هدني رزية شبلي مخدر في الضراغم تفسير : والمنصوب للعبرة في هذه الآية هو كل شخص وجرم له ظل كالجبال والشجر وغير ذلك، والذي يترتب فيه أيمان وشمائل إنما هو البشر فقط، لكن ذكر الأيمان والشمائل هنا على جهة الاستعارة لغير البشر، أي تقدره ذا يمين وشمال، وتقدره يستقبل أي جهة شئت، ثم تنظر فيه فتراه يميل إما إلى جهة اليمين وإما إلى جهة الشمال، وذلك في كل أقطار الدنيا، فهذا وجه يعمم لك ألفاظ الآية، وفيه تجوز واتساع، ومن ذهب إلى أن {اليمين} من غدوة النهار إلى الزوال ثم يكون من الزوال إلى المغيب عن الشمال، وهو قول قتادة وابن جريج، فإنما يترتب له ذلك فيما قدره مستقبل الجنوب، والاعتبار في هذه الآية عندي إنما هو المستقبل الجنوب، وما قال بعض الناس من أن {اليمين} أول وقعة للظل بعد الزوال، ثم الآخر إلى الغروب هي عن الشمال، ولذلك جمع {الشمائل}، وأفرد {اليمين}، فتخليط من القول يبطل من جهات، وقال ابن عباس إذا صليت الفجر كان ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلاً، ثم بعث الله الشمس عليه دليلاً فقبض إليه الظل. قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا فأول ذرور الشمس فالظل عن يمين مستقبل الجنوب ثم يبدأ الانحراف فهو عن الشمائل لأنها حركات كثيرة، وظلال متقطعة، فهي شمائل كثيرة، وكأن الظل عن اليمين متصلاً واحداً عاماً لكل شيء، وفي هذا القول تجوز في تفيأ، وعلى ما قدرنا من استقبال الجنوب يكون الظل أبداً مندفعاً عن اليمين إلى الزوال، فإذا تحرك بعد فارق الأيمان جملة وصار اندفاعه عن الشمائل، وقالت فرقة "الظلال" هنا الأشخاص هي المراد أنفسها، والعرب تعبر أحياناً عن الأشخاص بالظل، ومنه قول عبدة بن الطيب: [البسيط] شعر : إذا نزلنا نصبنا ظل أخبية وفار للقوم باللحم المراجيل تفسير : وإنما تنصب الأخبية، ومنه قول الآخر: [الطويل] شعر : تتبع أفياء الظلال عشية تفسير : أي أفياء الأشخاص. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله محتمل غير صريح، وإن كان أبو علي قد قدره، واختلف المتأولون في هذا السجود فقالت فرقة هو سجود عبادة حقيقة، وذكر الطبري عن الضحاك قال إذا زالت الشمس سجد كل شيء قبل القبلة من نبت أو شجر، ولذلك كان الصالحون يستحبون الصلاة في ذلك الوقت، وقال مجاهد إنما تسجد الظلال لا الأشخاص وقالت فرقة، منهم الطبري عبر عن الخضوع والطاعة وميلان الظل ودورانها بالسجود، وكما يقال للمشير برأسه على جهة الخضوع والطاعة وميلان الظل ساجد ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : فكلتاهما خرت وأسجد رأسها كما سجدت نصرانة لم تحنف تفسير : والداخر المتصاغر المتواضع، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] شعر : فلم يبق إلا داخر في مُخَيِّس ومنجحر في غير أرضك في حجر
البقاعي
تفسير : ولما نبه سبحانه على التفكر، وكان داعياً للعاقل إلى تجويز الممكن والبعد من الخطر، سبب عنه إنكار الأمن من ذلك فقال تعالى: {أفأمن} أي أتفكروا فتابوا، أو استمروا على عتوهم؟ أفأمن {الذين مكروا} بالاحتيال في قتل الأنبياء وإطفاء نور الله الذي أرسلهم به، المكرات {السيئات أن} يجازوا من جنس عملهم بأن {يخسف الله} أي المحيط بكل شيء {بهم} أي خاصة {الأرض} فإذا هم في بطنها، لا يقدرون على نوع تقلب بمدافعة ولا غيرها، كما فعل بقارون وأصحابه وبقوم لوط عليه السلام من قبلهم {أو يأتيهم العذاب} على غير تلك الحال {من حيث لا يشعرون *} به في حالة من هاتين الحالتين شعوراً ما، هم في حال سكون ودعة بنوم أو غفلة {أو يأخذهم} أي الله بعذابه {في} حال {تقلبهم} وتصرفهم ومشاعرهم حاضرة وقواهم مستجمعة. ولما كانت هذه الأحوال الثلاثة مفروضة في حال أمنهم من العذاب وكان الأمن من العدو يكون عن ظن عدم قدرته عليه، علل ذلك بقوله تعالى: {فما هم بمعجزين *} أي في حالة من هذه الأحوال، سواء علينا غفلتهم ويقظتهم، ولم يعلل ما بعده بذلك لأن المتخوف مجوّز للعجز، فقال تعالى: {أو يأخذهم} أي الله أخذ غضب {على تخوف} منهم من العذاب وتحفظ من أن يقع بهم ما وقع بمن قبلهم من عذاب الاستئصال، ويجوز أن يراد بما مضى عذاب الاستئصال، وبهذا الأخذ شيئاً فشيئاً، فإن التخوف التنقص عند هذيل، روي أن عمر رضي الله عنه سأل الناس عنها فسكتوا فأجابه شيخ من هذيل بأنه التنقص، فقال عمر رضي الله عنه: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم! قال شاعرنا أبو كثير الهذلي يصف ناقة: شعر : تخوف الرحل منها تامكاً قرداً كما تخوف عود النبعة السفن تفسير : فقال عمر رضي الله عنه: أيها الناس! عليكم بديوانكم لا يضل، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. ولما كان التقدير: لم يأمنوا ذلك في نفس الأمر، ولكن جهلهم بالله - لطول أناته وحلمه - غرهم سبب عنه قوله التفاتاً إلى الخطاب استعطافاً: {فإن ربكم} أي المحسن إليكم بإهلاك من يريد وإبقاء من يريد {لرءوف} أي بليغ الرحمة لمن يتوسل إليه بنوع وسيلة، وكذا لمن قاطعه أتم مقاطعة، وإليه أشار بقوله تعالى: {رحيم *} أي فتسبب عن إمهاله لهم في كفرهم وطغيانهم مع القدرة عليهم العلم بأن تركه لمعاجلتهم ما هو إلا لرأفته ورحمته. ولما خوفهم، دل على تمام قدرته على ذلك وغيره بقوله: عاطفاً على ما تقديره: أو لم يروا إلى عجزهم عما يريدون وقسره لهم على ما لا يريدون، فيعلموا بذلك قدرته وعجزهم، فيعلموا أن عفوه عن جرائمهم إحسان منه إليهم ولطف بهم: {أولم} ولما كان حقهم المبادرة بالتوبة فلم يفعلوا، أعرض عنهم في قراءة الجماعة تخويفاً فقال تعالى: {يروا} بالياء التحتية، وقرأ حمزة والكسائي بالخطاب على نسق ما قبله، أي ينظروا بعيون الأبصار متفكرين بالبصائر، وبين بعدهم عن المعارف الإلهية بحرف الغاية فقال تعالى: {إلى ما خلق الله} أي الذي له جميع الأمر {من شيء} أي له ظل {يتفيؤا} أي تترجع إلى جهة الشاخص {ظلاله} وهو ما ستره الشاخص عن الشمس