Verse. 1962 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللہُ النَّاسَ بِظُلْمِہِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْہَا مِنْ دَاۗبَّۃٍ وَّلٰكِنْ يُّؤَخِّرُہُمْ اِلٰۗى اَجَلٍ مُّسَمًّى۝۰ۚ فَاِذَا جَاۗءَ اَجَلُہُمْ لَا يَسْـتَاْخِرُوْنَ سَاعَۃً وَّلَا يَسْتَقْدِمُوْنَ۝۶۱
Walaw yuakhithu Allahu alnnasa bithulmihim ma taraka AAalayha min dabbatin walakin yuakhkhiruhum ila ajalin musamman faitha jaa ajaluhum la yastakhiroona saAAatan wala yastaqdimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم» بالمعاصي «ما ترك عليها» أي الأرض «من دابة» نسمة تدب عليها «ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون» عنه «ساعة ولا يستقدمون» عليه.

61

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وقبيح قولهم، بين أنه يمهل هؤلاء الكفار ولا يعاجلهم بالعقوبة، إظهاراً للفضل والرحمة والكرم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بقوله تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة} من وجهين: الأول: أنه قال: {ولا يؤاخذ الله الناس بظلمهم} فأضاف الظلم إلى كل الناس، ولا شك أن الظلم من المعاصي، فهذا يقتضي كون كل إنسان آتياً بالذنب والمعصية، والأنبياء عليهم السلام من الناس، فوجب كونهم آتين بالذنب والمعصية. والثاني: أنه تعالى قال: ما ترك على ظهرها من دابة وهذا يقتضي أن كل من كان على ظهر الأرض فهو آت بالظلم والذنب، حتى يلزم من إفناء كل ما كان ظالماً إفناء كل الناس. أما إذا قلنا: الأنبياء عليهم السلام لم يصدر عنهم ظلم فلا يجب إفناؤهم، وحينئذ لا يلزم من إفناء كل الظالمين إفناء كل الناس، وأن لا يبقى على ظهر الأرض دابة، ولما لزم علمنا أن كل البشر ظالمون سواء كانوا من الأنبياء أو لم يكونوا كذلك. والجواب: ثبت بالدليل أن كل الناس ليسوا ظالمين لأنه تعالى قال: {أية : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} تفسير : [فاطر: 32] أي فمن العباد من هو ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق، ولو كان المقتصد والسابق ظالماً لفسد ذلك التقسيم، فعلمنا أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز أن يقال كل الخلق ظالمون. وإذا ثبت هذا فنقول: الناس المذكورون في قوله: {ولو يؤاخذ الله الناس} إما كل العصاة المستحقين للعقاب أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين ومن الذين أثبتوا لله البنات. وعلى هذا التقدير فيسقط الاستدلال. والله أعلم. المسألة الثانية: من الناس من احتج بهذه الآية على أن الأصل من المضار الحرمة، فقال: لو كان الضرر مشروعاً لكان إما أن يكون مشروعاً على وجه يكون جزاء على جرم صادر منهم أو لا على هذا الوجه، والقسمان باطلان، فوجب أن لا يكون مشروعاً أصلاً. أما بيان فساد القسم الأول، فلقوله تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة} والاستدلال به نم وجهين: الأول: أن كلمة "لو" وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره. فقوله: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة} يقتضي أنه تعالى ما أخذهم بظلمهم وأنه ترك على ظهرها من دابة. والثاني: أنه لما دلت الآية على أن لازمة أخذ الله الناس بظلمهم هو أن لا يترك على ظهرها دابة، ثم إنا نشاهد أنه تعالى ترك على ظهرها دواب كثيرين، فوجب القطع بأنه تعالى لا يؤاخذ الناس بظلمهم، فثبت بهذا أنه لا يجوز أن تكون المضار مشروعة على وجه تقع أجزية عن الجرائم. وأما القسم الثاني: وهو أن يكون مشروعاً ابتداء لا على وجه يقع أجزية عن جرم سابق، فهذا باطل بالإجماع، فثبت أن مقتضى هذه الآية تحريم المضار مطلقاً، ويتأكد هذا أيضاً بآيات أخرى كقوله تعالى: {أية : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} تفسير : [الأعراف: 56] وكقوله: {أية : وما جعل عليكم في الدين من حرج} تفسير : [لحج: 78] وكقوله: {أية : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} تفسير : [البقرة: 185] وكقوله عليه السلام: "حديث : لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" تفسير : وكقوله: "حديث : ملعون من ضر مسلماً" تفسير : فثبت بمجموع هذه الآيات والأخبار أن الأصل في المضار الحرمة، فنقول: إذا وقعت حادثة مشتملة على الضرر من كل الوجوه، فإن وجدنا نصاً خاصاً يدل على كونه مشروعاً قضينا به تقديماً للخاص على العام، وإلا قضينا عليه بالحرمة بناء على هذا الأصل الذي قررناه. ومنهم من قال هذه القاعدة تدل على أن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعاً في حقه، لأن المنع منه ضرر، والضرر غير مشروع بمقتضى هذا الأصل وكل ما يكرهه الإنسان وجب أن يحرم لأن وجوده ضرر والضرر غير مشروع، فثبت أن هذا الأصل يتناول جميع الوقائع الممكنة إلى يوم القيامة، ثم نقول القياس الذي يتمسك به في إثبات الأحكام إما أن يكون على وفق هذه القاعدة أو على خلافها، والأول باطل: لأن هذا الأصل يغني عنه، والثاني باطل؛ لأن النص راجح على القياس، والله أعلم. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أن الظلم والمعاصي ليست فعلاً لله تعالى، بل تكون أفعالاً للعباد، لأنه تعالى أضاف ظلم العباد إليهم، وما أضافه إلى نفسه. فقال: {ولا يؤاخذ الله الناس بظلمهم} وأيضاً فلو كان خلقاً لله تعالى لكانت مؤاخذتهم بها ظلماً من الله تعالى، ولما منع الله العباد من الظلم في هذه الآية؛ فبأن يكون منزهاً عن الظلم كان أولى، قالوا: ويدل أيضاً على أن أعمالهم مؤثرة في وجوب الثواب والعقاب أو قوله: {بظلمهم} الباء فيه تدل على العلية كما في قوله: {أية : ذلك بأنهم شاقوا الله} تفسير : [الأنفال: 13]. واعلم أن الكلام في هذه المسائل قد ذكرناه مراراً فلا نعيده. والله أعلم. المسألة الرابعة: ظاهر الآية يدل على أن إقدام الناس على الظلم يوجب إهلاك جميع الدواب وذلك غير جائز، لأن الدابة لم يصدر عنها ذنب، فكيف يجوز إهلاكها بسبب ظلم الناس؟ والجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: أنا لا نسلم أن قوله: ما ترك على ظهرها من دابة يتناول جميع الدواب. وأجاب أبو علي الجبائي عنه: أن المراد لو يؤاخذهم الله بما كسبوا من كفر ومعصية لعجل هلاكهم، وحينئذ لا يبقى لهم نسل، ثم من المعلوم أنه لا أحداً إلا وفي أحد آبائه من يستحق العذاب وإذا هلكوا فقد بطل نسلهم، فكان يلزمه أن لا يبقى في العالم أحد من الناس، وإذا بطلوا وجب أن لا يبقى أحد من الدواب أيضاً، لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم، فهذا وجه لطيف حسن. والوجه الثاني: أن الهلاك إذا ورد على الظلمة ورد أيضاً على سائر الناس والدواب، فكان ذلك الهلاك في حق الظلمة عذاباً، وفي حق غيرهم امتحاناً، وقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح عليه السلام. والوجه الثالث: أنه تعالى لو آخذهم لانقطع القطر وفي انقطاعه انقطاع النبت فكان لا تبقى على ظهرها دابة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال: لا والله بل إن الحبارى في وكرها لتموت بظلم الظالم، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم، فهذه الوجوه الثلاثة من الجواب مفرعة على تسليم أن لفظة الدابة يتناول جميع الدواب. والجواب الثاني: أن المراد من قوله: ما ترك على ظهرها من دابة أي ما ترك على ظهرها من كافر، فالمراد بالدابة الكافر، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : أولئك كالأنعام بل هم أضل} تفسير : [الأعراف: 179] والله أعلم. المسألة الخامسة: الكناية في قوله: {عليها} عائدة إلى الأرض، ولم يسبق لها ذكر، إلا أن ذكر الدابة يدل على الأرض، فإن الدابة إنما تدب عليها. وكثيراً ما يكنى عن الأرض، وإن لم يتقدم ذكرها لأنهم يقولون ما عليها مثل فلان وما عليها أكرم من فلان، يعنون على الأرض. ثم قال تعالى: {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} ليتوالدوا، وفي تفسير هذا الأجل قولان: القول الأول: وهو قول عطاء: عن ابن عباس أنه يريد أجل القيامة. والقول الثاني: أن المراد منتهى العمر. وجه القول الأول أن معظم العذاب يوافيهم يوم القيامة، ووجه القول الثاني أن المشركين يؤاخذون بالعقوبة إذا انقضت أعمارهم وخرجوا من الدنيا. النوع الثالث: من الأقاويل الفاسدة التي كان يذكرها الكفار وحكاها الله تعالى عنهم، قوله: {ويجعلون لله ما يكرهون}. واعلم أن المراد من قوله: {ويجعلون} أي البنات التي يكرهونها لأنفسهم، ومعنى قوله: {يجعلون} يصفون الله بذلك ويحكمون به له كقوله جعلت زيداً علىالناس أي حكمت بهذا الحكم وذكرنا معنى الجعل عند قوله: {أية : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة} تفسير : [المائدة: 103]. ثم قال تعالى: {وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} قال الفراء والزجاج: موضع "أن" نصب لأن قوله: {أن لهم الحسنى} بدل من الكذب، وتقدير الكلام وتصف ألسنتهم أن لهم الحسنى. وفي تفسير {الحسنى} ههنا قولان: الأول: المراد منه البنون، يعني أنهم قالوا لله البنات ولنا البنون. والثاني: أنهم مع قولهم بإثبات البنات لله تعالى، يصفون أنفسهم بأنهم فازوا برضوان الله تعالى بسبب هذا القول، وأنهم على الدين الحق والمذهب الحسن. الثالث: أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله تعالى. فإن قيل: كيف يحكمون بذلك وهم كانوا منكرين للقيامة؟ قلنا: كلهم ما كانوا منكرين للقيامة، فقد قيل: إنه كان في العرب جمع يقرون بالبعث والقيامة، ولذلك فإنهم كانوا يربطون البعير النفيس على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ويقولون: إن ذلك الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه، وأيضاً فبتقدير أنهم كانوا منكرين للقيامة فلعلهم قالوا: إن كان محمد صادقاً في قوله بالبعث والنشور فإنه يحصل لنا الجنة والثواب بسبب هذا الدين الحق الذي نحن عليه، ومن الناس من قال: الأولى أن يحمل {الحسنى} على هذا الوجه بدليل أنه تعالى قال بعده: {لا جرم أن لهم النار} فرد عليهم قولهم وأثبت لهم النار، فدل هذا على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة. قال الزجاج: لا رد لقولهم، والمعنى ليس الأمر كما وصفوا جرم فعلهم أي كسب ذلك القول لهم النار، فعلى هذا لفظ "أن" في محل النصب بوقوع الكسب عليه. وقال قطرب (أن) في موضع رفع، والمعنى: وجب أن لهم النار وكيف كان الإعراب فالمعنى هو أنه يحق لهم النار ويجب ويثبت. وقوله: {وأنهم مفرطون} قرأ نافع وقتيبة عن الكسائي: {مفرطون} بكسر الراء، والباقون: {مفرطون} بفتح الراء. أما قراءة نافع فقال الفراء: المعنى أنهم كانوا مفرطين على أنفسهم في الذنوب، وقيل: أفرطوا في الافتراء على الله تعالى، وقال أبو علي الفارسي: كأنه من أفرط، أي صار ذا فرط مثل أجرب، أي صار ذا جرب والمعنى: أنهم ذوو فرط إلى النار كأنهم قد أرسلوا من يهيئ لهم مواضع فيها. وأما قراءة قوله: {مفرطون} بفتح الراء ففيه قولان: القول الأول: المعنى، أنهم متروكون في النار. قال الكسائي: يقال ما أفرطت من القوم أحداً، أي ما تركت. وقال الفراء: تقول العرب أفرطت منهم ناساً، أي خلفتهم وأنسيتهم. والقول الثاني: {مفرطون} أي معجلون. قال الواحدي رحمه الله: وهو الاختيار ووجهه ما قال أبو زيد وغيره: فرط الرجل أصحابه يفرطهم فرطاً وفروطاً إذا تقدمهم إلى الماء ليصلح الدلاء والأرسان، وأفرط القوم الفارط، وفرطوه إذا قدموه فمعنى قوله: {مفرطون} على هذا التقدير كأنهم قدموا إلى النار فهم فيها فرط للذين يدخلون بعدهم، ثم بين تعالى أن مثل هذا الصنع الذي يصدر من مشركي قريش قد صدر من سائر الأمم السابقين في حق الأنبياء المتقدمين عليهم السلام، فقال: {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم} وهذا يجري مجرى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم فيما كان يناله من الغم بسبب جهالات القوم. قالت المعتزلة: الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجوه: الأول: أنه إذا كان خالق أعمالهم هو الله تعالى، فلا فائدة في التزيين. والثاني: أن ذلك التزيين لما كان بخلق الله تعالى لم يجز ذم الشيطان بسببه. والثالث: أن التزيين هو الذى يدعو الإنسان إلى الفعل، وإذا كان حصول الفعل فيه بخلق الله تعالى كان ضرورياً فلم يكن التزيين داعياً. والرابع: أن على قولهم، الخالق لذلك العمل، أجدر أن يكون ولياً لهم من الداعي إليه. والخامس: أنه تعالى أضاف التزيين إلى الشيطان ولو كان ذلك المزين هو الله تعالى لكانت إضافته إلى الشيطان كذباً. وجوابه: إن كان مزين القبائح في أعين الكفار هو الشيطان، فمزين تلك الوساوس في عين الشيطان إن كان شيطاناً آخر لزم التسلسل. وإن كان هو الله تعالى فهو المطلوب. ثم قال تعالى: {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ } وفيه احتمالان: الأول: أن المراد منه كفار مكة وبقوله: {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ } أي الشيطان ويتولى إغواءهم وصرفهم عنك، كما فعل بكفار الأمم قبلك فيكون على هذا التقدير رجع عن أخبار الأمم الماضية إلى الأخبار عن كفار مكة. الثاني: أنه أراد باليوم يوم القيامة، يقول فهو ولي أولئك الذين كفروا يزين لهم أعمالهم يوم القيامة، وأطلق اسم اليوم على يوم القيامة لشهرة ذلك اليوم، والمقصود من قوله: {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ } هو أنه لا ولي لهم ذلك اليوم ولا ناصر، وذلك لأنهم إذا عاينوا العذاب وقد نزل بالشيطان كنزوله بهم، ورأوا أنه لا مخلص له منه، كما لا مخلص لهم منه، جاز أن يوبخوا بأن يقال لهم: هذا وليكم اليوم على وجه السخرية، ثم ذكر تعالى أن مع هذا الوعيد الشديد أقام الحجة وأزاح العلة فقال: {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى: أنا ما أنزلنا عليك القرآن إلا لتبين لهم بواسطة بيانات هذا القرآن الأشياء التي اختلفوا فيها، والمختلفون هم أهل الملل والأهواء، وما اختلفوا فيه، هو الدين، مثل التوحيد والشرك والجبر والقدر، وإثبات المعاد ونفيه، ومثل الأحكام، مثل أنهم حرموا أشياء تحل كالبحيرة والسائبة وغيرهما وحللوا أشياء تحرم كالميتة. المسألة الثانية: اللام في قوله: {لِتُبَيِّنَ } تدل على أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض، ونظيره آيات كثيرة منها قوله: { أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ } تفسير : [إبراهيم: 1] وقوله: { أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56]. وجوابه: أنه لما ثبت بالعقل امتناع التعليل وجب صرفه إلى التأويل. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» قوله: {هُدًى وَرَحْمَةً } معطوفان على محل قوله: {لِتُبَيِّنَ } إلا أنهما انتصبا على أنه مفعول لهما، لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب، ودخلت اللام في قوله: {لِتُبَيِّنَ } لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل، وإنما ينتصب مفعولاً له ما كان فعلاً لذلك الفاعل. المسألة الرابعة: قال الكلبي: وصف القرآن بكونه هدى ورحمة لقوم يؤمنون، لا ينفي كونه كذلك في حق الكل، كما أن قوله تعالى في أول سورة البقرة: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [البقرة: 2] لا ينفي كونه هدى لكل الناس، كما ذكره في قوله: { أية : هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ } تفسير : [البقرة: 185] وإنما خص المؤمنين بالذكر من حيث إنهم قبلوه فانتفعوا به، كما في قوله: { أية : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 45] لأنه إنما انتفع بإنذاره هذا القوم فقط، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ} أي بكفرهم وافترائهم، وعاجَلهم. {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا} أي على الأرض فهو كناية عن غير مذكور، لكن دل عليه قوله: {مِن دَآبَّةٍ} فإن الدابة لا تَدِبّ إلا على الأرض. والمعنى المراد من دابة كافرة، فهو خاص. وقيل: المعنى أنه لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء. وقيل: المراد بالآية العموم؛ أي لو آخذ الله الخلق بما كسبوا ما ترك على ظهر هذه الأرض من دابة من نبيّ ولا غيره؛ وهذا قول الحسن. وقال ابن مسعود وقرأ هذه الآية: لو آخذ الله الخلائق بذنوب المذنبين لأصاب العذابُ جميع الخلق حتى الجِعْلان في جُحْرها، ولأمسك الأمطار من السماء والنبات من الأرض فمات الدواب، ولكن الله يأخذ بالعفو والفضل؛ كما قال: {أية : وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} تفسير : . {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} أي أجل موتهم ومنتهى أعمارهم. {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} وقد تقدّم. فإن قيل: كيف يعم بالهلاك مع أن فيهم مؤمناً ليس بظالم؟ قيل: يجعل هلاك الظالم انتقاماً وجزاء، وهلاك المؤمن معوَّضاً بثواب الآخرة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا أراد الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بُعثوا على نياتهم»تفسير : . حديث : وعن أم سَلمة وسئلت عن الجيش الذي يخسف به وكان ذلك في أيام ابن الزبير، فقالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعوذ بالبيت عائذ فيُبعث إليه بَعْث فإذا كانوا ببَيْداء من الأرض خُسِف بهم فقلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارهاً؟ قال: «يخسَف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته»تفسير : . وقد أتينا على هذا المعنى مُجَوَّداً في (كتاب التذكرة) وتقدم في «المائدة» وآخر «الأنعام» ما فيه كفاية، والحمد لله. وقيل: «فإذا جاء أجلهم» أي فإذا جاء يوم القيامة. والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن حلمه بخلقه مع ظلمهم، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا، ما ترك على ظهر الأرض من دابة، أي: لأهلك جميع دواب الأرض تبعاً لإهلاك بني آدم، ولكن الرب جل جلاله يحلم ويستر، وينظر إلى أجل مسمى، أي: لا يعاجلهم بالعقوبة، إذ لو فعل ذلك بهم، لما أبقى أحداً. قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص: أنه قال: كاد الجعل أن يعذب بذنب بني آدم، وقرأ الآية: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ} وكذا روى الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: كاد الجعل أن يهلك في جحره بخطيئة بني آدم. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعي، حدثنا محمد بن جابر الحنفي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: سمع أبو هريرة رجلاً وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، قال: فالتفت إليه، فقال: بلى والله حتى إن الحباري لتموت في وكرها بظلم الظالم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، أنبأنا الوليد بن عبد الملك، حدثنا عبيد الله بن شرحبيل، حدثنا سليمان بن عطاء عن مسلمة بن عبد الله عن عمه أبي مشجعة بن ربعي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إن الله لا يؤخر شيئاً إذا جاء أجله، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحه يرزقها الله العبد، فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر»تفسير : وقوله: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} أي: من البنات، ومن الشركاء الذين هم عبيده، وهم يأنفون أن يكون عند أحدهم شريك له في ماله. وقوله: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ} إنكار عليهم في دعواهم مع ذلك أن لهم الحسنى في الدنيا، وإن كان ثم معاد، ففيه أيضاً لهم الحسنى، وإخبار عن قيل من قال منهم، كقوله: {أية : وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } تفسير : [هود:9-10] وكقوله: {أية : وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تفسير : [فصلت: 50]. وقوله: {أية : أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـآيَـٰتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} تفسير : [مريم: 77] وقال إخباراً عن أحد الرجلين أنه {أية : وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّى لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً } تفسير : [الكهف:35-36] فجمع هؤلاء بين عمل السوء وتمني الباطل، بأن يجازوا على ذلك حسناً، وهذا مستحيل، كما ذكر ابن إسحاق أنه وجد حجر في أساس الكعبة حين نقضوها ليجددوها مكتوب عليه حكم ومواعظ، فمن ذلك: تعملون السيئات وتجزون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب. وقال مجاهد وقتادة: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي: الغلمان. وقال ابن جرير: {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي: يوم القيامة؛ كما قدمنا بيانه، وهو الصواب، ولله الحمد، ولهذا قال تعالى راداً عليهم في تمنيهم ذلك: {لاَ جَرَمَ} أي: حقاً لا بد منه {أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ} أي: يوم القيامة {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: منسيون فيها مضيعون، وهذا كقوله تعالى: {أية : فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا} تفسير : [الأعراف: 51]. وعن قتادة أيضا: مفرطون، أي: معجلون إلى النار، من الفرط، وهو السابق إلى الورد، ولا منافاة؛ لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار، وينسون فيها، أي: يخلدون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ } بالمعاصي {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا } أي الأرض {مِن دَابَّةٍ } نسمة تدب عليها {وَلٰكِن يُؤَخِرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَئَخِرُونَ } عنه {سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } عليه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم} يعني في الدنيا بالانتقام لأنه يمهلهم في الأغلب من أحوالهم. {ما ترك عليها من دابّةٍ} يعني بهلاكهم بعذاب الاستئصال من أخذه لهم بظلمهم. {ولكن يؤخرهم إلى أجلٍ مسمى} فيه وجهان: أحدهما: إلى يوم القيامة. الثاني: تعجيله في الدنيا. فإن قيل: فكيف يعمهم بالهلاك مع أن فيهم مؤمناً ليس بظالم؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه يجعل هلاك الظالم انتقاماً وجزاء، وهلاك المؤمن معوضاً بثواب الآخرة. الثاني: ما ترك عليها من دابة من أهل الظلم. الثالث: يعني أنه لو أهلك الآباء بالكفر لم يكن الأبناء ولا نقطع النسل فلم يولد مؤمن. قوله عز وجل: {ويجعلون لله ما يكرهون} يعني من البنات. {وتصف ألسنتهم الكذب أنّ لهم الحُسنَى} فيه وجهان: أحدهما: أن لهم البنين مع جعلهم لله ما يكرهون من البنات، قاله مجاهد. الثاني: معناه أن لهم من الله الجزاء الحسن، قاله الزجاج. {لا جرم أن لهم النار} فيه أربعة أوجه: أحدهما: معناه حقاً أن لهم النار. الثاني: معناه قطعاً أن لهم النار. الثالث: اقتضى فعلهم أن لهم النار. الرابع: معناه بلى إن لهم النار، قاله ابن عباس. {وأنهم مفرطون} فيه خمسة تأويلات: أحدها: معناه منسيون، قاله مجاهد. الثاني: مضيّعون،قاله الحسن. الثالث: مبعدون في النار، قاله سعيد بن جبير. الرابع: متروكون في النار، قاله الضحاك. الخامس: مقدَّمون إلى النار، قاله قتادة. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا فَرَطكم على الحوض" تفسير : أي متقدمكم، وقال القطامي: شعر : فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تعجّل فرّاطٌ لوُرّادِ تفسير : والفرّاط: المتقدمون في طلب الماء، والورّاد: المتأخرون. وقرأ نافع {مُفْرِطون} بكسر الراء وتخفيفها، ومعناه مسرفون في الذنوب، من الإفراط فيها. وقرأ الباقون من السبعة {مفرطون} أي معجلون إلى النار متروكون فيها. وقرأ أبو جعفر القارىء {مفَرِّطون} بكسر الراء وتشديدها، ومعناه من التفريط في الواجب.

الخازن

تفسير : قوله: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم} يعني بسبب ظلمهم فيعاجلهم بالعقوبة على ظلمهم وكفرهم وعصيانهم. فإن قلت الناس اسم جنس يشمل الكل وقد قال تعالى في آية أخرى {أية : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات}تفسير : [فاطر: 32]، فقسمهم في تلك الآية ثلاثة أقسام فجعل الظالمين قسماً واحداً من ثلاثة. قلت: قوله ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم عام مخصوص بتلك الآية الأخرى، لأن في جنس الناس الأنبياء والصالحين ومن لا يطلق عليه اسم الظلم، وقيل: أراد بالناس الكفار فقط بدليل قوله {أية : إن الشرك لظلم عظيم}تفسير : [لقمان: 13] وقوله {وما ترك عليها} يعني على الأرض كناية عن غير مذكور لأن الدابة لا تدب إلا على الأض {من دابة} يعني أن الله سبحانه وتعالى، لو يؤاخذ الناس بظلمهم لأهلك جميع الدواب التي على وجه الأرض. قال قتادة: وقد فعل الله ذلك في زمن نوح عليه السلام وروي أن أبا هريرة سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال: بئس ما قلت إن الحبارى تموت هزالاً بظلم الظالم. وقال ابن مسعود: إن الجعل تعذب في جحرها بذنب ابن آدم وقيل أراد بالدابة الكافر بدليل قوله: {أية : إن شر الدواب عند الله الذين كفروا}تفسير : [الأَنفال: 55] وقيل في معنى الآية ولو يؤاخذ الله الآباء الظالمين بسبب ظلمهم لانقطع النسل، ولم توجد الأبناء فلم يبق في الأرض أحد {ولكن يؤخرهم} يعني يمهلهم بفضله، وكرمه وحلمه {إلى أجل مسمى} يعني إلى انتهاء آجالهم وانقضاء أعمارهم {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} يعني لا يؤخرون ساعة من الأجل الذي جعله الله لهم ولا ينقصون عنه. وقيل: أراد بالأجل المسمى يوم القيامة، والمعنى ولكن يؤخرهم إلى يوم القيامة فيعذبهم فلا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون {ويجعلون لله ما يكرهون} يعني لأنفسهم وهي البنات {وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} يعني ويقولون: إن لهم البنين وذلك أنهم قالوا: لله البنات ولنا البنون، وهذا القول كذب منهم وافتراء على الله. وقيل: أراد بالحسنى الجنة، والمعنى أنهم مع كفرهم، وقولهم الكذب يزعمون أنهم على الحق وأن لهم الجنة وذلك أنهم قالوا: إن كان محمد صادقاً في البعث بعد الموت، فإن لنا الجنة لأنّا على الحق فأكذبهم الله فقول {لا جرم أن لهم النار} يعني في الآخرة لا الجنة {وأنهم مفرطون} قرىء بكسر الراء مع التخفيف، يعني مسرفون وقرىء بكسر الراء مع التشديد يعني مضيعون لأمر الله وقراءة الجمهور بفتح الراء مع تخفيفها أي منسيون في النار قاله ابن عباس وقال سعيد بن جبير ومقاتل: متروكون. وقال قتادة: معجلون إلى النار. وقال الفراء: مقدمون إلى النار والفرط ما تقدم إلى الماء قبل القوم. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا فرطكم على الحوض"تفسير : أي متقدمكم {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} يعني كما أرسلناك إلى هذه الأمة لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك، فكان شأنهم مع رسلهم التكذيب ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم {فزين لهم الشيطان أعمالهم} يعني أعمالهم الخبيثة من الكفر والتكذيب، والمزين في الحقيقة هو الله تعالى هذا مذهب أهل السنة، وإنما جعل الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم، وليس له قدرة أن يضل أحداً أو يهدي أحداً، وإنما له الوسوسة فقط فمن أراد شقاوته سلطه عليه حتى يقبل وسوسته {فهو وليهم} أي ناصرهم {اليوم} ومن كان الشيطان وليه وناصره فهو مخذول مغلوب مقهور، وإنما سماه ولياً لهم لطاعتهم إياه {ولهم عذاب أليم} يعني في الآخرة {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه} يعني في أمر الدين والأحكام فتبين لهم الهدى من الضلال، والحق من الباطل والحلال من الحرام {وهدى ورحمة} يعني وما أنزلنا عليك الكتاب إلا بياناً وهدى ورحمة {لقوم يؤمنون} لأنهم هم المنتفعون به قوله سبحانه وتعالى {والله أنزل من السماء ماء} يعني المطر {فأحيا به} يعني بالماء {الأرض} يعني بالنبات والزروع {بعد موتها} يعني يبسها وجدوبتها {إن في ذلك لآية} يعني دلالة واضحة على كمال قدرتنا {لقوم يسمعون} يعني سماع إنصاف وتدبر وتفكر، لأن سماع القلوب هو النافع لا سماع الآذان فمن سمع آيات الله، أي القرآن بقلبه وتدبرها وتفكر فيها انتفع، ومن لم يسمع بقلبه لم ينتفع بالآيات {وإن لكم في الأنعام لعبرة} يعني إذا تفكرتم فيها عرفتم كمال قدرتنا على ذلك {نسقيكم مما في بطونه} الضمير عائد إلى الأنعام، وكان حقه أن يقال مما في بطونها، واختلف النحوين في الجواب، فقيل: إن لفظ الأنعام مفرد وضع لإفادة الجمع فهو بحسب اللفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد، وهو مذكر وبحسب المعنى جميع فيكون ضميره ضمير الجمع، وهو مؤنث فلهذا المعنى. قال هنا مما في بطونه وقال في سورة المؤمنين: مما في بطونها. وهذا قول أبي عبيدة والأخفش وقال الكسائي: إنه رده إلى ما ذكر يعني مما في بطون ما ذكرنا، وقال غيره الكناية مردودة إلى البعض وفيه إضمار كأنه قال: نسقيكم مما في بطونه اللبن فأضمر اللبن إذ ليس لكلها لبن {من بين فرث} وهو ما في الكرش من الثفل، فإذا خرج منها لا يسمى فرثاً {ودم لبناً خالصاً} يعني من الدم والفرث ليس عليه لون الدم ولا رائحة الفرث. قال ابن عباس: إذا أكلت الدابة العلف، واستقر في كرشها، وطبخته كان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً فالكبد مسلطة عليه تقسمه بتقدير الله سبحانه وتعالى فيجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الثفل كما هو {سائغاً للشاربين} يعني هنيئاً سهلاً يجري في الحلق بسهولة. قيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط. هذا قول المفسرين في معنى هذه الآية. وحكى الإمام فخر الدين الرازي قول الحكماء في ذلك, فقال: ولقائل أن يقول الدم واللبن لا يتولدان في الكرش ألبتة، والدليل عليه الحس فإن هذه الحيوانات تذبح ذبحاً متوالياً، وما رأى أحد في كرشها دماً ولا لبناً بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء، وصل ذلك العلف إلى معدته إن كان إنساناً وإلى كرشه إن كان من الأنعام، وغيرها فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء، ثم ذلك الذي حصل في الكبد ينطبخ فيها ويصير دماً وهو الهضم الثاني، ويكون ذلك مخلوطاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية فأما الصفراء فتذهب إلى المرارة وأما السوداء فتذهب إلى الطحال، وأما المائية فتذهب إلى الكلية ومنها إلى المثانة، وأما الدم فيذهب في الأوردة وهي العروق النابتة في الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث. وبين الكبد وبين الضرع عروق كثيرة فينصب الدم من تلك العروق إلى الضرع والضرع لحم غددي رخو أبيض، فيقلب الله عز وجل ذلك الدم عند انصبابه إلى ذلك اللحم الغددي الرخو الأبيض، فيصير الدم لبناً فهذا صورة تكوَّن اللبن في الضرع فاللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم، والدم إنما يتولد من بعض الأجزاء اللطيفة من الأشياء المأكولة الحاصلة في الكرش فاللبن توليد أولاً من الفرث ثم من الدم ثانياً ثم صفاه الله سبحانه وتعالى بقدرته فجعله لبناً خالصاً من بين فرث، ودم عند تولد اللبن في الضرع يخلق الله عز وجل بلطيف حكمته في حلمة الثدي ثقباً صغيراً ومسام ضيقة فيجعلها كالمصفاة للبن فكل ما كان لطيفاً من اللبن خرج بالمص أو الحلب وما كان كثيفاً احتبس في البدن، وهو المراد بقوله خالصاً هنيئاً مريئاً. قوله عز وجل {ومن ثمرات النخيل والأعناب} يعني ولكم أيضاً عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه {سكراً ورزقاً حسناً} قال ابن مسعود وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وإبراهيم وابن أبي ليلى والزجاج وابن قتيبة: السكر الخمر سميت بالمصدر من قولهم سكر سكراً، وسكراً والرزق الحسن سائر ما يتخذ من ثمرات النخيل، والأعناب مثل الدبس والتمر والزبيب والخل وغير ذلك. فإن قلت: الخمر محرمة فكيف ذكرها الله عز وجل في معرض الإنعام والامتنان؟ قلت: قال العلماء في الجواب عن هذا: إن هذه السورة مكية، وتحريم الخمر إنما نزل في سورة المائدة وهي مدنية فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت الخمر فيه غير محرمة، وقيل: إن الله عز وجل نبه في هذه الآية على تحريم الخمر أيضاً، لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر فوجب أن يقال الرجوع عن كونه حسناً يدل على التحريم، وروى العوفي عن ابن عباس أن السكر هو الخل بلغة الحبشة وقال بعضهم: السكر هو النبيذ وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد، والمطبوخ من العصير وهو قول الضحاك والنخعي ومن يبيح شرب النبيذ ومن يحرمه يقول المراد من الآية الإخبار لا الإحلال، وأولى الأقاويل أن قوله تتخذون منه سكراً منسوخ. سئل ابن عباس عن هذه الآية فقال السكر: ما حرم من ثمراتها والرزق الحسن ما حل قلت: القول بالنسخ فيه نظر لأن قوله، ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ، ومن زعم أنها منسوخة رأى أن هذه الآية نزلت بمكة في وقت إباحة الخمر ثم إن الله تبارك وتعالى حرمها بالمدينة فحكم على هذه الآية بأنها منسوخة وقال أبو عبيدة في معنى الآية: السكر الطعم يقال هذا سكر لك أي طعم لك وقال غيره: السكر ما سد الجوع من قولهم سكرت النهر أي سددته والتمر والزبيب مما يسد الجوع، وهذا شرح قول أبي عبيدة أن السكر الطعم {إن في ذلك} يعني الذي ذكر من إنعامه على عباده {لآية} يعني دلالة وحجة واضحة {لقوم يعقلون} يعني أن من كان عاقلاً استدل بهذه الآية على كمال قدرة الله تعالى ووحدانيته وعلم بالضرورة أن لهذه الأشياء خالقاً، ومدبراً قادراً على ما يريد.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {لا جرم} في المد مثل {أية : لا ريب فيه}تفسير : [البقرة: 2] {مفرطون} بكسر الراء المشددة: يزيد {مفرطون} بكسر الراء المخففة: نافع وقتيبة. الباقون بفتحها مخففة. {نسقيكم} بفتح النون: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد. الآخرون بضمها. الوقوف: {مسمى} ج للظرف مع الفاء {ولا يستقدمون} ه {الحسنى} ط {وقيل علي} لا ثم يبدأ بجرم وهو تكلف. {مفرطون} ه {أليم} ه {فيه} لا للعطف على موضع {لتبين} تقديره إلا تبياناً وهدى {يؤمنون} ه {موتها} ط {يسمعون} ه {لعبرة} ط لأنه لو وصل اشتبه ما بعده بالوصف {للشاربين} ه {حسناً} ط {يعقلون} ه {يعرشون} ه ج للعطف {ذللاً} ط للعدول {للناس} ط {يتفكرون} ه {شيئاً} ط {قدير} ه. التفسير: لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وفظيع قولهم بين غاية كرمه وسعة رحمته حيث إنه لا يعاجلهم بالعقوبة فقال: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم} الآية. فزعم بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء أنه أضاف الظلم إلى ضمير الناس والأنبياء من جملة الناس فوجب أن يكونوا ظالمين عاصين ويؤكد هذا قوله: {ما ترك عليها من دابة} فإنه لو لم يصدر من الأنبياء ذنب لم يكن لإفنائهم وجه وحينئذ لم يصدق أنه لم يبق على الأرض واحد. والجواب لا نسلم عموم الناس في الآية لقوله سبحانه في موضع آخر {أية : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات}تفسير : [لقمان: 32] ولا ريب أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين، فإذن المراد بالناس إما كل العصاة الذين استحقوا العقاب، أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين. وأما قوله: {من دابة} فعن ابن عباس أنه أراد من مشرك يدب عليها نظيره قوله: {أية : إن شر الدواب عند الله الذين كفروا}تفسير : [الأنفال: 55] ولو سلم أن المراد بها كل من يدب عليها فلعل الهلاك في حق الظلمة يكون عذاباً وفي غيرهم امتحاناً فقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح عليه السلام. وأيضاً من المعلوم أنه لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العذاب، فلو أهلكوا لبطل نسلهم ولأدى إلى إفناء الناس، بل الدواب كلها لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم. عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال: بلى والله حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم. وعن ابن مسعود: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم. وقيل: لو يؤاخذهم لانقطع القطر وفي انقطاعه انقطاع النبت وفي انقطاع النبت فناء الدواب. قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الظلم والمعاصي ليست من أفعال الله تعالى وإلا لم يؤاخذهم بها فرضاً، ولم يضف الظلم إليهم ولم يذمهم على ذلك. وفي قوله: {بظلمهم} دليل على أن الظلم هو المؤثر في العقاب، فإن الباء للعلية. وجواب الأشاعرة معلوم وهو أنه لا يسأل عما يفعل، وأيضاً المعارضة بالعلم والدواعي ووجوب انتهاء الكل إليه. قال بعض الأصوليين: الأصل في المضار الحرمة لأن الضرر لا يجوز أن يكون مشروعاً ابتداء بالإجماع ولقوله تعالى: {أية : ما جعل عليكم في الدين من حرج}تفسير : [الحج: 78] {أية : يريد الله بكم اليسر}تفسير : [البقرة: 185] ولقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ضرر ولا ضرار"تفسير : في الإسلام "حديث : ملعون من ضر مسلماً"تفسير : ولا أن يكون مشروعاً على وجه يكون جزاء عن جرم سابق بهذه الآية لأن كلمة "لو" وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره. فالآية تقتضي أنه تعالى ما آخذ الناس بظلمهم وأنه ترك على ظهرها دابة كما هو المشاهد إذا ثبت هذا الأصل فنقول: إذا وقعت حادثة مشتملة على المضار فإن وجدنا نصاً على كونها مشروعة قضينا به تقديماً للخاص على العام وإلا قضينا عليها بالحرمة بناء على هذا الأصل. ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الضرر مشروعاً على وجه يقع جزاء عن جرم سابق والآية لا تنافي ذلك لأنها لا تدل إلا على أنه سبحانه لا يؤاخذ بكل ظلم. أما على أنه لا يؤاخذ ببعض أنواع الظلم فلا، دليلة قوله: {أية : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}تفسير : [الشورى: 30] ومنهم من قال: بناء على القاعدة المذكورة إن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعاً في حقه لأن المنع منه ضرر والضرر غير مشروع، وكل ما يكرهه الإنسان لزم أن يكون محرماً لأن وجوده ضرر وأنه غير مشروع. فالذي يتمسك به في إثبات الأحكام من القياس إما أن يكون على وفق هذه القاعدة أو على خلافها والأول باطل، لأن هذا الأصل يغني عنه، وكذا الثاني لأن النص راجح على القياس. ولقائل أن يقول: توارد الأدلة على المدلول الواحد غير ممتنع. أما قوله: {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه يريد أجل القيامة لأن معظم العذاب يوافيهم يومئذ. وقيل: أراد منتهى العمر لأن المشركين يؤاخذون بالذنوب إذا خرجوا من الدنيا، وباقي الآية قد مر تفسيرها في أوائل سورة الأعراف. واعلم أنه سبحانه قال في هذه السورة {ما ترك عليها من دابة} وفي سورة الملائكة {أية : ما ترك على ظهرها}تفسير : [فاطر: 45] فالهاء كناية عن الأرض ولم يتقدم ذكرها ههنا والعرب تجوّز ذلك في كلمات لحصولها بين يدي كل متكلم وسامع منها الأرض والسماء: "فلان أفضل من عليها وأكرم من تحتها"، ومنها الغداة "إنها اليوم لباردة". ومنها الأصابع يقول: "والذي شقهن خمساً من واحدة" يعني الأصابع من اليد. وإنما لم يذكر الظهر في هذه السورة لئلا يلتبس بظهر الداب فكثيراً ما يستعمل الظهر بمعنى الدابة بخلاف سورة "الملائكة" فإنه قد تقدم ذكر الأرض في قوله: {أية : أو لم يسيروا في الأرض}تفسير : [الآية: 44] وفي قوله: {أية : ولا في الأرض}تفسير : [الآية: 44] فلم يكن ملتبساً. ويمكن أن يقال: لما قال ههنا {بظلمهم} لم يقل: {على ظهرها} وحين قال هنالك {بما كسبوا} قال: {على ظهرها} احترازاً عن الجمع بين الظاءين لأنها تقل في الكلام وليست لأمة من الأمم سوى العرب، فلم يجمع بينهما في شرطية واحدة. ثم عاد إلى حكاية كلمتهم الحمقاء فقال: {ويجعلون لله ما يكرهون} لأنفسهم من البنات ولا يبعد أن يندرج فيه سائر ما يكرهون من الشركاء في الرياسة ومن الاستخفاف والتهاون برسلهم ورسالتهم، وأنهم يجعلون أرذل أموالهم لله وأكرمها للأصنام. وعن بعضهم أنه قال لرجل من ذوي اليسار كيف تكون يوم القيامة إذا قال الله تعالى هاتوا ما دفع إلى السلاطين وأعوانهم فيؤتى بالدواب والثياب وأنواع الأموال الفاخرة، وإذا قال هاتوا ما دفع إليّ فيؤتى بالكسر والخرق وما لا يؤبه له، أما تستحيي من ذلك الموقف؟ ثم قال: {وتصف ألسنتهم الكذب} قال الفراء والزجاج: أبدل منه قوله: {أن لهم الحسنى} عن مجاهد أن الحسنى البنون كانت قريش يقولون لله البنات ولنا البنون. وقال غيره: هي الجنة أي إنهم مع جعلهم لله ما يكرهون حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله، وأنهم يفوزون برضوان الله بسبب هذا القول زعماً منهم أنهم على الدين الحق والمذهب الحسن. وكيف يحكمون بذلك وكانوا منكرين للقيامة؟ الجواب أنه كان فيهم من يقر بالبعث ولذلك كانوا يربطون البعير على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ظناً منهم أن الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه، وبتقدير أنهم كانوا منكرين فلعلهم قالوا إن كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً في دعوى الحشر والقيامة فإنه يحصل لنا الجنة والثواب بسبب هذا الدين الحق الذي نحن عليه نظيره {أية : ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى}تفسير : [فصلت: 50] ومن الناس من رجح هذا القول لأنه تعالى ردّ عليهم بعد ذلك بقوله: {لا جرم أن لهم النار} قال الزجاج: لا ردّ لقولهم أي ليس الأمر كما وصفوا. جرم أي كسب ذلك القول أن لهم النار فــ "أنَّ" مع ما بعده في محل النصب لوقوع الكسب عليه. وقال قطرب: "أن" في موضع رفع والمعنى حق أن لهم الافتراء على الله. وجوّز أبو علي الفارسي أن يكون من أفرط أي صار ذا فرط مثل أجرب أي صار ذا جرب، ومن قرأ بفتحها مخففة فهو من أفرطت فلاناً خلفى إذا خلفته ونسيته، فالمعنى أنهم متروكون في النار منسيون. ومن قرأ بكسر الراء المشددة فهو من التفريط في الطاعات. وقرىء بفتح الراء المشددة من فرّطته في طلب الماء إذا قدمته وجاء أفرطته بمعناه أيضاً، فالمراد أنهم مقدمون إلى النار معجلون إليها. ثم بين سبحانه أن مثل صنيع قريش قد صدر عن سائر الأمم فقال: {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} أي رسلاً {فزين لهم الشيطان أعمالهم} قالت المعتزلة: لو كان خالق الأعمال هو الله تعالى فما معنى تزيين الشيطان، ومن أي وجه توجه عليه الذم، وأن خالق ذلك العمل أجدر بأن يكون ولياً لهم من الداعي إليه؟ وأجيب بأن الوسائط معتبرة وانتهاء الكل إليه ضروري. قال جار الله: {فهو وليهم اليوم} حكاية الحال الماضية التي كان يزين لهم الشيطان أعمالهم فيها، والمراد فهو وليهم أي قرينهم في الدنيا فجعل اليوم عبارة عن زمان الدنيا أو اليوم عبارة عن يوم الآخرة الذي يعذبون فيه في النار، فهو حكاية للحال الآتية، والولي الناصر أي هو ناصرهم يوم القيامة فقط، والمراد نفي الناصر عنهم على أبلغ الوجوه لأن الشيطان لا يتصوّر منه النصرة أصلاً، وإذا كان الناصر منحصراً فيه لزم أن لا نصرة بالضرورة. قال: ويجوز أن يرجع الضمير في {وليهم} إلى مشركي قريش وأنه زين للكفار قبلهم أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي فهو ولي أمثالهم اليوم. ثم ذكر سبحانه أنه ما هلك من هلك إلا بعد إقامة الحجة وإزاحة العلة فقال: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه} كالشرك والتوحيد والجبر والقدر والإقرار بالبعث والإنكار له، وكتحريم الأشياء المحللة كالبحيرة والسائبة وتحليل الأشياء المحرمة كالميتة والدم. {وهدى ورحمة} انتصبا على أنهما مفعول لهما ولا حاجة إلى اللام لأنهما فعلا فاعل، والفعل المعلل بخلاف التبيين فإنه فعل المخاطب لا فعل المنزل ولهذا دخل عليه اللام، قال الكعبي: وصف القرآن بكونه هدى ورحمة {لقوم يؤمنون} لا ينافي كون كذلك في حق الكل. وخص المؤمنون بالذكر من حيث إنهم قبلوه وانتفعوا به. ولما امتد الكلام في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الإلهيات فقال: {والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها} وفي العنكبوت: {أية : من بعد موتها}تفسير : [الآية: 63] لأن هنالك سؤال تقرير والتقرير يحتاج إلى التحقيق فقيد الظرف بــ"من" للاستيعاب. وأيضاً حذف "من" في هذه السورة موافقة لقوله عما قريب: {لكيلا يعلم بعد علم شيئاً} وإنما حذف "من" هنا بخلاف ما في الحج لأنه أجمل الكلام في هذه السورة فقال: {والله خلقكم ثم يتوفاكم} وأطنب في الحج فقال: {أية : خلقناكم من تراب ثم من نطفة}تفسير : [الحج: 5] الآية. فاقتضى الإيجاز الحذف والإطناب الإثبات {إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} سماع تأمل وتدبر فمن لم يسمع متدبراً فكأنه أصم، ثم استدل بعجائب أحوال الحيوانات قائلاً: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه} وفي سورة المؤمنين: {أية : مما في بطونها}تفسير : [الآية: 21] فذكر النحويون أن الأنعام من جملة الكلمات التي لفظها مفرد ومعناها جمع كالرهط والقوم والنعم. فجاز تذكيره حملاً على اللفظ وتأنيثه حملاً على المعنى. قال المبرد: هذا شائع في القرآن قال تعالى: {أية : فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي}تفسير : [الأنعام: 78] بمعنى هذا الشيء الطالع. وقال: {أية : كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره}تفسير : [عبس: 11] أي ذكر هذا الشيء. وعند سيبويه الأنعام من الأسماء المفردة الواردة على أفعال. وجوّز في الكشاف أن يكون تأنيثه على أنه تكسير نعم. وقيل: إن الأنعام بمعنى النعم لأن الألف واللام تلحق الآحاد بالجمع والجمع بالآحاد. قلت: ما ذكره الأئمة حسن إلا أنه لا يقع جواباً عن التخصيص. ولعل السر فيه أن الضمير في هذه السورة يعود إلى البعض وهو الإناث، لأن اللبن لا يكون للكل فالتقدير: وإن لكم في بعض الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه، وأما في "المؤمنين" فإنه لما عطف عليه ما يعود على الكل ولا يقتصر على البعض وهو قوله: {أية : ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها}تفسير : [المؤمنون: 22] لم يتحمل أن يكون المراد به البعض فأنث ليكون نصاً على أن المراد بها الكل. روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: إذا استقر العلف فى الكرش صار أسفله فرثاً وأعلاه دماً وأوسطه لبناً خالصاً فيجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث كما هو فذاك هو قوله تعالى: {من بين فرث ودم لبناً خالصاً} لا يشوبه الدم ولا الفرث. وأنكر الأطباء هذا القول لأنه على خلاف الحس والتجربة. أما الحس فلأن الأنعام تذبح ذبحاً متوالياً ولا يرى في كرشها دم ولا لبن، وأما التجربة فلأن الدم لو كان في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم وليس كذلك، بل الحق أن الحيوان إذا تناول العلف حصل له في معدته أو كرشه هضم أوّل، فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء. ثم الذي يحصل في الكبد ينطبخ فيها ويصير دماً وذلك هو الهضم الثاني. ويكون مخلوطاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية. أما الصفراء فتذهب إلى المرارة، والسوداء إلى الطحال، والماء إلى الكلية، ومنها إلى المثانة. وأما الدم فإنه يدخل في الأوردة وهي العروق النابتة من الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث. وبين الكبد والضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع وهو لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله الدم هناك إلى صورة اللبن، وإنما اختص هذ المعنى بالحيوان الأنثى لأن الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به، والذكر من كل حيوان أسخن واجف، والأنثى أبرد وأرطب لأن بدن الأنثى يحتاج إلى مزيد رطوبة لتصير مادة لتولد الولد ويتسع بدنها له. ثم إن تلك الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في الرحم تنصب بعد انفصال الجنين إلى الثدي لتصير مادة لغذاء الطفل. واعلم أنه تعالى خلق في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثفل الغذاء، فإذا تناول الإنسان غذاء أو شربة رقيقة انطبق ذلك المنفذ انطباقاً كلياً إلى أن يكمل انهضامه في المعدة وينجذب ما صفا منه إلى الكبد، ويبقى الثفل هناك فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ وينزل منه ذلك الثفل فهذا الانطباق والانتفاح بحسب الحاجة وبقدر المنفعة مما لا يتأتى إلى بتقدير الفاعل الحكيم. وأيضاً إنه أودع في الكبد قوّة جاذبة للأجزاء اللطيفة التي في ذلك المأكول والمشروب طابخة لها حتى تنقلب دماً دون الأجزاء الكثيفة وفي المعدة بالعكس، وأودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية، وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بفعله الخاص به لا يمكن إلا بتدبير العليم الخبير. وكذا الكلام في انصباب مادة اللبن إلى الثدي في وقت يحتاج الطفل إلى الغذاء وتوزعها على جميع البدن في غير ذلك الوقت. ثم إنه تعالى أحدث في حلمة الثدي ثقوباً صغيرة يخرج اللبن الخالص منها وقت المص أو الحلب فهي بمنزلة المصفاة للبن يخرج اللطيف منها ويبقى الكثيف، فبهذا الطريق يصير خالصاً سائغاً للشاربين أي سهل المرور في الحلق حتى قيل إنه لم يغص أحد باللبن قط. ومن عجائب حال اللبن اجتماعه من أجسام مختلفة الطبائع مع أنها واحدة في الحس. فمنها الدهن وهو حار رطب، ومنها الأجزاء المائية وهي باردة رطبة، ومنها الجبن وهو بارد يابس وكلها حاصلة من عشب واحد. ثم إنه تعالى ألهم الطفل الصغير مص الثدي عند انفصاله من الأم وكل ذلك دليل على عناية كاملة ورحمة شاملة وعلم تام وقدرة باهرة. قال المحققون: في تقليب العشب في هذه الأطوار إلى أن يصير لبناً خالصاً سائغاً دليل على أنه تعال قادر على تقليب الإنسان في أطواره إلى أن يصير مستعداً للبقاء الأبدي واللقاء السرمدي. قال جار الله: و"من" في {مما في بطونه} للتبعيض و"من" في قوله: {من بين فرث} لابتداء الغاية فهو صلة {لنسقيكم} كقولك: "سقيته من الحوض". وجوز أن يكون حالاً من قوله: {لبناً} مقدماً عليه فيتعلق بمحذوف أي كائناً من بين كذا وكذا. وإنما قدم لأنه موضع العبرة فهو جدير بالتقديم. قالت الشافعية: ليس بمستنكر أن يسلك المني مسلك البول وهو طاهر كما أنه يخرج اللبن من بين الفرث والدم طاهراً. وأما قوله: {ومن ثمرات النخيل والأعناب} فإما أن يتعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمرات النخيل ومن الأعناب إذا عصرت وحذف لدلالة ما تقدم عليه فيكون قوله: {تتخذون منه} بياناً وكشفاً عن كنه حقيقة الاستقاء، وإما أن يتعلق بـ {تتخذون} فيكون قوله: {منه} تكريراً للظرف لأجل التأكيد نظيره قولك: "زيد في الدار فيها" وإنما ذكر الضمير في {منه} لأنه يعود إلى المذكور أو إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير كأنه قيل: ومن عصير ثمرات النخيل ومن عصير الأعناب تتخذون منه، واحتمل أن يكون {تتخذون} صفة موصوف محذوف كقوله: {أية : وما منا إلا له مقام معلوم}تفسير : [الصافات: 164] أي وما منا إلا ملك فالتقدير: ومن ثمرات النخيل ومن الأعناب ثمر. {تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً} لأنهم يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر وهو الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو رشد رشداً ورشداً. وعلى هذا التفسير ففي الآية قولان: أحدهما - ويروى عن الشعبي والنخعي - أنها منسوخة فإن السورة مكية وتحريم الخمر نزل في المائدة وهي مدنية، وثانيهما أنها جامعة بين العتاب والمنة. وذكر المنفعة لا ينافي الحرمة على أن في الآية تنبيهاً على الحرمة أيضاً لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب في السكر أن لا يكون رزقاً حسناً لا بحسب الشهوة بل بحسب الشريعة. هذا ما عليه الأكثرون. وقيل: السكر النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد وهو حلال عند أبي حنيفة إلى حد السكر. واحتج بأن الآية دلت على أن السكر حلال لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام والمنة، ودل الحديث على أن الخمر حرام لعينها وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئاً غير الخمر، وكل من أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ. ويحكى عن أبي علي الجبائي أنه صنف كتاباً في تحليل النبيذ، فلما آخذت منه السن العالية قيل له: لو شربت منه ما تتقوّى به فأبى فقيل له: فقد صنفت في تحليله. فقال: تناولته أيدي الشيطان فقبح عند ذوي المروءات والأقدار. وقيل: السكر الطعم قاله أبو عبيدة. وقيل: السكر والرزق الحسن واحد كأنه قيل: تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن. ومن أعجب أحوال الحيوان حال النحل المناسب عسلها اللبن في موافقة اللذة وفي الخروج من البطن فلذلك أفردها بالذكر عقيب ذلك قائلاً: {وأوحى ربك} يا محمد أو يا إنسان إلى النحل أي ألهمها وعلمها على وجه هو أعلم به، ولقد حق لغريب أمرها وعجيب صنعتها أن يطلق عليه لفظ الإيحاء وذلك أنها تبني البيوت المسدسة من الأضلاع المتساويات التي لا يمكن للعقلاء تركيب أمثالها إلا بالمساطر والفرجارات، وقد علم من الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بما سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بينها فرج خالية ضائعة. فاهتداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الدقيقة من الأعاجيب. ومن غرائب أمرها أن لها رئيساً هو أعظم جثة من الباقين وهم يخدمونه ويتبعون نهيه وأمره، ومنها أنها إذا نفرت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول والملاهي وآلات الموسيقى وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى أوكارها. وبالجملة فإن غرائب هذا الحيوان أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تخفى، والغرض أن امتياز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على الذكاء والكياسة حالة شبيهة بالوحي بمعنى الإلهام. قال الزجاج: يجوز أن يقال سميت نحلاً لأنه تعالى نحل الناس العسل بواستطها وهي مؤنثة في لغة أهل الحجاز ولذلك قال تعالى: {أن اتخذي} وهي "أن" المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول. ومعنى "من" في قوله: {من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون} أي يبنون ويرفعون البعضية لأنها لا تبني بيوتاً في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش، ولكنها تبني في مساكن توافقها وتليق بها وكثيراً ما يتعهدها الناس وتصلح أحوالها {ثم كلي من كل الثمرات} أي بعضاً من كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها {فاسلكي سبل ربك} أي الطريق التي ألهمك وفهمك في عمل العسل {ذللاً} جمع ذلول وهي حال من السبل لأن الله ذللها لها وسهلها عليها، أو من الضمير في {فاسلكي} أي وأت ذلك منقادة لما أمرت به غير ممتنعة، أو المراد فاسلكي ما أكلت في سبل ربك المذللة أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلاً وهي أجوافك ومنافذ مأكلك، أو أراد أنك إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك لا تتوعر عليك ولا تضلين فيها. فقد يحكى أنها ربما أجدب عليها ما حولها فتسافر إلى البلد البعيد في طلب النجعة. ويجوز أن يريد بقوله: {ثم كلي} اقصدي أكل الثمرات {فاسلكي} في طلبها من مظانها {سبل ربك}. واعلم أن ظاهر قوله: {أن اتخذي} {ثم كلي} {فاسلكي} أمر. فمن الناس من قال لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول يتوجه بها عليها من الله أمر ونهي، ومنهم من أنكر ذلك وقال: المراد أنه سبحانه خلق فيها غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال. وتمام الكلام فيه سيجيء في سورة النمل. أما حدوث العسل من النحل فالأصح عند الأطباء أن الله تعالى دبر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي ويقع على أوراق الأشجار فقد يكون كثيراً يجتمع منه أجزاء محسوسة وهي الترنجبين ونحوه، وقد يكون قليلاً متفرقاً على الأوراق والأزهار وهو الذي ألهم الله تعالى هذا النحل فتلتقط تلك الذرّات بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها فإذا شبعت التقطت مرة أخرى وذهبت بها ووضعتها في بيوتها ادخاراً لنفسها، فإذا اجتمع في بيوتها شيء محسوس من تلك الأجزاء الطلية فذاك هو العسل. ولا يبعد أن يحصل لتلك الأجزاء في أفواهها نوع هضم وتغير ونضج لخاصية فيها فلذلك قال: {يخرج من بطونها} أي من أفواهها. ومن الناس من زعم أن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق العطرية ما شاءت، ثم إنه تعالى يقلب تلك الأجسام في داخل بدنه عسلاً، ثم إنه يقيء مرة أخرى فذلك هو العسل. قال العقلاء: والقول الأول أقرب إلى التجربة والقياس: فإن طبيعة الترنجبين قريبة من العسل في الطعم والشكل، ولا شك أنه طل محدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار فكذا العسل. وأيضاً النحل إنما تغتذي بالعسل ولهذا يترك منه بقية في بيوتها بعد الأشتيار. ولكن قوله تعالى: {يخرج من بطونها شراب} أي ما يشرب يعضد القول الثاني. وقوله: {مختلف ألوانه} أي منه أبيض وأصفر وأحمر وأسود بحسب اختلاف الأماكن وأمزجة النحل واختلاف الأزهار والأعشاب التي ترعى فيها. ثم وصفه بقوله: {فيه شفاء الناس} لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة ولذا يقع في أكثر المعاجين. وتنكير {شفاء} لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء فإن كل دواء كذلك. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً جاء إليه فقال: إن أخي يشتكي بطنه. فقال: اسقه العسل. فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع. فقال: اذهب فاسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك. فسقاه فشفاه الله فبرأ كأنما نشط من عقال. قال أهل المعاني: إنه صلى الله عليه وسلم كان عالماً بأنه سيظهر نفعه فلهذا قال: كذب بطن أخيك حين لم يظهر النفع في الحال. وعن عبد الله بن مسعود: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل. واعلم أنه سبحانه ختم الآية الأولى بقوله: {لقوم يسمعون} لأن إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض بسببه أمر مشاهد محسوس فمنكر ذلك فاقد الحس، وإنما خص بالذكر حس السمع لأن لفظ القرآن المنبه على هذه الآية مسموع. وختم الآية الثانية بالعقل لأنه يحتاج إلى نوع تدبر فالمعرض عنه فاقد العقل دون الحس. وختم الثالثة بالتفكر لأن أمر النحل وقصتها العجيبة من انقيادها لأميرها واتخاذها البيوت على أشكال يعجز عنها الحاذق منا، ثم تتبعها الزهر والطل ثم خروج ذلك من بطونها لعاباً أو قيئاً يقتضي فكرة بليغة. ولما ذكر بعض عجائب أحوال الحيوان أتبعه عجيب خلق الإنسان فقال: {والله خلقكم} ولم تكونوا شيئاً {ثم يتوفاكم} عند انقضاء آجالكم {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} إلى أخسه وأحقره. عن علي رضي الله عنه هو خمس وسبعون سنة. وعن قتادة تسعون سنة. وقال السدي: هو حالة الخرف دليله قوله: {لكيلا يعلم بعد علم شيئاً} أي ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفل في النسيان وعدم التذكر وقيل: لئلا يعقل بعد عقله الأول شيئاً أي لا يعلم زيادة علم على علمه. وقيل: إن الرد إلى أرذل العمر ليس في المسلمين والمسلم لا يزداد بسبب العمر إلا كرامة على الله تعالى ونظير الآية قوله: {أية : ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}تفسير : [التين: 5 - 6]. واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع: أوّلها سن النشوء، وثانيها سن الوقوف وهو سن الشباب، وثالثها الانحطاط الخفي اليسير وهو سن الكهولة، ورابعها سن الانحطاط الظاهر وهو سن الشيخوخة. وذكر الأطباء وأصحاب الطبيعي أن بدن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث وهما جوهران حارّان رطبان، والحرارة إذا عملت في الجسم الرطب قلت رطوبته فلا يزال في هذين الجوهرين من قوة الحرارة يقلل ما في العضو من الرطوبة حتى يتصلب ويظهر العظم والغضروف والعصب والوتر والرباط وسائر الأعضاء، فإذا تم تكوين البدن وكمل فعند ذلك ينفصل الجنين من رحم الأم وتكون رطوبة البدن بعد زائدة على حرارته، فتكون الأعضاء قابلة للتمدد والازدياد والنماء وهو سن النشو وغايته إلى ثلاثين أو إلى خمس وثلاثين سنة، ثم تصير رطوبات البدن أقل وتكون وافية بحفظ الحرارة الغريزية الأصلية إلا أنها لا تكون زائدة على هذا القدر وهو سن الوقوف والشباب وغايته وحينئذ يظهر النقصان قليلاً إلى ستين سنة وهي سن الكهولة، ثم يظهر جداً إلى تمام مائة وعشرين سنة. قال المتكلمون: هذا التعليل ضعيف لأن رطوبات البدن في حال كونه منياً ودماً كانت كثيرة ولذلك كانت الحرارة الغريزية مغمورة، ثم إنها مع ذلك كانت قوية على تحليل أكثر الرطوبات حتى نقلتها من حد الدموية والمنوية إلى أن صارت عظماً وغضروفاً وعصباً ورباطاً، فعندما تولدت الأعضاء وكمل البدن وقلت الرطوبات وجب أن تقوى الحرارة الغريزية قوّة أزيد مما كانت قبل ذلك فوجب أن يكون تحليل الرطوبات بعد تولد البدن وكماله أكثر من تحليلها قبل تولد البدن وليس الأمر كذلك، لأنه قبل تولد البدن انتقل جسم الدم والمني إلى أن صار عظماً وعصباً، أما بعد تولد البدن فلم يحصل مثل هذا الانتقال ولا عشر عشيره، فعلمنا أن البدن إنما يتولد بتدبير قادر حكيم لا لأجل ما قالوه. وبوجه آخر الحرارة الحاصلة في بدن الإنسان الكامل الغريزة إما أن تكون هي عين ما كان حاصلاً في جوهر النطفة، أو صارت أزيد مما كانت. والأول باطل لأن الحار الغريزي الحاصل في جوهر النطفة كان بمقدار جرم النطفة، فإذا كبر البدن وجب أن لا يظهر منه في هذا البدن تأثير أصلاً. وأما الثاني ففيه تسليم أن الحرارة تتزايد بحسب تزايد الجثة، ولا ريب أن تزايدها يوجب تزايد القوة والصحة ساعة فساعة فيلزم أن لا ينهدم البدن الحيواني أبداً وليس كذلك. وبوجه ثالث هب أن الرطوبة الغريزية صارت معادلة للحرارة الغريزية فلم قلتم إن الحرارة الغريزية يجب أن تصير أقل مما كانت حتى ينتقل الإنسان من سن الشباب إلى سن النقصان؟ قالوا: السبب فيه أنه إذا حصل هذا الاستواء فالحرارة الغريزية بعد ذلك تؤثر في تجفيف الرطوبة الغريزية فتقل الرطوبات الغريزية حتى صارت بحيث لا تفي بحفظ الحرارة الغريزية، وإذا حصلت هذه الحال ضعفت الحرارة الغريزية أيضاً لأن الرطوبات الغريزية كالغذاء للحرارة الغريزية، فإذا قل الغذاء ضعف المغتذي فينتهي الأمر إلى أن لا يبقى من الرطوبة شيء، لأن الحرارة الغريزية توجب قلة الرطوبة الغريزية وقلتها توجب ضعف الحرارة الغريزية فيلزم من ضعف إحداهما ضعف الأخرى فتنطفىء الحرارة أيضاً ويحصل الموت. وأورد عليهم أن الحرارة إذا أثرت في تجفيف الرطوبة وقلتها فلم لا يجوز أن تورد القوة الغاذية بدلها؟ فأجابوا بأن القوة الغاذية لا تفي بإيراد البدل. قال الإمام فخر الدين الرازي راداً عليهم. إن القوة الغاذية إنما تعجز عن هذا الإيراد إذا كانت الحرارة الغريزية ضعيفة وذلك ممنوع، وإنما تكون الحرارة الغريزية ضعيفة أن لو قلت الرطوبة الغريزية، وإنما تحصل هذه القلة إذا عجزت الغاذية عن إيراد البدل وهذا دور محال، فيثبت أن إسناد هذه الأحوال إلى الطبائع والقوى غير ممكن فيعين إسنادها إلى القادر المختار الحكيم، ولهذا ختم الآية بقوله: {إن الله عليم قدير} يعلم مقادير المصالح والمفاسد ويقدر على تحصيلها كما يريد. وأما الطبيعة فجاهلة عاجزة. قلت: لا شك أن نسبة هذه الأمور إلى مجرد الطبيعة كفر وجهل، لأنها ليست واجبة الوجود بالاتفاق ولكن إنكار القوى والطبائع أيضاً بعيد عن الإنصاف. والحق أنها وسائط وآلات لما فوقها من المبادىء والعلل إلى أن ينتهي الأمر إلى مسبب الأسباب ومبدأ الكل، وقد ثبت عند الحكيم أن كل قوة جسمانية فإنها متناهية الأثر فلا محالة تعجز القوة الغاذية آخر الأمر عن إيراد بدل ما يتحلل فيحل الأجل بتقدير العليم القدير. التأويل: {ولو يؤاخذ الله} النفوس الناسية {بما ظلمت} على القلوب والأرواح {ما ترك على} أرض البشرية صفة من صفات الحيوانية. ولكن يؤخر أهل السعادة إلى أجلهم وهو إفناء صفات النفس بصفات القلب والروح في حينه وأوانه، ويؤخر أهل الشقاء إلى أوان العكس من ذلك. {ويجعلون لله ما يكرهون} أي يعاملون الله بأعمال يكرهون أن يعاملهم بها غيرهم وتسوّل لهم أنفسهم أن تلك المعاملة حسنة. والله أنزل من سماء العزة ماء بيان القرآن فأحيا به أرض قلوب الأمم بعد موتها باختلافهم على أنبيائهم {إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} كلام الله من الله {وإن لكم في الأنعام} النفوس {لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث} الخاطر الشيطاني {ودم} الخاطر النفساني {لبناً خالصاً} من الإلهام الرباني {سائغاً للشاربين} جائزاً لأهل هذا الشرب {ومن ثمرات} نخيل الطاعات وأعناب المجاهدات {تتخذون منه سكراً} هو ما يجعل منها شرب النفس فتسكر النفس فتارة تميل عن الحق والصراط المستقيم ميلان السكران، وتارة تظهر رعوناتها بالأفعال والأحوال رياء وسمعة وشهوة. والرزق الحسن ما يكون منه شرب القلب والروح فيزداد منه الشوق والمحبة والصدق والطلب: شعر : شربت الحب كأساً بعد كأس فما نفد الشراب وما رويت تفسير : {وأوحى ربك إلى النحل} إشارة إلى حال السالك السائر {أن اتخذي من الجبال بيوتاً} أراد الاعتزال عن الخلق والتبتل إلى الله. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء أسبوعاً وأسبوعين وشهراً، ولا بد أن يتنظف كما أن النحل يحترز عن التلوث. وفيه أن نحل الأرواح اتخذت من جبال النفوس بيوتاً ومن شجر القلوب ومما يعرشون من الأسرار {ثم كلي من الثمرات فاسلكي سبل ربك} نظير قوله: {أية : كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً}تفسير : [المؤمنون: 51] فثمرات البدن الأعمال الصالحات، وثمرات النفوس الرياضيات ومخالفات الهوى، وثمرات القلوب ترك الدنيا والتوجه إلى المولى، وثمرات الأسرار شواهد الحق والتطلع على الغيوب والتقرب إلى الله، وهذه كلها أغذية نحل الأرواح فإنها بقوّة هذه الأغذية تسلك السبل إلى أن تصل إلى المقعد الصدق عند مليكها، فيكون غذاؤها مكاشفات الحق ومشاهداته فتبيت عند ربها يطعمها ويسقيها، فحينئذ يخرج من بطونها شراب الحكم والمواعظ مختلف الألوان من المعاني والأسرار والدقائق والحقائق {فيه شفاء} للقلوب الناسية القاسية عن ذكر الله {والله خلقكم} أخرجكم من العدم إلى الوجود {ثم يتوفاكم} عن الوجود المجازي {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} وهو مقام الفناء في الله {لكيلا يعلم} بعد فناء علمه شيئاً يعلمه بل يعلم بربه الأشياء كما هي والله أعلم بالصواب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة‏}‏ قال‏:‏ ما سقاهم المطر‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية يقول‏:‏ إذا قحط المطر لم يبق في الأرض دابة إلا ماتت‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة‏} ‏ قال‏:‏ قد فعل الله ذلك في زمان نوح، أهلك الله ما على ظهر الأرض من دابة إلا ما حملت سفينة نوح‏. وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود قال‏:‏ ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره، ثم قال‏:‏ أي والله‏.‏‏.‏‏.‏ ومن غرق قوم نوح عليه السلام‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود قال‏:‏ كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ ‏ {‏ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة‏}‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات، عن أنس بن مالك قال‏:‏ كاد الضب أن يموت في جحره هولاً من ظلم ابن آدم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير والبيهقي في الشعب، عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول‏:‏ إن الظالم لا يضر إلا نفسه‏.‏ فقال أبو هريرة‏:‏ بلى‏.‏ والله، إن الحبارى لتموت هزلاً وكرهاً من ظلم الظالم‏. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله‏ صلى الله عليه وسلم:‏ ‏"حديث : ‏لو أن الله يؤاخذني وعيسى ابن مريم بذنونبا، تفسير : وفي لفظ‏:‏ حديث : بما جنت هاتان - الإبهام والتي تليها - لعذبنا ما يظلمنا شيئا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏ {‏ويجعلون لله ما يكرهون‏} ‏ قال‏:‏ يقول‏:‏ تجعلون لي البنات وتكرهون ذلك لأنفسكم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏ويجعلون لله ما يكرهون‏}‏ قال‏:‏ وهن الجواري‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى‏}‏ قال‏:‏ قول كفار قريش لنا البنون ولله البنات. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وتصف ألسنتهم الكذب‏} ‏ أي يتكلمون بأن ‏ {‏لهم الحسنى‏}‏ الغلمان‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وأنهم مفرطون‏} ‏ قال‏:‏ مسيئون‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏وأنهم مفرطون‏} ‏ قال‏:‏ متروكون في النار ينسون فيها أبداً‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وأنهم مفرطون‏} ‏ قال‏:‏ قد فرطوا في النار أي معجلين‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏وأنهم مفرطون‏} ‏ قال‏:‏ معجل بهم إلى النار‏. وأخرج ابن مردويه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي كبشة، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : ما شرب أحد لبناً فيشرق؛ إن الله يقول‏ ‏{‏لبناً خالصاً سائغاً للشاربين‏} ‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي حاتم، عن ابن سيرين‏.‏ إن ابن عباس لبناً فقال له مطرف‏:‏ ألا تمضمضت‏؟‏ فقال‏:‏ ما أباليه بالة، اسمح يسمح لك‏.‏ فقال قائل‏:‏ إنه يخرج من بين فرث ودم‏.‏ فقال ابن عباس‏:‏ قد قال الله ‏ {‏لبناً خالصاً سائغاً للشاربين‏}‏. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وابن مردويه والحاكم وصححه، عن ابن عباس أنه سئل عن قوله‏:‏ ‏ {‏تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً‏} ‏ قال‏:‏ السكر ما حرم من ثمرتها، والرزق الحسن ما حل من ثمرتها. وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ السكر الحرام منه، والرزق الحسن زبيبه وخله وعنبه ومنافعه‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ السكر النبيذ، والرزق الحسن، فنسختها هذه الآية {أية : إنما الخمر والميسر} ‏تفسير : [‏المائدة: 90‏]‏‏. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير، عن أبي رزين في الآية قال‏:‏ نزل هذا وهم يشربون الخمر قبل أن ينزل تحريمها‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ السكر الخل، والنبيذ وما أشبهه‏.‏ والرزق الحسن‏:‏ الثمر والزبيب وما أشبهه‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏تتخذون منه سكراً ورزقاً حسنا‏ً}‏ قال‏:‏ فحرم الله بعد ذلك السكر، مع تحريم الخمر، لأنه منه، ثم قال‏:‏ ‏ {‏ورزقاً حسنا‏ً}‏ فهو الحلال من الخل والزبيب والنبيذ وأشباه ذلك، فأقره الله وجعله حلالاً للمسلمين‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً‏} ‏ قال‏:‏ إن الناس يسمون الخمر سكراً، وكانوا يشربونها، ثم سماها الله بعد ذلك الخمر حين حرمت، وكان ابن عباس يزعم أن الحبشة يسمون الخل السكر‏.‏ وقوله‏‏ {‏ورزقاً حسناً‏}‏ يعني بذلك الحلال التمر والزبيب، وكان حلالاً لا يسكر‏. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن ابن مسعود قال‏:‏ السكر خمر‏. وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير والحسن والشعبي وإبراهيم وأبي رزين مثله‏. وأخرج عبد الرزاق وابن الأنباري في المصاحف والنحاس، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏تتخذون منه سكرا‏ً} ‏ قال‏:‏ خمور الأعاجم، ونسخت في سورة المائدة‏. وأخرج النسائي عن سعيد بن جبير قال‏:‏ السكر الحرام، والرزق الحسن الحلال‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏تتخذون منه سكراً‏} ‏ قال‏:‏ ذكر الله نعمته عليهم في الخمر قبل أن يحرمها عليهم‏. وأخرج ابن الأنباري والبيهقي، عن إبراهيم والشعبي في قوله‏:‏ ‏{‏تتخذون منه سكرا‏ً} ‏ قالا‏:‏ هي منسوخة‏. وأخرج الخطيب، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لكم في العنب أشياء تأكلونه عنباً، وتشربونه عصيراً ما لم ييبس، وتتخذون منه زبيباً ورباً والله أعلم‏ "‏‏.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو يؤاخذ الله} فاعل هنا بمعنى فعل {الناس} اى الكفار {بظلمهم} بكفرهم ومعاصيهم {ما ترك عليها} اى على الارض المدلول عليها بالناس وبقوله {من دابة} لانها ما يدب على الارض والعرب تقول فلان افضل من عليها وفلان اكرم من تحتها فيردون الكناية الى الارض والسماء من غيره سبق ذكر لظهور الامر بين يديى كل متكلم وسامع ومن هذا القبيل قولهم والذى شقهن خمسا من واحد يعنى الاصابع من اليد ولم يقل على ظهرها احترازا عن الجمع بين الظاءين فى كلام واحد وهو لو وجوابه فانه ثقيل فى كلام العرب. والمعنى ما ترك على وجه الارض من دابة قط بل اهلكها بالكلية بشؤم ظلم الظالمين كقوله تعالى {أية : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}تفسير : فهلاك الدواب باجلها وهلاك الناس عقوبة. وعن ابى هريرة انه سمع رجلا يقول ان الظالم لا يضر الا نفسه فقال بلى والله حتى ان الحبارى لتموت فى وكرها بظلم الظالم. وعن ابن مسعود ضى الله عنه لو عذب الله الخلائق بذنوب بنى آدم لاصاب العذاب جميع الخلائق حتى الجعلان فى حجرها ولامسكت السماء عن الامطار ولكن اخرهم بالعفو والفضل. يقول الفقير ان اثر الظلم صار صورة ومعنى ذلك أن احد أذا احرق بيته يسرى ذلك الى بيوت المحلة بل البلدة ويحترق بسببه الدواب والهوام شعر : بى ادب تنهانه خودرا داشت بد بكله آتش درهمه آفاق زد تفسير : {ولكن} لا يؤاخذهم بذلك بل {يؤخرهم} يمهلهم بحلمه {الى اجل مسمى} اى معين لاعمارهم او لعذابهم كى يتوالدوا ويتناسوا او يكثر عذابهم {فاذا جاء} [بس جون بيايد] {اجلهم} المسمى {لا يستأخرون} عن ذلك الاجل اى لا يتأخرون. وصيغة الاستفعال للاشعار بعجزهم عنه مع طلبه له. شعر : كه يك لحظه سورت نبندد امان جو بيمانه برشد بدور زمان تفسير : {ساعة} اقصر وقت وهى مثل فى قلة المدة {ولا يستقدمون} اى لا يتقدمون وانما تعرض لذكره مع انه لا يتصور الاستقدام عند مجيئ الاجل مبالغة فى عدم الاستيخار بنظمه فى سلك ما يمتنع.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولو يُؤاخذ اللهُ الناسَ بظلمهم} أي: بكفرهم ومعاصيهم الصادرة من بعضهم، {كما ترك عليها} أي: على الأرض {من دابة}: نسمة تدب عليها، بشؤم ظلمهم. وعن ابن مسعود: (كاد الجُعَل يهلك في جُحره بذنب ابن آدم). وقيل: لو هلك الآباء بكفرهم لم يكن الأبناء، {ولكن يُؤخرهم إلى أجل مسمى} سماه لأعمارهم، أو لعذابهم، {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون} عنه {ساعة ولا يستقدمون} عليه، بل يهلكون، أو يُعذبون حينئذ لا محالة، فالحكمة في إمهال أهل الكفر والمعاصي؛ لئلا يعم العذاب، كقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً}تفسير : [الأنفال: 25]، و (لعل الله تعالى يُخرج من أصلابهم من يُوحد الله}. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن الله يهم أن ينزل إلى أهل الأرض عذابًا؛ لما يرى فيهم من كثرة الظلم والفجور، فإذا رأى حِلَق الذكر ومجالس العلم رفع عنهم العذاب. وفي بعض الأخبار: "حديث : لَوْلاَ شُيوخٌ ركع، وصِبْيَانٌ رُضَّعٌ، وبَهَائمُ رُتَّعٌ، لصُبَّ عَليكُمُ العَذَابُ صَبًّا ". تفسير : ثمَّ ذكر وعيد الكفار فقال: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ...}.

