١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
47
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ } على مخافة بأن يهلك قوماً قبلهم فيتخوفوا فيأتيهم العذاب وهم متخوفون، أو على أن ينقصهم شيئاً بعد شيء في أنفسهم وأحوالهم حتى يهلكوا من تخوفته إذا تنقصته. روي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال على المنبر: ما تقولون فيها فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص، فقال هل تعرف العرب ذلك في أشعارها قال نعم، قال شاعرنا أبو كبير يصف ناقته:شعر : تَخَوَّفَ الرَحْلُ مِنْهَا بَامكاً قَرَداً كَمَا تَخَوِّفَ عُود النَبْعَةِ السُّفُنُ تفسير : فقال عمر عليكم بديوانكم لا تضلوا قالوا: وما ديواننا قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } حيث لا يعاجلكم بالعقوبة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ } تَنَقُّصٍ شيئاً فشيئاً حتى يهلك الجميع حال من الفاعل أو المفعول {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } حيث لم يعاجلهم بالعقوبة.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَخَوُّفٍ} تنقص يهلك واحداً بعد واحد فيخافون الفناء "ع"، أو على تقريع وتوبيخ بما قدموه من ذنوبهم "ع"، أو يهلك قرية فتخاف القرية الأخرى.
اسماعيل حقي
تفسير : {او يأخذهم على تخوف} قال فى القاموس تخوف الشئ تنقصه ومنه او يأخذهم على تخوف انتهى. ولقى رجل اعرابيا فقال يا فلان ما فعل دينك فقال تخوفته يعنى تنقصته كما فى تفسير ابى الليث.والمعنى او يأخذهم على ان ينقصهم شيئًا بعد شئ فى انفسهم واموالهم حتى يهلكوا ولا يهلكهم فى حالة واحدة فيكون المراد مما قبلها عذاب الاستئصال ومنها الاخذ شيئًا فشيئًا والمراد بذكر الاحوال الثلاث بيان قدرة الله على اهلاكهم بأى وجه كان لا الحصر فيها {فان ربكم لرؤوف رحيم} حيث لا يعالجكم بالعقوبة ويحلم عنكم مع استحقاقكم لها والمعنى انه اذا لم يأخذكم مع ما فيه فانما رأفته تقيكم ورحمته تحميكم. وفى التأويلات النجمية رؤف بالعباد اذا اعطاهم حسن الاستعداد رحيم عليهم عند افساد اتسعدادهم بالمعاصى بان لا يأخذهم فى الحال ويتوب عليهم فى المآل ويقبل توبتهم بالفضل والنوال ومن المعاصى التقلب من اعمال الدنيا الى اعمال الآخرة بالرياء او من اعمال الآخرة الى اعمال الدنيا بالهوى وعذاب الرد من حرم القبول والرجع من درجات الوصول. فعلى العاقل التيفظ فى الامور وترك السيآت والشرور فانه لا يشعر من اين يأتى العذاب من قبل الاعمال الدنيوية او من قبل الاعمال الاخروية ومن جهل المريد بنفسه وبحق ربه ان يسيء الادب باظهار دعوى مثلا فتؤخر العقوبة عنه امهالا له فيظنه اهمالا فيقول لو كان هذا سوء ادب لقطع الامداد واوجب الابعاد اعتبارا بظاهر الامر وما ذلك الا لفقد نور بصيرته او ضعف نورها والا فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر حتى ربما ظن أنه متوفر فى عين تقصير ولو لم يكن من قطع المدد الامنع المزيد لكان قطعا لان من لم يكن فى زيادة فهو فى نقصان. قال بعضهم الزم الادب ظاهرا وباطنا فما اساء احد الادب فى الظاهر الا عوقب ظاهرا ولا اساء احد الادب فى الباطن الا عوقب باطنا من ضيع الادب فهو بعيد من حيث يظن القرب ومردود من حيث يظن القبول. وقال رويم لابن خفيف اجعل عملك ملحا وادبك دقيقا: وفى المثنوى شعر : ازخدا جوييم توفيق وادب بى ادب محروم كشت ازلطف رب بى ادب تنها نه خودرا داشت بد بلكه آتش درهمه آفاق زد هركه نامردى كنددرراه دوست رهزن مردان شدونا مرد اوست تفسير : اللهم اجعلنا من المتأدبين بآداب حبيبك واصحابه الى يوم السؤال وجوابه.
