١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
49
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ} أي من كل ما يدِب على الأرض. {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} يعني الملائكة الذين في الأرض، وإنما أفردهم بالذكر لاختصاصهم بشرف المنزلة، فميّزهم من صفة الدبيب بالذكر وإن دخلوا فيها؛ كقوله: {أية : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} تفسير : [الرحمن: 68]. وقيل: لخروجهم من جملة ما يدِبّ لما جعل الله لهم من الأجنحة، فلم يدخلوا في الجملة فلذلك ذكروا. وقيل: أراد «ولله يسجد ما في السموات» من الملائكة والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب، «وما في الأرض من دابة» وتسجد ملائكة الأرض. {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن عبادة ربهم. وهذا ردّ على قريش حيث زعموا أن الملائكة بنات الله. ومعنى {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ} أي عقاب ربهم وعذابه، لأن العذاب المهلك إنما ينزل من السماء. وقيل: المعنى يخافون قدرة ربهم التي هي فوق قدرتهم؛ ففي الكلام حذف. وقيل: معنى «يخافون ربهم من فوقهم» يعني الملائكة، يخافون ربهم وهي من فوق ما في الأرض من دابة ومع ذلك يخافون؛ فلأن يخاف مَن دونهم أولى؛ دليل هذا القول قوله تعالى: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} يعني الملائكة.
البيضاوي
تفسير : {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أي ينقاد انقياداً يعم الانقياد لإرادته وتأثيره طبعاً والانقياد لتكليفه وأمره طوعاً ليصح إسناده إلى عامة أهل السموات والأرض وقوله: {مِن دَابَّةٍ } بيان لهما لأن الدبيب هو الحركة الجسمانية سواء كانت في أرض أو سماء. {وَٱلْمَلَٰـئِكَةُ } عطف على المبين به عطف جبريل على الملائكة للتعظيم، أو عطف المجردات على الجسمانيات، وبه احتج من قال إن الملائكة أرواح مجردة أو بيان لما في الأرض والملائكة تكرير لما في السموات وتعيين له إجلالاً وتعظيماً، أو المراد بها ملائكتها من الحفظة وغيرهم، وما لما استعمل للعقلاء كما استعمل لغيرهم كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق من تغليباً للعقلاء. {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن عبادته.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَن دَابَّةٍ } أي نسمة تدب عليها أي يخضع له بما يراد منه وغلب في الإتيان ب «ما» ما لا يعقل لكثرته {وَٱلْمَلَئِكَةُ } خصهم بالذكر تفضيلاً {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } يتكبرون عن عبادته.
ابن عطية
تفسير : وقعت {ما} في هذه الآية لما يعقل، قال الزجاج: قوله {ما في السماوات} يعم ملائكة السماء وما في السحاب وما في الجو من حيوان، وقوله {وما في الأرض من دابة} بين، ثم ذكر ملائكة الأرض في قوله {والملائكة} ويحتمل أن يكون قوله: {والملائكة} هو الذي يعم "السماوات والأرض"، وما قبل ذلك لا يدخل فيه ملك، إنما هو للحيوان أجمع، وقوله {يخافون ربهم} عام لجميع الحيوان، وقوله {من فوقهم} يحتمل معنيين: أحدهما الفوقية التي يوصف بها الله تعالى فهي فوقية القدر والعظمة والقهر والسلطان، والآخر أن يتعلق قوله {من فوقهم} بقوله {يخافون} ، أي يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وذلك أن عادة عذاب الأمم إنما أتى من جهة فوق، وقوله {ويفعلون ما يؤمرون} أما المؤمنون فبحسب الشرع والطاعة، وأما غيرهم من الحيوان فبالتسخير والقدر الذي يسوقهم إلى ما نفد من أمر الله تعالى، وقوله {وقال الله} الآية، آية نهي من الله تعالى عن الإشراك به ومعناها لا تتخذوا إلهين اثنين فصاعداً، بما ينصه من قوله {إنما هو إله واحد} ، قالت فرقة المفعول الأول بـ {تتخذوا} قوله {إلهين}، وقوله {اثنين} تأكيد وبيان بالعدد، وهذا معروف في كلام العرب أن يبين المعدود وبذكر عدده تأكيداً، ومنه