١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
48
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما خوف المشركين بالأنواع الأربعة المذكورة من العذاب أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وتدبير أحوال الأرواح والأجسام، ليظهر لهم أن مع كمال هذه القدرة القاهرة، والقوة الغير المتناهية لا يعجز عن إيصال العذاب إليهم على أحد تلك الأقسام الأربعة. المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي: {أَوَ لَمْ تَرَوْاْ } بالتاء على الخطاب، وكذلك في سورة العنكبوت: { أية : أَوَ لَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىء ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } تفسير : [العنكبوت: 19] بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء فيهما كناية عن الذين مكروا السيئات، وأيضاً أن ما قبله غيبة وهو قوله: { أية : أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ } تفسير : [النحل: 45، 46] فكذا قوله: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } وقرأ أبو عمرو وحده: {تتفيؤ} بالتاء والباقون بالياء، وكلاهما جائز لتقدم الفعل على الجمع. المسألة الثالثة: قوله: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ } لما كانت الرؤية ههنا بمعنى النظر وصلت بإلى، لأن المراد به الاعتبار والاعتبار لا يكون بنفس الرؤية حتى يكون معها نظر إلى الشيء وتأمل لأحواله، وقوله: {إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْء } قال أهل المعاني: أراد من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم، ولفظ الآية يشعر بهذا القيد، لأن قوله: {مِن شَيْء يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَـٰلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ } يدل على أن ذلك الشيء كثيف يقع له ظل على الأرض. وقوله: {يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَـٰلُهُ } إخبار عن قوله: {شَيْء } وليس بوصف له، ويتفيأ يتفعل من الفيء يقال: فاء الظل يفيء فيئاً إذا رجع وعاد بعد ما نسخه ضياء الشمس، وأصل الفيء الرجوع، ومنه فيء المولي وذكرنا ذلك في قوله تعالى: { أية : فَإِن فاؤا فإن ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [البقرة: 226] وكذلك فيء المسلمين لما يعود على المسلمين من مال من خالف دينهم، ومنه قوله تعالى: { أية : مَّا أَفَاء ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ } تفسير : [الحشر: 6] وأصل هذا كله من الرجوع. إذا عرفت هذا فنقول: إذا عدي فاء فإنه يعدى إما بزيادة الهمزة إو بتضعيف العين. أما التعدية بزيادة الهمزة كقوله: {مَّا أَفَاء ٱللَّهُ } وأما بتضعيف العين فكقوله فيأ الله الظل فتفيأ وتفيأ مطاوع فيأ. قال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار، فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي بعدما انصرفت عنه الشمس والظل ما يكون بالغداة وهو ما لم تنله الشمس كمال قال الشاعر: شعر : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تذوق تفسير : قال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل، ومنهم من أنكر ذلك، فإن أبا زيد أنشد للنابغة الجعدي: شعر : فسلام الإله يغدو عليهم وفيوء الغروس ذات الظلال تفسير : فهذا الشعر قد أوقع فيه لفظ الفيء على ما لم تنسخه الشمس، لأن ما في الجنة من الظل ما حصل بعد أن كان زائلاً بسبب نور الشمس وتقول العرب في جمع فيء أفياء وهي للعدد القليل، وفيوء للكثير كالنفوس والعيون، وقوله: {ظِلَـٰلُهُ } أضاف الظلال إلى مفرد، ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال، وإنما حسن هذا، لأن الذي عاد إليه الضمير وإن كان واحداً في اللفظ وهو قوله إلى ما خلق الله، إلا أنه كثير في المعنى، ونظيره قوله تعالى: { أية : لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ } تفسير : [الزخرف: 13] فأضاف الظهور وهو جمع، إلى ضمير مفرد، لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو قوله: {مَا تَرْكَبُونَ } هذا كله كلام الواحدي وهو بحث حسن. أما قوله: {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ } ففيه بحثان: البحث الأول: في المراد باليمين والشمائل قولان: القول الأول: أن يمين الفلك هو المشرق وشماله هو المغرب، والسبب في تخصيص هذين الاسمين بهذين الجانبين أن أقوى جانبي الإنساني يمينه، ومنه تظهر الحركة القوية، فلما كانت الحركة الفلكية اليومية آخذة من المشرق إلى المغرب، لا جرم كان المشرق يمين الفلك والمغرب شماله. إذا عرفت هذا فنقول: إن الشمس عند طلوعها إلى وقت انتهائها إلى وسط الفلك تقع الإظلال إلى الجانب الغربي، فإذا انحدرت الشمس من وسط الفلك إلى الجانب الغربي وقع الإظلال في الجانب الشرقي، فهذا هو المراد من تفيؤ الظلال من اليمين إلى الشمال وبالعكس، وعلى هذا التقدير: فالإظلال في أول النهار تبتدىء من يمين الفلك على الربع الغربي من الأرض، ومن وقت انحدار الشمس من وسط الفلك تبتدىء الإظلال من شمال الفلك واقعة على الربع الشرقي من الأرض. القول الثاني: أن البلدة التي يكون عرضها أقل من مقدار الميل، فإن في الصيف تحصل الشمس على يسارها، وحينئذ يقع الإظلال على يمينهم، فهذا هو المراد من انتقال الإظلال عن الأيمان إلى الشمائل وبالعكس. هذا ما حصلته في هذا الباب، وكلام المفسرين فيه غير ملخص. البحث الثاني: لقائل أن يقول: ما السبب في أن ذكر اليمين بلفظ الواحد، والشمائل بصيغة الجمع؟ وأجيب عنه بأشياء: أحدها: أنه وحد اليمين والمراد الجمع ولكنه اقتصر في اللفظ على الواحد كقوله تعالى: { أية : وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } تفسير : [القمر: 45]. وثانيها: قال الفراء: كأنه إذا وحد ذهب إلى واحدة من ذوات الأظلال، وإذا جمع ذهب إلى كلها، وذلك لأن قوله: {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْء } لفظه واحد، ومعناه الجمع على ما بيناه فيحتمل كلا الأمرين. وثالثها: أن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله تعالى: { أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } تفسير : [الأنعام: 1] وقوله: { أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ } تفسير : [البقرة: 7]. ورابعها: أنا إذا فسرنا اليمين بالمشرق كانت النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها، فكانت اليمين واحدة. وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة، فلذلك عبر الله تعالى عنها بصيغة الجمع، والله أعلم. المسألة الرابعة: أما قوله: {سُجَّدًا لِلَّهِ } ففيه احتمالات: الأول: أن يكون المراد من السجود الاستسلام والانقياد يقال: سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب، وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل ويقال: أسجد لقرد السوء في زمانه، أي أخضع له قال الشاعر: شعر : ترى الأكم فيها سجداً للحوافر تفسير : أي متواضعة، إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى دبر النيرات الفلكية، والأشخاص الكوكبية بحيث يقع أضواؤها على هذا العالم السفلي على وجوه مخصوصة. ثم إنا نشاهد أن تلك الأضواء، وتلك الإظلال لا تقع في هذا العالم إلا على وفق تدبير الله تعالى وتقديره، فنشاهد أن الشمس إذا طلعت وقعت الأجسام الكثيفة أظلال ممتدة في الجانب الغربي من الأرض، ثم كلما ازدادت الشمس طلوعاً وارتفاعاً، ازدادت تلك الأظلال تقلصاً وانتقاصاً إلى الجانب الشرقي إلى أن تصل الشمس إلى وسط الفلك، فإذا انحدرت إلى الجانب الغربي ابتدأت الأظلال بالوقوع في الجانب الشرقي، وكلما ازدادت الشمس انحداراً ازدادت الأظلال تمدداً وتزايداً في الجانب الشرقي. وكما أنا نشاهد هذه الحالة في اليوم الواحد، فكذلك نشاهد أحوال الأظلال مختلفة في التيامن والتياسر في طول السنة، بسبب اختلاف أحوال الشمس في الحركة من الجنوب إلى الشمال وبالعكس، فلما شاهدنا أحوال هذه الأظلال مختلفة بسبب الاختلافات اليومية الواقعة في شرق الأرض وغربها، وبحسب الاختلافات الواقعة في طول السنة في يمين الفلك ويساره، ورأينا أنها واقعة على وجه مخصوص وترتيب معين، علمنا أنها منقادة لقدرة الله خاضعة لتقديره وتدبيره، فكانت السجدة عبارة عن هذه الحالة. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: اختلاف حال هذه الأظلال معلل باختلاف سير النير الأعظم الذي هو الشمس، لا لأجل تقدير الله تعالى وتدبيره؟ قلنا: قد دللنا على أن الجسم لا يكون متحركاً لذاته، إذ لو كانت ذاته علة لهذا الجزء المخصوص من الحركة، لبقي هذا الجزء من الحركة لبقاء ذاته، ولو بقي ذلك الجزء من الحركة لامتنع حصول الجزء الآخر من الحركة، ولو كان الأمر كذلك لكان هذا سكوناً لا حركة، فالقول بأن الجسم المتحرك لذاته يوجب القول بكونه ساكناً لذاته وأنه محال، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلاً، فعلمنا أن الجسم يمتنع كونه متحركاً لذاته، وأيضاً فقد دللنا على أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية، فاختصاص جرم الشمس بالقوة المعينة والخاصية المعينة لا بد وأن يكون بتدبير الخالق المختار الحكيم. إذا ثبت هذا فنقول: هب أن اختلاف أحوال الأظلال إنما كان لأجل حركات الشمس، إلا أنا لما دللنا على أن محرك الشمس بالحركة الخاصة ليس إلا الله سبحانه كان هذا دليلاً على أن اختلاف أحوال الأظلال لم يقع إلا بتدبير الله تعالى وتخليقه، فثبت أن المراد بهذا السجود الانقياد والتواضع، ونظيره قوله: { أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } تفسير : [الرحمن: 6] وقوله: { أية : وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوّ وَٱلأَصَالِ } تفسير : [الرعد: 15] قد مر بيانه وشرحه. والقول الثاني: في تفسير هذا السجود، أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد. قال أبو العلاء المعري في صفة واد: شعر : بحرف يطيل الجنح فيه سجوده وللأرض زي الراهب المتعبد تفسير : فلما كانت الأظلال تشبه بشكلها شكل الساجدين أطلق الله عليها هذا اللفظ، وكان الحسن يقول: أما ظلك فسجد لربك، وأما أنت فلا تسجد له بئسما صنعت، وقال مجاهد: ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي، وقيل: ظل كل شيء يسجد لله سواء كان ذلك ساجداً أم لا. واعلم أن الوجه الأول أقرب إلى الحقائق العقلية، والثاني أقرب إلى الشبهات الظاهرة. المسألة الخامسة: وقوله: {سُجَّدًا } حال من الظلال وقوله: {وَهُمْ دٰخِرُونَ } أي صاغرون، يقال: دخر يدخر دخوراً، أي صغر يصغر صغاراً، وهو الذي يفعل ما تأمره شاء أم أبى، وذلك لأن هذه الأشياء منقادة لقدرة الله تعالى وتدبيره وقوله: {وَهُمْ دٰخِرُونَ } حال أيضاً من الظلال. فإن قيل: الظلال ليست من العقلاء فكيف جاز جمعها بالواو والنون؟ قلنا: لأنه تعالى لما وصفهم بالطاعة والدخور أشبهوا العقلاء. أما قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلَـئِكَةُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا أن السجود على نوعين: سجود هو عبادة كسجود المسلمين لله تعالى، وسجود هو عبارة عن الانقياد لله تعالى والخضوع، ويرجع حاصل هذا السجود إلى أنها في نفسها ممكنة الوجود والعدم قابلة لهما، وأنه لا يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح. إذا عرفت هذا فنقول: من الناس من قال: المراد بالسجود المذكور في هذه الآية السجود بالمعنى الثاني وهو التواضع والانقياد، والدليل عليه أن اللائق بالدابة ليس إلا هذا السجود ومنهم من قال: المراد بالسجود ههنا هو المعنى الأول، لأن اللائق بالملائكة هو السجود بهذا المعنى لأن السجود بالمعنى الثاني حاصل في كل الحيوانات والنباتات والجمادات، ومنهم من قال: السجود لفظ مشترك بين المعنيين، وحمل اللفظ المشترك لإفادة مجموع معنييه جائز، فحمل لفظ السجود في هذه الآية على الأمرين معاً، أما في حق الدابة فبمعنى التواضع، وأما في حق الملائكة فبمعنى سجود المسلمين لله تعالى، وهذا القول ضعيف، لأنه ثبت أن استعمال اللفظ المشترك لإفادة جميع مفهوماته معاً غير جائز. المسألة الثانية: قوله: {مِن دَابَّةٍ } قال الأخفش: يريد من الدواب وأخبر بالواحد كما تقول ما أتاني من رجل مثله، وما أتاني من الرجال مثله، وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: ما الوجه في تخصيص الدواب والملائكة بالذكر؟ فنقول فيه وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى بين في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة لله تعالى وبين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى، لأن أخسها الدواب وأشرفها الملائكة، فلما بين في أخسها وفي أشرفها كونها منقادة لله تعالى كان ذلك دليلاً على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى. والوجه الثاني: قال حكماء الإسلام: الدابة اشتقاقها من الدبيب، والدبيب عبارة عن الحركة الجسمانية، فالدابة اسم لكل حيوان جسماني يتحرك ويدب، فلما بين الله تعالى الملائكة عن الدابة علمنا أنها ليست مما يدب، بل هي أرواح محضة مجردة، ويمكن الجواب عنه بأن الجناح للطيران مغاير للدبيب بدليل قوله تعالى: { أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 38]، والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: المقصود من هذه الآية شرح صفات الملائكة وهي دلالة قاهرة قاطعة على عصمة الملائكة عن جميع الذنوب، لأن قوله: {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } يدل على أنهم منقادون لصانعهم وخالقهم وأنهم ما خالفوه في أمر من الأمور، ونظيره قوله تعالى: { أية : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } تفسير : [مريم: 64] وقوله: { أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 27] وأما قوله: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } فهذا أيضاً يدل على أنهم فعلوا كل ما كانوا مأمورين به، وذلك يدل على عصمتهم عن كل الذنوب. فإن قالوا: هب أن هذه الآية تدل على أنهم فعلوا كل ما أمروا به فلم قلتم إنها تدل على أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟ قلنا: لأن كل ما نهي عن شيء فقد أمر بتركه، وحينئذ يدخل في اللفظ، وإذا ثبت بهذه الآية كون الملائكة معصومين من كل الذنوب، وثبت أن إبليس ما كان معصوماً من الذنوب بل كان كافراً، لزم القطع بأن إبليس ما كان من الملائكة. والوجه الثاني: في بيان هذا المقصود أنه تعالى قال في صفة الملائكة: {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } ثم قال لإبليس: { أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَـٰلِينَ } تفسير : [ص: 75] وقال أيضاً له: { أية : فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } تفسير : [الأعراف: 13] فثبت أن الملائكة لا يستكبرون وثبت أن إبليس تكبر واستكبر فوجب أن لا يكون من الملائكة وأيضاً لما ثبت بهذه الآية وجوب عصمة الملائكة، ثبت أن القصة الخبيثة التي يذكرونها في حق هاروت وماروت كلام باطل، فإن الله تعالى وهو أصدق القائلين لما شهد في هذه الآية على عصمة الملائكة وبراءتهم عن كل ذنب، وجب القطع بأن تلك القصة كاذبة باطلة، والله أعلم. واحتج الطاعنون في عصمة الملائكة بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى وصفهم بالخوف، ولولا أنهم يجوزون على أنفسهم الإقدام على الكبائر والذنوب وإلا لم يحصل الخوف. والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى منذرهم من العقاب فقال: { أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إِلَـٰهٌ مّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 29] وهم لهذا الخوف يتركون الذنب. والثاني: وهو الأصح أن ذلك الخوف خوف الإجلال هكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، والدليل على صحته قوله تعالى: { أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } تفسير : [فاطر: 28] وهذا يدل على أنه كلما كانت معرفة الله تعالى أتم، كان الخوف منه أعظم، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والكبرياء، والله أعلم. المسألة الثانية: قالت المشبهة قوله تعالى: {يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } هذا يدل على أن الإله تعالى فوقهم بالذات. واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهة في تفسير قوله تعالى: { أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } تفسير : [الأنعام: 18] والذي نزيده ههنا أن قوله: {يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } معناه يخافون ربهم من أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم، وإذا كان اللفظ محتملاً لهذا المعنى سقط قولهم، وأيضاً يجب حمل هذه الفوقية على الفوقية بالقدرة والقهر كقوله: { أية : وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 127] والذي يقوي هذا الوجه أنه تعالى لما قال: {يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } وجب أن يكون المقتضى لهذا الخوف هو كون ربهم فوقهم لما ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف يشعر بكون الحكم معللاً بذلك الوصف. إذا ثبت هذا فنقول: هذا التعطيل إنما يصح لو كان المراد بالفوقية الفوقية بالقهر والقدرة لأنها هي الموجبة للخوف، أما الفوقية بالجهة والمكان فهي لا توجب الخوف بدليل أن حارس البيت فوق الملك بالمكان والجهة مع أنه أخس عبيده فسقطت هذه الشبهة. المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن الملائكة مكلفون من قبل الله تعالى وأن الأمر والنهي متوجه عليهم كسائر المكلفين، ومتى كانوا كذلك وجب أن يكونوا قادرين على الخير والشر. المسألة الرابعة: تمسك قوم بهذه الآية في بيان أن الملك أفضل من البشرمن وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى قال: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلَـئِكَةُ } وذكرنا أن تخصيص هذين النوعين بالذكر إنما يحسن إذا كان أحد الطرفين أخس المراتب وكان الطرف الثاني أشرفها حتى يكون ذكر هذين الطرفين منبهاً على الباقي، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الملائكة أشرف خلق الله تعالى. الوجه الثاني: أن قوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } يدل على أنه ليس في قلوبهم تكبر وترفع وقوله: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } يدل على أن أعمالهم خالية عن الذنب والمعصية، فمجموع هذين الكلامين يدل على أن بواطنهم وظواهرهم مبرأة عن الأخلاق الفاسدة والأفعال الباطلة، وأما البشر فليسوا كذلك. ويدل عليه القرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى: { أية : قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ مَا أَكْفَرَهُ } تفسير : [عبس: 17] وهذا الحكم عام في الإنسان، وأقل مراتبه أن تكون طبيعة الإنسان مقتضية لهذه الأحوال الذميمة، وأما الخبر فقوله عليه السلام: « حديث : ما منا إلا وقد عصى أو هم بالمعصية غير يحيى بن زكريا » تفسير : ومن المعلوم بالضرورة أن المبرأ عن المعصية والهم بها أفضل ممن عصى أو هم بها. الوجه الثالث: أنه لا شك أن الله تعالى خلق الملائكة قبل البشر بأدوار متطاولة وأزمان ممتدة، ثم إنه وصفهم بالطاعة والخضوع والخشوع طول هذه المدة، وطول العمر مع الطاعة يوجب مزيد الفضيلة لوجهين: الأول: قوله عليه السلام: « حديث : الشيخ في قومه كالنبي في أمته » تفسير : فضل الشيخ على الشاب، وما ذاك إلا لأنه لما كان عمره أطول فالظاهر أن طاعته أكثر فكان أفضل. والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » تفسير : فلما كان شروع الملائكة في الطاعات قبل شروع البشر فيها لزم أن يقال إنهم هم الذين سنوا هذه السنة الحسنة، وهي طاعة الخالق القديم الرحيم، والبشر إنما جاؤوا بعدهم واستنوا سنتهم، فوجب بمقتضى هذا الخبر أن كل ما حصل للبشر من الثواب فقد حصل مثله للملائكة ولهم ثواب القدر الزائد من الطاعة فوجب كونهم أفضل من غيرهم. الوجه الرابع: في دلالة الآية على هذا المعنى قوله: {يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } وقد بينا بالدليل أن هذه الفوقية عبارة عن الفوقية بالرتبة والشرف والقدرة والقوة، فظاهر الآية يدل على أنه لا شيء فوقهم في الشرف والرتبة إلا الله تعالى، وذلك يدل على كونهم أفضل المخلوقات، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قرأ حمزة والكسائيّ وخلف ويحيى والأعمش (تَرَوْا) بالتاء، على أن الخطاب لجميع الناس. الباقون بالياء خبراً عن الذين يمكرون السيئات؛ وهو الاختيار. {مِن شَيْءٍ} يعني من جسم قائم له ظل من شجرة أو جبل؛ قاله ابن عباس. وإن كانت الأشياء كلّهاسميعة مطيعة لله تعالى. {يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ} قرأ أبو عمرو ويعقوب وغيرهما بالتاء لتأنيث الظلال. الباقون بالياء، واختاره أبو عبيد. أي يميل من جانب إلى جانب، ويكون أول النهار على حال ويتقلّص ثم يعود في آخر النهار على حالة أخرى؛ فدورانها وَميَلانها من موضع إلى موضع سجودها؛ ومنه قيل للظل بالعشي: فَيءٌ؛ لأنه فاء من المغرب إلى المشرق، أي رجع. والفيء الرجوع؛ ومنه {أية : حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحجرات: 9]. روي معنى هذا القول عن الضحاك وقتادة وغيرهما، وقد مضى هذا المعنى في سورة «الرعد». وقال الزجاج: يعني سجود الجسم، وسجودُه انقياده وما يُرَى فيه من أثر الصنعة، وهذا عام في كل جسم. ومعنى {وَهُمْ دَاخِرُونَ} أي خاضعون صاغرون. والدخور: الصَّغار والذّل. يقال: دَخَر الرجل (بالفتح) فهو داخر، وأدخره الله. وقال ذو الرمة:شعر : فلم يَبْقَ إلا داخِرٌ في مُخَيِّس ومُنْجَحِرٌ في غير أرْضِك في جُحْرِ تفسير : كذا نسبه الماوَرْدِيّ لذي الرُّمّة، ونسبه الجوهري للفرزدق وقال: المُخَيِّسُ اسم سجن كان بالعراق؛ أي موضع التذلل. وقال:شعر : أمَا تـراني كَيِّساً مُكَيّساً بَنَيْتُ بعد نافع مُخَيَّساَ تفسير : ووحَّد اليمين في قوله: «عَنِ الْيَمينِ» وجمع الشمال؛ لأن معنى اليمين وإن كان واحداً الجمع. ولو قال: عن الأيمان والشمائل، واليمين والشمائل، أو اليمين والشمال، أو الأيمان والشمال لجاز؛ لأن المعنى للكثرة. وأيضاً فمن شأن العرب إذا اجتمعت علامتان في شيء واحد أن تجمع إحداهما وتفرد الأخرى؛ كقوله تعالى: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ} وكقوله: {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} ولو قال على أسماعهم وإلى الأنوار لجاز. ويجوز أن يكون ردّ اليمين على لفظ «ما» والشمال على معناها. ومثل هذا في الكلام كثير. قال الشاعر:شعر : الواردون وتَيْم في ذُرَا سَبَإ قد عَضّ أعناقَهم جِلْدُ الجواميس تفسير : ولم يقل جلود. وقيل: وحّد اليمين لأن الشمس إذا طلعت وأنت متوجّه إلى القبلة انبسط الظل عن اليمين ثم في حال يميل إلى جهة الشمال ثم حالات، فسماها شمائل.
