١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
60
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} أي لهؤلاء الواصفين لله البنات {مَثَلُ ٱلسَّوْءِ} أي صفة السوء من الجهل والكفر. وقيل: هو وصْفُهم الله تعالى بالصاحبة والولد. وقيل: أي العذاب والنار. {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} أي الوصف الأعلى من الإخلاص والتوحيد؛ قاله قتادة. وقيل: أي الصفة العليا بأنه خالق رازق قادر ومجازٍ. وقال ابن عباس: «مثل السوء» النار، و «المثل الأعلى» شهادة أن لا إلٰه إلا الله. وقيل: ليس كمثله شيء. وقيل: {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} كقوله: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ} تفسير : [النور: 35]. فإن قيل: كيف أضاف المثل هنا إلى نفسه وقد قال: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} فالجواب أن قوله: {أية : فلا تضربوا لله الأمثال} تفسير : [النحل: 74] أي الأمثال التي توجب الأشباه والنقائص؛ أي لا تضربوا لله مثلاً يقتضي نقصاً وتشبيهاً بالخلق. والمثل الأعلى وصفه بما لا شبيه له ولا نظير، جَلّ وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون عُلُوّاً كبيراً. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تقدّم معناه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ } أي الكفار {مَثَلُ ٱلسَّوْءِ } أي الصفة السوأى بمعنى القبيحة وهي وأْدهم البنات مع احتياجهم إليهن للنكاح {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } الصفة العليا وهو أنه لا إلٰه إلا هو {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } في ملكه {ٱلْحَكِيمُ } في خلقه.
ابن عطية
تفسير : قالت فرقة {مثل} في هذه الآية بمعنى صفة، أي لهؤلاء صفة السوء ولله الوصف الأعلى. قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يضطر إليه، لأنه خروج عن اللفظ، بل قوله {مثل} على بابه، وذلك أنهم إذا قالوا إن البنات لله فقد جعلوا له مثلاً أبا البنات من البشر، وكثرة البنات عندهم مكروه ذميم، فهو مثل السوء الذي أخبر الله تعالى أنه لهم ليس في البنات فقط، لكن لما جعلوه هم في البنات جعله هو لهم على الإطلاق في كل سوء، ولا غاية أبعد من عذاب النار، وقوله {ولله المثل الأعلى} على الإطلاق أيضاً في الكمال المستغني، وقال قتادة: {المثل الأعلى} لا إله إلا الله، وباقي الآية بين، وقوله {ولو يؤاخذ الله الناس} الآية، وآخذ هو تفاعل من أخذ، كأن أحد المتواخذين يأخذ من الآخر، إما بمعصية كما هي في حق الله تعالى، أو بإذاية في جهة المخلوقين، فيأخذ الآخر من الأول بالمعاقبة والجزاء، وهي لغتان واخذ وآخذ، و {يؤاخذ} يصح أن يكون من آخذ، وأما كونها من واخذ فبين، والضمير في {عليها} عائد على الأرض، وتمكن ذلك مع أنه لم يجر لها ذكر لشهرتها، وتمكن الإشارة لها كما قال لبيد في الشمس: شعر : حتى إذا ألقت يداً في كافر وأجنَّ عورات البلاد ظلامُها تفسير : ومنه قول تعالى {أية : حتى توارت بالحجاب} تفسير : [ص: 32] ولم يجر للشمس ذكر، وقوله {من دابة} دخلت {من} لاستغراق الجنس، وظاهر الآية أن الله تعالى أخبر أنه لو أخذ الناس بعقاب يستحقونه بظلمهم في كفرهم ومعاصيهم لكان ذلك العقاب يهلك منه جميع ما يدب على الأرض من حيوان فكأنه بالقحوط أو بأمر يصيبهم من الله تعالى، وعلى هذا التأويل قال بعض العلماء: كاد الجُعَل أن يهلك بذنوب بني آدم، ذكره