١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
53
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} قال الفراء. «ما» بمعنى الجزاء. والباء في «بكم» متعلقة بفعل مضمر، تقديره: وما يكن بكم. {مِّن نِّعْمَةٍ} أي صحة جسم وَسَعة رزق وولد فمن الله. وقيل: المعنى وما بكم من نعمة فمن الله هي. {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ} أي السّقم والبلاء والقَحْط. {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} أي تضجون بالدعاء. يقال: جَأر يَجْأَر جُؤاراً. والجُؤار مثل الخُوار؛ يقال: جأر الثور يجأر، أي صاح. وقرأ بعضهم «عجْلاً جسَداً لَهُ جُؤَارٌ»؛ حكاه الأخفش. وجأر الرجل إلى الله، أي تضرّع بالدعاء. وقال الأعشى يصف بقرة:شعر : فطافت ثلاثاً بين يوم وليلة وكان النكير أن تُضِيف وتجأرا تفسير : {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ} أي البلاء والسقم. {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} بعد إزالة البلاء وبعد الجؤار. فمعنى الكلام التعجيب من الإشراك بعد النجاة من الهلاك، وهذا المعنى مكرر في القرآن، وقد تقدّم في «الأنعام ويونس»، ويأتي في «سبحان» وغيرها. وقال الزجاج: هذا خاص بمن كفر. {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} أي ليجحدوا نعمة الله التي أنعم بها عليهم من كشف الضر والبلاء. أي أشركوا ليجحدوا، فاللام لام كَيّ. وقيل لام العاقبة. وقيل: «لِيَكْفُرُوا بما آتَيْنَاهُم» أي ليجعلوا النعمة سبباً للكفر، وكل هذا فعل خبيث؛ كما قال:شعر : والكفـرُ مَخْبَثَـةٌ لنـفس المُنْـعِم تفسير : {فَتَمَتَّعُواْ} أمر تهديد. وقرأ عبد الله «قل تمتعوا». {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي عاقبة أمركم.
البيضاوي
تفسير : {وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } أي وأي شيء اتصل بكم من نعمة فهو من الله، {وَمَا} شرطية أو موصولة متضمنة معنى الشرط باعتبار الإِخبار دون الحصول، فإن استقرار النعمة بهم يكون سبباً للإِخبار بأنها من الله لا لحصولها منه. {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـأَرُونَ} فما تتضرعون إلا إليه، والجؤار رفع الصوت في الدعاء والاستغاثة. {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم} وهم كفاركم. {بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } بعبادة غيره، هذا إذا كان الخطاب عاماً، فإن كان خاصاً بالمشركين كان من للبيان كأنه قال: إذا فريق وهم أنتم، ويجوز أن تكون من للتبعيض على أن يعتبر بعضهم كقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا نَجَّـٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ }تفسير : [لقمان: 32] {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ } من نعمة الكشف عنهم كأنهم قصدوا بشركهم كفران النعمة، أو إنكار كونها من الله تعالى. {فَتَمَتَّعُواْ } أمر تهديد. {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } أغلظ وعيده، وقرىء «فيمتعوا» مبنياً للمفعول عطفاً على {لِيَكْفُرُواْ }، وعلى هذا جاز أن تكون اللام لام الأمر الوارد للتهديد والفاء للجواب. {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ } أي لآلهتهم التي لا علم لها لأنها جماد فيكون الضمير {لِمَا}، أو التي لا يعلمونها فيعتقدون فيها جهالات مثل أنها تنفعهم وتشفع لهم على أن العائد إلى ما محذوف، أو لجهلهم على أن ما مصدرية والمجعول له محذوف للعلم به. {نَصِيبًا مّمّا رَزَقْنَـٰهُمْ } من الزروع والأنعام. {تَٱللَّهِ لَتُسْـئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } من أنها آلهة حقيقة بالتقرب إليها وهو وعيد لهم عليه. {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ } كانت خزاعة وكنانة يقولون الملائكة بنات الله. {سُبْحَـٰنَهُ } تنزيه له من قولهم، أو تعجب منه. {وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } يعني البنين، ويجوز فيما يشتهون الرفع بالابتداء والنصب بالعطف على البنات على أن الجعل بمعنى الاختيار، وهو وإن أفضى إلى أن يكون ضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد لكنه لا يبعد تجويزه في المعطوف. {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ } أخبر بولادتها. {ظَلَّ وَجْهُهُ } صار أو دام النهار كله. {مُسْوَدّا } من الكآبة والحياء من الناس. واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام والتشوير. {وَهُوَ كَظِيمٌ } مملوء غيظاً من المرأة. {يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ } يستخفى منهم. {مِن سُوء مَا بُشِّرَ بِهِ }. من سوء المبشر به عرفاً. {أَيُمْسِكُهُ } محدثاً نفسه متفكراً في أن يتركه. {عَلَىٰ هُونٍ } ذل {أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ } أي يخفيه فيه ويئده، وتذكير الضمير للفظ {مَا } وقرىء بالتأنيث فيهما. {أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ } حيث يجعلون لمن تعالى عن الولد ما هذا محله عندهم. {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ} صفة السوء وهي الحاجة إلى الولد المنادية بالموت واستبقاء الذكور استظهاراً بهم وكراهة الإِناث ووأدهن خشية الإِملاق. {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق والجود الفائق والنزاهة عن صفات المخلوقين. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } المنفرد بكمال القدرة والحكمة. {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ } بكفرهم ومعاصيهم. {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا } على الأرض، وإنما أضمرها من غير ذكر للدلالة الناس والدابة عليها. {مِن دَابَّةٍ } قط بشؤم ظلمهم. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كاد الجعل يهلك في حجره بذنب ابن آدم أو من دابة ظالمة. وقيل لو أهلك الآباء بكفرهم لم يكن الأبناء. {وَلٰكِن يُؤَخِرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ } سماه لأعمارهم أو لعذابهم كي يتوالدوا. {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } بل هلكوا أو عذبوا حينئذ لا محالة، ولا يلزم من عموم الناس وإضافة الظلم إليهم أن يكونوا كلهم ظالمين حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لجواز أن يضاف إليهم ما شاع فيهم وصدر عن أكثرهم. {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ } أي ما يكرهونه لأنفسهم من البنات والشركاء في الرياسة، والاستخفاف بالرسل وأراذل الأموال. {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ } مع ذلك وهو. {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ } أي عند الله كقوله: {أية : وَلَئِن رُّجّعْتُ إِلَىٰ رَبّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ }تفسير : [فصلت: 50] وقرىء {ٱلْكَذِبَ } جمع كذوب صفة للألسنة. {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ } رد لكلامهم وإثبات لضده. {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ } مقدمون إلى النار من أفرطته في طلب الماء إذا قدمته. وقرأ نافع بكسر الراء على أنه من الإِفراط في المعاصي. وقرىء بالتشديد مفتوحاً من فرطته في طلب الماء ومكسوراً من التفريط في الطاعات. {تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـِّنُ أَعْمَالَهُمْ } فأصروا على قبائحها وكفروا بالمرسلين. {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ } أي في الدنيا، وعبر باليوم عن زمانها أو فهو وليهم حين كان يزين لهم، أو يوم القيامة على أنه حكاية حال ماضية أو آتية، ويجوز أن يكون الضمير لقريش أي زين الشيطان للكفرة المتقدمين أعمالهم وهو ولي هؤلاء اليوم يغريهم ويغويهم، وإن يقدر مضاف أي فهو ولي أمثالهم، والولي القرين أو الناصر فيكون نفياً للناصر لهم على أبلغ الوجوه. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في القيامة. {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ} للناس. {ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } من التوحيد والقدر وأحوال المعاد وأحكام الأفعال. {وَهُدَىً وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} معطوفان على محل لتبين فإنهما فعلا المنزل بخلاف التبيين. {وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } أنبت فيها أنواع النبات بعد يبسها. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} سماع تدبر وإنصاف. {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً} دلالة يعبر بها من الجهل إلى العلم. {نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِي بُطُونِهِ } استئناف لبيان العبرة، وإنما ذكر الضمير ووحده ها هنا للفظ وأنثه في سورة «المؤمنين» للمعنى، فإن {ٱلأَنْعَـٰمِ } اسم جمع ولذلك عده سيبويه في المفردات المبنية على أفعال كأخلاق وأكياس، ومن قال إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض فإن اللبن لبعضها دون جميعها أو لواحده أو له على المعنى، فإن المراد به الجنس. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب {نُّسْقِيكُمْ } بالفتح هنا وفي «المؤمنين». {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا } فإنه يخلق من بعض أجزاء الدم المتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث، وهو الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن البهيمة إذا اعتلفت وانطبخ العلف في كرشها كان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً، ولعله إن صح فالمراد أن أوسطه يكون مادة اللبن وأعلاه مادة الدم الذي يغذي البدن، لأنهما لا يتكونان في الكرش بل الكبد يجذب صفارة الطعام المنهضم في الكرش، ويبقي ثفله وهو الفرث ثم يمسكها ريثما يهضمها هضماً ثانياً فيحدث أخلاطاً أربعة معها مائية، فتميز القوة المميزة تلك المائية بما زاد على قدر الحاجة من المرتين وتدفعها إلى الكلية والمرارة والطحال، ثم يوزع الباقي على الأعضاء بحسبها فيجري إلى كل حقه على ما يليق به بتقدير الحكيم العليم، ثم إن كان الحيوان أنثى زاد أخلاطها على قدر غذائها لاستيلاء البرد والرطوبة على مزاجها، فيندفع الزائد أولاً إلى الرحم لأجل الجنين فإذا انفصل انصب ذلك الزائد أو بعضه إلى الضروع، فيبيض بمجاورة لحومها الغددية البيض فيصير لبناً، ومن تدبر صنع الله تعالى في إحداث الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها والأسباب المولدة لها والقوى المتصرفة فيها كل وقت على ما يليق به، اضطر إلى الإقرار بكمال حكمته وتناهي رحمته، و {مِنْ } الأولى تبعيضية لأن اللبن بعض ما في بطونها والثانية ابتدائية كقولك: سقيت من الحوض، لأن بين الفرث والدم المحل الذي يبتدأ منه الإِسقاء وهي متعلقة بـ {نُّسْقِيكُمْ } أو حال من {لَّبَنًا } قدم عليه لتنكيره وللتنبيه على أنه موضع العبرة. {خَالِصًا } صافياً لا يستصحب لون الدم ولا رائحة الفرث، أو مصفى عما يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه. {سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } سهل المرور في حلقهم، وقرىء «سِّيغاً» بالتشديد والتخفيف.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } لا يأتي بها غيره و «ما» شرطية أو موصولة {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ } أصابكم {ٱلضُّرُّ } الفقر والمرض {فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ } ترفعون أصواتكم بالاستغاثة والدعاء ولا تدعون غيره.
ابن عبد السلام
تفسير : {الضُّرُّ} القحط، أو الفقر {تَجْئَرُونَ} تضرعون بالدعاء، أو تضجون وهو الصياح من جؤار الثور وهو صياحه.
ابو السعود
تفسير : {وَمَا بِكُم} أي أيُّ شيء يلابسكم ويصاحبكم {مِن نّعْمَةٍ} أية نعمةٍ كانت {فَمِنَ ٱللَّهِ} فهي من الله، فما شرطيةٌ أو موصولة متضمّنة لمعنى الشرط باعتبار الإخبارِ دون الحصول فإن ملابسةَ النعمةِ بهم سببٌ للإخبار بأنها منه تعالى لا لكونها منه تعالى {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ} مِساساً يسيراً {فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ} تتضرعون في كشفه لا إلى غيره، والجُؤار رفعُ الصوت بالدعاء والاستغاثة، قال الأعشى: [المتقارب] شعر : يراوِحُ من صلَواتِ المليـ ـك طوراً سجوداً وطوراً جؤارا تفسير : وقرىء تَجَرون بطرح الهمزة وإلقاءِ حركتها إلى ما قبلها، وفي ذكر المِساس المُنْبىءِ عن أدنى إصابةٍ وإيرادِه بالجملة الفعلية المعربةِ عن الحدوث مع ثم الدالةِ على وقوعه بعد برهةٍ من الدهر وتحليةِ الضُّر بلام الجنس المفيدةِ لمساس أدنى ما ينطلق عليه اسمُ الجنس ـ مع إيراد النعمةِ بالجملة الاسميةِ الدالةِ على الدوام والتعبـير عن ملابستها للمخاطبـين بباء المصاحبة وإيرادِ (ما) المعربةَ عن العموم ـ ما لا يخفى من الجزالة والفخامة، ولعل إيرادَ إذا دون إن للتوسل به إلى تحقق وقوع الجواب. {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ} وقرىء كاشَفَ الضر، وكلمةُ ثم ليست للدلالة على تمادي زمانِ مِساس الضرّ ووقوعِ الكشفِ بعد برهة مديدةٍ بل للدلالة على تراخي رتبةِ ما يترتب عليه من مفاجأة الإشراك المدلولِ عليها بقوله سبحانه: {إِذَا فَرِيقٌ مّنْكُم بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ} فإنّ ترتبها على ذلك في أبعد غايةٍ من الضلال، ثم إن وُجّه الخطابُ إلى الناس جميعاً فمِن للتبعيض والفريقُ فريقُ الكفرة، وإن وجه إلى الكفرة فمن للبـيان، كأنه قيل: إذا فريق كافرون أنتم. ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر وازدجر كقوله تعالى: { أية : فَلَمَّا نَجَّـٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} تفسير : [لقمان، الآية 32] فمن تبعيضية أيضاً، والتعرضُ لوصف الربوبـية للإيذان بكمال قبحِ ما ارتكبوه من الإشراك والكفران. {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتَيْنَـٰهُمْ} من نعمة الكشف عنهم كأنهم جعلوا غرضَهم في الشرك كُفرانَ النعمة وإنكارَ كونها من الله عز وجل {فَتَمَتَّعُواْ} أمرُ تهديد، والالتفاتُ إلى الخطاب للإيذان بتناهي السَّخَط، وقرىء بالياء مبنياً للمفعول عطفاً على ليكفروا على أن يكون كفرانُ النعمة والتمتعُ غرضاً لهم من الإشراك، ويجوز أن يكون اللامُ لامَ الأمرِ الواردِ للتهديد {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} عاقبةَ أمرِكم وما ينزل بكم من العذاب، وفيه وعيدٌ أكيدٌ منبىءٌ عن أخذٍ شديد حيث لم يُذكر المفعولُ إشعاراً بأنه مما لا يوصف.
