١٦ - ٱلنَّحْل
16 - An-Nahl (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
62
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} أي من البنات. {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ} أي وتقول ألسنتهم الكذب. {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ} قال مجاهد: هو قولهم أن لهم البنين ولله البنات. «الكذِب» مفعول «تصِف» و «أنّ» في محل نصب بدل من الكذب؛ لأنه بيان له. وقيل: «الحسنى» الجزاء الحسن؛ قاله الزجاج. وقرأ ابن عباس وأبو العالية ومجاهد وابن مُحَيْصِن «الكُذُبُ» برفع الكاف والذال والباء نعتاً للألسنة؛ وكذا {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ} والكُذُب جمع كذوب، مثل رَسُول ورُسُل وصبُور وصبر وشَكُور وشُكُر. {لاَ} رَدٌّ لقولهم، وتَمّ الكلام، أي ليس كما تزعمون. {جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ} أي حقاً أن لهم النار. وقد تقدّم مستوفىً. {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} متركون منسيون في النار؛ قاله ابن الأعرابيّ وأبو عبيدة والكسائيّ والفرّاء، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير أيضاً: مبعدون. قتادة والحسن: معجلون إلى النار مقدمون إليها. والفارط: الذي يتقدم إلى الماء؛ ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا فَرَطُكم على الحوض» تفسير : أي متقدّمكم. وقال القَطَاميّ:شعر : فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تعجّل فُرّاط لوُرّاد تفسير : والفرّاط: المتقدّمون في طلب الماء. والورّاد: المتأخرون. وقرأ نافع في رواية وَرْش «مُفْرِطون» بكسر الراء وتخفيفها، وهي قراءة عبد الله بن مسعود وابن عباس، ومعناه مسرفون في الذنوب والمعصية، أي أفرطوا فيها. يقال: أفرط فلان على فلان إذا أرْبَى عليه، وقال له أكثر مما قال من الشر. وقرأ أبو جعفر القارىء «مُفَرِّطون» بكسر الراء وتشديدها، أي مضيّعون أمر الله؛ فهو من التفريط في الواجب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ } لأنفسهم من البنات والشريك في الرياسة وإهانة الرسل {وَتَصِفُ } تقول {أَلْسِنَتُهُمُ } مع ذلك {ٱلْكَذِبَ } وهو {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ } عند الله أي الجنة لقوله: { أية : وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ } تفسير : [50:41] قال تعالى {لاَ جَرَمَ } حقاً {أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ } متروكون فيها أو مقدّمون إليها وفي قراءة بكسر الراء أي متجاوزون الحدّ.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَا يَكْرَهُونَ} البنات {الْحُسْنَى} البنين، أو جزاء الحسنى {لا جَرَمَ} حقاً أو قطعاً، أو اقتضى فعلهم أن لهم النار [أو] بلى إن لهم النار "ع" {مُّفْرَطُونَ} منسيون، أو مضيعون، أو مبعدون في النار، أو متروكون فيها أو مقدمون إليها ومنه "أنا فرطكم على الحوض" أي متقدمكم، {مُفْرِطون} مسرفون في الذنوب من الإفراط فيها، {مُفَرِّطون} في الواجب.
البقاعي
تفسير : ولما كان ما تقدم أمارة على كراهتهم لما نسبوه إلى الله تعالى، أتبعه التصريح بعد التلويح بقوله تعالى: {ويجعلون لله} أي وهو الملك الأعظم {ما يكرهون} أي لأنفسهم، من البنات والأموال والشركاء في الرئاسة، ومن الاستخفاف برسلهم وجنودهم والتهاون برسالاتهم، ثم وصف جراءتهم مع ذلك، الكائنة في محل الخوف، المقتضية لعدم التأمل اللازم لعدم العقل فقال: {وتصف} أي تقول معتقدة مع القول الصفاء، ولما كان قولاً لا حقيقة له بوحه، أسنده إلى اللسان فقال: {ألسنتهم} أي مع ذلك مع أنه قول لا ينبغي أن يتخيله عاقل {الكذب} ثم بينه بقوله: {أن لهم الحسنى} أي عنده، ولا جهل أعظم ولا حكم أسوأ من أن تقطع بأن من تجعل له ما تكره يجعل لك ما تحب، فكأنه قيل: فما لهم عنده؟ فقيل: {لا جرم} أي لا ظن ولا تردد في {أن لهم النار} التي هي جزاء الظالمين {وأنهم مفرطون *} أي مقدمون معجلون إليها بتقديم من يسوقهم وإعجاله لهم؛ وقال الرماني: متروكون فيها، من قول العرب: ما أفرطت ورائي أحداً، أي ما خلفت ولا تركت، وقرأ نافع بالتخفيف والكسر، أي مبالغون في الإسراف والجراءة على الله. ولما بين مآلهم، وكانوا يقولون: إن لهم من يشفع فيهم، بين لهم ما يكون من حالهم، بالقياس على أشكالهم تهديداً، وتسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال تعالى: {تالله} أي الملك الأعلى {لقد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة، رسلاً من الماضين {إلى أُمم} ولما كان الإرسال بالفعل لم يستغرق زمان القبل، قال: {من قبلك} كما أرسلناك إلى هؤلاء {فزين لهم الشيطان} أي المحترق بالغضب. المطرود باللعنة {أعمالهم} كما زين لهؤلاء فضلوا كما ضلوا فأهلكناهم {فهو} لا غيره {وليهم اليوم} بعد إهلاكهم حال كونهم في النار ولا قدرة له على نصرهم {ولهم عذاب أليم *} فلا ولي لأنه لو قدر على نصرهم لما أسلمهم للهلاك وقد أطاعوه، بل لو عدموا ولايته كان ذلك أولى لهم، فهو نفي لأن يكون لهم ولي على أبلغ الوجوه. ولما كان حاصل ما مضى الخلاف والضلال والنقمة، كان كأنه قيل: فبين لهم وخوفهم ليرجعوا، فإنا ما أرسلناك إلا لذلك {وما أنزلنا} أي بما لنا من العظمة من جهة العلو {عليك الكتاب} أي الجامع لكل هدى. ولما كان في سياق الدعاء والبيان عبر بما يقتضي الإيجاب فقال: {إلا لتبين} أي غاية البيان {لهم} أي لمن أرسلت إليهم وهم الخلق كافة {الذي اختلفوا فيه} من جميع الأمور ديناً ودنيا لكونك أغزرهم علماً وأثقبهم فهماً، وعطف على موضع "لتبين" ما هو فعل المنزل، فقال تعالى: {وهدى} أي بياناً شافياً {ورحمة} أي وإكراماً بمحبة. ولما كان ذلك ربما شملهم وهم على ضلالهم، نفاه بقوله تعالى: {لقوم يؤمنون *} والتبيين: معنى يؤدي إلى العلم بالشيء منفصلاً عن غيره، وقد يكون عن المعنى نفسه، وقد يكون عن صحته، والبرهان لا يكون إلا عن صحته فهو أخص، والاختلاف: ذهاب كل إلى غير جهة صاحبه، والهدى: بيان طريق العلم المؤدي إلى الحق.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} [الآية: 62]. سمعت عبد الله بن محمد المعلم يقول سمعت عبد الله بن محمد بن منازل يقول لبعض الأغنياء: كيف يكون يوم القيامة إذا قال الله تعالى: هاتوا ما دفع إلى السلاطين والمغنيين وغيرهم ومن أمثالهم، فيؤتى بالدواب والثياب والأموال الفاخرة، وإذا قال: هاتوا ما دفع إلىّ فيؤتى بالكُسَرِ والخَرق وما لا يُؤبه له ألا تستحى من ذلك الموقف.
