١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
52
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً} الدِّين: الطاعة والإخلاص. و «وَاصِباً» معناه دائماً؛ قاله الفرّاء، حكاه الجوهريّ. وَصَبَ الشيء يَصِب وُصوباً، أي دام. ووَصَب الرجل على الأمر إذا واظب عليه. والمعنى: طاعة الله واجبة أبداً. وممن قال واصبا دائماً: الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك. ومنه قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ} أي دائم. وقال الدُّؤَلي:شعر : لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه بذم يكون الدهر أجمع واصبا تفسير : أنشد الغزنوي والثعلبي وغيرهما:شعر : ما أبتغي الحمد القليلَ بقاؤه يوما بذم الدهر أجمع واصبا تفسير : وقيل: الوَصب التعب والإعياء؛ أي تجب طاعة الله وإن تعب العبد فيها. ومنه قول الشاعر: شعر : لا يُمسك الساقَ من أين ولا وَصَب ولا يَعَضّ على شُرْسُوفِهِ الصفر تفسير : وقال ابن عباس: «واصبا» واجباً. الفراء والكلبي: خالصا. {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ} أي لا ينبغي أن تتقوا غير الله. فـ «غير» نصب بـ «تتقون».
البيضاوي
تفسير : {وَلَهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } خلقاً وملكاً. {وَلَهُ ٱلدِّينُ } أي الطاعة. {وَاصِبًا } لازماً لما تقرر من أنه الإله وحده والحقيق بأن يرهب منه. وقيل {وَاصِبًا } من الوصب أي وله الدين ذا كلفة. وقيل الدين الجزاء أي وله الجزاء دائماً لا ينقطع ثوابه لمن آمن وعقابه لمن كفر. {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ } ولا ضار سواه كما لا نافع غيره كما قال تعالى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَهُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ملكاً وخلقاً وعبيداً {وَلَهُ ٱلدّينُ } الطاعة {وَاصِبًا } دائماً حال من «الدين» والعامل فيه معنى الظرف {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ } وهو الإِله الحق ولا إلٰه غيره؟ والاستفهام للإِنكار والتوبيخ.
ابن عبد السلام
تفسير : {الدِّينُ} الإخلاص، أو الطاعة {وَاصِباً} واجباً "ع"، أو خالصاً أو دائماً "ح"، عذاب واصب: دائم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وله} وحده خلقا وملكا {ما فى السموات} من الملائكة {والارض} من الجن والانس {وله الدين} اى الطاعة والانقياد من كل شئ فى السموات والارض وما بينهما {واصبا} حال من الدين اى واجبا ثابتا لا زوال له لانه الاله وحده الواجب ان يرهب منه يقال وصب يصب وصوبا اى دام وثبت {أفغير الله تتقون} الهمزة للانكار والفاء للعطف على مقدر اى أبعد العلم بما ذكر من التوحيد واختصاص الكل به خلقا وملكا غير الله تطيعون فتتقون.
الجنابذي
تفسير : {وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} عطف فى معنى التّعليل {وَلَهُ ٱلدِّينُ} الدّين ههنا الطّريق المؤدّى للسّالك فيه الى غايته {وَاصِباً} واجباً لازماً حال من الدّين اى حالكونه لازماً يعنى الدّين التّكوينىّ الفطرىّ بخلاف التّكليفىّ الاختيارىّ فانّه قد يكون للشّيطان ومنهياً للسّالك الى الشّيطان او وصف للمفعول المطلق مؤكّداً لغيره اى له الدّين حقّاً واصباً، والدّين على هذا هو الطّريق الحقّ وعلى اىّ تقديرٍ فالمقصود انّ الدّين الفطرىّ له او الدّين الحقّ له فاجعلوا الدّين بحسب اختياركم له {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ} عطف على محذوف اى اغير الله تتّخذون آلهاً فغيره تتّقون او جواب شرط محذوف اى اذا كان الآلهة له وحدة فأغير الله تتّقون على ان يكون الهمزة على التّقديم والتّأخير.