التستري
تفسير : قوله: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}[53] قال سهل: لو أن الله تعالى طالب حملة العرش، فمن دونهم من الملائكة ومن النبيين والمرسلين، بما جهلوا من نعمة الله عليهم لعذبهم عليها، وهو غير ظالم. قيل لسهل: أي شيء يفعل الله بعبده إذا أحبه؟ قال: يلهمه الاستغفار عند التقصير، والشكر له عند النعمة، وإنما أرادوا بالنية أن يتعرفوا بها نعم الله تعالى عليهم، فيدوم لهم الشكر ويدوم لهم المزيد. {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}[53] يعني إياه تدعون عند الفقر والبلاء، وربما يكون ذلك نعمة من الله عليكم، إذ لو شاء لابتلاكم بأشد منه، فيصير ذلك عند أشد البلاء نعمة، فيجزعون منه، ولا يصبرون ولا يشكرون. وبلغنا أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام فقال: اصبر على المؤونة تأتك مني المعونة.
السلمي
تفسير : قال أبو حفص: جميع النعم عليك من ربك، وشكرك لغيره ورجوعك فى النوائب إليه، وعبادتك لغيره، وما هذا من أفعال أولى الألباب. قال الله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}. قال محمد بن الفضل: أجل نعمة الله عليك أن عرفك نفسه، وألهمك لشكر نعمه.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ}. النْعمة ما يُقَرِّبُ العبدَ من الحق، فأمَّا ما لا يوجِب النسيانَ والطغيان، والغفلةَ والعصيانَ فأَوْلَى أن يكون محبة. ويقال ما للعبد فيه نفع، أو يحصل به للشر منع فهو على أصح القولين نعمة؛ سواء كان دينياً أو دنيوياً، فالعبد مأمورٌ بالشكر على كل حال. وأكثر الناس يشكرون على نعم الإحسان، {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}تفسير : [سبأ: 13] على كل حال. وفائدةُ الآيةِ قَطْعُ الأسرارِ عن الأغيار في حالتي اليُسْر والعُسْر، والثقة بأن الخير والشر، والنفع والضر كلاهما من الله تعالى. قوله جلّ ذكره: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}. إذ ليس لكم سواه؛ فإذا أَظَلَّتْ العبدَ هواجمُ الاضطرار التجأَ إلى الله في استدفاع ما مَسَّه من البلاء ثم إذا مَنَّ الحقُّ عليه، وجاد عليه بكشف بلائه صار كَأَنْ لم يمسه سوءٌ أو أصابه همٌّ كما قيل: شعر : كأنَّ الفتى لم يَعْرَ يوماً إذا اكتسى ولم يَكُ صعلوكاً إذا ما تَمَوَّلاَ
اسماعيل حقي
تفسير : {وما بكم} اى أى شئ يلابسكم ويصاحبكم {من نعمة} أى نعمة كانت كالغنى وصحة الجسم والخصب ونحوها {فمن الله} فهى من قبل الله فما شرطية او موصولة متضمنة لمعنى الشرط باعتبار الاخبار دون الحصول فان ملابسة النعمة بهم سبب للاخبار بانها منه تعالى لا لحصولها منه {ثم اذا مسكم الضر} اى الفقر والبلاء فى جسدكم والقحط ونحوها مساسا يسيرا {فاليه تجأرون} تتضعرون فى كشفه لا الى غيره. والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى لخلقه إِن جميع النعم التي تكون بكم ولكم، من صحة في جسم وسعة في رزق او ولد، فكل ذلك من عند الله، ومن جهته وبخلقه لها وبتمكينكم من الانتفاع بها. والفاء في قوله {فمن الله} قيل في معناه قولان: احدهما - ان تكون (ما) بمعنى الذي، وفيه شبه الجزاء، كما قال تعالى {أية : قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم}تفسير : ويقول القائل: مالك هو لي ولا يجوز ان يقول مالك فهو لي، لانه خبر ليس على طريق الجزاء. والقول