القشيري
تفسير : انخدعوا لمَّا لانَ لهم العيشُ، فظنوا أنهم ينجون، وبما يُؤَمِّلونه يحيطون؛ فَحسُنَتْ في أعينهم مقابحُ صفاتهم، ويومَ يُكْشَفُ الغطاءُ عنهم يعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة، فلا تسْمَعُ منهم دعوة، ولا تتعلق بأحدهم رحمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويجعلون لله} اى يثبتون له سبحانه وينسبون اليه فى زعمهم {ما يكرهون} لانفسهم من البنات ومن الشرك فى الرياسة {و} مع ذلك {تصف} تقول {ألسنتهم الكذب} مفعول تصف وهو {ان لهم الحسنى} بدل الكل من الكذب اى العاقبة الحسنى. عند الله وهى الجنة ان كان البعث حقال كقوله تعالى {أية : ولئن رجعت الى ربى ان لى عنده للحسنى}تفسير : فلا ينافى قولهم لا يبعث الله من يموت فانه يكفى فى صحته الفرض والتقدير. وعن بعضهم انه قال لرجل من الاغنياء كيف تكون يوم القيامة اذا قال الله هاتوا ما دفع الى السلاطين واعوانهم فيؤتى بالدواب والثياب وانواع الاموال الفاخرة واذا اقل ما دفع الىّ فيؤتى بالكسر والخرق وما لا مؤونة له أما تستحى من ذلك الموقف وقرأ هذه الآية {لا جرم} رد لكلامهم ذلك واثبات لنيته وهو مصدر بمعنى حقا. وبالفارسية [حق جنين است كه فردا قيامت] {ان لهم} مكان ما املوا من الحسنى {النار} التى ليس وراءها عذاب وهى علم فى السوء {وانهم مفرطون} اى مقدمون الى النار معجلون اليها من افطرته اذا قدمته فى طلب الماء او منسيون متركون فى النار من افرطت فلانا خلفى اذا خلقته ونسيته خلفك ثم سلى رسوله عما يناله من جهالات الكفرة ليصبر على اذاهم فقال {تالله لقد ارسلنا الى امم من قبلك} اى رسلا الى من تقدمك من الامم فدعوهم الى الحق فلم يجيبوا الى ذلك {فزين لهم الشيطان اعمالهم} القبيحة من الكفر والتكذيب بالرسل فعكفوا عليها مصرين {فهو}اى الشيطان{وليهم} اى قرينهم وبئس القرين{اليوم} اى يوم زين لهم الشيطان اعمالهم فيه على طريقة حكاية الحال الماضية او فى الدنيا تولى اضلالهم بالغرور فجعل اليوم عبارة عن زمان الدنيا ويوم القيامة وهو عاجز عن نصر فنسه فكيف ينصر غيره فهذه حكاية حال آتية فى حال كونهم معذبين فى النار والولى بمعنى الناصر. يقول الفقير الظاهر ان المراد باليوم يوم النبى صلى الله عليه وسلم وعصره وبالضمير فى وليهم اعقابهم وانسابهم من الكفرة المعاصرين والله اعلم {ولهم} فى الآخرة {عذاب اليم} هو عذاب النار.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أن لهم الحسنى}: بدل من {الكذب}، ومن قرأ {مفرطون}؛ بالكسر، فاسم فاعل من الإفراط، وهو: تجاوز الحد، ومن قرأها بالفتح؛ فاسم مفعول، من أفرط في طلب الماء، إذا قدمه. ومن قرأ بالتشديد؛ فمن التفريط. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ويجعلون لله ما يكرهون} لأنفسهم من البنات، والشركاء في الرئاسة وأراذل الأموال، {وتصف ألسنتُهُم الكذبَ} مع ذلك، وهو {أن لهم الحسنى} عند الله، وهي الجنة. وهذا كقوله: {أية : وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} تفسير : [فُصّلت: 50]. قال تعالى: {لا جَرَمَ أنَّ لهم النارَ} أي: لا شك، أو حقًا أن لهم النار، {وأنهم مُفْرَطُون}؛ مقدّمون إليها، أو متركون فيها، أو مفرطون في المعاصي والظلم، متجاوزون الحد في ذلك. أو مفرطون في الطاعة؛ من التفريط. الإشارة: الواجب في حق الأدب أن ما كان من الكمالات ينسب إلى الله تعالى، كائنًا ما كان، وما كان من النقائص ينسب إلى العبد، وإن كان، في الإيجاد والاختراع، كل من عند الله، وهو بهذا الاعتبار في غاية الحسن. كما قال صاحب العينية رضي الله عنه: شعر : وكُلُّ قَبِيحٍ إِنْ نَسَبْتَ لِحُسْنِه أَتَتْكَ مَعَانِي الحُسْنِ فِيهِ تُسَارعُ يُكَمِّلُ نُقْصَانَ القَبِيحِ جَمَالهُ فَمَا ثَمّ نُقْصَانٌ وَلاَ ثَمَّ بَاشِعُ تفسير : ثمَّ سلَّى نبيَّه صلى الله عليه وسلم بقوله: {تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ...}.
الجنابذي
تفسير : {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} من البنات والشّركاء من الرّياسة واراذل الاموال {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ} ان قرئ برفع الكذب فهو صفة لالسنتهم كما انّه قرئ الكذب بضمّتين مرفوعاً وجمعاً للكذوب وصفة لالسنتهم، وان قرئ بنصب الكذب كما هو المشهور فهو مفعول تصف وعلى الاوّل فقوله {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ} مفعول تصف وعلى الثّانى فهو بدل من الكذب وقد قالوا لئن رجعت الى ربّى انّ لى عنده للحسنى، ويجوز ان يكون ان لهم الحسنى بتقدير اللاّم تعليلاً لتصف على الوجهين والمعنى لانّ لهم الحسنى فى الدّنيا {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ} لاكسب جرمٍ فى ذلك اثبات لضدّ ما ادّعوا لانفسهم {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} فيما ادّعوا لانفسهم او فى اعمالهم.