البيضاوي
تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ } استفهام إنكار أي قد رأوا أمثال هذه الصنائع فما بالهم لم يتفكروا فيها ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافوا منه، وما موصولة مبهمة بيانها. {يَتَفَيَّؤُا ظِلَـٰلُهُ} أي أو لم ينظروا إلى المخلوقات التي لها ظلال متفيئة. وقرأ حمزة والكسائي «تَروْا» بالتاء وأبو عمرو «تتفيؤ» بالتاء. {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ } عن أيمانها وعن شمائلها أي عن جانبي كل واحد منها، استعارة من يمين الإِنسان وشماله، ولعل توحيد اليمين وجمع الشمائل باعتبار اللفظ والمعنى كتوحيد الضمير في ظلاله وجمعه في قوله: {سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دٰخِرُونَ } وهما حالان من الضمير في ظلاله، والمراد من السجود الاستسلام سواء كان بالطبع أو الاختيار، يقال سجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل وسجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب وسجدا حال من الظلال {وَهُمْ دٰخِرُونَ } حال من الضمير. والمعنى يرجع الظلال بارتفاع الشمس وانحدارها، أو باختلاف مشارقها ومغاربها بتقدير الله تعالى من جانب إلى جانب منقادة لما قدر لها من التفيؤ، أو واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد والأجرام في أنفسها أيضاً داخرة أي صاغرة منقادة لأفعال الله تعالى فيها، وجمع {دٰخِرُونَ } بالواو لأن من جملتها من يعقل، أو لأن الدخور من أوصاف العقلاء. وقيل المراد بـ {ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ } يمين الفلك وهو جانبه الشرقي لأن الكواكب تظهر منه آخذة في الارتفاع والسطوع وشماله هو الجانب الغربي المقابل له من الأرض، فإن الظلال في أول النهار تبتدىء من المشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض، وعند الزوال تبتدىء من المغرب واقعة على الربع الشرقي من الأرض.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء، ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها: جماداتها وحيواناتها، ومكلفوها من الإنس والجن، والملائكة، فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال، أي: بكرة وعشياً، فإنه ساجد بظله لله تعالى. قال مجاهد: إذا زالت الشمس، سجد كل شيء لله عز وجل، وكذا قال قتادة والضحاك وغيرهم، وقوله: {وَهُمْ دَاخِرُونَ} أي: صاغرون. وقال مجاهد أيضاً: سجود كل شيء فيئه، وذكر الجبال، قال: سجودها فيئها. وقال أبو غالب الشيباني: أمواج البحر صلاته، ونزلهم منزلة من يعقل، إذ أسند السجود إليهم، فقال: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ} كما قال: {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلأَصَالِ} تفسير : [الرعد: 15]. وقوله: {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي: تسجد لله، أي: غير مستكبرين عن عبادته {يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ} أي: يسجدون خائفين وجلين من الرب جل جلاله {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} أي: مثابرين على طاعته تعالى، وامتثال أوامره، وترك زواجره.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْء } له ظل كشجر وجبل {يَتَفَيَّؤُاْ} يتميل { ظِلَٰلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ } جمع (شمال) أي عن جانبيهما أول النهار وآخره {سُجَّدًا لِلَّهِ } حال أي خاضعين بما يراد منهم {وَهُمْ } أي الظلال {دٰخِرُونَ } صاغرون و نُزِّلُوا منزلة العقلاء.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظِلالُهُ} فيه أربعة أوجه: أحدها: يرجع ظلالُه، لأن الفيء الرجوع، ولذلك كان اسماً للظل بعد الزوال لرجوعه. الثاني: معناه تميل ظلاله، قاله ابن عباس. الثالث: تدور ظلاله، قاله ابن قتيبة. الرابع: تتحول ظلاله، قاله مقاتل. {عن اليمين والشمائل} فيه وجهان: أحدهما: يعني تارة إلى جهة اليمين، وتارة إلى جهة الشمال، قاله ابن عباس. لأن الظل يتبع الشمس حيث دارت. الثاني: أن اليمين أول النهار، والشمال آخر النهار، قاله قتادة والضحاك. {سجداً لله} فيه ثلاث تأويلات: أحدهما: أن ظل كل شيء سجوده، قاله قتادة. الثاني: أن سجود الظلال سجود أشخاصها، قاله الضحاك. الثالث: أن سجود الظلال كسجود الأشخاص تسجد لله خاضعة، قاله الحسن. ومجاهد. وقال الحسن: أما ظلك فيسجد لله، وأما أنت فلا تسجد لله، فبئس والله ما صنعت. {وهم داخرون} أي صاغرون خاضعون، قال ذو الرمة: شعر : فلم يبق إلا داخرُ في مخيس ومنحجر في غير أرضك حُجر تفسير : قوله عز وجل: {ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة} أما سجود ما في السموات فسجود خضوع وتعبد، وأما سجود ما في الأرض من دابة فيحتمل وجهين: أحدهما: أن سجوده خضوعه لله تعالى. الثاني: أن ظهور ما فيه من قدرة الله يوجب على العباد السجود لله سبحانه. وفي تخصيص الملائكة بالذكر، وإن دخلوا في جملة من في السموات والأرض وجهان: أحدهما: أنه خصهم بالذكر لاختصاصهم بشرف المنزلة فميزهم من الجملة بالذكر وإن دخلوا فيها. الثاني: لخروجهم من جملة من يدب، لما جعل الله تعالى لهم من الأجنحة فلم يدخلوا في الجملة، فلذلك ذكروا. وجواب ثالث: أن في الأرض ملائكة يكتبون أعمال العباد لم يدخلوا في جملة ملائكة السماء فلذلك أفردهم بالذكر. {وهم لا يستكبرون} يحتمل وجهين: أحدهما: لا يستكبرون عن السجود لله تعالى. الثاني: لا يستكبرون عن الخضوع لقدرة الله. {يخافون رَبَّهم من فوقهم} فيه وجهان: أحدهما: يعني عذاب ربهم من فوقهم لأن العذاب ينزل من السماء. الثاني: يخافون قدرة الله التي هي فوق قدرتهم وهي في جميع الجهات. {ويفعلون ما يؤمرون} فيه وجهان: أحدهما: من العبادة، قاله ابن عباس. الثاني: من الانتقام من العصاة.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَتَفَيَّؤُاْ ظِلالُهُ} يرجع، والفيء: الرجوع وبه سمى الظل بعد الزوال لرجوعه، أو يتميل "ع"، أو يدور، أو يتحول. {الْيَمِينِ وَالشَّمَآئِلِ} تارة جهة اليمين وتارة إلى جهة الشمال "ع"، أو اليمين أول النهار والشمال آخره {سُجَّداً} ظل كل شيء سجوده، أو سجود الظل بسجود شخصه، أو سجود الظلال كسجود الأشخاص تسجد خاضعة لله {دَاخِرُونَ} صاغرون خاضعون.
النسفي
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ } وبالتاء: حمزة وعلي وأبو بكر {إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ } «ما» موصولة بـ {خلق الله} وهو مبهم بيانه {مِن شَىْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلَـٰلُهُ } أي يرجع من موضع إلى موضع. وبالتاء: بصري {عَنِ ٱلْيَمِينِ } أي الأيمان {وَٱلْشَّمَآئِلِ } جمع شمال {سُجَّدًا لِلَّهِ } حال من الظلال. عن مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء {وَهُمْ دٰخِرُونَ } صاغرون وهو حال من الضمير في {ظلاله} لأنه في معنى الجمع وهو ما خلق الله من كل شيء له ظل. وجمع بالواو والنون لأن الدخور من أوصاف العقلاء، أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب. والمعنى أو لم يروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها أي ترجع الظلال من جانب إلى جانب، منقادة لله تعالى غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ والأجرام في أنفسها، داخرة أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله فيها غير ممتنعة {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ } «من» بيان لما في السماوات وما في الأرض جميعاً على أن في السماوات خلقاً يدبون فيها كما تدب الأناسي في الأرض، أو بيان لما في الأرض وحده والمراد بما في السماوات ملائكتهن، وبقوله {وَٱلْمَلَـئِكَةُ } ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم. قيل: المراد بسجود المكلفين طاعتهم وعبادتهم، وبسجود غيرهم انقيادهم لإرادة الله. ومعنى الانقياد يجمعهما فلم يختلفا فلذا جاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد. وجيء بـ «ما» إذ هو صالح للعقلاء وغيرهم ولو جيء بـ «من» لتناول العقلاء خاصة {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ } هو حال من الضمير في {لا يستكبرون} أي لا يستكبرون خائفين {مِّن فَوْقِهِمْ } إن علقته بـ {يخافون} فمعناه يخافونه أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم، وإن علقته بـ {ربهم} حالاً منه فمعناه يخافون ربهم غالباً لهم قاهراً كقوله {أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } تفسير : {[الانعام:61،18] وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } وفيه دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهي وأنهم بين الخوف والرجاء .
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ...} الآية: قوله: {مِن شَيْءٍ } لفظٌ عامٌّ في كلِّ شخصٍ وجرْمٍ له ظلٌّ كالجبال والشجر وغير ذلك، وفَاءَ الظِّلُّ رجَعَ، ولا يقالُ: الفيء إلاَّ مِنْ بعد الزوال؛ في مشهور كلام العرب، لكنْ هذه الآية: الاعتبار فيها من أول النَّهار إلى آخره فكأنَّ الآية جاريةٌ في بعْضٍ؛ على تجوُّز كلام العرب واقتضائه، والرؤية، هنا: رؤيةُ القَلْبُ ولكنَّ الاعتبار برؤية القلب هنا إنما تكونُ في مرئيَّات بالعينِ، و{عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ}؛ هنا: فيه تجوُّز وآتساعٌ، وذكَرَ الطبريُّ عن الضَّحِّاك، قال: إذا زالَتِ الشمْسُ، سَجَدَ كلّ شيء قِبَلَ القبْلة من نَبْت أو شجر؛ ولذلك كان الصالحُونَ يستحبُّون الصلاة في ذلك الوقْت. قال الداووديُّ: وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوَال تُحْسَبُ بِمِثْلِهِنَّ في صَلاَةِ السَّحَرِ » قَالَ: « وَلَيْسَ شَيْءٌ إِلاَّ يُسَبِّحُ للَّهِ تِلْكَ السَّاعَةَ »تفسير : وقرأ: {يَتَفَيَّأُ ظِلَـٰلُهُ...} الآية كلُّها. انتهى. و«الدَّاخر»: المتصاغر المتواضع. وقوله سبحانه: {يَخَـافُونَ رَبَّهُمْ }: عامٌّ لجميع الحيوانِ، و{مِّن فَوْقِهِم}: يريد: فوقية القَدْر والعَظَمة والقَهْر. وقوله سبحانه: {وَلَهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}: {ٱلسَّمَـٰوَاتِ} هنا: كلُّ ما ٱرتفَعَ مِنَ الخلق من جهة فَوْقُ، فيدخل في ذلك العرشُ والكرسيُّ وغيرهما، و{ٱلدِّينِ}: الطاعة والمُلْك، و«الواصب»: الدائم؛ قاله ابن عباس. ثم ذكَّر سبحانه بِنِعَمِهِ، ثم ذَكَّر بأوقاتِ المَرَضِ، وٱلتجاءِ العِباد إِليه سبحانه، و«الضُّرُّ»، وإِن كان يعمُّ كل مكروه، فأكثرُ ما يجيء عن أرزاء البَدَنِ، و{تَجْـئَرُونَ} معناه: ترفعون أصواتكم بٱستغاثة وتضرُّع.