الثاني - على حذف الجزاء، وتقديره ما يكن بكم من نعمة فمن الله. وقوله {ثم إِذا مسكم الضرّ فإِليه تجأرون} معناه متى ما لحقكم ضر وبلاء، وألم، وسوء حال، تضرعون اليه تعالى بالدعاء، وهو قول مجاهد. وأصل ذلك من جؤار الثور، يقال: جأر الثور يجأر جؤاراً إِذا رفع صوته، من جوع او غيره قال الاعشى: شعر : وما أيْبليٌّ على هيكل بناه وصلَّب فيه وصارا يراوح من صلوات المليـــ ـــك طوراً سجوداً وطوراً جؤارا تفسير : وقال عدي بن زيد: شعر : انني والله فاقبل حلفتي بابيل كلما صلّى جأر تفسير : وقوله {ثم إِذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} اخبار منه تعالى انه اذا كشف ضرّ من يجأر اليه ويخضع له، ويرفع البلاء عنه، يصير - طائفة من الناس - يشركون بربهم في العبادة جهلا منهم بربهم، ومقابلة للنعمة التي هي كشف الضر بمعصية الشرك. وهذا غاية الجهل. وقوله {ليكفروا بما آتيناهم} اي ليكفروا بآيات إِنعمِنا عليهم، ورزقنا إِياهم، فمعنى اللام في {ليكفروا} هو البيان عما هو بمنزلة العلة التي يقع لاجلها الفعل، لانهم بمنزلة من اشركوا في العبادة ليكفروا بما أوتوا من النعمة، كأنه لا غرض لهم في شركهم إِلا هذا، مع ان شركهم في العبادة يوجب كفر النعمة بتضييع حقها، فالواجب في هذا ترك الكفر الى الشكر لله تعالى. وقوله {فتمتعوا فسوف تعلمون} تهديد منه تعالى، لان المعنى تمتعوا بما فيه معصية له تعالى، فسوف تعلمون عاقبة امركم من العقاب الذي ينزل بكم، وحذف لدلالة الكلام عليه، وهو ابلغ.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} حال من الله او من فاعل تتّقون {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} تتضرّعون يعنى اغير الله تتّقون والحال انّ النّعمة منه ولا دافع للمضرّة الاّ هو والاتّقاء من الآله امّا للخوف من منع النّعمة او ايصال النّقمة.
اطفيش
تفسير : {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ} أى وما اتصل بكم من نعمة أو ما ثبت معكم، {فَمِنَ اللهِ} الله كصحة البدن وسعة الرزق والمال والولد والواو للحال أى كيف تتقون غيره والحال أن النعم منه لا بد من غيره ويصح العطف على وله ما فى السماوات أو على وله الدين ويصح الاستئناف وما موصولة زيدت الفاء فى خبرها وعليه فيعلق الباء يكون خاص مدلول عليه بالمقام، أى وما اتصل بكم والباء للإِلصاق أو يكون عام أى وما ثبت بكم أى معكم فالباء للمصاحبة ومن الله خبر أو شرطية وشرطها الكون الخاص المذكور آنفاً والجواب من الله مع مبتدأ مقدر أى فهو من الله وإِنما تصح الموصولية على ما قال القاضى على تضمن معنى الشرط باعتبار الأَخبار المتضمنة له الجملة الشرطية دون الحصول المختص بالجملة الخبرية فإِن استقرار النعم بهم يكون سبباً للإِخبار بأَنها من الله سبحانه وتعالى لا لحصولها منه قلت: بل تصح الموصولية بطريق آخر أيضاً هو أن المراد النعم الحاضرة عندهم وعليه فإِنما جاءت الفاء باعتبار أن ما سيحضر يعلم بالمقايسة أنه من الله عز وجل أيضاً. {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ} أصابكم أمر ضار كفقر ومرض وزوال مال أو ولد، {فَإِلَيْهِ} لا إِلى غيره {تَجْأَرُونَ} ترفعون أصواتكم بالدعاء متضرعين مستغيثين لا تجأرون إِلى الأَوثان لعلمكم أنها لا تقدر على إِذهاب الضر وقرىء تجرون بحذف الهمزة ونقل فتحتها إِلى الجيم.