الجنابذي
تفسير : {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} حالكونهم على حذر والتفات الى العذاب وتمحّلهم لدفعة بان يتنبّهوا بما نزل بامثالهم {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} الفاء للسّببيّة المحضة لا من الّذين مكروا السّيّئات يعنى لا ينبغى ان يأمنوا بسبب رحمته فانّ رحمته لا تصل اذا لم يكن استحقاق، او للجواب والجزاء لشرطٍ محذوفٍ يعنى ان يمهلكم ولا يعاجلكم فانّ ربّكم لرؤوف رحيم، او للسّببيّة لمحذوف من غير تقدير بشرط كأنّه قيل: لم لا يؤاخذهم؟ - فقال: لا يؤاخذ فانّ ربّكم لرؤف رحيم.
اطفيش
تفسير : {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّف} متعلق بيأَخذ بمعنى فى تخوف أَو زمانه، ولا حاجة إلى جعله حالا من الهاءِ، والمعنى خوف قوم الهلاك لهلاك قوم قبله، والتفعل بمعنى الفعل، أَو للمبالغة ولتوقع المخوف منه، أَو التخوف التنقص بمعنى إهلاكهم كلهم، لكن قوماً بعد قوم وما لا بعد مال حتى يأْتى على الكل، قال عمر رضى الله عنه على المنبر: ما المراد بالتخوف؟ فقال شيخ من هذيل: التخوف التنقص فى لغتنا، فقال: هل تعرفه للشعراء؟ قال: نعم، قال شاعرنا أَبو كبير يصف ناقته: شعر : تخوف الرجل منها تامكا قردا كما تخوف عود النبعة السفن تفسير : فقال: عليكم بديوانكم لا تضلوا، أَى فى تفسير القرآن، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإِن فيه تفسير كتابكم ومعانى كلامكم، وخص الجاهلية حذرا من المولدين، وقيل: هذه لغة أَزد شنوءَة، ولا تضلوا نهى أو مجزوم فى جواب الأَمر، والتامك السنام، القرد بفتح فكسر، ما تلبد من الصوف، والنبع، شجر يتخذ منه الأَقواس، والسفن بفتحتين، حديدة ينحت بها، ويطلق على المبرد، وما ذكر أولى من نسبة بعضهم البيت لزهير، ومراد عمر: ورود التخوف بمعنى التنقص لا الحصر فى معنى التنقص، والإِ لزم التفسير به، وعذابهم فى تخوفهم فحمل يراد به نوع، ويجوز العموم بأَن يعذبوا بأيدى رجالا مثلا ثم بصاعقة ثم بخسف، أن المراد إهلاكهم بشىءٍ شاهدوه وخافوا منه الهلاك كالريح والصاعقة المشاهدة النزول والتزلزل {فإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءوفٌ رَّحِيمُ} إذ أمهلهم فيزداد عذرهم قطعاً، وقد يلدون من قضى الله فإنه لا بد منه، وقد يخرج منكم مؤمن، وقد يؤمن بعضكم، وهذا تعليل للأَخذ على تخوف مما يشاهدون إذا لم يكن بغتة، أَو للأَخذ على تقلب فيعتبرون ويتوبون وهو أولى من الأول لأَنه لا ينفعهم إيمانهم حين شاهدوا.