ابن عادل
تفسير : قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} الآية قرأ الأخوان: "تَرَوْا" بالخطاب جرياً على قوله: "فإنَّ ربَّكُمْ". والباقون: بالياء جرياً على قوله: {أية : أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ} تفسير : [النحل: 45]. وأما قوله {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلطَّيْرِ}تفسير : [الملك: 19] فقراءة حمزة أيضاً بالخطاب، ووافقه ابن عامر فيه؛ فحصل من مجموع الآيتين: أنَّ حمزة بالخطاب فيهما، والكسائي بالخطاب في الأولى، والغيبة في الثانية، وابن عامر بالعكس، والباقون: بالغيبة فيهما. وأما توجيهُ الأولى فقد تقدم، وأما الخطاب في الثانية؛ فجرياً على قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} تفسير : [النحل: 78] وأمَّا الغيبة؛ فجرياً على قوله تعالى {أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 73] إلى آخره، وأمَّا تفرقة الكسائي، وابن عامرٍ بين الموضعين؛ فجمعاً بين الاعتبارين، وأنَّ كلاًّ منهما صحيح. فصل لمَّا خوَّف المشركين بأنواع العذاب المتقدمةِ، أردفه بما يدلُّ على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي، والسفلي؛ ليظهر لهم أنَّ مع كمال هذه القدرة القاهرة والقوة الغير متناهية، كيف يعجز عن إيصال العذاب إليهم؟ وهذه الرؤية لما كانت بصرية وصلت بـ "إلى"؛ لأن المراد بها الاعتبارُ، والاعتبار لا يكون بنفس الرؤية، حتى يكون مع النظر إلى الشيء الكامل في أحواله. قوله: {مِن شَيْءٍ} هذا بيان لـ "مَا" في قوله: {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ} فإنها موصولة بمعنى الذي. فإن قيل: كيف يبين الموصول وهو مبهم بـ "شيء" وهو مبهم؛ بل أبهم ممَّا قبله؟. فالجواب: أن شيئاً قد اتضح، وظهر بوصفه بالجملة بعده؛ وهي: "يَتفيَّؤ ظِلالهُ". قال الزمخشري: و "مَا" موصولة بـ "خَلقَ الله" وهو مبهمٌ؛ بيانه في قوله {مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ}. وقال ابن عطية: "مِنْ شيءٍ" لفظ عامٌّ في كل ما اقتضته الصفة من قوله: "يتَفيَّؤُ ظِلالهُ". فظاهر هاتين العبارتين: أن جملة "يَتَفيَّؤ ظِلالهُ" صفة لـ "شَيءٍ" فأما غيرهما؛ فإنه قد صرح بعدم كون الجملة صفة؛ فإنه قال: والمعنى: من كل شيءٍ له ظلٌّ من جبل، وشجر، وبناء، وجسم قائم، وقوله "يَتفيَّؤُ ظِلالهُ" إخبار من قوله "مِنْ شَيءٍ" ليس بوصف له، وهذا الإخبار يدلُّ على ذلك الوصف المحذوف الذي تقديره: هو له ظل. وفيه تكلف لا حاجة إليه، والصفة أبين و "مِنْ شيءٍ" في محل نصبٍ على الحالِ من الموصول، أو متعلق بمحذوف على جهة البيان؛ أعني: من شيء. والتَّفَيُّؤ: تَفعُّلٌ من فَاءَ يَفِيءُ، أي: رَجَعَ، و "فاء": قاصر فإذا أريد تعديته عدِّي بالهمزة كقوله {أية : مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} تفسير : [الحشر: 7] أو بالتضعيف نحو: فَيَّأ الله الظِّلَ فتَفيَّأ، وتَفيَّأ: مطاوع فَيَأ، فهو لازم، ووقع في شعر أبي تمَّامٍ متعدِّياً في قوله: [الكامل] شعر : 3312-........................ وتَفَيَّأتْ ظِلاَّلَهَا مَمْدُودَا تفسير : واختلف في الفيء، فقيل: هو مطلق الظل، سواء كان قبل الزوالِ، أو بعده، وهو الموافق لمعنى الآية ههنا. وقيل: ما كان قبل الزوال فهو ظلٌّ فقط، وما كان بعده فهو ظل وفيءٌ، فالظل أعم. يروى ذلك عن رؤبة بن العجَّاج، وأنكر بعضهم ذلك، وأنشد أبو [زيد] للنَّابغة الجعدي: [الخفيف] شعر : 3313- فَسلامُ الإلهِ يَغْدُو عَليْهِمْ وفُيُوءُ الفِرْدَوْسِ ذَاتِ الظِّلالِ تفسير : فأوقع لفظ "الفَيءِ" على ما لم تنسخه الشمس؛ لأن ظلَّ الجنة ما حصل بعد أن كان زائلاً بسبب ضوء الشمس. وقيل: بل تختصُّ الظلُّ: بما قبل الزوال، والفيء: بما بعده. قال الأزهري: تَفيُّؤ الظِّلال: رُجوعُهَا بعد انتِصَافِ النَّهارِ، فالتفيؤ: لا يكون إلا بالعشيِّ بعدما انصرفت عنه الشمس، والظل ما يكون بالغداةِ، وهو ما لم تنله الشمس؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 3314- فَلا الظِّلُّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعهُ ولا الفَيءُ مِنْ بَرْدِ العَشيِّ تَذُوقُ تفسير : وقال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 3315- تَيَمَّمتِ العَيْنَ الَّتي عِندَ ضَارِجٍ يَفِيءُ عليْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِ تفسير : وقد خطأ ابن قتيبة الناس في إطلاقهم الفيء على ما قبل الزوال وقال: إنما يطلق على ما بعده؛ واستدل بالاشتقاق؛ فإن الفيء هو الرجوع، وهو متحقق بما بعد الزَّوال [قال: وإنما يطلق على ما بعده]، فإن الظل يرجع إلى جهة المشرق بعد الزوال بعد ما نسخته الشمس قبل الزوالِ. وتقول العربُ في جمع فَيء: "أفْيَاء" للقليل، و "فُيُؤٌ" للكثير؛ كالبيوت، والعيون، وقرأ أبو عمرو "تَتفَيَّؤُ" بالتاء من فوق مراعاة لتأنيث الجمع، وبها قرأ يعقوب، والباقون بالياء لأنه تأنيث مجازي. وقرأ العامة: "ظِلاله" جمع ظلٍّ، وعيسى بن عمر "ظِلَلُه" جمع ظِلَة؛ كـ "غُرْفَة، وغُرَف". قال صاحب اللَّوامح في قراءة عيسى "ظِلَلُه": والظَّلَّة: الغَيْمُ: وهو جسم، وبالكسر: الفيء، وهو عرض فرأى عيسى: أنَّ التفيؤ الذي هو الرجوع بالأجسام أولى منه بالإعراض، وأما في العامة فعلى الاستعارةِ. قال الواحدي: "ظِلالهُ" أضاف الظلال إلى مفرد، ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال، وإنما حسن هذا؛ لأنَّ الذي يرجع إليه الضمير، وإن كان واحداً في اللفظ، وهو قوله تعالى {إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ} إلاَّ أنه كثير في المعنى؛ كقوله تعالى {أية : لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ} تفسير : [الزخرف: 13] فأضاف الظُّهور، وهو جمع إلى ضمير مفرد؛ لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة في المعنى، وهو قوله تعالى: {مَا تَرْكَبُونَ} انتهى. قوله تعالى: {عَنِ ٱلْيَمِينِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتعلق بـ "يَتفيَّؤُ" ومعناها المجاوزة أي: يتجاوز الظلال عن اليمين إلى الشمائل. الثاني: أنها متعلقة بمحذوف على أنها حال من "ظِلالهُ". الثالث: أنها اسم بمعنى جانب، فعلى هذا يبنتصب "إلى" على الظرف. وقوله: {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ} فيه سؤالان: أحدهما: ما المراد باليمين والشمائل؟. والثاني: كيف أفرد الأول، وجمع الثاني؟. وأجيب عن الأول بأجوبة: أحدها: أنَّ اليمين يمين الفلك؛ وهو المشرق، والشمائل شماله، وهو المغرب، وخصَّ هذان الجانبان؛ لأنَّ أقوى الإنسان جانباه؛ وهما يمينه وشماله، وجعل المشرق يميناً؛ لأن منه تظهر حركة الفلك اليومية. الثاني: البلدة التي عرضها أقلُّ من الميل تكونُ الشمس صيفاً عن يمين البلد فيقع الظل عن يمينهم. الثالث: أن المنصوب للعبرة كلُّ جرمٍ له ظلٌّ، كالجبل، والشجر، والذي يترتب فيه الأيمان، والشمائل، إنما هو البشر فقط، ولكن ذكر الأيمان، والشمائل، هنا على سبيل الاستعارة. الرابع: قال الزمخشريُّ: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ} من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها، وشمائلها عن جانبي كل واحد منها وشقَّيه استعارة من يمين الإنسان، وشماله لجانبي الشيء، أي: يرجع من جانب إلى جانب. وهذا قريب ممَّا قبله، وأجيب عن الثاني بأجوبة: أحدها: أن الابتداء يقع من اليمين، وهو شيءٌ واحدٌ؛ فلذلك وحد اليمين، ثم ينتقص شيئاً فشيئاً وحالاً بعد حال، فهو بمعنى الجمع، فصدق على كل حال لفظة الشمائل؛ فتعدُّد بتعدُّد الحالات، وإلى قريب منه نحا أبو البقاء - رحمه الله -. والثاني: قال الزمخشريُّ: واليمين بمعنى الأيمان، يعني أنَّه مفرد قائم مقام الجمع، وحينئذ فهما في المعنى جمعاً؛ كقوله تعالى {أية : وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45] أي الأدبار. الثالث: قال الفراء: لأنه إذا وحَّد ذهب إلى واحد من ذوات الظِّلال، وإذا جمع ذهب إلى كلِّها؛ لأن قوله تعالى {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} لفظه واحد، ومعناه الجمع، فعبر عن أحدهما بلفظ الواحد؛ كقوله تعالى {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} تفسير : [الأنعام: 1] وقوله عز وجل: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ} تفسير : [البقرة: 7]. الرابع: أنَّا إذا فسَّرنا اليمين بالمشرق؛ كانت النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها، فكانت اليمين واحدة، وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الظلال بعد وقوعها على الأرض، وهي كثيرة؛ فلذلك عبَّر عنها بصيغة الجمع. الخامس: قال الكرمانيُّ: "يحتمل أن يراد بالشمائل الشمال، والخلف، والقُدَّام؛ لأنَّ الظل يفيء من الجهات كلها، فبدأ باليمين؛ لأنَّ ابتداء الفيء منها، أو تيمُّناً بذكرها، ثم جمع الباقي على لفظة الشمال؛ لما بين اليمين، والشمال من التضادِّ، ونزَّل القدَّام والخلف منزلة الشمال؛ لما بينهما وبين اليمين من الخلاف". السادس: قال ابن عطية: "وما قال بعض الناس من أنَّ اليمين أول وقعةٍ للظل بعد الزوالِ، ثم الآخر إلى الغروب، هي عن الشمائلِ؛ ولذلك جمع الشمائل، وأفرد اليمين؛ فتخليطٌ من القول، ومبطل من جهات". وقال ابن عباسٍ - رضي الله عنهما -: "إذا صليتَ الفجر كان ما بين مطلع الشمس، ومغربها ظلاَّ، ثم بعث الله عليه الشمس دليلاً؛ فقبض إليه الظلَّ؛ فعلى هذا فأول دورة الشمس فالظلُّ عن يمين مستقبل الجنوب، ثم يبدأ الانحرافُ، فهو عن الشمائل؛ لأنه حركاتٌ كثيرة، وظلالٌ منقطعة، فهي شمائلُ كثيرة؛ فكان الظل عن اليمين متصلاً واحداً عامًّا لكل شيءٍ". السابع: قال ابن الضائع رحمه الله: "وجمع بالنظر إلى الغايتين؛ لأنَّ ظل الغداة يضمحلُّ حتى لا يبقى منه إلا اليسيرُ، فكأنه في جهة واحدة، وهي بالعشيِّ - على العكس - لاستيلائه على جميع الجهات، فلحظت الغايتان في الآية، هذا من جهة المعنى، وأما من جهة اللفظ، ففيه مطابقة؛ لأنَّ "سُجَّداً" جمع، فطابقه جمع الشَّمائل؛ لاتصاله به؛ فحصل في الآية مطابقة اللفظ للمعنى، ولحظهما معاً؛ وتلك الغاية في الإعجاز". قوله "سُجَّداً" حال من "ظِلالهُ"، وسُجَّداً جمع ساجدٍ، كشَاهِدٍ وشُهَّد ورَاكِع ورُكَّع. والسجودُ: الميل، يقال: سَجدتِ النَّخلةُ إذا مالتْ، وسَجدَ البَعيرُ إذَا طَأطَأ رأسه؛ وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 3316-........................ تَرَى الأكْمَ فِيهَا سُجَّداً للحَوافرِ تفسير : فالمراد بهذا السجود التواضعُ. واعلم أن انتقاص الظلِّ بعد كماله إلى غاية محدودة ثمَّ ازدياده بعد غاية نقصانه، وتنقله من جهة إلى أخرى على وفقِ تدبير الله، وتقديره بحسب الاختلافاتِ اليوميَّة الواقعة في شرق الأرض، وغربها، وبحسب الاختلافات الواقعة في طول السنة على وجه مخصوصٍ، وترتيب معيِّنٍ لا يكون إلا لكونها منقادة لله تعالى خاضعة لتقديره وتدبيره؛ فكان السجود عبارة عن تلك الحال. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: اختلاف هذه الظلال معلَّلٌ باختلاف سير الشمس لا لأجل تقدير الله؟. فالجوابُ: أنَّا وإن سلمنا ذلك، فمحرك الشمس بالحركة الخاصَّة ليس إلاَّ الله - تعالى - فدل على أنَّ اختلاف أحوال هذه الظلال لم يقع إلا بتدبير الله تعالى، وقيل: هذا سجود حقيقة؛ لأن هذه الظلال واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد، قال أبو العلاء المعرِّي، في صفة وادٍ: [الطويل] شعر : 3317- بِخَرْقٍ يُطِيلُ الجُنْحَ فِيهِ سُجودَهُ وللأرْضِ زِيّ الرَّاهبِ المُتعبِّدِ تفسير : فلمّا كان شكل الأظلال يشبه شكل الساجدين، أطلق عليه السجود، وكان الحسنُ يقول: أما ظلُّك، فسجد لربِّك، وأما أنت، فلا تسجد له؛ بئسما صنعت. وعن مجاهدٍ: ظلُّ الكافر يصلِّي، وهو لا يصلِّي، وقيل: ظلُّ كلِّ شيءٍ يسجد لله، سواء كان ذلك ساجداً لله، أم لا. قوله: {وَهُمْ دَاخِرُونَ} في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها حال من الهاء في "ظِلالهُ". قال الزمخشريُّ: "لأنه في معنى الجمع، وهو ما خلق الله من كلِّ شيءٍ له ظل، وجمع بالواو والنون؛ لأنَّ الدُّخورَ من أوصاف العقلاء، أو لأنَّ في جملة ذلك من يعقل فغلب". وقد ردَّ أبو حيَّان هذا بأن الجمهور لا يجيزون مجيء الحالِ من المضاف إليه، وهو نظير جَاءنِي غُلامُ هِندٍ ضَاحِكَةً، قال: "ومن أجاز مجيئها منه إذا كان المضاف جزءاً، أو كالجزءِ جوز الحالية منه هنا؛ لأنَّ الظل كالجزء؛ إذ هو ناشيء عنه". الثاني: أنها حال من الضمير المستتر في "سُجَّدًا" فهي حال متداخلة. الثالث: أنها حال من "ظِلالهُ" فينتصب عنه حالان، ثم لك في هذه الواو اعتباران: أحدهما: أن تجعلها عاطفة حالاً على مثلها، فهي عاطفة، وليست بواو حالٍ، وإن كان خلو الجملة الاسميَّة الواقعة حالاً من الواو قليلاً أو ممتنعاً على رأي، وممن صرح بأنها عاطفة: أبو البقاءِ. والثاني: أنها واوُ الحال، وعلى هذا فيقال: كيف يقتضي العامل حالين؟. فالجواب: أنه جاز ذلك؛ لأن الثانية بدلٌ من الأولى، فإن أريد بالسجود التَّذلل والخضوع، فهو بدل كل من كل، وإن أريد به [حقيقته]، فهو بدل اشتمالٍ، إذ السجود مشتمل على الدخور. ونظير ما نحن فيه: "جَاءَ زيْدٌ ضَاحِكاً وهو شاك" فقولك: "وهو شاك" يحتمل الحاليَّة من "زَيْدٍ" أو ضمير "ضَاحِكاً"، والدُّخورُ: التواضع؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 3318- فَلمْ يَبْقَ إلاَّ دَاخِرٌ في مُخَيَّسٍ ومُنْجَحِر في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ تفسير : وقيل: هو القهر والغلبة، ومعنى "داخرون" أذلاَّء صاغرين. قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} الآية قد تقدم أن السجود على نوعين: سجود كسجود الصلاة بوضع الجبهة على الأرض، وسجود هو انقياد وخضوع؛ فلهذا قال بعضهم: المراد بالسجود ههنا: الانقيادُ والخضوع؛ لأنه اللائق بالدابة. وقيل: السجود حقيقة؛ لأنه اللائق بالملائكة عليهم الصلاة والسلام. وقيل: السجود لفظ مشتركٌ بين المعنيين، وحمل اللفظ المشترك [على إفادة مجموع معنيين جائز، فيحمل لفظ السجود ههنا على المعنيين معاً، أما في حق الدابة فبمعنى التواضع، وأما في حق الملائكة فبمعنى السجود الحقيقي؛ وهذا ضعيف؛ لأن استعمال اللفظ المشترك] في جميع مفهوماته معاً غير جائز. قوله تعالى: {مِن دَآبَّةٍ} يجوز أن يكون بياناً لـ {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ويكون لله تعالى في سمائه خلق؛ يدبون كما يدبُّ الخلق الذي في الأرض، ويجوز أن يكون بياناً لـ {مَا فِي ٱلأَرْضِ} فقط. قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: هلاَّ جيء بـ "مَنْ" دون "ما" تغليباً للعقلاءِ على غيرهم؟. قلت: إنه لو جيءِ بـ "مَنْ" لم يكن فيه دليلٌ على التغليب، بل كان متناولاً للعقلاء خاصة، فجيء بما هو صالح للعقلاء، وغيرهم؛ إرادة للعموم". قال أبو حيَّان: "وظاهر السؤال تسليم أنَّ مَنْ قد تشتمل العقلاء، وغيرهم على جهة التغليب، وظاهر الجواب تخصيص "مَنْ" بالعقلاءِ، وأنَّ الصالح للعقلاء ما دون "مَنْ"، وهذا ليس بجوابٍ لأنه أورد السؤال على التسليم، ثمَّ أورد الجواب على غير التسليم، فصار المعنى أنَّ من يغلب بها؛ والجواب لا يغلب بها، وهذا في الحقيقة ليس بجواب". فصل قال الأخفش: قوله: "مِنْ دَابَّةٍ" يريد من الدَّواب، وأخبر بالواحدِ؛ كما تقول: ما أتَانِي من رجلٍ مثله، وما أتَانِي من الرِّجالِ مثلهُ. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "يريد كل دابَّة على الأرضِ". فإن قيل: ما الوجه في تخصيص الملائكة، والدواب بالذكر؟. فالجواب من وجهين: الأول: أنَّه تعالى بيَّن في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة لله - سبحانه وتعالى - وبين بهذه الآية أنَّ الحيوانات بأسرها منقادة لله - تعالى - لأن أخسَّها الدوابُّ، وأشرفها الملائكة - عليهم الصلاة والسلام - فلما بين في أخسها، وفي أشرفها كونها منقادة خاضعة لله - تعالى - كان ذلك دليلاً على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى. الثاني: قال حكماءُ الإسلام: الدابَّةُ: اشتقاقها من الدَّبيب، والدبيب عبارة عن الحركة الجسمانيَّة؛ فالدابة اسمٌ لكلِّ حيوان يتحرك ويدبُّ، فلما ميَّز الله الملائكة عن الدابة؛ علمنا أنَّها ليست مما يدبُّ؛ بل هي أرواحٌ محضةٌ مجردة، وأيضاً فإن الطيران بالجناح مغاير للدبيب؛ لقوله {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 38]. {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} يجوز أن تكون الجملة استئنافاً أخبر عنهم بذلك، وأن يكون حالاً من فاعل "يسجد". قوله "يَخَافُونَ" فيها وجهان: أن تكون مفسرة لعدم استكبارهم، كأنه قيل: ما لهم يستكبرون؟ فأجيب بذلك، ويحتمل أن يكون حالاً من فاعل "لا يَسْتَكْبِرُونَ"، ومعنى "يَخافُونَ ربَّهُمْ"، أي: عقابه. قوله: "مِنْ فَوْقِهِمْ" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه يتعلق بـ "يَخَافُونَ"، أي: يخافون عذاب ربهم كائناً من فوقهم فقوله "مِنْ فوقِهِمْ" صفة للمضاف، وهو عذابٌ، وهي صفة كاشفةٌ؛ لأن العذاب إنَّما ينزل من فوق. الثاني: أنه متعلق بمحذوفٍ على أنه حال من "رَبِّهمْ"، أي: يخافون ربَّهم عالياً عليهم علوَّ الرتبة والقدرة قاهراً لهم، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} تفسير : [الأنعام: 18]. فصل دلالة الآية على عصمة الملائكة دلت الآية على عصمة الملائكة عن جميع الذنوب؛ لأن قوله {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} يدلُّ على أنهم منقادون لخالقهم، وأنهم ما خالفوه في أمرٍ من الأمور، كقوله {أية : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} تفسير : [مريم: 64]، وقوله: {أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 27]، وكذلك قوله - جل وعز-: {أية : وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [التحريم: 6] وذلك يدل على أنهم فعلوا كلَّ ما أمروا به، فدل على عصمتهم عن كل الذنوب. فإن قيل: هب أن الآية دلت على أنَّهم فعلوا كلَّ ما أمروا به، فلم قلتم: إنها تدلُّ على أنهم تركوا كل ما نُهوا عنه؟. فالجواب: أنَّ كلَّ من نهى عن شيءٍ، فقد أمر بتركه؛ وحينئذ يدخل في اللفظ، فإذا ثبت بهذه الآية كون الملائكة معصومين من كلِّ الذنوب، وثبت أنَّ إبليس ما كان معصوماً من الذنوب، بل كان كافراً؛ لزم القطع بأنَّ إبليس ما كان من الملائكةِ، وأيضاً: فإنه - تعالى - قال في صفة الملائكة: {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ}، ثم قال عز وجل لإبليس {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} تفسير : [ص: 75] وقال: {أية : فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} تفسير : [الأعراف: 13] وثبت أنَّ الملائكة لا يستكبرون، وثبت أنَّ إبليس تكبَّر، واستكبر، فوجب أن لا يكون من الملائكة. وللخصم أن يجيب بأن إبليس لو لم يكن من الملائكة، لما ذمَّ على تركه المعهود من ترك مخالفة الأمرِ، ومن الاستكبار، فلما خالف الأمر، واستكبر، خرج من حيّز الملائكة، ولعن، وطرد؛ لأنه خالف المعهود من حاله. قال ابن الخطيب - رحمه الله - "ولما ثبت بهذه الآية وجوب عصمة الملائكة، ثبت أنَّ القصة الخبيثة التي يذكرونها في حقِّ هاروت وماروت باطلة، فإن الله - تبارك وتعالى - وهو أصدق القائلين لما شهد في هذه الآية على عصمة الملائكة وبراءتهم من كل ذنبٍ؛ وجب القطع بأن تلك القصة باطلة كاذبة". واحتجَّ الطاعنون في عصمة الملائكة بهذه الآية فقالوا: إنَّ الله - تعالى - وصفهم بالخوف، ولولا أنهم يجوِّزون من أنفسهم الإقدام على الذنوب، وإلاَّ لم يحصل الخوفُ والجواب من وجهين: الأول: أنه - تعالى - حَذَّرهم من العقاب؛ فقال {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء: 29] فللخوف من العذاب يتركون الذنب. الثاني: أن ذلك الخوف خوف الإجلال؛ هكذا نقل عن ابن عباس؛ كقوله تعالى {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} تفسير : [فاطر: 28] وكقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إنِّي لأخْشَاكُم للهِ" تفسير : حين قالوا له وقد بكى: أتَبْكِي وقد غَفرَ الله لَكَ مَا تقدَّم من ذَنْبِكَ وما تَأخَّر؟. وهذا يدلُّ على أنه كلَّما كانت معرفة الله أتمَّ، كان الخوف منه أعظم. وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والكبرياء. فصل في استدلال المشبهة بالآية والرد عليهم استدل المشبهة بقوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} على