١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
50
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } يخافونه أن يرسل عذاباً من فوقهم، أو يخافونه وهو فوقهم بالقهر كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ }تفسير : [الأنعام: 18] والجملة حال من الضمير في {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ }، أو بيان له وتقرير لأن من خاف الله تعالى لم يستكبر عن عبادته. {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } من الطاعة والتدبير، وفيه دليل على أَنَّ الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَخَافُونَ } أي الملائكة حال من ضمير يستكبرون {رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } حال من «ربهم» أي عالياً عليهم بالقهر {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } به.
ابن عبد السلام
تفسير : {رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} عذاب ربهم لأنه ينزل من فوقهم من السماء، أو قدرته التي هي فوق قدرتهم.
ابو السعود
تفسير : {يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ} أي مالكَ أمرِهم وفيه تربـيةٌ للمهابة وإشعارٌ بعلة الحكم {مّن فَوْقِهِمْ} أي يخافونه جل وعلا خوفَ هيبةٍ وإجلالٍ وهو فوقهم بالقهر كقوله تعالى: { أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} تفسير : [الأنعام، الآية 18] أو يخافون أن يرسِل عليهم عذاباً من فوقهم، والجملةُ حالٌ من الضمير في لا يستكبرون أو بـيانٌ له وتقريرٌ لأن من يخاف الله سبحانه لا يستكبر عن عبادته {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} أي ما يؤمرون به من الطاعات والتدبـيرات، وإيرادُ الفعل مبنياً للمفعول جرْيٌ على سَنن الجلالة وإيذانٌ بعدم الحاجةِ إلى التصريح بالفاعل لاستحالة استنادِه إلى غيره سبحانه، وفيه أن الملائكة مكلّفون مُدارون بـين الخوف والرجاء، وبعد ما بُـيّن أن جميعَ الموجودات يُخَصّون بالخضوع والانقياد أصلاً لله عز وجل أُردف ذلك بحكاية نهْيِه سبحانه وتعالى للمكلفين عن الإشراك فقيل: {وَقَالَ ٱللَّهُ} عطف على قوله: ولله يسجد، وإظهارُ الفاعل وتخصيصُ لفظة الجلالة بالذكر للإيذان بأنه متعيِّنُ الألوهية، وإنما المنهيُّ عنه هو الإشراكُ به لا أن المنهيَّ عنه مطلقُ اتخاذِ إلٰهين بحيث يتحقق الانتهاءُ عنه برفض أيِّهما كان أي قال تعالى لجميع المكلفين: {لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ} وإنما ذُكر العددُ مع أن صيغة التثنيةِ مغنيةٌ عن ذلك دلالةً على أن مساقَ النهي هو الاثنَيْنيّة وأنها منافيةٌ للألوهية كما أن وصفَ الإلٰه بالوَحدة في قوله تعالى: {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ} للدلالة على أن المقصودَ إثباتُ الوحدانية وأنها من لوازم الإلٰهيةِ، وأما الإلٰهيةُ فأمرٌ مسلَّمُ الثبوت له سبحانه وإليه أشير حيث أُسند إليه القول، وفيه التفاتٌ من التكلم إلى الغَيبة على رأي من اكتفىٰ في تحقق الالتفاتِ بكون الأسلوب الملتفَتِ عنه حقَّ الكلام ولم يشترِط سبقَ الذكرِ على ذلك الوجه {فَإيَّـٰيَ فَٱرْهَبُونِ} التفاتٌ من الغيبة إلى التكلم لتربـية المهابةِ وإلقاءِ الرهبة في القلوب ولذلك قدّم المفعولَ وكرر الفعلَ أي إن كنتم راهبـين شيئاً فإيايَ فارهبون لا غيرُ فإني ذلك الواحدُ الذي يسجُد له ما في السموات والأرض. {وَلَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض} خلقاً ومُلكاً تقريرٌ لعلة انقيادِ ما فيها له سبحانه خاصة، وتحقيقٌ لتخصيص الرهبة به تعالى وتقديمُ الحرفِ لتقوية ما في اللام من معنى الاختصاصِ وكذا في قوله تعالى: {وَلَهُ ٱلدّينُ} أي الطاعةُ والانقياد {وَاصِبًا} أي واجباً ثابتاً لا زوالَ له لِما تقرّر أنه الإلٰهُ وحده الحقيقُ بأن يُرهَبَ، وقيل: واصباً من الوصب أي وله الدين ذا كلفة، وقيل: الدينُ الجزاءُ أي وله الجزاءُ الدائمُ بحيث لا ينقطع ثوابُه لمن آمن وعقابُه لمن كفر {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ} الهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه السياقُ أي أعَقيبَ تقرّرِ الشؤون المذكورةِ من تخصيص جميعِ الموجودات للسجود به تعالى وكونِ ذلك كلِّه له، ونهيِه عن اتخاذ الأندادِ وكونِ الدين له واصباً المستدعي ذلك لتخصيص التقوىٰ به سبحانه غيرَ الله الذين شأنُه ما ذكر تتقون فتطيعون.
