Verse. 1952 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَقَالَ اللہُ لَا تَتَّخِذُوْۗا اِلٰـہَيْنِ اثْـنَيْنِ۝۰ۚ اِنَّمَا ہُوَاِلٰہٌ وَّاحِدٌ۝۰ۚ فَاِيَّايَ فَارْہَبُوْنِ۝۵۱
Waqala Allahu la tattakhithoo ilahayni ithnayni innama huwa ilahun wahidun faiyyaya fairhabooni

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين» تأكيد «إنما هو إله واحد» أتى به لإثبات الإلهية والوحدانية «فإياي فارهبون» خافون دون غيري وفيه التفات عن الغيبة.

51

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن كل ما سوى الله سواء كان من عالم الأرواح أو من عالم الأجسام، فهو منقاد خاضع لجلال الله تعالى وكبريائه، أتبعه في هذه الآية بالنهي عن الشرك وبالأمر بأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه وأنه غني عن الكل فقال: {لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: إن الإلهين لا بد وأن يكونا اثنين، فما الفائدة في قوله: {إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ }. وجوابه من وجوه: أحدها: قال صاحب «النظم»: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: لا تتخذوا اثنين إلهين. وثانيها: وهو الأقرب عندي أن الشيء إذا كان مستنكراً مستقبحاً، فمن أراد المبالغة في التنفير عنه عبر عنه بعبارات كثيرة ليصير توالي تلك العبارات سبباً لوقوف العقل على ما فيه من القبح. إذا عرفت هذا فالقول بوجود الإلهين قول مستقبح في العقول، ولهذا المعنى فإن أحداً من العقلاء لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجوب والقدم وصفات الكمال، فقوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ } المقصود من تكريره تأكيد التنفير عنه وتكميل وقوف العقل على ما فيه من القبح. وثالثها: أن قوله: {إِلـٰهَيْنِ } لفظ واحد يدل على أمرين: ثبوت الإله وثبوت التعدد، فإذا قيل: لا تتخذوا إلهين لم يعرف من هذا اللفظ أن النهي وقع عن إثبات الإله أو عن إثبات التعدد أو عن مجموعهما. فلما قال: {لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ } ثبت أن قوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ } نهي عن إثبات التعدد فقط. ورابعها: أن الأثنينية منافية للإلهية، وتقريره من وجوه: الأول: أنا لو فرضنا موجودين يكون كل واحد منهما واجباً لذاته لكانا مشتركين في الوجوب الذاتي ومتباينين بالتعين وما به المشاركة غير ما به المباينة، فكل واحد منهما مركب من جزأين، وكل مركب فهو ممكن، فثبت أن القول بأن واجب الوجود أكثر من واحد ينفي القول بكونهما واجبي الوجود. والثاني: أنا لو فرضنا إلهين وحاول أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه امتنع كون أحدهما أولى بالفعل من الثاني، لأن الحركة الواحدة والسكون الواحد لا يقبل القسمة أصلاً ولا التفاوت أصلاً، وإذا كان كذلك امتنع أن تكون القدرة على أحدهما أكمل من القدرة على الثاني، وإذا ثبت هذا امتنع كون إحدى القدرتين أولى بالتأثير من الثانية، وإذا ثبت هذا فإما أن يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال، أو لا يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال أو لا يحصل مراد كل واحد منهما ألبتة. فحينئذ يكون كل واحد منهما عاجزاً والعاجز لا يكون إلهاً. فثبت أن كونهما اثنين ينفي كون كل واحد منهما إلهاً. الثالث: أنا لو فرضنا إلهين اثنين لكان إما أن يقدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر، فإن قدر ذاك إله والآخر ضعيف، وإن لم يقدر فهو ضعيف، والرابع: وهو أن أحدهما إما أن يقوى على مخالفة الآخر، أو لا يقوى عليه فإن لم يقو عليه فهو ضعيف، وإن قوي عليه فذاك الآخر إن لم يقو على الدفع فهو ضعيف، وإن قوي عليه فالأول المغلوب ضعيف. فثبت أن الأثنينية والإلهية متضادتان. فقوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ } المقصود منه التنبيه على حصول المنافاة والمضادة بين الإلهية وبين الأثنينية. والله أعلم. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال: {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ } والمعنى: أنه لما دلت الدلائل السابقة على أنه لا بد للعالم من الإله، وثبت أن القول بوجود الإلهين محال، ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد الحق الصمد. ثم قال بعده: {فَإيَّـٰيَ فَٱرْهَبُونِ } وهذا رجوع من الغيبة إلى الحضور، والتقدير: أنه لما ثبت أن الإله واحد وثبت أن المتكلم بهذا الكلام إله، فحينئذ ثبت إنه لا إله للعالم إلا المتكلم بهذا الكلام، فحينئذ يحسن منه أن يعدل من الغيبة إلى الحضور، ويقول: {فَإيَّـٰيَ فَٱرْهَبُونِ } وفيه دقيقة أخرى وهو أن قوله: {فَإيَّـٰيَ فَٱرْهَبُونِ } يفيد الحصر، وهو أن لا يرهب الخلق إلا منه، وأن لا يرغبوا إلا في فضله وإحسانه، وذلك لأن الموجود إما قديم وإما محدث، أما القديم الذي هو الإله فهو واحد، وأما ما سواه فمحدث، وإنما حدث بتخليق ذلك القديم وبإيجاده، وإذا كان كذلك فلا رغبة إلا إليه ولا رهبة إلا منه، فبفضله تندفع الحاجات وبتكوينه وبتخليقه تنقطع الضرورات. ثم قال بعده: {وَلَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } وهذا حق، لأنه لما كان الإله واحداً، والواجب لذاته واحداً، كان كل ما سواه حاصلاً بتخليقه وتكوينه وإيجاده، فثبت بهذا البرهان صحة قوله: {وَلَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، لأن أفعال العباد من جملة ما في السموات والأرض، فوجب أن تكون أفعال العباد لله تعالى، وليس المراد من كونها لله تعالى أنها مفعولة لله لأجله ولغرض طاعته، لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة، لا لغرض الطاعة، فوجب أن يكون المراد من قولنا إنها لله أنها واقعة بتكوينه وتخليقه وهو المطلوب. ثم قال بعده: {وَلَهُ ٱلدّينُ وَاصِبًا } الدين ههنا الطاعة، والواصب الدائم. يقال: وصب الشيء يصب وصوباً إذا دام، قال تعالى: { أية : وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ } تفسير : [الصافات: 9] ويقال: واظب على الشيء وواصب عليه إذا داوم، ومفازة واصبة أي بعيدة لا غاية لها. ويقال للعليل واصب، ليكون ذلك المرض لازماً له. قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع، إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو بالموت إلا الحق سبحانه، فإن طاعته واجبة أبداً. واعلم أن قوله: {واصباً} حال، والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل. وأقول: الدين قد يعني به الانقياد. يقال: يا من دانت له الرقاب أي انقادت. فقوله: {وله الدين واصباً} أي انقياد كل ما سواه له لازم أبداً، لأن انقياد غيره له معلل بأن غيره ممكن لذاته، والممكن لذاته يلزمه أن يكون محتاجاً إلى السبب في طرفي الوجود والعدم والماهيات يلزمها الإمكان لزوماً ذاتياً، والإمكان يلزمه الاحتياج إلى المؤثر لزوماً ذاتياً، ينتج أن الماهيات يلزمها الاحتياج إلى المؤثر لزوماً ذاتياً فهذه الماهيات موصوفة بالانقياد لله تعالى أتصافاً دائماً واجباً لازماً ممتنع التغير. وأقول: في الآية دقيقة أخرى، وهي أن العقلاء اتفقوا على أن الممكن حال حدوثه محتاج إلى السبب المرجح، واختلفوا في الممكن حال بقائه هل هو محتاج إلى السبب؟ قال المحققون: إنه محتاج لأن علة الحاجة هي الإمكان والإمكان من لوازم الماهية فيكون حاصلاً للماهية حال حدوثها وحال بقائها فتكون علة الحاجة حال حدوث الممكن وحال بقائه، فوجب أن تكون الحاجة حاصلة حال حدوثها وحال بقائها. إذا عرفت هذا فقوله: {وله ما في السموات والأرض} معناه: أن كل ما سوى الحق فإنه محتاج في انقلابه من العدم إلى الوجود أو من الوجود إلى العدم إلى مرجح ومخصص، وقوله: {وله الدين واصباً} معناه أن هذا الانقياد وهذا الاحتياج حاصل دائماً أبداً، وهو إشارة إلى ما ذكرناه من أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرجح والمخصص، وهذه دقائق من أسرار العلوم الإلهية مودعة في هذه الألفاظ الفائضة من عالم الوحي والنبوة. ثم قال تعالى: {أفغير الله تتقون} والمعنى: أنكم بعد ما عرفتم أن إله العالم واحد وعرفتم أن كل ما سواه محتاج إليه في وقت حدوثه، ومحتاج إليه أيضاً في وقت دوامه وبقائه، فبعد العلم بهذه الأصول كيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة في غير الله تعالى أو رهبة عن غير الله تعالى؟ فلهذا المعنى قال على سبيل التعجب: {أفغير الله تتقون}. ثم قال: {وما بكم من نعمة فمن الله} وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه لما بين بالآية الأولى أن الواجب على العاقل أن لا يتقي غير الله، بين في هذه الآية أنه يجب عليه أن لا يشكر أحداً إلا الله تعالى، لأن الشكر إنما يلزم على النعمة، وكل نعمة حصلت للإنسان فهي من الله تعالى لقوله: {وما بكم من نعمة فمن الله} فثبت بهذا أن العاقل يجب عليه أن لا يخاف وأن لا يتقي أحداً إلا الله وأن لا يشكر أحداً إلا الله تعالى. المسألة الثانية؛ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإيمان حصل بخلق الله تعالى فقالوا الإيمان نعمة، وكل نعمة فهي من الله تعالى لقوله: {وما بكم من نعمة فمن الله} ينتج أن الإيمان من الله وإنما قلنا: إن الإيمان نعمة، لأن المسلمين مطبقون على قولهم: الحمد لله على نعمة الإيمان، وأيضاً فالنعمة عبارة عن كل ما يكون منتفعاً به، وأعظم الأشياء في النفع هو الإيمان، فثبت أنا لإيمان نعمة. وإذا ثبت هذا فنقول: وكل نعمة فهي من الله تعالى لقوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} وهذه اللفظة تفيد العموم، وأيضاً مما يدل علىأن كل نعمة فهي من الله، لأن كل ما كان موجوداً فهو إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، والواجب لذاته ليس إلا الله تعالى، والممكن لذاته لا يوجد إلا لمرجح، وذلك المرجح إن كان واجباً لذاته كان حصول ذلك الممكن بإيجاد الله تعالى وإن كان ممكناً لذاته عاد التقسيم الأول فيه، ولا يذهب إلى التسلسل، بل ينتهي إلى إيجاد الواجب لذته، فثبت بهذا البيان أن كل نعمة فهي من الله تعالى. المسألة الثالثة: النعم إما دينية وإما دنيوية، أما النعم الدينية فهي إما معرفة الحق لذاته وإما معرفة الخير لأجل العمل به، وأما النعم الدنيوية فهي إما نفسانية، وإما بدنية وإما خارجية وكل واحد من هذه الثلاثة جنس تحته أنواع خارجة عن الحصر والتحديد كما قال: {أية : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} تفسير : [إبراهيم: 34] والإشارة إلى تفصيل تلك الأنواع قد ذكرناها مراراً فلا نعيدها. المسالة الرابعة: إنما دخلت الفاء في قوله: {فمن الله} لأن الباء في قوله: {بكم} متصلة بفعل مضمر، والمعنى: ما يكن بكم أو ما حل بكم من نعمة فمن الله. ثم قال تعالى: {ثم إِذا مسكم الضر} قال ابن عباس: يريد الأسقام والأمراض والحاجة: {فإليه تجأرون} أي ترفعون أصواتكم بالاستغاثة، وتتضرعون إليه بالدعاء يقال: جأر يجأر جؤاراً وهو الصوت الشديد كصوت البقرة، وقال الأعشى يصف راهباً: شعر : يراوح من صلوات المليك طوراً سجوداً وطوراً جؤارا تفسير : والمعنى: أنه تعالى بين أن جميع النعم من الله تعالى، ثم إذا اتفق لأحد مضرة توجب زوال شيء من تلك النعم فإلى الله يجأر، أي لا يستغيث أحداً إلا الله تعالى لعلمه بأنه لا مفزع للخلق إلا هو، فكأنه تعالى قال لهم فأين أنتم عن هذه الطريقة في حال الرخاء والسلامة، ثم قال بعده: {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} فبين تعالى أن عند كشف الضر وسلامة الأحوال يفترقون ففريق منهم يبقى على مثل ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى الله تعالى، وفريق منهم عند ذلك يتغيرون فيشركون بالله غيره، وهذا جهل وضلال، لأنه لما شهدت فطرته الأصلية وخلقته الغريزية عند نزول البلاء والضراء والآفات والمخافات أن لا مفزع إلا إلى الواحد، ولا مستغاث إلا الواحد فعند زوال البلاء والضراء وجب أن يبقى على ذلك الاعتقاد، فأما أنه عند نزول البلاء يقر بأنه لا مستغاث إلا الله تعالى، وعند زوال البلاء يثبت الأضداد والشركاء، فهذا جهل عظيم وضلال كامل. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} تفسير : [العنكبوت: 65]. ثم قال تعالى: لآليكفروا بما آتيناهم} وفي هذه اللام وجهان: الأول: أنها لام كي والمعنى أنهم أشركوا بالله غيره في كشف ذلك الضر عنهم. وغرضهم من ذلك الإشراك أن ينكروا كون ذلك الإنعام من الله تعالى، ألا نرى أن العليل إذا اشتد وجعه تضرع إلى الله تعالى في إزالة ذلك الوجع، فإذا زال أحال زواله على الدواء الفلاني والعلاج الفلاني، وهذا أكثر أحوال الخلق. وقال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي رحمه الله: في اليوم الذي كنت أكتب هذه الأوراق وهو اليوم الأول من محرم سنة أثنتين وستمائة حصلت زلزلة شديدة، وهذه عظيمة وقت الصبح ورأيت الناس يصيحون بالدعاء والتضرع، فلما سكتت وطاب الهواء، وحسن أنواع الوقت نسوا في الحال تلك الزلزلة وعادوا إلى ما كانوا عليه من تلك السفاهة والجهالة، وكانت هذه الحالة التي شرحها الله تعالى في هذه الآية تجري مجرى الصفة اللازمة لجوهر نفس الإنسان. والقول الثاني: أن هذه اللام لام العاقبة كقوله تعالى: {أية : فاتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} تفسير : [القصص: 8] يعني أن عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفر. واعلم أن المراد بقوله: {بما آتيناهم} فيه قولان: الأول: أنه عبارة عن كشف الضر وإزالة المكروه. والثاني: قال بعضهم: المراد به القرآن وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من النبوة والشرائع. واعلم أنه تعالى توعدهم بعد ذلك فقال: {فتمتعوا} وهذا لفظ أمر، والمراد منه التهديد، كقوله: {أية : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} تفسير : [الكهف: 29] وقوله: {أية : قل آمنوا به أو لا تؤمنوا} تفسير : [الإسراء: 107]. ثم قال تعالى: {فسوف تعلمون} أي عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ} قيل: المعنى لا تتخذوا اثنين إلٰهين. وقيل: جاء قوله «اثنينِ» توكيداً. ولما كان الإلٰه الحق لا يتعدّد وأن كل من يتعدّد فليس بإلٰه، اقتصر على ذكر الاثنين؛ لأنه قصد نفي التعديد. {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ} يعني ذاته المقدّسة. وقد قام الدليل العقلي والشرعي على وحدانيته حسبما تقدّم في «البقرة» بيانه وذكرناه في اسمه الواحد في شرح الأسماء، والحمد لله. {فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} أي خافون. وقد تقدّم في «البقرة».

البيضاوي

تفسير : {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ } ذكر العدد مع أن المعدود يدل عليه دلالة على أن مساق النهي إليه، أو إيماءِ بأن الاثنينية تنافي الألوهية كما ذكر الواحد في قوله: {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ } للدلالة على أن المقصود إثبات الوحدانية دون الإِلهية، أو للتنبيه على أن الوحدة من لوازم الإِلهية. {فَإيَّـٰيَ فَٱرْهَبُونِ } نقل من الغيبة إلى التكلم مبالغة في الترهيب وتصريحاً بالمقصود فكأنه قال: فأنا ذلك الإِله الواحد فإياي فارهبون لا غير.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه {وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا} قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وميمون بن مهران والسدي وقتادة وغير واحد: أي: دائماً، وعن ابن عباس أيضا: أي: واجباً. وقال مجاهد: أي: خالصاً له، أي: له العبادة وحده ممن في السموات والأرض، كقوله: { أية : أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلاَْرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} تفسير : [آل عمران: 83] هذا على قول ابن عباس وعكرمة، فيكون من باب الخبر، وأما على قول مجاهد، فإنه يكون من باب الطلب، أي: ارهبوا أن تشركوا بي شيئاً، وأخلصوا لي الطاعة؛ كقوله تعالى: {أية : أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} تفسير : [الزمر: 3] ثم أخبر أنه مالك النفع والضر، وأن ما بالعباد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله عليهم، وإحسانه إليهم {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـئَرُونَ} أي: لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو، فإنكم عند الضرورات تلجؤون إليه وتسألونه، وتلحون في الرغبة إليه مستغيثين به، كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ كَفُورًا} تفسير : [الإسراء: 67] وقال ههنا: { ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتَيْنَـٰهُمْ} قيل: اللام ههنا لام العاقبة. وقيل: لام التعليل، بمعنى: قيضنا لهم ذلك؛ ليكفروا، أي: يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم، وأنه المسدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النقم، ثم توعدهم قائلاً: {فَتَمَتَّعُواْ} أي: اعملوا ما شئتم، وتمتعوا بما أنتم فيه قليلاً، {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي: عاقبة ذلك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ } تأكيد {إِنَّمَا هُوَ إِلٰهٌ وَاحِدٌ } أتى به لإِثبات الإِلهية والوحدانية {فَإيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ } خافون دون غيري وفيه التفات عن الغيبة.