الطبري، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن الله تعالى ليهزل الحوت في الماء والطير في الهواء بذنوب العصاة" تفسير : ، وسمع أبو هريرة رجلاً يقول: إن الظالم لا يهلك إلا نفسه، فقال أبو هريرة: بلى إن الله ليهلك الحبارى في وكرها هزلاً بذنوب الظلمة، وقد نطقت الشريعة في أخبارها بأن الله تعالى أهلك الأمم بريها وعاصيها بذنوب العصاة منهم، وقالت فرقة: قوله: {من دابة}، يريد من أولئك الظلمة فقط، ويدل على هذا التخصيص، أن الله لا يعاقب أحداً بذنب أحد، واحتجب بقول الله تعالى {أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى} تفسير : [الأنعام: 164] وهذا معنى آخر، وذلك أن الله تعالى لا يجعل العقوبة تقصد أحداً بسبب إِذْنَاب غيره، ولكن إذا أرسل عذاباً على أمة عاصية، لم يمكن البري التخليص من ذلك العذاب، فأصابه العذاب لا بأنه له مجازاة، ونحو هذا قوله {أية : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} تفسير : [الأنفال: 25] وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال "حديث : نعم إذا كثر الخبث" تفسير : ، ثم لا بد من تعلق ظلم ما بالأبرياء، وذلك بترك التغير ومداهنة أهل الظلم ومداومة جوارهم، و"الأجل المسمى" في هذه الآية هو بحسب شخص شخص، وفي معنى الآية مع أمائرها اختصار وإيجاز، وقوله {ما يكرهون} يريد البنات، و {ما} في هذا الموضع تقع لمن يعقل من حيث هو صنف وقرأ الحسن "ألسنتهم الكذب" بسكون النون كراهية توالي الحركات، وقرأ الجمهور "الكذِب" بكسر الذال، فـ {أن} بدل منه، وقرأ معاذ بن جبل وبعض أهل الشام "الكُذُب" بضم الكاف والذال والباء على صفة الألسنة، و {أن لهم} مفعول بـ {تصف} ، و {الحسنى} قال مجاهد وقتادة: الذكور من الأولاد، وهو الأسبق من معنى الآية، وقالت فرقة يريد الجنة. قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا قوله {لا جرم أن لهم النار} ومعنى الآية على هذا التأويل يجعلون لله المكروه ويدعون مع ذلك أنهم يدخلون الجنة، كما تقول لرجل أنت تعصي الله، وتقول مع ذلك أنت تنجو، أي هذا بعيد مع هذا، ثم حكم عليهم بعد ذلك بالنار، وقد تقدم القول في {لا جرم}، وقرأ الجمهور "أن لهم" بفتح الهمزة، وإعرابها بحسب تقدير {جرم} ، فمن قدرها بكسب فعلهم فهو نصب، ومن قدرها بوجب فهو رفع، وقرأ الحسن وعيسى ابن عمران "إن لهم" بكسر الهمزة وقرأ السبعة سوى نافع "مفرَطون" بفتح الراء وخفتها، ومعناه مقدمون إلى النار والعذاب، وهي قراءة الحسن والأعرج وأصحاب ابن عباس، وقد رويت عن نافع، وهو مأخوذ من فرط الماء وهم القوم الذين يتقدمون إلى المياه لإصلاح الدلاء والأرشية، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أنا فرطكم على الحوض" تفسير : ومنه قول القطامي: شعر : واستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تعجل فرّاطٌ لورّاد تفسير : وقالت فرقة: {مفرطون} معناه مخلفون متركون في النار منسيون فيها، قاله سعيد بن جبير ومجاهد وابن أبي هند، وقال آخرون {مفرطون} معناه مبعدون في النار، وهذا قريب من الذي قبله، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع "مُفَرِّطون" بكسر الراء وتشديدها وفتح الفاء، ومعناه مقصرون في طاعة الله تعالى، وقد روي عنه فتح الراء مع شدها، وقرأ نافع وحده "مُفرِطون" بكسر الراء وخفتها، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وأبي رجاء وشيبة بن نصاح وأكثر أهل المدينة، أي يتجاوزون الحد في معاصي الله عز وجل.