اطفيش
تفسير : {وَلَهُ} لا لغيره، {مَا فِى السَّمَٰوَاتِ} المراد أنه الأَجسام المرتفعة فتشمل العرش والكرسى وغيرهما {وَالأَرْضَ} المراد جنس الأَرض أو هذه ويقاس عليها غيرها، {وَلَهُ} لا لغيره، {الدِّينُ} الطاعة والخضوع، {وَاصِباً}، قال ابن عباس أى دائماً لأَنه المنفرد بالأُلوهية الحقيق بأَن يرهب منه، قال ابن قتيبة ليس من أحد يدان له ويطاع إِلا انقطع ذلك السبب فى حال حياته أو بعد موته إِلا الحق سبحانه وتعالى فإِن طاعته واجبة أبداً لأَنه المنعم على عباده المالك لهم وذكر بعضهم أن واصباً بمعنى ذى تعب وكلفة ولذلك سمى الدين تكليفاً وفيه ضعف لأَن ظاهره ينافى قوله تعالى {أية : ما جعل عليكم فى الدين من حرج} تفسير : ولو لم يناف فى الحقيقة لوجود التكليف فيه وهو إِلزام ما فيه المشقة وقيل الدين لجزاء أى له الجزاء دائماً فإِن ثوابه على الإِيمان والعمل الصالح وعقابه على الشرك والمعاصى لا ينقطعان وعلى كل قول فدائما إِما حال من ضمير الاستقرار المستتر فى له العائد إِلى الدين وإِما ظرف زمان على أنه نعت لمحذوف أى زمانا دائماً فيتعلق بالاستقرار {أَفَغَيْرَ اللهِ} الهمزة للتعجيب وللإِنكار أو للتوبيخ وهى ما بعد الفاء أو داخلة على محذوف أى أتتعلمون عن الحجة على وحدانية الله عز وجل وتتقون غير الله فإِن غير مفعول لقوله، {تَتَّقُونَ} أى كيف تعبدون غير الله أو كيف تحذرون عقابه مع أنه لا ضار ولا نافع سواه كما قال.
اطفيش
تفسير : {وَلَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} عطف على إِنما هو إِله، أو على إِله من تقديم الخبر المجرد على الجملة، وما فى السماوات والأرض شامل لهما، وما فيهما، كما تقول ملكت ما فى عبدى، أَى أجزاءه، فهو مالكهما وما فيهما بخلقه لهما، ولما فيهما، وتصرفه فيهما، وفيما فيهما {وَلَهُ الدِّينُ} العبادة أو الجزاء ثواباً وعقاباً {وَاصِبًا} حال من المستتر فى له، ومعناه لازماً، فإن عبادته لازمة لا تنقطع ما دام الإنسان مكلفًا بها، لأن كل ذى وصف يزول عنه وصفه بموت أو غيره، والله لا يزول وصفه بالألوهية، وسائر صفاته المستحق هو بها أن يعبد، وكذلك ثوابه وعقابه، لا يزولان فى الآخرة إِلا أن اقتضاء كونه واحداً كون الجزاء له عز وجل، إنما بمعونة كون العبادة مختصة به، أو معناه دائما وما صدق اللزوم والدوام واحد، أو معناه واجباً، وكل ذلك وارد فى اللغة. معنى وجوب جزائه أنه موعود به لا يتخلف، أو معناه ذا وصب أَى تعب، وعليه فهو للنسب كلا بن وتامر، فالمعنى وله العبادة ذات كلفة، وفى التكليف إِتعاب، وأما الجزاء فلا يوصف بالتعب إِلا إذا أريد به الثواب، فإنه يكون بالتعب، وشاع فى واصب معنى اللزوم والدوام، وذلك أنسب بالمقام، وكذا معنى الوجوب {أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ} توبيخ وإِنكار لأن يكون عبادة غيره صواباً، مع أَنه الإِله الحق لا غيره، المنفرد بالوحدة الذى لا يملك الضر ولا النفع سواه، كما قال: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ الله} لا من غيره، فلا عبادة الإله تعالى، والواو للحال كيف تتقون غير الله، والحال أن نعمكم من الله، أَو للعطف على إِله، وقدم غير لأن المنكر تقوى غير الله تعالى لا مطلق التقوى فأولى الهمزة لذلك لا للاختصاص، فصلا عن أن يقال إِنكار تخصيص التقوى بغيره سبحانه، لا ينافى جوازها، بل يجوز أن التقديم لاختصاص الإنكار لا لإنكار اختصاص. ودخل فى النعمة إزالة الضر بعد وقوعه ودفعه قبل وقوعه. الحمد لله الذى لا ينسى من ذكره. والحمد لله الذى لا يخيب من رجاه. والحمد لله الذى من وثق به لا يكله إِلى غيره. والحمد لله الذى يجزى بالإِحسان إِحساناً ويجزى بالصبر ثوابا وغفرانا. والحمد لله الذى يكشف ضرنا بعد كربنا. والحمد لله الذى هو ثقتنا حين يسوء ظننا بأعمالنا. والحمد لله الذى هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل عنا. وما إِمَّ شرطية يقدر فعل الشرط بعدها هكذا، وما يثبت بكم من نعمة، والباء للإلصاق أو بمعنى مع، وفى ذلك حذف فعل الشرط بلا اشتغال مثل حذفه بالاشتغال فى قوله تعالى: "أية : وإِن أحَدٌ من المشركين"تفسير : [التوبة: 6] وإن زيداً ضربته، وبلا تقدم إن ولا مثل قوله: شعر : * وإِلاّ يعلُ مَفْرِقَك الحسام * تفسير : وإما موصولة، وبكم صلتها، وبقدم فعل الاستقرار، وقد ناب عنه بكم، ولا نائب عن فعل الشرط والموصولة أولى هنا، والباء فى خبرها لشبهها بالشرطية فى العموم، لكن لا يتوقف الخبر عن صلتها، لأن النعم من الله كانت معهم، أو لم تكن، والجواب يتوقف على الشرط، ويجاب بأن الآية جئ بها لإخبار قوم لهم. نعم جهلوا معظمها أو شكوا فيه، أو ذهلوا عن أن لها معطياً، أو علموه ولم يعملوا بمقتضاه، فاستقرارها مجهولة أو مشكوكة سبب للإخبار بكونها من الله سبحانه، وأيضاً اتصالها بهم سبب للعلم، بأَنها من الله. {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} ثم للترتيب فى الرتبة بمعنى إن جؤاركم، أى تضرعكم إِلى الله وحده، حال لحوق الضر بكم، ينافى ويناقض جداً عبادتكم غيره، والضر الفقر والجدب والمرض، والجؤار رفع الصوت بالدعاء فى التضرع والاستغاثة، وكان الشرط إِذا لا إن للجرى على ما اعتيد عندهم وعند غيرهم، من وقوع الضر، كما أنه اعتيد كشفه فجئ بإذا فى قوله: {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ} أزال {الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} ثم للترتيب الرتبى بمعنى أن رجوعكم إلى الإشراك بعد تضرعكم إلى الله، وزوال الضر، مناقض جداً لتضرعكم إلى الله، فى كشف الضر، وذلك الفريق هم كفاركم، والخطاب للمؤمنين، ومن للتبعيض لاتفاق المؤمنين والمشركين بالنسب والبلد، كما أضيف الكفار إليهم لهذه الملابسة، وإِن جعلناه للمشركين فهى للبيان أى فريق هم أنتم أو تجريد للمبالغة أو للتبعيض، باعتبار البعض كقوله تعالى: "أية : فمِنْهُمْ مقتصد"تفسير : [لقمان: 32] الخطاب فى بكم للمؤمنين والكفار، فإن المؤمنين أَيضًا لا يعبدون ولا يحمدون حق العبادة، وحق الحمد.