قوله {إله واحد} لأن لفظ {إله} يقتضي الانفراد، وقال قوم منهم: المفعول الثاني محذوف تقديره معبوداً أو مطاعاً ونحو هذا، وقالت فرقة: المفعول الأول {اثنين} ، والثاني قوله {إلهين} ، وتقدير الكلام لا تتخذوا اثنين إلهين، ومثله قوله تعالى {أية : ألا تتخذوا من دوني وكيلاً ذرية من حملنا مع نوح} تفسير : [الإسراء: 2-3] ففي هذه الآية على بعض الأقوال تقديم المفعول الأول لـ {تتخذوا}، وقوله {فإياي} منصوب بفعل مضمر تقديره فارهبوا إياي فارهبون ولا يعمل فيه الفعل لأنه قد عمل في الضمير المتصل به، وقوله {وله ما في السموات} الآية، الواو في قوله {وله} عاطفة على قوله: {إله واحد} ، وجائز أن يكون واو ابتداء، و {ما} عامة جميع الأشياء مما يعقل ومما لا يعقل، و {السماوات} هنا كل ما ارتفع من الخلق في جهة فوق، فيدخل فيه العرش والكرسي، و {الدين} الطاعة والملك كما قال زهير في دين عمرو: وحالت بيننا فدك. أي في طاعته وملكه، و"الواصب" القائم، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك وقال الشاعر [أبي الأسود]: [الكامل] شعر : لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه يوماً بذم الدهر أجمع واصبا تفسير : ومنه قول حسان: [المديد] شعر : غيرته الريح تسفي به وهزيم رعده واصب تفسير : وقالت فرقة: هو من الوصب وهو التعب، أي وله الدين على تعبه ومشقته. قال القاضي أبو محمد: فـ "واصب" على هذا جار على النسب أي ذا وصب، كما قال: أضحى فؤادي به فاتناً، وهذا كثير، وقال ابن عباس أيضاً: "الواصب" الواجب، وهذا نحو قوله: الواصب الدائم، وقوله {أفغير} ، توبيخ ولفظ استفهام ونصب "غير" بـ {تتقون} ، لأنه فعل لم يعمل في سوى "غير" المذكورة، والواو في قوله {وما بكم} يجوز أن تكون واو ابتداء، ويجوز أن تكون واو الحال، ويكون الكلام متصلاً بقول {أفغير الله تتقون} ، كأنه يقال على جهة التوبيخ: أتتقون غير الله وما منعم عليكم سواه، والباء في قوله {بكم} متعلقة بفعل تقديره وما نزل أو ألم ونحو هذا، و {ما} بمعنى الذي، والفاء في قوله {فمن الله} دخلت بسبب الإبهام الذي في {ما} التي هي بمعنى الذي، فأشبه الكلام الشرط، ومعنى الآية التذكير بأن الإنسان في جليل أمره ودقيقه إنما هو في نعمة الله وأفضاله، إيجاده داخل في ذلك فما بعده، ثم ذكر تعالى بأوقات المرض لكون الإنسان الجاهل يحس فيها قدر الحاجة إلى لطف الله تعالى، و {الضر} وإن كان يعم كل مكروه فأكثر ما يجيء عبارة عن أرزاء البدن، و {تجأرون} معناه ترفعون أصواتكم باستغاثة وتضرع، وأصله في جؤار الثور والبقرة وصياحها، وهو عند جهد يلحقها أو في أثر دم يكون من بقر تذبح، فذلك الصراخ يشبه به انتحاب الداعي المستغيث بالله إذ رفع صوته، ومنه قول الأعشى: [المتقارب] شعر : يراوح من صلوات المليـ ـك طوراً سجوداً وطوراً جؤارا تفسير : وأنشده أبو عبيدة: شعر : بأبيل كلما صلى جأر تفسير : والأصوات تأتي غالباً على فعال أو فعيل: وقرأ الزهري "يجَرَون" بفتح الجيم دون همز حذفت الهمزة وألقيت حركتها على الجيم، كما خففت "تسلون" من "تسألون"، وقوله {ثم إذا كشف الضر} قرأ الجمهور "كشف"، وقرأ قتادة "كاشف"، ووجهها أنها فاعل من واحد بمعنى كشف وهي ضعيفة، و {فريق} هنا يراد به المشركون الذين يرون أن للأصنام أفعالاً من شفاء المرض وجلب الخير ودفع الضر، فهم إذا شفاهم الله عظموا أصنامهم، وأضافوا ذلك الشفاء إليها، وقوله {ليكفروا} يجوز أن يكون اللام لام الصيرورة أي فصار أمرهم ليكفروا، وهم لم يقصدوا بأفعالهم تلك أن يكفروا، ويجوز أن تكون لام أمر على معنى التهديد والوعيد، كقوله {أية : اعملوا ما شئتم} تفسير : [فصلت: 40] والكفر هنا يحتمل أن يكون كفر الجحد بالله والشرك، ويؤيده قوله: {بربهم يشركون}، ويحتمل أن يكون كفر النعمة وهو الأظهر، لقوله: {بما آتيناهم} أي بما أنعمنا عليهم، وقرأ الجمهور {فتمتعوا فسوف تعلمون} على معنى قل لهم يا محمد، وروى أبو رافع عن النبي عليه السلام "فيُمتعوا" بياء من تحت مضمومة "فسوف يعلمون" على معنى ذكر الغائب وكذلك في الروم، وهي قراءة أبي العالية، وقرأ الحسن "فتمتعوا" على الأمر "فسوف يعلمون" بالياء على ذكر الغائب، وعلى ما روى أبو رافع يكون "يمتعوا" في موضع نصب عطفاً على "يكفروا" إن كانت اللام لام كي، أو نصباً بالفاء في جواب الأمر إن كانت اللام لام أمر، ومعنى التمتع في هذه الآية بالحياة الدنيا التي مصيرها إلى الفناء والزوال.