اطفيش
تفسير : {وَيَجْعَلُونَ للهِ مَا يَكْرَهُونَ} لأَنفسهم كالبنات والشركة فى الرياسة وغيرها والاستخفاف بالرسل والتهاون بالرسالة فإِنهم يكرهون أن يستخف أحد بمن أرسلوه أو برسالتهم {وَتَصِفُ} أى تقول {ألْسِنَتُهُم الكَذِبَ} مع ذلك {أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى} المصدر من الاستقرار بدل من الكذب وقرىء الكذب بضم الكاف والذال جمع كذوب والرفع فهو نعت والمصدر مفعول به والحسين البنون فى تفسير مجاهد وقتادة وقال الحسن الجنة أى إِن كانت الجنة حقاً فهى لنا عند الله كقوله ولئن رجعت إِلى ربى إِن لى عنده للحسنى ولئن رددت إِلى ربى لأَجدن خيراً منها منقلبا وقول الحسن أنسب لقول الله تعالى {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ} وهو رد لكلامهم وإِثبات لضده وعلى قول مجاهد وقتادة يكون هذا كلاماً مستَأنفاً فى ذكر جزائهم على وصفهم الكذب ومعنى لا جرم حقا أو لا بد وقد مر {وَأَنَّهُم مُفْرَطُونَ} بكسر الراء مخففة أى مبالغون فى المعاصى مسرفون وقرأ غير نافع بفتح الراء مخففة أى مقدمون إِلى النار من قولك أفرطت فلانا إِلى الماء أى قدمته قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : أنا فرطكم على الحوض" تفسير : أى متقدمكم وذلك قول الفراء ومثله قول قتادة معجلون إِلى النار، وقال ابن العباس وابن جبير ومقاتل منسيون متروكون فى النار يقال أفرطت فلانا إِذا خلفته ونسبته وقرأ مفرطون بفتح الراء مشددة وفتح الفاء أى مقدمون إِلى النار معجلون إِليها كما يقال فرطته إِلى الماء بالتشديد وقرىء مفرطون بكسر الراء مشددة أى مضيعون للطاعة.
اطفيش
تفسير : {وَيَجْعَلُونَ للهِ مَا يَكْرَهُونَ} لأَنفسهم وهو البنات والشركة فى الرئاسة، أثبتوه لأصنامهم مع الله، وهو يكرهون أن يشاركهم فيها أحد، وإِهانة الرسل وهم يكرهون إهانة رسلهم، وإعطاء أراذل المال لله، وهم يكرهونه لأنفسهم ولأَصنامهم، وكانوا إِذا رأوا ما جعلوه لله سبحانه أزكى بدلوه لآلهتهم، وكما عاب عليهم الكذب بقوله: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ} فهم جمعوا بين الجعل والكذب {أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى} فى تأويل المصدر بدل من الكذب مطابق أو يقدر الباء أو خبر لمحذوف أى هو لهم والأول أولى، والمراد بالحسنى الجنة على سبيل فرض البعث والتقدير كقوله: "أية : ولئن رُدِدْتُ إِلى ربي لأجدن خيراً منها منقلبًا" تفسير : [الكهف: 36] "أية : ولئن رجعت إلى ربي إنَّ لي عنده للحسنى" تفسير : [فصلت: 50] بعض ينكر البعث، وبعض يجيزه ويشك فيه، وبعض يقرون به، حتى إن أحدهم ليربط البعير النفيس على قبر الميت ويتركه إِلى أن يموت، ويقول: يحشر عليه صاحب القبر، فهؤلاء أقروا بعث الناس والحيوانات، ويدعون الاشتراك مع المؤمنين فى نعيم الآخرة، كما اشتركوا فى نعيم الدنيا. قال الله عز وجل: "أية : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون" تفسير : [الجاثية: 21] ومنهم من يقول النار للمؤمنين، والجنة للمشركين لكثرة أموالهم ونعمهم، فتكون الآخرة كذلك، وتحتمله الآية فجعل تقديم الظرف لنحصى فكذبهم الله عز وجل بقوله: {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ} لا للمؤمنين، وتقدم معنى لا جرم، ومنه أن لا نفى لما قبل، أى لا حسنى لهم، أو لا يصح ما قالوا، وجرم بمعنى حق، وأن لهم الخ فاعله، والجواب بأن لهم النار يقوى تفسير الحسنى بالجنة، وقد يقال: الحسنى العاقبة الحسنى. {وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُون} مجاوزون الحد فى المعاصى، ووصف ألسنتهم للكذبة مبالغة فى وصف كلامهم بالكذب، كأن حقيقة الكذب كانت مجهولة، وألسنتهم تصفها وتعرفها، وسلّى الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: {تَاللهِ لقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} فأصروا على قبحها وكفروا بالمرسلين، وكذبوا وأهلكوا دنيا وأخرى، ونجا المرسلون ومن تبعهم من سخط الله فى الدنيا، وفازوا فى الآخرة، كذلك أنت يا محمد ومن آمن مع أمتك الذين لم يؤمنوا. {فَهُوَ وَلِيُّهُمْ} ولى لأمم {الْيَوْمَ} هو الدنيا أو هو حين التزيين حكاية للحال الماضية، كأنها حاضرة، أو هو يوم القيامة كأنه حاضر لتحقق الوقوع بعد، ويجوز عود الهاء لكفار قريش الشيطان يليهم بالغرور فى الدنيا حين التزيين، أو الضمير للأمم على تقدير مضاف، أى ولى أمثالهم، والأمثال قريش أو لقريش، والأمثال الأمم، والولى المقترن بهم فى الدنيا بالإغواء، والغرور فى الآخرة بالاجتماع فى النار، وشدة ضيق النفس بالاجتماع بهم، والقرن فى حديد واحد، ونحو ذلك، {أية : وإذا النفوس زُوِّجت} تفسير : [التكوير: 7]، {أية : يا ليت بينى وبينك بعُد المشرقين} تفسير : [الزخرف: 38] أو الولى فى الآخرة الناصر على التهكم بهم، أولا ولى لهم يتوهمونه يوم القيامة، إلا هو وهو لا يصرف عن نفسه، فكيف بهم. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يوم القيامة. {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ} يا محمد. {الْكِتَابَ} القرآن. {إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ} للناس الذين فى زمانك، ودخل بالأولى قومه، أو المراد قومه، وقدم التبيين على الهدى والرجعة لتقدمه فى الوجود، وهذه الآية تقوى أن الناس قبل هذه الآية المشركون من قومه، المعهودين لكن لا مانع من أن يرادوا هنا، لو عم هنالك فيرجع الضمير إليهم لقرينة التبيين، بإنه إنما يبين لمن فى زمانه، فيتصل البيان لمن بعده بالنقل عنه صلى الله عليه وسلم إلا لمن قبله. {الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ} أى خالفوك فيه من الافتعال الذى بمعنى المفاعلة، أو اختلفوا فيه معك، وذلك هو التوحيد والقدر والقضاء والبعث، وأحوال القيامة والفرائض والمحرمات وسائر الأحكام. {وَهُدًى وَرَحْمَةً} نصب على التعليل والعطف على محل تبين لاتحادهما مع الإنزال زماناً وفاعلا، ولما كان التبيين له صلى الله عليه وسلم لا لفاعل الإنزال جُرَّ باللام، ووجهه مجرور الحرف مفعول به، وصل إِليه بالحرف فحمل مجرور هذه اللام النصب على التعليل، والأولى نصبهما بأنزلناه مقدراً، ولا يجوز فى الفصيح مررت بزيد وعمرواً بنصب عمرو. {لِقوْمٍ يُؤْمِنُونَ} به، خصهم بالذكر، لأنهم المنتفعون والمعتبرون، وكذا: "أية : لقوم يسمعون" تفسير : [النحل: 65] ونحو ذلك فى محاله.