الالوسي
تفسير : {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} أي مخافة وحذر من الهلاك والعذاب بأن يهلك قوماً قبلهم أو يحدث حالات/ يخاف منها غير ذلك كالرياح الشديدة والصواعق والزلازل فيتخوفوا فيأخذهم بالعذاب وهم متخوفون ويروى نحوه عن الضحاك، وهو على ما قال الزمخشري ويقتضيه كلام ابن بحر خلاف قوله تعالى: {أية : مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } تفسير : [النحل: 45]. وقال غير واحد من الأجلة: على أن ينقصهم شيئاً فشيئاً في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا من تخوفته إذا تنقصته، وروي تفسيره بذلك عن ابن عباس ومجاهد والضحاك أيضاً. وذكر الهيثم بن عدي أن التنقص بهذا المعنى لغة أزدشنوءة، ويروى أن عمر رضي الله تعالى عنه قال على المنبر ما تقولون فيها أي الآية والتخوف منها؟ فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ فقال: نعم قال شاعرنا أبو كبير يصف ناقته:شعر : تخوف الرحل منها تامكا قردا كما تخوف عود النبعة السفن تفسير : فقال عمر رضي الله تعالى عنه: عليكم بديوانكم لا تضلوا قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم، والجار والمجرور قال أبو البقاء: في موضع الحال من الفاعل أو المفعول في يأخذهم. وقال الخفاجي: الظاهر أنه حال من المفعول وكأنه أراد على تفسيري التخوف ويتخوف من الجزم به على التفسير الثاني، والمراد من ذكر هذه المتعاطفات بيان قدرة الله تعالى على إهلاكهم بأي وجه كان لا الحصر، ثم إن بعضهم اعتبر في التقابل بينهما أن المراد بخسف الأرض بهم إهلاكهم من تحتهم وبإتيان العذاب من حيث لا يشعرون إهلاكهم من فوقهم وحيث قوبلا بإهلاكهم في تقلبهم وأسفارهم كان المعتبر فيهما سكونهم في مساكنهم وأوطانهم والمقابلة بين أخذهم على تخوف على المعنى الأول والأخذ بغتة المشعر به من حيث لا يشعرون ظاهرة، واعتبر عدم الشعور في الأخذ في التقلب والخسف لقرينة الأخذ على تخوف على ذلك المعنى وحمل سائرها على عذاب الاستئصال دون الأخذ على تخوف على المعنى الثاني ومجمل القول في ذلك أنه اعتبر في كل اثنين من الأربعة منع الجمع لكن بعد أن يراد بالعام منهما للمقابلة ما عدا الخاص سواء كان بين الاثنين عموم من وجه أو مطلقاً. وذكر الإمام وابن الخازن في حاصل الآية أنه تعالى خوفهم بخوف يحصل في الأرض أو بعذاب ينزل من السماء أو بآفات تحدث دفعة أو بآفات تأتي قليلاً قليلاً إلى أن يأتي الهلاك على آخرهم، وكان الظاهر في الآية أن يقال: أو يعذبهم من حيث لا يشعرون ليناسب ما قبله وما بعده بناءً على أن إسناد الفعل فيهما إليه تعالى وما قبله فقط بناءً على أن إسناد الفعل فيما بعد إلى العذاب مع كونه أخصر مما في النظم الجليل لكنه عدل عنه إلى ذلك لكونه أبلغ في التخويف وأدل على استحقاق العذاب من حيث إن فيه إشعاراً بأن هناك عذاباً موجوداً مهيئاً لا يحتاج إلا إلى الإتيان دون الإحداث وليس في ـ يعذبهم ـ إشعار كذلك على أن ما في النظم الجليل أبعد من أن يتوهم فيه معنى غير صحيح كما يتوهم في البدل المفروض حيث يتوهم فيه أنه سبحانه يعذبهم من حيث لا يشعرون بالعذاب وهو كما ترى. وحيث كانت حالتا التقلب والتخوف مظنة للهرب عبر عن إصابة العذاب فيهما بالأخذ وعن إصابته حالة الغفلة المنبئة عن السكون بالإتيان وجيء بفي مع التقلب وبعلى مع التخوف قيل: لأن في التقلب حركتين فكان الشخص المتقلب بينهما ولا كذلك/ التخوف، وقيل: لما كان التقلب شاغلاً الإنسان بسائر جوارحه حتى كأنه محيط به وهو مظروف فيه جيء بفي معه، والتخوف أي المخافة إنما يقوم بعضو من أعضائه فقط وهو القلب المحيط به بدن الإنسان فلذا جيء بعلى معه، وقيل: إن على بمعنى مع كما في قوله تعالى: {أية : وَءاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبّهِ } تفسير : [البقرة: 117] أي يأخذهم مصاحبين لذلك ولما كان التخوف نفسه نوعاً من العذاب لما فيه من تألم القلب ومشغولية الذهن وكان الأخذ مشيراً إلى نوع آخر من العذاب أيضاً جيء بعلى التي بمعنى مع ليكون المعنى يعذبهم مع عذابهم ولم يعتبر ذلك مع التقلب مراداً به الإقبال والإدبار في الأسفار والمتاجر مع أنه جاء "حديث : السفر قطعة من العذاب" تفسير : لأنهم لا يعدون ذلك عذاباً وفي القلب من هذا شيء فتدبر وتأمل فأسرار كتاب الله تعالى لا تحصى. {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ} جعله ابن بحر تعليلاً للأخذ على تخوف بناء على أن المراد به أخذهم على حدوث حالات يخاف منها كالرياح الشديدة والصواعق والزلازل لا بغتة فإن في ذلك امتداد وقت ومهلة يمكن فيها التلافي فكأنه قيل: أو يأخذهم على تخوف ولا يفاجئهم لأنه سبحانه رؤوف رحيم وذلك أنسب برأفته ورحمته جل وعلا، وجوز أن يكون تعليلاً لذلك على المعنى الأخير فإن في تنقصهم شيئاً بعد شيء دون أخذهم دفعة إمهالاً في الجملة وهو مطلقاً من آثار الرحمة، وقيل: هو تعليل لما يفهم من الآية من أنه سبحانه قادر على إهلاكهم بأي وجه كان لكنه تعالى لم يفعل، وقيل: هو كالتعليل للأمن المستفهم عنه، والتعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير الخطاب من آثار رحمته جل شأنه.