الشوكاني

تفسير : لما بين سبحانه أن مخلوقاته السماوية والأرضية منقادة له، خاضعة لجلاله، أتبع ذلك بالنهي عن الشرك بقوله: {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ } فنهى سبحانه عن اتخاذ إلهين، ثم أثبت أن الإلهية منحصرة في إله واحد وهو الله سبحانه. وقد قيل: إن التثنية في إلهين قد دلت على الاثنينية، والإفراد في إلٰه قد دلّ على الوحدة، فما وجه وصف إلهين باثنين، ووصف إله واحد؟ فقيل في الجواب: إن في الكلام تقديماً وتأخيراً، والتقدير: لا تتخذوا اثنين إلهين إنما هو واحد إلٰه، وقيل: إن التكرير لأجل المبالغة في التنفير عن اتخاذ الشريك. وقيل: إن فائدة زيادة اثنين هي أن يعلم أن النهي راجع إلى التعدّد لا إلى الجنسية، وفائدة زيادة واحد دفع توهم أن المراد إثبات الإلهية دون الواحدية، مع أن الإلهية له سبحانه مسلمة في نفسها، وإنما خلاف المشركين في الواحدية. ثم نقل الكلام سبحانه من الغيبة إلى التكلم على طريقة الالتفات لزيادة الترهيب، فقال: {فَإيَّـٰيَ فَٱرْهَبُونِ } أي: إن كنتم راهبين شيئاً، فإياي فارهبون لا غيري. وقد مرّ مثل هذا في أول البقرة. ثم لما قرّر سبحانه وحدانيته، وأنه الذي يجب أن يخصّ بالرهبة منه والرغبة إليه، ذكر أن الكلّ في ملكه وتحت تصرّفه فقال: {وَلَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وهذه الجملة مقررة لمن تقدّم في قوله:{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ} إلى آخره، وتقديم الخبر لإفادة الاختصاص {وَلَهُ ٱلدّينُ وَاصِبًا } أي: ثابتاً واجباً دائماً لا يزول، والدين هو الطاعة والإخلاص. قال الفراء {وَاصِبًا } معناه دائماً، ومنه قول الدؤلي:شعر : لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه بذمّ يكون الدهر أجمع واصبا تفسير : أي: دائماً. وروي عن الفراء أيضاً أنه قال: الواصب: الخالص، والأوّل أولى، ومنه قوله سبحانه: {أية : وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ } تفسير : [الصافات: 9] أي دائم. وقال الزجاج: أي طاعته واجبة أبداً. ففسر الواصب بالواجب. وقال ابن قتيبة في تفسير الواصب: أي ليس أحد يطاع إلاّ انقطع ذلك بزوال أو بهلكة غير الله تعالى، فإن الطاعة تدوم له. ففسر الواصب بالدائم. وإذا دام الشيء دواماً لا ينقطع فقد وجب وثبت. يقال: وصب الشيء يصب وصوباً، فهو واصب: إذا دام، ووصب الرجل على الأمر: إذا واظب عليه. وقيل: الوصب التعب والإعياء، أي: يجب طاعة الله سبحانه وإن تعب العبد فيها وهو غير مناسب لما في الآية، والاستفهام في قوله: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ } للتقريع والتوبيخ، وهو معطوف على مقدّر، كما في نظائره. والمعنى: إذا كان الدين: أي الطاعة واجباً له دائماً لا ينقطع كان المناسب لذلك تخصيص التقوى به وعدم إيقاعها لغيره. ثم امتنّ سبحانه عليهم بأن جميع ما هم متقلبون فيه من النعم هو منه لا من غيره، فقال: {وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ } أي: ما يلابسكم من النعم على اختلاف أنواعها فمن الله، أي: فهي منه، فتكون ما شرطية، ويجوز أن تكون موصولة متضمنة معنى الشرط، و{بكم} صلتها، و{من نعمة} حال من الضمير في الجار والمجرور، أو بيان لـ "ما". وقوله: {فَمِنَ ٱللَّهِ } الخبر، وعلى كون "ما" شرطية يكون فعل الشرط محذوفاً، أي: ما يكن، والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته، ومعرفة الخير لأجل العمل به. وإما دنيوية نفسانية، أو بدنية، أو خارجية، كالسعادات المالية وغيرها، وكل واحدة من هذه جنس تحته أنواع لا حصر لها، والكل من الله سبحانه، فعلى العاقل أن لا يشكر إلاّ إياه، ثم بين تلوّن الإنسان بعد استغراقه في بحر النعم فقال: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـئَرُونَ } أي: إذا مسكم الضرّ أيّ مس، فإلى الله سبحانه لا إلى غيره تتضرّعون في كشفه، فلا كاشف له إلاّ هو. يقال: جأر يجأر في لسان العرب جؤاراً: إذا رفع صوته في تضرع. قال الأعشى يصف بقرة:شعر : فطافت ثلاثاً بين يوم وليلة وكان النكير أن تطيف وتجأرا تفسير : والضرّ: المرض والبلاء والحاجة والقحط وكل ما يتضرر به الإنسان. {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مّنْكُم بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } أي: إذا رفع عنكم ما نزل بكم من الضرّ {إذا فريق} أي: جماعة منكم بربهم الذي رفع الضر عنهم يشركون، فيجعلون معه إلهاً آخر من صنم أو نحوه، والآية مسوقة للتعجيب من فعل هؤلاء، حيث يضعون الإشراك بالله الذي أنعم عليهم بكشف ما نزل بهم من الضرّ مكان الشكر له، وهذا المعنى قد تقدّم في الأنعام ويونس، ويأتي في سبحان. قال الزجاج: هذا خاص بمكر من كفر، وقابل كشف الضرّ عنه بالجحود والكفر، وعلى هذا فتكون "من" في {منكم} للتبعيض، حيث كان الخطاب للناس جميعاً. والفريق هم الكفرة وإن كان الخطاب موجهاً إلى الكفار، فـ"من" للبيان، واللام في {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتَيْنَـٰهُمْ } لام كي، أي: لكي يكفروا بما آتيناهم من نعمة كشف الضرّ، حتى كأن هذا الكفر منهم الواقع في موضع الشكر الواجب عليهم غرض لهم ومقصد من مقاصدهم. وهذا غاية في العتوّ والعناد ليس وراءها غاية. وقيل: اللام للعاقبة، يعني: ما كانت عاقبة تلك التضرعات إلاّ هذا الكفر. ثم قال سبحانه على سبيل التهديد والترهيب ملتفتاً من الغيبة إلى الخطاب {فَتَمَتَّعُواْ } بما أنتم فيه من ذلك {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } عاقبة أمركم، وما يحل بكم في هذه الدار، وما تصيرون إليه في الدار الآخرة. ثم حكى سبحانه نوعاً آخر من قبائح أعمالهم فقال: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مّمّا رَزَقْنَـٰهُمْ } أي: يقع منهم هذا الجعل بعد ما وقع منهم الجؤار إلى الله سبحانه في كشف الضر عنهم، وما يعقب كشفه عنهم من الكفر منهم بالله والإشراك به، ومع ذلك يجعلون لما لا يعلمون حقيقته من الجمادات والشياطين نصيباً مما رزقناهم من أموالهم يتقربون به إليه. وقيل: المعنى أنهم، أي الكفار يجعلون للأصنام، وهم لا يعلمون شيئاً لكونهم جمادات، ففاعل {يعلمون} على هذا هي الأصنام وأجراها مجرى العقلاء في جمعها بالواو والنون، جرياً على اعتقاد الكفار فيها، وحاصل المعنى: ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام. التي لا تعقل شيئاً نصيباً من أموالهم التي رزقهم الله إياها {تَٱللَّهِ لَتُسْـئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } هذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب. وهذا السؤال سؤال تقريع وتوبيخ {عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } تختلقونه من الكذب على الله سبحانه في الدنيا. {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ } هذا نوع آخر من فضائحهم وقبائحهم، وقد كانت خزاعة وكنانة تقول: الملائكة بنات الله {سُبْحَـٰنَهُ } نزّه سبحانه نفسه عما نسبه إليه هؤلاء الجفاة الذين لا عقول لهم صحيحة ولا أفهام مستقيمة. {أية : إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } تفسير : [الفرقان: 44] وفي هذا التنزيه تعجيب من حالهم {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهوونه من البنين على أن «ما» في محل نصب بالفعل المقدّر، ويجوز أن تكون في محل رفع على الابتداء. وأنكر النصب الزجاج. قال: لأن العرب لا يقولون: جعل له كذا، وهو يعني نفسه، وإنما يقولون: جعل لنفسه كذا، فلو كان منصوباً، لقال: ولأنفسهم ما يشتهون. وقد أجاز النصب الفراء. ثم ذكر سبحانه كراهتهم للإناث التي جعلوها لله سبحانه فقال: {وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأَنْثَىٰ } أي: إذا أخبر أحدهم بولادة بنت له {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا } أي: متغيراً، وليس المراد السواد الذي هو ضدّ البياض، بل المراد الكناية بالسواد عن الانكسار والتغير بما يحصل من الغمّ، والعرب تقول لكل من لقي مكروهاً: قد اسود وجهه غماً وحزناً. قاله الزجاج. وقال المارودي: بل المراد سواد اللون حقيقة، قال: وهو قول الجمهور، والأوّل أولى، فإن المعلوم بالوجدان أن من غضب وحزن واغتمّ لا يحصل في لونه إلاّ مجرد التغير وظهور الكآبة والانكسار لا السواد الحقيقي. وجملة {وَهُوَ كَظِيمٌ } في محل نصب على الحال، أي: ممتلىء من الغمّ غيظاً وحنقاً. قال الأخفش: هو الذي يكظم غيظه ولا يظهره. وقيل: إنه المغموم الذي يطبق فاه من الغمّ. مأخوذ من الكظامة، وهو سدّ فم البئر قاله عليّ بن عيسى، وقد تقدّم في سورة يوسف. {يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ } أي: يتغيب ويختفي {مِن سُوء مَا بُشّرَ بِهِ } أي: من سوء الحزن والعار والحياء الذي يلحقه بسبب حدوث البنت له {أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ } أي: لا يزال متردّداً بين الأمرين، وهو إمساك البنت التي بشر بها، أو دفنها في التراب {عَلَىٰ هُونٍ } أي: هوان. وكذا قرأ عيسى الثقفي. قال اليزيدي: والهون: الهوان بلغة قريش. وكذا حكاه أبو عبيد عن الكسائي، وحكي عن الكسائي أنه البلاء والمشقة، قالت الخنساء:شعر : نهين النفوس وهون النفو س يوم الكريهة أبقى لها تفسير : وقال الفراء: الهون: القليل بلغة تميم. وحكى النحاس عن الأعمش أنه قرأ "أيمسكه على سوء" {أم يدسه في التراب} أي: يخفيه في التراب بالوأد كما كانت تفعله العرب، فلا يزال الذي بشر بحدوث الأنثى متردّداً بين هذين الأمرين. والتذكير في {يمسكه} و{يدسه} مع كونه عبارة عن الأنثى لرعاية اللفظ. وقرأ الجحدري "أم يدسها في التراب" ويلزمه أن يقرأ "أيمسكها"، وقيل: دسها: إخفاؤها عن الناس حتى لا تعرف كالمدسوس لإخفائه عن الأبصار {أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ } حيث أضافوا البنات التي يكرهونها إلى الله سبحانه وأضافوا البنين المحبوبين عندهم إلى أنفسهم. ومثل هذا قوله تعالى: {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ } تفسير : [النجم: 21 ــ 22]. {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْء } أي: لهؤلاء الذين وصفهم الله سبحانه بهذه القبائح الفظيعة {مثل السوء} أي: صفة السوء من الجهل والكفر بالله. وقيل: هو وصفهم لله سبحانه بالصاحبة والولد. وقيل: هو حاجتهم إلى الولد ليقوم مقامهم. ووأد البنات لدفع العار وخشية الإملاق. وقيل: العذاب والنار {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } وهو أضداد صفة المخلوقين من الغنى الكامل، والجود الشامل، والعلم الواسع، أو التوحيد وإخلاص العبادة، أو أنه خالق رازق قادر مجاز؛ وقيل: شهادة أن لا إلٰه إلاّ الله وقيل {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ مَثَلُ نُورِهِ }تفسير : [النور: 35]. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } الذي لا يغالب، فلا يضرّه نسبتهم إليه ما لا يليق به {ٱلْحَكِيمُ } في أفعاله وأقواله. ثم لما حكى سبحانه عن القوم عظيم كفرهم، بيّن سعة كرمه وحلمه حيث لم يعاجلهم بالعقوبة، ولم يؤاخذهم بظلمهم، فقال: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ } والمراد بالناس هنا: الكفار، أو جميع العصاة {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا } أي: على الأرض، وإن لم يذكر فقد دلّ عليها ذكر الناس وذكر الدابة. فإن الجميع مستقرّون على الأرض، والمراد بالدابة الكافر، وقيل: كل ما دبّ. وقد قيل على هذا: كيف يعمّ بالهلاك مع أن فيهم من لا ذنب له؟ وأجيب بإهلاك الظالم انتقاماً منه، وإهلاك غيره إن كان من أهل التكليف فلأجل توفير أجره، وإن كان من غيرهم، فبشؤم ظلم الظالمين، ولله الحكمة البالغة {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ }تفسير : [الأنبياء: 23]، ومثل هذا قوله: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } تفسير : [الأنفال: 25]. وفي معنى هذا أحاديث منها ما عند مسلم وغيره من حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا أراد الله بقوم عذاباً، أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على نياتهم»تفسير : وكذلك حديث الجيش الذين يخسف بهم في البيداء، وفي آخره: أنهم يبعثون على نياتهم وقد قدّمنا عند تفسير قوله سبحانه: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً } تفسير : [الأنفال: 25] الآية تحقيقاً حقيقاً بالمراجعة له {وَلٰكِن يُؤَخِرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ } معلوم عنده، وهو منتهى حياتهم وانقضاء أعمارهم، أو أجل عذابهم. وفي هذا التأخير حكمة بالغة منها الإعذار إليهم وإرخاء العنان معهم، ومنها حصول من سبق في علمه من أولادهم {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ } الذي سماه لهم، حقت عليهم كلمة الله سبحانه في ذلك الوقت من دون تقدّم عليه ولا تأخر عنه، والساعة المدة القليلة، وقد تقدّم تفسيرها هذا وتحقيقه. ثم ذكر نوعاً آخر من جهلهم وحمقهم فقال: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ } أي: ينسبون إليه سبحانه ما يكرهون نسبته إلى أنفسهم من البنات، وهو تكرير لما قد تقدّم لقصد التأكيد والتقرير، ولزيادة التوبيخ والتقريع {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ } هذا من النوع الآخر الذي ذكره سبحانه من قبائحهم، وهو، أي: هذا الذي تصفه ألسنتهم من الكذب، هو قولهم: {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ } أي: الخصلة الحسنى، أو العاقبة الحسنى. قال الزجاج: يصفون أن لهم مع قبح قولهم من الله الجزاء الحسن. قال الزجاج أيضاً والفراء: أبدل من قوله {وتصف ألسنتهم الكذب} قوله {أن لهم الحسنى}، و{الكذب} منصوب على أنه مفعول {تصف}. وقرأ ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، وابن محيصن "الكذب" برفع الكاف والذال والباء على أنه صفة للألسن. وهو جمع كذب، فيكون المفعول على هذا هو {أن لهم الحسنى}. ثم ردّ الله سبحانه عليهم بقوله: {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ } أي: حقاً أن لهم مكان ما جعلوه لأنفسهم من الحسنى النار، وقد تقدّم تحقيق هذا {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ } قال ابن الأعرابي وأبو عبيدة: أي متروكون منسيون في النار. وبه قال الكسائي والفراء، فيكون مشتقاً من أفرطت فلاناً خلفي: إذا خلفته ونسيته. وقال قتادة والحسن: معجلون إليها، مقدّمون في دخولها، من أفرطته، أي: قدّمته في طلب الماء، والفارط: هو الذي يتقدّم إلى الماء. والفراط: المتقدّمون في طلب الماء، والورّاد: المتأخرون، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا فرطكم على الحوض»تفسير : ، أي: متقدّمكم، قال القطامي:شعر : فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تعجل فرّاط لورّاد تفسير : وقرأ نافع في رواية ورش "مفرطون" بكسر الراء وتخفيفها. وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس. ومعناه: مسرفون في الذنوب والمعاصي. يقال: أفرط فلان على فلان: إذا أربى عليه، وقال له أكثر مما قال من الشرّ. وقرأ أبو جعفر القاري "مفرطون" بكسر الراء وتشديدها، أي: مضيعون أمر الله، فهو من التفريط في الواجب. وقرأ الباقون "مفرطون" بفتح الراء مخففاً. ومعناه: مقدمون إلى النار. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَلَهُ ٱلدّينُ وَاصِبًا } قال: {الدين} الإخلاص، و{واصباً} دائماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح {وَلَهُ ٱلدّينُ وَاصِبًا } قال: لا إلٰه إلاّ الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَاصِبًا } قال: دائماً. وأخرج الفريابي، وابن جرير عنه: قال واجباً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد {تَجْـئَرُونَ } قال: تتضرعون دعاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال: تصيحون بالدعاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } قال: وعيد. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ } الآية، قال: يعلمون أن الله خلقهم ويضرّهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم ولا ينفعهم {نَصِيبًا مّمّا رَزَقْنَـٰهُمْ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية، قال: هم مشركو العرب، جعلوا لأوثانهم وشياطينهم مما رزقهم الله، وجزءوا من أموالهم جزءاً فجعلوه لأوثانهم وشياطينهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في الآية، قال: هو قولهم {أية : هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا} تفسير : [الأنعام: 136]. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ } الآية، يقول: يجعلون لي البنات يرتضونهنّ لي، ولا يرتضونهنّ لأنفسهم. وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا ولد للرجل منهم جارية أمسكها على هوان أو دسها في التراب وهي حية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } قال: يعني به: البنين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج {أَمْ يَدُسُّهُ فِى ٱلتُّرَابِ } قال: يئد ابنته. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ } قال: بئس ما حكموا، يقول: شيء لا يرضونه لأنفسهم، فكيف يرضونه لي. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } قال: شهادة أن لا إلٰه إلاّ الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلاْعْلَىٰ } قال: يقول ليس كمثله شيء. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ } قال: ما سقاهم المطر. وأخرج أيضاً عن السدّي نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في الآية، قال: قد فعل ذلك في زمن نوح، أهلك الله ما على ظهر الأرض من دابة إلاّ ما حمل في سفينته. وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود قال: ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره، ثم قال: أي والله زمن غرق قوم نوح. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عنه قال: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم. ثم قرأ {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ }. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا عن أنس نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة، أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضرّ إلاّ نفسه. قال أبو هريرة: بلى، والله إن الحبارى لتموت هزالاً في وكرها من ظلم الظالم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ } قال: يجعلون لي البنات، ويكرهون ذلك لأنفسهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ } قال: قول كفار قريش: لنا البنون، وله البنات. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ } قال: منسبون. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة قال: معجلون. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن نحوه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {... وله الدين واصباً} في {الدين} ها هنا قولان: أحدهما: أنه الإخلاص، قاله مجاهد. الثاني: أنه الطاعة، قاله ابن بحر. وفي قوله تعالى: {واصباً} أربعة تأويلات: أحدها: واجباً، قاله ابن عباس. الثاني: خالصاً، حكاه الفراء والكلبي. الثالث: مُتعِباً، والوصب: التعب والإعياء، قال الشاعر: شعر : لا يشتكي الساق مِن أين ولا وصَبٍ ولا يزال أمام القوم يقتَفِرُ تفسير : الرابع: دائماً، قاله الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك، ومنه قوله تعالى {أية : ولهم عذاب واصب} تفسير : [الصافات: 9] أي دائم، وقال الدؤلي: شعر : لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه يوماً بذم الدهر أجمع واصبا تفسير : قوله عز وجل: {... ثم إذا مَسّكُم الضُّرُّ فإليه تجأرون} في {الضر} ها هنا ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه القحط، قاله مقاتل. الثاني: الفقر، قاله الكلبي. الثالث: السقم، قاله ابن عباس. {فإليه تجأرون} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: تضجون، قاله ابن قتيبة. الثاني: تستغيثون. الثالث: تضرعون بالدعاء، وهو في اللغة الصياح مأخوذ من جؤار الثور وهو صياحه.

النسفي

تفسير : {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ } فإن قلت: إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين فقالوا عندي رجال ثلاثة، لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص، فأما رجل ورجلان فمعدودان فيهما دلالة على العدد فلا حاجة إلى أن يقال «رجل واحد ورجلان اثنان». قلت: الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين: على الجنسية والعدد المخصوص. فإذا أريدت الدلالة على أن المعنيّ به منهما هو العدد شفع بما يؤكده فدل به على القصد إليه والعناية به، ألا ترى أنك لو قلت «إنما هو إلٰه» ولم تؤكده بواحد لم يحسن وخيل أنك تثبت الإلٰهية لا الوحدانية {فَإيَّـٰيَ فَٱرْهَبُونِ } نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم وهو من طريقة الالتفات وهو أبلغ في الترغيب من قوله «فإياي فارهبوه». {فارهبوني} يعقوب {وَلَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ} أي الطاعة {وَاصِبًا } واجباً ثابتاً لأن كل نعمة منه فالطاعة واجبة له على كل منعم عليه، وهو حال عمل فيه الظرف، أو وله الجزاء دائماً يعني الثواب والعقاب {أَفَغْيَرَٱللَّهِ تَتَّقُونَ وَمَا بِكُم مّن نِّعْمَةٍ } وأي شيء اتصل بكم من نعمة عافية وغنى وخصب {فَمِنَ ٱللَّهِ } فهو من الله {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ } المرض والفقر والجدب {فَإِلَيْهِ تَجْـئَرُونَ } فما تتضرعون إلا إليه، والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } الخطاب في و{ما بكم من نعمة} إن كان عاماً فالمراد بالفريق الكفرة، وإن كان الخطاب للمشركين فقوله {منكم} للبيان لا للتبعيض كأنه قال: فإذا فريق كافر وهم أنتم، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر كقوله {أية : فَلَمَّا نَجَّـٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ تفسير : [لقمان: 32] {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ } من نعمة الكشف عنهم كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة، ثم أوعدهم فقال {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } هو عدول إلى الخطاب على التهديد {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ } أي لآلهتهم، ومعنى {لا يعلمون} أنهم يسمونها آلهة ويعتقدون فيها أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله وليس كذلك لأنها جماد لا تضر ولا تنفع، أو الضمير في {لا يعلمون} للآلهة أي لأشياء غير موصوفة بالعلم ولا تشعر أجعلوا لها نصيباً في أنعامهم وزروعهم أم لا، وكانوا يجعلون لهم ذلك تقرباً إليهم {تَٱللَّهِ لَتُسْـئَلُنَّ } وعيد {عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } من أنها آلهة وأنها أهل للتقرب إليها {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ } كانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله {سُبْحَـٰنَهُ } تنزيه لذاته من نسبة الولد إليه أو تعجب من قولهم {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } يعني البنين. ويجوز في «ما» الرفع على الابتداء و{لهم} الخبر، والنصب على العطف على {البنات}، و{سبحانه} اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه أي وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدَّا } أي صار فظل وأمسى وأصبح وبات تستعمل بمعنى الصيرورة لأن أكثر الوضع يتفق بالليل فيظل نهاره مغتماً مسود الوجه من الكآبة والحياء من الناس {وَهُوَ كَظِيمٌ } مملوء حنقاً على المرأة {يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ } يستخفى منهم من أجل سوء المبشر به ومن أجل تعييرهم ويحدث نفسه وينظر {أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ } أيمسك ما بشر به على هون وذل {أَمْ يَدُسُّهُ فِى ٱلتُّرَابِ } أم يئده {أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ } حيث يجعلون الولد الذي هذا محله عندهم لله ويجعلون لأنفسهم من هو على عكس هذا الوصف .