الالوسي
تفسير : {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ} أي يثبتون/ له سبحانه وينسبون إليه بزعمهم {مَا يَكْرَهُونَ } الذي يكرهونه لأنفسهم من البنات، والتعبير ـ بما ـ عند أبـي حيان على إرادة النوع، وهذا على ما سمعت تكرير لما سبق تثنية للتقريع وتوطئة لقوله تعالى: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ} أي يجعلون لله تعالى ما يجعلون ومع ذلك تصف ألسنتهم الكذب وهو {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي العاقبة الحسنى عند الله عز وجل ولا يتعين إرادة الجنة. وعن بعضهم أن المراد بها ذلك بناءً على أن منهم من يقر بالبعث وهذا بالنسبة لهم أو أنه على الفرض والتقدير كما روي أنهم قالوا: إن كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً في البعث فلنا الجنة بما نحن عليه، قيل: وهو المناسب لقوله تعالى الآتي: {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ } لظهور دلالته على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة، فلا يرد أنهم كيف قالوا ذلك وهم منكرون للبعث، وعن مجاهد أنهم أرادوا بالحسنى البنين وليس بذاك وقال بعض المحققين: المراد ـ بما يكرهون ـ أعم مما تقدم فيشمل البنات وقد علم كراهتهم لها وإثباتها لله تعالى بزعمهم والشركاء في الرياسة فإن أحدهم لا يرضى أن يشرك في ذلك ويزعم الشريك له سبحانه والاستخفاف برسل الله تعالى عليهم السلام فإنهم يغضبون لو استخف برسول لهم أرسلوه في أمر لغيرهم ويستخفون برسل الله تعالى عليهم السلام وأراذل الأموال فإنهم كانوا إذا رأوا ما عينوه لله تعالى من أنعامهم أزكى بدلوه بما لآلهتهم وإذا رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها ولو فعل نحو ذلك معهم غضبوا، وعلى هذا يفسر الجعل بما يعم الزعم والاختيار و {مَا} تعم العقلاء وغيرهم ولا يخلو الكلام عن نوع تكرير، والمراد من {تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ} يكذبون وهو من بليغ الكلام وبديعه، ومثله قولهم: عينها تصف السحر أي ساحرة وقدها يصف الهيف أي هيفاء، وقول أبـي العلاء المعري:شعر : سرى برق المعرة بعد وهن فبات برامة يصف الكلالا تفسير : وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً تمام الكلام في ذلك، والظاهر أن {ٱلْكَذِبَ} مفعول {تَصِفُ} و {أَنَّ لَهُمْ} بدل منه أو بتقدير بأن لهم ولما حذفت الباء صار في موضع نصب عند سيبويه، وعند الخليل هو في موضع جر، وجوز أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف كما أشرنا إليه في بيان المعنى، وجوز أبو البقاء كون {ٱلْكَذِبَ} بدلاً ـ مما يكرهون ـ وهو كما ترى. وقرأ الحسن ومجاهد باختلاف {ألسنهم} بإسقاط التاء وهي لغة تميم، واللسان يذكر ويؤنث قيل: ويجمع المذكر على ألسنة نحو حمار وأحمرة والمؤنث على ألسن كذراع وأذرع. وقرأ معاذ بن جبل وبعض أهل الشام {الكذب} بثلاث ضمات وهو جمع كذوب كصبر وصبور وهو مقيس. وقيل: جمع كاذب نحو شارف وشرف وهو غير مقيس، ورفعه على أنه صفة الألسنة و {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ} حينئذٍ مفعول {تَصِفُ}. {لاَ جَرَمَ} أي حقاً {أَنَّ لَهُمْ} مكان ما زعموه من الحسنى {ٱلنَّارَ} التي ليس وراء عذابها عذاب وهي علم في السوأى، وكلمة {لا } رد لكلام و {جَرَمَ } بمعنى كسب و {أَنَّ لَهُمْ } في موضع نصب على المفعولية أي كسب ما صدر منهم أن لهم ذلك. وإلى هذا ذهب الزجاج، وقال قطرب: {جَرَمَ} بمعنى ثبت ووجب و {أَنَّ لَهُمْ} في موضع رفع على الفاعلية له، وقيل: {لاَ جَرَمَ} بمعنى حقاً و {أَنَّ لَهُمْ} فاعل حق المحذوف، وقد مر تمام الكلام في ذلك وحلا. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر {إن لهم} بكسر الهمزة وجعل الجملة جواب قسم أغنت عنه {لا جرم} وكذا قرءا بالكسر في قوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} أي مقدمون معجل بهم إليها على ما روي عن الحسن. وقتادة من أفرطته إلى كذا قدمته/ وهو معدى بالهمزة من فرط إلى كذا تقدم إليه، ومنه «حديث : أنا فرطكم على الحوض» تفسير : أي متقدمكم وكثيراً ما يقال للمتقدم إلى الماء لإصلاح نحو دلو فارط وفرط، وأنشدوا للقطامى:شعر : واستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تعجل فراط لوراد تفسير : وقال مجاهد وابن جبير وابن أبـي هند: أي متركون في النار منسيون فيها أبداً من أفرطت فلاناً خلفي إذا تركته ونسيته. وقرأ ابن عباس وابن مسعود وأبو رجاء وشيبة ونافع وأكثر أهل المدينة {مفرطون} بكسر الراء اسم فاعل من أفرط اللازم إذا تجاوز أي متجاوزو الحد في معاصي الله تعالى. وقرأ أبو جعفر {مفرطون} بتشديد الراء وكسرها من فرط في كذا إذا قصر أي مقصرون في طاعة الله تعالى، وعنه أنه قرأ {مفرطون} بتشديد الراء وفتحها من فرطته المعدي بالتضعيف من فرط بمعنى تقدم أي مقدمون إلى النار.