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة} قال: لم يدع شيئاً من خلقه إلا عبده له طائعاً أو كارهاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: يسجد من في السموات طوعاً، ومن في الأرض طوعاً وكرهاً. وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله: {يخافون ربهم من فوقهم} قال: مخافة الإجلال. وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: حديث : مر النبي صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يدعو بأصبعيه فقال له: يا سعد، أحد أحد ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال: كانوا إذا رأوا إنساناً يدعو بأصبعيه، ضربوا إحداهما وقالوا: {إنما هو إله واحد}. وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: إن الله يحب أن يدعى هكذا، وأشارت بأصبع واحدة. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: هو الإخلاص، يعني الدعاء بالاصبع. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: الدعاء هكذا - وأشار بأصبع واحدة - مقمعة الشيطان. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: الإخلاص هكذا. وأشار بأصبعيه والدعاء هكذا يعني ببطون كفيه. وللاستخارة هكذا، ورفع يديه وولى ظهرهما وجهه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وله الدين واصباً} قال: {الدين} الإخلاص {واصباً} دائماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: {وله الدين واصباً} قال: لا إله إلا الله. واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وله الدين واصباً} قال: دائماً. وأخرج الفريابي وابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وله الدين واصباً} قال: واجباً. وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: {وله الدين واصباً} ما الواصب؟ قال: الدائم. قال فيه أمية بن أبي الصلت: شعر : ولـه الديـن واصبــاً ولــه الملك وحمد لـه على كل حال تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في الآية قال: إن هذا الدين دين واصب... شغل الناس وحال بينهم وبين كثير من شهواتهم، فما يستطيعه من إلا من عرف فضله ورجا عاقبته. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {فإليه تجأرون} قال: تتضرعون دعاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {فإليه تجأرون} يقول: تضجون بالدعاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {ثم إذا كشف الضر عنكم...} الآية، قال: الخلق كلهم يُقِرُّونَ لله أنه ربهم ثم يشركون بعد ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {فتمتعوا فسوف تعلمون} قال: هو وعيد. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم} قال: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما يعلمون أنه يضرهم ولا ينفعهم نصيباً مما رزقناهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً} قال: هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم وشياطينهم نصيباً مما رزقهم الله، وجزأوا من أموالهم جزءاً فجعلوه لأوثانهم وشياطينهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم} هو قولهم هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا.
القشيري
تفسير : ذلك سجود شهادة لا سجود عبادة، فإذا امتَنَعَتْ عن إقامة الشهادة لقوم قالةٌ، فقد شهد كل جزء منهم من حيث البرهان والدلالة.