القشيري
تفسير : يخافون الله أن يُنزلَ عليهم عذاباً من فوق رؤوسهم. {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} لا يعصونه ولا يحيدون عن طاعته. ويقال خيرُ شيء للعبد في الدنيا والآخرة الخوفُ؛ إذ يمنعه من الزَّلة ويحمله على الطاعة.
اسماعيل حقي
تفسير : {يخافون ربهم} اى مالك امرهم والجملة حال من الضمير فى لا يستكبرون {من فوقهم} اى يخافونه تعالى خوف هيبة واجلال وهو فوقهم بالقهر لقوله تعالى {أية : وهو القاهر فوق عباده}تفسير : فهو حال من ربهم. قال فى التبيان عند قوله {أية : وهو القاهر فوق عباده}تفسير : يعنى الغالب عباده وفوق صلته انتهى. او يخافون ان يرسل عليهم عذابا من فوقهم فهو متعلق بيخافون. قال فى التأويلات النجمية معنى {يخافون ربهم} اى يأتيهم العذاب {من فوقهم} ان عصوه {ويفعلون ما يؤمرون} اى ما يأمرهم الخالق من الطاعات والتدبيرات من غير تثاقل عنه وتوان فيه وفه ان الملائكة مكلفون مدارون على الامر والنهى والوعد والوعيد وبين الخوف والرجاء وفى الحديث "حديث : ان لله ملائكة فى السماء السابعة سجد منذ خلقهم الله الى يوم القيامة ترعد فرائصهم من مخافة الله فاذا كان يوم القيامة رفعوا رؤوسهم وقالوا سبحانك ما عبدناك حق عبادتك"تفسير : كذلك فى تفسير ابى الليث. ويقال من لسان الاشارة ان الامطار والمياه دموع الملائكة والارض فهم يخافون الله تعالى بقدر ما وسعهم من معرفة جلاله فما بال الانسان يمشى آمنا ضاحكا مع سوء حاله والله الهادى
الجنابذي
تفسير : {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ} حال على سبيل التّرادف او التّداخل او مستأنف لبيان حالهم او للتّعليل على عدم استكبارهم وفاعل لا يستكبرون امّا الملائكة او جملة ما فى السّماوات وما فى الارض والملائكة وليس المراد بالخوف ما هو من صفات النّفس ومنفىّ عمّن تخلّص من النّفس وصفاتها كما قال تعالى: {أية : أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} تفسير : [يونس:62] بل المراد هو التّذلّل والانقباض الّذى هو حاصل لكلّ محاط بالنّسبة الى المحيط المعبّر عنه بالخشيّة والهيبة والسّطوه باعتبار مراتب الموصوفين ولذلك قيّده بقوله: من فوقهم سواء كان ظرفاً مستقرّاً حالاً من ربهّم، او ظرفاً لغواً متعلّقاً بيخافون اى يخافون خوفاً ناشئاً من فوقهم {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} فانّ حالهم كحال القوى النّفسانية بالنّسبة الى النّفس الانسانيّة من حيث انّها لا تعصيها اذا كانت باقية على السّلامة الطّبيعيّة بل كحال الصّور الذّهنيّة بالنّسبة الى النّفس من حيث انّها لا وجود لها سوى وجود النّفس، فحال الملائكة بل حال جميع الموجودات تكويناً كحال القوى والصّور الذّهنيّة وان كان حال الانسان اختياراً غير حاله تكويناً لانّه يعصى ويتأبّى ممّا امر به ويزعم انّ له وجوداً وفعلاً بنفسه.