الالوسي
تفسير : {وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} أي أي شيء يلابسكم ويصاحبكم من نعمة أي نعمة كانت فهي منه تعالى ـ فما ـ موصولة مبتدأ متضمنة معنى الشرط و {مِنَ ٱللَّهِ} خبرها والفاء زائدة في الخبر لذلك التضمن و (من نعمة) بيان للموصول و {بِكُمْ} صلته، وأجاز الفراء وتبعه الحوفي أن تكون {مَا} شرطية وفعل الشرط محذوف أي وما يكن بكم من نعمة الخ. واعترضه أبو حيان بأنه لا يحذف فعل الشرط إلا بعد إن خاصة في موضعين باب الاشتغال نحو {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ } تفسير : [التوبة: 6] وأن تكون إن الشرطية متلوة بلا النافية وقد دل على الشرط ما قبله كقوله:شعر : فطلقها فلست لها بكفء وإلا يعل مفرقك الحسام تفسير : وحذفه في غير ما ذكر ضرورة كقوله:شعر : قالت بنات العم يا سلمى وإن كان فقيراً معدماً قالت وإن تفسير : وقوله:شعر : أينما الريح تميلها تمل تفسير : وأجيب بأن الفراء لا يسلم هذا فما أجازه مبني على مذهبه. واستشكل أمر الشرطية على الوجهين من حيث إن الشرط لا بد أن يكون سبباً للجزاء كما تقول: إن تسلم تدخل الجنة فإن الإسلام سبب لدخول الجنة وهنا على العكس، فإن الأول وهو استقرار النعمة بالمخاطبين لا يستقيم أن يكون سبباً للثاني وهو كونها من الله من جهة كونه فرعاً عنه. وأجاب في "إيضاح المفصل" بأن الآية جيء بها لإخبار قوم استقرت بهم نعم جهلوا معطيها أو شكوا فيه أو فعلوا ما يؤدي إلى أن يكونوا شاكين فاستقرارها/ مجهولة أو مشكوكة سبب للإخبار بكونها من الله تعالى فيتحقق أن الشرط والمشروط فيها على حسب المعروف من كون الأول سبباً والثاني مسبباً، وقد وهم من قال: إن الشرط قد يكون مسبباً. وفي "الكشف" أن الشرط والجزاء ليسا على الظاهر فإن الأول ليس سبباً للثاني بل الأمر بالعكس لكن المقصود منه تذكيرهم وتعريفهم فالاتصال سبب العلم بكونها من الله تعالى، وهذا أولى مما قدره ابن الحاجب من أنه سبب الإعلام بكونها منه لأنه في قوم استقرت بهم النعم وجهلوا معطيها أو شكوا فيه، ألا ترى إلى ما بنى عليه بعد كيف دل على أنهم عالمون بأنه سبحانه المنعم ولكن يضطرون إليه عند الإلجاء ويكفرون بعد الإنجاء انتهى. وفيه أنه يدفع ما ذكره بأن علمهم نزل لعدم الاعتداد به وفعلهم ما ينافيه منزلة الجهل فأخبروا بذلك كما تقول لمن توبخه: أما أعطيتك كذا أما وأما. {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ} مساساً يسيراً {فَإِلَيْهِ تَجْـئَرُونَ } تتضرعون في كشفه لا إلى غيره كما يفيده تقديم الجار والمجرور، والجؤار في الأصل صياح الوحش واستعمل في رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة، قال الأعشى يصف راهباً:شعر : يداوم من صلوات المليك طوراً سجوداً وطوراً جؤراً تفسير : وقرأ الزهري «تجرون» بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على الجيم، وفي ذكر المساس المنبىء عن أدنى إصابة وإيراده بالجملة الفعلية المؤذنة بالحدوث مع ثم الدالة على وقوعه بعد برهة من الدهر وتحلية {ٱلضُّرُّ} بلام الجنس المفيدة لمساس أدنى ما ينطلق عليه اسم الجنس مع إيراد النعمة بالجملة الاسمية المؤذنة بالدوام والتعبير عن ملابستها للمخاطبين بباء المصاحبة وأيراد {مَا} المعربة عن العموم على احتماليها ما لا يخفى من الجزالة والفخامة. ولعل إيراد «إذا» دون ـ إن ـ للتوسل به إلى تحقق وقوع الجواب قاله المولى أبو السعود، وفيه ما يعرف مع الجواب عنه بأدنى تأمل، وكان الظاهر على ما قيل أن يقال بعد {أية : أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ } تفسير : [النحل: 52]، وما يصيبكم ضر إلا منه ليقوي إنكار اتقاء غيره سبحانه لكن ذكر النفع الذي يفهم بواسطته الضر واقتصر عليه إشارة إلى سبق رحمته وعمومها وبملاحظة هذا المعنى قيل: يظهر ارتباط {وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} بما قبله، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما يتعلق بذلك، واستدل بالآية على أن لله تعالى نعمة على الكافر وعلى أن الإيمان مخلوق له تعالى.