النسفي
تفسير : {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ} صفة السوء وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث، ووأدهن خشية الإملاق {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } وهو الغني عن العالمين والنزاهة عن صفات المخلوقين {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } الغالب في تنفيذ ما أراد {ٱلْحَكِيمُ } في إمهال العباد {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ } بكفرهم ومعاصيهم {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا } على الأرض {مِن دَآبَّةٍ} قط ولأهلكها كلها بشؤم ظلم الظالمين. عن أبي هريرة رضي الله عنه: إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما. {من دابة} من مشرك يدب {وَلٰكِن يُؤَخِرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ } أي أجل كل أحد أو وقت تقتضيه الحكمة أو القيامة {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ } ما يكرهونه لأنفسهم من البنات ومن شركاء في رياستهم ومن الاستخفاف برسلهم، ويجعلون له أرذل أموالهم ولأصنامهم أكرمها {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ } مع ذلك أي ويقولون الكذب {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ } عند الله وهي الجنة إن كان البعث حقاً كقوله {أية : وَلَئِن رُّجّعْتُ إِلَىٰ رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ }تفسير : [فصلت: 50] و{أن لهم الحسنى} بدل من {الكذب} {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ } {مفرِطون} نافع {مفرِّطون} أبو جعفر. فالمفتوح بمعنى مقدمون إلى النار معجلون إليها من أفرطت فلاناً وفرطته في طلب الماء إذا قدمته، أو منسيون متروكون من أفرطت فلاناً خلفي إذا خلفته ونسيته. والمكسور المخفف من الإفراط في المعاصي، والمشدد من التفريط في الطاعات أي التقصير فيها.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ}: قالت فرقة: {مَثَلُ }، في هذه الآية: بمعنى صفة، أي: لهؤلاء صفَةُ السَّوْء وللَّه المَثَلُ الأعلى. قال * ع *: وهذا لا يضطر إِليه؛ لأنه خروجٌ عن اللَّفْظِ، بل قوله: {مَثَلُ } على بابه، فلهم على الإِطلاقِ مَثَلُ السوء في كلِّ سوء، ولا غاية أخزى من عذابِ النارِ، وللَّه سبحانه {الْمَثَلُ الأَعْلَىٰ} على الإِطلاق أيضاً، أي: الكمال المستغْنِي. وقوله سبحانه: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ }: الضميرُ في «عليها» عائدٌ على الأرض، وتَمَكَّنَ ذلك مع أنه لم يَجْرِ لها ذكر؛ لشهرتها وتمكُّن الإِشارة إِليها، وسمع أبو هريرة رجُلاً يقول: «إِنَّ الظَّالِمَ لاَ يُهْلِكُ إِلاَّ نَفْسَهُ» فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: بَلَى، إِنَّ اللَّهَ لَيُهْلِكُ الحُبَارَى في وَكْرِهَا هزلاً بِذُنُوب الظَّلَمَةِ. «والأجَلُ المسمَّى»؛ في هذه الآية: هو بحسبِ شَخْصٍ شخصٍ. وقوله: {مَا يَكْرَهُونَ } يريد البنات. وقوله سبحانه: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ }: قال مجاهد وقتادة {ٱلْحُسْنَىٰ}: الذُّكُور من الأولاد، وقالت فرقةٌ: يريد الجنة. قال * ع *: ويؤيِّده قوله: {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ}، وقرأ السبعة سوَى نافعٍ: «مُفْرَطُونَ» - بفتح الراءِ وخِفَّتِها - أي: مُقَدَّمون إِلى النار، وقرأَ نافع: «مُفْرِطُونَ» - بكسر الراء المخفَّفة ـــ، أي: متجاوِزُونَ الحدَّ في معاصِي اللَّه.