الخازن

تفسير : {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين} لما أخبر الله عز وجل في الآية المتقدمة أن كل ما في السموات والأرض خاضعون لله، منقادون لأمره عابدون له، وأنهم في ملكه وتحت قدرته، وقبضته نهى في هذه الآية عن الشرك، وعن اتخاذ إلهين اثنين فقال {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين} قال الزجاج: ذكر الاثنين توكيداً لقوله إلهين وقال: صاحب النظم: فيه تقديم وتأخير تقديره، لا تتخذوا اثنين إلهين يعني أن الاثنين لا يكون كل واحد منهما إلهاً، ولكن اتخذوا إلهاً واحداً، وهو قوله تبارك وتعالى {إنما هو إله واحد} لأن الإلهين لا يكونان إلا متساويين في الوجود والقدم وصفات الكمال والقدرة والإرادة، فصارت الاثنينية منافية للإلهية، وذلك قوله تعالى إنما هو إله واحد يعني لايجوز أن يكون في الوجود إلهان اثنان إنما هو إله واحد {فإياي فارهبون} يعني فخافون والرهب مخافة مع حزن, واضطراب وإنما نقل الكلام من الغيبة إلى الحضور، وهو من طريق الالتفات لأنه أبلغ في الترهيب من قوله، فإياه فارهبوا فهو من بديع الكلام وبليغه وقوله فإياي يفيد الحصر، وهو أن لا يرهب الخلق إلا منه ولا يرغبون إلا إليه وإلى كرمه وفضله وإحسانه {وله ما في السموات والأرض} لما ثبت بالدليل الصحيح والبرهان الواضح أن إله العالم لا شريك له في الإلهية، وجب أن يكون جميع المخلوقات عبيداً له وفي ملكه وتصرفه، وتحت قدرته فذلك قوله تعالى وله ما في السموات والأرض يعني، عبيداً وملكاً {وله الدين واصباً} يعني وله العبادة والطاعة وإخلاص العمل دائماً ثابتاً والواصب: الدائم. قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك لسبب في حال الحياة أو بالموت، إلا الحق سبحانه وتعالى فإن طاعته واجبه أبداً، ولأنه المنعم على عباده المالك لهم فكانت طاعته واجبة دائماً أبداً {أفغير الله تتقون} يعني أنكم عرفتم أن الله واحد لا شريك له في ملكه، وعرفتم أن كل ما سواه محتاج إليه فبعد هذه المعرفة كيف تخافون غيره، وتتقون سواه فهو استفهام بمعنى التعجب وقيل هو استفهام على طريق الإنكار. قوله عز وجل {وما بكم من نعمة فمن الله} يعني من نعمة الإسلام، وصحة الأبدان وسعة الأرزاق، وكل ما أعطاكم من مال أو ولد فكل ذلك من الله تعالى، إنما هو المتفضل بها على عباده فيجب عليكم شكره على جميع إنعامه. ولما بين في الآية المتقدمة أنه يجب على جميع العباد أن لا يخافوا إلا الله تعالى بين في هذه الآية أن جميع النعم منه لا يشكر عليها إلا إياه، لأنه هو المتفضل بها على عباده فيجب عليهم شكره عليها {ثم إذا مسَّكم الضر} أي الشدة والأمراض والأسقام {فإليه تجأرون} يعني إليه تستغيثون، وتصيحون وتضجون بالدعاء ليكشف عنكم ما نزل بكم من الضرر والشدة وأصل الجؤار هو رفع الصوت الشديد، ومنه جؤار البقر. والمعنى أن النعم لما كانت كلها ابتداء منه فإن حصل شدة، وضر في بعض الأوقات فلا يلجأ إلا إليه ولا يدعي إلا إياه ليكشفها، فإنه هو القادر على كشفها وهو قوله تعالى {ثم إذا كشف الضر عنكم} يعني ثم إذا أزال الشدة، والبلاء عنكم {إذا فريق منكم} يعني طائفة وجماعة منكم {بربهم يشركون} يعني أنهم يضيفون كشف الضر إلى العوائد، والأسباب ولا يضيفونه إلى الله عز وجل فهذا من جملة شركهم الذي كانوا عليه، وإنما قسمهم فريقين لأن فريق المؤمنين لا يرون كشف الضر إلا من الله تعالى {ليكفروا بما آتيناهم} قيل: إن هذه اللام لام كي ويكون المعنى على هذا أنهم إنما أشركوا بالله ليجحدوا نعمه عليهم في كشف الضر عنهم وقيل: إنها لام العاقبة والمعنى عاقبة أمرهم، هو كفرهم بما آتيناهم من النعماء وكشفنا عنهم الضر والبلاء {فتمتعوا} لفظة أمر والمراد منه التهديد والوعيد. يعني: فعيشوا في اللذة التي أنتم فيها إلى المدة التي ضربها الله لكم {فسوف تعلمون} يعني عاقبة أمركم إلى ماذا تصير، وهو نزول العذاب بكم. قوله سبحانه وتعالى {ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً} قيل الضمير في قوله: لما لا يعلمون عائد إلى المشركين يعني أن المشركين لا يعلمون. وقيل إنه عائد إلى الأصنام يعني أن الأصنام لا تعلم شيئاً ألبتة لأنها جماد والجماد لا علم له، ومنهم من رجح القول الأول لأن نفي العلم عن الحي حقيقة، وعن الجماد مجاز فكان عود الضمير إلى المشركين أولى، لأنه قال لما لا يعلمون فجمعهم بالواو والنون، وهو جمع لمن يعقل ومنهم من رجع القول الثاني. قال: لأنا إذا قلنا أنه عائد إلى المشركين احتجنا إلى إضمار فيكون المعنى: ويجعلون يعني المشركين لما لا يعلمون أنه إله ولا إله حتى نصيباً وإذا قلنا إنه عائد إلى الأصنام لم نحتج إلى هذا الاضمار لأنها لا علم لها، ولا فيهم وقوله {مما رزقناهم} يعني أن المشركين جعلوا للأصنام نصيباً من حروثهم وأنعامهم وأموالهم التي رزقهم الله، وقد تقدم تفسيره في سورة الأنعام {تالله} أقسم بنفسه على نفسه أنه يسألهم يوم القيامة، وهو قوله تعالى {لتسألن عما كنتم تفترون} يعني عما كنتم تكذبون في الدنيا في قولكم، إن هذه الأصنام آلهة وإن لها نصيباً من أموالكم، وهذا التفات من الغيبة إلى الحضور، وهو من بديع الكلام وبليغه {ويجعلون لله البنات} هم خزاعة وكنانة قالوا: الملائكة بنات الله وإنما أطلقوا لفظ البنات على الملائكة لاستتارهم عن العيون كالنساء، أو لدخول لفظ التأنيث في تسميتهم {سبحانه} نزه الله نفسه عن الولد والبنات {ولهم ما يشتهون} يعني: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون يعني البنين {وإذا بشر أحدهم بالأنثى} البشارة عبارة عن الخبر السار الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به، ولما كان ذلك الفرح والسرور يوجبان تغير بشرة الوجه كان كذلك الحزن، والغم يظهر أثره على الوجه وهو الكمودة التي تعلو الوجه، عند حصول الحزن والغم فثبت بهذا أن البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار والخبر المحزن، فصح قوله: وإذا بشر أحدهم بالأنثى {ظل وجهه مسوداً} يعني متغيراً من الغم والحزن والغيظ والكراهة التي حصلت له عند هذه البشارة، والمعنى أن هؤلاء المشركين لا يرضى بالبنت الأنثى أن تنسب إليه فكيف يرضى أن ينسبها إلى الله تعالى ففيه تبكيت لهم وتوبيخ. وقوله سبحانه وتعالى {وهو كظيم} يعني أنه ظل ممتلئاً غماً وحزناً {يتوارى من القوم من سوء ما بُشر به} يعني أنه يختفي من ذلك القول الذي بشر به، وذلك أن العرب كانوا في الجاهلية إذا قربت ولادة زوجة أحدهم، توارى من القوم إلى أن يعلم ما ولد له فإن كان ولداً ابتهج بذلك وظهر وإن كانت أنثى حزن ولم يظهر أياماً حتى يفكر ما يصنع بها وهو قوله تعالى {أيمسكه على هون} يعني على هوان، وإنما ذكر الضمير في أيمسكه لأنه عائد إلى ما بشر به في قوله، وإذا بشر أحدهم {أم يدسه في التراب} يعني أم يخفي الذي بشر به في التراب والدس إخفاء الشيء في الشيء قال أهل التفسير: إن مضر وخزاعة وتميماً كانوا يدفنون البنات أحياء، والسبب في ذلك إما خوف الفقر وكثر العيال ولزوم النفقة أو الحمية فيخافون عليهن من الأسر ونحوه، أو طمع غير الأكفّاء فيهن فكان الرجل من العرب في الجاهلية، إذا ولدت له بنت أراد أن يستحييها تركها حتى إذا كبرت ألبسها جبة من صوف أو شعر، وجعلها ترعى الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد أن يقتلها تركها حتى إذا صارت سداسية، قال لأمها: زينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها ويكون قد حفر لها حفرة في الصحراء فإذا بلغ بها تلك الحفرة قال لها: انظري إلى هذه البئر فإذا نظرت إليها دفعها من خلفها في تلك البئر، ثم يهيل التراب على رأسها وكان صعصعة عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه بإبل إلى والد البنت حتى يحييها بذلك فقال الفرزدق يفتخر بذلك: شعر : وعمي الذي منع الوائدات فأحيا الوئيد فلم يوأد تفسير : عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الوائدة والموؤدة في النار"تفسير : أخرجه أبو داود. وقوله تعالى {ألا ساء ما يحكمون} يعني بئس ما يصنعون ويقضون حيث يجعلون لله خلقهم البنات، وهم يستنكفون منهن ويجعلون لأنفسهم البنين نظيره قوله سبحانه وتعالى {أية : ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذاً قسمة ضيزى}تفسير : [النجم: 21-22] وقيل: معناه ألا ساء ما يحكمون في وأد البنات {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء} يعني صفة السوء من احتياجاتهم إلى الولد الذكر, وكراهتهم الإناث وقتلهن خوف الفقر {ولله المثل الأعلى} أي الصفة العليا المقدسة، وهي أن له التوحيد وأنه المنزه عن الولد, وأنه لا إله إلا هو وأن له جميع صفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والبقاء السرمدي، وغير ذلك من الصفات التي وصف الله بها نفسه. وقال ابن عباس: مثل السوء النار والمثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله {وهو العزيز} أي الممتنع في كبريائه وجلاله {الحكيم} يعني في جميع أفعاله.

البقاعي

تفسير : ولما كان التوحيد أعظم المأمورات، وكان العصيان فيه أعظم العصيان، وكان سبحانه قد أكثر التخويف من عصيانه، أبلغ الأمر إلى نهايته بالإخبار بأن الملائكة تخافه، وكان الملائكة من أعظم الموحدين، كما كانوا من أعظم الساجدين، من أهل السماوات والأرضين، وكانت هذه الآيات من أعظم أدلة التوحيد، أتبعها - عطفاً على { وأنزل إليك الذكر} ليتظافر على ذلك أدلة العقل والنقل وتسليكاً بأحوال الملائكة - قوله تعالى: {وقال الله} فعبر لأجل تعظيم المقام بالاسم الأعظم الخاص الذي بنيت عليه السورة: {لا تتخذوا} أي لا تكلفوا فطركم الأولى السليمة المجبولة على معرفة أن الإله واحد إلى أن تأخذ في اعتقادها {إلهين} ويجوز أن يكون معطوفاً على ما علم من المقدمات المذكورة أول السورة إلى قوله: {وما يشعرون أيان يبعثون} من النتيجة وهي {إلهكم إله واحد} لاحتمال أن يقول متعنت: إنه لم يأمرنا بذلك وإن دلت عليه الأدلة، ويجوز وهو أقرب - أن يعطف على قوله: {وقال الذين أشركوا} تبكيتاً لهم بأنهم احتجوا بحكمه، ولم يبادروا إلى امتثال أمره. ولم كان قد فهم المراد من التثنية، وكان ربما قال المتعنت: إن المنهي عنه تكثير الأسماء، قال مؤكداً ومحققاً: {اثنين} تنبيهاً على أن الألوهية لأنه موضع لإمكان التنازع الملزوم للعجز المنافي لتلك الرتبة مطلق العدد ينافي المنيفة الشماء، وفي ذلك أيضاً - مع كون معبوداتهم كانت كثيرة - إشارة إلى أن ما يسمى آلهة - وإن زاد عدده - يرجع بالحقيقة إلى اثنين: خالق ومخلوق، ومن المعلوم لكل ذي لب أن المخلوق غير صالح للألوهية، فانحصر الأمر في الخالق، وإن لم يكن فيه الخالق كان منقسماً لا محالة، وأقل ما ينقسم إلى اثنين: وباب الاتخاذ إذا كان مفعوله نكرة، اكتفى بواحد كما تقول: اتخذت بيتاً، واتخذت زوجة - ونحو ذلك، ثم علل ذلك النهي بما اقتضاه السياق من الوحدانية فقال تعالى: {إنما هو} أي الإله المفهوم من لفظ { إلهين} الذي لا يستحق غيره أن يطلق عليه هذا الضمير إلا مجازاً، لأنه لا يطلق إطلاقاً حقيقياً إلا على ما وجدوه من ذاته {إله} أي يستحق هذا الوصف على الإطلاق. ولما كان السياق مفهماً للوحدانية من النهي عن التثنية، وكان ربما تعنت متعنت بأن المراد إثبات الإله الدال على الجنس، قال رافعاً لكل شبهة: {واحد} أي لا يمكن أن يثني بوجه ولا أن يجزأ لغناء المطلق عن كل شيء واحتياج كل شيء إليه، فكونوا ممن يسجد له طوعاً ولا تكونوا ممن لا يسجد له إلا كرهاً. ولما كان أسلوب الغيبة لا يعين الإله في المتكلم، التفت إلى أسلوب التلكم فقال تعالى: {فإياي} أي ذلك الواحد أنا وحدي لا شريك لي، فمن لم يوحدني أوقعت به بقوتي ما لا يطيقه لعجزه. ولما كانت الوحدانية مما لا يخفى على عاقل، وكانت مركوزة في كل فطرة بدليل الاضطراب عند المحن، والشدائد والفتن، وكانت الرهبة - كما مضى عن الحرالي في البقرة - خاصة بالخوف مما خالف العاصي فيه العلم، عبر بها فقال تعالى: {فارهبون *} مختصاً بذلك ولا تخافوا شيئاً غيري من صنم ولا غيره، فإنه ليس لشيء من ذلك قدرة، وإن أودعته فإنه لا يتمكن من إنفاذها، فالأمر كله إليّ وحدي. ولما كان أسلوب الغيبة من الحاضر دالاً على التردي بحجاب الكبر المؤذن بشدة البطش وسرعة الانتقام وبعد المقام، رجع إليه فقال تعالى: {وله} فأعاد الضمير على الله الاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى {ما في السَّماوات}. ولما كان الأمر قد تأكد وتأطد، وظهر المراد منه غاية الظهور، لم يحتج إلى تأكيده بإعاداة النافي، فقال تعالى: {والأرض} أي مما تعبدونه وغيره، فكيف يتصور أن يكون شيء من ذلك إلهاً وهو ملكه، مع كونه محتاجاً إلى الزمان والمكان وغيرهما {وله الدين} أي الخضوع والتذلل من كل ما فيهما ومن فيهما بالطوع والكره، بإنفاذ القضاء والقدر، بالصحة والسقم، والغنى والفقر، والحياة والموت، والإيجاد والإعدام، والإذلال والإعزاز، والإقبال والإعراض - كما بين آنفاً، وله الدينونة بالمجازاة {واصباً} أي دائماً ثابتاً عاماً لا كالملوك الذين تنقطع ممالكهم مع خصوصها، والمعبودات التي تنقطع عبادتها في وقت من الأوقات فتصير كاسدة بعد أن كانت رابحة وإن طال المدى، مع خصوصها بناس دون غيرهم، ولا يخلو يوم من الأيام لملك غيره من جري أمور على غير مراده وإن عظم سلطانه، وعلا شأنه، وكثرت أعوانه، فكيف يتصور من له أدنى بصر أن يكون غيره إلهاً، وقد تقدم في { أية : إن ربي على صراط مستقيم} تفسير : [هود: 56] في هود ما ينفع استحضاره هنا. ولما تقرر هذا الدليل على هذه الصفة، وكان من مفهومات الدين الجزاء الناظر إلى الأفعال الواقية مما يضر، تسبب عنه الإنكار الشديد على من يلتفت بشيء من أفعاله إلى غيره بعد علمه بأنه دائم لا يزول، وأن كل ما سواه زائل، فقال معبراً بالتقوى التي هي نتيجة الرهبة: {أفغير الله} أي الذي له العظمة كلها {تتقون *} وأتبع ذلك ما يوجب تعظيم الإنكار عليهم، فقال مبيناً أنه لا ينبغي أن يتعلق خوف ولا رجاء إلا به: {وما بكم} أي التبس بكم أيها الناس عامة مؤمنكم وكافركم {من نعمة} أي جليلة أو حقيرة {فمن الله} أي المحيط بكل شيء وحده لا من غيره. ولما كان إخلاصهم له - مع ادعائهم ألوهية غيره - أمراً مستبعداً، عبر بأداة التراخي والبعد في قوله تعالى: {ثم إذا مسكم} أي أدنى مس {الضر} بزوال نعمة مما أنعم به عليكم {فإليه} أي وحده {تجأرون *} أي تعرفون أصواتكم بالاستعانة لما ركز في فطركم الأولية السليمة من أنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ} [الآية: 51]. قال أبو عثمان: نهاك ربك أن تتخذ إلهين أو تدعى معه شريكًا فاتخذت معه آلهة وادعيت شريكًا كيف يصح لك مع ذلك التوحيد وأنت تعبد نفسك، وهواك، وطبعك، ومرادك، وتعبد الخلق فأنى تصل إلى محل العبودية لله تعالى.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}. الحاجة إلى إثبات صانعٍ واحد داعية، وما زاد على الواحد (فالا....) فيه متساوية. ويقال إثبات الواحد ضرورة، وقُدْرَةُ الاثنين محصورة. قوله جلّ ذكره {وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ}. له الدين خالصاً وله الدين دائماً، وله الدينُ ثابتاً، فالطاعة له واجبة، فلا تتقوا غيره، وأطيعوا شَرْعَه بخلاف هواكم، واعبدوه وَحْدَه، واستجيبوا له في المَسَرَّةِ والمَضَرَّة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} بين ان من اقبل على شئ دونه بوصف المحبة ولاختيار على الله فهو فى حيز الثنوية حيث اتخذ الهه هواه ومن ذاق من بحر الوحدانية ذوقا سقط عنه علائق الكونين ويكون متفردا بفردانيته موحدا بوحدانيته قال ابو عثمان نهاك ربّك ان تتخذ الهين او تتخذ معه شريكا فاتخذت الهة وادعيت شركا كيف يصح لك مع ذلك التوحيد وانت تعبد نفسك وهواك وطبعك ومرادك وتعبد الخلق فانى تصل الى محل العبودية.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الله} لجميع المكلفين {لا تتخذوا الهين اثنين} تأكيد {انما هو اله واحد} لا شريك له ولا شبيه شعر : از همه در صفات ذات خدا ليس شئ كمثله ابدا تفسير : {فاياى} لا غيرى {فارهبون} خافون.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إلهين اثنين}، إلهين: مفعول أول، واثنين: تأكيد، والثاني: محذوف، أي: معبودين لكم، وفائدة التأكيد: التنبيه على أن المقصود هو النهي عن الإثنينية؛ تنبيهًا على أن الإثنينية تنافي الألوهية، كما ذكر الواحد في قوله: {إنما هو إله واحد}؛ إثبات الوحدانية دون الإلهية. قاله البيضاوي. وعبارة صاحب المطول: لفظ إلهين حامل لمعنى الجنسية - أعني: الإلهية - ومعنى العدد - أعني: الإثنينية - وكذا لفظ "الله" حامل لمعنى الجنسية والوحدة، والغرض المسوق له الكلام في الأول: النهي عن اتخاذ الاثنين من الإله؛ لا إثبات جنسه، فَوَصَفَ الإلهين باثنين وإله بواحد؛ إيضاحًا لهذا الغرض وتفسيرًا له. هـ. ويحتمل أن يكون "اثنين" مفعولاً أولاً، و "إلهين" مفعولاً ثانيًا. وقوله: {فإياي}: مفعول بفعل محذوف، أي: ارهبوا، ولا يعمل فيه (ارهبون)؛ لأنه أخذ مفعوله، وهو: ياء المتكلم، و {واصبًا}: حال من {الدين}. و {ما بكم}: إما شرطية، أو موصولة متضمنة معنى الشرط؛ باعتبار الإخبار دون الحصول؛ فإن استقرار النعمة بهم يكون سببًا للإخبار بأنها من الله، لا سببًا لحصولها منه؛ لأن جواب الشرط يكون مسببًا عن فعله، واستقرار النعمة بهم ليس سببًا في حصولها من الله، وإنما هو سبب في الإخبار بأنها من الله. فتأمله. وأصله للبيضاوي، والجملة: يحتمل أن تكون استئنافية، أو حالية، فيتصل الكلام بما قبله، أي: كيف تتقون غير الله، والحال أن ما بكم من نعمة فمنه وحده؟ واللام في {ليكفروا}: لام الأمر على وجه التهديد، كقوله بعدُ: {فتمتعوا} فعلى هذا يبتدأ بها، وقيل: هي لام العاقبة، فعلى هذا توصف بما قبلها؛ لأنها في الأصل لام كي، وهو بعيد. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين}، بأن تعبدوا الله تعالى، وتعبدوا معه الأصنام، {إنما هو إله واحد} لا شريك له ولا ظهير، ولا معين ولا وزير، {فإياي فارهبون}، عَدَلَ من الغيبة إلى التكلم؛ مبالغةً في الترهيب، وتصريحًا بالمقصود، كأنه قال: فأنا ذلك الإله الواحد، فإياي فارهبون، لا غيري، {وله ما في السماوات والأرض}؛ خلقًا وملكًا وعبيدًا، {وله الدين} أي: الطاعة والانقياد {واصباً}: لازماً، أو: واجباً وثابتاً؛ لما تقرر أنه الإله وحده، والحقيق بأن يرهَبَ منه فلا يُدَان لأحد إلا هو. وقيل: {وله الدِّينُ} أي: الجزاء {واصِبًا} أي: دائمًا، فلا ينقطع ثوابه لمن آمن، ولا عقابه لمن كفر. {أفغير الله تتقون} مع أنه ليس بيد غيره نفع ولا ضر؟! كما قال: {وما بكم من نعمة فمن الله} أيْ: وأيّ شيء اتصل بكم من نعمة فهو من الله وحده، {ثم إذا مسكم الضرُّ فإليه تجأرون} أي: فلا تتضرعون عند الشدة إلا إليه، ولا تستغيثون إلا به. والجؤار: رفع الصوت في الدعاء والاستغاثة، {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريقٌ منكم بربهم يشركون} وهم: كفاركم، ففي وقت الشدة ينسون أصنامهم، وفي الرخاء يرجعون إليها. فعلوا ذلك؛ {ليكفروا بما آتيناهم} من نعمة الكشف عنهم، كأنهم قصدوا بشركهم كفران النعمة، أو يكون تهديدًا، أي: ليكفروا ما شاؤوا فسوف يعلمون، كقوله: {فتمتعوا} بكفركم {فسوف تعلمون} عاقبة أمركم. الإشارة: قال في التنوير: أبى المحققون أن يشهدوا غير الله؛ لما حققهم به من شهود القيومية، وإحاطة الديمومية. هـ. فمن فتح الله بصيرته، لم يشهد مع الحق سواه؛ إذ الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فما حجبك عن الحق وجود موجود معه؛ إذ لا شيء معه، وإنما حجبك توهم موجود معه". فمن غاب عن ثنوية نفسه غاب عن ثنوية الأكوان، ووقع على عين الشهود والعيان. فما ظهر في الوجود إلا أسرار ذاته وأنوار صفاته. وبالله التوفيق. ثم ذكر أهل الشرك وسفاهة رأيهم