ابن عاشور
تفسير : هذا ضغث على إبّالة من أحوالهم في إشراكهم تخالف قصّة قوله تعالى: {أية : ويجعلون لله البنات} تفسير : [سورة النحل: 57] باعتبار ما يختصّ بهذه القصّة من إضافتهم الأشياء المكروهة عندهم إلى الله مما اقتضته كراهتهم البنات بقوله تعالى: {أية : ولهم ما يشتهون} تفسير : [سورة النحل: 57]، فكانَ ذلك الجعل ينطوي على خصلتين من دين الشّرك، وهما: نسبة البنوّة إلى الله، ونسبة أخسّ أصناف الأبناء في نظرهم إليه، فخصّت الأولى بالذكر بقوله ويجعلون لله البنات مع الإيماء إلى كراهتهم البنات كما تقدّم. وخصّت هذه بذكر الكراهية تصريحاً، ولذلك كان الإتيان بالموصول والصلة {ما يكرهون} هو مقتضى المقام الذي هو تفظيع قولهم وتشنيع استئثارهم. وقد يكون الموصول للعموم فيشير إلى أنهم جعلوا لله أشياء يكرهونها لأنفسهم مثل الشريك في التصرّف؛ وأشياء لا يرضونها لآلهتهم ونسبوها لله كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} تفسير : [سورة الأنعام: 136]. وفي الكشاف: «يجعلون لله أرذل أموالهم ولأصنامهم أكرمها». فهو مراد من عموم الموصول، فتكون هذه القصة أعمّ من قصّة قوله تعالى: {ويجعلون لله البنات}، ويكون تخصيصها بالذكر من جهتين: جهة اختلاف الاعتبار، وجهة زيادة أنواع هذا الجعل. وجملة {وتصف ألسنتهم الكذب} عطف قصة على قصة أخرى من أحوال كفرهم. ومعنى {تصف} تذكر بشرح وبيان وتفصيل، حتى كأنها تذكر أوصاف الشيء. وحقيقة الوصف: ذكر الصفات والحُلَى. ثم أطلق على القول المبيّن المفصل. قال في «الكشاف» في الآية الآتية في أواخر هذه السورة:«هذا من فصيح الكلام وبليغه. جعل القول كأنه عين الكذب فإذا نطقت به ألسنتهم فقد صورت الكذب بصورته، كقولهم: وجهها يصف الجمال، وعينها تصف السحر» ا هــــ. وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : سبحانه وتعالى عما يصفون} تفسير : في سورة الأنعام (100). وسيأتي في آخر هذه السورة {أية : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} تفسير : [سورة النحل: 116]. ومنه قول المعرّي:شعر : سرى برق المعرّة بعد وهن فباتَ برامةٍ يصف الكَلاَلا تفسير : أي يشكو الإعياء من قطع مسافة طويلة في زمن قليل، وهو من بديع استعاراته. والمراد من هذا الكذب كل ما يقولونه من أقوال خاصتهم ودهمائهم باعتقاد أو تهكّم. فمن الأول قول العاصي بن وائل المحكي في قوله تعالى: {أية : وقال لأوتينّ مالاً وولداً} تفسير : [سورة مريم: 77] وفي قوله تعالى: {أية : ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} تفسير : [سورة فصلت: 50]. ومن الثاني قولهم في البليّة: أن صاحبها يركبها يوم القيامة لكيلا يُعيى. وانتصب {الكذب} على أنه مفعول {تصف}. {وأن لهم الحسنى} بدل من {الكذب} أو {الحسنى} صفة لمحذوف، أي الحالة الحسنى. وجملة {لا جرم أن لهم النار} جواب عن قولهم المحكي. ومعنى لا جرم لا شكّ، أي حقاً. وتقدم في سورة هود. و{مُفْرِطُونَ} ــــ بكسر الراء المخففة ــــ في قراءة نافع: اسم فاعل من أفرط، إذا بلغ غاية شيء ما، أي مفرطون في الأخذ من عذاب النار. وقرأه أبو جعفر ــــ بكسر الراء مشددة ــــ من فرّط المضاعف. وقرأه البقية ــــ بفتح الراء مخففة ــــ على زنة اسم المفعول، أي مجعولون فرطاً ــــ بفتحتين ــــ وهو المقدم إلى الماء ليسقي. والمراد: أنهم سابقون إلى النار معجّلون إليها لأنهم أشدّ أهل النار استحقاقاً لها، وعلى هذا الوجه يكون إطلاق الإفراط على هذا المعنى استعارة تهكّمية كقول عمرو بن كلثوم:شعر : فَعَجّلْنَا القِرى أن تشتمونا تفسير : أراد فبادرنا بقتالكم حين نزلتم بنا مغيرين علينا. وفيها مع ذكر النار في مقابلتها مُحسن الطباق. على أن قراءة نافع تحتمل التفسير بهذا أيضاً لِجواز أن يقال: أفرط إلى الماء إذا تقدّم له.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ}. أبهم جل وعلا في هذه الآية الكريمة هذا الذي يجعلونه لله ويكرهونه. لأنه عبر عنه بـ "ما" الموصولة، وهي اسم مبهم، وصلة الموصول لن تبين من وصف هذا المبهم إلا أنهم يكرهونه. ولكنه بين في مواضع أخر: أنه البنات والشركاء وجعل المال الذي خلق لغيره، قال في البنات: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ} تفسير : [النحل:57] ثم بين كراهيتهم لها في آيات كثيرة، كقوله: {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ}تفسير : [النحل: 58] الآية. وقال في الشركاء: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ} تفسير : [الأنعام: 100] الآية، ونحوها من الآيات. وبين كراهيتهم للشركاء في رزقهم بقوله: {أية : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}تفسير : [الروم: 28] أي إذا كان الواحد منكم لا يرضى أن يكون عبده المملوك شريكاً له مثل نفسه في جميع ما عنده. فكيف تجعلون الأوثان شركاء لله في عبادته التي هي حقه على عباده! وبين جعلهم بعض ما خلق الله من الرزق للأوثان في قوله:{أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً}تفسير : [الأنعام: 136] - إلى قوله - {أية : سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} تفسير : [الأنعام: 136] وقوله: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ} تفسير : [النحل: 56] كما تقدم. قوله تعالى: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار يقولون بألسنتهم الكذب. فيزعمون أن لهم الحسنى والحسنى تأنيث الأحسن، قيل: المراد بها الذكور. كما تقدم في قوله: {أية : وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ}تفسير : [النحل: 57]. والحق الذي لا شك فيه: أن المراد بالحسنى: هو زعمهم أنه إن كانت الآخرة حقاً فسيكون لهم فيها أحسن نصيب كما كان لهم في الدنيا. ويدل على صحة هذا القول الأخير دليلان: أحدهما - كثرة الآيات القرآنية المبينة لهذا المعنى. كقوله تعالى عن الكافر: {أية : وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ}تفسير : [فصلت: 50]، وقوله {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً}تفسير : [الكهف: 36]، وقوله: {أية : وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} تفسير : [مريم: 77]، وقوله: {أية : وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} تفسير : [سبأ: 35]. وقوله: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [المؤمنون: 55-56] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والدليل الثاني - أن الله أتبع قوله: {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ} بقوله: {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ} الآية. فدل ذلك دلالة واضحة على ما ذكرنا، والعلم عند الله. والمصدر المنسبك من "أن" وصلتها في قوله {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ} في محل نصب، بدل من قوله {ٱلْكَذِبَ} ومعنى وصف ألسنتهم الكذب قولها للكذب صريحاً لا خفاء به. وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ}تفسير : [النحل: 116] الآية ما نصه: فإن قلت: ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت: هو من فصيح الكلام وبليغه، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه. فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته، وصورته بصورته. كقولهم: وجهها يصف الجمال، وعينها تصف السحر اهـ. قوله تعالى: {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ}. في هذا الحرف قراءتان سبعيتان، وقراءة غير سبعية. قرأه عامة السبعة ما عدى نافعاً {مُفْرَطُون} بسكون الفاء وفتح الراء بصيغة اسم المفعول. من أفرطه. وقرأ نافع بكسر الراء بصيغة اسم الفاعل. من أفرط. والقراءة التي ليست بسبعية بفتح الفاء وكسر الراء المشددة بصيغة اسم الفاعل من فرط المضعف، وتروى هذه القراءة عن أبي جعفر. وكل هذه القراءات له مصداق في كتاب الله. أما على قراءة الجمهور {مفرطون} بصيغة المفعول فهو اسم مفعول أفرطه: إذا نسيه وتركه غير ملتفت إليه. فقوله: {مفرطون} أي متروكون منسيون في النار. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: {أية : فَٱلْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا}تفسير : [الأعراف: 51]، وقوله: {أية : فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ}تفسير : [السجدة: 14] الآية، وقوله: {أية : وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} تفسير : [الجاثية: 34]، فالنسيان في هذه الآيات معناه: الترك في النار. أما النسيان بمعنى زوال العلم: فهو مستحيل على الله. كما قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً}تفسير : [مريم: 64]، وقال: {أية : قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} تفسير : [طه: 52]. وممن قال بأن معنى {مفرطون} منسيون متركون في النار: مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة وابن الأعرابي، وأبو عبيدة، والفراء، وغيرهم. وقال بعض العلماء: معنى قوله {مفرطون} على قراءة الجمهور: أي مقدمون إلى النار معجلون. من أفرطت فلاناً وفرطته في طلب الماء: إذا قدمته، ومنه حديث: "أنا فرطكم على الحوض" أي متقدمكم. ومنه قول القطامي: شعر : فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تقدم فراط لوراد تفسير : قول الشنفرى: شعر : هممت وهمت فابتدرنا وأسبلت وشمر مني فارط متمهل تفسير : أي متقدم إلى الماء. وعلى قراءة نافع فهو اسم فاعل أفرط في الأمر: إذا أسرف فيه وجاوز الحد. ويشهد لهذه القراءة قوله: {أية : وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ}تفسير : [غافر: 43] ونحوها من الآيات. وعلى قراءة أبي جعفر، فهو اسم فاعل، فرط في الأمر: إذا ضيعه وقصر فيه، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: {أية : أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر: 56] الآية. فقد عرفت أوجه القراءات في الآية، وما يشهد له القرآن منها. وقوله: {لاَ جَرَمَ} أي حقاً أن لهم النار. وقال القرطبي في تفسيره: لا رد لكلامهم (وتم الكلام) أي ليس كما تزعمون! جرم أن لهم النار! حقاً أن لهم النار!وقال بعض العلماء: "لا"صله، و"جرم" بمعنى كسب. أي كسب لهم عملهم أن لهم النار.
الواحدي
تفسير : {ويجعلون لله ما يكرهون} لأنفسهم، وذلك هو البنات، أَيْ: يحكمون له به، {وتصف ألسنتهم الكذب} ثمَّ فسَّر ذلك الكذب بقوله: {أنَّ لهم الحسنى} أَي: الجنَّة والمعنى: يصفون أنَّ لهم مع قبح قولهم الجنَّة إن كان البعث حقّاً، فقال الله تعالى: {لا} أَيْ: ليس الأمر كما وصفوه {جرم} كسب قولهم هذا {أنَّ لهم النار وأنَّهم مُفرْطون} متروكون فيها. وقيل: مُقدَّمون إليها. وقوله: {فهو وليُّهم اليوم} يعني: يوم القيامة، وأُطلق اسم اليوم عليه لشهرته، وقوله: {لتبين لهم الذي اختلفوا فيه} أَيْ: تُبيِّن للمشركين ما ذهبوا فيه إلى خلاف ما يذهب إليه المسلمون، فتقوم الحجَّة عليهم ببيانك. وقوله: {وهدى} أَيْ: والهداية والرَّحمة للمؤمنين. وقوله: {والله أنزل} ظاهرٌ إلى قوله: {يسمعون} أَيْ: سماع اعتبار. يريد: إنَّ في ذلك دلالة على البعث. {وإنَّ لكم في الأنعام لعبرة} لدلالةً على قدرة الله تعالى ووحدانيَّته {نسقيكم مما في بطونه من بين فرث} وهو سرجين الكرش {ودمٍ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين} جائزاً في حلوقهم. {ومن ثمرات} أَيْ: ولكم منها ما {تتخذون منه سكراً} وهو الخمر. نزل هذا قبل تحريم الخمر {ورزقاً حسناً} وهو الخلُّ والزَّبيب والتَّمرُ {إنَّ في ذلك لآية لقومٍ يعقلون} يريد: عقلوا عن الله تعالى ما فيه قدرته. {وأوحى ربك إلى النحل} ألهمها وقذف في أنفسها {أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر} هي تتَّخذ لأنفسها بيوتاً إذا كانت لا أصحاب لها، فإذا كانت لها أرباب اتِّخذت بيوتها ممَّا تبني لها أربابها، وهو قوله: {ومما يعرشون} أَيْ: يبنون ويسقفون لها من الخلايا. {ثمَّ كلي من كلِّ الثمرات فاسلكي سبل ربك} طرق ربِّك تطلب فيها الرَّعي {ذللاً} منقادة مُسخَّرة مطيعة {يخرج من بطونها شراب} وهو العسل {مختلف ألوانه} منه أحمر وأبيض وأصفر {فيه} في ذلك الشَّراب {شفاء للناس} من الأوجاع التي شفاؤها فيه. {والله خلقكم} ولم تكونوا شيئاً {ثمَّ يتوفاكم} عند انقضاء آجالكم {ومنكم مَنْ يردُّ إلى أرذل العمر} وهو أردؤه، يعني: الهرم {لكيلا يعلم بعد علم شيئاً} يصير كالصبيِّ الذي لا عقل له. قالوا: وهذا لا يكون للمؤمنين؛ لأنَّ المؤمن لا ينزع عنه علمه وإن كبر {إنّ الله عليم} بما يصنع {قدير} على ما يريد.