الالوسي
تفسير : {وَلَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} عطف على قوله سبحانه: {أية : إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ } تفسير : [النحل: 51] أو على الخبر أو مستأنف جيء به تقريراً لعلة انقياد ما فيهما له سبحانه خاصة وتحقيقاً لتخصيص الرهبة به تعالى، وتقديم الظرف لتقوية ما في اللام من معنى التخصيص، وكذا يقال فيما بعد أي له تعالى وحده ما في السمٱوات والأرض خلقا وملكا {وَلَهُ} وحده {ٱلدّينُ} أي الطاعة والانقياد كما هو أحد معانيه. ونقل عن ابن عطية وغيره {وَاصِباً} أي واجباً لازماً لا زوال له لما تقرر أنه سبحانه الإله/ وحده الحقيق بأن يرهب، وتفسير {وَاصِباً} بما ذكر مروي عن ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد والضحاك وجماعة، وأنشدوا لأبـي الأسود الدؤلي:شعر : لا أبتغى الحمد القليل بقاؤه يوماً بذم الدهر أجمع واصبا تفسير : وقال ابن الأنباري: هو من الوصب بمعنى التعب أو شدته، وفاعل للنسب كما في قوله:شعر : وأضحى فؤادي به فاتنا تفسير : أي ذا وصب وكلفة، ومن هنا سمي الدين تكليفاً، وقال الربيع بن أنس: {وَاصِبًا} خالصاً، ونقل ذلك أيضا عن الفراء، وقيل: الدين الملك والواصب الدائم، ويبعد ذلك قول أمية بن الصلت:شعر : وله الدين واصباً وله المـ ـلك وحمد له على كل حال تفسير : وقيل: الدين الجزاء والواصب كما في سابقه أي له تعالى الجزاء دائماً لا ينقطع ثوابه للمطيع وعقابه للعاصي، وأياً ما كان فنصب {وَاصِبًا} على أنه حال من ضمير {ٱلدّينِ} المستكن في الظرف والظرف عامل فيه أو حال من {ٱلدّينِ} والظرف هو العامل على رأي من يرى جواز اختلاف العامل في الحال والعامل في صاحبها. واستدل بالآية على أن أفعال العباد مخلوقة له تعالى. {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ} الهمزة للإنكار والفاء للتعقب أي أبعد ما تقرر من تخصيص جميع الموجودات للسجود به تعالى وكون ذلك كله له سبحانه ونهيه عن اتخاذ الإلهين وكون الدين له واصباً المستدعي ذلك لتخصيص التقوى به تعالى تتقون غيره، والمنكر تقوى غير الله تعالى لا مطلق التقوى ولذا قدم الغير، وأولى الهمزة لا للاختصاص حتى يرد أن إنكار تخصيص التقوى بغيره سبحانه لا ينافي جوازها، وقيل: يصح أن يعتبر الاختصاص بالإنكار فيكون التقديم لاختصاص الإنكار لا لإنكار الاختصاص. وفي "البحر" أن هذا الاستفهام يتضمن التوبيخ والتعجب أي بعد ما عرفتم من وحدانيته سبحانه وأن ما سواه له ومحتاج إليه كيف تتقون وتخافون غيره.
ابن عاشور
تفسير : مناسبة موقع جملة {وله ما في السمٰوات والأرض} بعد جملة {أية : وقال الله لا تتخذوا إلٰهين اثنين} تفسير : [سورة النحل: 51] أن الذين جعلوا إلهين جعلوهما النور والظلمة. وإذ كان النور والظلمة مظهرين من مظاهر السماء والأرض كان المعنى: أن ما تزعمونه إلهاً للخير وإلهاً للشرّ هما من مخلوقاته. وتقديم المجرور يفيد الحصر فدخل جميع ما في السماء والأرض في مفاد لام الملك، فأفاد أن ليس لغيره شيء من المخلوقات خيرها وشرّها. فانتفى أن يكون معه إله آخر لأنه لو كان معه إله آخر لكان له بعض المخلوقات إذ لا يعقل إله بدون مخلوقات. وضمير {له} عائد إلى اسم الجلالة من قوله: {وقال الله لا تتخذوا إلٰهين}. فعطفه على جملة {أية : إنما هو إلٰه واحد} تفسير : [سورة النحل: 51] لأن عظمة الإلهية اقتضت الرّهبة منه وقصرها عليه، فناسب أن يشار إلى أن صفة المالكية تقتضي إفراده بالعبادة. وأما قوله: {وله الدين واصباً} فالدين يحتمل أن يكون المراد به الطاعة، من قولهم: دانت القبيلة للملك، أي أطاعته، فهو من متمّمات جملة {وله ما في السمٰوات والأرض}، لأنه لما قَصَر الموجودات على الكون في ملكه كان حقيقاً بقصر الطاعة عليه، ولذلك قدّم المجرور في هذه الجملة على فعله كما وقع في التي قبلها. ويجوز أن يكون {الدين} بمعنى