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى ناهياً لعباده {لا تتّخذوا إِلهين اثنين} اي لا تعبدوا مع الله غيره، فتشركوا بينهما في العبادة. ثم اخبر انه إِله واحد لا اكثر منه، لان لفظة {إِنما} تفيد ثبوت الإله الواحد، ونفي ما زاد عليه على ما بيَّناه فيما مضى. وقوله {فأياي فارهبون} معناه ارهبوا عقابي وسخطي فلا تتخذوا معي إِلهاً آخر ومعبوداً سواي. وفي قوله {اثنين} بعد قوله {إِلهين} قولان: احدهما - أنه قال ذلك تأكيداً، كما قال {إِله واحد} تأكيداً. والثاني - ان يكون المعنى لا تتخذوا إِثنين إِلهين، فقدّم وأخَّر وكلاهما جائزان. وقوله {وله ما في السماوات والأرض} معناه انه يجب علينا ان نتقي عقاب من يملك جميع ما في السموات والارض، لانه مالك الضرَّ والنفع. ومعنى قوله {وله الدين واصباً} قال ابن عباس: يعني دائماً اي طاعته واجبة على الدّوام، وبه قال الحسن ومجاهد والضَّحاك وقتادة وابن زيد، ومنه قوله {أية : ولهم عذاب واصب}تفسير : يقال منه: وصبَ الدين يصبُ وصُوباً، ووصباً، قال أبو الاسود الدؤليّ: شعر : لا أبتغي الحمدَ القليل بقاؤه يوماً بذم الدهر أجمع واصباً تفسير : وقال حسَّان: شعر : غيَّرته الريح تسفي به وهزيمٌ رعده واصب تفسير : والوصب الالم الذي يكون عن الاعياء بدوام العمل مدة، يقال: وصَب الرجل يوصَبُ وصباً، فهو وصِب قال الشاعر: شعر : لا يغمز الساق من اين ولا وصَب ولا يعض على شر سوفه الصفر تفسير : وقيل: المعنى وله الطاعة، وان كان فيها الوصب، وهو الشدة والتعب.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ} لمّا كان آلهين مشتملاً على الجنس والعدد اكّده باثنين اشعاراً بانّ النّهى عن الاتّخاذ انّما هو بالنّسبة الى العدد كما فعل الثّنويّة لا الى الجنس فانّ اخذ الآله مأمورٌ به مع وصف الوحدة كما قال {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ} اثباتاً للجنس مؤكّداً بالوحدة ولم يقل: بل اتّخذوا آلهاً واحداً؛ اشعاراً بانّ كونه آلهاً ليس بجعل جاعلٍ حتّى يؤمر بالاتّخاذ بل هو امر ثابت فى نفسه اخذ او لم يؤخذ {فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} جواب شرط محذوف كأنّه قال: اذا كان الآله واحداً وانا ذلك الواحد فايّاى فاربهون يعنى ايّاى اتّخذوا آلهاً وارهبونى.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} يصح أن يكون اثنين مفعولا أولا تتخذوا إِلهين مفعولا ثانياً أى لا تتخذوا اثنين إِلهين فإِن الاثنين لا يكون كل منهما إِلهاً ولكن اتخذا إِلهاً واحداً فإِن التعدد ينافى الألوهية لأَن الإِله هو المختص بالملك والقدرة على طلاق غير المنازع والشركة تثبت المنازعة وعدم الاختصاص ويصح أن يكون اثنين نعتاً لإلهين موكل له فيكون اتخذ متعدياً لواحد هو إِلهين وإِنما ذكر الاثنين مع أن إِلهين دال عليه ليدل على أن النهى محطه الاثنينية بعنوان لفظ اثنين وعلى أن تعد ديناً فى الأُلوهية كما علمت فقوله لا تتخذوا إِلهين يحتمل النهى عن اتخاذهما القدرة على عبادتهما أو لعدم صلاحية التعدد فعين الاحتمال الثانى بقوله اثنين، {إِنَّمَا هُو} أى الله أو مستحق الألوهية وليس إِلا الله {إِلَهٌ وَاحِدٌ} ذكر لفظ واحد مع أن مدلول إِله واحد نصاً لا احتمالا ليدل على أن محض الكلام والمقصود منه بالذات إِثبات الوحدانية، وأما الألوهية فتوطئة وتمهد لها وليدل على الوحدة لوازم الألوهية فقوله إِنما هو إِله يوهم أن المراد مجرد إِثبات الألوهية وأزال هذا الإِبهام بقوله عز وعلا واحد فبين به أن المراد الحصر فى الواحدة بنفى غيرها، {فَإِيَّاىَ فَارْهَبُون} الفاء الأولى تفيد السببية والثانية صلة تأكيد وإِيا مفعول لمحذوف من باب الاشتغال والأَصل فارهبونى ارهبونى حذف ارهبوا الأَول فتفضل ضمير النصب أو الأَصل، فإِياى ارهبوا ارهبونى بفصل الضمير لتقديمه لإِفادة الحصر، أى لا يرهبوا إِلا إِياى حذف ارهبوا الأَول أيضاً، وعلى كل حال زيدت الفاء فى الثانى لتأْكيد السببية وحذفت منه الياء الشاغلة وبقيت نون الوقاية والياء بمنزلة الثابت أو إِياى مفعول لمحذوف لا على الاشتغال والأَصل فاتقونى أو فاعبدونى حذف العامل فانفصل الضمير، والأَصل فإِياى اتقوا واعبدوا وعلى هذه الأَوجه تكون الفاء الفانية عاطفة، وعلى كل وجه فكون مقتضى الظاهر فاياه فارهبوه ولكن جاء على طريق الالتفات من الغيبة إِلى التكلم ونكتته المبالغة فى الترهيب والتصريح وبالمقصود كأَنه قيل فأنا ذلك الواحد فلا ترهبوا إِلا إِياى وهو أبلغ من أن يتوافق الكلمات فى الغيبة التى أعلمتك أنها مقتضى الظاهر ومن أن يتوافقا فى التكلم بأن يقال مثلا لا تتخذوا معى إِلهاً إِنما الألوهية لى فقط فإِياى فارهبون والرهبة الخوف.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ اللهُ} عطف على ولله يسجد أَو على أَنزلنا إِليك الذكر {لاَ تَتَّخِذُوا} لا تعبدوا {إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ} نعت إِلهين أَو لا تجعلوا إِلهين اثنين معبوداً، أَو لا تصيروا اثنين إِلهين، اثنين مفعول أَول، وإِلهين ثان، وذكر اثنين مع أَن لفظ إِلهين للاثنين إِيماء إِلى أَن المراد بالذات نفى التعدد لا جنس الألوهية وأَلى أَن الاثنينية تنافى الألوهية لأنا لو فرضنا تعدد الواجب لاشتركا فى الوجوب، وتباينا بالهيين، وما به الاشتراك غير ما به المباينة، فكل منهما مركب من جزأين، والمركب ممكن، والإِله واجب لا ممكن {إِنَّمَا هُوَ} أَى الإِله هكذا أَو الله {إِلَهٌ وَاحِدٌ} لفظ إِله للوحدة، ومع ذلك ذكر لفظ واحد، ليدل على أَن المراد بالذات إِثبات الوحدانية، وعلى الوحدة من لوازم الألوهية، واثنين وواحد توكيدان لفظيان، وما ذكرته فى بيان الإتيان بهما لا ينافى أَن يكونا توكيدين لفظين فى اصطلاح النحو، فلا تهم {فَإِيَّاىَ} لا غيرى ولا مع غيرى {فَارْهَبُونِ} ياء المتكلم المدلول عليها بنون الوقاية حتى كأنها مذكورة، على شاكلة عن أن يكون منصوباً بارهبون، فهو منصوب على الاشتغال، والتقدير فإِيَّاى ارهبوا فارهبون. وزعم بعض أَنه فصل وقدم، وبقيت النون وهو غلط، والفاء الثانية لزيادة تأكيد الارتباط، والتفريع، فإن ما تقدم من الوحدة، يوجب الرهبة، ففرعها عليها بالفاء تصريحا بطريق التكلم بعد صيغة الغيبة، وكأنه قيل: أنا الله الواحد، وأنا ذلك الإله الواحد فارهبون ووحدونى إِذ لا مشارك لى فى وصف ما، والترهيب من الحاضر المواجه أبلغ منه من الغائب، ولذلك انتقل الكلام من الغيبة إِلى التكلم، وقدر بعض إِن رهبتم شيئًا فإياى ارهبون.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ ٱللَّهُ} عطفاً على قوله سبحانه: {أية : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ } تفسير : [النحل: 49]. وجوز أن يكون معطوفاً على {أية : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذّكْرَ } تفسير : [النحل: 44] وقيل: إنه معطوف على {أية : مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ } تفسير : [النحل: 48] على أسلوب:شعر : علفتها تبناً وماء بارداً تفسير : أي أو لم يروا إلى ما خلق الله ولم يسمعوا إلى ما قال الله ولا يخفى تكلفه، وإظهار الفاعل وتخصيص لفظة الجلالة بالذكر للإيذان بأنه تعالى متعين الألوهية وإنما المنهي عنه هو الإشراك به لا أن المنهى عنه هو مطلق اتخاذ إلهين بحيث يتحقق الانتهاء عنه برفض أيهما كان، ولم يذكر المقول لهم للعموم أي/ قال تعالى لجميع المكلفين بواسطة الرسل عليهم السلام: {لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ} المشهور أن {ٱثْنَيْنِ} وصف لإلهين وكذا «واحد» في قوله سبحانه: {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ} صفة لإله، وجيء بهما للايضاح والتفسير لا للتأكيد وإن حصل. وتقرير ذلك أن لفظ {إلهين} حامل لمعنى الجنسية أعني الإلهية ومعنى العدد أعنى الإثنينية وكذا لفظ «إله» حامل لمعنى الجنسية والوحدة، والغرض المسوق له الكلام في الأول النهي عن اتخاذ الاثنين من الإله لا عن اتخاذ جنس الإله، وفي الثاني إثبات الواحد من الإله لا إثبات جنسه فوصف إلهين باثنين وإله بواحد إيضاحاً لهذا الغرض وتفسيراً له، فإنه قد يراد بالمفرد الجنس نحو نعم الرجل زيد. وكذا المثنى كقوله:شعر : فإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب أولها الكلام تفسير : وإلى هذا ذهب صاحب "الكشاف" وما يفهم منه أنه تأكيد فمعناه أنه محقق ومقرر من المتبوع فهو تأكيد لغوي لا أنه مؤكد أمر المتبوع في النسبة أو الشمول ليكون تأكيداً صناعياً كيف وهو إنما يكون بتقرير المتبوع بنفسه أو بما يوافقه معنى أو بألفاظ محفوظة، فما قيل: إن مذهبه إن ذلك من التأكيد الصناعي ليس بشيء إذ لا دلالة في كلامه عليه. وقد أورد السكاكي الآية في باب عطف البيان مصرحاً بأنه من هذا القبيل فتوهم منه بعضهم أنه قائل بأن ذلك عطف بيان صناعي، وهو الذي اختاره العلامة القطب في "شرح المفتاح" نافياً كونه وصفاً، واستدل على ذلك بأن معنى قولهم: الصفة تابع يدل على معنى في متبوعه أنه تابع ذكر ليدل على معنى في متبوعه على ما نقل عن ابن الحاجب، ولم يذكر اثنين وواحد للدلالة على الإثنينية والوحدة اللتين في متبوعهما فيكونا وصفين بل ذكرا للدلالة على أن القصد من متبوعهما إلى أحد جزئيه أعنى الإثنينية والوحدة دون الجزء الآخر أعنى الجنسية، فكل منهما تابع غير صفة يوضح متبوعه فيكون عطف بيان لا صفة. وقال العلامة الثاني: ليس في كلام السكاكي ما يدل على أنه عطف بيان صناعي لجواز أن يريد أنه من قبيل الإيضاح والتفسير وإن كان وصفاً صناعياً، ويكون إيراده في ذلك المبحث مثل إيراد كل رجل عارف وكل إنسان حيوان في بحث التأكيد ومثل ذلك عادة له. وتعقب العلامة الأول بأنه إن أريد أنه لم يذكر إلا ليدل على معنى في متبوعه فلا يصدق التعريف على شيء من الصفة لأنها البتة تكون لتخصيص أو تأكيد أو مدح أو نحو ذلك وإن أريد أنه ذكر ليدل على هذا المعنى ويكون الغرض من دلالته عليه شيئاً آخر كالتخصيص والتأكيد وغيرهما فيجوز أن يكون ذكر اثنين وواحد للدلالة على الإثنينية والوحدة ويكون الغرض من هذا بيان المقصود وتفسيره، كما أن الدابر في أمس الدابر ذكر ليدل على معنى الدبور والغرض منه التأكيد بل الأمر كذلك عند التحقيق، ألا ترى أن السكاكي جعل من الوصف ما هو كاشف وموضح ولم يخرج بهذا عن الوصفية. وأجيب بأنا نختار الشق الثاني ونقول: مراد العلامة من قوله: ذكر ليدل على معنى في متبوعه أن يكون المقصود من ذكره الدلالة على حصول المعنى في المتبوع ليتوسل بذلك إلى التخصيص أو التوضيح أو المدح أو الذم إلى غير ذلك وذكر اثنين وواحد ليس للدلالة على حصول الإثنينية والوحدة في موصوفيهما بل تعيين المقصود من جزئيهما فلا يكونان صفة، وذكر الدابر ليدل على حصول الدبور في الأمس ثم يتوسل بذلك إلى التأكيد وكذا في الوصف الكاشف بخلاف ما نحن فيه فتدبره/ فإنه غامض. ولم يجوز العلامة الأول البدلية فقال: وأما أنه ليس ببدل فظاهر لأنه لا يقوم مقام المبدل منه. ونظر فيه العلامة الثاني بأنا لا نسلم أن البدل يجب صحة قيامه مقام المبدل منه فقد جعل الزمخشري «الجن» في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ } تفسير : [الأنعام: 100] بدلاً من {شُرَكَاء} ومعلوم أنه لا معنى لقولنا وجعلوا لله الجن، ثم قال: بل لا يبعد أن يقال: الأولى أنه بدل لأنه المقصود بالنسبة إذ النهي عن اتخاذ الاثنين من الإله على ما مر تقريره. وتعقب بأن الرضي قد ذكر أنه لما لم يكن البدل معنى في المتبوع حتى يحتاج إلى المتبوع كما احتاج الوصف ولم يفهم معناه من المتبوع كما فهم ذلك في التأكيد جاز اعتباره مستقلاً لفظاً أي صالحاً لأن يقوم مقام المتبوع اهـ. ولا يخفى أن صحة إقامته بهذا المعنى لا تقتضي أن يتم معنى الكلام بدونه حتى يرد ما أورد؛ وقيل: إن ذكر «اثنين» للدلالة على منافاة الإثنينية للألوهية وذكر الوحدة للتنبيه على أنها من لوازم الألوهية. وجعل ذلك بعضهم من روادف الدلالة على كون ما ذكر مساق النهي والإثبات وهو الظاهر وإن قيل فيه ما قيل. وزعم بعضهم أن {تَتَّخِذُواْ} متعد إلى مفعولين وأن {ٱثْنَيْنِ} مفعوله الأول و {إِلـٰهَيْنِ} مفعوله الثاني والتقدير لا تتخذوا اثنين إلهين، وقيل: الأول مفعول أول والثاني ثان، وقيل: الهين مفعوله الأول واثنين باق على الوصفية والتوكيد والمفعول الثاني محذوف أي معبودين، ولا يخفى ما في ذلك، وإثبات الوحدة له تعالى مع أن المسمى المعين لا يتعدد بمعنى أنه لا مشارك له في صفاته وألوهيته فليس الحمل لغواً، ولا حاجة لجعل الضمير للمعبود بحق المفهوم من الجلالة على طريق الاستخدام كما قيل، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في سورة الاخلاص. وفي التعبير بالضمير الموضوع للغائب التفات من التكلم إلى الغيبة على رأي السكاكي المكتفي بكون الأسلوب الملتفت عنه حق الكلام وإن لم يسبق الذكر على ذلك الوجه. وأما قوله تعالى: {فَإيَّـٰيَ فَٱرْهَبُونِ} ففيه التفات من الغيبة إلى التكلم على مذهب الجمهور أيضاً، والنكتة فيه بعد النكتة العامة أعني الإيقاظ وتطرية الإصغاء المبالغة في التخويف والترهيب فإن تخويف الحاضر مواجهة أبلغ من تخويف الغائب سيما بعد وصفه بالوحدة والألوهية المقتضية للعظمة والقدرة التامة على الانتقام. والفاء في {فَإيَّـٰيَ} واقعة في جواب شرط مقدر و {إياي} مفعول لفعل محذوف يقدر مؤخراً يدل عليه {فَٱرْهَبُونِ} أي إن رهبتم شيئاً فإياي ارهبوا، وقول ابن عطية: إن {إياي} منصوب بفعل مضمر تقديره فارهبوا إياي فارهبون ذهول عن القاعدة النحوية، وهي أنه إذا كان المعمول ضميراً منفصلاً والفعل متعد إلى واحد هو الضمير وجب تأخر الفعل نحو {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ } تفسير : [الفاتحة: 5] ولا يجوز أن يتقدم إلا في ضرورة نحو قوله:شعر : إليك حتى بلغت إياكا تفسير : وعطف المفسر المذكور على المفسر المحذوف بالفاء لأن المراد رهبة بعد رهبة، وقيل: لأن المفسر حقه إن يذكر بعد المفسر، ولا يخفى فصل الضمير وتقديمه من الحصر أي ارهبوني لا غير فأنا ذلك الإله الواحد القادر على الانتقام.