أنه - تعالى - فوقهم بالذات. والجواب: أن معناه: يخافون ربَّهم؛ من أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم، وإذا احتمل اللفظ هذا المعنى؛ سقط استدلالهم، وأيضاً يجب حمل هذه الفوقية على الفوقية بالقدرة، والقهر والغلبة؛ لقوله تعالى: {أية : وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 127]. ويقوِّي هذا الوجه أنه تعالى قال: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} فوجب أن يكون المقتضي لخوفهم هو كون ربِّهم فوقهم؛ لأنَّ الحكم المرتب على وصف يشعر بكون ذلك الحكم معلَّلاً بذلك الوصف، وهذا التعليل، إنَّما يصح إذا كان المراد بالفوقية، القهر والقدرة؛ لأنَّها هي الموجبة للخوف، وأما الفوقية بالجهة، والمكان، فلا توجب الخوف؛ لأنَّ حارس البيت فوق الملك بالمكان والجهة مع أنَّه أخسُّ عبيده. فصل في أن الملك أفضل من البشر تمسك قومٌ بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر من وجوه: الأول: قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} وقد تقدم أنَّ تخصيص هذين النوعين بالذكر، إنَّما يحسن إذا كان أحد الطرفين أخسَّ المراتب، وكان الطرف الثاني أشرفها، حتَّى يكون ذكر هذين الطرفين منبهاً على الباقي، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون الملائكة أشرف خلق الله - عز وجل-. الثاني: أن قوله {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} يدلُّ على أنه ليس في قلوبهم تكبر، وترفع، وقوله تعالى: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} يدل على أنَّ أعمالهم خالية عن الذنب، و المعصية، فمجموع هذين الكلامين يدلُّ على أنَّ بواطنهم، وظواهرهم، مبرأةٌ عن الأخلاق الفاسدة، والأفعال الباطلة، وأما البشر، فليسوا كذلك ويدلُّ عليه القرآن والخبر. أما القرآن فقوله تعالى: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} تفسير : [عبس: 17] وهذا الحكم عامٌّ في الإنسان، وأقلُّ مراتبه أن تكون طبيعة الإنسان مقتضية لهذه الأحوال الذَّميمة. وأما الخبر، فقوله عليه الصلاة والسلام-: "حديث : مَا منَّأ إلاَّ وقدْ عصى أو هَمَّ بِمعْصِيةٍ غير يَحْيَى بن زكريَّا ". تفسير : ونعلم بالضرورة أن المبرَّأ عن المعصية، ومن لم يهمَّ بها أفضل ممَّن عصى، أو همَّ بها. الثالث: أنَّ الله - تعالى - خلق الملائكة - عليهم الصلاة والسلام - قبل البشر بأدوار متطاولة، وأزمان ممتدة، ثم إنه - تعالى - وصفهم بالطاعة، والخضوع، والخشوع طول هذه المدَّة، وطول العمر مع الطاعة يوجب مزيد الفضيلة لوجهين: الأول: قوله - صلوات الله وسلامه عليه -: "حديث : الشَّيخ في قَومِه كالنَّبيِّ في أمَّتهِ" تفسير : فضَّل الشيخ على الشابّ؛ وما ذاك إلاَّ لأنَّه لما كان عمره أطول، فالظاهر أنَّ طاعته أكثر؛ فكان أفضل. والثاني: قوله - عليه الصلاة والسلام-: "حديث : مَنْ سَنَّ سُنَّة حَسنةً فلهُ أجْرهَا وأجْرُ من عَملَ بها إلى يَوْمِ القِيامَةِ" تفسير : فلما كان شروع الملائكة في الطاعات قبل شروع البشر فيها، لزم أن يقال: إنهم هم الذين سنُّوا هذه السنة، وهي طاعة الخالق، والبشر إنما جاءوا بعدهم، واستنُّوا بسُنَّتهِم؛ فوجب بمقتضى هذا الخبر أن كلَّ ما حصل للبشر من الثواب، فقد حصل مثله للملائكةِ، ولهم ثواب القدر الزائد من الطاعة؛ فوجب كونهم أفضل. قوله تعالى: {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ} الآية لمَّا بين أن كلَّ ما سوى الله فهو منقادٌ لجلاله وكبريائه، أتبعه في هذه الآية بالنهي عن الشرك، وبأن كل ما سواه، فهو ملكه؛ وأنه غنيٌّ عن الكل. قوله تعالى: "اثْنَيْنِ" فيه قولان: أحدهما: أنه مؤكد لـ "إلهَيْنِ" وعليه أكثر الناس، و "لا تتَّخِذُوا" على هذا يحتمل أن تكون متعدية لواحدٍ، وأن تكون متعدية لاثنين، والثاني منهما محذوف، أي: لا تتخذوا اثنين إلهين، وفيه بعدٌ. وقال أبو البقاءِ: "هو مفعولٌ ثانٍ". وهذا كالغلط؛ إذ لا معنى لذلك ألبتة. وكلام الزمخشريِّ هنا يفهم أنَّه ليس بتأكيد؛ فإنه قال: "فإن قلت: إنَّما جمعوا بين العدد، والمعدود؛ فيما وراء الواحد والاثنين، فقالوا: عندي رجال ثلاثة، وأفراسٌ أربعةٌ؛ لأنَّ المعدود عارٍ عن الدَّلالةِ عن العدد الخاص، فأمَّا رجلٌ ورجلان، وفرسٌ وفرسان؛ فمعدودان فيهما دلالة على العدد؛ فلا حاجة إلى أن يقال: رجل واحد، ورجلان اثنان، فما وجه قوله تعالى: {إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ}؟. قلت: الاسم الحامل لمعنى الإفراد، والتثنية دال على شيئين، على الجنسية، والعدد المخصوص، فإذا أريدت الدلالة على أنَّ المعنيَّ به منهما، والذي يساق إليه الحديث هو العدد شفع بما يؤكد العدد، فدلَّ به على القصد إليه، والعناية به، ألا ترى أنك لو قلت: "إنَّما هُوَ إلهٌ"، ولم تؤكده بواحدٍ لم يحسن، وخُيِّلَ أنك أثبت الإلهية، لا الواحدانيَّة". وقال أبو حيَّان رحمه الله: "لما كان الاسمُ الموضوع للإفراد، والتثنية قد يتجوَّز فيه؛ فيراد به [الجنس]؛ نحو: نِعْمَ الرَّجلُ زَيْدٌ، ونِعْمَ الرَّجلانِ الزيدان. وقول الشاعر: [الوافر] شعر : 3319- فإنَّ النَّارَ بالعُودَيْنِ تُذْكَى وإنَّ الحَرْبَ أوَّلُهَا الكَلامُ تفسير : أكد الوضوع لهما بالوصف، فقيل: إلهَيْنِ اثْنَينِ، وقيل: إلهٌ واحدٌ". فصل قال ابن الخطيب: الفائدة في قوله: "اثْنَيْنِ": أن الشيء إذا كان مستنكراً مستقبحاً، فإذا أريد المبالغة في التنفير عنه عبر عنه بعبارات كثيرة ليصير توالي تلك العبارات سبباً لوقوف العقل على قبحه، والقول بوجودِ إلهين مستقبحٌ في العقول؛ فإنَّ أحداً من العقلاءِ لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجودِ، والعدمِ، وصفات الكمال فالمقصود من تكرير "اثْنَيْنِ" تأكيدُ التنفير عنه، وتوقيف العقل على ما فيه من القبح، وأيضاً فقوله "إلهَيْنِ" لفظ واحد يدل على أمرين: ثُبوتِ الإلهِ، وثبوتِ التعددِ. فإذا قيل: {لاَ تَتَّخِذُواْ إِلَـٰهَيْنِ} لم يفهم من هذا اللفظ أنَّ النهي، وقع عن إثبات الإله، وعن إثبات التعدد، وعن مجموعهما، فلما قال: {لاَ تَتَّخِذُواْ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ} ظهر أن قوله: "لا تَتَّخِذُوا" نهيٌ عن إثبات التعدد فقط، وأيضاً فإنَّ التثنية منافية للإلهية، وتقريره من وجوه: الأول: أنَّا لو فرضنا موجودين، يكون كل واحدٍ منهما واجباً لذاته؛ لكانا مشتركينِ في الوجوب الذاتي، ومتباينين بالتعيين، وما به المشاركة، غير ما به المباينة؛ فكلُّ واحدٍ منهما مركبٌ من جزءين، وكل مركَّب فهو ممكنٌ؛ فثبت أنَّ القول بأن واجب الوجود أكثر من واحدٍ ينفي القول بكونهما واجبي الوجودِ. الثاني: أنَّا لو فرضنا إلهين، وحاول أحدهما تحريك جسم، والآخر تسكينه؛ امتنع كون أحدهما أولى بالفعل من الثاني؛ لأنَّ الحركة الواحدة والسكون الواحد، لا يقبل القسمة أصلاً، ولا التفاوت أصلاً؛ وإذا كان كذلك امتنع أن تكون القدرة على أحدهما أكمل من القدرة على الثاني؛ وإذا ثبت هذا، امتنع كون إحدى القدرتين أولى بالتأثير من الثانية، وإذا ثبت هذا، فإمَّا أن يحصل مراد كل منهما، وهو محال، أو لا يحصل مراد كلِّ واحدٍ منهما ألبتَّة؛ وحينئذٍ يكون كل واحدٍ منهما عاجزاً؛ والعاجز لا يكون إلهاً. فثبت أن كونهما اثنين ينفي كون كل واحد منهما إلهاً. الثالث: لو فرضنا إلهين اثنين، لكان إمَّا أن يقدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر، أو لا يقدر، فإن قدر؛ فذلك الآخر ضعيفٌ، وإن لم يقدر، فهو ضعيفٌ. الرابع: أن أحدهما: إمَّا أن يقوى على مخالفة الآخر، أو لا يقوى عليه، فإن لم يقو عليه، فهو ضعيف، وإذا قوي عليه، فالأول المغلوبُ ضعيف؛ فثبت أنَّ الاثنينيَّة والإلهية متضادان. فالمقصود من قوله {لاَ تَتَّخِذُواْ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ} هو التنبيه على حصول المنافاة، والمضادة بين الإلهية، وبين الاثنينية. ولما ذكر هذا الكلام قال: {إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}، أي: إنه لمَّا دل الدليل على أنَّه لا بد للعالم من الإله، وثبت أنَّ القول بوجود إلهين محالٌ؛ ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد. ثم قال {فَإيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ} وهذا رجوعٌ من الغيبة إلى حضور، والتقدير: أنه لما ثبت أنَّ الإله واحد، وأنَّ المتكلم بهذا الكلام إلهٌ؛ ثبت حينئذٍ أنَّه لا إله للعالم إلاَّ المتكلم بهذا الكلام، فحينئذ يحسن منه أن يعدل من الغيبة إلى الحضور؛ ويقول: {فَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ}. قوله تعالى: {فَإِيَّٰيَ} منصوب بفعلٍ مضمرٍ مقدَّر بعده، يفسره هذا الظاهر، أي: إيَّاي ارهبوا فارهبون، وقدَّرهُ ابن عطيَّة: ارهبوا إيَّاي، فارهبون. قال أبو حيَّان: وهو ذهولٌ عن القاعدة النحوية؛ وهي أنَّ المفعول إذا كان ضميراً متصلاً، والفعل متعدِّ لواحدٍ، وجب تأخيرُ الفعل؛ نحو: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تفسير : [الفاتحة: 5] ولا يجوز أن يتقدم إلاَّ في ضرورة؛ كقوله: [الرجز] شعر : 3320- إليْكَ حَتَّى بَلغَتْ إيَّاكا تفسير : وقد مرَّ تقريره أول البقرة. وقد يجابُ عن ابن عطيَّة: بأنه لا يقبحُ في الأمور التقديريَّة ما يقبحُ في اللفظيَّة. وفي قوله: "إيَّاي" التفاتٌ من غيبة؛ وهي قوله "وقَالَ اللَّهُ" إلى تكلم، وهو قوله "فإيَّاي" ثم التفت إلى الغيبة أيضاً، في قوله تعالى: {وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. فصل قوله "فارْهَبُونِ" يفيد الحصر، وهو أنَّه لا يرهب الخلق إلاَّ منه، ثم قال: {وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. قال ابن عطية: "والواو في قوله: {وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} عاطفة على قوله "إلهٌ واحدٌ"، ويجوز أن تكون واو ابتداءٍ". قال أبو حيَّان: "ولا يقال: واو ابتداءٍ إلاَّ لواو الحال، ولا يظهر هنا الحال". قال شهابُ الدين: وقد يطلقون واو ابتداء، ويريدون بها واو الاستئناف؛ أي: التي لم يقصد بها عطف ولا تشريك، وقد نصُّوا على ذلك؛ فقالوا: قد يؤتى بالواو أول الكلام، من غير قصدٍ إلى عطفٍ، واستدلوا على ذلك بإتيانهم بها في أول أشعارهم وهو كثيرٌ جدًّا. ومعنى قوله: "عاطفة على قوله: إلهٌ واحدٌ" أي: أنها عطفت جملة على مفرد، فيجب تأويلها بمفردٍ؛ لأنها عطفت على الخبر؛ فيكون خبراً، ويجوز - على كونها عاطفة - أن تكون عاطفة على الجملة بأسرها، وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}. وكأن ابن عطية - رحمه الله - قصد بواو الابتداء هذا؛ فإنَّها استئنافيةٌ. فصل قال أهل السنة: هذه الآية تدل على أنَّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لأنَّها من جملة ما في السماوات والأرض، وليس المراد من كونها لله، أنَّها مفعولة لأجله، ولطاعته؛ لأنَّ فيها المباحاتِ، والمحظورات التي يؤتى بها، لغرضِ الشَّهوةِ، واللَّذةِ، لا لغرضِ الطاعة؛ فوجب أن يكون المراد من كونها لله تعالى أنَّها واقعة بتكوينه وتخليقه. قوله: {وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً} حال من "الدِّينُ" والعامل فيها الاستقرار المتضمن الجارَّ الواقع خبراً، والواصبُ: الدَّائمُ؛ قال حسَّان: [المديد] شعر : 3321- غَيَّرتهُ الرِّيحُ تَسْفِي بِهِ وهَـزِيـمٌ رَعْـدهُ وَاصـِبُ تفسير : وقال ابو الأسود: [الكامل] شعر : 3322- لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَليلَ بَقاؤهُ يَوْماً بِذمِّ الدَّهْرِ أجْمعَ وَاصِبَا تفسير : والواصب: العليل لمداومةِ السقم له؛ قال تعالى: {أية : وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ}تفسير : [الصافات: 9] أي: دائمٌ، وقيل: من الوصبِ، وهو التَّعب؛ ويكون حينئذٍ على النسب، أي: ذا وَصَبٍ؛ لأنَّ الدِّين فيه تكاليف، ومشاقٌّ على العباد؛ فهو كقوله: [المتقارب] شعر : 3323-....................... أضْحَى فُؤادِي بِهِ فَاتِنَا تفسير : أي: ذا فُتونٍ، وقيل: الواصب: الخالص، ويقال: وصَب الشَّيءُ، يَصِبُ وصُوباً، إذا دام، ويقال واظَبَ على الشَّيءِ، وَواصَبَ عليه إذا دَامَ، ومَفازَةٌ واصِبَةٌ، أي: بعيدة، لا غاية لها. وقال ابن قتيبة: ليس من أحدٍ يدان له، ويطاع إلاَّ انقطع ذلك بسبب في حال الحياة، أو بالموتِ إلا الحقَّ - سبحانه وتعالى - فإنَّ طاعته دائمة لا تنقطع. قال ابنُ الخطيب: وأقولُ: الدين قد يعنى به الانقياد؛ يقال: يا من دَانتْ لهُ الرِّقَابُ، أي: انقادت لذاته، أي: وله الدينُ واصِباً، أي: انقياد كل ما سواه له لازمٌ أبداً؛ لأنَّ انقياد غيره له معلَّل، بأنَّ غيره ممكنٌ لذاته، والممكن لذاته يلزم أن يكون محتاجاً إلى السبب، في طرفي الوجود، والعدمِ، فالماهيَّات يلزمها الإمكان لزوماً ذاتيًّا والإمكان يلزمه الاحتياج إلى المؤثر لزوماً ذاتيًّا، ينتج أنَّ الماهيات يلزمها الاحتياج إلى المؤثِّر لزوماً ذاتيًّا، فهذه [الماهيات] موصوفة بالانقياد لله - تعالى - اتصافاً، دائماً، واجباً، لازماً، ممتنع التَّغير. ثم قال {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ}، أي: تخافون؛ استفهام على طريق الإنكارِ، أي: أنكم بعد ما عرفتم أن إله العالم واحد، وأن كلَّ ما سواه محتاجٌ إليه، في حدوثه وبقائه، فبعد العلم بهذه الأصول، كيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة في غير الله أو رهبة من غير الله؟!. قوله تعالى: {وَمَا بِكُم} يجوز في "مَا" وجهان: أحدهما: أن تكون موصولة، والجارُّ صلتها، وهي مبتدأ، والخبر قوله: "فَمِنَ اللهِ" والفاء زائدة في الخبر؛ لتضمن الموصول معنى الشرط، تقديره: والذي استقرَّ بكم، و "مِنْ نِعْمَةٍ" بيانٌ للموصولِ. وقدَّر بعضهم متعلق "بِكُمْ" خاصًّا، فقال: "ومَا حَلَّ بِكُمْ أو نَزلَ بِكُمْ". وليس بجيِّد؛ إذ لا يقدر إلاَّ كوناً مطلقاً. الثاني: أنها شرطية، وفعل الشرط بعدها محذوف، وإليه نحا الفراء، وتبعه الحوفيُّ وأبو البقاء. قال الفرَّاء: التقدير "وما يكن بكم". وقد ردَّ هذا؛ بأنَّه لا يحذف فعلٌ إلا بعد "إنْ" خاصَّة في موضعين: أحدهما: أن يكون من باب الاشتغال؛ نحو {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} تفسير : [التوبة: 6] لأن المحذوف في حكم المذكور. الثاني: أن تكون "إن" متلوة بـ "لا" النافية، وأن يدلَّ على الشرط ما تقدَّمه من الكلام؛ كقوله: [الوافر] شعر : 3324- فَطلِّقْهَا فَلسْتَ لهَا بِكُفءٍ وإلاَّ يَعْلُ مَفرِقكَ الحُسَامُ تفسير : أي: وإلا تطلقها، فحذف؛ لدلالة قوله "فَطلِّقْهَا" عليه. فإن لم توجد "لا" النافية، أو كانت الأداة غير "إنْ" لم تحذف إلا ضرورة، مثال الأول قول الشاعر: [الرجز] شعر : 3325- قَالتْ بَناتُ العَمِّ: يَا سَلمَى وإنْ كَانَ فَقِيراً مُعْدماً؛ قالتْ: وإنْ تفسير : أي: وإن كان فقيراً راضية؛ ومثال الثاني قول الشاعر: [الرمل] شعر : 3326- صَعْدَةٌ نَابتَةٌ في حَائرٍ أيْنمَا الرِّيحُ تُمَيِّلهَا تَمِلْ تفسير : وقول الآخر: [الخفيف] شعر : 3327- فَمَتى وَاغِلٌ يَنُبْهُمْ يُحَيُّو هُ وتُعْطَفْ عَليْهِ كَأسُ السَّاقِي تفسير : فصل لما بيَّن أنَّ الواجب على العاقل أن لا يتَّقي غير الله، بين ههنا أنه يجب عليه أن لا يشكر أحداً إلا الله تعالى؛ لأنَّ الشكر إنما يلزم على النعمةِ، وكلُّ نعمةٍ تحصل للإنسانِ، فهي من الله تعالى، لقوله {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ}. واحتجُّوا على أن الإيمان حصل بتخليقِ الله بهذه الآية؛ فقالوا: الإيمانُ نعمة وكلُّ نعمة فهي من الله، فالإيمان من الله تعالى، وأيضاً: فالنعمة عبارة عن كل ما ينتفع به، وأعظم الأشياء نفعاً هو الإيمان، فثبت أنَّ الإيمان نعمةٌ، وكل نعمة فهي من الله؛ لقوله {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} وهذا اللفظ يفيد العموم، وأيضاً: فالموجود إمَّا واجب لذاته، وهو الله - تعالى - وإما ممكنٌ لذاته، والممكن لذاته، لا يوجد إلا لمرجح؛ إن كان واجباً لذاته، كان حصول ذلك الممكن بإيجادِ الله - تعالى - وإن كان مُمْكِناً لذاته، عاد التقسيمُ الأول فيه والتسلسل؛ وهو محال، فلا بدَّ أن ينتهي إلى إيجاد الواجب لذاته؛ فثبت بهذا أنَّ كل نعمة فهي من الله. واعلم أنَّ النعم: إمَّا دينيَّة أو دنيويَّة، أما النعمُ الدينية: فهي إمَّا معرفة الحقِّ لذاته، وإما معرفة الخير؛ لأجل العمل به، وأما النعمُ الدنيوية فهي: إمَّا نفسانية، وإما بدنيةٌ، وإما خارجية، وكل واحدٍ من هذه الثلاثة جنس تحته أنواع خارجة عن الحصر والتحديد؛ كما قال: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34] انتهى. قوله: {إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ} قال ابن عباسٍ - رضي الله عنهما-: يريد الأسقام، والأمراض، والقحط، والحاجة. [قوله]: {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} الفاء جواب "إذَا" والجُؤارُ: رفع الصَّوت؛ قال رؤبة يصف راهباً: [المتقارب] شعر : 3328- يُداوِمُ من صَلواتِ المَلِيـ ـكِ طَوْراً سُجُوداً وطَوْراً جُؤار تفسير : ومنهم من قيَّده بالاستغاثة؛ وأنشد الزمخشريُّ: [الكامل] شعر : 3329 - جَأّرُ سَاعَاتِ النِّيامِ لِربِّهِ ................ تفسير : وقيل: الجُؤارُ: كالخُوارِ، جَأرَ الثَّوْرُ، وخَارَ: واحِدٌ، إلاَّ أنَّ هذا مهموز العين، وذلك مُعتلها. وقال الراغب: "جَأرَ إذا أفْرطَ في الدُّعاءِ، والتَّضرُّعِ تَشْبِيهاً بجُؤارِ الوحشيات" وقرأ الزهري: "تَجَرُونَ" محذوف الهمزة، وإلقاء حركتها على الساكن قبلها، كما قرأ نافع: "رِداً" في {أية : رِدْءاً} تفسير : [القصص: 34]. ومعنى الآية: أنَّه - تعالى - بيَّن أن جميع النِّعم من الله، ثم إذا اتفق لأحدٍ مضرةٌ تزيل تلك النعم؛ فإلى الله يستغيث؛ لعلمه بأنَّه لا مفزع للخلق إلا الله، فكأنه - تعالى- قال لهم: فأين أنتم عن هذه الطريقة في حال الرخاءِ، والسلامة. قوله: {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ} "إذَا" الأولى شرطية، والثانية: فجائية جوابها، وفي الآية دليل على أنَّ "إذَا" الشرطية لا تكون معمولة لجوابها؛ لأنَّ ما بعد "إذَا" الفجائية لا يعمل فيما قبلها. [وقرأ قتادة]: "كَاشِفٌ" على فاعل. قال الزمخشريُّ: "بمعنى "فعل" وهو أقوى من "كَشَف" لأن بناء المغالبة يدل على المبالغة". قوله: "مِنْكُمْ" يجوز أن يكن صفة لـ "فَرِيقٌ"، و "مِنْ" للتبعيض، ويجوز أن يكون للبيان، قال الزمخشريُّ: "كأنه قال: إذا فريقٌ كافرٌ، وهم أنتم". فصل بين - تعالى - أنَّ عند كشف الضرِّ، وسلامة الأحوال، يفترقون: فريق منهم يبقى على ما كان عليه عند الضَّراء، أي: لا يفزع إلاَّ إلى الله، وفريق منهم يتغيَّرون فيشركون بالله - تعالى - غيره؛ وهذا جهلٌ وضلالٌ؛ لأنَّه لما شهدت فطرته الأصليَّة عند نزول البلاءِ، والضرِّ في ألاَّ يفزع إلا إلى الله، ولا يستغاث إلا بالله - فعند زوال البلاءِ يجب ألاَّ يزول عن ذلك الاعتقاد؛ ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ} تفسير : [لقمان: 13]. قوله: {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَاهُمْ} في هذه اللام ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن تكون لام كي، وهي متعلقة بـ "يُشْرِكُونَ"، أي: أن إشراكهم سببه كفرهم به. الثاني: أنَّها لام الصَّيرورةِ، أي: صار أمرهم إلى ذلك. الثالث: أنَّها لام الأمر، وإليه نحا الزمخشريُّ. وقرأ ابو العالية، ورواها مكحول عن أبي رافعٍ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم "فيُمْتَعُوا" بضمِّ الياءِ من تحت، ساكن الميم، مفتوح الياء مضارع "مُتِعَ" مبنيًّا للمفعول، "فسَوْفَ يَعْلمُونَ" بالياء من تحت أيضاً، وهذا المضارع في هذه القراءة، يجوز أن يكون حذف منه النون فيه؛ إما للنصب، عطفاً على "لِيَكْفُروا" وإن كانت لام "كي"، أو للصيرورة، وإما للنصب أيضاً، ولكن على جواب الأمر إن كانت اللام للأمر، ويجوز أن يكون حذفها للجزم؛ عطفاً على "لِيَكْفرُوا" وإن كانت للأمر أيضاً. فصل قال بعض المفسرين: هذه لام العاقبة؛ كقوله تعالى: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8] يعني: أنَّ عاقبته تلك التضرعات، ما كانت إلا هذا الكفر. والمراد بقوله: "بِمَا ءَاتَيْناهُمْ" كشف الضرِّ، وإزالة المكروه، وقيل: المراد به القرآن وما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم من النبوة والشرائع. ثمَّ توعَّدهم فقال: "فتَمتَّعُوا"، [والمراد منه التهديد]؛ كقوله {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29] وقوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أمركم، وما ينزل بكم من العذاب.