الجنابذي
تفسير : {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} نتيجة لسابقه كأنّه قيل: ما فى السّماوات وما فى الارض ظلّ لله تعالى وكلّ ظلّ ساجد منقاد لذى ظلّه كما هو مشهود من ظلال الاشياء، فما فى السّماوات والارض ساجد داخر لله {مِن دَآبَّةٍ} بيان لما فى السّماوات وما فى الارض على ان يكون الدّابة هى الّتى تتحرّك او بيان لما فى الارض {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} عطف على دابّة بطريق النّشر خلاف اللّفّ او على ما فى السّماوات والمراد الملائكة الّذين هم فوق السّماوات والارض {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن عبادته.
الهواري
تفسير : قولِه: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالمَلاَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي: عن عبادة الله. يعني الملائكة. قال بعضهم: [في قوله: {وَالمَلاَئِكَةُ} أي: تسجد ملائكة الأرض] { يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}. قوله: { وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} أي: لا تعبدوا مع الله إلهاً غيره {إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} أي: فخافون. قوله: { وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً} أي: دائماً { أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ} يعني المشركين. على الاستفهام، أي: قد فعلتم، فعبدتم الأوثان من دونه. قوله: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ} أي: المرض وذهاب الأموال والشدائد { فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ} أي: [تصرخون]، أي: تدعونه ولا تدعون الأوثان. وقال مجاهد: {تَجْئَرُونَ} أي: تضّرعون. قال: {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} يعني بالفريق المشركين. {ليَكْفُرُوا بِمَا ءَاتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا} أي: في الدنيا {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وهذا وعيد هوله شديد. قوله: { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ} يعني آلهتهم. أي: يجعلون لما لا يعلمون أنه خلق مع الله شيئاً ولا أمات ولا أحيى ولا رزق معه شيئاً، {نَصِيباً مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ}. يعني قوله: (أية : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا) تفسير : [الأنعام:136]. وقد فسَّرناه قبل هذا الموضع. [وقال بعضهم: هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم وشياطينهم نصيباً مما رزقهم الله]. قال: { تَاللَّهِ} وهو قسم، أقسم الله بنفسه { لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ} يقوله لهم، لما يقولون إن الأوثان تقربهم إلى الله زلفى، وإن الله أمرهم بعبادتها. قوله: { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ} كان مشركو العرب يقولون إن الملائكة بنات الله. قال الله { سُبْحَانَهُ} ينزِّه نفسه عما قالوا { وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ} أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، أي: الغلمان.
اطفيش
تفسير : {وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِى السَّمَٰوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ} سجود خضوع وانقياد لإِرادته. فشمل سجود الوجه وغيره على حد ما مر فصلح إِسناده إِلى عامة ما فى السماوات والأَرض من عاقل وغيره وقد استعمل ما فى العاقل وغيره وهى موضوعة لغيره إِنما غلب على العاقل حتى عبر بما لأَن غير العاقل أكثر وقيل لأَن (ما) وردت للعاقل كما وردت لغيره فكان استعمالها حيث اجتمعا أولى من استعمال من فإِن ورود من لغير العاقل دون ورود ما للعاقل فلو استعملت تغليباً للعاقل لتوهم أن المراد العقلاء وإِن المراد بالدابة فى قوله {مِن دَابَّةٍ} العقلاء فقط وليس كذلك فإِن المراد المعموم للعاقل وغيره من كل ما يدب فى الأَرض أو سماء وشمل الطير لأَنه تنزل وتدب والدبيب تحرك الجسم الحيوانى برجليه أو أرجله منتقلا فمن دابة بيان لما فى السماوات وما فى الأَرض، {وَالْمَلاَئِكَةُ} عطف على (ما) الأَولى عطف خاص على عام لمزيته على أن الذين فى السمٰوات هم الملائكة وخلق يدبون كالإِنسان أو الخلق الذى يقال له الروح ووجه مزيتهم على الخلق الذى يدب فى السماوات ظاهر ووجه مزيتهم على الخلق المسمى بالروح أنهم يطيرون دون الروح ولو فضل عليهم الروح فى آية أُخرى بتخصيصه فيها بالذكر لمزية أخرى وقيل الروح جبريل ويجوز أن يكون من دابة بياناً لما فى الأَرض وما فى السمٰوات الملائكة فقط مع النيرات كرر ذكرهم لأَنهم أطوع الخلق ويجوز أن يراد بما فى السمٰوات ملائكتهن وما معهم وبالملائكة ملائكة الأَرض من الحفظة وغيرهم وزعم بعض أن الملائكة أرواح بلا أجسام وهو خطأَ محض {وَهُمْ} أى الملائكة {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن عبادة الله.