د. أسعد حومد
تفسير : {رَؤُوفٌ} (47) - أَوْ أَمِنُوا أَنْ يَأْخُذَهُمُ اللهُ - بَعْدَ أَنْ يُثِيرَ فِي نُفُوسِهِم الخَوْفَ وَالرُّعْبَ، بِأَنَّهُ تَعَالَى سَيَأْخُذُهُمْ بِالعَذَابِ - فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الأَخْذِ يَكُونُ أَبْلَغَ وَأَشَدَّ، لأَِنَّ أَثَرَ مَا يَحْصُلُ لِلإنْسَانِ، وَهُوَ خَائِفٌ مِنْهُ مُتَوَقِّعٌ لَهُ، أَشَدُّ وَأَبْلَغُ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى رَؤُوفٌ رَحِيمٌ بِهِمْ، إِذْ لَمْ يُعَاجِلْهُمْ بِالعُقُوبَةِ. (وَفِي الحَدِيثِ - حديث : لاَ أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلداً وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْتفسير : ). (رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). تَخَوُّفٍ - مَخَافَةٍ مِنَ العَذَابِ أَوْ تَنَقُّصٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : التخوُّف: هو الفزع من شيء لم يحدث بعد، فيذهب فيه الخيال مذاهبَ شتَّى، ويتوقع الإنسان ألواناً متعددة من الشر، في حين أن الواقع يحدث على وجه واحد. هَبْ أنك في انتظار حبيب تأخَّر عن موعد وصوله، فيذهب بك الخيال والاحتمال إلى أمور كثيرة .. يا تُرى حدث كذا أو حدث كذا، وكل خيال من هذه الخيالات له أثر ولذعة في النفس، وبذلك تكثر المخاوف، أما إن انتظرتَ لتعرفَ الواقع فإنْ كان هناك فزع كان مرة واحدة. ولذلك يقولون في الأمثال: (نزول البلا ولا انتظاره) ذلك لأنه إنْ نزل سينزل بلون واحد، أما انتظاره فيُشيع في النفس ألواناً متعددة من الفزع والخوف .. إذن: التخُّوف أشدُّ وأعظم من وقوع الحَدث نفسه. وكان هذا الفزع يعتري الكفار إذا ما عَلِموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية من السَّرايا، فيتوقع كل جماعة منهم أنها تقصدهم، وبذلك يُشيع الله الفزع في نفوسهم جميعاً، في حين أنها خرجتْ لناحية معينة. وبعض المفسرين قال: التخوُّف يعني التنقُّص بأنْ ينقص الله من رُقْعة الكفر بدخول القبائل في الإسلام قبيلةً بعد أخرى، فكلُّ واحدة منها تنقص من رقعة الكفر .. كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ ..} تفسير : [البقرة: 155]. ثم يقول الحق تبارك وتعالى في تذييل هذه الآية: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 47]. وهل هذا التذييل مناسب للآية وما قبلها من التهديد والوعيد؟ فالعقل يقول: إن التذييل المناسب لها: إن ربكم لشديد العقاب مثلاً. لكن يجب هنا أنْ نعلمَ أن هذا هو عطاء الربوبية الذي يشمل العباد جميعاً مؤمنهم وكافرهم، فالله تعالى استدعى الجميع للدنيا، وتكفَّل للجميع بما يحفظ حياتهم من شمس وهواء وأرض وسماء، لم تُخلَق هذه الأشياء لواحد دون الآخر، وقد قال تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20]. وكأن في الآية لَوْناً من ألوان رحمته سبحانه بخَلْقه وحِرْصه سبحانه على نجاتهم؛ لأنه يُنبِّههم إلى ما يمكن أن يحدث لَهم إذا أصرُّوا على كفرهم، ويُبصِّرهم بعاقبة كفرهم، والتبصرة عِظَة، والعِظَة رأفة بهم ورحمة حتى لا ينالهم هذا التهديد وهذا الوعيد. ومثال هذا التذييل كثير في سورة الرحمن، يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 17-18]. فهذه نعمة ناسبت قوله تعالى: {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 18]. وكذلك في قوله تعالى: {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} تفسير : [الرحمن: 19-20]. فهذه نعمة من نعم الله ناسبت تذييل الآية: {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 21]. أما في قوله تعالى: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 26-28]. فما النعمة في {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}؟ هل الموت نعمة؟! نعم، يكون الموت نعمة من نِعَم الله على عباده؛ لأنه يقول للمحسن: سيأتي الموت لتلقَي جزاء إحسانك وثواب عملك، ويقول أيضاً للكافر: انتبه واحذر .. الموت قادم، كأنه سبحانه يُوقِظ الكفار ويَعِظهم لينتهوا عما هم فيه .. أليست هذه نعمة من نعم الله ورحمة منه سبحانه بعباده؟ وكذلك انظر إلى قول الحق تبارك وتعالى: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 35-36]. فأيّ نعمة في: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ ..} تفسير : [الرحمن: 35]. أيُّ نعمة في هذا العذاب؟ نعم المتدبِّر لهذه الآية يجد فيها نعمة عظيمة؛ لأن فيها تهديداً ووعيداً بالعذاب إذا استمروا على ما هُم فيه من الكفر .. ففي طيَّاتها تحذير وحِرْص على نجاتهم كما تتوعد ولدك: إذا أهملتَ دروسك ستفشل وأفعل بك كذا وكذا. وأنت ما قلت ذلك إلا لحِرصك على نجاحه وفلاحه. إذن: فتذييل الآية بقوله: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 47]. تذييل مناسب لما قبلها من التهديد والوعيد، وفيها بيان لرحمة الله التي يدعو إليها كلاً من المؤمن والكافر. ثم يقول الحق سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} معناهُ عَلَى تَنقّصٍ.
الجيلاني
تفسير : {أَوْ يَأْخُذَهُمْ} العذاب {عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} وتنقص من أموالهم وأولادهم على سبيل التدريج إلى أن يستأصلهم بالمرة {فَإِنَّ رَبَّكُمْ} أيها المجترئون على الله ورسوله، المسيئون الأدب معهما {لَرَؤُوفٌ} عطوف مشفق، لا يعاجلكم بالعذاب {رَّحِيمٌ} [النحل: 47] يمهلكم ويؤخر انتقامكم رجاء أن تتذكروا وتتعظوا. {أَ} يصرون ويستمرون أولئك المشركون المسرفون على الشرك والنفاق {وَلَمْ يَرَوْاْ} وينظروا نظر العبرة والاستصبار {إِلَىٰ} انقياد جميع {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ} وأوجده وأظهره من كتم العدم إظهاراً إبداعياً لحكمه وأمره {مِن شَيْءٍ} من الأشياء التي {يَتَفَيَّؤُاْ} أي: يميل وينقلب {ظِلاَلُهُ} بانقلاب الشمس وحركتها {عَنِ ٱلْيَمِينِ} مرة {وَٱلْشَّمَآئِلِ} أخرى، على مقتضى اختلاف أوضاع الشمس، حال كونهم {سُجَّداً} ساجدين متذللين خاضعين، واضعين جباهم على تراب المذلة إطاعةً وانقياداً {لِلَّهِ} الواحد الأحد، المستقل في الألوهية والربوبية {وَهُمْ} في جميع حالاتهم وتقلباتهم {دَاخِرُونَ} [النحل: 48] ضاغرون ذليلون، خائفون من جلال الله وكبريائه، مستوحشون على سطوة قهره، وصولة استيلائه. {وَ} كيف يستكبرون أولئك المشركون المنكرون عن انقياد الله وإطاعته؛ إذ {لِلَّهِ} لا لغيره من الأظلال الهالكة، والتماثيل الباطلة {يَسْجُدُ} ويتذلل طوعاً وطبعاً جميع {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَ} كذا جميع {مَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ} تتحرك تخرج من العدم نحو الوجود بامتدااد أظلال الأوصاف الإلهية، ورش رشحات زلال وجوده عليها {وَ} خصوصاً {ٱلْمَلاۤئِكَةُ} المهيمون المستغرقون في مطالعة جمال الله وجلاله {وَهُمْ} من غاية قربهم، وتنزههم عن العلائق المبعدة عن الله، وتجردهم عن أوصاف الإمكان مطلقاً {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 49] عن عبادة الله، والتذلل نحوه، فكي أنتم أيها الهلكي الغرقى، المنغمسون في بحر الغفلة والضلال. وإنما يسجد أولئك الساجدون المتذللون؛ لأنهم {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ} القادر على الإنعام والانتقام أن يرسل عليهم عذاباً {مِّن فَوْقِهِمْ} لأنهم مقهورون تحت قبضة قدرته {وَ} لذلك {يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50] ويجتنبون عما ينهون. {وَ} كيف لا تمنعون عن إثبات الشركاء لله الواحد الأحد الصمد أيها المشركون المعاندون بعدما {قَالَ ٱللَّهُ} عز شأنه، وجل بركاته: {لاَ تَتَّخِذُواْ} أيها المكلفون بالإيمان والعرفان {إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ} مستحقين للعبادة والانقياد، فيكف الزيادة {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ} يُعبد بالحق، يُرجع نحوه في الوقائع، ويُفوض إليه الأمور كلها، وما هو إلاَّ أنا {فَإيَّايَ} لا إلى غيري من مخلوقاتي ومصنوعاتي {فَٱرْهَبُونِ} [النحل: 51] أي: خصوني بالخوف والرجاء، وارجعوا إليّ عند هجوم البلاء، ونزول القضاء؛ إذ لا راد لقضائي إلاَّ فضلي وعطائي. {وَ} كيف لا يُرجع إليه، ويُستغاث منه، مع أن {لَهُ} ومنه {مَا} ظهر {فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ} أي: عالم الأسماء والصفات التي هي الفواعل والمفيضات المؤثرات {وَ} ما ظهر في {ٱلأَرْضِ} أي: عالم الطبيعة من الاستعدادات التي هي القوابل المتأثرات من العلويات {وَلَهُ} لا لغيره من الأسباب والوسائل العادية {ٱلدِّينُ} أي: الإطاعة والانقياد، والتوجه والرجوع {وَاصِباً} دائماً حتماً لازماً {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ} المحيط للكل إحاطة شهود وحضور {تَتَّقُونَ} [النحل: 52] وتحذرون أيها الجاهلون بحق قدره، مع أنه لا ضار سواه، ولا نافع غيره؟!. {وَ} واعلموا ايها المجبولون على التكليف أن {مَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ} واصلة لكم، نافعة لنفوسكم، مسرة لقلوبكم {فَمِنَ ٱللَّهِ} المصلح لأحوالكم، وصلت إليكم امتناناً عليكم وتفضلاً؛ إذ لا نافع إلاَّ هو {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ} المشوش لنفوسكم، القاسي لقلوبكم {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53] تتضرعون وتستغيثون ليدفع عنكم أذاكم؛ إذ لا ضار أيضاً إلاَّ هو. {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ} بعد استغاثتكم ورجوعكم نحوه؛ إذ لا كاشف سواه {إِذَا فَرِيقٌ} أي: فجاء طائفة {مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ} الذي يدفع أذاهم، ويكشف ضربهم {يُشْرِكُونَ} [النحل: 54] له غيره من الأصنام والتماثيل العاطلة التي لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فكيف لغيرهم؟!. وإنما فعلوا ذلك وأشركوا {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} من النعم، ولم يقوموا بشكرها عناداً ومكابرةً، بل أسندوها إلى ما لا شعور لها أصلاً ظلماً وزوراً {فَتَمَتَّعُواْ} أيها المشركون بنا، الكافرون لنعمنا {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 55] ما تكسبون لنفوسكم من العذاب المخلد، والعقاب المؤبد.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 490 : 7 : 16 - سفين عن جويبر عن الضحاك في قوله {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} قال، يأخذ هذه القرية ويدع هذه، يخيفهم بذلك. [الآية 47].
همام الصنعاني
تفسير : 1488- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} [الآية: 47]، قال: تَنَقُّصٍ، يقول: يصابون في أطراف قراهم بالشيء حتى يأتي ذلك عليهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):