متجاوزة له {عن اليمين} وهي ما على يمين المستدير للشمال، المستقبل للجنوب، الذي هو ناحية الكعبة لمن في بلاد الشام التي هي مسكن الأنبياء عليهم السلام، وأفراد لأن الظل يكون أول ما تشرق الشمس مستقيماً إلى تلك الجهة على استواء، وجمع في قوله: {والشمائل} لأن الشمس كلما ارتفعت تحول ذلك الظل راجعاً إلى جهة ما وراء الشاخص، ولا يزال كذلك إلى أن ينتصب عند الغروب إلى جهة يساره قصداً على ضد ما كان انتصب إليه عند الشروق، فلما كان بعد انتصابه إلى جهة اليمين طالباً في تفيئه جهة اليسار، سميت تلك الجهات التي تفيأ فيها باسم ما هو طالبه تنبيهاً على ذلك، وفيه إشارة إلى قلة الجيد المستقيم وكثرة المنحرف الرديء. ولما كانت كثرة الخاضعين أدل على القهر وأهيب، جمع بالنظر إلى معنى "ما" في قوله: {سجداً} أي حال كونهم خضعاً {لله} أي الملك الأعلى بما فيهم من الحاجة إلى مدبرهم. ولما كان امتداد الظل قسرياً لا يمكن أحداً الانفصال عنه، قال جامعاً بالواو والنون تغليباً: {وهم داخرون *} ذلاً وصغاراً، لا يمتنع شيء منهم على تصريفه، وخص الظل بالذكر لسرعة تغيره، والتغير دال على المغير. ولما حكم على الظلال بما عم أصحابها من جماد وحيوان، وكان الحيوان أشرف من الجماد، رقي الحكم إليه بخصوصه فقال تعالى: {ولله} أي الذي له الأمر كله {يسجد} أي يخضع بالانقياد للمقادير والجري تحت الأقضية، وعبر بما هو ظاهر في غير العقلاء مع شموله لهم فقال تعالى: {ما في السماوات} ولما كان المقام للمبالغة في إثبات الحكم على الطائع والعاصي، أعاد الموصول فقال تعالى: {وما في الأرض } ثم بين ذلك بقوله تعالى: {من دآبة} أي عاقلة وغير عاقلة. ولما كان المقرب قد يستهين بمن يقربه، قال مبيناً لخضوع المقربين تخصيصاً لهم وإن كان الكلام قد شملهم: {والملائكة}. ولما كان الخاضع قد يحكم بخضوعه وإن كان باطنه مخالفاً لظاهره، قال - دالاً على أن في غيرهم من يستكبر فيكون انقياده للإرادة كرهاً، وعبر عن السجودين: الموافق للأمر والإدارة طوعاً، والموافق للارداة المخالف للأمر كرهاً، بلفظ واحد، لأنه يجوز الجمع بين مفهومي المشترك والحقيقة والمجاز بلفظ: {وهم} أي الملائكة {لا يستكبرون *} ثم علل خضوعهم بقوله دلالة على أنهم كغيرهم في الوقوف بين الخوف والرجاء: {يخافون ربهم} أي الموجد لهم، المدبر لأمورهم، المحسن إليهم، خوفاً مبتدئاً {من فوقهم} إشارة إلى علو الخوف عليهم وغلبته لهم، أو حال كون ربهم مع إحسانه إليهم له العلو والجبروت، فهو المخوف المرهوب، فهم عما نهوا عنه ينتهون {ويفعلون} أي بداعية عظيمة علماً منهم بما عليهم لربهم من الحق مع عدم منازع من حظ أو شهوة أو غير ذلك، ودل على أنهم مكلفون بقوله تعالى: {ما يؤمرون *} فهم لرحمته لهم يرجون؛ فالآية من الاحتباك: ذكر الخوف أولاً دال على الرجاء ثانياً، وذكر الفعل ثانياً دال على الانتهاء أولاً.
ابو السعود
تفسير : {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيّئَاتِ} هم أهلُ مكةَ الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وراموا صدَّ أصحابِه عن الإيمان عليهم الرضوان، لا الذين احتالوا لهلاك الأنبـياءِ كما قيل ولا من يعُمّ الفريقين لِما أن المرادَ تحذيرُ هؤلاء عن إصابة مثلِ ما أصاب أولئك من فنون العذابِ المعدودة، والسيئاتِ نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي مكروا المكَراتِ السيئاتِ التي قصت عنهم، أو مفعولٌ به للفعل المذكور على تضمينه معنى العمل أي عمِلوا السيئاتِ، فقوله تعالى: {أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ} مفعولٌ لأمِن أو السيئاتِ صفةٌ لما هو المفعولُ أي أفأمن الماكرون العقوباتِ السيئةَ، وقوله: أن يخسف الخ، بدلٌ من ذلك وعلى كل حال فالفاءُ للعطف على مقدر ينسحب عليه النظمُ الكريم أي أنزلنا إليك الذكرَ لتبـين لهم مضمونَه الذي من جملته إنباءُ الأممِ المهلَكة بفنون العذاب ويتفكروا في ذلك، ألم يتفكروا فأمن الذين مكروا السيئاتِ أن يخسف الله بهم الأرضَ كما فعل بقارون، على توجيه الإنكارِ إلى المعطوفين معاً، أو أتفكروا فأمِنوا على توجيهه إلى المعطوف على أن الأمنَ بعد التفكرِ مما لا يكاد يفعله أحد، وقيل: هو عطفٌ على مقدر ينبىء عنه الصلةُ أي أَمُكِر فأمن الذين مكروا الخ {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} بإتيانه أي في حالة غفلتِهم أو من مأمنهم أو من حيث يرجون إتيانَ ما يشتهون كما حُكي فيما سلف مما نزل بالماكرين. {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ} أي في حالة تقلُّبهم في مسائرهم ومتاجرهم، {فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} بممتنعين أو فائتين بالهرب والفِرار على ما يوهمه حالُ التقلب والسير، والفاءُ إما لتعليل الأخذِ أو لترتيب عدمِ الإعجاز عليه دلالةً على شدته وفظاعته حسبما قال عليه السلام: « حديث : إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلته » تفسير : وإيرادُ الجملة الاسميةِ للدلالة على دوام النفي لا نفْيِ الدوام. {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} أي مخافةٍ وحذرٍ عن الهلاك والعذاب بأن يُهلك قوماً قبلهم فيتخوّفوا فيأخذَهم العذابُ وهم متخوّفون، وحيث كانت حالتا التقلّبِ والتخوّف مَظِنةً للهرب عُبّر عن إصابة العذابِ فيهما بالأخذ وعن إصابته حالةَ الغفلة المنبئةِ عن السكون بالإتيان، وقيل: التخوّفُ التنقّص، قال قائلهم: [البسيط] شعر : تخوّفَ الرحلُ منها تامكاً قردا كما تخوّفَ عودَ النبعة السَّفنُ تفسير : أي يأخذُهم على أن يَنْقُصَهم شيئاً بعد شيءٍ في أنفسهم وأموالِهم حتى يهلِكوا، والمرادُ بذكر الأحوال الثلاثِ بـيانُ قدرة الله سبحانه على إهلاكهم بأي وجهٍ كان لا الحصرُ فيها {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} حيث لا يعاجلكم بالعقوبة ويحلُم عنكم مع استحقاقكم لها.