اطفيش
تفسير : {يَخَافُونَ رَبَّهُم} الجملة حال لازمة من واو يستكبرون لأَنهم خائفون أبداً والجملة تفسير لقوله لا يستكبرون وبيان وتقرير فإِن من خاف الله لا يستكبر عن عبادته. {مِنْ فَوْقِهِمْ} متعلق لمحذوف والمصدر من ذلك المحذوف بدل اشتمال من اسمه تعالى أى يخافون ربهم أن يرسل عذاباً من فوقهم ويجوز أن يقدر المحذوف مصدر أى يخافون ربهم إِرساله عذاباً من فوقهم أو متعلق بمحذوف حال من اسمه تعالى أى يخافون ربهم كائنا فوقهم بالقهر وذلك نص فى خوف الملائكة وهم أيضاً راجعون ولم يذكر رجاهم لأَن المقام للتهديد والتخويف، ولكن الخوف متضمن له لأَن من لم يرج لا يقال إِنه خائف بل آيس وكذا الرجاء متضمن للخوف فإِن من لم يخف لا يقال إِنه راج بل آمن {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} أى ما يؤمرون به أو ما يؤمرونه وكل من ذلك شاذ فى السعة على المشهور وهذا نص فى أن الملائكة مكلفون ودخل فى فعل ما أمروا به وترك ما نهوا عنه فإِن المنهى عنه مأْمور بتركه فإِذا اجتنبوه فقد فعلوا الترك. قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : إِنى أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربعة أصابع إِلا وملِك واضع جبهته ساجداً والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إِلى الصعدات تجأرون إِلى الله"تفسير : . قال الراوى أبو ذر ـ رضى الله عنه ـ وددت أنى كنت شجرة تعضد والأطيط لثقل الحمل والصعدات الأَراضى التى هى واسعة صحار وتجأَرون ترفعون أصواتكم بالدعاء وتعضد تقطع.
اطفيش
تفسير : {يَخَافَون رَبَّهُمْ} عذاب ربهم {منْ فَوْقِهِمْ} حال من رب، والمراد علو شأْن عليهم بالقهر كما قال: "أية : وهو القاهر فوق عباده" تفسير : [ألأنعام: 18، 61] أَو متعلق بمحذوف بمعنى يخافون عذاب ربهم الآتى من فوقهم، أَو يخافون عذابه آتيا، وليس صفة أو حالا كاشفا بل مؤسسا لأن العذاب يكون من تحت كما يكون من فوق، والجملة تقرير لقوله: "أية : لا يستكبرون "تفسير : [النحل: 49] أو بيان له، ومن خاف الله لم يستكبر عن عبادته {وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُون} به من فعل أو ترك إذ هم مكلفون بمعنى أَنهم مأمورون منهيون، أو غير مكلفين بمعنى أنهم لم يكلفوا ما فيه مشقة، إذ لا تلحقهم مشقة فى عبادتهم، وحذف العائد المجرور مع عدم شرطه للعلم به، وهكذا غير هذه الآية، وإن لم يعلم لم يحذف نحو عجبت فيما رغبت إِذا لم يدر رغبت فيه أو عنه، والمانع وهو المشهور بجعل ما مصدرية بمعنى يمتثلون أمرهم أى أمر الله إياهم استدل بعض بالآية على عدم عصمة الملائكة على معنى أن لهم نفوسا تدعو للمعصية وهو خطأٌ لأن خوفهم إجلال لا خوف وعيد عند بعض، وصححه بعض ونقله عن ابن عباس رضى الله عنهما، أو لما قال: نجزيه جهنم منعهم ذلك على أن يكون لهم ميل للمعصية فهم معصومون عنها، والصحيح أن خوفهم خوف وعيد لقوله تعالى: "أية : وهم من خشيته مشفقون" تفسير : [الأنبياء: 28] "أية : ومن يقل منهم إني إله من دونه"تفسير : [الأنبياء: 29] إلخ ولا ينافى ذلك عصمتهم، وقد يجاب بأَن المراد: أشفقوا أن يكونوا لم يبلغوا القدر الواجب من إِجلاله عليهم، والخوف مستلزم للرجاءِ فهم راجون، ولا سيما أنهم يخدمون أكرم الأكرمين.