ابو السعود
تفسير : {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ} ممن ذكرت قبائحُهم {مَثَلُ ٱلسَّوْء} صفةُ السَّوْء الذي هو كالمثَل في القبح وهي الحاجةُ إلى الولد ليقوم مقامَه عند موتهم، وإيثارُ الذكور للاستظهار بهم ووأدُ البنات لدفع العار، وخشيةُ الإملاق المنادي كلَّ ذلك بالعجز والقصورِ والشحِّ البالغ، ووضعُ الموصول موضعَ الضمير للإشعار بأن مدارَ اتصافِهم بتلك القبائح هو الكفرُ بالآخرة {وَللَّهِ} سبحانه وتعالى {ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} أي الصفةُ العجيبةُ الشأنِ التي هي مثلٌ في العلو مطلقاً، وهو الوجوبُ الذاتيُّ والغِنى المطلقُ والجودُ الواسعُ والنزاهةُ عن صفات المخلوقين، ويدخل فيه علوُّه تعالى عما قالوه علواً كبـيراً {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} المنفردُ بكمال القدرة لا سيما على مؤاخذتهم بذنوبهم {ٱلْحَكِيمُ} الذي يفعل كلَّ ما يفعل بمقتضى الحكمةِ البالغةِ وهذا أيضاً من جملة صفاتِه العجيبة تعالى. {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ} الكفارَ {بِظُلْمِهِمْ} بكفرهم ومعاصيهم التي من جملتها ما عُدّد من قبائحهم، وهذا تصريحٌ بما أفاده قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} وإيذانٌ بأن ما أتَوْه من القبائح قد تناهىٰ إلى أمد لا غايةَ وراءَه {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا} على الأرض المدلولِ عليها بالناس وبقوله تعالى: {مِن دَابَّةٍ} أي ما ترك عليها شيئاً من دابة قطُّ بل أهلكها بالمرة بشؤم ظلمِ الظالمين كقوله تعالى: { أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً} تفسير : [الأنفال: 25] وعن أبـي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضُرُّ إلا نفسَه فقال: «بلى والله حتى إن الحُبارَى لتموت في وَكرها بظلم الظالم». وعن ابن مسعود رضي الله عنه: «كاد الجُعَلُ يهلِك في جُحره بذنب ابن آدمَ أو من دابة ظالمة» وقيل: لو أَهْلك الآباءَ لم يكن الأبناءُ، فيلزم أن لا يكون في الأرض دابةٌ لِما أنها مخلوقةٌ لمنافعِ البشر لقوله سبحانه: { أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [البقرة، الآية 29] {وَلَـٰكِنِ} لا يؤاخذهم بذلك بل {يُؤَخِرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ} لأعمارهم أو لعذابهم كي يتوالدوا ويكثُرَ عذابُهم {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ} المسمّى {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ} عن ذلك الأجلِ أي لا يتأخرون، وصيغةُ الاستفعال للإشعار بعجزهم عنه مع طلبهم له {سَاعَة} فذّةً، وهي مثَلٌ في قلة المدة {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} أي لا يتقدمون، وإنما تعرض لذكره مع أنه لا يتصور الاستقدامُ عند مجيء الأجلِ مبالغةً في بـيان عدمِ الاستئخارِ بنظمه في سلك ما يمتنع، كما في قوله تعالى: { أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} تفسير : [النساء: 18] فإن من مات كافراً ـ مع أنه لا توبةَ له رأساً ـ قد نُظم في سِمْطِ من لم تُقبل توبته للإيذان بأنهما سيان في ذلك وقد مر في تفسير سورة يونس. {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ} أي يُثْبتون له سبحانه وينسُبون إليه في زعمهم {مَا يَكْرَهُونَ} لأنفسهم مما ذكر، وهو تكريرٌ لما سبق، تثنيةً للتقريع وتوطئةً لقوله تعالى: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ} أي يجعلون له تعالى ما يجعلون ومع ذلك تصف ألسنتهم الكذب وهو {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ} العاقبةَ الحسنى عند الله تعالى كقوله: {أية : وَلَئِن رُّجّعْتُ إِلَىٰ رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} تفسير : [فصلت، الآية 50] وقرىء الكُذُبُ وهو جمع الكَذوب على أنه صفةُ الألسنة {لاَ جَرَمَ} رد لكلامهم ذلك