القشيري
تفسير : العبدُ في جميع أحواله عُرْضَةٌ لِسِهام التقدير، فينبغي أن يستشعر الخَوفَ في كلِّ نَفَسٍ من الإصابة بها، وألاَّ يأمنَ مَكْرَ الله في أي وقت، وأكثر الأسنة تعمل في الموطأةِ نفوسُهم وقلوبُهم على ما عَوَّدهم الحقُّ من عوائد المِنَّة، ولكن كما قيل: شعر : يا راقدَ الليل مسروراً بأَوَّلِه إن الحوادثَ قد يَطْرُقْنَ أسحارا
اسماعيل حقي
تفسير : {أفأمن الذين مكروا السيئات} هم اهل امكة الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وراموا صدّ اصحابه عن الايمان واحتالوا فى ابطال الاسلام والفاء عطف على مقدر والانكار موجه الى المعطوفين معا. والسيآت نعت لمصدر محذوف اى ألم يتفكروا فامن الذين مكروا المكرات السيئات التى قصت عنهم او مفعول به لمكروا على تضمينه معنى فعلوا اى فعلوا السيآت وعملوا الكفر والمعاصى {ان يخسف الله بهم الارض} مفعول لا من اى ان يغوّر ربهم الارض حتى يدخلوا فيها الى الارض السفلى كما فعل بقارون واصحابه. وبالفارسية [از آنكه فرو برد خداى تعالى ايشانرا درزمين] ذكر الحافظ ان الكركى لا يطأ الارض بقدميه بل باحدهما فاذا وطئها لم يعتمد عليها خوفا ان تخسف الارض فاذا لم يأمن الطير من الخسف فما بال الانسان العاقل يمشى على الارض وهو غافل {او يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون} باتيانه اى فى حال غفلتهم. شعر : ديدى آن قهقه كبك خرامان حافظ كه زسر نيجه شاهين قضا غافل بود
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {مكروا السيئات}: صفة لمحذوف، أي: المكرات السيئات، والتخوّف، قيل: معناه: التنقص، وهو أن تنقصهم شيئًا فشيئًا. رُوي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم توقف في معناها، فقال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، فقال: هذه لغتنا، التخوف: التنقص. فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ فقال: نعم. قال شاعرنا أبو كثير يصف ناقته: شعر : تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنْهَا تَامِكًا قَرِدَاً كَمَا تَخوَّفَ عُودَ النَّبَْعةِ السفَنُ تفسير : فقال عمر: عليكم بديوانكم؛ لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية؛ فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. هـ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {أفأمِنَ الذين مَكروا} المكرات السيئات برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، حيث قصدوا ردّ دينه، وصدوا الناس عن طريقه، {أن يَخْسِفَ اللهُ بهم الأرض} كما خسف بقارون، {أو يأتيهُم العذاب من حيث لا يشعرون} أي: بغتة من حيث لا يظنون، كما فعل بقوم لوط، {أو يَأخذهم في تقلبهم}؛ في متاجرهم ومسايرهم في طلب معاشهم، {فما هم بمعجزين}؛ بفائتين قدرتنا حتى نعجز عن أخذهم، {أو يأخذهم على تَخوُّفٍ }: على تنقص، بأن ينقص أموالهم وأنفسهم، شيئًا فشيئًا، حتى يهلكوا جميعًا، من غير أن يهلكهم جملة واحدة. وعليه يترتب قوله: {فإن ربكم لرؤوف رحيم} حيث لم يهلكهم دفعة واحدة، أو: على تخوف: على مخافة بأن يهلك قومًا قبلهم، فيتخوفوا، فيأتيهم العذاب وهم متخوفون. وهو قسيم قوله: {وهم لا يشعرون}، وقوله: {فإن ربكم لرؤوف رحيم} أي: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما خوف به أهل المكر بالأنبياء والرسل، يُخوف به أهل المكر بالأولياء والمنتسبين، وقد تقدم هذا مرارًا. ثمَّ أمر بالتفكر والاختيار لأنه سبب النجاة من الاغترار
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {أفأمن الذين مكروا} بالنبيّ والمؤمنين، وفعلوا السيئآت واحتالوا الفعل القبيح، على وجه الانكار عليهم، فاللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الانكار {أن يخسف الله بهم الأرض} من تحتهم عقوبة لهم على كفرهم او يجيئهم العذاب من جهة، لا يشعرون بها، على وجه الغفلة {أو يأخذهم في تقلبهم} وتصرفهم، بأن يهلكهم على سائر حالاتهم، حتى لا ينفلت منهم أحد، فماهم بفائتين. والمعنى إِن ما يريد الله بهم من الهلاك لا يمتنع عليه ما يريده منهم {أو يأخذهم على تخوف} وقيل في معنى {تخوف} قولان: احدهما - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: على تنقّص بمعنى انه يؤخذ الأول فالأول حتى لا يبقى منهم احد، لان تلك حال يخاف معها الفناء ويتخوف معها الهلاك، وقال الشاعر: شعر : تخوَّف السيرُ منها تامِكاً قَرِداً كما تخوَّف عود النبعة السفَن تفسير : اي ينقص السير سنامها بعد تموكه، كما ينحت العود فيدق بعد غلظه. وقال الآخر: شعر : تخوف عدوهم ما لي وأهلي سلاسل في الحلوق لها صليل تفسير : والثاني - روي عن ابن عباس - في رواية أخرى - ان معناه على تفزيع. وقال الحسن: تهلك القرية فتخوف القرية الاخرى، وقال الفراء: تخوّفته، وتحوفته - بالخاء والحاء - إذا انتقصته من حافّاته. ومثله {أية : إن لك في النهار سبحاً طويلاً}تفسير : بالخاء والحاء، سمعت العرب تقول سبحي صوفك، وهو شبيه بالندف، والسبخ مثل ذلك، قال المبرد: لا يقال تحوّفته، وإِنما هو تحيّفته.