الطوسي

تفسير : قرأ نافع {مفرطون} بكسر الراء والتخفيف، من الافراط في الشيء اي الاسراف، بمعنى انهم مسرفون. وقرأ ابو جعفر مثل ذلك بالكسر غير انه شدد الراء من التفريط في الواجب. وقرأ الباقون بفتح الراء والتخفيف، ومعناه انهم متروكون في النار منسيون فيها - في قول قتادة ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك - وقال الحسن وقتادة - في رواية اخرى - ان المعنى انهم مقدمون بالاعجال الى النار، وهو من قول العرب: افرطنا فلان في طلب الماء، فهو مفرط اذا قدم لطلبه، وفرط فهو فارط اذا تقدم لطلبه، وجمعه فرّاط، قال القطامي: شعر : واستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تعجَّل فرّاطٌ لورّاد تفسير : ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : انا فرطكم على الحوض" تفسير : اي متقدمكم وسابقكم حتى تردوه. ومنه يقال في الصلاة على الصبي الميت: اللهم اجعله لنا ولأبويه فرطا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "حديث : انا والنبيون فرّاط العاصين"تفسير : اي المذنبين، والتأويل الاول من قول العرب: ما أفرطت ورائي احداً اي ما خلفت ولا تركت. والمعنى يرجع الى التقدم اي ما تقدمت احداً ورائي. اخبر الله تعالى انه لو كان ممن يؤاخذ الكفار والعصاة بذنوبهم، ويعاجلهم بعقوباتهم واستحقاق جناياتهم وظلمهم {لما ترك} على وجه الارض احداً ممن يستحق ذلك من الظالمين. وانما يؤخرهم تفضلاً منه ليراجعوا التوبة، او لما في ذلك من المصلحة لباقي المكلفين والاعتبار بهم، فلا تغتروا بالامهال، انكم مثلهم في استحقاق العقاب على ظلمكم. وقيل في وجه تعميمهم بالهلاك مع ان فيهم مؤمنين قولان: احدهما - ان الاهلاك وان عمهم فهو عذاب الظالم دون المؤمن، لان المؤمن يعوض عليه. الثاني - ان يكون ذلك خاصة. والتقدير ما ترك عليها من دابة من اهل الظلم. وقيل ان المعنى أنه لو هلك الآباء بكفرهم لم يوجد الابناء. وقوله {ولكن يؤخرهم إلى اجل مسمى} يعني الاجل الذي قدره لموتهم وهلاكهم، فاذا جاء ذلك الاجل، لا يتقدمون عليه لحظة ولا يتأخرون. وقوله {عليها} يعني على الارض لدلالة قوله {ما ترك عليها من دابة} اي دابة عليها لأنها تدب على الأرض. وقوله {يجعلون لله ما يكرهون} يعني يضيفون الى الله البنات مع كراهية ذلك لنفوسهم {وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} فقول (ان) بدل من الكذب، وموضعه النصب. وقيل في معناه قولان: احدهما - قال الحسن: فيما حكاه الزجاج: ان لهم الجزاء الحسنى. الثاني - قال مجاهد: ان لهم البنين مع جعلهم لله البنات اللاتي يكرهونهنّ. ثم قال تعالى {لا جرم أن لهم النار} ومعناه حقّاً أن لهم النار، في اقوال المفسرين. وقيل: معناه لا بد ان لهم النار، فجرم على هذا اسم، كأنه قال: قطع ان لهم النار وقال بعضهم {جرم} فعل ماض و (لا) ردّ لكلام متقدم، فكأنه قيل: قطع الحق أن لهم النار. وقيل: وجب قطعاً ان لهم النار. وقيل: كسب فعلهم أن لهم النار، وانهم مفرطون مقدمون ومعجلون الى النار. وقال الخليل: {لا جرم} لا يكون الا جواباً، تقول: فعلوا كذا وكذا، فيقال: لا جرم انهم سيندمون قال الشاعر: شعر : ولقد طعنت ابا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها ان يغضبوا تفسير : اي بعثتهم على ذلك ومثله {أية : لا يجرمنكم شقاقي}تفسير : اي لا يبعثكم عداوتي {على أن يصيبكم} ومثله {أية : لا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا} تفسير : ثم اقسم تعالى، فقال {لقد أرسلنا} يعني رسلا إِلى امم من قبلك يا محمد {فزين لهم الشيطان أعمالهم} يعني كفرهم وضلالهم وتكذيب رسل الله زينه الشيطان لهم. وقوله {فهو وليهم اليوم} قيل في معناه قولان: احدهما - انه ناصرهم في الدنيا، لأنه يتولى اغواءهم وسبب هلاكهم {ولهم عذاب أليم} يوم القيامة. الثاني - انه يوم القيامة وليّهم، لأنه لا يمكنه ان يتولى صرف المكروه عن نفسه، فكيف يتولى صرفه عنهم. ثم اخبر تعالى ان لهم عنده عذاباً أليماً موجعاً مؤلماً جزاء على كفرهم ومعاصيهم.

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ} ومنه تسمية الملائكة اناثاً ونسبة الولد الى الله او التّمثيل له بمثل غير لائقٍ بشأنه {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا} على الارض {مِن دَآبَّةٍ} لانّ ظلمهم قد سرى الى البهم من الدّوابّ وبجزائهم يهلك الدّوابّ ايضاً {وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ} ليبلغوا ما بلغوا من الشّقاوة ويتوب من يتوب ويسعد من يسعد {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} قد مضى انّ المعنى اذا قدّر مجيء اجلهم حتّى لا يستشكل بيستقدمون.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم} كفرهم ومعاصيهم ولا يلزم من عموم الناس وإِضافة الظلم إِليهم أن يكونوا كلهم ظالمين حتى الأَنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ونحوهم كالأَولياء والصالحين لجواز أن يضاف إِليهم ما شاع فيهم وصدر عن أكثرهم فبنسبة الظلم حكم على المجموع لا الجميع لأَن الناس ظالم ومقتصد وسابق بالخيرات ويحتمل أن المراد بالناس المشركون لنسبة الظلم وقد قال عز وعلا إِن الشرك لظلم عظيم وعموم الظلم فى الشرك وغيره أولى وأظهر وليس المقتصد والأَولياء والصالحون خالين عن الظلم رأساً {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا} أى على الأَرض وإِنما عيد الضمير إِليها ولم يجر الهاء ذكر للدلالة عليها بذكر الناس وبذكر التراب وبذكر الدابة بعد والذئب يكون على الأَرض وهذا أولى من قول بعضهم أُعيد إِليها الضمير لشهرتها وتمكن الإِشارة إِليها {مِن دَابَّةٍ} ما يدب على الأَرض من آدمى وجنى والأَنعام والوحش والطير وغير ذلك أى يهلك ذلك بسبب ظلم الظالم منعم ويبعث كلا على عمله كما روى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسمع أبو هريرة رجلا يقول إِن الظالم لا يضر إِلا نفسه فقال بلى والله إِن الحبارى لتموت فى وكرها بظلم الظالم. وعن ابن مسعود رضى الله عنه كاد الجعل يهلك فى جحره بذنب ابن آدم، وفى رواية عن أبى هريرة أنه سمع قائلا إِن الظالم لا يضر إِلا نفسه فقال بئس ما قلت إِن الحبارى تموتن لا بظلم الظالم وعن ابن مسعود إِن الجعل يعذب فى جحرها بذنب ابن آدم وهو بضم الجيم وفتح العين دويبة سوداء كالخنفساء، قال أبو عبيدة رضى الله عنه "حديث : مرت جنازة برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال مستريح أو يستراح منه، فقال يا رسول الله ما المستريح وما المستراح منه فقال العبد المؤمن يستريح من خطب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله والعبد الفاجر تستريح منه البلاد والعباد والدواب والشجر" تفسير : قلنا استراحة العباد لما يَأتى به من المنكر فإِن أنكروا عليه أذاهم بلسانه أو فى ما لهم بنزع بعض منه وإِن تركوه أثموا إِذ لا يسقط فرض النهى بشتم اللسان أو بنزع قليل من الماء وإِن كان يضرهم بالضرب أو بالمال الكثير فإِن أنكروا ضرهم بذلك وإِلا لم يأثموا لكن يتأَلمون بمعاصيه وأيضا يستريحون من ظلمه واستراحة البلاد لأَنه يحصل الجدب بمعاصيه فيهلك الحرث والنسل ولأَنه يغصب الأَرض ويمتنع من حقها ويصرف حقها فى غير وجهه وراحت الدواب مما لا يجوز له من إِتعابها فوق طاقتها وحمل ما لا تطيق وضربها وإِجاعتها وإِعطاشها وقد أهلك الله سبحانه وتعالى ما على الأَرض من كل ما يدب فى زمان نوح ـ عليه السلام ـ كما لا يجوز بذنوب قومه إِلا من كان فى السفينة وقوما بقوا لم يصبهم الغرق كما بينت فى محله ويحتمل أن يكون المراد ولو يَأخذ الله الناس الظالمين بظلمهم ما ترك عليها من دابة ظالمة كذا ظهر لى ثم رأيت القاضى أشار إِليه وزعم بعض أن المعنى لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأَبناء ويحتمل أن يريد بالدابة المشرك كما قال إِن شر الدواب عند الله الذين كفروا وبالناس مشركين وبالظلم الشرك كما مر أنه يناسبه أن الشرك الظلم عظيم {وَلَكن يُؤَخِّرُهُمْ} فضلا وكرما وحلما وليتوالد ويجرى ما سبق به علم الله جل وعلا {إِلَى أَجَلٍ} عند الموت وبعده وبعد القيامة حد محدود لكل منهم وهو عمر كل واحد {مُسَمًّى} معين المقدار عند الله عينه لأَعمارهم أو عذابهم وقيل المراد من تقوم عليهم الساعة ولا تقوم إِلا على المشركين لا يستأصل الناس بالهلاك حتى تأتى نفخة الموت {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً} عنه {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} بل هلكوا وعذبوا.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ} فى الدنيا يهلك أو يعاقب، والمفاعلة للمبالغة لا للمفاعلة بين اثنين، كما زعم ابن عطية أن العهد بأخذ حق الله بمعصية، والله يأخذ منه بمعاقبة لضعفه، بأن المأخوذين متغايران، بخلاف التضارب، فإنه فى جانب كل منهما إيلام بالضرب، وكأن نسبة أخذ حق الله بالمعصية، مع كونه مجازاً تنافى حسن الأدب. {النَّاسَ} الناس الظالمين لذكر تعليق الحكم بالظلم بعد فى قوله: {بِظلْمِهِمْ} لأنفسهم ظلمًا للغير، أو لأنفسهم فقط بالذنوب الكبار، فخرج غير الظالمين، ولا يأمر بتأخير القرينة، بقدر ما لا يفسد اعتقادا ولا عملا أو الناس عموماً بظلم الظالمين منهم، ولا بأس بنسبة الظلم إلى العموم باعتبار أن الظالمين فيهم، ولا يوهم أن الأنبياء غير معصومين، كما احتج بهذه الآية ونحوها، على أنهم غير معصومين، وقد قال الله جل وعلا: "أية : ثم أورثنا الكتاب"تفسير : [فاطر: 32] إلخ فذكر الظالم، وذكر المقتصد والسابق، فهما لا يطلق عليهما اسم ظالم إِلا ببيان التوبة، أو قيد. ويجوز أيضا أن يراد بالناس المعهودون المذكورون والمثبتون البنات لله سبحانه. {مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} غير مهلكة والهاء للأرض، دل عليها المقام لأن الظالمين كغيرهم فى الأرض، فكل من بنى آدم والدواب على الأرض، التزام، والحق جواز تأخير القرينة قدر ما لا يحتاج إِلى البيان فى الأحكم، وكيف فى غيرها، وكالدابة الحوت، ومر أيضا إدخاله فى الدابة، وإهلاك غير الظالم بالظالم حكمة من الله،ولا عقاب إِلا على الظالم، كما يصيب الناس القحط والطاعون والجدب بأسبابها من بغض الناس، كحكم الجور والزنى، ومنع الزكاة. قال ابن مسعود رضى الله عنه، كاد الجُعَل يهلك فى جحره بذنب ابن آدم. وفى مسند أحمد: ذنوب ابن آدم قتلت الجمل فى جحره، وسمع أبو هريرة رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال: بلى والله حتى إن الحيارى تموت هزلا بذنب ابن آدم، وذكر ابن الأثير هذا حديثًا، والمؤاخذة فى الآية والضر بما شاء الله من منع القطر، ومن الصاعقة، وما شابه من المهلكات، واختار بعض أن المراد منع القطر، ويقال الدواب خلقت لانتفاع الناس بها، فلو هلكوا لم يبق لها فائدة، وفيه أنها تعبد الله سبحانه وجل جلاله أيضا، وأن منها ما لا ينتفع به ابن آدم، اللهم إلا باعتبارها، وأما خلق لكم ما فى الأرض جميعا، فالمراد به ما يتوصلون إِليه، وخص الجمل بالذكر لأنه من أخبث الأشياء لا يترك بلا هلاك، فكيف ما هو عظيم، والحبارى لأنها أبعد الطير نجعة، لأنها تذبح بالبصرة، وتوجد فى حوصلتها الحبة الخضراء، وبين البصرة ومنابتها أَيام. ومن معنى الآية لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، والقائل لا يضر إِلا نفسه، يريد إِنما إِثمه عليه، كما قال الله عز وجل: "أية : إِنما بغيكم على أنفسكم" تفسير : [يونس: 23] ولعل ابن مسعود يرى أن المذنب عليه إثم ما هلك به، وقيل المراد بالدابة خصوص الظالمين، أى من دابة ظالمة، أى من أحد ظالم "أية : إِن شر الدواب عند الله الذين كفروا"تفسير : [الأنفال: 55] أو للظاهر عموم للدابة كما مر، حتى إنها تشمل الجن، ولو يؤاخذهم لم تبق دابة فى الأرض بالتنجس فى قطع النجاء، ومخالفة رسوله فى أمر الله إياه بإعفاء اللحى وإحفاء الشارب ولا تقبل شهادة من يفعل ذلك، ويجوز حلق أعلى الحلق لا ما فوقه من اللحيين باطنا وظاهراً أسفل مما يلى العنق، وفوق ما يلى الوجه. أخرج ابن مردويه عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ولو أن الله تعالى يؤاخذني وعيسى بن مريم بذنوبنا وفى لفظ بما جنت هاتان الإبهامان والتي تليهما لعذبنا ما يظلمنا شيئاً" تفسير : فلا بأس بتفسير الناس بما يشمل الأنبياء، لو كانوا لا يسمون باسم ظالم، كما تقول: الله خالق كل شئ، ودخل القردة والخنازير فى ذلك ولا قول خالق القردة والخنازير، وكما نقول: الله فى كل مكان، ولا نقول الله فى الدار. والأولى أن يراد بالناس العموم والظلم مصروف إِلى أَهله وصاحبه فيهم يؤخذ بظلمه، وغيره بشؤم الظالم، قال الله تعالى: "أية : واتقوا فتنة"تفسير : [الأنفال: 25] الخ. {وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} معين عند الله، أجل لأعمارهم وعذابهم، وتوالدهم، وسائر ما قضى الله فى الأزل، ولو هلك الآباء لذنوبهم لم تكن الأبناء فلا تبقى الدواب لأنها خلقت لهم على حد ما مر. {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً} ولو أقل من لحظة {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} عطف على إِذا وما بعدها لا على جوابها، لأن التقديم بعد المجئ مستحيل، فلا يتعرض لنفيه إِلا أن يعطف عليه، لا لبيان انتفاء التقدم، مع إمكانه فى نفسه كالتأخر بل للمبالغة فى انتفاء التأخير بنظمه فى سلك المستحيل عقلا أو المراد بمجئ الأجل قربه. وقرب الشئ، يقبل التقديم فيما بعد ذلك القرب لا فى نفس القرب أو قبله.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ} الظالمين مطلقاً، وقيل: بالكفر والمؤاخذة مفاعلة من فاعل بمعنى فعل وهو الظاهر، وقال ابن عطية: هي مجاز كأن العبد يأخذ حق الله تعالى بمعصيته والله تعالى يأخذ منه بمعاقبته وكذا الحال في مؤاخذة الخلق بعضهم بعضاً {بِظُلْمِهِمْ } أي بسبب كفرهم ومعاصيهم بناءً على أن الظلم فعل ما لا ينبغي ووضعه في غير موضعه؛ وقد يخص بالكفر والتعدي على الغير ويدخل فيه ما عد من القبائح، وهذا تصريح بما أفاده قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تفسير : [النحل: 60] وإيذان بأن ما أتاه هؤلاء الكفرة من القبائح قد تناهى إلى أمد لا غاية وراءه {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا} أي على الأرض المدلول عليها بالناس وبقوله تعالى: {مِن دَابَّةٍ} بناءً على شهرة كون الدبيب في الأرض أي ما ترك عليها شيئاً من الدواب أصلاً بل أهلكها بالمرة، أما الظالم فبظلمه وأما غيره فبشؤم ذلك فقد قال سبحانه: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } تفسير : [الأنفال: 25] وأخرج البيهقي في "الشعب" وغيره عن أبـي هريرة أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال: بلى والله إن الحبارى لتموت هزلاً/ في وكرها من ظلم الظالم، وأخرج أيضاً هو فيه وغيره عن ابن مسعود قال: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم قرأ الآية، وأخرج أحمد في "الزهد" عنه أنه قال: ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره ثم قال: أي والله زمن غرق قوم نوح عليه السلام، وقيل: المراد من دابة ظالمة على أن التنوين للنوع وهو مخصوص بالكفار والعصاة من الإنس، وقيل: منهم ومن الجن، وقيل: المراد الدابة الظالمة الفاعلة لما لا ينبغي شرعاً أو عرفاً فيدخل بعض الدواب إذا ضر غيره، وقالت فرقة منهم ابن عباس: المراد بالدابة المشرك فقد قال تعالى: {أية : إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الأنفال: 55] وقال الجبائي: الدابة على عمومها فتشمل سائر الحيوانات، والمراد بالناس الظالمون مطلقاً؛ ووجه الملازمة أنه تعالى لو آخذهم بما كسبوا من كفر أو معصية لعجل هلاكهم وحينئذٍ لا يبقى لهم نسل، ومن المعلوم أن لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العقاب وإذا هلكوا جميعاً وبطل نسلهم لا يبقى أحد من الناس وحينئذٍ يهلك الدواب لأنها مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم كما يشعر به قوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } تفسير : [البقرة: 29]. وبتخصيص الناس يسقط الاستدلال بالآية على عدم عصمة الأنبياء عليهم السلام، وقال بعض المحققين: لا حاجة إلى التخصيص في ذلك والآية من باب بنو تميم قتلوا قتيلاً لتظافر الأدلة والنصوص على عصمة الأنبياء عليهم السلام، فلا يقال: الأصل الحمل على الحقيقة. واستدل بعضهم للتخصيص بقوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرٰتِ } تفسير : [فاطر: 32] وإلا يفسد التقسيم، وقد يقال: إنه ما أحد إلا وهو متصف بظلم إلا أن مراتبه مختلفة فحسنات الأبرار سيئات المقربين، والعصمة التي تدعى للأنبياء عليهم السلام إنما هي العصمة مما يعد ذنباً بالنسبة إلى غيرهم وأما العصمة مما يعد ذنباً بالنسبة إلى مقامهم ومرتبتهم فلا تدعى لهم إذ قد وقع ذلك منهم كما يشهد به كثير من الآيات. وأخرج ابن مردويه عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «حديث : لو أن الله تعالى يؤاخذني وعيسى ابن مريم بذنوبنا ـ وفي لفظ ـ بما جنت هاتان الإبهام والتي تليها لعذبنا ما يظلمنا شيئاً»تفسير : نعم إنه لا يقال لنبـي هو ظالم ولا للأنبياء عليهم السلام هم ظالمون ويقال الناس ظالمون وهذا نظير قولهم: لا يقال لله سبحانه خالق القردة والخنازير ويقال هو خالق كل شيء، ورب شيء يجوز تبعاً ولا يجوز استقلالاً، وأمر التقسيم هين عند المتأمل فليتأمل. ومن الناس من احتج بالآية على أن أصل المضار الحرمة إذ لو كان الضرر مشروعاً فإما أن يكون مشروعاً على وجه يكون جزاءً على جرم أو لا وكلا القسمين باطل، أما الأول فللآية وذلك من وجهين. الأول: إنها لمكان لو تقتضي أن تعالى ما آخذ الناس بظلمهم وأنه ترك على ظهرها دابة. الثاني: أن مقتضى المؤاخذة عدم ترك دابة على ظهرها ونحن نشاهد أنه سبحانه قد ترك كثيراً من الدواب فيجب القطع بأنه تعالى لم يؤاخذ بالظلم، وأما الثاني فباطل بالإجماع فثبت بمقتضى الآية تحريم المضار، ويؤكد ذلك آيات أخر وأخبار؛ وحينئذٍ يقال: إذا وقعت حادثة مشتملة على الضرر من جميع الوجوه فإن وجدنا نصاً يدل على كونه مشروعاً قضينا به تقديماً للخاص على العام وإلا قضينا بالحرمة بناءً على الأصل الذي قرر. واستدل بها المعتزلة على أن العباد خالقون لأفعالهم ووجه مع رده غني عن البيان. {وَلَـٰكِنْ} لا يؤاخذهم بذلك بل {يُؤَخِرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ} سماه سبحانه وعينه لأعمارهم أو لعذابهم كي يتوالدوا أو يكثر عذابهم {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ } المسمى {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ} عنه {سَاعَةً} أقل مدة {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} عليه، وقد مر الكلام في نظيرها.