الالوسي
تفسير : . {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ} وممن صرح بعود الضمير فيه على {ما} [النحل: 49] أبو سليمان الدمشقي، وقال أبو حيان: إنه الظاهر، وذهب ابن السائب ومقاتل إلى ما قلنا أي يخافون مالك أمرهم. {مّن فَوْقِهِمْ} إما متعلق ـ بيخافون ـ وخوف ربهم كناية عن خوف عذابه أو الكلام على تقدير مضاف هو العذاب على ما هو الظاهر أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من {رَّبَّهُمْ} أي كائناً من فوقهم، ومعنى كونه سبحانه فوقهم قهره وغلبته لأن الفوقية المكانية مستحيلة بالنسبة إليه تعالى، ومذهب السلف قد أسلفناه لك وأظنه على ذكر منك. والجملة حال من الضمير في {أية : لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } تفسير : [النحل: 49] وجوز أن تكون بياناً لنفي الاستكبار وتقريراً له لأن من خاف الله تعالى لم يستكبر عن عبادته، واختاره ابن المنير وقال: إنه الوجه ليس إلا لئلا يتقيد الاستكبار وليدل على ثبوت هذه الصفة أيضاً على الإطلاق، ولا بد أن يقال على تقدير الحالية: إنها حال غير منتقلة وقد جاءت في الفصيح بل في أفصحه على الصحيح، وفي اختيار عنوان الربوبية تربية للمهابة وإشعار بعلة الحكم. {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} أي ما يؤمرون به من الطاعات والتدبيرات وإيراد الفعل مبيناً للمفعول جرى على سنن الجلالة وإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بالفاعل لاستحالة استناده إلى غيره سبحانه، واستدل بالآية على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء، أما دلالتها على التكليف فلمكان الأمر، وأما على الخوف فهو أظهر من أن يخفى، وأما على الرجاء فلاستلزام الخوف له على ما قيل، وقيل: إن اتصافهم بالرجاء لأن من خدم أكرم/ الأكرمين كان من الرجاء بمكان مكين، وزعم بعضهم أن خوفهم ليس إلا خوف إجلال ومهابة لا خوف وعيد وعذاب، ويرده قوله تعالى: {أية : وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إِلَـٰهٌ مّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 28-29] ولا ينافي ذلك عصمتهم، وقال الإمام: الأصح أن ذلك الخوف خوف الإجلال، وذكر أنه نقل عن ابن عباس واستدل له بقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } تفسير : [فاطر: 28] وفي القلب منه شيء، والحق أن الآية لا تصلح دليلاً لكون الملائكة أفضل من البشر. واستدل بها فرقة على ذلك من أربعة أوجه ذكرها الإمام ولم يتعقبها بشيء لأنه ممن يقول بهذه الأفضلية، وموضع تحقيق ذلك كتب الكلام. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} وهو القيامة الكبرى التي يرتفع فيها حجب التعينات ويضمحل السوى، ولما كان صلى الله عليه وسلم مشاهداً لذلك في عين الجمع قال {أَتَىٰ} ولما كان ظهورها على التفصيل بحيث تظهر للكل لا يكون إلا بعد حين قال: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} لأن هذا ليس وقت ظهوره، ثم أكد شهوده لوجه الله تعالى وفناء الخلق في القيامة بقوله: {أية : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تفسير : [النحل: 1] بإثبات وجود الغير، ثم فصل ما شاهد في عين الجمع لكونه في مقام الفرق بعد الجمع لا يحتجب بالوحدة عن الكثرة ولا بالعكس فقال: {يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ} وهو العلم الذي تحيا به القلوب {عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} وهم المخلصون له {أية : أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ فَٱتَّقُونِ } تفسير : [النحل: 2] وقال بعضهم: أي خوفوا الخلق من الخواطر الرديئة الممزوجة بالنظر إلى غيري وخوفهم من عظيم جلالي، وهذا وحي تبليغ وهو مخصوص بالمرسلين عليهم السلام، وذكروا أن الوحي إذا لم يكن كذلك غير مخصوص بهم بل يكون للأولياء أيضاً {أية : ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ أَن لا تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ } تفسير : [فصلت: 30] وقد روي عن بعض أئمة أهل البيت أن الملائكة تزاحمهم في مجالسهم، ثم إنه تعالى عدد الصفات وفصل النعم فقال: {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ } تفسير : [النحل: 3] الخ، وفي قوله سبحانه: {أية : وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ } تفسير : [النحل: 7] الخ إشارة كما نقل عن الجنيد قدس سره إلى أنه ينبغي لمن أراد البلوغ إلى مقصده أن يكون أول أمره وقصده الجهد والاجتهاد ليوصله بركة ذلك إلى مقصوده، وذكروا أن المحمولين