سيد قطب

تفسير : هذا الشوط الثالث في قضية الألوهية الواحدة التي لا تتعدد، يبدأ فيقرر وحدة الإله، ووحدة المالك، ووحدة المنعم في الآيات الثلاث الأولى متواليات، ويختم بمثلين يضربهما للسيد المالك الرازق، والعبد المملوك لا يقدر على شيء، ولا يملك شيئاً.. هل يستوون؟ فكيف يسوي الله المالك الرازق بمن لا يقدر ولا يملك ولا يرزق؟ فيقال: هذا إله وهذا إله؟!. وفي خلال الدرس يعرض نموذجا بشريا للناس حين يصيبهم الضر فيجأرون إلى الله وحده، حتى إذا كشف عنهم الضرر راحوا يشركون به غيره!. ويعرض كذلك صورا من أوهام الوثنية وخرافاتها. في تخصيص بعض ما رزقهم الله لآلهتهم المدعاة، في حين أنهم لا يردون شيئاً مما يملكون على عبيدهم ولا يقاسمونهم إياه! وفي نسبة البنات إلى الله على حين يكرهون ولادة البنات لهم: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم}! وفي الوقت الذي يجعلون لله ما يكرهون تروح ألسنتهم تتشدق بأن لهم الحسنى، وأنهم سينالون على ما فعلوا خيرا! وهذه الأوهام التي ورثوها من المشركين قبلهم هي التي جاءهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليبين لهم الحقيقة فيها هدى ورحمة للمؤمنين. ثم يأخذ في عرض نماذج من صنع الألوهية الحقة في تأملها عظة وعبرة فالله وحده هو القادر عليها الموجد لها، وهي هي دلائل الألوهية لا سواها: فالله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها. والله يسقي الناس ـ غير الماء ـ لبنا سائغا يخرج من بطون الأنعام من بين فرث ودم. والله يطلع للناس ثمرات النخيل والأعناب يتخذون منها سكراً ورزقاً حسنا. والله أوحى إلى النحل لتتخذ من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون، ثم تخرج عسلا فيه شفاء للناس.. ثم الله يخلق الناس ويتوفاهم ويؤجل بعضهم حتى يشيخ فينسى ما تعلمه ويرتد ساذجاً لا يعلم شيئا. والله فضل بعضهم على بعض في الرزق. والله جعل لهم من أنفسهم أزواجا وجعل لهم من أزواجهم بنين وحفدة... وهم بعد هذا كله يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً في السماوات والأرض ولا يقدرون على شيء. ويجعلون لله الأشباه والأمثال!. هذه اللمسات كلها في أنفسهم وفيما حولهم، يوجههم إليها لعلهم يستشعرون القدرة وهي تعمل في ذواتهم وفي أرزاقهم وفي طعامهم وفي شرابهم، وفي كل شيء حولهم.. ثم يختمها بالمثلين الواضحين اللذين أشرنا إليهما آنفا. فهي حملة على الوجدان البشري والعقل البشري، ذات إيقاعات عميقة، تضرب على أوتار حساسة في النفس البشرية يصعب ألا تهتز لها وتتأثر وتستجيب. {وقال الله: لا تتخذوا إلـهين اثنين، إنما هو إلـه واحد فإياي فارهبون. وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا. أفغير الله تتقون. وما بكم من نعمة فمن الله؛ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون. ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون، ليكفروا بما آتيناهم، فتمتعوا فسوف تعلمون}.. لقد أمر الله الا يتخذ الناس إلهين اثنين. إنما هو إله واحد لا ثاني له. ويأخذ التعبير أسلوب التقرير والتكرير فيتبع كلمة إلهين بكلمة اثنين، ويتبع النهي بالقصر إنما هو إله واحد. ويعقب على النهي والقصر بقصر آخر {فإياي فارهبون} دون سواي بلا شبيه أو نظير. ويذكر الرهبة زيادة في التحذير.. ذلك أنها القضية الأساسية في العقيدة كلها، لا تقوم إلا بها، ولا توجد إلا بوجودها في النفس واضحة كاملة دقيقة لا لبس فيها ولا غموض. إنما هو إله واحد.. وإنما هو كذلك مالك واحد: {وله ما في السماوات والأرض}.. ودائن واحد {وله الدين واصبا} (أي واصلاً منذ ما وجد الدين، فلا دين إلا دينه) ومنعم واحد: {وما بكم من نعمة فمن الله} وفطرتكم تلجأ إليه وحده ساعة العسرة والضيق، وتنتفي عنها أوهام الشرك والوثنية فلا تتوجه إلا إليه دون شريك: {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} وتصرخون لينجيكم مما أنتم فيه. وهكذا يتفرد سبحانه وتعالى بالألوهية والملك والدين والنعمة والتوجه؛ وتشهد فطرة البشر بهذا كله حين يصهرها الضر وينفض عنها أوشاب الشرك.. ومع هذا فإن فريقا من البشر يشركون بالله بعد توحيده حالما ينجيهم من الضر المحيق! فينتهوا إلى الكفر بنعمة الله عليهم، وبالهدى الذي آتاهم.. فلينظروا إذن ما يصيبهم بعد المتاع القصير: {فتمتعوا فسوف تعلمون}.... هذا النموذج الذي يرسمه التعبير هنا {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون، ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون}.. نموذج متكرر في البشرية. ففي الضيق تتوجه القلوب إلى الله، لأنها تشعر بالفطرة ألا عاصم لها سواه. وفي الفرج تتلهى بالنعمة والمتاع، فتضعف صلتها بالله، وتزيغ عنه ألوانا من الزيغ تبدو في الشرك به وتبدو في صور شتى من تأليه قيم وأوضاع ولو لم تدع باسم الإله. ولقد يشتد انحراف الفطرة وفسادها، فإذا بعضهم في ساعة العسرة لا يلجأ إلى الله؛ ولكن يلجأ إلى بعض مخاليقه يدعوها للنصرة والإنقاذ والنجاة، بحجة أنها ذات جاه أو منزلة عند الله، أو بغير هذه الحجة في بعض الأحيان، كالذين يدعون الأولياء لإنقاذهم من مرض أو شدة أو كرب.. فهؤلاء أشد انحرافا من مشركي الجاهلية الذين يرسم لهم القرآن ذلك النموذج الذي رأيناه!. {ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم}. فإذا هم يحرمون على أنفسهم بعض الأنعام. لا يركبونها أو لا يذوقون لحومها. أو يبيحونها للذكور دون الإناث ـ كما أسلفنا في سورة الأنعام ـ باسم الآلهة المدعاة؛ التي لا يعلمون عنها شيئا، إنما هي أوهام موروثة من الجاهلية الأولى. والله هو الذي رزقهم هذه النعمة التي يجعلون لما لا يعلمون نصيبا منها، فليست هي من رزق الآلهة المدعاة لهم ليردوها عليها، إنما هي من رزق الله، الذي يدعوهم إلى توحيده فيشركون به سواه!. وهكذا تبدو المفارقة في تصورهم وفي تصرفهم على السواء.. الرزق كله من الله. والله يأمر ألا يعبد سواه فهم يخالفون عن أمره فيتخذون الآلهة. وهم يأخذون من رزقه فيجعلونه لما نهاهم عنه! وبهذا تتبدى المفارقة واضحة جاهرة عجيبة مستنكرة!. وما يزال أناس بعد أن جاءت عقيدة التوحيد وتقررت، يجعلون نصيبا من رزق الله لهم موقوفاً على ما يشبه آلهة الجاهلية. ما يزال بعضهم يطلق عجلا يسميه {عجل السيد البدوي} يأكل من حيث يشاء لا يمنعه أحد، ولا ينتفع به أحد، حتى يذبح على اسم السيد البدوي لا على اسم الله! وما يزال بعضهم ينذرون للأولياء ذبائح يخرجونها من ذمتهم لا لله، ولا باسم الله، ولكن باسم ذلك الولي، على ما كان أهل الجاهلية يجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقنهم الله. وهو حرام نذره على هذا الوجه. حرام لحمه. ولو سمي اسم الله عليه. لأنه أهلّ لغير الله به!. {تالله لتسألن عما كنتم تفترون} بالقسم والتوكيد الشديد. فهو افتراء يحطم العقيدة من أساسها لأنه يحطم فكرة التوحيد. {ويجعلون لله البنات ـ سبحانه ـ ولهم ما يشتهون. وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب؟ ألا ساء ما يحكمون!}.. إن الانحراف في العقيدة لا تقف آثاره عند حدود العقيدة، بل يتمشى في أوضاع الحياة الاجتماعية وتقاليدها. فالعقيدة هي المحرك الأول للحياة، سواء ظهرت أو كمنت. وهؤلاء عرب الجاهلية كانوا يزعمون أن لله بنات ـ هن الملائكة ـ على حين أنهم كانوا يكرهون لأنفسهم ولادة البنات! فالبنات لله أما هم فيجعلون لأنفسهم ما يشتهون من الذكور!. وانحرافهم عن العقيدة الصحيحة سول لهم وأد البنات أو الإبقاء عليهن في الذل والهوان من المعاملة السيئة والنظرة الوضيعة. ذلك أنهم كانوا يخشون العار والفقر مع ولادة البنات. إذ البنات لا يقاتلن ولا يكسبن؛ وقد يقعن في السبي عند الغارات فيجلبن العار، أو يعشن كلاًّ على أهليهن فيجلبن الفقر. والعقيدة الصحيحة عصمة من هذا كله. إذ الرزق بيد الله يرزق الجميع؛ ولا يصيب أحدا إلا ما كتب له؛ ثم إن الإنسان بجنسيه كريم على الله، والأنثى ـ من حيث إنسانيتها ـ صنو الرجل وشطر نفسه كما يقرر الإسلام. ويرسم السياق صورة منكرة لعادات الجاهلية: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم} مسودا من الهم والحزن والضيق، وهو كظيم، يكظم غيظه وغمه، كأنها بلية، والأنثى هبة الله له كالذكر، وما يملك أن يصور في الرحم أنثى ولا ذكرا، وما يملك أن ينفخ فيه حياة، وما يملك أن يجعل من النطفة الساذجة إنسانا سويا. وإن مجرد تصور الحياة نامية متطورة من نطفة إلى بشر ـ بإذن الله ـ ليكفي لاستقبال المولود ـ أيا كان جنسه ـ بالفرح والترحيب وحسن الاستقبال، لمعجزة الله التي تتكرر، فلا يبلي جدتها التكرار! فكيف يغتم من يبشر بالأنثى ويتوارى من القوم من سوء ما بشر به وهو لم يخلق ولم يصور. إنما كان أداة القدرة في حدوث المعجزة الباهرة؟. وحكمة الله، وقاعدة الحياة، اقتضت أن تنشأ الحياة من زوجين ذكر وأنثى. فالأنثى أصيلة في نظام الحياة أصالة الذكر؛ بل ربما كانت أشد أصالة لأنها المستقر. فكيف يغتم من يبشر بالأنثى، وكيف يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ونظام الحياة لا يقوم إلا على وجود الزوجين دائما؟. إنه انحراف العقيدة ينشئ آثاره في انحراف المجتمع وتصوراته وتقاليده.. {ألا ساء ما يحكمون} وما أسوأه من حكم وتقدير. وهكذا تبدو قيمة العقيدة الإسلامية في تصحيح التصورات والأوضاع الاجتماعية. وتتجلى النظرة الكريمة القويمة التي بثها في النقوس والمجتمعات تجاه المرأة، بل تجاه الإنسان. فما كانت المرأة هي المغبونة وحدها في المجتمع الجاهلي الوثني إنما كانت "الإنسانية" في أخص معانيها. فالأنثى نفس إنسانية، إهانتها إهانة للعنصر الإنساني الكريم، ووأدها قتل للنفس البشرية، وإهدار لشطر الحياة؛ ومصادمة لحكمة الخلق الأصيلة، التي اقتضت أن يكون الأحياء جميعا ـ لا الإنسان وحده ـ من ذكر وانثى. وكلما انحرفت المجتمعات عن العقيدة الصحيحة عادت تصورات الجاهلية تطل بقرونها.. وفي كثير من المجتمعات اليوم تعود تلك التصورات إلى الظهور. فالأنثى لا يرحب بمولدها كثير من الأوساط وكثير من الناس، ولا تعامل معاملة الذكر من العناية والاحترام. وهذه وثنية جاهلية في إحدى صورها، نشأت من الانحراف الذي أصاب العقيدة الإسلامية. ومن عجب أن ينعق الناعقون بلمز العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية ـ في مسألة المرأة ـ، نتيجة لما يرونه في هذه المجتمعات المنحرفة ولا يكلف هؤلاء الناعقون اللامزون أنفسهم أن يراجعوا نظرة الإسلام، وما أحدثته من ثورة في التطورات والأوضاع. وفي المشاعر والضمائر. وهي بعد نظرة علوية لم تنشئها ضرورة واقعية ولا دعوة أرضية ولا مقتضيات اجتماعية أو اقتصادية. إنما أنشأتها العقيدة الإلهية الصادرة عن الله الذي كرم الإنسان، فاستتبع تكريمه للجنس البشري تكريمه للأنثى، ووصفها بأنها شطر النفس البشرية، فلا تفاضل بين الشطرين الكريمين على الله. والفارق بين طبيعة النظرة الجاهلية والنظرة الإسلامية، هو الفارق بين صفة الذين لا يؤمنون بالآخرة وصفة الله سبحانه ـ ولله المثل الأعلى ـ: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء. ولله المثل الأعلى. وهو العزيز الحكيم}.. وهنا تقترن قضية الشرك بقضية إنكار الآخرة، لأنهما ينبعان من معين وانحراف واحد. ويختلطان في الضمير البشري، وينشئان آثارهما في النفس والحياة والمجتمع والأوضاع. فإذا ضرب مثل للذين لا يؤمنون بالآخرة فهو مثل السوء. السوء المطلق في كل شيء: في الشعور والسلوك، في الاعتقاد والعمل. في التصور والتعامل، في الأرض والسماء.. {ولله المثل الأعلى} الذي لا يقارن ولا يوازن بينه وبين أحد، بله الذين لا يؤمنون بالآخرة هؤلاء.. {وهو العزيز الحكيم} ذو المنعة وذو الحكمة الذي يتحكم ليضع كل شيء موضعه، ويحكم ليقر كل شيء في مكانه بالحق والحكمة والصواب. وإنه لقادر أن يأخذ الناس بظلمهم الذي يقع منهم ولو فعل لدمرها عليهم تدميرا؛ ولكن حكمته اقتضت أن يؤخرهم إلى أجل. وهو العزيز الحكيم: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}.. والله خلق هذا الخلق ـ البشري ـ وأنعم عليه بآلائه. وهو وحده الذي يفسد في الأرض ويظلم، وينحرف عن الله ويشرك؛ ويطغى بعضه على بعض، ويؤذي سواه من الخلق.. والله بعد هذا كله يحلم عليه ويرأف به، ويمهله وإن كان لا يهمله. فهي الحكمة تصاحب القوة، وهي الرحمة تصاحب العدل. ولكن الناس يغترون بالإمهال، فلا تستشعر قلوبهم رحمة الله وحكمته، حتى يأخذهم عدله وقوته. عند الأجل المسمى الذي ضربه الله لحكمة، وأمهلهم إليه لرحمة. {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}. وأعجب ما في الأمر أن المشركين، يجعلون لله ما يكرهون من البنات وغير البنات، ثم يزعمون كاذبين أن سينالهم الخير والإحسان جزاء على ما يجعلون ويزعمون! والقرآن يقرر ما ينتظرهم وهو غير ما يزعمون: {ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى. لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون}. والتعبير يجعل ألسنتهم ذاتها كأنها الكذب ذاته، أو كأنها صورة له، تحكيه وتصفه بذاتها. كما تقول قوامه يصف الرشاقة وعينه تصف الحور. لأن ذلك القوام بذاته تعبير عن الرشاقة مفصح عنها، ولأن هذه العين بذاتها تعبير عن الحور مفصح عنه. كذلك قال: تصف ألسنتهم الكذب، فهي بذاتها تعبير عن الكذب مفصح عنه مصور له، لطول ما قالت الكذب وعبرت عنه حتى صارت رمزاً عليه ودلالة له!. وقولهم: أن لهم الحسنى، وهم يجعلون لله ما يكرهون هو ذلك الكذب الذي تصفه ألسنتهم أما الحقيقة التي يجبههم بها النص قبل أن تكمل الآية، فهي ان لهم النار دون شك ولا ريب، وعن استحقاق وجدارة: {لا جرم أن لهم النار} وأنهم معجلون إليها غير مؤخرين عنها: {وأنهم مفرطون} والفرط هو ما يسبق، والمفرط ما يقدم ليسبق فلا يؤجل. وبعد فإن القوم ليسوا أول من انحرف، وليسوا أول من جدف، فقد كان قبلهم منحرفون ومجدفون، أغواهم الشيطان، وزين لهم ما انحرفوا إليه من تصورات وأعمال، فصار وليهم الذي يشرف عليهم ويصرفهم؛ وإنما أرسل الله رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليستنقذهم، وليبين لهم الحق من الباطل، ويفصل فيما وقع بينهم من خلاف في عقائدهم وكتبهم؛ وليكون هدى ورحمة لمن يؤمنون. {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك، فزين لهم الشيطان أعمالهم، فهو وليهم اليوم، ولهم عذاب أليم. وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}.. فوظيفة الكتاب الأخير والرسالة الأخيرة هي الفصل فيما شجر من خلاف بين أصحاب الكتب السابقة وطوائفهم. إذ الأصل هو التوحيد، وكل ما طرأ على التوحيد من شبهات وكل ما شابه من شرك في صورة من الصور، ومن تشبيه وتمثيل.. كله باطل جاء القرآن الكريم ليجلوه وينفيه. وليكون هدى ورحمة لمن استعدت قلوبهم للإيمان وتفتحت لتلقيه. وعند هذا الحد يأخذ السياق في استعراض آيات الألوهية الواحدة فيما خلق الله في الكون، وفيما أودع الإنسان من صفات واستعدادات، وفيما وهبه من نعم وآلاء، مما لا يقدر عليه أحد إلا الله. وقد ذكر في الآية السابقة إنزال الكتاب ـ وهو خير ما أنزل الله للناس وفيه حياة الروح ـ فهو يتبعه بإنزال الماء من السماء، وفيه حياة الأجسام: {والله أنزل من السماء ماء، فأحيا به الأرض بعد موتها. إن في ذلك لآية لقوم يسمعون}.. والماء حياة كل حي. والنص يجعله حياة للأرض كلها على وجه الشمول لكل ما عليها ومن عليها. والذي يحول الموت إلى حياة هو الذي يستحق أن يكون إلها: {إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} فيتدبرون ما يسمعون. فهذه القضية. قضية آيات الألوهية ودلائلها من الحياة بعد الموت ذكرها القرآن كثيرا ووجه الأنظار إليها كثيرا، ففيها آية لمن يسمع ويعقل ويتدبر ما يقال. وعبرة أخرى في الأنعام تشير إلى عجيب صنع الخالق، وتدل على الألوهية بهذا الصنع العجيب: {وإن لكم في الأنعام لعبرة، نسقيكم مما في بطونه - من بين فرث ودم - لبناً خالصاً سائغاً للشاربين} فهذا اللبن الذي تدره ضروع الأنعام مم هو؟ إنه مستخلص من بين فرث ودم. والفرث ما يتبقى في الكرش بعد الهضم، وامتصاص الأمعاء للعصارة التي تتحول إلى دم. هذا الدم الذي يذهب إلى كل خلية في الجسم، فإذا صار إلى غدد اللبن في الضرع تحول إلى لبن ببديع صنع الله العجيب، الذي لا يدري أحد كيف يكون. وعملية تحول الخلاصات الغذائية في الجسم إلى دم، وتغذية كل خلية بالمواد التي تحتاج إليها من مواد هذا الدم، عملية عجيبة فائقة العجب، وهي تتم في الجسم في كل ثانية، كما تتم عمليات الاحتراق. وفي كل لحظة تتم في هذا الجهاز الغريب عمليات هدم وبناء مستمرة لا تكف حتى تفارق الروح الجسد.. ولا يملك إنسان سوي الشعور أن يقف أمام هذه العمليات العجيبة لا تهتف كل ذرة فيه بتسبيح الخالق المبدع لهذا الجهاز الإنساني، الذي لا يقاس إليه أعقد جهاز من صنع البشر، ولا إلى خلية واحدة من خلاياه التي لا تحصى. ووراء الوصف العام لعمليات الامتصاص والتحول والاحتراق تفصيلات تدير العقل، وعمل الخلية الواحدة في الجسم في هذه العملية عجب لا ينقضي التأمل فيه. وقد بقي هذا كله سرا إلى عهد قريب. وهذه الحقيقة العلمية التي يذكرها القرآن هنا عن خروج اللبن من بين فرث ودم لم تكن معروفة لبشر، وما كان بشر في ذلك العهد ليتصورها فضلا على أن يقررها بهذه الدقة العلمية الكاملة. وما يملك إنسان يحترم عقله أن يماري في هذا أو يجادل. ووجود حقيقة واحدة من نوع هذه الحقيقة يكفي وحده لإثبات الوحي من الله بهذا القرآن. فالبشرية كلها كانت تجهل يومذاك هذه الحقيقة. والقرآن ـ يعبر هذه الحقائق العلمية البحته ـ يحمل أدلة الوحي من الله في خصائصه الأخرى لمن يدرك هذه الخصائص ويقدرها؛ ولكن ورود حقيقة واحدة على هذا النحو الدقيق يفحم المجادلين المتعنتين. {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً. إن في ذلك لآية لقوم يعقلون}.. هذه الثمرات المنبثقة عن الحياة التي بثها الماء النازل من السماء. تتخذون منه سكرا (والسكر الخمر ولم تكن حرمت بعد) ورزقاً حسناً. والنص يلمح إلى أن الرزق الحسن غير الخمر وأن الخمر ليست رزقاً حسناً، وفي هذا توطئة لما جاء بعد من تحريمها، وإنما كان يصف الواقع في ذلك الوقت من اتخاذهم الخمر من ثمرات النخيل والأعناب، وليس فيه نص بحلها، بل فيه توطئه لتحريمها {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون}.. فيدركون أن من يصنع هذا الرزق هو الذي يستحق العبودية له وهو الله.. {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً، ومن الشجر ومما يعرشون، ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا، يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس. إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون}.. والنحل تعمل بإلهام من الفطرة التي أودعها إياها الخالق، فهو لون من الوحي تعمل بمقتضاه. وهي تعمل بدقة عجيبة يعجز عن مثلها العقل المفكر سواء في بناء خلاياها، أو في تقسيم العمل بينها، أو في طريقة إفرازها للعسل المصفى. وهي تتخذ بيوتها ـ حسب فطرتها ـ في الجبال والشجر وما يعرشون أي ما يرفعون من الكروم وغيرها ـ وقد ذلل الله لها سبل الحياة بما أودع في فطرتها وفي طبيعة الكون حولها من توافق. والنص على أن العسل فيه شفاء للناس قد شرحه بعض المختصين في الطب. شرحاً فنياً. وهو ثابت بمجرد نص القرآن عليه. وهكذا يجب أن يعتقد المسلم استنادا إلى الحق الكلي الثابت في كتاب الله؛ كما أثر عن رسول الله. روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري "حديث : أن رجلاً جاء إلى الرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: "اسقه عسلاً" فسقاه عسلاً. ثم جاء فقال: يا رسول الله سقيته عسلاً فما زاده إلا استطلاقاً. قال: "اذهب فاسقه عسلاً" فذهب فسقاه عسلاً ثم جاء فقال: يا رسول الله ما زاده ذلك إلا استطلاقاً. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - "صدق الله وكذب بطن أخيك اذهب فاسقه عسلاً" فذهب فسقاه عسلاً فبرئ ". تفسير : ويروعنا في هذا الأثر يقين الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمام ما بدا واقعاً عملياً من استطلاق بطن الرجل كلما سقاه أخوه. وقد انتهى هذا اليقين بتصديق الواقع له في النهاية. وهكذا يجب أن يكون يقين المسلم بكل قضية وبكل حقيقة وردت في كتاب الله. مهما بدا في ظاهر الأمر ما يسمى الواقع يخالفها. فهي أصدق من ذلك الواقع الظاهري، الذي ينثني في النهاية ليصدقها.. ونقف هنا أمام ظاهرة التناسق في عرض هذه النعم: إنزال الماء من السماء. وإخراج اللبن من بين فرث ودم. واستخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب. والعسل من بطون النحل.. إنها كلها أشربه تخرج من أجسام مخالفة لها في شكلها. ولما كان الجو جو أشربة فقد عرض من الأنعام لبنها وحده في هذا المجال تنسيقاً لمفردات المشهد كله. وسنرى في الدرس التالي أنه عرض من الأنعام جلودها وأصوافها وأوبارها لأن الجو هناك كان جو أكنان وبيوت وسرابيل فناسب أن يعرض من الأنعام جانبها الذي يتناسق مع مفردات المشهد... وذلك أفق من آفاق التناسق الفني في القرآن. ومن الأنعام والأشجار والثمار والعسل إلى لمسة أقرب إلى أعماق النفس البشرية، لأنها في صميم ذواتهم: في أعمارهم وأرزاقهم وأزواجهم وبنيهم وأحفادهم. فهم أشد حساسية بها، وأعمق تأثراً واستجابة لها: {والله خلقكم ثم يتوفاكم، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئاً، إن الله عليم قدير}. {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق، فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء. أفبنعمة الله يجحدون}؟ {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة، ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون؟ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض شيئاً ولا يستطيعون؟}.. واللسمة الأولى في الحياة والوفاة، وهي متصلة بكل فرد وبكل نفس؛ والحياة حبيبة، والتفكر في أمرها قد يرد القلب الصلد إلى شيء من اللين، وإلى شيء من الحساسية بيد الله ونعمته وقدرته. والخوف عليها قد يستجيش وجدان التقوى والحذر والالتجاء إلى واهب الحياة. وصورة الشيخوخة حين يرد الإنسان إلى أرذل العمر، فينسى ما كان قد تعلم، ويرتد إلى مثل الطفولة من العجز والنسيان والسذاجة. هذه الصورة قد ترد النفس إلى شيء من التأمل في أطوار الحياة، وقد تغض من كبرياء المرء واعتزازه بقوته وعلمه ومقدرته. ويجيء التعقيب: {إن الله عليم قدير} ليرد النفس إلى هذه الحقيقة الكبيرة. أن العلم الشامل الأزلي الدائم لله، وأن القدرة الكاملة التي لا تتأثر بالزمن هي قدرة الله. وأن علم الإنسان إلى حين، وقدرته إلى أجل، وهما بعد جزئيان ناقصان محدودان. واللمسة الثانية في الرزق. والتفاوت فيه ملحوظ. والنص يرد هذا التفاوت إلى تفضيل الله لبعضهم على بعض في الرزق. ولهذا التفضيل في الرزق أسبابه الخاضعة لسنة الله. فليس شيء من ذلك جزافاً ولا عبثاً. وقد يكون الإنسان مفكراً عالماً عاقلاً، ولكن موهبته في الحصول على الرزق وتنميته محدودة، لأن له مواهب في ميادين أخرى. وقد يبدو غبياً جاهلاً ساذجاً، ولكن له موهبة في الحصول على المال وتنميته. والناس مواهب وطاقات. فيحسب من لا يدقق أن لا علاقة للرزق بالمقدرة، وإنما هي مقدرة خاصة في جانب من جوانب الحياة. وقد تكون بسطة الرزق ابتلاء من الله، كما يكون التضييق فيه لحكمة يريدها ويحققها بالابتلاء.. وعلى أية حال فإن التفاوت في الرزق ظاهرة ملحوظة تابعة لاختلاف في المواهب ـ وذلك حين تمتنع الأسباب المصطنعة الظالمة التي توجد في المجتمعات المختلة ـ والنص يشير إلى هذه الظاهرة التي كانت واقعة في المجتمع العربي؛ ويستخدمها في تصحيح بعض أوهام الجاهلية الوثنية التي يزاولونها، والتي سبقت الإشارة إليها. ذلك حين كانوا يعزلون جزءاً من رزق الله الذي أعطاهم ويجعلونه لآلهتهم المدعاة. فهو يقول عنهم هنا: إنهم لا يردون جزءاً من أموالهم على ما ملكت أيمانهم من الرقيق. (وكان هذا أمراً واقعاً قبل الإسلام) ليصبحوا سواء في الرزق. فما بالهم يردون جزءاً من مال الله الذي رزقهم إياه على آلهتهم المدعاة؟ {أفبنعمة الله يجحدون؟} فيجازون النعمة بالشرك، بدل الشكر للمنعم المتفضل الوهاب؟ واللمسة الثالثة في الأنفس والأزواج والأبناء والأحفاد وتبدأ بتقرير الصلة بين الجنسين: {جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} فهن من أنفسكم، شطر منكم، لا جنس أحط يتوارى من يبشر به ويحزن! {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} والإنسان الفاني يحس الامتداد في الأبناء والحفدة، ولمس هذا الجانب في النفس يثير أشد الحساسية.. ويضم إلى هبة الأبناء والأحفاد هبة الطيبات من الرزق للمشاكلة بين الرزقين ليعقب عليها بسؤال استنكاري: {أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون؟} فيشركون به ويخالفون عن أمره. وهذه النعم كلها من عطائه. وهي آيات على ألوهيته وهي واقعة في حياتهم، تلابسهم في كل آن.. أفبالباطل يؤمنون؟ وما عدا الله باطل، وهذه الآلهة المدعاة، والأوهام المدعاة كلها باطل لا وجود له، ولا حق فيه. وبنعمة الله هم يكفرون، وهي حق يلمسونه ويحسونه ويتمتعون به ثم يجحدونه {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض شيئاً ولا يستطيعون}.. وإنه لعجيب أن تنحرف الفطرة إلى هذا الحد، فيتجه الناس بالعبادة إلى ما لا يملك لهم رزقاً وما هو بقادر في يوم من الأيام، ولا في حال من الأحوال. ويدعون الله الخالق الرازق، وآلاؤه بين أيديهم لا يملكون إنكارها، ثم يجعلون لله الأشباه والأمثال! {فلا تضربوا لله الأمثال. إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون}.. إنه ليس لله مثال، حتى تضربوا له الأمثال. ثم يضرب لهم مثلين للسيد المالك الرازق وللمملوك العاجز الذي لا يملك ولا يكسب. لتقريب الحقيقة الكبرى التي غفلوا عنها. حقيقة أن ليس لله مثال، وما يجوز أن يسووا في العبادة بين الله وأحد من خلقه وكلهم لهم عبيد: {ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً. هل يستوون؟ الحمد لله. بل أكثرهم لا يعلمون}. {وضرب الله مثلاً رجلين: أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كلٌ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير. هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم؟} والمثل الأول مأخوذ من واقعهم، فقد كان لهم عبيد مملوكون، لا يمكلون شيئاً ولا يقدرون على شيء. وهم لا يسوون بين العبد المملوك العاجز والسيد المالك المتصرف. فكيف يسوون بين سيد العباد ومالكهم وبين أحد أو شيء مما خلق. وكل مخلوقاته له عبيد؟ والمثل الثاني يصور الرجل الأبكم الضعيف البليد الذي لا يدري ولا يعود بخير. والرجل القوي المتكلم الآمر بالعدل، العامل المستقيم على طريق الخير.. ولا يسوي عاقل بين هذا وذاك. فكيف تمكن التسوية بين صنم أو حجر، وبين الله سبحانه وهو القادر العليم الآمر بالمعروف، الهادي إلى الصراط المستقيم؟ وبهذين المثلين يختم الشوط الذي بدأ بأمر الله للناس ألا يتخذوا إلهين اثنين، وختم بالتعجيب من أمر قوم يتخذون إلهين اثنين!