ابن عاشور

تفسير : هذا اعتراض في أثناء التوبيخ على كفرهم الذي من شرائعه وأد البنات. فأما وصف جعلهم لله البناتِ اللاتي يأنفون منها لأنفسهم، ووصف ذلك بأنه حُكم سوء، و وصف حالهم بأنها مَثَل سوء، وعرفهم بأخصّ عقائدهم أنهم لا يؤمنون بالآخرة، أتبع ذلك بالوعيد على أقوالهم وأفعالهم. والظّلم: الاعتداء على الحقّ. وأعظمه الاعتداء على حقّ الخالق على مخلوقاته، وهو حقّ إفراده بالعبادة، ولذلك كان الظلم في القرآن إذا لم يعدّ إلى مفعول نحو {أية : ظلموا أنفسهم} تفسير : [سورة آل عمران: 117] مراداً منه أعظم الظلم وهو الشرك حتى صار ذلك حقيقة عرفية في مصطلح القرآن، وهو المراد هنا من هذا الإنذار. وأما الظلم الذي هو دون الإشراك بالله فغير مراد هنا لأنه مراتب متفاوتة كما يأتي قريباً فلا يقتضي عقاب الاستئصال على عمومه. والتعريف في {الناس} يحمل على تعريف الجنس ليشمل جميع الناس، لأن ذلك أنسب بمقام الزجر، فليس قوله تعالى: {الناس} مراداً به خصوص المشركين من أهل مكة الذين عادت عليهم الضمائر المتقدمة في قوله: {أية : ليكفروا بما آتيناهم} تفسير : [سورة النحل: 55] وما بعده من الضمائر، وبذلك لا يكون لفظ {الناس} إظهاراً في مقام الإضمار. وضمير {عليها} صادق على الأرض وإن لم يجر لها ذكر في الكلام فإن المقام دالّ عليها. وذلك استعمال معروف في كلامهم كقوله تعالى: {أية : حتى توارت بالحجاب} تفسير : [سورة ص: 32] يعني الشمس، ويقولون: أصبحت باردة، يريدون الغَداة، ويقول أهل المدينة: ما بين لابتيها أحد يفعل كذا، يريدون لابتي المدينة. والدّابة: اسم لما يدبّ على الأرض، أي يمشي، وتأنيثه بتأويل ذات. وخصّ اسم {دابة} في الاستعمال بالإطلاق على ما عدا الإنسان مما يمشي على الأرض. وحرف {لو} حرف امتناع لامتناعٍ، أي حرف شرط يدلّ على امتناع وقوع جوابه لأجل امتناع وقوع شرطه. وشرط {لو} ملازمٌ للزمن الماضي فإذا وقع بعد {لَوْ} مضارع انصرف إلى الماضي غالباً. فالمعنى: لو كان الله مؤاخذاً الخلق على شركهم لأفناهم من الأرض وأفنى الدوابّ معهم، أي ولكنه لم يؤاخذهم. ودليل انتفاء شرط {لو} هو انتفاء جوابها، ودليل انتفاء جوابها هو المشاهدة، فإن الناس والدوابّ ما زالوا موجودين على الأرض. ووجه الملازمة بين مؤاخذة الظالمين بذنوبهم وبين إفناء الناس غير الظالمين وإفناء الدوابّ أن الله خلق الناس ليعبدوه، أي ليعترفوا له بالإلهية والوحدانية فيها، لقوله تعالى: {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} تفسير : [سورة الذاريات: 56]، وأن ذلك مودع في الفطرة لقوله تعالى: {أية : وإذ أخذ ربّك من بني ءادم من ظهورهم ذرّيتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا} تفسير : [سورة الأعراف: 172]. فنعمة الإيجاد تقضي على العاقل أن يشكر موجِدَه، فإذا جحد وجوده أو جحد انفراده بالإلهية فقد نقض العهد الذي وُجد على شرطه، فاستحقّ المحو من الوجود بالاستئصال والإفناء. وبذلك تعيّن أن المراد من الظلم في قوله تعالى: {بظلمهم} الإشراكُ أو التعطيل. وأما ما دون ذلك من الاهتداء على حقّ الله بمعصية أمره، أو على حقوق المخلوقات باغتصابها فهو مراتب كثيرة، منها اعتداء أحد على وجود إنسان آخر محترم الحياة فيُعدمه عمداً، لذلك جزاؤه الإفناء لأنه أفنى مماثله، ولا يتعدّاه إلى إفناء من معه، وما دون ذلك من الظلم له عقاب دون ذلك، فلا يستحقّ شيء غير الشرك الإهلاكَ، ولكنّ شأن العقاب أن يقصر على الجاني. فوجه اقتضاء العقاببِ على الشرك إفناءَ جميع المشركين ودوابّهم أن إهلاك الظالمين لا يحصل إلا بحوادث عظيمة لا تتحدّد بمساحة ديارهم، لأن أسباب الإهلاك لا تتحدّد في عادة نظام هذا العالم، فلذلك يتناول الإهلاكُ الناس غير الظالمين ويتناول دوابّهم. وإذ قد كان الظلم، أي الإشراك لم تخل منه الأرض لزم من إهلاك أهل الظلم سريان الإهلاك إلى جميع بقاع الأرض فاضمحلّ الناس والدوابّ فيأتي الفناء في قرون متوالية من زمن نوح مثلاً، فلا يوجد على الأرض دابّة في وقت نزول الآية. فأما من عسى أن يكون بين الأمّة المشركة مِن صالحين فإن الله يقدّر للصالحين أسباب النّجاة بأحوال خارقة للعادة كما قال تعالى: {أية : وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسّهم السوء ولا هم يحزنون} تفسير : [سورة الزمر: 61]. وقد أخبر الله تعالى بأنه نجّى هوداً والذين آمنوا معه، وأخبر بأنه نجّى أنبياء آخرين. وكفاك نجاة نوح عليه السلام والذين آمنوا معه من الطوفان في السفينة. وقد دلّ قوله تعالى: {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} أن تأخيرهم متفاوت الآجال، ففي مدد تلك الآجال تبقى أقوام كثيرة تعمُر بهم الأرض، فذلك سبب بقاء أمم كثيرة من المشركين ومن حولهم. واقتضى قوله تعالى: {من دابة} إهلاكَ دوابّ الناس معهم لو شاء الله ذلك، لأن استئصال أمّة يشتمل على استئصال دوابّها، لأنّ الدوابّ خلقت لنفع الناس فلا بدع أن يستأصلها الله إذا استأصل ذويها. والاقتصار على ذكر دابّة في هذه الآية إيجاز، لأنه إذا كان ظلم الناس مفضياً إلى استئصال الدوابّ كان العِلم بأنه مفض إلى استئصال الظالمين حاصلاً بدلالة الاقتضاء. وهذا في عذاب الاستئصال، وأما ما يصيب الناس من المصائب والفتن الوارد فيه قوله تعالى: {أية : واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة} تفسير : [سورة الأنفال: 25] فذلك منوط بأسباب عادية، فاستثناء الصالحين يقتضي تعطيل دواليب كثيرة من دواليب النظام الفطري العام، وذلك لا يريد الله تعطيله لما يستتبع تعطيله من تعطيل مصالح عظيمة والله أعلم بذلك. فقد جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله يقول: حديث : إذا أراد الله بقوم عذاباً أصاب العذابُ من كان فيهم ثم يُبعثون على نيّاتهمتفسير : ، أي يكون للمحسن الذي أصابه العذاب تبعاً جزاءٌ على ما أصابه من مصيبة غيره. وإنما الذي لا ينال البريء هو العقاب الأخروي الذي جعله الله جزاء على التكليف، وهو معنى قوله تعالى: {أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى} تفسير : [سورة الأنعام: 164]. وفي هذه الآية إشارة إلى أن الدوابّ التي على الأرض مخلوقة لأجل انتفاع الإنسان، فلذلك لم يكن استعمال الإنسان إيّاها فيما تصلح له ظلماً لها، ولا قتلها لأكلها ظلماً لها. والمؤاخذة: الأخذ المقصود منه الجزاء، فهو أخذ شديد، ولذلك صيغت له صيغة المفاعلة الدالة على الكثرة، فدلّ على أن المؤاخذة المنتفية بـ{لو} هي الأخذ العاجل المناسب للمجازاة، لأن شأن الجزاء في العرف أن لا يتأخر عن وقت حصول الذنب. ولهذا جاء الاستدراك بقوله تعالى: {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى}. فموقع الاستدراك هنا أنه تعقيب لقوله تعالى: {ما ترك عليها من دابة}. والأجل: المدّة المعيّنة لفعل ما. والمسمّى: المعيّن، لأن التسمية تعيين الشيء وتمييزه، وتسمية الآجال تحديدها. وتقدم نظير هذه عند قوله تعالى: {أية : ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} تفسير : في سورة الأعراف (34).