من العباد إلى المقاصد أصناف وكذا المحمول عليه، فمحمول بنور الفعل، ومحمول بنور الصفة، ومحمول بنور الذات، فالمحمول بنور الفعل يكون بلده مقام الخوف والرجاء ومحلته صدق اليقين وداره مربع الشهود، والمحمول بنور الصفة يكون بلده مقام المعرفة ومحلته صفو الخلة وداره دار المودة، والمحمول بنور الذات يكون بلده التوحيد ومحلته الفناء وداره البقاء، وهذه الأصناف للسالك، وأما المجذوب فمحمول على مطية الفضل إلى بلد المشاهدة، وفي قوله سبحانه: {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [النحل: 8] تحيير للأفهام وتعجيز أي تعجيز عن أن تدرك الملك العلام؛ وقال بعضهم: إن فيها تعليماً للوقوف عند ما لا يدركه العقل من آثار الصنع وفنون العلم وعدم مقابلة ذلك بالإنكار حيث أخبر سبحانه أنه يخلق ما لا يعلم بمقتضى القوى البشرية المعتادة وإنما يعلم بقوة إلهية وعناية صمدية، ألا ترى الصوفية الذين من الله تعالى عليهم بما من كيف علموا عوالم عظيمة نسبة عالم الشهادة إليها كنسبة الذرة إلى الجبل العظيم، وممن زعم الانتظام في سلكهم كالكفشية الملقبين أنفسهم بالكشفية من ذكر من ذلك أشياء لا يشك العاقل في أنها لا أصل لها بل لو عرض كلامهم في ذلك على الأطفال أو المجانين لم يشكوا في أنه حديث خرافة صادر عن محض التخيل، وأنا أسأل الله تعالى أن لا يبتلي مسلماً بمثل ما ابتلاهم، وقد عزمت حين رأيت بعض كتبهم التي ألفها بعض معاصرينا منهم مما اشتمل على ذلك على أن أصنع نحو ما صنعوا/ مقابلة للباطل بمثله لكن منعني الحياء من الله تعالى والاشتغال بخدمة كلامه سبحانه والعلم بأن تلك الخرافات لا تروج إلا عند من سلب منه الإدراك والتحق بالجمادات، وقال الواسطي في الآية: المعنى يخلق فيكم من الأفعال ما لا تعلمون أنها لكم أم عليكم {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} أي السبيل القصد وهو التوحيد {وَمِنْهَا جَائِرٌ} وهو ما عدا ذلك {أية : وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [النحل: 9] لكنه لم يشأ لعدم استعدادكم ولتظهر صفات جماله وجلاله سبحانه: {وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ} وهم الأوتاد أرباب التمكين {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} أي تضطرب، ومن الكلام المشهور على الألسنة لو خلت قلبت {وَأَنْهَـٰراً} وهم العلماء الذين تحيا بفرات علومهم أشجار القلوب {أية : وَسُبُلاً} تفسير : [النحل: 15] وهم المرشدون الداعون إليه تعالى {وَعَلامَـٰتٍ} وهي الآيات الآفاقية والأنفسية {أية : وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } تفسير : [النحل: 16] وهي الأنوار التي تلوح للسالك من عالم الغيب. وقال بعضهم: ألقى في أرض القلوب رواسي العلوم الغيبية والمعارف السرمدية وأجرى فيها أنهار أنوار المعرفة والمكاشفة والمحبة والشوق والعشق والحكمة والفطنة وأوضح سبلاً للأرواح والعقول والأسرار، فسبيل الأرواح إلى أنوار الصفات، وسبيل العقول إلى أنوار الآيات، وسبيل الأسرار إلى أنوار الذات، والسبل في الحقيقة غير متناهية، ومن كلامهم الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق. والعلامات في الظاهر أنوار الأفعال للعموم، وأخص العلامات في العالم الأولياء، والنجوم أهل المعارف الذين يسبحون في أفلاك الديمومية بأرواحهم وقلوبهم وأسرارهم من اقتدى بهم يهتدي إلى مقصوده الأبدي، وفي الحديث «حديث : أصحابـي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» تفسير : والمراد بهم خواصهم ليتأتى الخطاب، ويجوز أن يراد كلهم والخطاب لنا ولا مانع من ذلك على مشرب القوم {أية : وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوٰتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } تفسير : [النحل: 20-21] ما أعظمها آية في النهي على من يستغيث بغير الله تعالى من الجمادات والأموات ويطلب منه ما لا يستطيع جلبه لنفسه أو دفعه عنها. وقال بعض أكابر السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم: إن الاستغاثة بالأولياء محظورة إلا من عارف يميز بين الحدوث والقدم فيستغيث بالولي لا من حيث نفسه بل من حيث ظهور الحق فيه فإن ذلك غير محظور لأنه استغاثة بالحق حينئذ؛ وأنا أقول إذا كان الأمر كذلك فما الداعي للعدول عن الاستغاثة بالحق من أول الأمر؟ وأيضاً إذا ساغت الاستغاثة بالولي من هذه الحيثية فلتسغ الصلاة والصوم وسائر أنواع العبادة له من تلك الحيثية أيضاً، ولعل القائل بذلك قائل بهذا. بل قد رأيت لبعضهم ما يكون هذا القول بالنسبة إليه تسبيح ولا يكاد يجري قلمي أو يفتح فمي بذكره، فالطريق المأمون عند كل رشيد قصر الاستغاثة والاستعانة على الله عز وجل فهو سبحانه الحي القادر العالم بمصالح عباده، فإياك والانتظام في سلك الذين يرجون النفع من غيره تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } تفسير : [النحل: 28] ذكروا أن السابقين الموحدين يتوفاهم الله تعالى بذاته، وأما الأبرار والسعداء فقسمان، فمن ترقى عن مقام النفس بالتجرد ووصل إلى مقام القلب بالعلوم والفضائل يتوفاهم ملك الموت، ومن كان في مقام النفس من العباد والصلحاء والزهاد المتشرعين الذين لم يتجردوا عن علائق البدن بالتحلية والتخلية تتوفاهم ملائكة الرحمة، وأما الأشرار الأشقياء فتتوفاهم الملائكة أيضاً ولكن ملائكة العذاب ويتشكلون لهم على صورة أخلاقهم الذميمة كما يتشكل ملائكة الرحمة لمن تقدم على صورة أخلاقهم الحسنة {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ طَيّبِينَ } تفسير : [النحل: 32] طابت نفوسهم في خدمة مولاها وطابت قلوبهم في محبة/ سيدها وطابت أرواحهم بطيب مشاهدة ربها وطابت أسرارهم بطيب الأنوار، وقيل: طيبة أبدانهم وأرواحهم بملازمة الخدمة وترك الشهوات. وقيل: طيبة أرواحهم بالموت لكونه باب الوصال وسبب الحياة الأبدية {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآء ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء } تفسير : [النحل: 35] قالوه إلزاماً بزعمهم للموحدين وما دروا أنه حجة عليهم لأنه تعالى لا يشاء إلا ما يعلم ولا يعلم إلا ما عليه الشيء في نفسه فلولا أنهم في نفس الأمر مشركون ما شاء الله تعالى ذلك. {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [النحل: 43] هم أهل القرآن المتخلقون بأخلاقه القائمون بأمره ونهيه الواقفون على ما أودع فيه من الأسرار والغيوب وقليل ما هم فالمراد بالذكر القرآن كما في قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } تفسير : [النحل: 44]. وفيه إشارة إلى أن الله تعالى لم يظهر مكنونات أسرار كتابه إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم فهو عليه الصلاة والسلام الأمين المؤتمن على الأسرار. وقد أشار سبحانه له عليه الصلاه والسلام بتبيين ذلك وقد فعل ولكن على حسب القابليات ـ لا تمنعوا الحكمة عن أهلها فتظلموهم ولا تمنحوها غير أهلها فتظلموها ـ ولا تودع الأسرار إلا عند الأحرار. وذلك لأنها أمانة وإذا أودعت عند غيرهم لم يؤمن عليها من الخيانة وخيانتها إفشاؤها وإفشاؤها خطر عظيم. ولذا قيل:شعر : من شاوروه فأبدى السر مشتهراً لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وجانبوه فلم يسعد بقربهم وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا لا يصطفون مذيعا بعض سرهم حاشا ودادهم من ذاكم حاشا تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْء} أي ذات وحقيقة مخلوقة أية ذات كانت {يَتَفَيَّأُ ظِلَـٰلُهُ } قيل: أي يتمثل صوره ومظاهره {عَنِ ٱلْيَمِينِ} جهة الخير {أية : وَٱلْشَّمَآئِلِ} تفسير : [النحل: 48] جهات الشرور، ولما كانت جهة اليمين إشارة إلى جهة الخير الذي لا ينسب إلا إليه تعالى وحد اليمين ولما كانت جهة الشمال إشارة إلى جهة الشر الذي لا ينبغي أن ينسب إليه تعالى كما يرشد إليه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والشر ليس إليك» تفسير : ولكن ينسب إلى غيره سبحانه وكان في الغير تعدد ظاهر جمع الشمال. وقيل في وجه الإفراد والجمع: إن جميع الموجودات تشترك في نوع من الخير لا تكاد تفيء عنه وهو العشق فقد برهن ابن سينا على سريان قوة العشق في كل واحد من الهويات ولا تكاد تشترك في شر كذلك فما تفيء عنه من الشر لا يكون إلا متعدداً فلذا جمع الشمال ولا كذلك ما تفيء عنه من الخير فلذا أفرد اليمين فليتأمل {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ} ينقاد {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ} أي موجود يدب ويتحرك من العدم إلى الوجود {أية : وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} تفسير : [النحل: 49] لا يمتنعون عن الانقياد والتذلل لأمره {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ} لأنه القاهر المؤثر فيهم {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50] طوعاً وانقياداً، والله تعالى الهادي سواء السبيل. ثم إنه تعالى بعد ما بين أن جميع الموجودات خاضعة منقادة له تعالى أردف ذلك بحكاية نهيه سبحانه وتعالى للمكلفين عن الاشراك فقال عز قائلا: {وَقَالَ ٱللَّهُ...}.