اطفيش
تفسير : {وَلِلَّهِ} لا لغيره ولا مع غيره {يَسْجُدُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ} غير العقلاءِ، والعقلاءُ كما قال: {مِنْ دَابَّةٍ} ما يدب على الأرض من غير العقلاءِ، ومنهم كالجن والإنس، والمراد بالدبيب التنقل فيشمل الحوت ونحوه فى الماءِ لأَن الماءَ على الأرض {وَالْمَلائِكَةُ} عطف على ما الأولى أو الثانية، عطف خاص على عام لأَن فى السماوات ملائكة وفى الأرض ملائكة كالحفظة، وفى الهواءِ ملائكة، وباعتبارهم يكون فيه عموم من حيث إن ما فى الهواءِ لا يصدق عليه أنه فى السماءِ ولا أنه فى الأرض وشمله الدبيب لأنه بمعنى التنقل، إلا إن حكم بأَنهم فى الأرض إذ كانوا تحت السماءِ، والملائِكة أجسام نورانية بلا لحم ودم ونحوهما، ولا يجوز أن يقال: أرواح مجردة عن الدبيب والحركة الجسمانية لأَنه يناقض الحديث، وما حقيقة فى غير العالم مجاز فيه، وقيل حقيقة فيه وفى غيره وعليه فلا مجاز ولا تغليب وقوله: {وهُمْ} أَى الملائِكة {لاَ يَسْتَكْبِرُون} عن العبادة والجملة الكبرى حال أو عطف على قوله: يسجد.
الالوسي
تفسير : {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أو أنه سبحانه بعد ما بين سجود الظلال وذويها من الأجرام السفلية الثابتة في أحيازها ودخورها له سبحانه شرع في شأن سجود المخلوقات المتحركة بالإرادة سواء كانت لها ظلال أم لا؟ فقال عز من قائل ما قال، والمراد بالسجود على ما ذكره غير واحد الانقياد سواء كان انقياداً لإرادته تعالى وتأثيره طبعاً أو انقياداً لتكليفه وأمره طوعاً ليصح إسناده إلى عامة أهل السمٱوات والأرض من غير جمع بين الحقيقة والمجاز ولكون الآية آية سجدة لا بد من دلالتها على السجود المتعارف ولو ضمنا، والاسم الجليل متعلق ـ بيسجد ـ والتقديم لإفادة القصر وهو ينتظم القلب والإفراد إلا أن الأنسب بحال المخاطبين قصر الإفراد كما يؤذن به قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ } تفسير : [النحل: 51] أي له تعالى وحده ينقاد ويخضع جميع ما في السمٱوات وما في الأرض {مِن دَابَّةٍ} بيان لما فيهما بناء على أن الدبيب هو الحركة الجسمانية سواء كان في أرض أو سماء، والملائكة أجسام لطيفة غير مجردة وتقييد الدبيب بكونه على وجه الأرض لظهوره أو لأنه أصل معناه وهو عام هنا بقرينة المبين. وقوله سبحانه: {وَٱلْمَلَـئِكَةُ} عطف على محل الدابة المبين به وهو الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف لأن {مِنْ} البيانية لا تكون ظرفاً لغواً وهو من عطف الخاص على العام إفادة لعظم شأن الملائكة عليهم السلام، وجوز أن يكون من عطف المباين بناء على أن يراد بما في السمٱوات الجسمانية ويلتزم القول بتجرد الملائكة عليهم السلام فلا يدخلون فيما في السمٱوات لأن المجردات ليست في حيز وجهة وبعضهم استدل بالآية على تجرد الملائكة بناء على أن ما في