وإثباتٌ لنقيضه أي حقاً {أَنَّ لَهُمْ} مكان ما أمّلوا من الحسنى {ٱلنَّار} التي ليس وراءَ عذابها عذابٌ وهي عَلَمٌ في السُّوآى {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} أي مقدَّمون إليها من أفرطتُه أي قدّمتُه في طلب الماء، وقيل: مَنْسيّون من أفرطتُ فلاناً خلفي إذا خلّفتُه ونسِيتُه، وقرىء بالتشديد وفتح الراء من فرَّطتُه في طلب الماء، وبكسر الراء المشددة من التفريط في الطاعات، وبكسر المخففة من الإفراط في المعاصي فلا يكونانِ حينئذ من أحوالهم الأخروية كما عطف عليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {للذين لا يؤمنون بالآخرة} ممن ذكرت قبائحهم {مثل السوء} صفة السوء الذى هو كالمثل فى القبح وهى الحاجة الى الولد ليقوم مقامهم عند موتهم وايثار الذكور للاستظهار بهم ووأد البنات لدفع العار وخشية الاملاق مع احتياجهم اليهن طلب النكاح المنادى كل ذلك بالعجز والقصور والشح البالغ المنفور {ولله المثل الاعلى} اى الصفة العجيبة الشأن التى هى مثل فى العلو مطلقا وهو الوجوب الذاتى والغنى المطلق والوجود الواسع والنزاهة عن صفات المخلوقين {وهو العزيز} المتفرد بكمال القدرة لا سيما على مؤاخذتهم {الحكيم} الذى يفعل كل ما يفعل بمقتضى الحكمة البالغة ومن حكمته ان خلق الذكور والاناث. فعلى العاقل ان يستسلم لامر الله تعالى وينقاد لحكمه فان كل ظهور انما هو منه تعالى وبارادته والله تعالى اذا اراد شيئًا فليس للعبد أن يريد خلافه فانه لا يكون ابدا: قال الحافظ شعر : بدرد وصاف ترانيست حكم دم دركش كه هرجه ساقئ ما كرد عين الطافست تفسير : وفى الشرعة ويزداد فرحا بالبنات مخالفة لاهل الجاهلية وفى الحديث "حديث : من بركة المرأة تبكيرها بالبنات"تفسير : اى يكون اول ولدها بنتا ألم تسمع قوله تعالى {أية : يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور} تفسير : حين بدأ بالاناث وفى الحديث "حديث : من ابتلى من هذه البنات بشئ فاحسن اليهن كن له سترا من النار"تفسير : والابتلاء هو الامتحان لكن اكثر استعمال الابتلاء فى المحن والبنات قد تعد منها لان غالب هوى الخلق فى الذكور. وفسر بعض شراح المصابيح الاحسان اليهن بالتزويج بالاكفاء لكن الاوجه ان يعمم قال بعض الفقهاء لا يزوج بنته معتزليا فان اختلاف الاعتقاد بين السنى والبدعى كاختلاف الدين وشأن التقوى الاحتراز عن صحبة غير المجالس ومصاهرته شعر : آن يكى را صحبت اخيار يار لا جرم شد بهلوى فجار جار تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : سألت الله ان يرزقنى ولدا بلا مؤونة فرزقنى البنات"تفسير : وقال "حديث : لا تكرهوا البنات فانى ابو البنات " تفسير : ومن لطائف الروضة سأل الحجاج بعض جلسائه عن ارق الصوت عندهم فقال احدهم ما سمعت صوتا ارق من صوت قارئ حسن الصوت يقرأ كتاب الله فى جوف الليل قال ذلك الحسن وقال آخر ما سمعت صوتا اعجب من ان اترك امرأتى ما خضا واتوجه الى المسجد بكيرا فيأتينى آت فيبشرنى بغلام فقال واحسناه فقال سعبة بن علمة التميمى لا والله ما سمعت قط اعجب الى من ان اكون جائعا فاسمع خفخفة الخوان فقال الحجاج ابيتم يا بنى تميم الا الزاد. شعر : ايها المحبوس فى رهن الطعام سوف تنجو ان تحملت الفطام جون ملك تسبيح حق راكن غذا تا رهى همجون ملائك از اذى
الجنابذي
تفسير : {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} يعنى ان كانوا يريدون بجعل الملائكة بنات تمثيلاً لحال الملائكة فى غاية قربهم من الله وكرامتهم عليه لا التّوالد الحقيقىّ فليتمثّلوا بالمثل الاعلى له ولا يمثّلوا بمثل السّوء له ويبقوا المثل الاعلى لانفسهم، او لله المثل الاعلى فليمثّلوا بالامثال اللاّئقة بعلوّه ممّا يدلّ على التّنزّه عن التّوالد {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب الّذى لا يتطرّق شبه الحاجة اليه ولا يمثّل له بما يوهم الحاجة {ٱلْحَكِيمُ} الّذى لا يقول الاّ عن علمٍ بكنه كلّ شيءٍ.