ابو السعود
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} استفهامٌ إنكاريّ، وقرىء على صيغة الخِطاب والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقامُ أي ألم ينظروا ولم يرَوا متوجهين {إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْء} أي من كل شيء {يَتَفَيَّأُ ظِلَـٰلهُ} أي يرجِع شيئاً فشيئاً حسبما يقتضيه إرادةُ الخالق تعالى، فإن التفيّؤَ مطاوِعُ الإفاءةِ، وقرىء بتأنيث الفعل {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ} أي ألم يرَوا الأشياءَ التي لها ظلالٌ متفيِّئةٌ عن أيْمانها وشمائلِها أي عن جانبـي كل واحد منها، استُعير لهما ذلك من يمين الإنسانِ وشمالِه {سُجَّدًا لِلَّهِ} حالٌ من الظلال كقوله تعالى: { أية : وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ} تفسير : [الرعد، الآية 15] والمرادُ بسجودها تصرّفُها على مشيئة الله وتأتّيها لإرادته تعالى في الامتداد والتقلصِ وغيرِهما غيرَ ممتنعةٍ عليه فيما سخرها له، وقوله تعالى: {وَهُمْ دٰخِرُونَ} أي صاغرون منقادون، حال من الضمير في ظلاله والجمعُ باعتبار المعنى وإيرادُ الصيغةِ الخاصة بالعقلاء لما أن الدخورَ من خصائصهم، والمعنى ترجِع الظلالُ من جانب إلى جانب بارتفاع الشمس وانحدارِها أو باختلاف مشارقِها ومغاربها فإنها كلَّ يوم من أيام السنة تتحرك على مدار معينٍ من المدارات اليومية بتقدير العزيزِ العليم، منقادةٌ لما قُدّر لها من التفيّؤ أو واقعةٌ على الأرض ملتصقةٌ بها على هيئة الساجد، والحالُ أن أصحابها من الأجرام داخرةٌ منقادةٌ لحكمه تعالى، ووصفُها بالدخور مغنٍ عن وصف ظلالِها به، وكلاهما حالٌ من الضمير المشار إليه، والمعنى ترجع ظلالُ تلك الأجرامِ حالَ كونها منقادةً لله تعالى داخرةً، فوصفُها بهما مغنٍ عن وصف ظلالِها بهما، ولعل المرادَ بالموصول الجماداتُ من الجبال والأشجارِ والأحجارِ التي لا يظهر لظلالها أثرٌ سوى التفيّؤِ بما ذُكر من ارتفاع الشمسِ وانحدارِها أو اختلافِ مشارقها ومغاربها، وأما الحيوانُ فظلُّه يتحرك بتحركه، وقيل: المرادُ باليمين والشمائل يمينُ الفَلكِ وهو جانبُه الشرقيُّ لأن الكواكبَ منه تظهر آخذةً في الارتفاع والسطوعِ، وشمالُه وهو جانبُه الغربـيُّ المقابل له فإن الظلال في أول النهار تبتدىء من الشرق واقعةً على الرُّبع الغربـي من الأرض، وعند الزوالِ تبتدىء من الغرب واقعةً على الربع الشرقي منها، وبعد ما بُـيّن سجودُ الظلالِ وأصحابِها من الأجرام السفلية الثابتة في أخبارها ودخورُها له سبحانه وتعالى شُرع في بـيان سجودِ المخلوقات المتحركة بالإرادة سواء كانت لها ظلال أو لا فقيل: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ} أي له تعالى وحده يخضع وينقاد لا لشيء غيرِه استقلالاً أو اشتراكاً، فالقصرُ ينتظم القلبَ والإفراد إلا أن الأنسب بحال المخاطبـين قصرُ الإفراد كما يؤذن به قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ } تفسير : [النحل، الآية 51] {مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ} قاطبة {وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} كائناً ما كان {مِن دَابَّةٍ} بـيانٌ لما في الأرض، وتقديمُه لقلته ولئلا يقعَ بـين المبـين والمبـين فصلٌ، والإفرادُ مع أن المرادَ الجمعُ لإفادة وضوحِ شمولِ السجود لكل فرد من الدواب. قال الأخفش: هو كقولك: «ما أَتَانِي من رَجُلٍ مثلِه وما أتاني من الرجال مثلُه» {وَٱلْمَلَـئِكَةُ} عطف على ما في السموات عطفَ جبريلَ على الملائكة تعظيماً وإجلالاً، أو على أن يراد بما في السموات الخلْقُ الذي يقال له الروح، أو يراد به ملائكةُ السموات، وبقوله: والملائكةُ ملائكةُ الأرض من الحفَظة وغيرِهم {وَهُمْ} أي الملائكةُ مع علو شأنِهم {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن عبادته عز وجل والسجود له، وتقديمُ الضمير ليس للقصر، والجملةُ إما حالٌ من ضمير الفاعل في يسجد مسندٌ إلى الملائكة أو استئنافٌ أخبر عنهم بذلك.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ} [الآية: 48]. قال بعضهم: ما خلق الله تعالى شيئًا من الجماد والحيوان ينازع خالقه وصانعه إلا الإنسان فإنه أبدًا يدعى لنفسه ما ليس من معرفة وعلم وتوثب على الوحدانية والفردانية بادعاء الأهل له والولد جل وعلا يتكبر عن الإذعان والخضوع لذلك. قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} [الآية: 48].
القشيري
تفسير : كل مخلوقٍ من عين أو أثر، مِنْ حَجَر أو مَدَرٍ أو غَبَرٍ فلله - من حيث البرهان - ساجد، ومن حيث البيان على الوحدانية شاهد.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً} بيّن الله سبحانه جهالة المتكبرين والمستكبرين عن خدمته بانهم لا يرون ظلالهم بالغدو والاصال كيف يسجد لخالقهم ولو كانوا على محل العقل والايمان والمعرفة لتنبهوا وتعرّفوا مكان جهلهم بالله وبعبوديته فان جميع الموجودات حتى الجمادات تسجد لصانعها من جهة وقوع نور العظمة عليها فهى داخرة صاغرة فى انوار تجلى عظمته لها كما قال عليه السّلام اذا تجلى الحق لشئ خشع له وفيه بيان ان كل موضع فيه نفس الامارة الشيطانية هناك استكبار او تكبر الا من عرف الحق بالحق بعدما راى الحق بالحق قال بعضهم ما خلق الله شيئا من الجماد والحيوان ينازع صانعه وخالقه الا الانسان فانه ابدا يدعى لنفسه ما ليس له من قدرة وعلم ويثبت على الوحدانية وللفردانية بادعاء الاهل له والولد جل وعز ويتكبر فى الاذعان والخضوع لذلك قولا الله اولم يروا الى ما خلق الله من شئ.
اسماعيل حقي
تفسير : {أو لم يروا} الهمزة للانكار وهى داخلة فى الحقيقة على النفى وانكار النفى نفى له ونفى النفى اثبات. والرؤية هى البصيرة المؤدية الى التفكر والضمير لكفار مكة اى ألم ينظروا ولم يروا {الى ما خلق الله} اى قد رأوا امثال هذه الصنائع فما لهم لم يتفكروا فيه ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافوا منه {من شئ} بيان لما الموصولة اى من كل شئ {يتفيؤا ظلاله} اى ترجع شيئًا فشيئًا من جانب الى جانب وتدور من موضع الى موضع حسبما تقتضيه ارادة الخالق فان التفئ مطاوع الافاءة. قال فى تهذيب المصادر التفيء [باز آمدن سايه بعد ازانتصاف النهار] ولا يكون التفيئ الا بالعشى قال الله تعالى {يتفيؤا ظلاله} انتهى. والظلال جمع الظل وهو بالفارسية [سايه] والجملة صفة لشئ. قال فى الارشاد ولعل المراد بالموصول الجمادات من الجبال والاشجار والاحجار التى لا يظهر لظلالها اثر سوى التفيء بارتفاع الشمس وانحدارها واما الحيوان فظله يتحرك بتحركه. وفى التبيان يريد به الشجر والنبات وكل جسم قائم له ظل {عن اليمين والشمائل} متعلق بيتفيء. والشمائل جمع شمال. وضد اليمين وبالفتح الريح التى مهبها بين مطلع الشمس وبنات نعش او من مطلع النعش الى مسقط النسر الطائر كما فى القاموس اى ألم يروا الاشياء التى لها ظلال متفيئة عن ايمانها وشمائلها اى عن جانبي كل واحد منها وشقيه. وفى التبيان اى فى اول النهار عن اليمين وفى آخره عن الشمال يعنى من جانب الى جانب اذا كنت متوجها الى القبلة استعارة من يمين الانسان وشماله بجانبى الشئ وتوحيد اليمين وجمع الشمائل لان مذهب العرب اذا اجتمعت علامتان فى شىء واحد ان يلغى واحد ويكتفى باحدهما كقوله تعالى {أية : وعلى سمعهم وعلى ابصارهم}تفسير : وقوله تعالى {يخرجهم من الظلمات الى النور} كذا فى الاسئلة المقحمة. والاشارة ان المخلوقات على نوعين. منها ما خلق من شئ كعالم الخلق وهو عالم الجسام. ومنها ما خلق من غير شئ كعالم الامر وهو عالم الارواح كما قال تعالى {أية : ألا له الخلق والامر}تفسير : وانما سمى عالم الارواح الامر لانه خلقه بامر كن من غير شئ بلازمان كما قال تعالى {أية : خلقتك من قبل ولم تك شيئاً}تفسير : يعنى خلقت روحك من قبل خلق جسدك ومنه قوله عليه السلام "حديث : ان الله خلق الارواح قبل الاجساد بالفى الف عام"تفسير : كذا فى التأويلات النجمية {سجدا لله} اى حال كون تلك الظلال ساجدين لله دائرين على مراد الله فى الامتداد والتقلص وغيرهما غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيء {وهم داخرون} يقال دخر كمنع وفرع دخورا ودخر صغر وذل وادخره كما فى القاموس وهو حال من الضمير فى ظلاله والجمع باعتبار المعنى اذ المراد ظلال كل شئ وايراد صيغة الخاصة بالعقلاء لان الدخور من خصائصهم او لان من جملة ذلك من يعقل فغلب. والمعنى ترجع الظلال من جانب الى جانب بارتفاع الشمس وانحدارها منقادة لما قدر لها من التفيء والحال من اصحابها من الاجرام داخرة اى صاغرة منقادة لحكمه تعالى ووصفها بالدخور مغن عن الوصف ظلالها به وبعد ما بين سجود الظلال من الاجرام السفلية الثابة في احيازها ودخورها له سبحانه شرع فى بيان سجود الملخوقات المتحركة بالارادة سواء كانت لها ظلال ام لا فقيل {ولله يسجد} اى له تعالى وحده ويخضع وينقاد لا لشيء غيره استقلالا واشتراكا فالقصر ينتظم القلب والافراد {ما فى السموات} من العلويات قاطبة ودخل فيه الشمش والقمر والنجوم {وما فى الارض} كائنا ما كان {من دابة } بيان لما فى الارض فان قوله تعالى {والله خلق كل دابة من ماء} يدل على اختصاص الدابة فما فى الارض لان ما فى السماء لا يخلق بطريق التولد وليس لهم دبيب بل لهم اجنحة يطيرون بها. بقول الفقير الظاهر ان الطيران لا ينافى الدبيب وقد نقل ان فى السماء خلقا يدبون ودبيبه لا يستلزم كونه مخلوقا من الماء المعهود اذ من الماء كل شئ حى فيكون من دابة بيانا لما فى السماء والارض وما عام للعقلاء وغيرهم. وفى الاسئلة المقحمة ان ما لا يعقل اكثر عددا ممن يعقل فغلب جانب ما لا يعقل لانه اكثر عددا {والملائكة} عطف على ما فى السموات عطف جبريل على الملائكة عظيما واجلالا {وهم} اى والحال ان الملائكة مع علو شأنهم{لا يستكبرون} لا يتعظمون عن عبادته والسجود له بل يتذللون فكل شئ بين يدى صانعه ساجد بسجود يلائم حاله كما ان كل شئ يسبح بحمده تسبيحا يلائم حاله فتسبيح بعضهم بلسان القال وتسبيح بعضهم بلسان الحال والله يعلم لسان حالهم كما يعلم لسان قالهم: وفى المتنوى شعر : جون مسبح كرده هر جيزرا ذات بى تمييز وبا تمييز را هر يكى تسبيح بر نوع دكر كويد او ازحال آن اين بى خبر آدمى منكر زتسبيح جماد وان جماد اندر عبادت او ستاد تفسير : واعلم ان الله تعالى اعطى لكل شئ من اصناف المخلوقات من الحيوات الى الجمادات سمعا وبصرا ولسانا وفهما به يسمع كلام الحق ويبصر شواهد الحق ويكلم الحق ويفهم اشارة الحق كما اخبر الله تعالى عن حال السموات والارض وهما فى العدم اعطاهما سمعا به سمعنا قوله ائتيا طوعا او كرها واعطاهما فهما به فهمتا كلامه واعطاهما لسانا به قالتا اتينا طائعين فكل شئ يسبح الله بذلك اللسان ويسجد له بذلك الطوع. فمن هذا اللسان الملكوتى معجزة النبى عليه السلام كانت الحصى تسبح فى يده. وكذلك الاحجار الثلاثة كلمت داود عليه السلام واوّبت الجبال معه ولما قال الله تعالى {أية : وان من شئ الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}تفسير : فلا يبعد ان يسجد لله كل شئ وان لم نفقه سجوده. قال الكاشفى [درين آيت سجدة بايد كرد واين سجده سوم است از سجدهاى قرآنى. وحضرت شيخ قدس سره در فتوحات اين را سجود عالم بالا وادنا خوانده كه در مقام ذلت وخوف حق را سجده مى كنند بس بنده بايدكه درين محل بدين صفت موسوم شود خودرا بزمره ساجدان كنجايش دهد].