ابن عاشور

تفسير : لما أُشبع القول في إبطال تعدّد الآلهة الشائع في جميع قبائل العرب، وأتبع بإبطال الاختلاق على الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن، نُقل الكلام إلى إبطال نوع آخر من الشّرك متّبع عند قبائل من العرب وهو الإشراك بإلهية أصلين للخير والشرّ، تقلّدته قبائل العرب المجاورة بلاد فارس والساري فيهم سلطان كِسرى وعوائدُهم، مثلُ بني بكر بن وائل وبني تميم، فقد دان منهم كثير بالمجوسية، أي المَزْدكية والمانوية في زمن كِسرى أبرويش وفي زمن كِسرى أنوشروان، والمجوسية تثبت عقيدةً بإلهين: إلهٍ للخير وهو النّور، وإلهٍ للشرّ وهو الظلمة، فإله الخير لا يصدر منه إلا الخير والأنعام، وإله الشرّ لا يصدر عنه إلا الشرّ والآلام، وسمّوا إله الخير (يَزْدَان)، وسموا إله الشرّ (اَهْرُمُنْ). وزعموا أن يزدان كان منفرداً بالإلهية وكان لا يخلق إلا الخير فلم يكن في العالم إلا الخير، فخطر في نفسه مرةً خاطرُ شرّ فتولّد عنه إلهٌ آخرُ شريك له هو إلهٌ الشرّ، وقد حكى هذا المعرّي في لزومياته بقوله:شعر : فَكّرَ يَزْدانُ على غِرة فصيغ من تفكيره أهْرُمُنْ تفسير : ولم يكونوا يجعلون لهذين الأصلين صُوراً مجسّمة، فلذلك لم يكن دينهم من عداد عبادة الطاغوت لاختصاص اسم الطاغوت بالصور والأجسام المعبودة. وهذا الدين من هذه الجهة يشبه الأديان التي لا تعبُد صُوَراً محسوسة. وسيأتي الكلام على المجوسيّة عند تفسير قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا إلى قوله {أية : والمَجوسَ} تفسير : في سورة الحج (17). ويدلّ على أن هذا الدين هو المراد التّعقيب بآية {أية : وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسّكم الضرّ فإليه تجأرون} تفسير : [سورة النحل: 53] كما سيأتي. فقوله تعالى: {وقال الله لا تتخذوا إلٰهين اثنين} عطف قصّة على قصّة وهو مرتبط بجملة {أية : ولقد بعثنا في كل أمّة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} تفسير : [سورة النحل: 36]. ومعنى {وقال الله لا تتخذوا إلٰهين} أنه دعا الناس ونَصب الأدلّة على بطلان اعتقاده. وهذا كقوله تعالى: {أية : يريدون أن يبدلوا كلام الله } تفسير : [سورة الفتح: 15] وقوله: {أية : كذلكم قال الله من قبل} تفسير : [سورة الفتح: 15]. وصيغة التّثنية من قوله: {إلٰهين} أكدت بلفظ {اثنين} للدّلالة على أن الإثنينية مقصودة بالنّهي إبطالاً لشرك مخصوص من إشراك المشركين، وأن لا اكتفاء بالنّهي عن تعدّد الإله بل المقصود النّهي عن التّعدد الخاص وهو قول المجوس بإلهين. ووقع في «الكشاف» توجيه ذكر {اثنين} بأنه لدفع احتمال إرادة الجنس حقيقة لا مجازاً. وإذ نُهوا عن اتخاذ إلهين فقد دلّ بدلالة الاقتضاء على إبطال اتخاذ آلهة كثيرة. وجملة {إنما هو إلٰه واحد} يجوز أن تكون بياناً لجملة {لا تتخذوا إلٰهين اثنين}، فالجملة مقولة لفعل {وقال الله} لأن عطف البيان تابع للمبيّن كموقع الجملة الثانية في قول الشاعر:شعر : أقول له ارحَلْ لا تَقيمَنّ عندنا تفسير : فلذلك فُصلت، وبذلك أفيد بالمنطوق ما أفيد قبلُ بدلالة الاقتضاء. والضمير من قوله تعالى: {إنما هو إلٰه واحد} عائد إلى اسم الجلالة في قوله: {وقال الله}، أي قال الله إنما الله إله واحد، وهذا جَريٌ على أحد وجهين في حكاية القول وما في معناه بالمعنى كما هنا، وقوله تعالى حكاية عن عيسى ــــ عليه السلام ــــ {أية : أن اعبدوا الله ربي وربكم} تفسير : [سورة المائدة: 117] فـ {أن اعبدوا الله} مفسرُ «أمَرْتني»، وفعل «أمَرْتني» فيه معنى القول، والله قال له: قل لهم اعبُدوا الله ربك وربهم، فحكاه بالمعنى، فقال: ربّي. والقصر في قوله: {إنما هو إلٰه واحد} قصر موصوف على صفة، أي الله مختصّ بصفة توحّد الإلهية، وهو قصر قلب لإبطال دعوى تثنية الإله. ويجوز أن تكون جملة {إنما هو إلٰه واحد} معترضةً واقعة تعليلاً لجملة {لا تتخذوا إلٰهين اثنين} أي نَهى الله عن اتخاذ إلهين لأن الله واحد، أي والله هو مسمّى إله فاتّخاذ إلهين اثنين قلب لحقيقة الإلهية. وحصر صفة الوحدانية في عَلَم الجلالة بالنّظر إلى أن مسمّى ذلك العلم مساوٍ لمسمّى إله، إذ الإله منحصر في مسمّى ذلك العلَم. وتفريع {فإياي فارهبون} يجوز أن يكون تفريعاً على جملة {لا تتخذوا إلٰهين اثنين} فيكون {فإياي فارهبون} من مقول القول، ويكون في ضمير المتكلم من قوله: {فارهبون} التفات من الغيبة إلى الخطاب. ويجوز أن يكون تفريعاً على فعل {وقال الله} فلا يكون من مقول القول، أي قال الله لا تتخذوا إلهين فلا ترهبوا غيري. وليس في الكلام التفات على هذا الوجه. وتفرّع على ذلك قوله تعالى: {فإياي فارهبون} بصيغة القصر، أي قصر قلب إضافياً، أي قصر الرهبة التامة منه عليه فلا اعتداد بقدرة غيره على ضرّ أحد. وهو ردّ على الذين يرهبون إله الشرّ فالمقصود هو المرهوب. والاقتصار على الأمر بالرّهبة وقصرها على كونها من الله يفهم منه الأمر بقصر الرغبة عليه لدلالة قصر الرهبة على اعتقاد قصر القدرة التامة عليه تعالى فيفيد الردّ على الذين يطمعون في إله الخير بطريق الأولى، وإنما اقتصر على الرّهبة لأن شأن المزكية أن تكون عبادتهم عن خوف إله الشرّ لأن إله الخير هم في أمن منه فإنه مطبوع على الخير. ووقع في ضمير {فإياي} التفات من الغيبة إلى التكلم لمناسبة انتقال الكلام من تقرير دليل وحدانية الله على وجه كلّي إلى تعيين هذا الواحد أنه الله منزل القرآن تحقيقاً لتقرير العقيدة الأصلية. وفي هذا الالتفات اهتمام بالرّهبة لما في الالتفات من هزّ فهم المخاطبين. وتقدّم تركيب نظيره بدون التفات في سورة البقرة. واقتران فعل {فارهبون} بالفاء ليكون تفريعاً على تفريع فيفيد مفاد التأكيد لأن تعلّق فعل «ارهبون» بالمفعول لفظاً يجعل الضمير المنفصل المذكور قبله في تقدير معمول لفعل آخر، فيكون التقدير: فإياي ارهبُوا فارهبون، أي أمرتكم بأن تقصُروا رهبتكم عليّ فارهبون امتثالاً للأمر.

الشنقيطي

تفسير : نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة جميع البشر عن أن يعبدوا إلهاً آخر معه، وأخبرهم أن المعبود المستحق لأن يعبد وحده واحد، ثم أمرهم أن يرهبوه أي يخافوه وحده. لأنه هو الذي بيده الضر والنفع، لا نافع ولا ضار سواه. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة. كقوله: {أية : فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} تفسير : [الذاريات: 50-51]، وقوله {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ}تفسير : [ق: 26] وقوله: {أية : لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً}تفسير : [الإسراء: 22]، وقوله {أية : وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً} تفسير : [الإسراء: 39]. وبين جل علا في مواضع أخر: استحالة تعدد الآلهة عقلاً. كقوله: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا}تفسير : [الأنبياء: 22]، وقوله: {أية : وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [المؤمنون: 91-92] وقوله: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42]. والآيات بعبادته وحده كثيرة جداً، فلا نطيل بها الكلام. وقدم المفعول في قوله: {فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} للدلالة على الحصر. وقد تقرر في الأصول في مبحث "مفهوم المخالفة، وفي المعاني في مبحث القصر" - "أن تقديم المعمول من صيغ الحصر" أي خافون وحدي ولا تخافوا سواي. وهذا الحصر المشار إليه هنا بتقديم المعمول بينه جل وعلا في "مواضع أخر. كقوله: {أية : فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ}تفسير : [المائدة: 44] الآية، وقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ} تفسير : [الأحزاب: 39] الآية. وقوله:{أية : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ} تفسير : [التوبة: 18] الآية، وقوله: {أية : إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [آل عمران: 175]. إلى غير ذلك من الآيات.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 51- وقال الله: لا تعبدوا اثنين، وتجعلوهما إلهين، لأن الإشراك فى العبادة تنافى وحدانية الخلق والتّكون، إنما المعبود بحق إله واحد، فخافونى ولا تخافوا غيرى. 52- وله - وحده - ما فى السموات والأرض خلقاً، وملكاً، وعبيداً، فحقه - دون غيره - أن يُعبد ويُحمد، ويُخضع له، وتُرْجى رحمته، ويخاف عذابه. 53- وأى شئ جاءكم من النعم فهو من الله - وحده - ثم إذا لحقكم ما يضركم فلا تتضرعوا بأعلى أصواتكم إلا إليه. 54- ثم إذا استجاب لدعائكم ورفع ذلك الضر عنكم، نسى بعضكم حق الله عليه من التوحيد وإخلاص العبادة له، فيشركون بخالقهم ومربيهم ويعبدون معه غيره. 55- ذلك يحدث منهم لتكون عاقبة أمرهم إنكار فضلنا على ما أعطيناهم، فتمتعوا - أيها الكافرون - بما لا تؤدون حق شكره، فسوف تعلمون عاقبة الكفر. 56- ويجعل المشركون لأوثانهم التى يسمونها بغير علم آلهة نصيبا يتقربون بها إليها، من الرزق الذى أعطيناهم إياه من الحرث والأنعام وغيرهما، لأسألكم وعزتى - أيها المشركون - عما كنتم تختلقونه من الكذب وتفترونه من الباطل، وأجازيكم عليه. 57- ويجعلون لله ما يكرهون، فيزعمون أن الملائكة بنات، ويعبدونها، تنزه الله عن ذلك، ويجعلون لأنفسهم ما يحبون، وهم الذكور من الأولاد. 58- وهم إذا خُبِّر أحدهم بأنه ولدت له أنثى، صار وجهه مسودا من الحزن وهو مملوء غيظاً يكظمه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا تتخذوا إلهين: أي تعبدونهما إذ ليس لكم إلا إله واحد. وله ما في السماوات والأرض: أي خلقاً وملكاً، إذاً فما تعبدونه مع الله هو لله ولم يأذن بعبادته. وله الدين واصباً: أي خالصاً دائماً واجباً. فإليه تجأرون: أي ترفعون أصواتكم بدعائه طالبين الشفاء منه. فتمتعوا فسوف تعلمون: تهديدٌ على كفرهم وشركهم ونسيانهم دعاء الله تعالى. ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً: أي يجعلون لآلهتهم نصيباً من الحرث والأنعام. عما كنتم تفترون: أي تختلفون بالكذب وتفترون على الله عز وجل. معنى الآيات: بعد إقامة الحجج على التوحيد وبطلان الشرك أخبرهم أن الله ربهم رب كل شيء قد قال لهم: أيها الناس {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ} فلفظ اثنين توكيد للفظ إلهين أي لا تعبدوا إلهين بل اعبدوا إلهاً واحداً وهو الله إذ ليس من إله إلا هو فكيف تتخذون إلهين والحال أنه {إِلـٰهٌ وَاحِدٌ} لا غير وهو الله الخالق الرازق المالك، ومن عداه من مخلوقاته كيف تُسوَّى به وتُعبَد معه؟ وقوله تعالى: {فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} أي ارهبوني وحدي ولا ترهبوا سواي إن بيدي كل شيء، وليس لغيري شيء فأنا المحيي المميت، الضار النافع، يوبخهم على رهبتهم غيره سبحانه وتعالى من لا يستحق أن يُرهب لعجزه وعدم قدرته على أن ينفع أو يضر. وقوله تعالى: {وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} برهان على بطلان رهبة غيره أو الرغبة في سواه ما دام له ما في السماوات والأرض خلقاً وملكاً. وقوله {وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً} أي العبادة والطاعة دائماً ثابتاً واجباً، ألا لله الدين الخالص. وقوله تعالى: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ} يوبخهم على خوف سواه وهو الذي يجب أن يرهب ويخاف لأنه الملك الحق القادر على إعطاء النعم وسبلها، فكيف يُتقى من لا يملك ضراً ولا نفعاً ويُعصى من بيده كل شيء وإليه مرد كل شيء، وما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن. وقوله {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} يخبرهم تعالى بالواقع الذي يتنكرون له فيخبرهم أنه ما بهم من نعمة جلت أو صغرت من صحةٍ أو مالٍ أو ولد فهي من الله تعالى خالقهم وواهبهم حياتهم، وليست من أحدٍ غيره، ودلل على ذلك شعورهم الفطري وهو أنهم إذا مسهم الضر من فقرٍ أو مرض أو تغير حال كخوف غرقٍ في البحر فإنهم يرفعون أصواتهم إلى أعلاها مستغيثين بالله سائلينه أن يكشف ضرهم أو ينجيهم من هلكتهم المتوقعة لهم فقال عزوجل: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ} دون غيره {تَجْأَرُونَ} برفع أصواتكم بالدعاء والإستغاثة به سبحانه وتعالى وقوله: {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ} كبير {مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} فيعبدون غيره بأنواع العبادات متناسين الله الذي كشف ضرهم وأنجاهم من هلكتهم. وقوله: {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} أي ليؤول أمرهم إلى كفران ونسيان ما آتاهم الله من نعمٍ وما أنجاهم من محن. أفهكذا يكون الجزاء؟ أينعم بكل أنواع النعم وينجي من كل كرب ثم ينسى له ذلك كله، ويعبد غيره؟ بل ويحارب دينه ورسوله؟ إذاً {فَتَمَتَّعُواْ} أيها الكافرون {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} عاقبة كفركم وإعراضكم عن طاعة الله وذكره وشكره. وقوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ} وهذا ذكرٌ لعيب آخر من عيوبهم وباطلٍ من باطلهم أنهم يجعلون لأوثانهم التي لا يعلمون عنها شيئاً من نفعٍ أو ضر أو إعطاء أو منع أو إماتة أو إحياء يجعلونها لها طاعةً للشيطان نصيباً وحظاً من أموالهم يتقربون به إليها فسيبوا لها السوائب، وبحروا لها البحائر من الأنعام، وجعلوا لها من الحرث والغرس كذلك كما جاء ذلك في سورة الأنعام والمائدة قبلها: وقوله تعالى: {تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} أقسم الجبار لهم تهديداً لهم وتوعداً أنهم سيسألون يوم القيامة عما كانوا يفترون أي من هذا التشريع الباطل حيث يحرمون ويحللون ويعطون آلهتهم ما شاءوا وسوف يوبخهم عليه ويجزيهم به جهنم وبئس المهاد. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد بعبادة الله تعالى وحده. 2- وجوب الرهبة من الله دون سواه. 3- وجوب الدين لله إذ هو الإله الحق دون غيره. 4- كل نعمة بالعبد صغرت أو كبرت فهي من الله سبحانه وتعالى. 5- تهديد المشركين إن أصروا على شركهم وعدم توبتهم. 6- التنديد بالمشركين وتشريعهم الباطل بالتحليل والتحريم والإِعطاء والمنع.

القطان

تفسير : الواصب: الدائم. تجأرون: تتضرعون، جأر: رفع صوته بالدعاء والاستغاثة. {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ}. يحذّر الله تعالى من الشِرك به، ويقرر وحده الآله، انما الله اله واحد فلا تعبدوا منعه إلهاً آخر، وخافوني ولا تخافوا غيري. ثم بين انه هو المالك لهذا الكون، وان الدين له والطاعة فقال: {وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ}. ان الله هو المالك الواحد لا شريكَ له في شيءٍ من ذلك، وله الطاعةُ والاخلاص دائما، فتحرروا ايها الناس من عبادة سواه، وأخلصوا له العبادة.. أفبعدَ ان علمتم هذا ترهبونَ غيرَ الله، وتخافون سواه؟ {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}. ان كل ما لديكم من نِعم في أبدانكم من صحة وعافية وسلامة، وفي أموالكم - لهي هبة الله، فبيده الخيرُ وهو على كل شيءٍ قدير، إنه هو الملجَأ الوحيد لكم، فإذا لحِقَكم ما يضرُّكم فإليه تتضرعون بالدُّعاء أن يكشفه عنكم. {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}. ثم اذا استجابَ لدعائكم ورفع عنكم ما أصابكم من الضرر، وفرَّج البلاءَ عنكم، اذا جماعة منكم ينسَون ربهم ويجعلون له شركاء، ويعبدون غيره. {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ}. ذلك يحدث من بعضهم إذ ينكرون فضلَ خالقهم، ويكفرون بنعمهِ التي لا تحصى، ولذلك هدّدهم وتوعدهم بقوله: {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} تمتّعوا في هذه الحياة الدنيا، فسوف تعلمون عاقبة كفرهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَاحِدٌ} {فَإيَّايَ} (51) - وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ: لاَ تُشْرِكُوا فِي العِبَادَةِ مَعَ اللهِ أَحَداً، وَلاَ تَعْبُدُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ وَاحِدٌ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، وَإِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَتِمَّ العِبَادَةُ إِلاَّ لَهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، فَإِنَّهُ مَالِكُ كُلِّ شَيءٍ وَخَالِقُهُ وَرَبُّهُ، وَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ وَحْدَهُ الذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يَخْشَاهُ النَّاسُ وَيَرْهَبُوهُ.