الجنابذي
تفسير : {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} وخصوصاً انكار الولاية الّتى بها قوام الصّالحات وفى انكارها ليس الاعمال الاّ السّيّئات {أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} بمجيئه من تلك الحيثيّة كاتيان العذاب من حيث يرجى الثّواب وهو صورة الاعمال الصّالحة اذا لم تكن بأمر خليفة الله كما قال: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} تفسير : [الكهف:103- 104] فانّ صورة الاعمال الشّرعيّة تصير سبباً لغرور النّفس وحسبان انّها على خيرٍ لكنّها ان لم تكن بامر ولىّ الامر (ع) وخليفة الرّسول (ص) بل باستبداد النّفس ورأيها او رأى من ليس للرّأى باهل فهى ضالّة غير نافعة، او المقصود من حيث لا يشعرون بشيءٍ من العذاب وعدمه كوقت المنام والغفلة عن الاعمال والعذاب ولعلّه اوفق بما بعده.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {أفأمن الذين مكروا السيئات} وهم أهل مكة كفروا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: هم الذين دبروا التدابير السيئة في أمور الدين وإطفاء نوره {أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون} أي لا يعلمون كيف جاءهم وكيف أخذهم {أو يأخذهم في تقلبهم}، قيل: في تصرفهم في التجارات والأسفار ليلاً ونهاراً {فما هم بمعجزين} أي لا يسبقون الله فيعجزونه من عذابهم {أو يأخذهم على تخوّف} من أن ينزل بهم ما نزل بغيرهم، وهو من الخوف بأن يهلك قرية ولا يهلك الأخرى، فخاف هؤلاء أن يصيبهم ما أصاب أولئك {أولم يروا إلى ما خلق الله} أولم يرى هؤلاء الماكرون إلى قدرة الله تعالى إلى ما خلق الله {من شيء} أي أجسام قائمة ذات ظلال {يتفيؤا ظلاله} يتحول من موضع إلى موضع بدوران الشمس {عن اليمين والشمائل} يعني في أول النهار وآخره {سجّداً لله} أي خاضعاً له بما فيها من الدلالة إلى حاجته إلى صانع ومدبر، قال أما ظلك فيسجد لله وأما أنت فلا تسجد لله، بئس والله ما صنعت {وهم داخرون} صاغرون، والاجرام في أنفسها صاغرة منقادة لأفعال الله فيها لا تمتنع عليها {ولله يسجد} يخضع حتى يصير كيف شاء لا يمتنع على تصرفه شيء {ما في السماوات وما في الأرض من دابَّة} كل حيوان يدبُّ، فخضوع المؤمن اعترافه بالله وعبادته، وخضوع الكافر اعتقاده في الجملة إذ له مقدر، وخضوع ما لا يعقل هو ما يدل عليه على خلقه وآثار صنعته وأنه يصرفه كيف شاء {والملائكة} أي يسجدوا الملائكة طوعاً، وأفردهم بالذكر تشريفاً، والمراد بسجود المكلفين طاعتهم وعبادتهم، وسجود غيرهم انقيادهم لإِرادة الله وإنها غير ممتنعة، وكلا السجود يجمعها معنى الانقياد {يخافون ربهم} يعني يخافون عذاب الله تعالى {من فوقهم} بالقهر والقدرة والعُلُوّ {ويفعلون ما يؤمرون} صفة للملائكة {وقال الله تعالى لا تتخذوا إلهين اثنين}، قيل: لا تصفوا الله لا تجعلوا العباد لاثنين، وقيل: لا تقولوا للعالم صانعان إلهان {إنما هو اله واحد} هو الخالق والمنعم {فإياي فارهبون} أي خافوا عذابي {وله ما في السماوات والأرض} خلقاً وملكاً {وله الدين واصباً}، قيل: الطاعة دائماً، وقيل: له الجزاء الشديد، وقيل: له الدين واجباً {أفغير الله تتقون} {وما بكم من نعمة فمن الله} في الدين والدنيا فمن الله {ثم إذا مسّكم الضر فإليه تجأرون} يعني فما تضرعون إلا إليه، والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم} بما أعطيناهم من القرآن، وقيل: ليجحدون نعمة الله فيما أعطاهم {فتمتعوا} في دنياهم بما شاؤوا من غير تفكر في العاقبة {فسوف تعلمون} بما نزل بهم من عذاب الله.
الهواري
تفسير : قوله: { أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ} أي: عملوا السيئات، والسيئات ها هنا الشرك {أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} قال: { أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} في البلاد، أي: في أسفارهم في غير قرار {فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} أي: بسابقين { أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} أي: يهلك القرية، يخيف بهلاكها القرية الأخرى لعلهم يرجعون، أي: لعل من بقي منهم على دينهم، دين الشرك، أن يرجع إلى الإِيمان. وقال الكلبي: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} في البلاد بالليل والنهار. {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} أي: على تنقص. أي: يبتليهم بالجهد حتى يرقوا ويقلّ عددهم. فإن تابوا وأصلحوا كشف عنهم. فذلك قوله: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي: إذ جعل لكم متاباً ومرجعاً. قوله: { أَوَ لَمْ يَرَوا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلاَلُهُ}، أي: يرجع ظل كل شيء، من الفيء { عَنِ اليَمِينِ وَالشَّمَائِلِ} والفيء الظل. وقال الحسنِ: ربما كان الفيء عن اليمين، وربما كان عن الشمال. وقال الكلبي: هذا يكون قبل طلوع الشمس وبعد غروبها. وقال بعضهم: {عَنِ اليَمِينِ وَالشَّمَائِلِ}. أما اليمين فأول النهار، وأما الشمائل فآخر النهار. قوله: { سُجَّداً لِّلَّهِ} فظل كل شيء سجوده. { وَهُمْ دَاخِرُونَ} أي: وهم صاغرون فيسجد ظل الكافر كارهاً. أي: يسجد ظله والكافر كاره.