الديانة، فيكون تذييلاً لجملة {وقال الله لا تتخذوا إلٰهين اثنين}، لأن إبطال دين الشرك يناسبه أن لا يدين الناس إلا بما يشرّعه الله لهم، أي هو الذي يشرّع لكم الدين لا غيره من أيمّة الضلال مثل عَمرو بن لُحيــــيَ، وزَرَادَشْت، وَمَزْدك، ومَاني، قال تعالى: {أية : أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } تفسير : [سورة الشورى: 21]. ويجوز أن يكون الدين بمعنى الجزاء كما في قوله تعالى: {أية : مالك يوم الدين }تفسير : [سورة الفاتحة: 4]، فيكون إدماجاً لإثبات البعث الذي ينكره أولئك أيضاً. والمعنى: له ما في السماوات والأرض وإليه يرجع من في السماوات والأرض لا يرجعون إلى غيره ولا ينفعهم يومئذٍ أحد. والواصب: الثابت الدائم، وهو صالح للاحتمالات الثلاثة، ويزيد على الاحتمال الثالث لأنه تأكيد لردّ إنكارهم البعث. وتفرّع على هاتين الجملتين التّوبيخ على تقواهم غيره، وذلك أنهم كانوا يتقون إله الشرّ ويتقرّبون إليه ليأمنوا شرّه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً}. الدين هنا: الطاعة. ومنه سميت أوامر الله ونواهيه ديناً. كقول: {أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} تفسير : [آل عمران: 19]، وقوله: {أية : وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً} تفسير : [المائدة: 3]، وقوله: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} تفسير : [آل عمران: 85]. والمراد بالدين في الآيات: طاعة الله بامتثال جميع الأوامر، واجتناب جميع النواهي. ومن الدين بمعنى الطاعة: قول عمرو بن كلثوم في معلقته: شعر : وأياماً لنا غراً كراماً عصينا الملك فيها أن ندينا تفسير : أي عصيناه وامتنعنا أن ندين له، أي نطيعه. وقوله {واصباً} أي دائماً. أي له جلَّ وعلا: الطاعة والذل والخضوع دائماً. لأنه لا يضعف سلطانه، ولا يعزل عن سلطانه، ولا يموت ولا يغلب، ولا يتغير له حال بخلاف ملوك الدنيا. فإن الواحد منهم يكون مطاعاً له السلطنة والحكم، والناس يخافونه ويطمعون فيما عنده برهة من الزمن، ثم يعزل أو يموت، أو يذل بعد عز، ويتضع بعد رفعة. فيبقى لا طاعة له ولا يعبأ به أحد. فسبحان من لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيراً. وهذا المعنى الذي أشار إليه مفهوم الآية بينه جل وعلا في مواضع أخر. كقوله: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} تفسير : [آل عمران: 26]، وقوله: {أية : خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} تفسير : [الواقعة: 3] لأنها ترفع أقواماً كانت منزلتهم منخفضة في الدنيا، وتخفض أقواماً كانوا ملوكاً في الدنيا، لهم المكانة الرفيعة0 وقوله: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. ونظير هذه الآية المذكورة قوله: {أية : وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ} تفسير : [الصافات: 8-9] أي دائم. وقيل: عذاب "موجع مؤلم" والعرب تطلق الوصب على المرض، وتطلق الوصب على الدوام. وروي عن ابن عباس أنه لما سأله نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: {وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً} قال له: الوصب الدائم، واستشهد له بقول أمية بن أبي الصلت الثقفي: شعر : وله الدين واصباً وله الملـ ك وحمد له على كل حال تفسير : ومنه قول الدؤلي: شعر : لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه يوماً بذم الدهر أجمع واصباً تفسير : وممن قال بأن معنى الواصب في هذه الآية الدائم: ابن عباس ومجاهد، وعكرمة وميمون بن مهران، والسدي وقتادة، والحسن والضحاك، وغيرهم. وروي عن ابن عباس أيضاً واصباً: أي واجباً. وعن مجاهد أيضاً: واصباً: أي خالصاً. وعلى قول مجاهد هذا، فالخبر بمعنى الإنشاء. أي ارهبوا أن تشركوا بي شيئاً، وأخلصوا لي الطاعة - وعليه فالآية كقوله: {أية : أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} تفسير : [آل عمران: 83]، وقوله:{أية : أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} تفسير : [الزمر: 3]، وقوله: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [البينة: 5] وقوله: "واصباً" حال عمل فيه الظرف. وقوله تعالى: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ}. أنكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة على من يتقي غيره، لأنه لا ينبغي أن يتقي إلا من بيده النفع كله والضر كله. لأن غيره لا يستطيع أن ينفعك بشيء لم يرده الله لك، ولا يستطيع أن يضرك بشيء لم يكتبه الله عليك. وقد أشار تعالى هنا إلى أن إنكار اتقاء غير الله، لأجل أن الله هو الذي يرجى منه النفع، ويخشى منه الضر، ولذلك أتبع قوله: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ} بقوله: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل:53] ومعنى تجأرون: ترفعون أصواتكم بالدعاء والاستغاثة عند نزول الشدائد. ومنه قول الأعشى أو النابغة يصف بقرة: شعر : فطافت ثلاثا بين يوم وليلة وكان النكير أن تضيف وتجأرا تفسير : وقول الأعشى: شعر : يراوح من صلوات المليك طوراً سجوداً وطوراً جؤارا تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 64-65] قد أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله: {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ}تفسير : [الأنعام: 17]، وقوله: {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}تفسير : [يونس: 107] الآية، وقوله: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} تفسير : [فاطر: 2] الآية، وقوله: {أية : قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا} تفسير : [التوبة: 51] الآية، وقوله: {أية : قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} تفسير : [الزمر: 38] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الَّلهمَّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجدُّ"تفسير : . وفي حديث ابن عباس المشهور: "حديث : واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ".
الواحدي
تفسير : {وله الدين واصباً} دائماً، أَيْ: طاعته واجبةٌ أبداً. {أفغير الله} الذي خلق كلَّ شيء، وأمر أن لا تتَّخذوا معه إلهاً {تتقون}. {وما بكم من نعمة} من صحَّة جسمٍ، أو سعةِ رزقٍ، أو إمتاعٍ بمالٍ وولدٍ، فكلُّ ذلك من الله، {ثمَّ إذا مسكم الضرُّ} الأسقام والحاجة {فإليه تجأرون} ترفعون أصواتكم بالاستغاثة. {ثمَّ إذا كشف الضر عنكم} يعني: مَنْ كفر بالله، وأشرك بعد كشف الضُّرَّ عنه. {ليكفروا بما آتيناهم} ليجحدوا نعمة الله فيما فعل بهم {فتمتعوا} أمر تهديد {فسوف تعلمون} عاقبة أمركم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْسَّمَاوَاتِ} (52) - وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مِنْ شَيءٍ، لاَ شَرِيكَ لَهُ فِي شَيءٍ مِنْ ذلِكَ، وَهُوَ الذِي خَلَقَهُمْ. وَهُوَ الذِي يَرْزُقُهُمْ وَبِيَدِهِ حَيَاتُهُمْ وَمَوْتُهُمْ، وَلَهُ العِبَادَةُ وَاجِبَةٌ دَائِماً، أَفَيَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وَيَتَّقُونَ سِوَاهُ، وَقَدْ عَلِمُوا كُلَّ ذِلكَ؟ لَهُ الدِّينُ - لَهُ الطَّاعَةُ وَالانْقِيَادُ وَحْدَهُ. وَاصِباً - دَائِماً وَاجِباً لاَزِباً أَوْ خَالِصاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : عندنا هنا اللام .. وقد تكون (اللام) للمِلْك كما في الآية. وكما في: المال لزيد، وقد تكون للتخصيص إذا دخلتْ اللام على ما لا يملك، كما نقول: اللجام للفرس، والمفتاح للباب، فالفرس لا يملك اللجام، والباب لا يملك المفتاح. فهذه للتخصيص. والحق سبحانه يقول هنا: {وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [النحل: 