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الاستفهام للإنكار، و {من شيء}: بيان لـ "ما". والضمير في {ظلاله} يعود على {ما}، أو على {شيء}. و {سُجَّدًا}: حال من الظلال، وكذا جملة: {وهم داخرون}، وجمعه بالواو؛ لأنه من صفة العقلاء. وقال الزمخشري: هما حالان من الضمير في {ظلاله}؛ إذ هو بمعنى الجمع؛ لأنه يعود على قوله: {من شيء}، فعلى الأول يكون السجود من صفة الظلال، وعلى الثاني يكون من صفة الأجرام. و {من دابة }: يحتمل أن يكون بيانًا لـ {ما في السماوات وما في الأرض} معًا؛ لأن كل حيوان يصح أن يوصف بأنه يدب، ويحتمل أن يكون بيانًا لـ {ما في الأرض} خاصة، فعلى الأولى: يكون عطف الملائكة عليه، من عطف الخاص على العام؛ تشريفًا لهم، وعلى الثاني: من عطف المباين. يقول الحقّ جلّ جلاله: {أوَلَمْ يرَوا} أي: أهل المكر والخدع بالرسل والمؤمنين، {إلى ما خلق الله من شيء}؛ من الأجرام والأشكال؛ كالجبال والأشجار والبحار؛ ليظهر لهم كمال قدرته وقهره، فيخافوا سطوته وبطشه، حتى لا يمكروا بخواصه. حال كون ما خلق من الأجرام {يتفيّؤا} أي: يميل {ظلالُه عن اليمين والشمائل} أي: يرجع الظل من جانب إلى حانب، أي: يميل عن الأيمان والشمائل، وذلك أن الظل من وقت طلوع الشمس إلى الزوال يكون إلى جهة، ومن الزوال إلى الغروب يكون إلى جهة أخرى. ثم يمتد الظل ويعم بالليل إلى طلوع الشمس. والتفيؤ: من الفيء، وهو: الظل الذي يرجع بعكس ما كان غدوة. وقال رُؤبة بن العجاج: يقال بعد الزوال: ظل وفيءٌ، ولا يقال قبله إلا ظل. ففي لفظ "يتفيأ"، هنا، تجوز. وقال في سلوة الأحزان: فاء الظل: معناه: رجع بعكس ما كان من بكرة إلى الزوال؛ وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى الزوال، إنما هي في نسخ الظل العام قبل طلوعها، فإذا زالت، ابتدأ رجوع الظل العام، ولا يزال ينمو حتى تغيب الشمس فيعم. والظل الممدود في الجنة لم يذكر الله تعالى فيها فيئًا؛ لأنه لا مُذهِبَ له، ولا تكون الفيأة إلا بعد ذهاب الظل، ولا ذهاب لظل الجنة، فلا يتعقل له فيأة. هـ. واستعمال اليمين والشمال، في غير الإنسان، تجوز؛ فإنهما في الحقيقة خاص بالإنسان. هـ. حال كون تلك الأجرام، أو الظلال {سُجَّدًا لله}، قيل: حقيقة. قال الضحاك: إذا زالت الشمس سَجد كل شيء قبلَ القبلة، من نباتٍ أو شجر، ولذلك كان الصالحون يستحبون الصلاة في ذلك الوقت. وقال مجاهد: إنما تسجد الظلال، لا الأشخاص. وقيل: هو عبارة عن الخضوع والطاعة، وميلان الظلال ودورانها بالسجود، كما يقال للمشير برأسه نحو الأرض، على جهة الخضوع: ساجدًا، ثم استشهد لذلك. هـ. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والمتَّجَهُ: أنه خضوع وطاعة للمشيئة وانقياد، لا حقيقة؛ لأنه لا يقال فيه، كذلك: أو لم يروا، وإنما يُرَى الانقياد. وخص الظل؛ لأنه مشهود ذلك فيه، ولو حاول صاحبه عدمه أو ضده، لم يستطع، بخلاف الأفعال الاختيارية، فإن الجبر فيها غير محسوس، فظهر سر الإشارة للظلال. والله أعلم. هـ. قال البيضاوي: المراد من السجود: الاستسلام، سواء كان بالطبع أو الاختيار، يقال: سجدت النخلة، إذا مالت لكثرة الحمل، وسجد البعير، إذا طأطأ رأسه ليركب. أو {سُجّدًا}: حال من الظلال {وهم داخرون}: حال من الضمير، والمعنى: ترجع الظلال، بارتفاع الشمس وانحدارها، بتقدير الله تعالى، من جانب إلى جانب، منقادة إلى ما قُدِّر لها من التفيؤ، أو واقعة على الأرض، ملتصقة بها، على هيئة الساجد، والأجرام في أنفسها أيضًا داخرة، أي: صاغرة منقادة لأفعال الله. هـ. {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض} أي: ينقاد لإرادته، وتأثير قدرته؛ طبعًا، ولتكليفه وأمره؛ طوعًا؛ ليصح إسناده إلى عامة أهل السماوات والأرض. وقوله: {من دابة}: بيان لهما؛ لأن الدبيب هو الحركة الجسمانية، سواء كان في أرض أو سماء، {والملائكةُ}؛ عطف على المبين به، عطف خاص على عام، أو عطف المجردات على الجسمانيات، وبه احتج من قال: إن الملائكة أرواح مجردة. قاله البيضاوي. قلت: وهو خلاف الجمهور. بل الملائكة: أجسام لطيفة نورانية متحيزة، لها مادة نورانية وتشكيل مخصوص، غير أن الله تعالى أعطاها قوة التشكيل؛ لأنها قريبة من أسرار المعاني الأزلية. وعبَّر الحق تعالى بـ "ما"؛ ليشمل العقلاء وغيرهم. ثم قال تعالى في وصف الملائكة: {وهم لا يستكبرون} عن عبادته، {يخافون ربهم من فوقهم}؛ هو تقرير وبيان؛ لنفي الاستكبار عنهم، أي: يخافون عظمة ربهم من فوقهم؛ إذ هم محاطون بأفلاك أسرار الجبروت، مقهورون تحت القدرة والمشيئة أو: يخافون عذاب ربهم أن يُرْسَل عليهم من فوقهم، أو: يخافون ربهم وهو من فوقهم بالقهر والغلبة. والجملة: حال من الضمير في {يستكبرون}، أو بيان له وتقرير؛ لأن من خاف ربه لم يستكبر عن عبادته، {ويفعلون ما يُؤمرون} من الطاعة وتدبير الأمور التي أمرهم بتدبيرها. وفيه دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء. قاله البيضاوي. الإشارة: كل ما دخل تحت عالم التكوين لزمته العبودية، وأحاطت به القهرية، فلا بدّ من الخضوع لأحكام الواحد القهار، تكليفية كانت أو تعريفية، فمن لم ينقد لها بملاطفة الإحسان، قيد بسلاسل الامتحان. وبهذا امتاز الخصوص من العموم، فالخصوص علموا أن سلسلة الأقدار في عنقهم، تجرهم إلى مراد ربهم، فاستسلموا لها، وانقادوا، وخضعوا، وتأدبوا لها، فاستحقوا التقريب والاصطفائية. والعموم جهلوا هذه السلسلة، أو علموها، ولم يقدروا على الاستسلام لها؛ فاستحقوا البُعد من حضرة الحق؛ إذ لا يدخلها إلا أهل التهذيب والتأديب. وبالله التوفيق. ثم نهى عن الشرك الجلي والخفي فقال: {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ...}
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي وخلف {أولم تروا} بالتاء، الباقون بالياء. من قرأ بالتاء حمله على الجمع. ومن قرأ بالياء، فعلى ما قبله، من قوله {أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم... أو يأخذهم}, وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رأوا ذلك وتيقنوه، فلذلك عدل عن الخطاب. وقرأ ابو عمرو ويعقوب {تتفيؤا ظلاله} بالتاء. الباقون بالياء، فمن أنث فلتأنيث الظلال، لانه جمع ظل، فكل جميع مخالف الآدميين، فهو مؤنث تقول: هذه الاقطار وهذه المساجد. ومن ذكَّر، فلأن الظلال وإِن كان جمعاً، فهو على لفظ الواحد مثل (جدار)، لان جمع التكسير يوافق الواحد. يقول الله تعالى لهؤلاء الكفار الذين جحدوا وحدانيته، وكذبوا نبيه، على وجه التنبيه لهم على توحيده {أولم يروا} هؤلاء الكفار {إلى ما خلق الله} من جسم قائم، شجر او جبل او غيره، فصير ظلاله فيئاً اي تدور عليه الشمس ثم يرجع الى ما كان قبل زوال الشمس عنه. وقال ابن عباس (يتفيئو) يرجع من موضع الى موضع ويتميل، يقال منه: فاء الظل يفيء فيئاً إِذا رجع، وتفيَّأ يتفيَّؤ تفيؤاً بمعنى واحد. وقوله {عن اليمين والشمائل} معناه في اول النهار وآخره - في قول قتادة والضحاك وابن جريج - يتقلص الفيء عن الجبل من جهة اليمين وينقص بالعشي من جهة الشمال. وإِنما قال عن اليمين - على التوحيد - والشمائل - على الجمع - لأحد أمرين: احدهما - انه اراد باليمين الأيمان، فهو متقابل في المعنى، ويتصرف في اللفظ على الايجاز، كما قال الشاعر: شعر : بفيّ الشامتين الصخر ان كان هدّني زرية شبلي مخدر في الضراغم تفسير : والمعنى بأفواه، وقال آخر: شعر : الواردون وتيم في ذرى سبإِ قد عضّ اعناقهم جلد الجواميس تفسير : وقوله {سجداً لله وهم داخرون} معناه إِنها خاضعة لله ذليلة، بما فيها من الدلالة على الحاجة الى واضعها ومدبرها، بما لولاه لبطلت، ولم يكن لها قوام طرفة عين، فهي في ذلك كالساجد، من العباد بفعله، الخاضع بذاته، كأنه من بسط الشمس عليه في أول النهار. ثم قبضها عنه الى الجهة الأخرى. ثم قبضها ايضاً عنه، فتغيرت حاله. والتغيير يقتضي مغيراً غيَّره ومدبّراً دبّره. قال الحسن: اما ذلك فيسجد لله، واما انت فلا تسجد لله؟! بئس والله ما صنعت. و(الداخر) الخاضع الصاغر، دخر يدخر دخراً ودخوراً، إذا ذل وخضع قال ذو الرمة: شعر : فلم يبق إِلا داخر في مخيَّس ومنجحر في غير أرضك في جحر تفسير : ثم أخبر تعالى انه يسجد له جميع {ما في السماوات وما في الأرض} والسجود هو الخضوع بالعبادة او الدعاء إِلى العبادة، فكل شيء من مقدوراته تعالى يسجد بالدعاء إِلى العباده بما فيه من الآية، الذي يقتضي الحاجة اليه تعالى، وكل محقٍّ من العباد فهو يسجد بالعبادة. وقوله {من دابّة} معنى (من) ها هنا هي التي تبيّن، تبيين الصفة، كأنه قال وما في الارض الذي هوَ دابّة تدبّ على الارض. وقوله {والملائكة} اي وتسجد له الملائكة، وتخضع له بالعبادة، و {هم} يعني الملائكة، غير مستكبرين، ولا طالبين بذلك التكبر بل مذعنين بالحق متذللين، غير آنفين، من الاذعان به. {يخافون ربهم من فوقهم، ويفعلون ما يؤمرون} قيل في معناه قولان: احدهما - يخافون عقاب ربهم من فوقهم، لانه يأتي من فوق. الثاني - انه لمَّا وصف بأنه عالٍ ومتعالٍ، على معنى قادر، لا قادر أقدر منه، فقيل صفته في أعلى مراتب صفات القادرين، حسن ان يقال {من فوقهم} ليدل على ان هذا المعنى من الاقتدار الذي لا يساويه قادر، وقوله {ويفعلون ما يؤمرون} يعني الملائكة يفعلون ما يأمرهم الله به، ولا يعصونه، كما قال {أية : لا يعصون الله ما أمرَهم ويفعلون ما يؤمرون}
الجنابذي
تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ} يتقلّب ظلاله بتقلّبه {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ} توحيد اليمين وجمع الشّمائل للاشارة الى وحدة جهة اليمين فى المعنى وكثرة جهة الشّمائل فانّ اليمين المعنويّة لكلّ شيءٍ هى وجهته الالهيّة وشماله هى وجهته الخلقيّة والوجهة الآلهيّة كثرتها منطوية فى الوحدة والوجهة الخلقيّة وحدتها فانية فى الكثرة {سُجَّداً لِلَّهِ} حال من ظلاله او ممّا خلق الله، وجمعه باعتبار المعنى {وَهُمْ دَاخِرُونَ} حال مترادفة عن سابقه او متداخلة او كلّ حال من ذى حال، والدّخور الانقياد وجمعه بالواو والنّون لانتساب وصف الدّخور او السّجود الّذى هو من اوصاف العقلاء اليهم، او لانّ الكلّ من حيث انتسابها الى الله عقلاء علماء. اعلم، انّ الظلّ هو شاكلة الشّاخص الّتى تحدث من الشّاخص الكثيف اذا قابل شيئاً منيراً فى طرف مقابل للمنير وهى تتقلّب بتقلّب الشّاخص وتسكن بسكونه ولا اختصاص لها بما يقابل الشّمس ولا بما فى عالم الطّبع بل تحصل من كلّ ما يقابل منيراً، والمنير الحقيقىّ هو الله وفعله المعبّر عنه بالمشيّة، وعالم العقول بالنّسبة الى المشيّة كالشّاخص، وعالم النّفوس بالنسبةّ الى العقول كالشّاخص، والمثال بالنّسبة الى النّفوس، وعالم الطّبع بالنّسبة الى عالم المثال، وعالم الجنّة بالنّسبة الى عالم الطّبع، فظلّ كلّ عبارة عمّا دونه من العوالم وسجود كلٍّ عبارة عن تسخّره لله تعالى شأنه وتذلّله له تكويناً، ودخوره عبارة عن اتّباعه وحركته وسكونه على وفق ارادته ومشيّته والكلّ بالنّسبة اليه ذوو شعورٍ وارادةٍ وعلم. ولمّا كان لعالم الطّبع ظلّ نورانىّ كما يحدث من المرآة حين مقابلة الشّمس وينعكس منها الى جهة الشّعاع لا الى خلافه وهو المعبّر عنه بالمثال الصّاعد وظلّ ظلمانىّ كما يحدث من خلف المرآة وينعكس الى الجهة المخالفة للشّعاع وهو المعبّر عنه بالمثال النّازل والملكوت السّفلىّ وعالم الظّلمة، وكانت الملكوت السّفلىّ محلّ الكثرات والاختلافات والتّغيّرات وكانت الشّمال تعبيراً عن هذه، والملكوت العليا محلّ الوحدة واتّحاد المتكثّرات واجتماع المتغايرات وكانت اليمين تعبيراً عنها قال عن اليمين والشّمائل اشارة بوحدة الاوّل وجمع الثّانى الى جهة اتّحاد الاوّل وكثرة الثّانى.
اطفيش
تفسير : {أَوَ لَمْ} الهمزة لإِنكار أن يكونوا لم يروا أو للتقرير بالروية داخلة على ما بعد الواو، لكن قدمت ويجوز كونها لذلك أو للتعجب داخلة على محذوف أى اعملوا ولم {يَرَوا} قرأ حمزة والكسائى بالفوقية مطابقة للخطاب الملتفت إِليه فى قوله وإِن ربكم لرءُوف رحيم عن الغيبة على أن الخطاب للكفار ويجوز أن يكون للناس مطلقا فلا التفات والأَول أصح {إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِن شَىءٍ} بيان لما حال منها أو من العائد لمحذوف وإِنما صح بيانا باعتبار نعته لقوله {يَتَفَيَّؤُا} يميل وقرأ أبو عمرو بالفوقية {ظلاَلُهُ} جمع ظل جمع نظر إِلى معنى ما أو شىء أو باعتبار إِذ كل جزء من ظل الشىء ظل فلكل شىء ظلال أو باعتبار تكرر الظل للشىء الواحد باختلاف الأَوقات أى ألم ينظروا بعيونهم إِلى ما خلق الله من الأَجسام التى لها ظل يميل فيؤديهم إِلى النظر بالقلب فيؤمنوا وإِنما قال يتفيأ بوزن يتفعل ليدل على التدرج شيئاً فشيئاً فإن الظل هكذا يفىء {عَنِ الْيَمِينِ} ال فيه للجنس فهو بمعنى الجمع وفائدته الاختصار فى اللفظ أو روعى فيه لفظ ما أو شىء وهو مفرد فجيء به مفردا كما فى هاء ظلاله وروعى المعنى فجمع الشمال فى قوله {وَالشَّمَائِلِ} والمعنى عن إِيمان الأَشياء التى خلق الله وشمائلها أو الإِيمان والشمائل منها أو لا يمين ولا شمال لنحو جبل وشجرة ولكن استعارة من يمين الإِنسان وشماله ويجوز أن يكون المراد أنه يتفيأوا إِلى جهة أيمانكم وشمائلكم وقيل يمين الفلك وهو جانبه الشرقى لأَن الكواكب تظهر منه آخذة فى وشماله وهو جانبه الغربى المقابل فإِن الظلال فى أول النهار تبتدئ من المشرق واقعة على الربع الغربى من الأَرض وعند الزوال تتبدىء من المغرب واقعة فى الشرقى من الأَرض والظل يكون تارة بالجانب الأَيمن وتارة بالجانب الأَيسر باختلاف أول النهار ووسطه وآخره واختلاف الفصول الأَربعة واختلاف البلدان فالآية محملة على التوزيع ويكون الظل أيضاً خلفاً وإِماماً ولم يذكرا تلويحاً لهما بذكر ذلك، ويجوز أن يكون اليمين والشمائل كناية عن مطلق الجهات التى يمكن تفيؤ الظل عنها لا خصوص الجهتين وعن الحسن ربما كان الظل عن اليمين وربما كان عن الشمال وقال الكلبى وقتادة والضحاك عن اليمين أول النهار وعن الشمال آخره وذكر بعض أن الظل عن يمين المستقبل أول النهار وخلفه وسط النهار ويساره إِذا مالت الشمس وقيل المراد أنهُ تارة باليمين وتارة بالشمال وكلتاهما فى المشى لى أن التفيؤ رجوع الظلال بعد انتصاف النهار فإِنما يكون بالمشى، {سُجَّداً} حال من ما أو من ظلال {للهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} الواو للحال والجملة بعدها حال ثانية كذلك وإِذا جعلناه من ما فلا إِشكال لأَنها عمت العاقل وغيره وغلبوا العاقل فساعت لفظة هم وجمع المذكر السالم وإِذا جعلناه من ظلال فلأَنه يشبه العاقل فى الالتصاق بالأَرض كهيئة الساجد ولأَن الدخول هنا هو الذلة والانقياد لما يريد الله والأَصل فى الانقياد والذلة لما يريد الله العقلاء ويجوز أن يكون الحالان من الهاء فى ظلاله لأَن المضاف كجزء من المضاف إِليه فيه فالجمع بالواو والنون ولفظة هم لعموم العاقل وغيره مع تغليب العاقل أيضاً ويجوز كون سجداً حال من الظلال وهم داخرون من الهاء وإِن قلت كيف عبر عن سجود العاقل وهو بالوجه على الأَرض وسجود غيره الخضوع والانقياد بلفظ واحد، قلت عبر عنهما بلفظ واحد من حيث أن فيهما معاً الانقياد والخضوع وهما المراد فكأَنه قيل منقادين خاضعين لله حتى أن سائر عبادة العاقل داخلة فى سجوده لأَنها خضوع وانقياد بل قد مر أن الذات فى نفسها ولو ذات كافرة ساجدة لله بمعنى منقادة لا تمتنع مما أراد بها فى السجود سجود طيع كسجود الذات والظل وسجود اختيار كسجود المؤمن وقيل إِن الأَشياء كلها تسجد لله باختيار بأَن يخلق الله فيها تمييزاً وعن مجاهد؛ إِذا زالت الشمس سجد كل شىء لله، ورواه الطبرى عن الضحاك وكان الصالحون يستحبون الصلاة حينئذ وفى الحديث "حديث : أن أربعاً فيه قيل الظهر تعدل أربعاً فى السحر وكل شئ يسبح حينئذ ".