الهواري
تفسير : ثم قال: { لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى} أي: إنه (أية : لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ) تفسير : [الإسراء:111] {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}. قال بعضهم: في قوله: {وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى} قال: الإِخلاص والتوحيد. قوله: { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ} أي: لحبس المطر فأهلك حيوان الأرض. {وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ} أي: يؤخر المشركين والمنافقين { إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: إلى الساعة لأن آخر كفار هذه الأمة أخر عذابها بالاستئصال إلى النفخة الأولى. { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} أي: بعذاب الله { لاَ يَسْتَئْخِرُونَ} أي: عن العذاب { سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}. قوله: { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} أي: يجعلون لله البنات ويكرهونها لأنفسهم { وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ} أي: يتكلمون به ويعلنون به { أَنَّ لَهُمُ الحُسْنَى} أي: الغلمان. وفي تفسير الحسن: {أَن لهم الجنة}، إن كانت جنة؛ كقول الكافر: (أية : وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى) تفسير : [فصلت:50] أي: إن رجعت، وكانت ثمّ جنة. قال الله: {لاَ جَرَمَ} وهي كلمة وعيد { أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ}. أي: معجّلون إلى النار. وبعضهم يقرأها {مفرَطون} أي: منسيون فيها مضيَّعون وبعضهم يقرأها {مفرِّطون} يعني أنهم مفرِّطون؛ كقوله تعالى: (أية : يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا)تفسير : [الأنعام:31].
اطفيش
تفسير : {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ} أى صفة السوء وهى الاحتياج إِلى الأَولاد الذكور استعانة بهم وكراهة الإِناث وقتلهن بالدس لما مر مع احتياجهم لنكاحهن وخوف الفقر والإِقرار بالشح البالغ واتخاذ الصاحبة {وَللهِ المَثَلُ الأَعْلَى} الصفة العليا وهى الغناء التام المطلق عما عداه والقدرة التامة والوجوب الذاتى والوجود الدائم والوحدانية والجلال والنزاهة عن كل نقص وقال بعضهم إِن المثل على ظاهره وإِن المعنى لهم مثل السوء فى كل سوء ولا غاية أُخرى من عذاب النار ولله تعالى المثل الأَعلى فى كل خبر أى الكمال المستغنى، وعن ابن عباس مثل السوء النار والمثل الأَعلى شهادة أن لا إِله إِلا الله وعن بعض أنه الإِخلاص والتوحيد {وَهُوَ الْعَزِيزُ} المنفرد بكمال القدرة الممتنع فى كبريائه وجلاله الغالب فى كل ما يريد {الْحَكِيمُ} المنفرد بكمال الحكمة فى قوله وفعله ولا رائحة حكمة فى قتلهم البنات.
اطفيش
تفسير : {لِلذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السُّوْءِ} صفة السوء كالعجز والبخل والفقر المؤديات إِلى دفن البنات، ومنها دفن البنات مع احتياجهم إليهن فى النكاح، وتربية الأولاد، والقيام بأمر البيت، ومنها الاحتياج إِلى الولد الذكر استظهارا به، والله لا يحتاج، ومنها الموت، والله لا يموت، وما يلد يموت. {وَللهِ الْمَثَلُ} الوصف {الأَعْلَى}، وهو الوجود الذى لا يقدمه عدم، ولا يعقبه، والغنى المطلق عن كل شئ، كالولد الذكر، والجود الفائق، والندرة التامة، والنزاهة عن صفات الخلود، والاختصاص بالألوهية، ولا إِله إِلا الله، وليس كمثله شئ {وَهُوَ الْعَزِيزُ} فى ملكه المنفرد بكمال القدرة لا يرد عما أراد {الحَكِيمُ} فى قوله وفعله، المنفرد بكمال الحكمة.