اطفيش
تفسير : {أَفَأَمِنَ} الهمزة استفهامية استفهام تعجيب وإِنكار أن يكون إِلا من صوابا وهى مما بعد فاء الاستئناف ولكن قدمت لتمام صدريتها ويجوز أن تكون الفاء عاطفة على محذوف دخلت عليه الهمزة أى مكر هؤلاء الكفرة فأَمنوا أن يخسف الله بهم الأَرض ولما حذف المعطوف عليه جىء بالظاهر فاعلا إِلا من {الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ} مفعول مطلق لأَنه ناب عن المنعوت الذى هو مفعول مطلق والأَصل مكروا المكرات السيئات ويجوز أن يكون مفعول به على تضمين مكروا معنى أخفوا الفعلات السيئات أو معنى عملوا ويصح على هذا الأَخير أيضا أن يكون مفعولا مطلقا هذا ما ظهر لى من الأَوجه ثم اطلعت على أن الزمخشرى والقاضى ذكر الأَول ورأيت غيرهما ذكر الثالث والمراد بمكرهم السيئات اجتماعهم فى دار الندوة على أن يقيدوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو يقتلوه أو يخرجوه أو المراد ذلك وسائر سعيهم بالفساد بتحيل وإخفاء فى رسول الله وفى المؤمنين إضرارا وصدا عن دين الله وهذا هو المتبادر عندى، وقيل المراد اشتغالهم بعبادة غير الله فإِنه ولو كان أمر ظاهر لكنه عائد عليهم بالعقاب فى الدنيا والآخرة من حيث لا يشعرون فسماه مكرا وزعم بعض أن المراد بالماكرين نمرود ومن كان نحوه وأولى منه أن يقال المراد كل ماكر برسول من الرسل أو بمؤمن من المؤمنين {أن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ} كقارون {أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} بالعذاب وقد أُهلكوا ببدر ولم يخطر ببالهم حين كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنهم سيقتلون فى حربه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو يأتيهم فجأَة من جانب السماء كقوم صالح أُهلكوا بصيحة من السماء وقوم لوط رفعوا إِلى السماء وما دروا ثم قلبوا ورجموا. {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ} متعلق بيأَخذ أى فى وقت تقلبهم أو بمحذوف حال أى ثابتين فى تقلبهم والمعنى يأخذهم متقلبين والمراد تقلبهم فى إِشغالهم حضرا أو سفرا ليلا أو نهارا ذهابا أو رجوعا وقال قتادة المراد تقلبهم فى أسفارهم وقال الضحاك تقلبهم بالليل ولعله أراد انقلابهم إِلى أهلهم للمبيت أو تقلبهم فى فرشهم وهما وقت أمان ومظنته. {فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} فائتين الله {أَوْ يَأْخُذَهُمْ} أى العذاب أو الله {عَلَى تَخَوُّفٍ} حال من المفعول والمعنى يَأخذهم على خوف شديد أو على توقع حضور أمر مخوف بأَن يروا أهل قرية قريبة منهم نزل بهم العذاب أو حيا قريبا منهم أو نزل بطرف قريتهم أو موضع منها أو يرون آفة تنزل بهم قليلا قليلا فيظنوا أنها تَأْتى على آخرهم وتستقصيهم أو يروا العذاب مقبلا وعلى كل حال فذلك نوع مقابل للمنع فى قوله من حيث لا يشعرون فذلك من حيث لا يشعرون وهذا من حيث يشعرون وذلك قول الضحاك والكلبى وغيرهما وقيل إِن التخوف التنقيص وهو نقصهما ونقص أموالهم شيئا فشيئا حتى يهلكوا عن آخرهم فعلى تخوف حال من الفاعل أو المفعول. روى أن ذلك لقلة هذيل وروى أن عمر رضى الله عنه قال على المنبر ما تقولون فى قوله تعالى: على تخوف فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال هذه لغتنا التخوف التنقص، قال فهل تعرف العرب ذلك فى أشعارها؟ قال نعم. قال شاعرنا أبو كثير: شعر : تخوف الرجل منها تامكا فردا كما تخوف عود النبعة السفن تفسير : التامك السنام والقرد المتراكم والمرتفع والنبعة بضم النون شجرة تتخذ منها القسى وهو جمع قوس والسفن بفتحتين ما ينحت به الشىء والرجل رجل الناقة، وإِليها يعود الضمير فى قوله منها فقال عمر أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا قالوا وما ديواننا قال شعر الجاهلية فإن فى تفسير كتابكم ومعانى كلامكم وقيل ذلك البيت الذى لرمة وقيل لزهير ومن ذلك قول النابغة: شعر : تخوفهم حتى أذل سراتهم بطعن ضرار بعد قبح الفضائح تفسير : أى تنقصهم وروى أن عمر أرسل كتابا فى معنى ذلك إِلى الأَنصار ليخبروه فجاء فتى من العرب فقال يا أمير المؤمنين إِن أبى يتخوفنى ما لى فقال عمر الله أكبر أو يأخذ منه وينقصه وفى أخذهم شيئا فشيئا لطف بها ليرجع الراجع كما يشير إِليه بقوله {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} إِذ لم يعاجلكم بالعذاب.
اطفيش
تفسير : {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهمُ الأَرْضَ} إلخ تهديد لما كرين من مشركى مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإِرادة إهلاكه وعلى أَصحابه بالصد عن دين الله عز وجل، أَو الماكرين على الأَنبياءِ وإِمامهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأُمته وغيرها والأَول أَولى لأَن الأَصل الكلام على الحاضرين لا على الماضين فى التهديد، فيكون المراد المجتمعين فى دار الندوة على المكر به صلى الله عليه وسلم بحبسه أَو قتله أَو إخراجه، والفاءُ عاطفة على ما قبل، والهمزة من جملة المعطوف أَو على محذوف، هكذا أَمكروا فأَمن الذين إلخ، أَو أَنزلنا الذكر فأَمن الذين مكروا، السيئات نعت لمصدر محذوف تقديره مكروا المكرات السيئات، أَو مفعول به لمكروا لتضمن معنى عملوا، أَو مفعول به لأَمن لتضمنه معنى لم يخف العقوبات السيئات، وعليه يكون أن يخسف إلخ بدلا من السيئات بمعنى العقوبات، وعلى غيره يكون مفعولا له لأَمن، والخسف أن يدخلهم فى الأرض كالإِغراق بالماءِ كما فعل بقارون {أَوْ يَأْتِيَهمُ الْعَذَابُ مِنْ حيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} لا يعلمون أَنه يأَتيهم كما قتلوا يوم بدر، ومن قبل الخروج إلى بدر لا يخطر ببالهم أنهم يقتلون، أَو من السماء فجأَة كما فعل بقوم لوط، وما يجىءُ منها لا يشعر به غالباً، ومعنى من حيث لا يشعرون أنه لا يجىءُ على يد مخلوق سواء يجىءُ من الأَرض أَو من السماءِ.
الالوسي
تفسير : {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيّئَاتِ} هم عند أكثر المفسرين أهل مكة الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وراموا صد أصحابه رضي الله تعالى عنهم عن الإيمان، وأخرج ابن أبـي شيبة. وابن جرير. وغيرهما عن مجاهد أنهم نمروذ بن كنعان وقومه، وعمم بعضهم فقال: هم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء عليهم السلام، وتعقب بأن المراد تحذير أهل مكة عن إصابة مثل ما أصاب الأولين من فنون العذاب المعدودة فالمعول عليه ما عند الأكثر، و {السيآت} نعت لمصدر محذوف أي مكروا المكرات السيئات التي قصت عنهم أو مفعول به للفعل المذكور على تضمينه معنى فعل متعد كعمل أي عملوا السيئات ماكرين فقوله تعالى: {أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ} مفعول لأمن أو {السيآت} مفعول لأمن بتقدير مضاف أو تجوز أي عقاب السيئات أو على أن {السيآت} بمعنى العقوبات التي تسوءهم، و {أَن يَخْسِفَ} بدل من ذلك وعلى كل حال فالفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم أي أنزلنا إليك الذكر لتبين لهم مضمونه الذي من جملته أنباء الأمم المهلكة بفنون العذاب ويتفكروا في ذلك ألم يتفكروا فأمن الذين مكروا السيئات الخ على توجيه الإنكار إلى المعطوفين أو أتفكروا فأمنوا على توجيهه إلى المعطوف، وقيل: هو للعطف على مقدر ينبـىء عنه الصلة أي أمكروا فأمن الذين مكروا السيئات الخ، وخسف يستعمل لازماً ومتعدياً يقال: ـ كما قال الراغب ـ خسفه الله تعالى وخسف هو وكلا الاستعمالين محتمل هنا، فالباء إما للتعدية أو للملابسة و {ٱلأَرْضَ} إما مفعول به أو نصب بنزع الخافض أي فأمن الذين مكروا السيئات أن يغيبهم الله تعالى في الأرض أو يغيبها بهم كما فعل بقارون {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} أي من الجهة التي لا شعور لهم بمجىء العذاب منها كجهة مأمنهم أو الجهة التي يرجون إتيان ما يشتهون منها، وقال البيضاوي: أي بغتة من جانب السماء كما فعل بقوم لوط، وكأن التخصيص بجانب السماء لأن ما يجىء منه لا يشعر به غالباً بخلاف ما يجىء من الأرض فإنه محسوس في الأكثر، ولعل اعتباره أوفق بالمقابلة، ويحتمل أن يكون مراده بما من جانب السماء ما لا يكون على يد مخلوق سواء نشأ من الأرض أو السماء كما قيل:شعر : دعها سماوية تجري على قدر تفسير : فيكون مجازاً، لكن قيل عليه: إنه لا يلائم المثال وإن كان لا يخصص.