ابن عاشور
تفسير : عطف خبر على خبر. وهو انتقال من الاستدلال بمصنوعات الله الكائنة في ذات الإنسان وفيما يحيط به من الموجودات إلى الاستدلال بما ساق الله من النعم، فمن الناس معرضون عن التّدبر فيها وعن شكرها وهم الكافرون، فكان في الأدلّة الماضية القصد إلى الاستدلال ابتداء متبوعاً بالامتنان. وتغيّر الأسلوب هنا فصار المقصود الأول هو الامتنان بالنّعم مُدمجاً فيه الاعتبار بالخلق. فالخطاب موجّه إلى الأمّة كلّها، ولذلك جاء عقبه قوله تعالى: {إذا فريق منكم بربّهم يشركون}. وابتدىء بالنّعم على وجه العموم إجمالاً ثم ذكرت مهمات منها. والخطاب موجّه إلى المشركين تذكيراً لهم بأن الله هو ربّهم لا غيره لأنه هو المنعم. وموقع قوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} هنا أنه لما أبطل في الآية السابقة وجود إلهين اثنين (أحدهما فعله الخير والآخر فعله الشرّ) أعقبه هنا بأن الخير والضر من تصرفات الله تعالى، وهو يعطي النّعمة وهو كاشف الضرّ. والباء للملابسة، أي ما لابسكم واستقرّ عندكم، و{من نعمة} لبيان إبهام {ما} الموصولة. و(مِن) في قوله تعالى: {فمن الله} ابتدائية، أي واصلة إليكم من الله، أي من عطاء الله، لأن النّعمة لا تصدر عن ذات الله ولكن عن صفة قدرته أو عن صفة فعله عند مثبتي صفات الأفعال. ولما كان {ما بكم من نعمة} مُفيداً للعموم كان الإخبار عنه بأنه من عند الله مغنياً عن الإتيان بصيغة قصر. و{ثمّ} في قوله تعالى: {ثم إذا مسكم الضر} للتّراخي الرتبي كما هو شأنها الغالب في عطفها الجملَ، لأن اللجأ إلى الله عند حصول الضرّ أعجب إخباراً من الإخبار بأن النّعم كلّها من الله، ومضمون الجملة المعطوفة أبعد في النظر من مضمون المعطوف عليها. والمقصود: تقرير أن الله تعالى هو مدبّر أسباب ما بهم من خير وشرّ، وأنه لا إله يخلق إلا هو، وأنهم لا يلتجئون إلا إليه إذا أصابهم ضرّ، وهو ضد النّعمة. ومسّ الضرّ: حلوله. استعير المسّ للحصول الخفيف للإشارة إلى ضيق صبر الإنسان بحيث إنه يجأر إلى الله بحصول أدنى شيء من الضرّ له. وتقدم استعمال المسّ في الإصابة الخفيفة في قوله تعالى {أية : وإن يمسسك الله بضرّ فلا كاشف له إلا هو} تفسير : في سورة الأنعام (17). و{تجأرون} تصرُخون بالتضرّع. والمصدر: الجؤار، بصيغة أسماء الأصوات. وأتبع هذه بنعمة أخرى وهي نعمة كاشف الضرّ عن الناس بقوله تعالى: {ثم إذا كشف الضر عنكم} الآية. و{ثُمّ} للترتيب الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل. وجيء بحرف {ثُمّ} لأنّ مضمون الجملة المعطوفة أبعد في النّظر من مضمون المعطوف عليها فإن الإعراض عن المنعم بكشف الضرّ وإشراك غيره به في العبادة أعجب حالاً وأبعد حُصولاً من اللجأ إليه عند الشدّة. والمقصود تسجيل كفران المشركين، وإظهار رأفة الله بالخلق بكشف الضرّ عنهم عند التجائهم إليه مع علمه بأن من أولئك من يُشرك به ويستمرّ على شركه بعد كشف الضرّ عنه. و{إذَا} الأولى مضمنة معنى الشرط، وهي ظرف. و{إذا} الثانية فجائية. والإتيان بحرف المفاجأة للدّلالة على إسراع هذا الفريق بالرجوع إلى الشرك وأنه لا يتريث إلى أن يبعد العهد بنعمة كشف الضرّ عنه بحيث يفجأون بالكفر دفعة دون أن يترّقبه منهم مترّقب، فكان الفريق المعني في قوله تعالى: {إذا فريق منكم} فريق المشركين.