الالوسي
تفسير : {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} ممن ذكرت قبائحهم {مَثَلُ ٱلسَّوْء} صفة السوء التي هي كالمثل في القبح وهي الحاجة إلى الولد ليقوم مقامهم بعد موتهم ويبقى به ذكرهم، وإيثار الذكور للاستظهار، ووأد البنات لدفع العار أو خشية الإملاق على حسب اختلاف أغراض الوائدين المنادي كل واحد من ذلك بالعجز والقصور والشح البالغ. وعن ابن عباس {مَثَلُ ٱلسَّوْء} النار، وأظنه لا يصح عنه رضي الله تعالى عنه، ومنع ابن عطية حمل المثل على الصفة وقال: إنه لا يضطر إليه لأنه خروج عن اللفظ بل هو على بابه، وذلك أنهم إذا قالوا: إن البنات لله سبحانه فقد جعلوا لله عز وجل مثلاً فإن البنات من البشر وكثرة البنات أمر مكروه عندهم ذميم فهو المثل السوء الذي أخبر الله تعالى بأنه لهم، وليس في البنات فقط بل لما جعلوا له تعالى البنات جعله هو سبحانه لهم على الإطلاق في كل سوء ولا غاية أبعد من عذاب النار اهـ، وهو أشبه شيء عندي بالرطانة كما لا يخفى؛ ووضع الموصول موضع الضمير للإشعار بأن مدار اتصافهم بتلك القبائح هو الكفر بالآخرة. {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} أي الصفة العجيبة الشأن التي هي مثل في العلو مطلقاً وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق والجود الواسع والنزاهة عن صفات المخلوقين ويدخل فيه علوه تعالى عما يقول علواً كبيراً. وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أن المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله وهو رواية عن ابن عباس. والذي أخرجه عنه البيهقي في "الأسماء والصفات" وغيره هو {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } المنفرد بكمال القدرة على كل شيء ومن ذلك مؤاخذتهم بقبائحهم، وقيل: هو الذي لا يوجد له نظير {ٱلْحَكِيمُ} الذي يفعل كل ما يفعل بمقتضى الحكمة البالغة.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة معترضة جواباً عن مقالتهم التي تضمّنها قوله تعالى: {أية : وإذا بشر أحدهم بالأنثى} تفسير : [سورة النحل: 58] فإن لها ارتباطاً بجملة {أية : ويجعلون لله البنات سبحانه} تفسير : [سورة النحل: 57] كما تقدّم، فهي بمنزلة، جملة سبحانه، غير أن جملة سبحانه جواب بتنزيه الله عمّا نسبوه إليه، وهذه جواب بتحقيرهم على ما يعاملون به البنات مع نسبتهم إلى الله هذا الصّنف المحقرّ عندهم. وقد جرى الجواب على استعمال العرب عندما يسمعون كلاماً مكروهاً أو منكراً أن يقولوا للنّاطق به: بِفيك الحَجَر، وبفيك الكَثْكَث، ويقولون: تربت يداك، وتربت يمينك، واخسأ. وكذلك جاء قوله تعالى {للذين لا يؤمنون بالأخرة مثل السوء} شتماً لهم. والمَثَل: الحال العجيبة في الحسن والقبح، وإضافته إلى السوء للبيان. وعُرّفوا بــــ «الذين لا يؤمنون بالآخرة» لأنهم اشتهروا بهذه الصّلة بين المسلمين، كقوله تعالى: {أية : فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون} تفسير : [سورة النحل: 22]، وقوله: {أية : بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} تفسير : [سورة سبأ: 8]. وجملة {ولله المثل الأعلى} عطفت على جملة {للذين لا يؤمنون بالأخرة مثل السوء} لأن بها تكملة إفساد قولهم وذمّ رأيهم، إذ نسبوا إلى الله الولد وهو من لوازم الاحتياج والعجز. ولمّا نسبوا إليه ذلك خصّوه بأخسّ الصنفين عندهم، كما قال تعالى: {أية : ويجعلون لله ما يكرهون} تفسير : [سورة النحل: 62]، وإن لم يكن كذلك في الواقع ولكن هذا جرى على اعتقادهم ومؤاخذة لهم برأيهم. و{الأعلى} تفضيل، وحذف المفضّل عليه لقصد العموم، أي أعلى من كل مثل في العلوّ بقرينة المقام. والسّوْء: ــــ بفتح السين ــــ مصدر ساءه، إذا عمل معه ما يكره. والسّوء ــــ بضم السّين ــــ الاسم، تقدم في قوله تعالى: {أية : يسومونكم سوء العذاب} تفسير : في سورة البقرة (49). والمثل تقدم تفصيل معانيه عند قوله تعالى: {أية : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} تفسير : في سورة البقرة (17). و{العزيز الحكيم} تقدم عند قوله تعالى: {أية : فاعلموا أن الله عزيز حكيم} تفسير : في سورة البقرة (209).