د. أسعد حومد
تفسير : (50) - وَيَسْجُدُ للهِ جَمِيعُ مَا خَلَقَهُ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مِنْ مَلاَئِكَةٍ وَبَشَرٍ وَحَيَوانٍ وَجَمَادٍ، وَهُمْ خَائِفُونَ وَجِلُونَ مِنَ الرَّبِّ العَظِيمِ، جَلَّ جَلاَلُهُ، وَهُمْ مُثَابِرُونَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَتَرْكَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ما هو الخوف؟ الخوف هو الفزع والوجَلَ، والخوف والفزع والوجل لا يكون إلا من ترقب شيء من أعلى منك لا تقدر أنت على رَفْعه، ولو أمكنك رَفْعه لما كان هناك داعٍٍ للخوف منه؛ لذلك فالأمور التي تدخل في مقدوراتك لا تخاف منها، تقول: إنْ حصل كذا أفعل كذا .. الخ: وإذا كان الملائكة الكرام: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6]. فما داعي الخوف إذن؟ نقول: إن الخوف قد يكون من تقصير حدث منك تخاف عاقبته، وقد يكون الخوف عن مهابة للمخُوف وإجلاله وتعظيمه دون ذنب ودون تقصير، ولذلك نجد الشاعر العربي يقول في تبرير هذا الخوف: شعر : أَهَابُكَ إِجْلاَلاً ومَا بِكَ قُدْرة عليَّ ولكِنْ مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُها تفسير : إذن: مرّة يأتي الخوف لتوقُّع أذى لتقصير منك، ومرَّة يأتي لمجرد المهابة والإجلال والتعظيم. وقوله تعالى: {مِّن فَوْقِهِمْ ..} [النحل: 50]. ما المراد بالفوْقية هنا؟ نحن نعرف أن الجهات ستّ: فوق، وتحت، ويمين، وشمال، وأمام، وخلف .. بقيتْ جهة الفَوقْية لتكون هي المسيطرة؛ ولذلك حتى في بناء الحصون يُشيّدونها على الأماكن العالية لتتحكم بعلُوّها في متابعة جميع الجهات. إذن: فالفوقية هي محلّ العُلو، وهذه الفوقية قد تكون فوقية مكان، أو فوقية مكانة. فالذي يقول: إنها فوقية مكان، يرى أن الله في السماء، بدليل أن الجارية التي سُئِلت: أين الله؟ أشارتْ إلى السماء، وقالت: في السماء. فأشارت إلى جهة العُلُو؛ لأنه لا يصح أن نقول: إن الله تحت، فالله سبحانه مُنزَّه عن المكان، وما نُزِّه عن المكان نُزِّه عن الزمان، فالله عز وجل مُنزَّه عن أنْ تُحيّزه، لا بمكان ولا بزمان؛ لأن المكان والزمان به خُلِقاً .. فمَن الذي خلق الزمان والمكان؟ إذن: ما داما به خُلِقاً فهو سبحانه مُنزَّه عن الزمان والمكان. وهم قالوا بأن الفوقية هنا فوقية حقيقية .. فوقية مكان، أي: أنه تعالى أعلى مِنّا .. ونقول لمن يقول بهذه الفوقية: الله أَعْلى مِنّا .. من أيّ ناحية؟ من هذه أم من هذه؟ إذن: الفوقية هنا فوقية مكانة، بدليل أننا نرى الحرس الذين يحرسون القصور ويحرسون الحصون يكون الحارس أعلى من المحروس .. فوقه، فهو فوقه مكاناً، إنما هل هو فوقه مكانة؟ بالطبع لا. وقوله تعالى: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50]. وهذه هي الطاعة، وهي أن تفعلَ ما أُمِرتْ به، وأنْ تجتنبَ ما نُهيتَ عنه، ولكن الآية هنا ذكرت جانباً واحداً من الطاعة، وهو: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50]. ولم تقُلْ الآية مثلاً: ويجتنبون ما ينهوْنَ عنه، لماذا؟ .. نقول: لأن في الآية ما يسمونه بالتلازم المنطقي، والمراد بالتلازم المنطقي أن كلَّ نهي عن شيء فيه أمر بما يقابله، فكل نهي يؤول إلى أمر بمقابله. فقوله سبحانه: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50]. تستلزم منطقياً "ويجتنبون ما يُنهَوْن عنه" وكأن الآية جمعت الجانبين. والحق سبحانه وتعالى خلق الملائكة لا عمل لهم إلا أنهم هُيِّموا في ذات الله، ومنهم ملائكة مُوكّلون بالخلق، وهم: {أية : فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} تفسير : [النازعات: 5]. ويقول تعالى: {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الرعد: 