السمٱوات وما في الأرض بين أحدهما بالدابة والآخر بالملائكة والأصل في التقابل التغاير، والدابة المتحركة حركة جسمانية فلا يكون مقابلها من الأجسام لأن الجسم لا بد فيه من حركة جسمانية، ولا يخفى أنه دليل اقناعي إذ يحتمل كونه تخصيصاً بعد تعميم كما سمعت آنفاً أو هو بيان لما في الأرض، والدابة اسم لما يدب على الأرض و {ٱلْمَلَـٰئِكَةَ} عطف على {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} وهو تكرير له وتعيين إجلالاً وتعظيماً، وذكر غير واحد أنه من عطف الخاص على العام لذلك أيضاً، وجوز أن يراد بما في السمٱوات الخلق الذين يقال لهم الروح/ ويلتزم القول بأنهم غير الملائكة عليهم السلام فكيون من عطف المباين أو هما بيان لما في الأرض، والمراد بالملائكة عليهم السلام ملائكة يكونون فيها كالحفظة والكرام الكاتبين ولا يراد بالدابة ما يشملهم، و {مَا} إذا قلنا: إنها مختصة بغير العقلاء كما يشهد له خبر ابن الزبعرى فاستعمالها هنا في العقلاء وغيرهم للتغليب، وأما إن قلنا أن وضعها لأن تستعمل في غير العقلاء وفيما يعم العقلاء وغيرهم كالشبح المرئي الذي لا يعرف أنه عاقل أو لا فإنه يطلق عليه ما حقيقة فالأمر على ما قيل غير محتاج إلى تغليب، وفي «أنوار التنزيل» أن {مَا } استعمل للعقلاء كما استعمل لغيرهم كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق من تغليباً، وفي «الكشاف» أنه لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب فكان متناولاً للعقلاء خاصة فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم إرادة العموم وهو جواب عن سبب اختيار ما على من، وحاصله على ما في «الكشف» أن من للعقلاء والتغليب مجاز فلو جيء بغير قرينة تعين الحقيقة والمقام يقتضي التعميم فجيء بما يعم وهو ما وأراد أن لا دليل في اللفظ، وقرينة العموم في السابق لا تكفي لجواز تخصيصهم من البين بعد التعميم على أن اقتضاء المقام العموم وما في التغليب من الخصوص كاف في العدول انتهى. وقيل بناء على أن ما مختصه بغير العقلاء ومن مختصة بالعقلاء: إن الإتيان بما وارتكاب التغليب أوفق بتعظيم الله تعالى من الإتيان بمن وارتكاب ذلك فليفهم. {وَهُمْ} أي الملائكة مع علو شأنهم {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن عبادته تعالى شأنه والسجود له، وتقديم الضمير ليس للقصر، والسين ليست للطلب وقيل: له على معنى لا يطلبون ذلك فضلاً عن فعله والاتصاف به. وإذا قلنا: إن صيغة المضارع للاستمرار التجددي فالمراد استمرار النفي. والجملة إما حال من فاعل {يَسْجُدُ} مسنداً إلى الملائكة أو استئناف للإخبار عنهم بذلك، وإنما لم يجعل الضمير ـ لما ـ لاختصاصه بأولي العلم وليس المقام مقام التغليب، وخالف في ذلك بعضهم فجعله لها وكذا الضمير في قوله سبحانه: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ...}.