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لو عاجل الخلق بالعقوبة لأهلك جميع من في الأرض، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة. لأن العجلة من شأن من يخاف فوات الفرصة، ورب السموات والأرض لا يفوته شيء أراده. وذكر هذا المعنى في غير هذا الموضع. كقوله في "آخر سورة فاطر": {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} تفسير : [فاطر: 45] الأية، وقوله: {أية : وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَاب}تفسير : [الكهف: 58] الآية. وأشار بقوله: {وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ} إلى أنه تعالى يمهل ولا يهمل. وبين ذلك في غير هذا الموضع. كقوله: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ}تفسير : [إبراهيم: 42]، وقوله: {أية : وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ}تفسير : [العنكبوت: 53]. وبين هنا: أن الإنسان إذا جاء أجله لا يستأخر عنه، كما أنه لا يتقدم عن وقت أجله. وأوضح ذلك في مواضع أخر. كقوله: {أية : إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ} تفسير : [نوح: 4] الآية، وقوله:{أية : وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ} تفسير : [المنافقون: 11] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. واعلم - أن قوله تعالى: {أية : مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ}تفسير : [النحل: 61] فيه وجهان للعلماء: أحدهما - أنه خاص بالكفار لأن الذنب ذنبهم، والله يقول: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الأنعام: 164]. ومن قال هذا القول قال: {من دابة} أي كافرة. ويروى هذا عن ابن عباس. وقيل: المعنى أنه لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء. وجمهور العلماء، منهم ابن مسعود، وأبو الأحوص، وأبو هريرة، وقال الآخر: شعر : تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا والموت أكرم نزال على الحرم تفسير : وقد ولدت امرأة أعرابي أنثى، فهجرها لشدة غيظه من ولادتها أنثى فقالت: شعر : ما لأبي حمزة لا يأتينا يظل بالبيت الذي يلينا غضبان ألا نلد البنينا ليس لنا من أمرنا ما شينا وإنما نأخذ ما أعطينا تفسير : تنبيه لفظة "جعل" تأتي في اللغة العربية لأربعة معان: الأول - بمعنى اعتقد. كقوله تعالى هنا: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ}تفسير : [النحل: 57] قال في الخلاصة: وجعل اللذ كاعتقد الثاني - بمعنى صير كما تقدم في الحجر. كقوله: {أية : وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً} تفسير : [نوح: 16]. قال في الخلاصة: شعر : .. والتي كصيرا وأيضاً بها انصب مبتدأ وخبرا تفسير : الثالث - بمعنى خلق. كقوله: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ}تفسير : [الأنعام: 1] أي خلق الظلمات والنور. الرابع - بمعنى شرع. كقوله: شعر : وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ثوبي فأنهض نهض الشارب السكر تفسير : قال في الخلاصة: شعر : كأنشأ السائق يحدو وطفق كذا جعلت وأخذت وعلق تفسير : وقوله في هذه الآية الكريمة {سُبْحَانَهُ} أي تنزيها له جل وعلا عما لا يليق بكماله وجلاله، وهو ما ادعوا له من البنات سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً‍ وغيرهم كما نقله عنهم ابن كثير وغيره - على أن الآية عامة. حتّى إن ذنوب بني آدم لتهلك الجعل في جحره، والحبارى في وكرها، ونحو ذلك. لولا أن الله حليم لا يعجل بالعقوبة، ولا يؤاخذهم بظلمهم. قال مقيدة عفا الله عنه: وهذا القول هو الصحيح. لما تقرر في الأصول من: أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة "من" تكون نصاً صريحاً في العموم. وعليه فقوله "من دابة" يشمل كل ما يطلق عليه اسم الدابة نصاً. وقال القرطبي في تفسيره: فإن قيل: فكيف يعم بالهلاك مع أن فيهم مؤمناً ليس بظالم؟ يجعل هلاك الظالم انتقاماً وجزاء، وهلاك المؤمن معوضاً بثواب الآخرة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا أراد الله بقومٍ عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم، ثمَّ بُعِثُوا على أعمالهم" تفسير : اهـ محل الغرض منه بلفظه. والأحاديث بمثله كثيرة معروفة. وإذا ثبت في الأحاديث الصحيحة: أن العذاب إذا نزل بقوم عم الصالح والطالح، فلا إشكال في شمول الهلاك للحيوانات التي لا تعقل. وإذا أراد الله إهلاك قوم أمر نبيهم ومن آمن منهم أن يخرجوا عنهم. لأن الهلاك إذا نزل عم. تنبيه قوله: {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ} الضمير في {عليها} راجع إلى غير مذكور وهو الأرض. لأن قوله {من دابة} يدل عليه، لأن من المعلوم: أن الدواب إنما تدب على الأرض. ونظيره قوله تعالى: {أية : مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ}تفسير : [فاطر: 45]، وقوله: {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ}تفسير : [ص: 32] أي الشمس ولم يجر لها ذكر، ورجوع الضمير إلى غير مذكور يدل عليه المقام كثير في كلام العرب ومنه قول حميد بن ثور: شعر : وصهباء منها كالسفينة نضجت به الحمل حتى زاد شهراً عديدها تفسير : فقوله "صهباء منها" أي من الإبل، وتدل له قرينة "كالسفينة" مع أن الإبل لم يجر لها ذكر، ومنه أيضاً قول حاتم الطائي: شعر : أماوى ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر تفسير : فقوله "حشرجت وضاق بها" يعني النفس، ولم يجر لها ذكر. كما تدل له قرينة "وضاق بها الصدر". ومنه أيضاً قول لبيد في معلقته: شعر : حتى إذا ألقت يداً في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها تفسير : فقوله "ألقت" أي الشمس، ولم يجر لها ذكر، ولكن يدل له قوله: شعر : وأجن عوات الثغور ظلامها تفسير : لأن قوله: "ألقت يداً في كافر" أي دخلت في الظلام. ومنه أيضاً قول طرفة في معلقته: شعر : على مثلها أمضي إذا قال صاحبي ألا ليتني أفديك منها وأفتدي تفسير : فقوله: "أفديك منها" أي الفلاة، ولم يجر لها ذكر، ولكن قرينة سياق الكلام تدل عليها. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {يؤاخذ} الظاهر أن المفاعلة فيه بمعنى الفعل المجرد. فمعنى آخذ الناس يؤاخذهم: أخذهم بذنوبهم. لأن المفاعلة تقتضي الطرفين. ومجيئها بمعنى المجرد مسموع نحو: سافر وعافى. وقوله {يؤاخذ} إن قلنا إن المضارع فيه بمعنى الماضي فلا إشكال. وإن قلنا: إنه بمعنى الاستقبال فهو على إيلاء لو المستقبل وهو قليل. كقوله: {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [النساء: 9]، وقول قيس بن الملوح: شعر : ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ومن دون رمسينا من الأرض سيسب لظل صدى صوتي وإن كنت رمة لصوت صدى ليلى يهش ويطرب تفسير : والجواب بحمله على المضي في الآية تكلف ظاهر، ولا يمكن بتاتاً في البيتين، وأمثلته كثيرة في القرآن وفي كلام العرب. وقد أشار لذلك في الخلاصة بقوله: شعر : لو حرف شرط في مضي ويقل إيلاؤها مستقبلاً لكن قبل

القطان

تفسير : اجل مسمى: يوم القيامة. ما يكرهون: البنات. تصف السنتهم الكذب: يكذبون. لا جرم: حقا. مفرطون: بفتح الراء، معجل بهم. ومفرطون بكسر الراء: متجاوزون الحد. ومفرطون بكسر الراء المشددة: مقصرون وقرئ بالثلاثة كما سيأتي. لما حكى الله عن المشركين عظيمَ كفرهم وقبيح أفعالِهم، بيّن هنا عِلمه بخلْقه مع ظلمهم وأنه يُمهلهم بالعقوبة وإظهاراً لفضله ورحمته. {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ}. لو أن الله يؤاخذ الكفارَ والعصاة بذنوبهم، ويعاجلُهم بقعوباتهم واستحقاقِ جناياتهم، لما ترك على وجه الأرض أحداً ممن يستحقّ ذلك من الظالمين، وإنما يؤخرهم تفضُّلاً منه ليراجِعوا التوبة، ولكن يؤخرهم الى أجَلٍ سمّاه وعيّنه لهم. {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}. فاذا جاء الوقتُ الذي عيّنه، لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون. وقد تقدم في سورة الأعراف {أية : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} تفسير : [الأعراف:34]. {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ}. وينسِب هؤلاءِ المشركون الى اللهِ ما يكروهون لأنفسِهم من البنات، وتنطق ألسنتُهم بالكذِب إذ يزعمون أنّهم سيدخُلون الجنة. ورُوي أنهم قالوا: إن كان محمدٌ صادقاً في البعث فإنّ لنا الجنة، فردّ عليهم مقالهم بقوله: {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} حقا ولا شك أنّ لهم جهنّم وأنّهم إليها معجَّلون. قراءات: قرأ نافع: "مفرِطون" بكسر الراء، وقرأ أبو جعفر "مفرِّطون" بكسر الراء المشددة. والباقون "مفرَطون" بفتح الراء كما هو في المصحف. ثم بيّن الله ان هذا الصنيعَ الذي صدرَ من قريشٍ قد حدث مثلُه من الأمم السابقة في حق أنبيائهم، فقال مسلّياً رسولَه الكريم على ما كان يناله من الغم بسبب جهالاتهم وعنادِهم. {تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. يُقسِم الله تعالى بأنه أرسل رسُلاً من قبلك أيها الرسول إلى أُممٍ سابقة فحسَّن لهم الشيطانُ الكفرَ فاتّبعوه وكذّبوا رسلَهم، فهو متولي أمورهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار الأليم. {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. القرآنُ هو الفاصل بين الناس فيما يتنازعون فيه، وهو الهادي الى سبيل الرشاد لجميع الخلْق، وما أنزلنا عليك هذا القرآن الا لتبيِّن به للناس أجمعين الحقَّ فيما اختلفوا فيه، ولتهديَهم الى الصراط المستقيم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَسْتَأْخِرُونَ} (61) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ بِأَنَّهُ يَحْلُمُ عَلَى العُصَاةِ مِنَ البَشَرِ، مَعَ ظُلْمِهِمْ، وَأَنَّهُ لاَ يُعْجِّلُ بِمُؤَاخَذَتِهِمْ بِأَفْعَالِهِمْ، وَبِمَا كَسَبُوا، وَلُوْ أَنَّهُ فَعَلَ ذلِكَ لأَهْلَكَ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ عَلَى ظَهْرِهَا مَخْلُوقاً يَدِبُّ عَلَيْهَا. وَلَكِنَّهُ تَعَالَى يَحْلُمُ عَلَى العُصَاةِ، وَيَسْتُرُ عَلَيْهِمْ عُيُوبَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ، وَلاَ يُعَاجِلُهُمْ بِالعُقُوبَةِ، وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى اليَوْمِ المُحَدَّدِ لَهُمْ، فَإِذَا جَاءَ الأَجَلُ لاَ يُمْهَلُونَ لَحْظَةً وَاحِدَةً.

الثعلبي

تفسير : {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ} فيعاجلهم بالعقوبة على كفرهم وعصيانهم {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا} أي على ظهر الأرض كناية عن غير مذكور {مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ} يمهلهم عليه {إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ} منتهى آجالهم ساعة وانقضاء أعمارهم {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} ولا يقال موت قبله {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} لأنفسهم، يعني البنات {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ} محل (ان) نصب بدل عن الكذب لأنه بيان وترجمة له. وقرأ ابن عبّاس: والحسنى (الكذب) برفع الكاف والذال والباء على نعت الألسنة، والكذب: جمع كذوب، مثل رسول ورسل وصبور وصبر وشكور وشكر. {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ} يعني اليقين ومعنى الآية: ويجعلون له البنات ويزعمون أن لهم البنين. وقال حيان: يعني بالحسنى الجنة في المعاد إن كان محمّد صادقاً في البعث. {لاَ جَرَمَ} حقاً، وقال ابن عبّاس: بلى. {أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ} في الآخرة {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} منسيون في النار. قال ابن عبّاس وسعيد بن جبير: مبعدون. مقاتل: متروكون. قتادة: معجلون إلى النار. الفراء: مقدمون على النار. وقرأ نافع: (مفرطون) بكسر الراء مع التخفيف أي مسرفون، وقرأ أبو جعفر: بكسر الراء مع التشديد أي مضيّعون أمر الله تعالى. {تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} كما أرسلناك إلى هذه الأُمة {فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} الخبيثة التي كانوا عليها مقيمين {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ} ناصرهم ومعينهم وقرينهم ومتولي أمورهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة. {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} من الدين والأحكام {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} عطف الهدى والرحمة على موضع قوله (لتبين) لأن محله نصب ومجاز الكلام: وما أنزلنا عليك الكتاب إلاّ بيانا للناس وهدى ورحمة.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قول الحق تبارك وتعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ ..} [النحل: 61]. عندنا هنا: الأخْذ والمؤاخذة .. الأخْذ: هو تحصيل الشيء واحتواؤه، ويدل هذا على أن الآخذ له قدرةٌ على المستمسك بنفسه أو بغيره، فمثلاً تستطيع حَمْل حصاة، لكن لا تستطيع حمل حجر كبير، وقد يكون شيئاً بسيطاً إلا أنه مربوط بغيره ومستمسك به فيُؤخَذ منه قوة. فمعنى الأخذ: أن تحتوي الشيء، واحتواؤك له معناه أنك أقوى من تماسكه في ذاته، أو استمساك غيره به، وقد يكون الأَخْذ بلا ذنب. أما المؤاخذة فتعني: هو أخذَ منك فأنت تأخذُ منه .. ومنه قَوْل أحدنا لأخيه "لا مؤاخذة" في موقف من المواقف .. والمعنى: أنني فعلتُ شيئاً أستحق عليه الجزاء والمؤاخذة، فأقول: لا تؤاخذني .. لم أقصد. لذلك؛ فالحق تبارك وتعالى يقول هنا: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ ..} [النحل: 61]. ولم يَقُلْ: يأخذ الناس. وفي آية أخرى قال تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} تفسير : [هود: 102]. لماذا أخذها الله؟ أخذها لأنها أخذتْ منه حقوقه في أن يكون إلهاً واحداً فأنكرتها، وحقوقه في تشريع الصالح فأنكرنها. ويُبيِّن الحق سبحانه أن هذه المؤاخذة لو حدثت ستكون بسبب من الناس أنفسهم، فيقول سبحانه: {بِظُلْمِهِمْ ..} [النحل: 61]. أول الظلم أنهم أنكروا الوحدانية، يقول تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. فكأنهم أخذوا من الله تعالى حقّه في الوحدانية، وأخذوا من الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا كذاب، وأخذوا من الكتاب فقالوا "سحر مبين". كل هذا ظلم .. فالحق تبارك وتعالى لو آخذهم بما أخذوا، أخذوا شيئاً فأخذ الله شيئاً، لو عاملهم هذه المعاملة ما ترك على ظهرها من دابة. لذلك نجد في آيات الدعاء: {أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ..} تفسير : [البقرة: 286]. أي: أننا أخذنا منك يا ربّ الكثير بما حدث مِنّا من إسراف وتقصير وعمل على غير مقتضى أمرك، فلا تؤاخذنا بما بدر منا. فلو آخذ الله الناس بما اقترفوا من ظلم .. {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ..} [النحل: 61]. قد يقول قائل: الله عز وجل سَيُؤاخذ الناس بظلمهم، فما ذنب الدابة؟ ماذا فعلت؟ نقول: لأن الدابة خُلِقَتْ من أجلهم، وسُخِّرتْ لهم، وهي من نعم الله عليهم، فليست المسألة إذن نكايةً في الدابة، بل فيمَنْ ينتفع بها، وقد يُراد العموم لكل الخلق. فإذا لم يؤاخذ الله الناس بظلمهم في الدنيا فهل يتركهم هكذا؟ لا بل: {وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ ..} [النحل: 61]. هذا الأجل انقضاء دُنيا، وقيام آخرة، حتى لو لم يؤمنوا بالآخرة، فإن الله تعالى يُمهلهم في الدنيا، كما قال تعالى في آية أخرى: {أية : وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ ..} تفسير : [الطور: 47]. وقد يكون في هذا الأجل المسمى خير للحق، فكثير من الصحابة كانوا يدخلون المعارك، ويُحبون أنْ يقتلوا أهل الكفر فلاناً وفلاناً، ثم لا يتمكنون من ذلك ولا يصيبونهم، فيحزنون لذلك. ولكن أَجَل هؤلاء لم يَأْتِ بَعْد، وفي علم الله تعالى أن هؤلاء الكفار سيؤمنون، وأن إيمانهم سينفع المسلمين، وكأن القدر يدّخرهم: إما أنْ يؤمنوا، وإما أن تؤمنَ ذرياتهم. وقد آمن عمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم. ومن هؤلاء الذين نَجَوْا كان خالد بن الوليد سيف الله المسلول. {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [النحل: 61]. أي: إذا جاءت النهاية فلا تُؤخَّر، وهذا شيء معقول، ولكن كيف: ولا يستقدمون؟ إذا جاء الأجل كيف لا يستقدِمون؟ المسألة - إذن - ممتنعة مستحيلة .. كيف إذا جاء الأجل يكون قد أتى قبل ذلك؟... هذا لا يستقيم، لكن يستقيم المعنى تماماً على أن: {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [النحل: 61]. ليست من جواب إذا، بل تم الجواب عند (ساعة)، فيكون المعنى: إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة، وإذا لم يجيء لا يستقدمون. والله أعلم. ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن حكمته بإبقاء بريته بقوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ} [النحل: 61] إلى قوله: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [النحل: 65]. وفي قوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ} [النحل: 61] إشارة إلى أن الله تعالى لو كان مؤاخذاً للنفوس الناسية بما ظلمت على القلوب والأرواح ما ترك عليها أي: على أرض البشرية من دابة أي: من صفة من صفات الحيوانية {وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ} [النحل: 61] فتأخير أهل السعادة وأرباب السلوك إلى أجل سماه الله بحكمة وسعة في إفناء كل صفة من صفات النفس بتبديلها بصفات القلب والروح في حينه وأوانه، فإن صفات النفس سلم إلى القلب والروح وبه تصعد النفس إلى عالم الروحانية بقدم إفناء صفاتها في صفات الروحانية بتبديلها بها وتأخير أهل الشقاوة وأصحاب النار إلى أجل سماه الله بحكمته وسنته في إفناء كل صفة من صفات الروحانية بتبديلها بصفات النفسانية الحيوانية في حينه وأوانه، وأن الروح تسلم هذه الصفات وتنزل إلى سفل الحيوانية حتى تنخرط في سلك {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} تفسير : [الأعراف: 179]. {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} [النحل: 61] أجل كل طائفة من أهل السعادة وأهل الشقاوة، {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [النحل: 61] مما سمى الله بحكمته وقت صعودهم ونزولهم، {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} [النحل: 62] أي: يعاملون الله بأعمال يكرهون أن يعاملهم بعا غيرهم، {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ} [النحل: 62] أي: تسول لهم أنفسهم بالكذب {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ} [النحل: 62] أن لهم تلك المعاملة متجنية فيفرطون بها بغرور النفس {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ} [النحل: 62] نار الحسرة والقطيعة، {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} [النحل: 62] الذين أفرطوا في تبديل مشارب الروحانية بمشارب النفسانية بتسويل النفس الكاذبة. {تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ} [النحل: 63] يعني: في الدنيا فيه إشارة إلى أن من اتخذ الشيطان وليّاً فلا يكون له وليّاً في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 63] وفي هذه الآية تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية قلبه بأن يعلم أن في الأمم الماضية سنة الله وحكمته جارية بهداية قوم وضلالة آخرين. وقوله: {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} [النحل: 64] إشارة إلى أن القرآن وهو الكتاب المبين الذي يحكم على جميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم السلام - ومبين للأمم الماضية فاختلفوا فيه من معارف الدين ومعالم الحق لتتحقق لهم الحقائق المودعة والأسرار التي في القرآن ما لم يتحقق لهم في الكتب الأخرى، وليسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم بياناً ما سموا به من غيره من الأنبياء - عليهم السلام - فتنحل به مشكلاتهم، {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64] أي: ممن آمن بالأنبياء، وممن لم يؤمن بهم ورحمة من الله بهدايتهم بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم لهم، وليكون القرآن هدى لمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. ثم ضرب بإنزال القرآن مثلاً بالإشارة في قوله: {وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً} [النحل: 65] أي: قرآناً {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ} [النحل: 65] باختلافهم على أنبيائهم {بَعْدَ مَوْتِهَآ} [النحل: 65] يعرف بها الحق من الباطل {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً} [النحل: 65] أي: يسمعون القرآن بسمع يسمعه به كلام الله، فإن الله تعالى متكلم بكلام أزلي أبداً ولا يسمع كلامه إلا من أكرمه الله بسمع يسمع كلامه كقوله: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} تفسير : [الأنفال: 23].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى ما افتراه الظالمون عليه ذكر كمال حلمه وصبره فقال: { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ } من غير زيادة ولا نقص، { مَا تَرَكَ عَليها مِنْ دَابَّةٍ } أي: لأهلك المباشرين للمعصية وغيرهم، من أنواع الدواب والحيوانات فإن شؤم المعاصي يهلك به الحرث والنسل. { وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ } عن تعجيل العقوبة عليهم إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ } فليحذروا ما داموا في وقت الإمهال قبل أن يجيء الوقت الذي لا إمهال فيه.