اطفيش
تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْا} أَو لم ينظر هؤلاءِ الماكرون ولم يروا {إِلَى مَا خلَقَ اللهُ مِنْ شَىءٍ} أبهم بشىء بعد الإبهام بما ليصفه بقوله: {يَتَفَيَّؤُ ظَلاَلُهُ} فهو تمهيد لما بعده كما يقال: زيد رجل عربى وكأنه قيل: أَو لم يروا إلى المخلوق الثابت الأَصل الذى له ظل كشجر وجبل وجدار ولا ظل للملك ولا للجن الذى بصورة الريح بلا لحم ودم، وأما الجن الكثيفة باللحم والدم، فمن كان منهم بصورة الحية أو غيرها فله ظل وهو فى الأجحرة وما يخفى كجحر الحية فإذا خرج ظهر له ظل، وأما الجن الكثيفة على صورة الإنسان مثلا فلا نشاهد لهم ظلا وهم فى ضوءِ الشمس والقمر والمصباح فنقول: الله قادر على أن يجعلهم بلا ظل كما قيل: أَن لا ظل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لهم ظل لا نراه كما أنا لا نراهم وذلك بقدرة الله تعالى، والله على كل شىء قدير، ولو شاءَ الله لجعل لهم ظلا نراه دونهم لكن نرتاع لذلك فلم يجعله، أَو هم أجسام غير كثيفة لا ظل لهم كما أَن الهواءَ جسم لطيف لا ظل له، ومعنى يتفيؤ يميل بالرجوع فهو يتفعل من فاءَ يفىءُ بمعنى رجع والفىءُ مطلق الظل كما هو ظاهر الآية وهما مترادفان، وقيل: الفىءُ ما بعد الزوال لأَنه رجع إِلى موضع كان فيه قبله والظل ما قبله، وقيل: ما بعده فىءٌ وظل وما قبله ظل، ومن ترادفهما قوله:شعر : فسلام الإله يغدو عليهم وَفيوءُ الفردوس ذات الظلال تفسير : إذ لا شمس فى الجنة تنسخ الظل {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ} قيل يمين الواقف مستقبلا للمشرق، ويسمى الجنوب وشماله، وقيل اليمين أول النهار والشمال آخره إذ يقع الظل على الربع الغربى قبل الزوال، وعلى الربع الشرقى آخره، والربعان الآخران غالبان قيل: إِذا طلعت الشمس وأنت مستقبل القبلة فظلك عن يمينك، وإذا توسطت السماء فخلفك، وإذا غربت فيسارك، قلت: لا يتم هذا لاختلاف مطالع الفصول والأرض، ومخالفة أول الفصول وما بعده، وكذا لا يتم قول قتادة والضحاك: اليمين أول النهار والشمال آخره دائماً، أو المراد باليمين والشمائل يمين الأجرام التى لها ظل، وشمائِلها على الاستعارة التصريحية، أو على التخييل للمكنية، لأن اليمين والشمال حقيقة للإنسان والملائِكة والجن والحيوان، أَو بمعنى الجانبين إطلاقا للمقيد على المطلق، وقيل يمين الفلك وهو المشرق وشمائِله وهو المغرب، شبه الجانب الشرقى بأقوى جانبى الإنسان وهو يمينه، لأن أقوى الحركات الفلكية التى هى الحركة اليومية أَخذت من المشرق إلى المغرب، وقيل المراد يمين مستقبل الجنوب وشماله، وقيل: يمين البلد وشماله إذا كانت الشمس عن يمينه صيفا فتقع الأطلال على يسارها وعكس ذلك شتاء ولا يحسن التعبير بما هو خاص هكذا، لأَن الآية على العموم، وأُضيفت ظلال الضمير المفرد مراعاة للفظ ما، وكذا أُفرد اليمين، أَو لأَن (أَل) للحقيقة مثل: ويولون الدبر، وجمع الشمال للمعنى كما جمع فى قوله: {سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} وقيل: جمع الشمال لأَن غالب المعمور شمالى، وقيل: ظل الغداة يضمحل حتى لا يبقى منه إِلا القليل فكأَنه فى جهة واحدة، ويظل العشى يعم الجهات فجمع، وأَيضاً الشمال يلى سجدا فجمع لأَنه ولى الجمع وأَفرد اليمين لأنه ولى الضمير المفرد وهو هاء ظلاله، وجمع داخر لجمع السلامة لأَن الدخور من أَوصاف العقلاءِ، ولأَن فى جملة ذلك من يعقل، والسجود عدم المعاصاة طبعا أَو اختيارا يقال سجد الغصن إذا مال لكثرة ثماره، والأَجرام منقادة لله، والظلال تميل من جانب لجانب منقادة واقعة على الأرض كالساجد، قال الحسن: ظلك يسجد لربك وأَنت لا تسجد بئس ما صنعت. وعن مجاهد: ظل الكافر يصلى وهو لا يصلى، ونقول: ظل كل شىء يسجد لله، وسجدا، وهم داخرون، حالان مترادفان، أَو مبتدأٌ خلتان، اَو سجدا حال من الظلال، وهم داخرون حال من هاءِ ظلاله ولو مضافا إليها لأن المضاف كجزئها، والداخر الذليل المنقاد، وإطلاق السجود على وقوع الظل على الأرض استعارة إذ هى لاصقة بالأرض على هيئة الساجد، وجمع ما يعود إلى ها ظلاله العائدة إلى شىء مراعاة لعموم المراد بشىءٍ.
الالوسي
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} الهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام. والرؤية بصرية مؤدية إلى التفكر والضمير للذين مكروا السيئات أي ألم ينظر هؤلاء الماكرون ولم يروا متوجهين {إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ}. وقيل: الضمير للناس الشامل لأولئك وغيرهم والإنكار بالنسبة إليهم. وقرأ السلمي والأعرج والإخوان {أَوَ لَمْ تَرَوْاْ} بتاء الخطاب جرياً على أسلوب قوله تعالى: {أية : فَإِنَّ رَبَّكُمْ } تفسير : [النحل: 47] كما أن الجمهور قرءوا بالياء جرياً على أسلوب قوله تعالى: {افأمن الذين مكروا} [النحل: 45] وذكر الخفاجي وغيره أن قراءة التاء على الالتفات أو تقدير قل أو الخطاب فيها عام للخلق و {مَا} موصولة مبهمة، وقوله تعالى: {مِن شَىْء} بيان لها لكن باعتبار صفته وهي قوله تعالى: {يَتَفَيَّأُ ظِلَـٰلُهُ} فهي المبينة في الحقيقة والموصوف توطئة لها وإلا فأي بيان يحصل به نفسه، والتفيؤ تفعل من فاء يفيء فيئاً إذا رجع وفاء لازم وإذا عدي فبالهمزة أو التضعيف كأفاءه الله تعالى وفيأه فتفيأ وتفيأ مطاوع له لازم، وقد استعمله أبو تمام متعدياً في قوله من قصيدة يمدح بها خالد بن يزيد الشيباني:شعر : طلبت ربيع ربيعه الممهى لها وتفيأت ظلاً له ممدوداً تفسير : ويحتاج ذلك إلى نقل من كلام العرب، والظلال جمع ظل وهو في قول ما يكون بالغداة وهو ما لم تنله الشمس والفيء ما يكون بالعشي وهو ما انصرفت عنه الشمس وأنشدوا له قول حميد بن ثور يصف سرحة وكنى بها عن امرأة:شعر : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفىء من برد العشي تذوق تفسير : ونقل ثعلب عن رؤبة ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل وما لم تكن عليه فهو ظل فالظل أعم من الفيء، وقيل: هما مترادفان يطلق كل منهما على ما كان قبل الزوال وعلى خلافه، وأنشد أبو زيد/ للنابغة الجعدي:شعر : فسلام الإله يغدو عليهم وفيوء الفردوس ذات الظلال تفسير : والمشهور أن الفيء لا يكون إلا بعد الزوال، ومن هنا قال الأزهري: إن تفيء الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار، وقال أبو حيان: إن الاعتبار من أول النهار إلى آخره، وإضافة الظلال إلى ضمير المفرد لأن مرجعه وإن كان مفرداً في اللفظ لكنه كثير في المعنى، ونظير ذلك أكثر من أن يحصى، والمعنى أو لم يروا الأشياء التي ترجع وتتنقل ظلالها. {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ} والمراد بها الأشياء الكثيفة من الجبال والأشجار وغيرها سواء كان جماداً أو إنساناً على ما عليه بعض المفسرين، وخصها بعضهم بالجمادات التي لا يظهر لظلالها أثر سوى التفيء بواسطة الشمس على ما ستعلمه إن شاء الله تعالى دون ما يشمل الحيوان الذي يتحرك ظله بتحركه، وكلا القولين على تقدير كون {مِنْ} بيانية كما سمعت؛ وذهب بعض المحققين إلى العموم لكنه جعل من ابتدائية متعلقة ـ بخلق ـ والمراد بما خلقه من شيء عالم الأجسام المقابل لعالم الروح والأمر الذي لم يخلق من شيء بل وجد بأمر كن كما قال سبحانه: {أية : ألا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } تفسير : [الأعراف: 54]، ولا يخفى بعده، واعترض أيضاً بأن السمٰوات والجن من عالم الأجسام والخلق ولا ظل لها ومقتضى عموم {مَا} أنه لا يخلو شيء منها عنه بخلاف ما إذا جعلت من بيانية و {يتفيؤ} صفة شيء مخصصة له. ورد بأن جملة {يتفيؤ} حينئذ ليست صفة ـ لشيء ـ إذ المراد إثبات ذلك لما خلق من شيء لا له وليس صفة ـ لما ـ لتخالفهما تعريفاً وتنكيراً بل هي مستأنفة لإثبات أن له ظلالاً متفيئة وعموم {مَا} لا يوجب أن يكون المعنى لكل منه هذه الصفة. وتعقب بأنه إن أريد أنه لا يقتضي العموم ظاهراً فممنوع وإن أريد أنه يحتمل فلا يرد رداً لأنه مبني على الظاهر المتبادر، والمراد باليمين والشمائل على ما قيل جانبا الشيء استعارة من يمين الإنسان وشماله أو مجازاً من إطلاق المقيد على المطلق أي ألم يروا الأشياء التي لها ظلال متفيئة عن جانبـي كل واحد منها ترجع من جانب إلى جانب بارتفاع الشمس وانحدارها أو باختلاف مشارقها ومغاربها فإن لها مشارق ومغارب بحسب مداراتها اليومية حال كون تلك الظلال {سُجَّدًا لِلَّهِ} أي منقادة له تعالى جارية على ما أراد من الامتداد والتقلص وغيرهما غير ممتنعة عليه سبحانه فيما سخرها له وهو المراد بسجودها، وقد يفسر باللصوق في الأرض أي حال كونها لاصقة بالأرض على هيئة الساجد. وقوله تعالى: {وَهُمْ دٰخِرُونَ} حال من ضمير {ظِلَـٰلُهُ} الراجع إلى {شيء}، والجمع باعتبار المعنى وصح مجيء الحال من المضاف إليه لأنه كالجزء، وإيراد الصيغة الخاصة بالعقلاء لما أن الدخور من خصائصهم فإنه التصاغر والذل، قال ذو الرمة:شعر : فلم يبق إلا داخر في مخيس ومنحجر في غير أرضك في حجر تفسير : فالكلام على الاستعارة أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب، ووجه التعبير بهم يعلم مما ذكر، ويجوز أن يعتبر وجهه أولاً ويجعل ما بعده جارياً على المشاكلة له أي والحال أن أصحاب تلك الظلال ذليلة منقادة لحكمه تعالى، ووصفها بالدخور مغن عن وصف ظلالها به، وجوز كون {سُجَّدًا} والجملة حالين من الضمير أي ترجع ظلال تلك الأجرام حال كون تلك الأجرام منقادة له تعالى داخرة فوصفها بهما مغن عن وصف ظلالها بهما. والمراد بالسجود أيضاً الانقياد سواء كان بالطبع أو بالقسر أو بالإرادة، فلا يرد على احتمال أن يكون المراد بـِ {مَا خَلَقَ} شاملاً للعقلاء وغيرهم كيف يكون {سُجَّدًا} حالاً من ضميره وسجود العقلاء غير سجود غيرهم. / وحاصل ما أشرنا إليه أن ذلك من عموم المجاز، والأمر على احتمال أن يراد من ذاك الجمادات ظاهر، وزعم بعضهم أن السجود حقيقة مطلقاً وهو الوقوع على الأرض على قصد العبادة ويستدعي ذلك الحياة والعلم لتقصد العبادة، وليس بشيء كما لا يخفى، ثم إن قلنا على هذا الوجه: إن الواو حالية كما أشير إليه فالحالان مترادفتان، وتعدد الحال جائز عند الجمهور، ومن لم يجوز جعل الثانية بدل اشتمال أو بدل كل من كل كما فصله السمين، وإن قلنا: إنها عاطفة فلا تكون الحال مترادفة بل متعاطفة، وقال أبو البقاء: {سُجَّدًا} حال من الظلال {وَهُمْ دٰخِرُونَ} حال من الضمير في {سُجَّدًا} ويجوز أن يكون حالاً ثانية معطوفة اهـ، وفيه القول بالتداخل وهو محتمل على تقدير كون {سُجَّدًا} حالاً من ضمير {ظِلَـٰلُهُ} والوجه الأول هو المختار عند الزمخشري، ورجحه في «الكشف» فقال: إن انقياد الظل وذي الظل مطلوب، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ } تفسير : [الرعد: 15] فجاعلهما حالاً من الضمير في {ظِلَـٰلُهُ} مقصر، وفيه تكميل حسن لما وصف الظلال بالسجود وصف أصحابها بالدخور الذي هو أبلغ لأنه انقياد قهري مع صفة المنقاد، ولم يجعل حالاً من الراجع إلى الموصول في {خَلَقَ ٱللَّهُ} إذ المعنى على تصوير سجود الظل وذيه وتقارنهما في الوجود لا على مقارنة الخلق والدخور، والعامل في الحال الثاني {يتفيؤ} على ما قال ابن مالك في قوله تعالى: {أية : قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا } تفسير : [البقرة: 135] اهـ، ومنه يعلم ما في إعراب أبـي البقاء. نعم إن في هذا الوجه بعداً لفظياً والأمر فيه هين، وأما جعل {وَهُمْ دٰخِرُونَ} حال من ضمير {يَرَوْاْ} فمما لا يصح بحال كما لا يخفى. هذا وذكر الإمام في اليمين والشمال قولين غير ما تقدم. ((الأول: أن المراد بهما المشرق والمغرب تشبيهاً لهما بيمين الإنسان وشماله فإن الحركة اليومية آخذة من المشرق وهو أقوى الجانبين فهو اليمين والجانب الآخر الشمال فالظلال في أول النهار تبتدىء من الشرق واقعة على الربع الغربـي من الأرض وعند الزوال تبتدىء من الغرب واقعة على الربع الشرقي منها. والثاني: يمين البلد وشماله، وذلك أن البلدة التي يكون عرضها أقل من مقدار الميل (الكلي وهو كجل يز أو كحله على اختلاف الأرصاد} فإن في الصيف تحصل الشمس على يمين تلك البلدة وحينئذ تقع الأظلال على يسارها وفي الشتاء بالعكس))، ولا يخفى ما في الثاني فإنه مختص بقطر مخصوص والكلام ظاهر في العموم، وقيل: المراد باليمين والشمال يمين مستقبل الجنوب وشماله، و {عَنْ} كما قال الحوفي متعلقة بيتفيؤ وقال أبو البقاء: متعلقة بمحذوف وقع حالاً، وقيل: هي اسم بمعنى جانب فتكون في موضع نصب على الظرفية، ولهم في توحيد {ٱلْيَمِينِ} وجمع {الشمائل} ـ وهو جمع غير قياسي ـ كلام طويل. فقيل: إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ المفرد كقوله تعالى: {أية : جَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } تفسير : [الأنعام: 1] و {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ } تفسير : [البقرة: 7] وقيل: إذا فسرنا اليمين بالمشرق كان النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها فكانت اليمين واحدة، وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة فلذلك عبر عنها بصيغة الجمع، وقيل: اليمين مفرد لفظاً لكنه جمع معنى فيطابق الشمائل من حيث المعنى، وقال الفراء: إنه يحتمل أن يكون مفرداً وجمعاً فإن كان مفرداً ذهب إلى واحد من ذوات الظلال وإن كان جمعاً ذهب إلى كلها لأن ما خلق الله لفظه واحد ومعناه الجمع، وقال الكرماني: يحتمل أن يراد بالشمائل الشمال والقدام والخلف لأن الظل يفيء من الجهات كلها فبدأ باليمين لأن ابتداء التفيء منها أو تيمناً بذكرها، ثم جمع الباقي على لفظ الشمال لما بين الشمال واليمين من التضاد، ونزل الخلف والقدام/ منزلة الشمال لما بينهما وبين اليمين من الخلاف، وهو قريب من الأول. وتعقب بأن فيه جمع اللفظ باعتبار حقيقته ومجازه وفي صحته مقال، وقيل: المراد باليمين يمين الواقف مستقبل المشرق ويسمى الجنوب وبالشمال شماله فكأنه قيل: يتفيؤ ظلاله عن الجنوب إلى الشمال وعن الشمال إلى الجنوب ولما كان غالب المعمورة شمالي وظلالها كذلك جمع الشمال ولم يجمع اليمين، وهو كما ترى. ونقل أبو حيان عن أستاذه الحسن علي بن الصائغ أنه أفرد وجمع بالنظر إلى الغايتين لأن ظل الغداة يضمحل حتى لا يبقى منه إلا اليسير فكأنه في جهة واحدة، وهو في العشي على العكس لاستيلائه على جميع الجهات فلحظت الغايتان، هذا من جهة المعنى وأما من جهة اللفظ فجمع الثاني ليطابق {سُجَّدًا } المجاور له شمالاً كما أفرد الأول ليطابق ضمير {ظِلَـٰلُهُ} المجاور له يميناً، ولا يخفى ما في التقديم والتأخير من حسن رعاية الأصل والفرع أيضاً، فحصل في الآية مطابقة اللفظ للمعنى وملاحظتهما معاً وتلك الغاية في الإعجاز، ويخطر لي وجه آخر في الإفراد والجمع مبني على أن المراد باليمين جهة المشرق وبالشمال جهة المغرب، وهو أنه لما كانت الجهة الأولى مطلع النور والجهة الثانية مغربه ومظهر الظلمة أفرد ما يدل على الجهة الأولى كما أفرد {ٱلنُّورُ} في كل القرآن، وجمع ما يدل على الجهة الثانية كما جمع الظلمة كذلك وإفراد النور وجمع الظلمة تقدم الكلام فيهما، وقد يقال: إن جمع الظلال مع إفراد ما قبله وما بعده لأن الظل ظلمة حاصلة من حجب الكثيف الشمس مثلاً عن أن يقع ضوؤها على ما يقابله فجمعت الظلال كما جمعت الظلمات، ولا يعكر على هذا أنه جمعت المشارق في القرآن كالمغارب إذ كثيراً ما يرتكب أمر لنكتة في مقام ولا يرتكب لها في مقام آخر، وآخر أيضاً وهو أنه لما كان اليمين عبارة عن جهة المشرق وهو مبدأ الظل وَحَّدَهُ مناسبة لتوحيد المبدأ الحقيقي وهو الله تعالى ولا كذلك جهة المغرب، ولا يناسب رعاية نحو هذا في الشمال كما يرشدك إلى ذلك و "حديث : كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٍ" تفسير : ويعين على ملاحظة المبدئية نسبة الخلق إليه تعالى، وآخر أيضاً وهو أن الظل الجائي من جهة المشرق لا يتعلق به أمر شرعي والجائي من جهة المغرب يتعلق به ذلك، فإن صلاة الظهر يدخل وقتها بأول حدوثه من تلك الجهة بزوال الشمس عن وسط السماء، ووقت العصر بصيرورته مثل الشاخص أو مثليه بعد ظل الزوال إن كان كما في الآفاق المائلة، ووقت المغرب بشموله البسيطة بغروب الشمس، وما ألطف وقوع {سُجَّدًا} بعد {الشمائل} على هذا؛ وآخر أيضاً وهو أوفق بباب الإشارة وسيأتي فيه إن شاء الله تعالى الفتاح، وبعد لمسلك الذهن اتساع فتأمل فلعل ما ذكرته لا يرضيك. وقد بين الإمام أن اختلاف الظلال دليل على كونها منقادة لله تعالى خاضعة لتقديره وتدبيره سبحانه، ثم قال: فإن قيل لم لا يجوز أن يقال اختلافها معلل باختلاف الشمس؟ قلنا: قد دللنا على أن الجسم لا يكون متحركاً لذاته فلا بد أن يكون تحركه من غيره ولا بد من الاستناد بالآخرة إلى واجب الوجود جل شأنه فيرجع أمر اختلاف الظلال إليه تعالى على هذا التقدير. وأنت تعلم أنه لا ينبغي أن يتردد في أن السبب الظاهري للظلال هو الشمس ونحوها وكثافة الشاخص، نعم في كون ذلك مستنداً إليه تعالى في الحقيقة ابتداء أو بالواسطة خلاف، ومذهب السلف غير خفي عليك فقد أشرنا إليه غير مرة فتذكره إن لم يكن على ذكر منك، ثم الظاهر أن المراد بالظلال الظلال المبسوطة وتسمى المستوية، ويجوز أن يراد بها ما يشمل الظلال المعكوسة فإنها أيضاً تتفيؤ عن اليمين والشمائل فاعرف ذلك ولا تغفل. وقرأ أبو عمرو وعيسى ويعقوب {تتفيؤ} بالتاء على التأنيث، وأمر التأنيث والتذكير في/ الفعل المسند لمثل الجمع المذكور ظاهر. وقرأ عيسى {ظلله} وهو جمع ظلة كحلة وحلل؛ قال صاحب «اللوامح»: الظلة بالضم الغيم وأما بالكسر فهو الفيء والأول جسم والثاني عرض، فرأى عيسى أن التفيؤ الذي هو الرجوع بالأجسام أولى، وأما في العامة فعلى الاستعارة اهـ، ويلوح منه القول بالقراءة بالرأي، ومن الناس من فسر الظلال في قراءة العامة بالأشخاص لتكون على نحو قراءة عيسى، وأنشدوا لاستعمال الظلال في ذلك قول عبدة:شعر : إذا نزلنا نصبنا ظل أخبية وفار للقوم باللحم المراجيل تفسير : فإنه إنما تنصب الأخبية لا الظل الذي هو الفيء، وقول الآخر:شعر : يتبع أفياء الظلال عشية تفسير : فإنه أراد أفياء الأشخاص. وتعقب ذلك الراغب بأنه لا حجة فيما ذكر فإن قوله: رفعنا ظل أخبية معناه رفعنا الأخبية فرفعنا بها ظلها فكأنه رفع الظل، وقوله: أفياء الظلال فالظلام فيه عام والفيء خاص والإضافة من إضافة الشيء إلى جنسه، وقال بعضهم: المراد من الظلة في قراءة عيسى الظل الذي يشبه الظلة، والمراد بها شيء كهيئة الصفة في الانتفاع به وقيل: الكلام في تلك القراءة على حذف مضاف أي ظلال ظلله، وتفسير الظلة بما هو كهيئة الصفة، والمتبادر من الظل حينئذ الظل المعكوس. ثم إنه تعالى بعد أن ذكر ما ذكر أردفه بما يفيده تأكيداً مع زيادة سجود ما لا ظل له فقال سبحانه: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ...}.