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلآخِرَةِ} (60) - لِلْكَافِرِينَ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ، وَلاَ يُصَدِّقُونَ بِوُجُودِ حَشْرٍ وَلاَ نَشْرٍ وَلاَ حِسَابٍ، صِفَةُ السُّوءِ وَالنَّقْصِ، التِي تحَمِلُهُمْ عَلَى تَفْضِيلِ الذُّكُورِ مِنْ أَبْنَائِهِمْ عَلَى الإِنَاثِ، لِبَقَاءِ ذِكْرِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَللاسْتِظْهَارِ وَالاسْتِنْصَارِ بِهِمْ، وَصِفَةِ النَّقْصِ هذِهِ هِيَ التِي تَدْفَعُهُمْ إِلى وَأْدِ البَنَاتِ، وَالتَّخَلُّصِ مِنْهُنَّ خَشْيَةَ العَارِ أَوِ الفَقْرِ. وَللهِ تَعَالَى الصِّفَةُ العُلْيَا، التِي لاَ يَعْتَرِيهَا نَقْصٌ، لأَِنَّهُ تَعَالَى الوَاحِدُ الأَحَدُ، المُنَزَّةُ عَنْ حَاجَتِهِ لِلوَلَدِ، وَلَهُ صِفَاتُ الكَمَالِ وَالجَلاَلِ، وَالقُدْرَةِ وَالعِلْمِ وَالإِرَادَةِ، لاَ إلَهَ إِلاَّ هُوَ، وَهُوَ العَزِيزُ المَنِيعُ، تَكَبُّراً وَجَلاَلاً، لاَ يَغْلِبُهُ غَالِبٌ، وَهُوَ الحَكِيمُ الذِي لاَ يَفْعَلُ إِلاَّ مَا تقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البَالِغَةُ. مَثَلُ السَّوْءِ - صِفَتُهُ القَبِيْحَةُ مِنَ الجَهْلِ وَالكُفْرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ..} [النحل: 60]. صفة السوء أي: الصفات السيئة الخسيسة من الكفر والجحود والنكْران، ومن عَمى البصيرة، وغيرها من صفات السوء. لماذا كان للذين لا يؤمنون بالآخرة مثَلُ السوء؟ لأن المعادلة التي أَجْرَوْها معادلة خاطئة؛ لأن الذي لا يؤمن بالآخرة قصّر عمره .. فعُمْر الدنيا بالنسبة له قصير، وقد قلنا: إياك أن تقيسَ الدنيا بعمرها .. ولكن قِسْ الدنيا بعمرك أنت، فعمر الدنيا مدة بقائِكَ أنت فيها .. إنما هي باقية من بعدك لغيرك، وليس لك أنت فيها نصيب بعد انقضاء عمرك. إذن: عمر الدنيا عمرك أنت فيها .. عمرك: شهر، سنة، عشر سنوات، مائة .. هذا هو عمر الدنيا الحقيقي بالنسبة لك أنت. ومع ذلك، فعمر الدنيا مهما طال مُنْتَهٍ إلى زوال، فَمنْ لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالآخرة قد اختار الخاسرة؛ لأنه لا يضمن أن يعيش في الدنيا حتى متوسط الأعمار .. وهَبْ أنك عِشْتَ في الدنيا إلى متوسط الأعمار، بل إلى أرذل العمر .. وهَبْ أنك استمتعتَ في دنياك بكل أنواع المعاصي، ماذا ستكون النهاية؟ أنْ تفوتَ هذا كله إلى الموت. قارن - إذن - حال هذا بمَنْ آمن بالله وآمن بالآخرة .. نقول لمَنْ لا يؤمن بالآخرة: دنياك مظنونة، يمكن أن تعيش فيها، أو يعاجلك الموت .. حتى مَنْ عاش إلى متوسط الأعمار، فالنهاية إلى زوال. وما نِلْتَ من مُتَع في دنياك أخذتها على قَدْر إمكاناتك أنت. إذن: أنت أخذت صفقة محدودة غير مُتيقّنة، وتركتَ صفقة غير محدودة ومُتيقّنة .. أليستْ هذه الصفقة خاسرة؟ أما مَنْ آمن بالآخرة فقد ربحتَ صفقته، حيث اختار حياة ممتدة يجد المتعة فيها على قَدْر إمكانات المنعِم سبحانه وتعالى. إذن: {مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ..} [النحل: 60]. أي: الصفة شديدة السوء، ذلك لأنهم خاسرون لا محالة. وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ ..} [النحل: 60]. لله الصفة العليا، وكأن الآية تقول لك: اترك صفة السوء، وخُذ الصفة الأعلى التي تجد المتعة فيها على قَدْر إمكانات الحق سبحانه وتعالى. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [النحل: 60]. العزيز أي: الذي لا يُغلَب على أمره، فإذا قيل: قد يوجد مَنْ لا يُغلب على أمره .. نعم؛ لكنه سبحانه عزيز حكيم يستعمل القهر والغلبة بحكمة. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 1492- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ}: [الآية: 60]، قال: شهادة أن لا إلَه إلا الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):