52]. وفي موضع آخر يقول: {أية : لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [يونس: 68]. وكذلك في: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الحشر: 24]. ومرة يقول: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الجمعة: 1]. حينما تكون اللام للملكية قد يكون المملوك مختلفاً ففي قوله: {مَا فِي ٱلْسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [النحل: 52]. يعني: القدر المشترك الموجود فيهما. أي: الأشياء الموجودة في السماء وفي الأرض. أما في قوله: {أية : مَا فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [يونس: 68]. أي: الأشياء الموجودة في السماء وليست في الأرض، والأشياء الموجودة في الأرض وليست في السماء، أي: المخصَّص للسماء والمخصَّص للأرض، وهذا ما يُسمُّونه استيعاب الملكية. وما دام سبحانه له ما في السمٰوات وما في الأرض، فليس لأحد غيره مِلْكية مستقلة، وما دام ليس لأحد غيره ملكية مستقلة. إذن: فليس له ذاتية وجود؛ لأن وجوده الأول موهوبٌ له، وما به قيام وجوده موهوب له .. ولذلك يقولون: مَنْ أراد أن يعاند في الألوهية يجب أن تكون له ذاتية وجود .. وليست هذه إلا لله تعالى. ونضرب لذلك مثلاً بالولد الصغير الذي يعاند أباه، وهو ما يزال عَالةً عليه. فيقول له: انتظر إلى أن تكبر وتستقلّ بأمرك .. فإذا ما شَبَّ الولد وبلغ وبدأ في الكَسْب أمكن له الاعتماد على نفسه، والاستغناء عن أبيه. لذلك نقول لمن يعاند في الألوهية: أنت لا تقدر؛ لأن وجودك هِبَة، وقيام وجودك هِبَة، كل شيء يمكن أنْ يُنزع منك. ولذلك، فالحق سبحانه وتعالى يُنبِّهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. فهذا الذي رأى نفسه استغنى عن غيره - من وجهة نظره - إنما هل استغنى حقاً؟ .. لا. لم يستغن، بدليل أنه لا يستطيع أنْ يحتفظَ بما يملك. قوله تعالى: {وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [النحل: 52]. الذي له ما في السمٰوات والأرض، وبه قيام وجوده بقيوميته، فهو سبحانه يُطمئِنك ويقول لك: أنا قيُّوم - يعني: قائم على أمرك .. ليس قائماً فقط .. بل قيُّوم بالمبالغة في الفِعْل، وما دام هو سبحانه القائم على أمرك إيجاداً من عَدَم، وإمداداً من عُدم. إذن: يجب أن تكون طاعتُك له سبحانه لا لغيره. وفي الأمثال يقولون "اللي ياكل لقمتي يسمع كلمتي" فإذا كنتَ أنت عالة في الوجود .. وجودك من الله، وإمدادك من الله، وإبقاء مُقوِّمات حياتك من الله؛ لذلك قال تعالى: {وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ..} [النحل: 52]. أي: هذه نتيجة؛ لأن لله ما في السمٰوات والأرض، فَلَه الدين واصباً، أي: له الطاعة والخضوع دائماً مستمراً، ومُلْك الله دائم، وهو سبحانه لا يُسلم مُلْكَه لأحد، ولا تزال يد الله في مُلْكه .. وما دام الأمر هكذا فالحق سبحانه يسألهم: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ} [النحل: 52]. والهمزة هنا استفهام للإنكار والتوبيخ، فلا يجوز أنْ تتقيَ غير الله، لأنه حُمْق لا يليق بك، وقد علمتَ أن لله ما في السمٰوات وما في الأرض، وله الطاعة الدائمة والانقياد الدائم، وبه سبحانه قامت السمٰوات والأرض ومنه سبحانه الإيجاد من عَدَم والإمداد من عُدم. إذن: فمن الحُمْق أنْ تتقي غيره، وهو أَوْلى بالتقوى، فإنِ اتقيتُم غيره فذلك حُمْق في التصرّف يؤدّي إلى العطَب والهلاك، إنِ اغتررتم بأن الله تعالى أعطاكم نِعَماً لا تُعَدُّ ولا تُحصَى. ومن نِعم الله أن يضمن لعباده سلامة الملكَات وما حولها، فلو سَلِم العقل مثلاً سَلِمت وصَحَّتْ الأمور التي تتعلق به، فيصحّ النظام، وتصحّ التصَرُّفات، ويصحّ الاقتصاد .. وهذه نعمة. فالنعمة تكون للقلب وتكون للقالب، فللقالب المتعة المادية، وللقلب المتعة المعنوية .. وأهم المتَع المعنوية التي تريح القالب أن يكون للإنسان دينٌ يُوجّهه .. أن يكون له ربٌّ قادر، لا يُعجِزه شيء، فإنْ ضاقتْ به الدنيا، وضاقتْ به الأسباب فإن له رباً يلجأ إليه فيُسعفه ويكيفه، وهذه هي الراحة الحقيقة. وقد ضمن لنا الحق - سبحانه وتعالى - سلامة القالب بما أودع في الكون من مُقوِّمات الحياة في قوله: {أية : وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..