د. أسعد حومد
تفسير : (62) - وَيَجْعَلُونَ للهِ بَنَاتٍ وَشُرَكَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُمْ يَأْنَفُونَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لأَحَدِهِمْ بِنْتٌ أَوْ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ، وَيَقُولُون، كَذِباً عَلَى أَنْفُسِهِمْ: إِنَّ لَهُمُ العَاقِبَةُ الحُسْنَى عِنْدَ اللهِ، إِذا بُعِثُوا يَوْمَ القِيَامَةِ، فَجَمَعُوا عَمَلَ السُّوءِ (الكُفْرَ وَنِسْبَةَ البَنَاتِ وَالشُّرَكَاءِ للهِ)، مَعَ تَمَنِّيهِم البَاطِلَ المُحَالَ، بِأَنْ يُجَازِيهِمْ اللهُ عَلَى ذلِكَ جَزَاءً حَسَناً، وَهَذا مُسْتَحِيلٌ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: لاَ شَكَّ (لاَ جَرَمَ) أَنَّ لَهُمْ، عِنْدَ اللهِ، يَوْمَ القِيَامَةِ، النَّارَ، وَأَنَّهُ سَيُعَجِّلُ بِهِمْ إِلَيها، وَيُنْسَونَ فِيهَا فَيَخْلُدُونَ فِيهَا أَبَداً. لاَ جَرَمَ - لاَ شَكَّ - أَوْ حَقّاً. مُفْرَطُونَ - مُقْدَّمُونَ وَمُعَجَّلٌ بِهِمْ إِلَى النَّارِ وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ: أَفْرَطَهُ إِلَى كَذَا أَيْ قَدِّمْهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ..} [النحل: 62]. الأليق أن الذي يُخرج لله يجب أن يكون من أطيب ما أعطاه الله، فإذا أردت أن تتصدقَ تصدَّقْ بأحسن ما عندك، أو على الأقل من أوسط ما عندك .. لكن أنْ تتصدَّق بأخسِّ الأشياء وأرذلها .. أن تتصدق مما تكرهه، كالذي يتصدق بخبز غير جيد أو لحم تغيَّر، أو ملابس مُهَلْهَلة، فهذا يجعل لله ما يكره. والحقيقة أن الناس إذا وثِقوا بجزاء الله على ما يعطيه العبد لأَعطَوْا ربهم أفضل ما يُحبون .. لماذا؟ لأن ذلك دليلٌ على حبّك للآخرة، وأنك من أهلها، فأنت تعمرها بما تحب، أما صاحب الدنيا المحبّ لها فيعطي أقل ما عنده؛ لأن الدنيا في نظره أهمّ من الآخرة. وبهذا يستطيع الإنسان أنْ يقيسَ نفسه: أهو من أهل الآخرة، أم من أهل الدنيا بما يعطي لله عز وجل؟ قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ..} [النحل: 62]. أي: مما ذكر في الآيات السابقة من قولهم: {أية : لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ ..} تفسير : [النحل: 57]. وأن الملائكة بنات الله، وجعلوا بينه وبين الجنَّة نسباً، إلى غير ذلك من أقوالهم، وجعلوا لله البنات وهم يكرهون البنات؛ لذلك: {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ} تفسير : [النحل: 58]. والمسألة هنا ليستْ مسألة جَعْل البنات لله، بل مُطْلق الجَعْل منهم مردود عليهم، فلو جعلوا لله ما يحبون من الذكْران ما تُقبّل منهم أيضاً؛ لأنهم جعلوا لله ما لم يجعل لنفسه. فالذين قالوا: عزير ابن الله. والذين قالوا: المسيح ابن الله. لا يُقبَل منهم؛ لأنهم جعلوا لله سبحانه ما لم يجعلْه لنفسه، فهذا مرفوض، وذلك مرفوض؛ لأننا لا نجعل لله إلا ما جعله الله لنفسه سبحانه. فنحن نجعل لله ما نحب مما أباح الله، كما جاء في قوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ..} تفسير : [آل عمران: 92]. وقوله: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ ..} تفسير : [الإنسان: 8]. ولذلك قال الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} تفسير : [الزخرف: 81]. فلو كان له ولد لآمنتُ بذلك، لكن الحقيقة أنه ليس له ولد .. إذن: ليست المسألة في جَعْل ما يكرهون لله بل في مُطْلَق الجعلْ، ذلك لأننا عبيد نتقرّب إلى الله بالعبادة، والعابد يتقرّب إلى المعبود بما يحب المعبود أن يتقرّب به إليه، فلو جعل الله لنفسه شيئاً فهو على العين والرأس، كما في أمره أن ننفق مما نُحب، ومن أجود ما نملك. ولذلك قوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ..} تفسير : [آل عمران: 92]. رَاعِ حق الفقير وضرورة أنْ تجعله كنفسك، لا يكُنْ هيِّناً عليك فتعطيه أردأ ما عندك .. والحق تبارك وتعالى لما أراد أن نتقرّب إليه بالنّسُك وذَبْح الهَدْي والأضاحي قال: {أية : فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ} تفسير : [الحج: 28]. لأنك إذا علمتَ أنك ستأكل منها سوف تختار أجود ما عندك. وقوله تعالى: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ ..} [النحل: 62]. الكذب: قضية ينطق بها اللسان ليس لها واقع في الوجود، أي مخالفة للواقع المشهود به من القلب .. ولماذا يشهد عليه القلب؟ قالوا: لأنه قد يطابق الكلام الواقع، ونحكم عليه مع ذلك بالكذب، كما جاء في قوله تعالى: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1]. بالله، أهذه القضية صِدْق أم لا؟ إنها قضية صادقة .. أنت رسول الله وقد وافق كلامهم ما يعلمه الله .. فلماذا شهد عليهم الحق تبارك وتعالى أنهم (كاذبون)؟ وفي أيِّ شيء هم كاذبون؟ قالوا: الحقيقة أنهم صادقون في قولهم: إنك لرسول الله، ولكنهم كذبوا في شهادتهم: {أية : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ..} تفسير : [المنافقون: 1]. لأنهم لا يشهدون فعلاً؛ لأن الشهادة تحتاج أنْ يُواطئَ القلبُ اللسانَ ويسانده، وهذه الشهادة منهم من اللسان فقط لا يساندها القلب. الإنسان عُرْضة لأنْ يقول الصدق مرة والكذب مرة، لكن هؤلاء بمجرد أن يقولوا (نشهد) فهم كاذبون، وهذا معنى: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ ..} [النحل: 62]. لأنهم حينما يقولون مثلاً: العزير ابن الله، المسيح ابن الله، الملائكة بنات الله. هذه كلها قضايا باطلة ليس لها واقع يوافق منطوق اللسان .. فألسنتهم تصف الكذب. وإنْ أردتَ أن تعرف الكذب الذي لا يطابق الواقع فاستمع إليه فبمجرد أنْ يُقال تعلم أنه كذب .. مثل ما حدث مع مُسيْلمة الذي ادَّعى النبوة، مجرد أنْ قال: أنا نبي قلنا: مسيلمة الكذاب. ويقول الحق سبحانه: {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ..} [النحل: 62]. أي: أن الكذب في قولهم (لهم الحسنى) فهذا اغترار وتمنٍّ على الله دون حق، ومثل هذه المقولة في سورة الكهف، في قصةِ أصحاب الجنتين، يقول تعالى: {أية : وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً * وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً}تفسير : [الكهف: 35-36]. فهذه مقولات ثلاث كاذبة: قوله: {أية : مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً} تفسير : [الكهف: 35]. هذه الأولى، فكم من أشياء تغيَّرت، ومَنْ يضمن لك بقاء ما أنت فيه، والحق تبارك وتعالى يقول في آية أخرى: {أية : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ} تفسير : [القلم: 17-20]. الكذبة الثانية: {أية : وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً ..} تفسير : [الكهف: 36]. فقد أنكر الساعة. الكذبة الثالثة: {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 36]. وهذا هو الشاهد في الآية هنا، ففيها اغترار وتمنٍّ على الله دون حقٍّ، كمن ادعوْا أن لهم الحسنى، وهم ليسوا أهلاً لها. وفي موضع آخر تأتي نفس المقولة: {أية : لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ..} تفسير : [فصلت: 49-50]. وهكذا الإنسان في طَبْعه أنه لا يسأم من طلب الخير، وكلما وصل فيه إلى مرتبة تمنّى أعلى منها، يقنط إنْ مسَّه شر، وإنْ رفع الله عنه ورحمه قال: هذا لي .. أنا استحقه، وأنا جدير به .. ألاَ قلتَ: هذا فضل من الله ونعمة، ثم بعد ذلك هو يتمنى على الله الأماني ويقول: {أية : إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ..} تفسير : [فصلت: 50]. ويُروى أن سيدنا داود - عليه السلام - مع ما أعطاه الله من الملْك والعظمة أنه صعد يوماً سطح منزله، فابتلاه الله بسِرْب من الجراد الذهب، فحينما رآه داود جعل يجمع منه في ثوبه، فقال له ربه: ألم أُغْنِك يا داود؟ قال: نعم ولكن لا غِنَى لي عن فضلك. وقوله تعالى: {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ ..} [النحل: 62]. لا جرم: أي حقاً أن لهم النار على ما تقدم منهم أن جعلوا لله ما يكرهون، وتصف ألسنتهم الكذب، وهذه أفعال يستحقّون النار عليها. وكلمة {لاَ جَرَمَ} منها جارم بمعنى مجرم، فالمعنى: لا جريمة في عقاب هؤلاء، لأنه لا يُقال على عقوبة الجريمة أنها جريمة .. إذن: لها معنيان، لا بُدَّ أن لهم النار، أو لا جريمة في أن لهم النار جزاء أعمالهم. {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} [النحل: 62]. جاءت في كلمة مُفْرطون عدة قراءات: مفرَطون، مفرِطون، مفرِّطون، مفرَّطون. وجمعيها تلتقي في المعنى. نحن حينما نصلي على جنازة مثلاً، إذا كان الميت مكلّفاً نقول في الدعاء له: "اللهم اغفر له، اللهم ارحمه .. اللهم إنْ كان مُحسناً فزِدْ في إحسانه، وإنْ كان مُسِيئاً فتجاوز عن سيئاته". فإنْ كان صغيراً غير مُكلَّف قُلْنا في الدعاء له "اللهم اجعله فرَطاً وذخراً". فما معنى فرَطاً هنا؟ معناه: أن يكون الطفل فَرَطاً لأبويه ومُقدّمة لهما إلى الجنة .. يمرُّ بين يديْ والديْه ويسبقهما إلى الجنة، وكأنه يقدم عليهما لِيُمهد لهما الطريق ليغفر الله لهما .. إذن: معنى مُفْرطون أي مُقدَّمون. ولكن إلى النار. ومنه قوله تعالى عن فرعون: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ..} تفسير : [هود: 98]. أي: يتقدمهم إلى النار .. كما كنتَ مُقدّماً عليهم، وإماماً لهم في الدنيا، فسوف تتقدمهم هنا وتسبقهم إلى النار.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} معناهُ مَتْرُوكُونَ مَنْسِيُّونَ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أن المشركين { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ } من البنات، ومن الأوصاف القبيحة وهو الشرك بصرف شيء من العبادات إلى بعض المخلوقات التي هي عبيد لله، فكما أنهم يكرهون، ولا يرضون أن يكون عبيدهم -وهم مخلوقون من جنسهم- شركاء لهم فيما رزقهم الله فكيف يجعلون له شركاء من عبيده؟!! { وَ } هم مع هذه الإساءة العظيمة { تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى } أي: أن لهم الحالة الحسنة في الدنيا والآخرة، رد عليهم بقوله: { لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ } مقدمون إليها ماكثون فيها غير خارجين منها أبدا. بيَّن تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه ليس هو أول رسول كُذِّب فقال [تعالى]: { تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ } رسلا يدعونهم إلى التوحيد، { فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } فكذبوا الرسل، وزعموا أن ما هم عليه، هو الحق المنجي من كل مكروه وأن ما دعت إليه الرسل فهو بخلاف ذلك، فلما زين لهم الشيطان أعمالهم، صار وليهم في الدنيا، فأطاعوه واتبعوه وتولوه. {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا } تفسير : { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة حيث تولوا عن ولاية الرحمن، ورضوا بولاية الشيطان فاستحقوا لذلك عذاب الهوان.
همام الصنعاني
تفسير : 1493- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ}: [الآية: 62]، قال: قد فرطوا في ان النارِ: أي: مُعجلُونَ. 1494- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ}: [الآية: 62]، قال: الغلمان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):