الثعلبي

تفسير : {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ * وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ} الطاعة والإخلاص. {وَاصِباً} دائماً ثابتاً. وقال ابن عبّاس: واجباً، تعني الآية أنه ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع عنه بزوال أو هلاك غير الله عزّ وجلّ، فإن الطاعة تدوم له وتصيب واصباً على القطع. قال أبو الأسود الدؤلي: شعر : لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه يوماً بذم الدهر أجمع واصباً تفسير : أي دائماً. وقال الفراء: ويقال خالصاً. {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ * وَمَا بِكُم }. قال الفراء: (ما) في معنى الجزاء ولها فعل مضمر، كأنه قال: وما يكون لكم من نعمة فمن الله. {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ} [.....] أن لاّ تتقوا سواه {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ} لذلك دخلت الفاء في قوله: {فَمِنَ ٱللَّهِ}. {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} يصيحون بالدعاء ويضجون بالاستغاثة. وأصله من جؤار الثور إذا رفع صوتاً شديداً من جوع أو فزع. قال القتيبي يصف بقرة: شعر : فطافت ثلاثاً بين يوم وليلة وكأن النكير أن تضيف وتجأرا تفسير : {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} بعد ما خلصوا له بالدعاء في حال البلاء {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} كفروا نعمته فيما أعطيناهم من النعماء وكشف الضرّ والبلاء {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وهذا وعيد لهم. {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ} له نفعاً ولا فيه ضراً ولا نفعاً {نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ} من الأموال وهو ما حملوا لأوثاونهم من هديهم وأنعامهم نظيره قوله {أية : هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا} تفسير : [الأنعام: 136]. ثمّ رجع من الخبر إلى الخطاب فقال: {تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ} يوم القيامة {عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} في الدنيا {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ} وهم خزاعة وكنانة قالوا: الملائكة بنات الله سبحانه. {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} يعني البنين، وفي قوله: {مَا} وجهان من الأعراب: أحدهما الرفع على الابتداء، ومعنى الكلام: يجعلون لله البنات ولهم البنين، والثاني: النصب عطفاً على البنات تقديره: ويجعلون لله البنات ويجعلون لهم البنين الذي يشتهون. {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً} من الكراهة {وَهُوَ كَظِيمٌ} ممتليء غماً وغيظاً {يَتَوَارَىٰ} يخفى ويغيب {مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} من الخزي والعار والحياء ثمّ يتفكر {أَيُمْسِكُهُ} ذكر الكناية لأنه مردود إلى (ما) {عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ} يخفيه {فِي ٱلتُّرَابِ} فيئده. وذلك أن مضر وخزاعة وتميماً كانوا يدفنون الإناث أحياء زعموا خوف الفقر عليهن وطمع غير الأكفاء فيهن، وكان صعصعة عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه إلى والد البنت يستحييها بذلك، ولذلك قال الفرزدق: شعر : ومنا الذي منع الوائدات فأحيا الوئيد فلم يوأد تفسير : {أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} بئس ما [يجعلون لله الإناث] ولأنفسهم البنين، نظيره قوله تعالى: {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} تفسير : [النجم: 21ـ22]. {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ } يعني لهؤلاء الواضعين لله سبحانه البنات {مَثَلُ ٱلسَّوْءِ} احتياجهم إلى الأولاد وكراهيتهم الإناث منهم أو قتلهم إياها خوف الفقر وإقراراً على أنفسهم بالهتك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أكبر الكبائر أن تدعو لله ندّاً وهو خلقك، وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك وأن تزني بحليلة جارك ". تفسير : {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} الصفة العليا وهي التوحيد والإخلاص. وقال ابن عبّاس: مثل السوء: النار، والمثل الأعلى: شهادة أن لا إله إلاّ الله. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد جاء النهي في الآية نتيجة خروج الإنسان عن مُراد ربِّه سبحانه، فالعجيب أن البشر والجن أيضاً - يعني الثقلين - هم المختارون في الكون كله، اختيار في أشياء وقَهْر في أشياء أخرى .. ومع ذلك لم يشذّ من خَلْق الله غيرهما. فالسمٰوات والأرض والجبال كان لها اختيار، وقد اختارت التسخير، وانتهت المسألة في بداية الأمر، ومع ذلك فهي مُسخَّرة وتُؤدِّي مهمتها لخدمة الإنسان، فالشمس لم تعترض يوماً ولم ترفض .. فهي تشرق على المؤمن كما تشرق على الكافر .. وكذلك الهواء والأرض والدابة الحلوب، وكُلُّ ما في كون الله مُسخَّر للجميع .. إذن: كل هذه الأشياء لها مهمة، وتؤدي مُهمتها على أكمل وجه. ولذلك يقول تعالى في حقِّ هذه الأشياء: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ ..}تفسير : [الحج: 18] هكذا بالإجماع، لا يتخلّف منها شيء عن مُراد ربه. فما الحال في الإنسان؟ يقول تعالى: {أية : وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [الحج: 18]. ولم يَقُلْ: والناس. ثم قال: {أية : وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ..} تفسير : [الحج: 18]. هذا هو الحال في الإنسان المكرّم الذي اختاره الله وترك له الاختيار .. إنما كل الأجناس مُؤدّيه واجبها؛ لأنها أخذتْ حظّها من الاختيار الأول، فاختارت أن تكون مُسخَّرة، وأن تكون مقهورة. فالإنسان .. واحد يقول: لا إلهَ في الوجود .. العالم خُلِق هكذا بطبيعته، وآخر يقول: بل هناك آلهة متعددة؛ لأن العالم به مصالح كثيرة وأشياء لا ينهض بها إله واحد .. يعني: إله للسماء، وإله للأرض، وإله للشمس .. الخ. إذن: هذا رأي في العالم أشياء كثيرة بحيث لا ينهض بها في نظره إله واحد، ونقول له: أنت أخذتَ قدرة الإله من قدرة الفردية فيك .. لا .. خُذها من قدرة من: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11]. لأن القدرة الإلهية لا تعالج الأشياء كما تفعل أنت، وتحتاج إلى مجهود وعمل .. بل في حقّه تعالى يتم هذا كله بكلمة كُنْ .. كُنْ كذا وانتهت المسألة. ونعجب من تناقض هؤلاء، واحد يقول: الكون خُلِق هكذا لحاله دون إله. والآخر يقول: بل له آلهة متعددة .. نقول لهم: أنتم متناقضون، فتعالَوْا إلى دين الله، وإلى الوسطية التي تقول بإله واحد، لا تنفي الألوهية ولا تثبت التعددية. فإنْ كنتَ تظنُّ أن دولابَ الكون يقتضي أجهزة كثيرة لإدارته، فاعلم أن الله تعالى لا يباشر تدبير أمر الكون بعلاج .. يفعل هذه ويفعل هذه، كما يُزاول البشر أعمالهم، بل يفعلها بـ "كُنْ"؛ ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي: "حديث : يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وحيَّكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيد واحد، فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته، فأعطيت كل سائل منكم ما سأل ما نقص ذلك من مُلْكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه، ذلك بأنِّي جواد ماجد، افعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري بشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون ". تفسير : فيا مَنْ تُشفْق على الإله الواحد أن يتعبَ من إدارته للكون بشتى نواحيه، ارتفع بمستوى الألوهية عن أمثال البشر؛ لأن الله تعالى لا يباشر سلطانه علاجاً في الكون، وإنما يباشره بكلمة "كُنْ". إذن: إله واحد يكفي، وما دُمْنا سلَّمنا بإله واحد، فإياك أن تقول بتعدُّد الآلهة .. وإذا كان الحق تبارك وتعالى نفى إلهين اثنين، فنَفْي ما هو أكثر من ذلك أَوْلَى .. واثنان أقل صُور التعدد. ومعنى {إِلـٰهَيْنِ} أي: معبودين، فيكون لهما أوامر ونواه، والأوامر والنواهي تحتاج إلى طاعة، والكون يحتاج إلى تدبير، فأيُّ الإلهين يقوم بتدبير أمور الكون؟ أم أنه يحتاج إلى مُسَاعد؟ إنْ كان يحتاج إلى مساعد فهذا نقْص فيه، ولا يصلح أن يكون إلهاً. وكذلك إنْ تخصَّص كُلٌّ منهما في عمل ما، هذا لكذا وهذا لكذا، فقد أصبح أحدهما عاجزاً فيما يقوم به الآخر .. وأي ناحية إذن من نواحي الحياة تكون هي المسيطرة؟ ومعلوم أن نواحي الحياة مشتركة ومتشابكة. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} تفسير : [المؤمنون: 91]. وقال: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ..} تفسير : [الأنبياء: 22]. فكيف الحال إذا أراد الأول شيئاً، وأراد الآخر ألاَّ يكون هذا الشيء؟ فإنْ كان الشيء كان عجزاً في الثاني، وإن لم يكُن كان عجزاً في الأول .. إذن: فقوة أحدهما عَجْز في الآخر. ونلحظ في قوله تعالى: {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ..} [النحل: 51]. عظة بليغة، كأنه سبحانه حينما دعانا إلى توحيده يقول لنا: أريحوا أنفسكم بالتوحيد، وقد أوضح الحق سبحانه وتعالى هذه الراحة في قوله: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 29]. يعني رجل خُلَّص لسيد واحد، ورجل أسياده كثيرون، وهم شركاء مختلفون، فإنْ أرضى هذا أغضب ذاك، وإن احتاجه أحدهما تنازعه الآخر. فهو دائماً مُتْعبٌ مُثقَلٌ، أما المملوك لسيد واحد فلا يخفي ما فيه من راحة. ففي أمره سبحانه بتوحيده راحةٌ لنا، وكأنه سبحانه يقول: لكم وِجْهة واحدة تكفيكم كُلَّ الجهات، وتضمن لكم أن الرضا واحد، وأن البُغْض واحد. إذن: فطلبُه سبحانه راحةٌ لنا؛ لذلك قبل أن يطلبها مِنّا شهد بها لذاته تعالى، فقال: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [آل عمران: 18]. فلو قال معترض: كيف يشهد لذاته؟ نقول: نعم، يشهد لذاته سبحانه؛ لأنه لا أحدَ غيره .. لا أحد معه، فشهادة الذات للذات هنا شيء طبيعي .. وكأنه سبحانه يقول: لا أحدَ غيري، وإنْ كان هناك إله غيري فَلْيُرني نفسه، وليُفصِح عن وجوده. أنا الله خلقت الكون وأخذته وفعلتُ كذا وكذا، فإما أنْ أكون صادقاً فيما قلت وتنتهي المسألة، وإما أنْ أكون غير صادق، وهناك إله آخر هو الذي خلق .. فأين هو؟ لماذا لا يعارضني؟ وهذا لم يحدث ولم ينازع الله في خَلْقه أحد، وحين تأتي الدعوى بلا معاند ولا معارض تَسْلَم لصاحبها. فإنْ قال قائل: لعل الآلهة الأخرى لم تَدْرِ بأن أحداً قد أخذ منهم الألوهية، فإنْ كان الأمر كذلك فهم لا يصلُحون للألوهية لعدم درايتهم، وإنْ دَرَوْا ولم يعارضوا فهُمْ جُبناء لا يستحقون هذه المكانة. وبشهادته سبحانه لذاته بأنه لا إله إلا هو أقبل على خَلْق الخَلْق؛ لأنه ما دام يعرف أنه لا إله غيره، فإذا قال: "كن" فهو واثق أنه سيكون. ولذلك ساعة يحكم الله حُكْماً غيبياً يقول: أنا حكمت هذا الحكم مع أنكم مختارون في أنْ تفعلوا أو لا تفعلوا، ولكني حكمتُ بأنكم لا تفعلون، وما دُمْتُ حكمت بأنكم لا تفعلون ولكم قدرة أن تفعلوا، ولكن ما فعلتم، فهذا دليل على أنه لا إله غيري يُعينكم على أنْ تفعلوا. ثم شهدتْ الملائكة على شهادة الذات، وشهد أولو العلم شهادةَ الاستدلال، كما قال تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ ..} تفسير : [آل عمران: 18]. لنا هنا وَقْفة مع قوله تعالى: {إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ..} [النحل: 51]. فعندنا العدد، وعندنا المعدود، فإذا قُلْنا مثلاً: قابلت ثلاثة رجال، فكلمة "ثلاثة" دلتْ على العدد، وكلمة "رجال" دلَّتْ على جنس المعدود، وهكذا في جميع الأعداد ما عدا المفرد والمثنى، فلفظ كل منهما يدل على العدد والمعدود معاً. كما لو قلت: إله. فقد دلَّتْ على الوحدة، ودلتْ على الجنس، وكذلك "إلهين" دلَّتْ على المثنى وعلى جنس المعدود. ولذلك كان يكفي في الآية الكريمة أن يقول تعالى: لا تتخذوا إلهين؛ لأنها دلَّتْ على العدد وعلى المعدود معاً، ولكن الحق تبارك وتعالى أراد هذا تأكيداً للأمر العقديّ لأهميته. ومن أساليب العرب إذا أحبُّوا تأكيد الكلام أن يأتوا بعده بالمراد. فيقولون: فلان قسيم وسيم، وفلان حَسن بَسَن، وفلان شيطان ليطان، يريدون تأكيد الصفة .. وكذلك في قوله: {إِلـٰهَيْنِ} فقط تثبت الألوهية، ولتأكيد هذه القضية العقدية لأنها أهمّ القضايا بالنسبة للإنسان، وهي قضية القمة، فقال تعالى: {إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ..} [النحل: 51]. وكذلك أيضاً في قوله: {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ ..} [النحل: 51]. فجاء بقوله تعالى {وَاحِدٌ} لتأكيد وحدانية الله تعالى. وفي الآية مَلْحظ آخر يجب تأمّله، وهو أن الكلام هنا في حالة الغيبة: {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ ..} [النحل: 51]. فكان القياس في اللغة هنا أن يقول: "فإياه فارهبون". ولكن وراء تحويل السياق من الغيبة إلى المجابهة للمتكلم قال: {فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} [النحل: 51]. وهذا وراءه حكمة، ومَلْحظ بلاغي، فبعد أنْ أكَّد الألوهية بقوله تعالى: {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ ..} [النحل: 51]. صَحَّ أنْ يُجابِهَهم بذاته؛ لأن المسألة ما دامتْ مسألة رَهْبة، فالرهبة من المتكلم خير من الرهبة من الغائب .. وكأن السياق يقول: ها هو سبحانه أمامك، وهذا أَدْعى للرهْبة. وكذلك في فاتحة الكتاب نقرأ: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة: 2-4]. ولم يَقُلْ: إياه نعبد، متابعة للغيبة، بل تحوَّل إلى ضمير الخطاب فقال: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5]. ذلك لأن العبد بعد أن استحضر صفة الجلال والعظمة أصبح أَهْلاً للمواجهة والخطاب المباشر مع الله عز وجل. فقوله: {فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} [النحل: 51]. بعد ما استحضر العبد عظمة ربه، وأقرّ له بالوحدانية وعَلِم أنه إله واحد، وليس إلهين. واحد يقول: نُعذّبه. والآخر يقول: لا. ليس الأمر كذلك، بل إله واحد بيده أنْ يُعذّب، وبيده أنْ يعفو، فناسب السياق هنا أنْ يُواجههم فيقول: {فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} [النحل: 51]. ثم يقول تعالى: {وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أن كل ما في الكون منقادٌ لأمر الله، خاضعٌ لسلطانه، أمر هنا بإِفراده بالعبادة لأنه الخالق الرازق، ثم ضرب الأمثال في ضلالات أهل الجاهلية، وذكَّر الناس بنعمه الجليلة ليعبدوه ويشكروه. اللغَة: {وَاصِباً} دائماً ولازماً قال الجوهري: وصبَ الشيء وصوباً أي دام ومنه {أية : وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ} تفسير : [الصافات: 9] أي دائم وقال الشاعر: شعر : "وهزيمٌ ردعه واصب" تفسير : {تَجْأَرُونَ} الجؤار: رفع الصوت بالدعاء والتضرع يقال: جأر أي صاح قال الأعشى يصف بقرة: شعر : فطافت ثلاثاً بينَ يومٍ وليلةٍ وكانَ النكيرُ أن تُطيف وتجْأَرا تفسير : {كَظِيمٌ} ممتلئ غماً وغيظاً، والكظم أن يطبق الفم فلا يتكلم من الغيظ {يَتَوَارَىٰ} يختفي {هُونٍ} هَوانٍ وذُل {فَرْثٍ} الفرْثُ: الزبل الذي ينزل إِلى الكَرش أو المِعَى {سَآئِغاً} لذيذاً هيناً لا يغصُّ به من شربه {ذُلُلاً} جمع ذلول وهو المنقاد المسخَّر بلا عناء {حَفَدَةً} الحفدة: قال الأزهري أولاد الأولاد، والحفدة: الخدم والأعوان. التفسِير: {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ} أي لا تعبدوا إِلهين فإِن الإِله الحق لا يتعدد {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ} أي إِلهكم واحد أحد فردٌ صمد {فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} أي خافون دون سواي {وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي ملكاً وخلقاً وعبيداً {وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً} أي له الطاعة والانقياد واجباً ثابتاً فهو الإِله الحق، وله الطاعة خالصة {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ} الهمزة للإِنكار والتوبيخ أي كيف تتقون وتخافون غيره، ولا نفع ولا ضر إِلا بيده؟ {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} أي ما تفضَّل عليكم أيها الناس من رزقٍ ونعمةٍ وعافيةٍ ونصر فمن فضلِ الله وإِحسانه {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} أي ثم إِذا أصابكم الضُّرُ من فقرٍ ومرضٍ وبأساء فإِليه وحده ترفعون أصواتكم بالدعاء، والغرض أنكم تلجأون إِليه وحده ساعة العسرة والضيق، ولا تتوجهون إِلا إِليه دون الشركاء {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} أي إِذا رفع عنكم البلاء رجع فريق منكم إِلى الإِشراك بالله قال القرطبي: ومعنى الكلام التعجيبُ من الإِشراك بعد النجاة من الهلاك {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} أي ليجحدوا نعمته تعالى من كشف الضر والبلاء {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي تمتعوا بدار الفناء فسوف تعلمون عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب، وهو أمرٌ للتهديد والوعيد {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ} أي يجعلون للأصنام التي لا يعلمون ربوبيتها ببرهان ولا بحجة نصيباً من الزرع والأنعام تقرباً إِليها {تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} أي والله أيها المشركون لتُسألنَّ عما كنتم تختلقونه من الكذب على الله، والمراد سؤال توبيخٍ وتقريع {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ} أي ومن جهل هؤلاء المشركين وسفاهتهم أن جعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا إِلى الله البنات وجعلوا لهم البنين {سُبْحَانَهُ} أي تنزَّه الله وتعظَّم عن هذا الإِفك والبهتان {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} أي ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون من البنين مع كراهتهم أنهم يأنفون من البنات {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ} أي إِذا أُخبر أحدهم بولادة بنت {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً} أي صار وجهه متغيراً من الغم والحزن قال القرطبي: وهو كناية عن الغم والحزن وليس يريد السواد، والعربُ تقول لكل من لقي مكروهاً قد اسودَّ وجهه {وَهُوَ كَظِيمٌ} أي مملوءٌ غيظاً وغماً {يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} أي يختفي من قومه خوفاً من العار الذي يلحقه بسبب البنت، كأنها بليَّة وليست هبةً إِلهية، ثم يفكر فيما يصنع {أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ} أي أيمسك هذه الأنثى على ذلٍ وهوان أم يدفنها في التراب حية؟ {أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي ساء صنيعهم وساء حكمهم، حيث نسبوا لخالقهم البنات - وهي عندهم بتلك الدرجة من الذل والحقارة - وأضافوا البنين إِليهم، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ} أي لهؤلاء الذين لم يصدّقوا بالآخرة ونسبوا للهِ البنات سفهاً وجهلاً، صفةُ السوء القبيحة التي هي كالمثل في القبح، فالنقصُ إنما ينسب إِليهم لا إِلى الله {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} أي له جل وعلا الوصف العالي الشأن، والكمال المطلق، والتنزه عن صفات المخلوقين {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي العزيزُ في ملكه، الحكيمُ في تدبيره ثم أخبر تعالى عن حلمه بالعباد مع ظلمهم فقال {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ} أي لو يؤاخذهم بكفرهم ومعاصيهم ويعاجلهم بالعقوبة {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ} أي ما ترك على الأرض أحداً يدبُّ على ظهرها من إِنسانٍ وحيوان {وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ} أي ولكنْ يؤخرهم إِلى وقتٍ معيَّن تقتضيه الحكمة {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} أي فإِذا جاء الوقت المحدَّد لهلاكهم لا يتأخرون برهةً يسيرةً من الزمن ولا يتقدمون عليها كقوله {أية : وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً}تفسير : [الكهف: 59] {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} أي يجعلون له تعالى البنات مع كراهتهم لهنَّ، وهو تأكيد لما سبق للتقريع والتوبيخ {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي يجعلون لله ما يجعلون ومع ذلك يزعمون أنَّ لهم العاقبة الحسنى عند الله وأنهم أهل الجنة {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ} أي حقاً إِنَّ لهم مكان ما أملّوا نار جهنم التي ليس وراء عذابها عذاب {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} أي معجَّلون إِليها ومُقدَّمون، ثم ذكر تعالى نعمته في إِرسال الرسل ليتأسى صلوات الله عليه بهم في الصبر على تحمل الأذى فقال {تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} أي والله لقد بعثنا قبلك يا محمد رسلاً إِلى أقوامهم فحسَّن الشيطان أعمالهم القبيحة حتى كذبوا الرسل وردّوا عليهم ما جاءوهم به من البينات {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ} أي فالشيطان ناصرهم اليوم في الدنيا وبئس الناصر {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي ولهم في الآخرة عذاب مؤلم {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} أي ما أنزلنا عليك القرآن يا محمد إلا لتبيِّن للناس ما اختلفوا فيه من الدين والأحكام لتقوم الحجة عليهم {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي وأنزلنا القرآن هدايةً للقلوب، ورحمة وشفاءً لمن آمن به، ثم ذكر تعالى عظيم قدرته الدالة على وحدانيته فقال {وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} أي أنزل بقدرته الماء من السحاب فأحيا بذلك الماء النبات والزرع بعد جدب الأرض ويُبسها {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي إِن في هذا الإِحياء لدلالةً باهرة على عظيم قدرته لقوم يسمعون التذكير فيتدبرونه ويعقلونه {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} أي وإِنَّ لكم أيها الناس في هذه الأنعام "الإِبل والبقر والضأن والمعز" لعظةً وعبرة يعتبر بها العقلاء، ففي خلقها وتسخيرها دلالة على قدرة الله وعظمته ووحدانيته {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} أي نسقيكم من بعض الذي في بطون هذه الأنعام {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً} أي من بين الروث والدم ذلك الحليب الخالص واللبن النافع {سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ} أي سهل المرور في حلقهم، لذيذاً هيناً لا يغصُّ به من شربه {وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً} أي ولكم مما أنعم الله به عليكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تجعلون منه خمراً يسكر قال الطبري: وإِنما نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر ثم حُرِّمتْ بعد {وَرِزْقاً حَسَناً} كالتمر والزبيب قال ابن عباس: الرزق الحسن: ما أُحلَّ من ثمرتها، والسَّكر: ما حُرِّم من ثمرتها . {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي لآيةً باهرة، ودلالة قاهرة على وحدانيته سبحانه لقومٍ يتدبرون بعقولهم قال ابن كثير: وناسب ذكرُ العقل هنا لأنه أشرفُ ما في الإِنسان، ولهذا حرَّم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة صيانةً لعقولها، ولما ذكر تعالى ما يدل على باهر قدرته، وعظيم حكمته من إِخراج اللبن من بين فرثٍ ودمٍ وإِخراج الرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب، ذكر إِخراج العسل الذي جعله شفاءً للناس من النحل، وهي حشرةٌ ضعيفة وفيها عجائب بديعة وأمور غريبة، وكل هذا يدل على وحدانية الصانع وقدرته وعظمته فقال تعالى {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} المراد من الوحي: الإِلهامُ والهدايةُ أي ألهمها مصالحها وأرشدها إِلى بناء بيوتها المسدَّسة العجيبة تأوي إِليها في ثلاثة أمكنة: الجبال، والشجر، والأكوار التي يبنيها الناس {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} أي كلي من كل الأزهار والثمار التي تشتهينها من الحلو، والمر، والحامض، فإِن الله بقدرته يحيلها إِلى عسلٍ {فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} أي أدخلي الطرق في طلب المرعى حال كونها مسخرةً لك لا تضلين في الذهاب أو الإِياب {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ} أي يخرج من بطون النحل عسلٌ متنوعٌ منه أحمر، وأبيض، وأصفر، فيه شفاءٌ للناس من كثيرٍ من الأمراض قال الرازي فإن قالوا: كيف يكون شفاءٌ للناس وهو يضر بالصفراء؟ فالجواب أنه تعالى لم يقل: إِنه شفاءٌ لكل الناس، ولكل داء، وفي كل حال، بل لّما كان شفاء للبعض ومن بعض الأدواء صلح بأن يوصف بأنَّ فيه شفاء {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي لعبرة لقومٍ يتفكرون في عظيم قدرة الله، وبديع صنعه {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} أي خلقكم بقدرته بعد أن لم تكونوا شيئاً ثم يتوفاكم عند انقضاء آجالكم {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} أي يُردُّ إِلى أردء وأضعف العمر وهو الهَرم والخرف {لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً} أي لينسى ما يعلم فيشبه الطفل في نقصان القوة والعقل {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} أي عليمٌ بتدبير خلقه، قديرٌ على ما يريده، فكما قدر على نقل الإِنسان من العلم إِلى الجهل، فإِنه قادر على إِحيائه بعد إِماتته قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يُردَّ إلى أرذل العمر {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ} أي فاوت بينكم في الأرزاق فهذا غنيٌّ وذاك فقير، وهذا مالكٌ وذاك مملوك {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} أي ليس هؤلاء الأغنياء بمشركين لعبيدهم المماليك فيما رزقهم الله من الأموال حتى يستووا في ذلك مع عبيدهم، وهذا مثلٌ ضربه الله تعالى للمشركين قال ابن عباس: لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني؟ {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} الاستفهام للإِنكار أي أيشركون معه غيره وهو المنعم المتفضل عليهم؟ {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} أي هو تعالى بقدرته خلق النساء من جنسكم وشكلكم ليحصل الائتلاف والمودة والرحمة بينكم {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} أي جعل لكم من هؤلاء الزوجات الأولاد وأولاد الأولاد، سمّوا حفدة لأنهم يخدمون أجدادهم ويسارعون في طاعتهم {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي رزقكم من أنواع اللذائذ من الثمار والحبوب والحيوان {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} أي أبعد تحقق ما ذُكر من نعم الله يؤمنون بالأوثان ويكفرون بالرحمن؟ وهو استفهام للتوبيخ والتقريع {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً} أي ويعبد هؤلاء المشركون أوثاناً لا تقدر على إِنزال مطر، ولا على إِخراج زرعٍ أو شجر، ولا تقدر أن ترزقهم قليلاً أو كثيراً {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} أي ليس لها ذلك ولا تقدر عليه لو أرادت {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} أي لا تمثّلوا لله الأمثال، ولا تشبّهوا له الأشباه، فإنه تعالى لا مثل له ولا نظير ولا شبيه {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي يعلم كل الحقائق، وأنتم لا تعلمون قدر عظمة الخالق. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من صنوف البيان والبديع ما يلي: 1- الالتفات من التكلم إلى الغيبة من الغيبة إلى المتكلم {فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} لتربية المهابة والرهبة في القلوب مع إفادة القصر أي لا تخافوا غيري. 2- الطباق في {يَسْتَقْدِمُونَ ... يَسْتَأْخِرُونَ} وفي {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} وفي {يُؤْمِنُونَ ... ويَكْفُرُونَ}. 3- الجناس الناقص بين {كُلِي مِن كُلِّ}. 4- الاعتراض {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ} - سبحانه - {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} فلفظة (سبحانه) معترضة لتعجيب الخلق من هذا الجهل القبيح. 5- صيغة المبالغة في {ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} و {عَلِيمٌ قَدِيرٌ}. 6- السجع {يَعْقِلُونَ، يَعْرِشُونَ، يَجْحَدُونَ، يَكْفُرُونَ}. 7- التهديد والوعيد {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}. 8- قوله تعالى {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ} قال الشهاب: هذا من بليغ الكلام وبديعه أي ألسنتهم كاذبة كقولهم {عينُها تصفُ السحر} أي ساحرة، وقدُّها يصف الهيف أي هيفاء.