} تفسير : [فصلت: 10]. أي: اطمئنوا إلى هذا الأمر، فالله سبحانه لا يريد منكم إلا أنْ تُعمِلوا عقولكم المخلوقة لله لِتُفكِّروا في المادة المخلوقة لله، وتنفعلوا لها بالطاقة المخلوقة لله في جوارحكم، وسوف تجدون كلَّ شيء مُيسَّراً لكم .. فالله تعالى ما أراد منكم أنْ تُوجِدوا رزقاً، وإنما أراد أن تُعمِلوا العقل، وتتفاعلوا مع مُعْطيات الكون. ولكن كيف يتفاعل الإنسان في الحياة؟ هناك أشياء في الوجود خلقها الله سبحانه برحمته وفضله، فهي تفعل لك وإنْ لم تطلب منها أن تفعل، فأنت لا تطلب من الشمس أنْ تطلُع عليك، ولا من الهواء أنْ يَهُبَّ عليك .. الخ. وهناك أشياء أخرى تفعل لك إنْ طلبتَ منها، وتفاعلتَ معها، كالأرض إنْ فعلتَ بيدك فحرثْتَ وزرعْتَ ورويْتَ تعطيك ما تريد. وفي هذا المجال من التفاعل يتفاضل الناس، لا يتفاضلون فيما يُفعل لهم دون انفعال منهم .. لا بل ارتقاء الناس وتفاضُلهم يكون بالأشياء التي تنفعل لهم إنْ فعلوا .. أما الأخرى فتَفعل لكل الناس، فالشمس والهواء والمياه للجميع، للمؤمن وللكافر في أيّ مكان. إذن: يترقّى الإنسان بالأشياء التي خلقها الله له، فإذا انفعل معها انفعلتْ له، وإذا تكاسل وتخاذل لم تُعْطِه شيئاً، ولا يستفيد منها بشيء .. ولذلك قد يقول قائل: الكافر عنده كذا وكذا، ويملك كذا وكذا، وهو كافر .. ويتعجّب من القدر الذي أَعطَى هذا، وحرَم المؤمن الموحد منه. نقول له: نعم أخذ ما أخذ؛ لأنه يشترك معك فيما يُفعل لك وإنْ لم تطلب، ويزيد عليك أنه يعمل ويكدّ وينفعل مع الكون وما أعطاه الله من مُقوِّمات وطاقة، فتنفعل معه وتعطيه، في حين أنك قاعد لا هِمَّة لك. وكذلك قد يتسامى الارتقاء في الإنسان، فيجعل الشيء الذي يُفعل له دون أن يطلب منه - أي: الشيء المسخَّر له - يجعله ينفعل له، كما نرى فيما توصَّل إليه العلم من استخدام الطاقة الشمسية مثلاً في تسخين المياه .. هذه الطاقة مُسخَّرة لنا دون جَهْد مِنّا، ولكن ترقِّي الإنسان وطموحه أوصله إلى هذا الارتقاء .. وكُلُّ هذه نِعَم من الله؛ ولذلك قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً} [الآية: 52]. قال: الإخلاص واصباً. يعني: دائماً. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح في قوله: {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [الآية: 53]. يعني: تتضرعون. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ} تقول أَلسنتهم الكذب، {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ} [الآية: 62]. يقول كفار قريش: لنا البنون ولله البنات. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} [الآية: 62] . قال: منسيون في النار. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} [الآية: 67] قال: سكر الخمر قبل تحريمها، والرزق الحسن طعامه.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً} يعني دائماً.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 488 : 5 : 13 - سفين {وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} قال، الطرق {وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً} قال، دائماً. [الآية 15-52].
همام الصنعاني
تفسير : 1491- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً}: [الآية: 52]، قال: دَائِماً، ألا ترى أنه يقول: {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ}: [الصافات: 9]، أي: دائِم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):