11]. ومنهم: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ} تفسير : [الانفطار: 10-11]. إذن: فهناك ملائكة لها علاقة بِنَا، وهم الذين أمرهم الحق سبحانه أن يسجدوا لآدم حينما خلقه الله، وصوَّره بيده، ونفخ فيه من رُوحه .. وكأن الله سبحانه يقول لهم: هذا هو الإنسان الذي ستكونون في خدمته، فالسجود له بأمر الله إعلانٌ بأنهم يحفظونه من أمر الله، ويكتبون له كذا، ويعملون له كذا، ويُدبِّرون له الأمور .. الخ. أما الملائكة الذين لا علاقة لهم بالإنسان، ولا يدرون به، ولا يعرفون عنه شيئاً، هؤلاء المعْنِيون في قوله سبحانه لإبليس: {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} تفسير : [ص: 75]. أي: أستكبرتَ أنْ تسجدَ؟ أم كنتَ من الصِّنْف الملَكي العالي؟ .. هذا الصنف من الملائكة ليس لهم علاقة بالإنسان، وكُلُّ مهمتهم التسبيح والذكْر، وهم المعنيون بقوله تعالى: {أية : يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 20]. كلُّ شيء - إذن - في الوجود خاضع لمرادات الحق سبحانه منه، إلا ما استثنى الله فيه الإنسان بالاختيار، فالله سبحانه لم يقهر أحداً، لا الإنسان ولا الكون الذي يعيش فيه، فقد عرض الله سبحانه الأمانة على السمٰوات والأرض والجبال، فأبيْنَ أن يحملنها وأشفقْنَ منها .. وكأنها قالت: لا نريد أن نكون مختارين، بل نريد أن نكون مُسخَّرين، ولا دَخْلَ لنا في موضوع الأمانة والتكليف!! لماذا - إذن - يأبى الكون بسمائه وأرضه تحمُّل هذه المسئولية؟ نقول: لأن هناك فَرْقاً بين تقبُّل الشيء وقت تحمُّله، والقدرة على الشيء وقت أدائه .. هناك فَرْق .. عندنا تحمُّل وعندنا أداء .. وقد سبق أنْ ضربنا مثلاً لتحمُّل الأمانة وقُلْنا: هَبْ أن إنساناً أراد أن يُودع عندك مبلغاً من المال مخافة تبديده لتحفظه له لحين الحاجة إليه، وأنت في هذا الوقت قادر على التحمل وتنوي أداء أمانته إليه عند طلبها وذمَّتك قوية، ونيتك صادقة. وهذا وقت تحمُّل الأمانة، فإذا ما جاء وقت الأداء، فربما تضطرك الظروف إلى إنفاق هذا المال، أو يعرض لك عارضٌ يمنعك من الأداء أو تتغيّر ذمتك. إذن: وقت الأداء شيء آخر. لذلك، فالذي يريد أنْ يُبرىء ذمته لا يضمن وقت الأداء ويمتنع عن تحمُّل الأمانة ويقول لنفسه: لا، إن كنت أضمن نفسي وقت التحمل فلا أضمن نفسي وقت الأداء. هذا مثال لما حدثَ من السماء والأرض والجبال حينما رفضت تحمُّل الأمانة، ذلك لأنها تُقدّر مسئوليتها وثقلها وعدم ضمان القيام بحقها، لذلك رفضت تحمُّلها من بداية الأمر. وكذلك يجب أن يكون الإنسان عاقلاً عند تحمُّل الأمانات؛ ولذلك يقول تعالى: {أية : وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. ما الذي جهله الإنسان؟ جهل تقدير حالة وقت أداء الأمانة، فظلم نفسه، ولو أنه خرج من باب الجمال كما يقولون لَقالَ: يا ربِّ اجعلني مثل السماء والأرض والجبال، وما تُجريه عليَّ، فأنا طَوْع أمرك. ولذلك، فمن عباد الله مَنْ قَبِل الاختيار وتحمَّل التكليف، ولكنه خرج عن اختياره ومراده لمراد ربِّه وخالقه، فقال: يا رب أنت خلقْتَ فينا اختياراً، ونحن به قادرون أن نفعل أو لا نفعل، ولكنَّا تنازلنا عن اختيارنا لاختيارك، وعن مرادنا لمرادك، ونحن طَوْع أمرك .. هؤلاء هم عباد الله الذين استحقوا هذه النسبة إليه سبحانه وتعالى. إذن: هناك فَرْق بين مَنْ يفعل اختياراً مع قدرته على ألاَّ يفعل، وبين مَنْ يفعل بالقهر والتسخير .. فالأول مع أنه قادر ألاَّ يفعل، فقد غلَّب مُراد ربِّه في التكليف على مراد نفسه في الاختيار. ثم ينتقل الحق - تبارك وتعالى - إلى قمة القضايا العقدية بالنسبة للإنسان، فيقول تعالى: {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):