ابن عاشور
تفسير : بعد أن نهضت براهين انفراده تعالى بالخلق بما ذكر من تعداد مخلوقاته العظيمة جاء الانتقال إلى دلالة من حال الأجسام التي على الأرض كلّها مشعرةٍ بخضوعها لله تعالى خضوعاً مقارناً لوجودها وتقلّبها آناً فَآناً علم بذلك من علمه وجهله من جهله. وأنبأ عنه لسان الحال بالنسبة لِما لا علم له، وهو ما خلق الله عليه النظام الأرضي خلقاً ينطق لسان حاله بالعبودية لله تعالى، وذلك في أشدّ الأعراض مُلازمةً للذوات، ومطابَقَةً لأشكالها وهو الظلّ. وقد مضى تفصيل هذا الاستدلال عند قوله تعالى: {أية : وظلالهم بالغدوّ والآصال} تفسير : في سورة الرعد (15). فالجملة معطوفة على الجُمل التي قبلها عطف القصّة على القصّة. والاستفهام إنكاري، أي قد رأوا، والرؤية بصرية. وقرأ الجمهور {أولم يروا} بتحتية. وقرأه حمزة والكسائي وخلف {أولم تروا} بالمثناة الفوقية على الخطاب على طريقة الالتفات. و{من شيء} بيانٌ للإبهام الذي في {ما} الموصولة، وإنما كان بياناً باعتبار ما جرى عليه من الوصف بجملة {يتفيؤا ظلاله} الآية. والتفيُّؤُ: تفعّل من فاء الظلّ فيئاً، أي عاد بعد أن أزالَه ضوءُ الشمس. لعلّ أصلهُ من فاء إذا رجع بعد مغادرة المكان، وتفيؤ الظلال تنقّلها من جهات بعد شروق الشمس وبعد زوالها. وتقدم ذكر الظلال عند قوله: {أية : وظلالهم بالغدو والآصال} تفسير : في سورة الرعد (15). وقوله: {عن اليمين والشمائل}، أي عن جهات اليمين وجهات الشمائل مقصود به إيضاح الحالة العجيبة للظلّ إذ يكون عن يمين الشخص مرّة وعن شماله أخرى، أي إذا استقبل جهة ما ثم استدبرها. وليس المراد خصوص اليمين والشمال بل كذلك الأمام والخَلْف، فاختصر الكلام. وأفرد اليمين، لأن المراد به جنس الجهة كما يقال المَشرق. وجمع {الشمائل} مراداً به تعدّد جنس جهة الشمال بتعدّد أصحابها، كما قال: {أية : فلا أقسم برب المشارق}تفسير : [سورة المعارج: 40]. فالمخالفة بالإفراد والجمع تفنّن. ومجيء فعل {يتفيؤا} بتحتية في أوله على صيغة الإفراد جرى على أحد وجهين في الفعل إذا كان فاعله جمعا غير جمع تصحيح، وبذلك قرأ الجمهور. وقرأ أبو عمرو ويعقوب {تتفيأ} بفوقيتين على الوجه الآخر. وأفرد الضمير المضاف إليه (ظلال) مراعاةً للفظ {شيء} وإن كان في المعنى متعدّداً، وباعتبار المعنى أضيف إليه الجمع. و{سجداً} حال من ضمير {ظلاله} العائد إلى {من شيء} فهو قيد للتفيّؤ، أي أن ذلك التفيّؤ يقارنه السجود مقارنة الحصول ضمنه. وقد مضى بيان ذلك عند قوله تعالى: {وظلالهم بالغدوّ والآصال} في سورة الرعد. وجملة {وهم داخرون} في موضع الحال من الضمير في {ظلاله} لأنه في معنى الجمع لرجوعه {ما خلق الله من شيء}. وجُمع بصيغة الجمع الخاصة بالعقلاء تغليباً لأن في جملة الخلائق العقلاء وهم الجنس الأهمّ. والدّاخر: الخاضع الذّليل، أي داخرون لعظمة الله تعالى.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} الآية. تقدم بيان هذه الآية وأمثالها من الآيات في "سورة الرعد".
د. أسعد حومد
تفسير : {يَتَفَيَّؤُاْ} {ظِلاَلُهُ} {ٱلْشَّمَآئِلِ} {دَاخِرُونَ} (48) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ عَظَمَتِهِ، وَكِبْرِيائِهِ، وَجَلاَلِهِ الذِي خَضَعَ لَهُ كُلُّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ، وَدَانَ، فَأَخْبَرَ أَنَّ كُلَّ مَا لَهُ ظِلٌّ يَتَفَيّأ وَيَنْتَقِلُ وَيَمِيلُ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ - أَيْ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً - فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بِظِلِّهِ للهِ تَعَالَى، صَاغِراً ذَلِيلاً، فَكَيْفَ لَمْ يَرَ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ هذِهِ الأَشْيَاءَ القَائِمَةَ حَوْلَهُمْ، فَيَتَفَكَّرُوا فِي عَظَمَةِ الخَالِقِ المُدَبِّرِ لِهذِهِ المَوْجُودَاتِ، وَيَهْتَدُوا إِلى وُجُوبِ عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَإِلى الخُضُوعِ لَهُ؟ (وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ المَخْلُوقَاتِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَعْقِلُ لأَِنَّهُ نَسَبَ إِلَيْهَا السُّجُودَ). يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ - تَمِيلُ وَتَنْتَقِلُ مِنْ جَانِبٍ إِلَى آخَرَ، أَوْ يَرْجِعُ بَعْدَ امْتِدَادٍ. مِنْ شَيءٍ - مِنْ جِسْمٍ قَائِمٍ لَهُ ظِلٌّ. سُجَّداً - مُنْقَادُونَ لِحُكْمِهِ وَتَسْخِيرِهِ تَعَالَى. وَهُمْ دَاخِرُونَ - وَالظِّلاَلُ صَاغِرُونَ مُنْقَادُونَ كَأَصْحَابِهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ ..} [النحل: 48]. المعنى: أَعَمُوا ولم يَرَوْا ولم يتدبروا فيها خلق الله؟ {مِن شَيْءٍ ..} [النحل: 48]. كلمة شيء يسمونها جنس الأجناس، و{مِن} تفيد ابتداء ما يُقال له شيء، أي: أتفه شيء موجود، وهذا يسمونه أدنى الأجناس .. وتفيد أيضاً العموم فيكون: {مِن شَيْءٍ ..} [النحل: 48]. أي: كل شيء. فانظر إلى أيّ شيء في الوجود مهما كان هذا الشيء تافهاً ستجد له ظِلاً: {يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ ..} [النحل: 48]. يتفيأ: من فاءَ أي: رجع، والمراد عودة الظل مرة أخرى إلى الشمس، أو عودة الشمس إلى الظل. فلو نظرنا إلى الظل نجده على نوعين: ظل ثابت مستمر، وظل مُتغيّر، فالظل الثابت دائماً في الأماكن التي لا تصل إليها أشعة الشمس، كقاع البحار وباطن الأرض، فهذا ظِلٌّ ثابت لا تأتيه أشعة الشمس في أي وقت من الأوقات. والظلّ المتحرك الذي يُسمّى الفَيْء لأنه يعود من الظل إلى الشمس، أو من الشمس إلى الظل، إذن: لا يُسمَّى الظل فَيْئاً إلا إذا كان يرجع إلى ما كان عليه. ولكن .. كيف يتكوّن الظل؟ يتكوّن الظل إذا مَا استعرض الشمسَ جسم كثيف يحجب شعاع الشمس، فيكون ظِلاً له في الناحية المقابلة للشمس، هذا الظل له طُولان وله استواء واحد. طول عند الشروق إلى أنْ يبلغَ المغرب، ثم يأخذ في التناقص مع ارتفاع الشمس، فإذا ما استوتْ الشمس في السماء يصبح ظِلّ الشيء في نفسه، وهذه حالة الاستواء، ثم تميل الشمس إلى الغروب، وينعكس طول الظلّ الأول من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق. ويلفتنا الحق تبارك وتعالى إلى هذه الآية الكونية في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً} تفسير : [الفرقان: 45-46]. ذلك لأنك لو نظرتَ إلى الظلِّ وكيف يمتدُّ، وكيف ينقبض وينحسر لوجدتَ شيئاً عجيباً حقاً .. ذلك لأنك تلاحظ الظل في الحالتين يسير سَيْراً انسيابياً. ما معنى: (انسيابي)؟ هو نوع من أنواع الحركة، فالحركة إما حركة انسيابية، أو حركة عن توالي سكونات بين الحركات. وهذه الأخيرة نلاحظها في حركة عقارب الساعة، وهي أوضح في عقرب الثواني منها في عقرب الدقائق، ولا تكاد تشعر بها في عقرب الساعات .. فلو لاحظت عقرب الثواني لوجدتَه يسير عن طريق قفزات منتظمة، تكون حركة فسكوناً فحركة، وهكذا .. ومعنى ذلك أنه يجمع الحركة في حال سكونه، ثم ينطلق بها، وبذلك تمرُّ عليه لحظة لم يكن مُتحركاً فيها، وهذا ما نسميه بالحركة القفزية .. هذه الحركة لا تستطيع رَصْدها في عقرب الساعات؛ لأن القفزة فيه دقيقة لدرجة أن العين المجردة تعجز عن رَصْدها وملاحظتها، هذه هي الحركة القفزية. أما الحركة الانسيابية، فتعني أن كل جزء من الزمن فيه جزء من الحركة .. أي: حركة مستمرة ومُوزّعة بانتظام على الزمن. ونضرب لذلك مثلاً بنمو الطفل .. الطفل الوليد ينمو باستمرار، لكن أمه لملازمتها له لا تلاحظ هذا النمو؛ لأن نظرها عليه دائماً .. فكيف تكون حركة النمو في الطفل؟ هل حركة قفزية يتجمع فيها نمو الطفل كل أسبوع أو كل شهر مثلاً، ثم ينمو طَفْرة واحدة؟ لو كان نموه هكذا لَلاَحظنا نمو الطفل، لكنه ليس كذلك، بل ينمو بحركة انسيابية تُوزّع المِلِّي الواحد من النمو على طول الزمن. فلا نكاد نشعر بنموه. وهكذا حركة الشمس حركة انسيابية، بحيث تُوزع جزئيات الحركة على جُزئيات الزمن، فالشمس ليست مركونة إلى ميكانيكا تتحرك عن التروس كالساعة مثلاً، لا .. بل مركونة إلى أمر الله، موصولة بكُنْ الدائمة. وكأن الحق تبارك وتعالى يريد أن يلِفتَ خَلْقه إلى ظاهرة كونية في الوجود مُحسّة، يدركها كلٌّ مِنّا في ذاته، وفيما يرى من المرائي، ومن هذه المظاهر ظاهرة الظَلّ التي يعجز الإنسان عن إدراك حركته. وفي آية أخرى يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} تفسير : [الرعد: 15]. فالحق سبحانه يريد أن يُعمم الفكرة التسبيحية في الكون كله، كما قال تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..} تفسير : [الإسراء: 44]. فكل ما يُطلَق عليه شيء فهو يُسبِّح مهما كان صغيراً. وقوله تعالى: {يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ ..} [النحل: 48]. لنا هنا وقفة مع الأداء القرآني، حيث أتى باليمين مُفْرداً، في حين أتى بالشمائل على صورة الجمع؛ ذلك لأن الحق تبارك وتعالى لما قال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ ..} [النحل: 48]. أتى بأقلّ ما يُتصوَّر من مخلوقاته سبحانه {مِن شَيْءٍ} وهو مفرد، ثم قال سبحانه: {ظِلاَلُهُ..} [النحل: 48]. بصيغة الجمع. أي: مجموع هذه الأشياء، فالإنسان لا يتفيأ ظِلّ شيء واحد، لا .. بل ظِلّ أشياء متعددة. و{مِن} هنا أفادت العموم: {مِن شَيْءٍ ..} [النحل: 48]. أي: كل شيء. فليناسب المفرد جاء باليمين، وليناسب الجمع جاء بالشمائل. ثم يقول تعالى: {سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النحل: 48]. فما العلاقة بين حركة الظلّ وبين السجود؟ معنى: سُجّداً أي: خضوعاً لله، وكأن حركة الظل وامتداده على امتداد الزمن دليلٌ على أنه موصول بالمحرك الأعلى له، والقائل الأعلى لـ "كُنْ"، والظل آية من آياته سبحانه مُسخّرة له ساجدة خاضعة لقوله: كُنْ فيكون. وقلنا: إن هناك فرقاً بين الشيء تُعِده إعداداً كَوْنياً، والشيء تُعِده إعداداً قدرياً .. فصانع القنبلة الزمنية يُعِدُّها لأنْ تنفجرَ في الزمن الذي يريده، وليس الأمر كذلك في إعداد الكون. الكون أعدّه الله إعداداً قدرياً قائماً على قوله كُنْ، وفي انتظار لهذا الأمر الإلهي باستمرار (كن فيكون). وهكذا .. فليست المسألة مضبوطة ميكانيكاً، لا .. بل مضبوطة قَدرياً. لذلك يحلو لبعض الناس أن يقول: باقٍ للشمس كذا من السنين ثم ينتهي ضوؤها، ويُرتّب على هذا الحكم أشياء أخرى .. نقول: لا .. ليس الأمر كذلك .. فالشمس خاضعة للإعداد القدريّ منضبطةٌ به ومنتظرة لـ"كُنْ" التي يُصغِي لها الكون كله؛ ولذلك يقول تعالى: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}تفسير : [الرحمن: 29]. هكذا بيَّنت الآية الكريمة أن كل ما يُقال له "شيء" يسجد لله عز وجل، وكلمة "شيء" جاءت مُفْردة دالّة على العموم .. وقد عرفنا السجود فيما كلَّفنا الله به من ركن في الصلاة، وهو مُنْتَهى الخضوع، خضوع الذات من العابد للمعبود، فنحن نخضع واقفين، ونخضع راكعين، ونخضع قاعدين، ولكن أتمَّ الخضوع يكون بأنْ نسجدَ لله .. ولماذا كان أتمَّ الخضوع أن نسجدَ لله؟ نقول: لأن الإنسان له ذات عامة، وفي هذا الذات سيد للذات، بحيث إذا أُطلِق انصرف إلى الذات، والمراد به الوجه؛ لذلك حينما يعبّر الحق تبارك وتعالى عن فَنَاء الوجود يقول: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ..} تفسير : [القصص: 88]. وكذلك في قوله: {أية : إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ} تفسير : [الليل: 20-21]. فيُطلَق الوجه ويُراد به الذات، فإذا ما سجد الوجه لله تعالى دلَّ ذلك على خضوع الذات كلها؛ لأن أشرف ما في الإنسان وجهه، فإذا ما ألصقه بالأرض فقد جاء بمنتهى الخضوع بكل ذاته للمعبود عز وجل. كما دَلَّتْ الآية على أن الظل أيضاً يسجد لربه وخالقه سبحانه، والظلال قد تكون لجمادات كالشجر مثلاً، أو بناية أو جبل، وهذه الأشياء الثابتة يكون ظِلّها أيضاً ثابتاً لا يتحرك، أما ظِلّ الإنسان أو الحيوان فهو ظل متحرك، وقد ضرب لنا الحق تبارك وتعالى مثلاً في الخضوع التام بالظلال؛ لأن ظل كل شيء لا يفارق الأرض أبداً، وهذا مثال للخضوع الكامل. ثم يرتفع الحق تبارك وتعالى بمسألة السجود من الجمادات في الظلال في قوله: {أية : وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} تفسير : [الرعد: 15]. يعني الذوات تسجد، وكذلك الظلال تسجد؛ ولذلك يتعجب بعض العارفين من الكافر .. يقول: أيها الكافر ظِلُّك ساجد وأنت جاحد .. جاء هذا الترقِّي في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَهُمْ دَاخِرُونَ} معناه صَاغِرونَ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا } أي: الشاكون في توحيد ربهم وعظمته وكماله، { إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ } أي: إلى جميع مخلوقاته وكيف تتفيأ أظلتها، { عَن الْيَمِينِ } وعن { الشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ } أي: كلها ساجدة لربها خاضعة لعظمته وجلاله، { وَهُمْ دَاخِرُونَ } أي: ذليلون تحت التسخير والتدبير والقهر، ما منهم أحد إلا وناصيته بيد الله وتدبيره عنده. { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مِنْ دَابَّةٍ } من الحيوانات الناطقة والصامتة، { وَالْمَلائِكَةُ } الكرام خصهم بعد العموم لفضلهم وشرفهم وكثرة عبادتهم ولهذا قال: { وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ } أي: عن عبادته على كثرتهم وعظمة أخلاقهم وقوتهم كما قال تعالى: {أية : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ }. تفسير : { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } لما مدحهم بكثرة الطاعة والخضوع لله، مدحهم بالخوف من الله الذي هو فوقهم بالذات والقهر، وكمال الأوصاف، فهم أذلاء تحت قهره. { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } أي: مهما أمرهم الله تعالى امتثلوا لأمره، طوعا واختيارا، وسجود المخلوقات لله تعالى قسمان: سجود اضطرار ودلالة على ما له من صفات الكمال، وهذا عام لكل مخلوق من مؤمن وكافر وبر وفاجر وحيوان ناطق وغيره، وسجود اختيار يختص بأوليائه وعباده المؤمنين من الملائكة وغيرهم [من المخلوقات].
همام الصنعاني
تفسير : 1489- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ}: [الآية: 48]، قال: ظلُّ كلِّ شيءٍ فَيْئهُ، قال: وظلُّ كلِّ شيءٍ سجوده عن اليمين والشمَّائِلِ، فاليمين أول النَّهار، والشمائلُ آخرُ النَّهارِ. 1490- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {دَاخِرُونَ}: [الآية: 48]، قال: صَاغِرُون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):