ابن عاشور
تفسير : بعد أن ذُكرت مساويهم ومكائدهم وبعد تهديدهم بعذاب يوم البعث تصريحاً وبعذاب الدنيا تعريضاً، فُرع على ذلك تهديدهم الصريح بعذاب الدنيا بطريق استفهام التعجيب من استرسالهم في المعاندة غير مقدّرين أن يقع ما يهدّدهم به الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يقلعون عن تدبير المكر بالنبي صلى الله عليه وسلم فكانت حالهم في استرسالهم كحال من هم آمنون بأس الله. فالاستفهام مستعمل في التعجيب المشوب بالتوبيخ. و{الذين مكروا}: هم المشركون. والمكر تقدم في قوله تعالى: {قد مكر الذين من قبلهم} في هذه السورة. وقوله تعالى: {السيئات} صفة لمصدر {مكروا} محذوفاً يقدّر مناسباً لتأنيث صفته. فالتقدير: مكروا المكرات السيئات، كما وصف المكر بالسيِّىء في قوله تعالى: {أية : ولا يحيق المكر السيّىء إلا بأهله} تفسير : [سورة فاطر: 43]. والتأنيث في مثل هذا يقصد منه الدلالة على معنى الخصلة أو الفَعْلة، كالغدرة للغدر. ويجوز أن يضمن {مكروا} معنى (اقترفوا) فانتصب {السيئات} على المفعولية به. ويجوز أن يكون منصوباً على نزع الخافض وهو باء الجرّ التي معناها الآلة. والخسف: زلزال شديد تنشقّ به الأرض فتحدث بانشقاقها هوّة عظيمة تسقط فيها الديار والناس، ثم تنغلق الأرض على ما دخل فيها. وقد أصاب ذلك أهلَ بابل، ومكانهم يسمّى خسف بابل. وأصاب قومَ لوط إذ جعل الله عاليها سافلها. وبلادهم مخسوفة اليوم في بُحيرة لوط من فلسطين. وخسف من باب ضرب. ويستعمل قاصراً ومتعدّياً. يقال: خسفت الأرضُ، ويقال: خسف الله الأرض، قال تعالى: {أية : فخسفنا به وبداره الأرض} تفسير : [سورة القصص: 81]، ولا يتعدّى إلى ما زاد على المفعول إلا بحرف التعدية، والأكثر أن يعدّى بالباء كما هنا وقوله تعالى: {فخسفنا به وبداره الأرض}، أي جعلناها خاسفة به، فالباء للتعديّة، كما يقال: ذهب به. و{العذاب} يعمّ كل ما فيه تأليم يستمرّ زمناً، فلذلك عطف على الخسف. وإتيان العذاب إليهم: إصابته إياهم. شبّه ذلك بالإتيان. و{من حيث لا يشعرون} من مكان لا يترقّبون أن يأتيهم منه ضرّ. فمعنى {من حيث لا يشعرون} أنه يأتيهم بغتة لا يستطيعون دفعه، لأنهم لبأسهم ومنعتهم لا يبغتهم ما يحذرونه إذ قد أعدّوا له عدّته، فكانَ الآتي من حيث لا يشعرون عذاباً غير معهود. فوقع قوله: {من حيث لا يشعرون} كناية عن عذاب لا يطيقون دفعه بحسب اللزوم العرفي، وإلا فقد جاء العذاب عاداً من مكان يشعرون به، قال تعالى: {أية : فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا} تفسير : [سورة الأحقاف: 24]. وحلّ بقوم نوح عذاب الطوفان وهم ينظرون، وكذلك عذاب الغَرَق لفرعون وقومه.
الشنقيطي
تفسير : أنكر الله جل وعلا على الذين يعملون السيئات من الكفر والمعاصي، ومع ذلك يأمنون عذاب الله ولا يخافون أخذه الأليم، وبطشه الشديد، وهو قادر على أن يخسف بهم الأرض، ويهلكهم بأنواع العذاب. والخسف: بلع الأرض المخسوف به وقعودها به إلى أسفل. كما فعل الله بقارون، قال الله تعالى فيه: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ}تفسير : [القصص: 81] الآية. وبين هذا المعنى في مواضع كثيرة. كقوله: {أية : أَأَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الملك: 16-17] الآية، وقوله: {أية : أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً} تفسير : [الإسراء: 68] وقوله: {أية : أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ}تفسير : [الأعراف: 99] وقد قدمنا طرفاً من هذه في أول "سورة الأعراف". واختلف العلماء في إعراب "السيئات" في هذه الآية الكريمة. فقال بعض العلماء: نعت لمصدر محذوف. أي مكروا المكرات السيئات، أي القبيحات قبحاً شديداً. كما ذكر الله عنهم في قوله: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} تفسير : [الأنفال: 30] الآية. وقال بعض العلماء: مفعول به لـ {مكروا} على تضمين {مكروا} معنى فعلوا. وهذا أقرب أوجه الإعراب عندي. وقيل: مفعول به لـ {أمن} أي أأمن الماكرون السيئات: أي العقوبات الشديدة التي تسوءهم عند نزولها بهم. ذكر الوجه الأول الزمخشري، والأخيرين ابن عطية. وذكر الجميع أبو حيان في "البحر المحيط". تنبيه كل ما جاء في القرآن من همزة استفهام بعدها واو العطف أو فاؤه. كقوله: {أية : أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً} تفسير : [الزخرف: 5]، {أية : أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [سبأ: 9]، {أية : أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُم}تفسير : [الجاثية: 31] الخ، فيه وجهان معروفان عند علماء العربية: أحدهما - أن الفاء والواو كلتاهما عاطفة ما بعدها على محذوف دل المقام عليه. كقولك مثلاً: أنمهلكم فنضرب عنكم الذكر صفحاً؟ أعمو فلم يروا إلى ما بين أيديهم؟! ألم تأتكم آياتي فلم تكن تتلى عليكم؟! وهكذا - وإلى هذا الوجه أشار ابن مالك في الخلاصة بقوله: شعر : وحذف متبوع بدا هنا استبح وعَطفك الفعل عَلى الفعل يصح تفسير : ومحل الشّاهد في الشطر الأول دون الثاني. الوجه الثاني - أن الفاء والواو كلتاهما عاطفة للجملة المصدرة بهمزة الاستفهام على ما قبلها. إلا أن همزة الاستفهام تزحلقت عن محلها فتقدمت على الفاء والواو، وهي متأخرة عنهما في المعنى، وإنما تقدمت لفظاً عن محلها معنى لأن الاستفهام له صدرالكلام. فبهذا تعلم: أن في قوله تعالى في هذه الآية التي هي قوله: {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} الآية - الوجهين المذكورين. فعلى الأول - فالمعنى جهل الذين مكروا السيئات وعيد الله بالعقاب؟ أفأمن الذين مكروا السيئات الخ. وعلى الثاني - فالمعنى فأأمن الذين كفروا السيئات. فالفاء عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام. والأول هو الأظهر. والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 45- فكيف يصح بعد كل هذا أن يتمادى المشركون فى عنادهم، ويدبروا المكائد للرسول؟ هل أغراهم حلم الله بهم فاعتقدوا أنهم فى مأمن من عذاب الله، فلا يخسف بهم الأرض كما فعل بقارون؟ أو يأتيهم العذاب فجأة بصاعقة كما فعل بثمود وهم لا يدرون أين نزل. 46- أو يهلكهم فى أثناء تنقلهم فى الأرض للتجارة بعيدين عن مساكنهم فلا يستطيعون الإفلات من عقاب الله، لأنه لا يعجزه شئ يريده. 47- أو ينزل بهم العذاب فى أنفسهم وأموالهم رويداً رويدا، وهم فى كل لحظة فى عذاب من الخوف منه والترقب لوقوعه، فلا تتمادوا - أيها المشركون - وتغتروا بتأخير عقوبتكم، فقد اقتضت رأفة الله الشاملة ورحمته الواسعة ألا يعاجلكم بالعقوبة فى الدنيا، كى تتفكروا وتتدبروا لأنه - سبحانه - رؤوف رحيم. 48- أغفل هؤلاء الكفار عن آيات الله حولهم، ولم ينظروا ويتدبروا فيما خلقه الله من الأشياء القائمة، تنتقل ظلالها وتمتد تارة يميناً وتارة شمالاً، تابعة فى ذلك لحركة الشمس نهاراً والقمر ليلاً، وكل ذلك خاضع لأمر الله، منقاد لأحكام تدبيره. لو تدبر المشركون هذا لعلموا أن خالقه ومدبره هو - وحده - المستحق للعبادة والخضوع، القادر على إهلاكهم لو أراد. 49- ولله - وحده - لا لغيره - يخضع وينقاد جميع ما خلقه فى السموات وما دب على الأرض ومشى على ظهرها من مخلوقات، وفى مقدمتهم الملائكة يخضعون له ولا يستكبرون عن طاعته. 50- وحالهم أنهم دائماً على خوف من ربهم القادر القاهر، ويفعلون ما يأمرهم به.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: مكروا السيئات: أي مكروا المكرات السيئات فالسيئات وصف للمكرات التي مكروها. في تقلبهم: أي في البلاد مسافرين للتجارة وغيرها. على تخوف: أي تنقص. يتفيئوا ظلاله: أي تتميل من جهةٍ إلى جهة. سجداً لله: أي خضعاً لله كما أراد منهم. داخرون: أي صاغرون ذليلون. من فوقهم: من أعلى منهم إذ هو تعالى فوق كل شيء ذاتاً وسلطاناً وقهراً. ما يؤمرون: أي ما يأمرهم ربهم تعالى به. معنى الآيات: ما زال السياق في تخويف المشركين وتذكيرهم لعلهم يرجعون بالتوبة من الشرك والجحود للنبوة والبعث والجزاء. قال تعالى: {أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ} المكرات {ٱلسَّيِّئَاتِ} من محاولة قتل النبي صلى الله عليه وسلم والشرك والتكذيب بالنبوة والبعث وظلم المؤمنين وتعذيب بعضهم، أفامنوا {أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ} من تحتهم فيقرون في أعماقها، {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} ولا يتوقعون من ريح عاصف تعصف بهم أو وباء يشملهم أو قحط يذهب بمالهم. وقوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} أي في تجارتهم وأسفارهم ذاهبين آيبين من بلدٍ إلى بلد. {فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} له تعالى لو أراد أخذهم وإهلاكهم. وقوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} أي تنقص بأن يهلكهم واحداً بعد واحد أو جماعة بعد جماعة حتى لا يبقى منهم أحداً، وقد أخذ منهم ببدر من أخذ وفي أحد. وقوله تعالى: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} تذكير لهم برأفته ورحمته إذ لولاهما لأنزل بهم نقمته وأذاقهم عذابه بدون إنظار لتوبةٍ أو إمهال لرجوع إلى الحق. وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} من شجرٍ وجبل وإنسانٍ وحيوان {يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ} بالصباح والمساء {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ} "جمع شمال" {سُجَّداً لِلَّهِ} خضعاً بظلالهم {وَهُمْ دَاخِرُونَ} أي صاغرون ذليلون. أما يكفيهم ذلك دلالةً على خضوعهم لله وذلتهم بين يديه، فيؤمنوا به ويعبدونه ويوحدوه فينجوا من عذابه ويفوزوا برحمته. وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ} أي ولله لا لغيره يسجد بمعنى يخضع وينقاد لما يريده الله تعالى من إحياء أو إماتة أو صحة أو مرض أو خير أو غيره من دابةٍ من كل ما يدب من كائن على هذه الأرض {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} على شرفهم يسجدون {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن عبادة ربهم {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ} إذ هو العلي الأعلى وكل الخلق تحته. {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} فلا يعصون ربهم ما أمرهم. إذا كان هذا حال الملائكة فما بال هؤلاء المشركين يلجون في الفساد والاستكبار والجحود والمكابرة وهم أحقر سائر المخلوقات، وشر البريات إن بقوا على كفرهم وشركهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة الأمن من مكر الله. 2- كل شيء ساجد لله، أي خاضع لما يريده منهم، إلا أن السجود الطوعي الاختياري هو الذي يثاب عليه العبد، أما الطاعة اللا إرادية فلا ثواب فيها ولا عقاب. 3- فضل السجود الطوعي الاختياري. 4- مشروعية السجود عند هذه الآية: إذا قرأ القارئ أو المستمع: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}، عليه أن يسجد إن كان متطهراً إلى القبلة إن أمكن ويسبح في السجود ويكبر في الخفض والرفع ولا يسلم، ولا يسجد عند طلوع الشمس ولا عند غروبها.