ابن عاشور
تفسير : لما ذُكر في الآية السابقة السجود القسري ذُكر بعده هنا سجود آخر بعضه اختيار وفي بعضه شبه اختيار. وتقديم المجرور على فعله مؤذن بالحصْر، أي سجد لله لا لغيره ما في السماوات وما في الأرض، وهو تعريض بالمشركين إذ يسجدون للأصنام. وأوثرت {ما} الموصولة دون (من) تغليباً لكثرة غير العقلاء. و{من دابة} بيان لــــ{ما في الأرض}، إذ الدابة ما يدبّ على الأرض غير الإنسان. ومعنى سجود الدواب لله أن الله جعل في تفكيرها الإلهامي التذاذها بوجودها وبما هي فيه من المرح والأكل والشرب، وتطلب الدفع عن نفسها من المتغلّب ومن العوارض بالمدافعة أو بالتوقّي، ونحو ذلك من الملائمات. فحالها بذلك كحال شاكر تتيسر تلك الملائمات لها، وإنما تيسيرها لها ممن فطرها. وقد تصحب أحوال تنعّمها حركاتٌ تشبه إيماء الشاكر المقارب للسجود، ولعلّ من حركاتها ما لا يشعر به الناس لخفائه وجهلهم بأوقاته، وإطلاقُ السجود على هذا مجاز. ويشمل {ما في السمٰوات} مخلوقاتٍ غير الملائكة، مثل الأرواح، أو يراد بالسماوات الأجواء فيراد بما فيها الطيُور والفراش. وفي ذكر أشرف المخلوقات وأقلّها تعريض بذمّ من نزل من البشر عن مرتبة الدواب في كفران الخالق، وبمدح من شابَه من البشر حال الملائكة. وفي جعل الدوابّ والملائكة معمولين لــــ{يسجد} استعمال للفظ في حقيقته ومجازه. ووصف الملائكة بأنهم {لا يستكبرون} تعريض ببعد المشركين عن أوج تلك المرتبة الملكية. والجملة حال من {الملائكة}. وجملة {يخافون ربهم} بيان لجملة {وهم لا يستكبرون}. والفوقية في قوله: {من فوقهم} فوقية تصرف ومِلك وشرف كقوله تعالى: {أية : وهو القاهر فوق عباده} تفسير : [سورة الأنعام: 18] وقوله {أية : وإنا فوقهم قاهرون} تفسير : [سورة الأعراف: 127]. وقوله تعالى: {ويفعلون ما يؤمرون}، أي يطيعون ولا تصدر منهم مخالفة. وهنا موضع سجود للقارىء بالاتّفاق. وحكمته هنا إظهار المؤمن أنه من الفريق الممدوح بأنه مشابه للملائكة في السجود لله تعالى.
الواحدي
تفسير : {ولله يسجد} أَيْ: يخضع وينقاد بالتَّسخير {ما في السموات وما في الأرض من دابة} يريد: كلَّ ما دبَّ على الأرض {والملائكة} خصَّهم بالذِّكر تفضيلاً {وهم لا يستكبرون} عن عبادة الله تعالى. يعني: الملائكة. {يخافون ربهم من فوقهم} يعني: الملائكة، هم فوق ما في الأرض من دابَّة، ومع ذلك يخافون الله، فلأَنْ يخافَ مَنْ دونهم أولى {ويفعلون ما يؤمرون} يعني: الملائكة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱلْمَلاۤئِكَةُ} (49) - وَيَسْجُدُ للهِ جَمِيعُ مَا خَلَقَهُ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مِنْ مَلاَئِكَةٍ وَإِنْسَانٍ وَحَيَوانٍ وَشَجَرٍ وَجَمَادٍ، وَلاَ يَسْتَكْبِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنِ السُّجُودِ للهِ تَعَالَى، وَعَنِ الخُضُوعِ لِذَاتِهِ العَلِيَّةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فأجناس الكون التي يعرفها الإنسان أربعة: إما جماد، فإذا وجدتَ خاصية النمو كان النبات، وإذا وجدتَ خاصية الحركة والحسِّ كان الحيوان، فإذا وجدتَ خاصية الفِكْر كان الإنسان، وإذا وجدتَ خاصية العلم الذاتي النوراني كان المَلَك .. هذه هي الأجناس التي نعرفها. الحق تبارك وتعالى ينقلُنا هنا نَقْلة من الظلال الساجدة، للجمادات الثابتة، إلى الشيء الذي يتحرك، وهو وإنْ كان مُتحركاً إلا أن ظلّه أيضاً على الأرض، فإذا كان الحق سبحانه قد قال: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} [النحل: 49]. فقد فصَّل هذا الإجمال بقوله: {مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ ..} [النحل: 49]. أي: من أقلّ الأشياء المتحركة وهي الدابة، إلى أعلى الأشياء وهي الملائكة .. وقد يقول قائل: وهل ما في السماوات وما في الأرض يسجد لله؟ نقول له: نعم .. لأنك فسرتَ السجود فيك أنت بوضْع جبهتك على الأرض، ليدلّ على أن الذات بعلُوّها ودنُوّها ساجدة لله خاضعة تمام الخضوع، حيث جعلتَ الجبهة مع القدم. والحق تبارك وتعالى يريد منّا أن نعرف استطراق العبودية في الوجود كله؛ لأن الكافر وإنْ كانَ مُتمرِّداً على الله فيما جعل الله له فيه اختيارا، في أنْ يؤمن أو يكفر، في أن يطيع أو يعصي، ولكن الله أعطاه الاختيار. نقول له: إنك قد ألفْتَ التمرّد على الله، فطلب منك أن تؤمن لكنك كفرتَ، وطلبَ منك يا مؤمن أن تطيعَ فعصيتَ، إذن: فلكَ إلْفٌ بالتمرّد على الحق .. ولكن لا تعتقد أنك خرجتَ من السجود والخضوع لله؛ لأن الله يُجري عليك أشياء تكرهها، ولكنها تقع عليك رغم أنفك وأنت خاضع. وهذا معنى قوله تعالى في الآية السابقة: {أية : وَهُمْ دَاخِرُونَ} تفسير : [النحل: 48]. أي: صاغرون مُستذلِّون مُنقَادُونَ مع أنهم أَلِفُوا التمرُّد على الحق سبحانه. وإلا فهذا الذي أَلِف الخروج عن مُرادات الله فيما له فيه اختيار، هل يستطيع أنْ يتأبَّى على الله إذا أراد أنْ يُمرضه، أو يُفقره، أو يميته؟ لا، لا يستطيع، بل هو داخر صاغر في كل ما يُجريه عليه من مقادير، وإنْ كان يأباها، وإنْ كان قد أَلِف الخروج عن مُرادات الله. إذن: ليس في كون الله شيء يستطيع الخروج عن مرادات الله؛ لأنه ما خرج عن مرادات الله الشرعية في التكليف إلا بما أعطاه الله من اختيار، وإلا لو لم يُعْطه الاختيار لما استطاع التمرّد، كما في المرادات الكونية التي لا اختيارَ فيها. لذلك نقول للكافر الذي تمرّد على الحق سبحانه: تمرّد إذا أصابك مرض، وقُلْ: لن أمرض، تمرَّد على الفقر وقُلْ: لن أفتقر .. وما دُمْتَ لا تقدر وسوف تخضع راغماً فلتخضعْ راضياً وتكسب الأمر، وتنتهي مشكلة حياتك، وتستقبل حياة أخرى أنظف من هذه الحياة. وقوله تعالى: {مِن دَآبَّةٍ ..} [النحل: 49]. هو كل ما يدبّ على الأرض، والدَّبُّ على الأرض معناه الحركة والمشي .. وقوله: {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ ..} [النحل: 49]. أي: أن الملائكة لا يُقال لها دابة؛ لأن الله جعل سَعْيها في الأمور بأجنحة فقال تعالى: {أية : أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ..} تفسير : [فاطر: 1]. وقال في آية أخرى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 38]. فخلق الله الطائر يطير بجناحيه مقابلاً للدابة التي تدب على الأرض، فاستحوذ على الأمرين: الدابة والملائكة. و{مَا} في الآية تُطلق على غير العالمين وغير العاقلين؛ ذلك لأن أغلبَ الأشياء الموجودة في الكون ليس لها عِلْم أو معرفة؛ ولذلك قال تعالى في آية أخرى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ..} تفسير : [الأحزاب: 72]. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 49]. أي: أن الملائكة الذين هم أعلى شيء في خَلْق الله لا يستكبرون؛ لأن علوّهم في الخَلْق من نورانية وكذا وكذا لا يعطيهم إدلالاً على خالقهم سبحانه؛ لأن الذي أعطاهم هذا التكريم هو الله سبحانه وتعالى. وما دام الله هو الذي أعطاهم هذا التكريم فلا يجوز الإدلال به؛ لأن الذي يُدِلُّ إنما يُدِلُّ بالذاتيات غير الموهوبة، أما الشيء الموهوب من الغير فلاَ يجوز أن تُدِلَّ به على مَنْ وهبه لك. لذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ..} تفسير : [النساء: 172]. فلن يمتنعوا عن عبادة الله والسجود له رغم أن الله كرَّمهم ورفعهم. ثم يقول تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):