د. أسعد حومد
تفسير : {تَجْأَرُونَ} (53) - وَإِلَيْهِ يَعُودُ الفَضْلُ فِيمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ وَالرِّزْقِ وَالعَافِيَةِ وَالنَّصْرِ وَالإِحْسَانِ، وَحِينَمَا يَمَسُّكُم الضُّرُّ وَالسَّقَمُ، وَيَحِلُّ بِكُمُ البَلاَءُ، تَلْجَؤُونَ إِلَيْهِ، وَتَرْفَعُونَ أَصْوَاتَكُمْ بِالدُّعَاءِ إِلَيهِ مُسْتَغِيثِينَ بِهِ، مُلِحِّينَ فِي الرَّجَاءِ، لاَ تَدْعُونَ غَيْرَهُ، وَلاَ تَلْجَؤُونَ إِلَى سِوَاهُ. تَجْأَرُونَ - تَضِجُّونَ بِالاسْتِغَاثَةِ وَالتَّضَرُّعِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أمدَّنا الله سبحانه بهذه النعم رحمة منه وفضلاً.. نِعَم تترى لا تُعَد ولا تُحْصَى، ولكن لرتابة النعمة وحلولها في وقتها يتعوّدها الإنسان، ثم يذهل عن المنعم سبحانه. ونستطيع أن نضرب لذلك مثلاً بالولد الذي تعطيه مصروفه مثلاً كل أول شهر، تجده لا يحرص على أنْ يلقاك بعد ذلك إلا كل أول شهر، إنما إذا عوَّدته أن يأخذ مصروفه كل يوم تراه في الصباح يحوم حولك، ويُظهِر لك نفسه ليُذكِّرك بالمعلوم. إذن: رتابة النعمة قد تُذهِلك عن المُنعِم، فلا تتذكره إلا حين الحاجة إليه؛ لذا يُنبِّهنا الحق تبارك وتعالى: إذا أعطيتُ لكم نعمة فإياكم أنْ تغتروا بها.. إياكم أن تُذهِلكم النعمة عن المنعم؛ لأنكم سوف تحكمون على أنفسكم أنه لا مُنعِم غيري، بدليل أنني إذا سلبْتُ النعمة منكم فلن تجدوا غيري تلجأون إليه فستقولون: ياربّ ياربّ. فأنت ستكون شاهداً على نفسك، لن تكذب عليها، فَلِمَنْ تتوجّه إذا أصابك فقر؟ ولمن تتوجَّه إذا أصابك مرض؟ لن تتوجّه إلا إلى الله تقول: يا رب. {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53]. فترة الضُّر التي تمرُّ بالإنسان هي التي تلفته إلى الله، والحاجة هي التي تُلجئه إلى المصدر الحقيقي للإمداد، فإذا كانت النعمة قد تُذهِله وتُنسِيه، فالضر يُذكِّره بربّه الذي يملك وحده كَشْف الضر عنه. ولذلك، فالناس أصحاب اليقين في الله تعالى ساعةَ أنْ يصيبهم ضُرٌّ، يقول: ذكَّرتني بك ياربّ، يأخذها على أنها نعمة.. كأنها نجدة نجدتْه مما هو فيه من غفلة.. يا ربّ أنت ذكّرتني بك.. أنا كنتُ ناسياً ذاهلاً.. كنت في غفلة. وساعةَ أنْ يعودَ ويشعر بالتقصير يرفع الله عنه البلاء؛ وذلك يُرفع القضاء عن العبد إنْ رضي به وعلم أن فيه خيراً له. ولذلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم يُنبّهنا لهذه الأحداث التي تصيبنا، فإياكم أن تستقبلوها بالجزع والفزع.. ولكن استقبلوها بالإيمان والرضا، واعلموا أن ربكم يغار عليكم، وهو بهذه الأحداث يلفتكم إليه قهراً عنكم؛ لكي تعودوا إليه وتلجأوا إليه.. لكي تقولوا يارب. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة في الحديث القدسي: "حديث : مِنْ عبادي مِنْ أحبهم فأنا أبتليهم ليقولوا يارب ... ". تفسير : ويقول تعالى في الآية الأخرى: {أية : فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ..} تفسير : [الأنعام: 43]. أي: أنه سبحانه يريد منا إذا نزل بنا بلاء وبأس أنْ نتضرّع إليه سبحانه؛ لأن الضراعة إلى الله لَفْتة وتذكير به.. والنبي صلى الله عليه وسلم يُرشِدنا إلى هذه الحقيقة، فالمصاب الحقيقي ليس مَنْ نزل به ضُرٌّ أو أصابه بلاء.. لا.. بل المصاب الحقيقي مَنْ حُرِم الثواب. إذن: نقول لمن عنده نعمة: احذر أن تُنسِيِك النعمة وتُذهلك عن المنعم، أما صاحب البلاء والضر، فسوف يردُّك هذا البلاء، ويُذكّرك هذا الضرّ بالله تعالى، ولن تجدَ غيره تلجأ إليه. فقوله تعالى: {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53]. أي: تضْرَعون بصراخ وصوت عالٍ كخُوار البقر، لا يُسِرّه أحد ولا يستحي منه أنْ يُفتضح أمره أمام مَنْ تكبّر عليهم .. ويا ليتكم حين ينتابكم مثل ذلك تعتبرون به وتتعِظُون، وتقولون في لحظة من اللحظات: سوف تلجئنا الأحداث إلى ربنا.. بل بالعكس حينما نكشف عنكم الضر سوف تعودون إلى ما كنتم عليه. ثم يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [معناه] تَرفعُونَ أَصْوَاتكُم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):