د. أسعد حومد
تفسير : (45) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ حِلْمِهِ عَلَى العُصَاةِ، الذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ، وَيَدْعُونَ إِلَيْهَا، وَيَمْكُرُونَ بِالرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَالمُؤْمِنِينَ، وَيُحَاوِلُونَ صَرْفَ المُؤْمِنينَ عَنِ الإِيمَانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَإِعَادَتِهِمْ إِلى الكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ فَيَقُولُ تَعَالَى: أَأَمِنَ هَؤُلاَءِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِم الأَرْضَ، أَوْ يَصُبَّ عَلَيْهِمُ العَذَابَ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَلاَ يَشْعُرُونَ إِلاَّ وَقَدْ أَخَذَهُمْ بَغْتَةً، وَاللهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى ذلِكَ، وَلَكِنَّهُ يُنْظِرُهُمْ لَعَلَّهُمْ يُؤْمِنُونَ، وَيُقْلِعُونَ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الجَهَالَةِ. يَخْسِفَ - يُغَيِّبَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَأَمِنَ ..} [النحل: 45]. عبارة عن همزة الاستفهام التي تستفهم عن مضمون الجملة بعدها .. أما الفاء بعدها فهي حَرْف عَطْف يعطف جملة على جملة .. إذنْ: هنا جملة قبل الفاء تقديرها: أجهلوا ما وقع لمخالفي الأنبياء السابقين من العذاب، فأمِنُوا مكر الله؟ أي: أن أَمْنهم لمكر الله ناشىءٌ عن جهلهم بما وقع للمكَذِّبين من الأمم السابقة. ثم يقول تعالى: {مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ..} [النحل: 45]. المكر: هو التبييت الخفيّ للنيْل ممَّنْ لا تستطيع مجابهته بالحق ومجاهرته به، فأنت لا تُبيِّت لأحد إلا إذا كانت قدرتُك عاجزة عن مُصَارحته مباشرة، فكوْنُك تُبيّت له وتمكر به دليل على عَجْزك؛ ولذلك جعلوا المكر أول مراتب الجُبْن؛ لأن الماكر ما مكر إلا لعجزه عن المواجهة، وعلى قَدْر ما يكون المكْر عظيماً يكون الضعف كذلك. وهذا ما نلحظه من قوله تعالى في حَقِّ النساء: {أية : إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} تفسير : [يوسف: 28]. وقال في حَقِّ الشيطان: {أية : إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} تفسير : [النساء: 76]. فالمكر دليل على الضعف، وما دام كَيْدهُن عظيماً إذن: ضَعْفُهن أيضاً عظيم، وكذلك في كيد الشيطان. وقديماً قالوا: إياك أنْ يملكَك الضعيف؛ ذلك لأنه إذا تمكَّن منك وواتَتْه الفرصة فلن يدعَكَ تُفلت منه؛ لأنه يعلم ضعفه، ولا يضمن أن تُتاحَ له الفرصة مرة أخرى؛ لذلك لا يضيعها على عكس القويّ، فهو لا يحرص على الانتقام إذا أُتيحَتْ له الفرصة وربما فَوَّتها لِقُوته وقُدرته على خَصْمه، وتمكّنه منه في أيِّ وقت يريد، وفي نفس المعنى جاء قول الشاعر: شعر : وَضَعِيفة فإذَا أَصَابتْ فُرْصةً قتلَتْ كذلِكَ قُدرةُ الضُّعَفاءِ تفسير : إذن: قدرة الضعفاء قد تقتل، أما قدرة القويّ فليستْ كذلك. ثم لنا وقْفة أخرى مع المكْر، من حيث إن المكر قد ينصرك على مُساويك وعلى مثلك من بني الإنسان، فإذا ما تعرضْتَ لمن هو أقوى منك وأكثر منك حَيْطة، وأحكم منك مكْراً، فربما لا يُجدِي مكرُك به، بل ربما غلبك هو بمكْره واحتياطه، فكيف الحال إذا كَان الماكر بك هو ربِّ العالمين تبارك وتعالى؟ وصدق الله العظيم حيث قال: {أية : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [ الأنفال: 30]. وقال: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ..} تفسير : [فاطر: 43]. فمكْر العباد مكشوف عند الله، أما مكْرُه سبحانه فلا يقدر عليه أحد، ولا يحتاط منه أحد؛ لذلك كان الحق سبحانه خَيْر الماكرين. والمكْر السَّيء هو المكْر البطَّال الذي لا يكون إلا في الشر، كما حدث من مَكْر المكذِّبين للرسل على مَرِّ العصور، وهو أن تكيد للغير كيْداً يُبطل حَقّاً. وكل رسول قابله قومه المنكرون له بالمكر والخديعة، دليل على أنهم لا يستطيعون مواجهته مباشرة، وقد تعرَّض الرسول صلى الله عليه وسلم لمراحل متعددة من الكَيْد والمكْر والخديعة، وذلك لحكمة أرادها الحق تبارك وتعالى وهي أن يُوئس الكفار من الانتصار عليه صلى الله عليه وسلم، فقد بيَّتوا له ودَبَّروا لقتله، وحَاكُوا في سبيل ذلك الخطط، وقد باءتْ خُطتهم ليلة الهجرة بالفشل. وفي مكيدة أخرى حاولوا أن يَسْحروه صلى الله عليه وسلم، ولكن كشف الله أمرهم وخيَّب سَعْيهم .. إذن: فأيّ وسيلة من وسائل دَحْض هذه الدعوة لم تنجحوا فيها، ونصره الله عليكم. كما قال تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ ..} تفسير : [المجادلة: 21]. وقوله تعالى: {أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ ..} [النحل: 45]. الخْسف: هو تغييب الأرض ما على ظهرها .. فانخسفَ الشيء أيْ: غاب في باطن الأرض، ومنه خُسوف القمر أي: غياب ضَوْئه. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى عن قارون: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ ..} تفسير : [القصص: 81]. وهذا نوع من العذاب الذي جاء على صُور متعددة كما ذكرها القرآن الكريم: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ..} تفسير : [العنكبوت: 40]. هذه ألوان من العذاب الذي حاقَ بالمكذبين، وكان يجب على هؤلاء أن يأخذوا من سابقيهم عبرة وعظة، وأنْ يحتاطوا أن يحدث لهم كما حدث لسابقيهم. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [النحل: 45]. والمراد أنهم إذا احتاطوا لمكْر الله وللعذاب الواقع بهم، أتاهم الله من وجهة لا يشعرون بها، ولم تخطُر لهم على بال، وطالما لم تخطُرْ لهم على بال، إذن: فلم يحتاطوا لها، فيكون أَخْذهم يسيراً، كما قال تعالى: {أية : فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ ..} تفسير : [الحشر: 2]. ويتابع الحق سبحانه، فيقول: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا تخويف من الله تعالى لأهل الكفر والتكذيب وأنواع المعاصي، من أن يأخذهم بالعذاب على غرَّة وهم لا يشعرون، إما أن يأخذهم العذاب من فوقهم، أو من أسفل منهم بالخسف وغيره، وإما في حال تقلُّبهم وشغلهم وعدم خطور العذاب ببالهم، وإما في حال تخوفهم من العذاب، فليسوا بمعجزين لله في حالة من هذه الأحوال، بل هم تحت قبضته ونواصيهم بيده . ولكنه رءوف رحيم لا يعاجل العاصين بالعقوبة، بل يمهلهم ويعافيهم ويرزقهم وهم يؤذونه ويؤذون أولياءه، ومع هذا يفتح لهم أبواب التوبة، ويدعوهم إلى الإقلاع من السيئات التي تضرهم، ويعدهم بذلك أفضل الكرامات، ومغفرة ما صدر منهم من الذنوب، فليستح المجرم من ربه أن تكون نعم الله عليه نازلة في جميع اللحظات ومعاصيه صاعدة إلى ربه في كل الأوقات، وليعلم أن الله يمهل ولا يهمل وأنه إذا أخذ العاصي أخذه أخذ عزيز مقتدر، فليتب إليه، وليرجع في جميع أموره إليه فإنه رءوف رحيم. فالبدار البدار إلى رحمته الواسعة وبره العميم وسلوك الطرق الموصلة إلى فضل الرب الرحيم، ألا وهي تقواه والعمل بما يحبه ويرضاه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):