الأندلسي

تفسير : {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ} الآية، ولما كان الاسم الموضوع للأفراد والتثنية قد يتجوز فيه فيراد به الجنس نحو نعم الرجل زيد ونعم الرجلان الزيدان. وقال الشاعر: شعر : فإِن النار بالعودين تذكى وإن الحرب أولها الكلام. تفسير : أكد الموضوع لهما بالوصف فقال إلهين اثنين ولما نهى عن اتخاذ الإِلهين واستلزم النهي عن اتخاذ آلهة أخبر تعالى أنه إله واحد كما قال تعالى: {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}تفسير : [البقرة: 163] بأداة الحصر وبالتأكيد بالوحدة ثم أمرهم بأن يرهبوه والتفت من الغيبة إلى الحضور لأنه أبلغ في الرهبة وانتصب إياي بفعل محذوف مقدّر التأخير عنه يدل عليه فارهبون وتقديره وإياي ارهبوا وتقدم نظيره في البقرة. وقال ابن عطية: وإياي منصوب بفعل مضمر تقديره فارهبوا إياي فارهبون "انتهى". هذا ذهول عن القاعدة النحوية أنه إذا كان المفعول ضميراً منفصلاً والفعل متعد إلى واحد وهو الضمير وجب تأخير الفعل كقوله تعالى: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ}تفسير : [الفاتحة: 5]. ولا يجوز أن يتقدم إلا في ضرورة نحو قوله: إليك حتى بلغت إياكا ثم التفت من التكلم إلى ضمير الغيبة فأخبر تعالى أن له ما في السماوات والأرض. {وَلَهُ ٱلدِّينُ} أي الطاعة والملك. {وَاصِباً} أي دائماً يقال وصب الشىء دام قال أبو الأسود الدؤلي: شعر : لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه يوماً بذم الدهر أجمع واصباً تفسير : قال تعالى: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ} استفهام تضمن التوبيخ والتعجب أي بعدما عرفتم وحدانيته وان ما سواه له ومحتاج إليه كيف تتقون وتخافون غيره ولا نفع ولا ضرر يقدر عليه وما موصولة وصلتها بكم والعامل فعل الاستقرار أي وما استقر بكم ومن نعمة تفسير لما والخبر فمن الله على إضمار مبتدأ محذوف تقديره فهي من الله ودخلت الفاء في جملة الخبر لتضمن الموصول معنى اسم الشرط ولما ذكر تعالى أن جميع النعم منه ذكر حالة افتقار العبد إليه وحده حيث لا يدعو ولا يتضرع لسواه وهي حالة الضر والضر عام في جميع ما يتضرر به وإليه متعلق يتجأرون والجؤار رفع الصوت بالدعاء. قال الأعشى يصف راهباً: يداوم من صلوات المليك طوراً سجوداً وطوراً جؤاراً. وإذا الثانية للفجاءة وفي ذلك دليل على أن إذا الشرطية ليس العامل فيها الجواب لأنه لا يعمل ما بعد إذا الفجائة فيما قبلها ومنكم خطاب للذين خوطبوا بقوله: وما بكم من نعمة إذ بكم خطاب عام وفريق مبتدأ ومنكم في موضع الصفة وخبره يشركون وبربهم متعلق به والفريق هنا هم المشركون المعتقدون حالة الرجاء أن آلهتهم تنفع وتضر وتشقي وتسعد اللام في ليكفروا ان كانت للتعليل كان المعنى أن إشراكهم بالله شبيه كفرهم به أي جحودهم أو كفران نعمته وبما آتيناهم من النعم أو من كشف الضر أو من القرآن المنزل إليهم وإن كانت للضرورة فالمعنى صار أمرهم ليكفروا وهم لم يقصدوا بأفعالهم تلك أن يكفروا وابل آل أمر ذلك الجؤار والرغبة إلى الكفر بما أنعم عليهم أو إلى الكفر الذي هو جحوده والشرك به وان كانت للأمر فمعناه التهديد والوعيد. {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} مبالغة في التهديد. {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ} الآية، الضمير في يجعلون عائد على الكفار وفي لا يعلمون عائد على ما التي هي الأصنام إذ هي جماد لا علم لها ولا شعور والنصيب هو ما جعلوه لها من الحرث والانعام قبح الله تعالى فعلهم ذلك أن يجعلوا مما رزقهم نصيباً للأصنام ثم أقسم تعالى على أنه يسألهم عن افترائهم واختلافهم في إشراكهم مع الله آلهة وانها أهل للتقرب إليها بجعل النصيب إليها ولما ذكر تعالى أنه يسألهم عن افترائهم ذكر أنهم مع اتخاذهم آلهة نسبوا إلى الله التوالد وهو مستحيل ونسبوا ذلك إليه فيما لم يرتضوه لأنفسهم وتربد وجوههم من نسبته إليهم ويكرهونه أشد الكراهة وكانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله. {سُبْحَانَهُ} تنزيه له سبحانه وتعالى عن نسبة الولد إليه. {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ} وهم الذكور وهي جملة من مبتدأ وخبر. وأجاز الزمخشري وتبع فيه الفراء والحوفي أن يكون ولهم ما يشتهون معطوفاً على قوله لله بنات وذهلوا عن قاعدة في النحو وهي ان الفعل إذا رفع ضميراً وجاء بعده ضمير منصوب لا يجوز أن ينصبه الفعل إلا إذا كان من باب الظن أو فقد وعدم فلو قلت زيد ظنه قائماً تريد ظن نفسه جاز ولو قلت زيد ضربه فجعل في ضرب ضمير رفع عائداً على زيد وقد تعدى للضمير المنصوب لم يجر والمجرور يجري مجرى المنصوب فلو قلت زيد غضب عليه لم يجز كما لم يجز زيد ضربه فلذلك امتنع أن يكون قوله لهم متعلقاً بيجعلون. {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ} المشهور أن البشارة أول خبر يسر وهنا قد يراد به مطلق الأخبار أو تغير البشرة وهو القدر المشترك بينهما. {بِٱلأُنْثَىٰ} أي بولادة الأنثى. {ظَلَّ وَجْهُهُ} بمعنى صار وأصل ظل اتصاف اسمها بالخبر الذي يجيء بعدها. {مُسْوَدّاً} خبر ظل واسوداد الوجه كناية عن العبوس والغم والتكره والنفرة التي لحقته. {وَهُوَ كَظِيمٌ} أي ممتلىء القلب حزناً وغماً وكظيم يحتمل أن يكون للمبالغة من كاظم ويحتمل أن يكون بمعنى مفعول كما قال تعالى {أية : وَهُوَ مَكْظُومٌ} تفسير : [القلم: 48] ويقال: سقاء مكظوم أي مملوء مسدود الفم. {يَتَوَارَىٰ} يختفي من القوم متعلق به من سوء من للتعليل أي لسوء ما بشر به وقوله: به ذكره حملاً على لفظ ما وان كان أريد به الأنثى ولذلك ذكره في قوله: {أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ} أي على هوان وأيمسكه قبله حال محذوفة التقدير مفكراً أيمسكه أم يدسه معطوف فكرت أزيد في الدار أم عمرو والظاهر من قوله الاساء ما يحكمون رجوعه إلى قوله ويجعلون لله بنات الآية، أي ساء ما يحكمون في نسبتهم إلى الله ما هو مستكره عندهم نافر عنهن طبعهم لا يحتملون نسبتهن إليهم وما في قوله ما يحكمون مصدرية تقديره ساء حكمهم. {مَثَلُ ٱلسَّوْءِ} أي صفة السوء من الكفر بالله وإشراكهم معه أصناماً ونسبة الولد إليه وإنكارهم البعث. {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} أي الصفة العليا من تنزيهه تعالى عن الولد والصاحبة وجميع ما تنسب الكفرة إليه مما لا يليق به تعالى كالتشبيه والانتقال وظهوره تعالى في صورة وناسب الختم بالعزيز وهو الذي لا يوجد نظيره الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها. {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ} لما حكى تعالى عن الكفار عظيم ما ارتكبوه من الكفر ونسبة التوالد إليه بين تعالى أنه يمهلهم ولا يعاجلهم بالعقوبة إظهار الفضلة ورحمته ويؤاخذ مصارع آخذ والظاهر أنه بمعنى المجرد الذي هو أخذ والضمير في عليها عائد على غير مذكور ودل على أنه الأرض قوله من دابة لأن الدبيب من الناس لا يكون إلا في الأرض والظاهر عموم من دابة فيهلك الصالح بالطالح فكان يهلك جميع ما يدب على الأرض حتى الجعلان في جحرها. {وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ} تقدم نظيره في الأعراف وما في ما يكرهون لمن يعقل وأريد بها النوع كقوله تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ}تفسير : [النساء: 3] ومعنى ويجعلون يصفونه بذلك ويحكمون به وان لهم الحسنى بدل من الكذب أو على إسقاط الحرف أي بأن لهم وتقدم الكلام في لا جرم مفرطون قال الفراء: تقول العرب: أفرطت منهم ناساً أي خلفهم ونسيتهم وقيل يخلفون متركون في النار ثم أخبر تعالى بإِرسال الرسل إلى أمم من قبل أمتك مقسماً على ذلك ومؤكداً بالقسم وبقد التي تقتضي تحقيق الأمر على سبيل التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يناله بسبب جهالات قومه ونسبتهم إلى الله ما لا يجوز. {فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} من تماديهم على الكفر. {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ} حكاية حال ماضية أي لا ناصر لهم في حياتهم إلا هو أو عبر باليوم عن وقت الإِرسال ومحاورة الرسل لهم أو حكاية حال آتية وهو يوم القيامة وأل في اليوم للعهد وهو اليوم المشهور فهو وليهم في ذلك اليوم أي قرينهم وبئس القرين والظاهر عود الضمير في وليهم إلى أمم قيل ويجوز أن يرجع الضمير إلى مشركي قريش وأنه زين للكفار قبلهم أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي فهو وليهم أي ولي أمثالهم اليوم "انتهى". وهذا فيه بعد لاختلاف الضمائر من غير ضرورة تدعو إلى ذلك ولا إلى حذف المضاف بل الضمير في الظاهر عائد إلى أمم واللام في لتبين لام التعليل والكتاب القرآن والذين اختلفوا فيه من الشرك والتوحيد والجبر والقدر وإثبات المعاد ونفيه وغير ذلك مما يعتقدون من الاحكام كتحريم البحيرة وتحليل الميتة والدم وغير ذلك من الأحكام.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : فلا يبعد أن يسجد لله {إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ} [النحل: 51] إلى قوله {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [النحل: 60]. {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ} [النحل: 51] يشير إلى إله الهوى، فإن أكثر الخلق اتخذوا مع الله إلهاً آخر وهو الهوى لقوله تعالى: {أية : أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تفسير : [الفرقان: 43] فلهذا قال: {إِلـٰهَيْنِ} وما قال: آلهة؛ لأنه ما عبد من عبد إلهاً آخر إلا بالهوى، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من عبد إله أبغض على الله من الهوى ". تفسير : وقال: {إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ} [النحل: 51] أي: الذي خلق الهوى وسائر الآلهة {فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} [النحل: 51] فإني أنا الذي يستحق أن يرغب إليه ويرهب منه لا الهوى والآلهة فإنهم لا يقدرون على نفع ولا ضر، {وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [النحل: 52] مِلكاً وملكاً {وَلَهُ ٱلدِّينُ} أي: الطاعة من كل شيء من السماوات والأرض وما فيهما كما ذكر بقوله: {أية : قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11] طوعاً وكرهاً دائماً من الأزل إلى الأبد {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ} في السراء والضراء. {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ} [النحل: 53] من النعم الظاهرة والباطنة {فَمِنَ ٱللَّهِ} [النحل: 53] هو الذي أنعم بها عليكم، {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53] تتضرعون ببقاء بعض حسن الاستعداد الفطري. {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم} [النحل: 54] من المحجوبين عن الحق المردودين إلى الخلق {بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل: 54] بأن يروا كشف الضر عن الأسباب لا عن المسبب، {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} [النحل: 55] من النعم وكشف الضر أي: كفران النعمة برؤية الأسباب جون المسبب {فَتَمَتَّعُواْ} [النحل: 55] عن الدنيا ونعيمها ولذاتها الفانية {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 55] إذ ترون العذاب بالانقطاع عن الله إن في ذلك من كفران النعمة وحجب الغفلة الشاغلة من رؤية المنعم وكاشف الضر. يشير بقوله: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ} [النحل: 56] إلى أصحاب النفوس والأهواء أنهم يجعلون مما رزقهم الله من الطاعات نصيباً بالرياء لمن لا علم لهم بأحوالهم شرهاً لنفوسهم بحسبان رفعة منزلتهم عندهم وهم غافلون فارغون عن توهمهم وافترائهم في نفوسهم عليهم. ثم قال: {تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} [النحل: 56] فاعلم أن العتاب بالسؤال عن العلامات إنما هو بتبديل الصفات وتغير الأحوال من سمة السعادة إلى الشقاوة، وهو الإخراج من نور الروحانية إلى ظلمات النفسانية لقوله تعالى: {أية : يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ} تفسير : [البقرة: 257] وفي قوله: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ} [النحل: 57] إلى {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 59] إشارة إلى كمال جهلهم أنهم لا يرضون بالبنات لأنفسهم مع عجزهم عن تبديلهن بالأبناء {أية : بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} تفسير : [الفتح: 6] أنه مختار لنفسه البنات مع نقصانهن عن البنين، وهو قادر على تبديلهن بالبنين. ثم قال تعالى: {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} [النحل: 60] يعني لهؤلاء الجهال {مَثَلُ ٱلسَّوْءِ} [النحل: 60] فيما يختارون لأنفسهم من كراهة البنات ومحبة البنين، ويظنون بالله الاحتياج بالأولاد اختياراً للبنات على البنين {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} [النحل: 60] بالعظمة والعزة والكبرياء والتنزيه عن الأولاد وما نسبوا إليه تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} [النحل: 60] الذي لعزته لا يحتاج إلى الولد {ٱلْحَكِيمُ} [النحل: 60] الذي أفعاله غير معترضة لخلقه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى بعبادته وحده لا شريك له، ويستدل على ذلك بانفراده بالنعم والوحدانية فقال: { لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ } أي: تجعلون له شريكا في إلهيته، وهو { إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ } متوحد في الأوصاف العظيمة متفرد بالأفعال كلها. فكما أنه الواحد في ذاته وأسمائه ونعوته وأفعاله، فلتوحِّدوه في عبادته، ولهذا قال: { فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } أي: خافوني وامتثلوا أمري، واجتنبوا نهيي من غير أن تشركوا بي شيئا من المخلوقات، فإنها كلها لله تعالى مملوكة. { وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا } أي: الدين والعبادة والذل في جميع الأوقات لله وحده على الخلق أن يخلصوه لله وينصبغوا بعبوديته. { أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ } من أهل الأرض أو أهل السماوات فإنهم لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا، والله المنفرد بالعطاء والإحسان { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ } ظاهرة وباطنة { فَمِنَ اللَّهِ } لا أحد يشركه فيها، { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ } من فقر ومرض وشدة { فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } أي: تضجون بالدعاء والتضرع لعلمكم أنه لا يدفع الضر والشدة إلا هو، فالذي انفرد بإعطائكم ما تحبون، وصرف ما تكرهون، هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده. ولكن كثيرا من الناس يظلمون أنفسهم، ويجحدون نعمة الله عليهم إذا نجاهم من الشدة فصاروا في حال الرخاء أشركوا به بعض مخلوقاته الفقيرة، ولهذا قال: { ِليَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ } أي: أعطيناهم حيث نجيناهم من الشدة، وخلصناهم من المشقة، { فَتَمَتَّعُوا } في دنياكم قليلا { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } عاقبة كفركم.