Verse. 1964 (AR)

١٦ - ٱلنَّحْل

16 - An-Nahl (AR)

تَاللہِ لَقَدْ اَرْسَلْنَاۗ اِلٰۗى اُمَمٍ مِّنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَہُمُ الشَّيْطٰنُ اَعْمَالَہُمْ فَہُوَوَلِيُّہُمُ الْيَوْمَ وَلَہُمْ عَذَابٌ اَلِيْمٌ۝۶۳
TaAllahi laqad arsalna ila omamin min qablika fazayyana lahumu alshshaytanu aAAmalahum fahuwa waliyyuhumu alyawma walahum AAathabun aleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك» رسلاً «فزين لهم الشيطان أعمالهم» السيئة فرأوها حسنة فكذبوا الرسل «فهو وليهم» متولي أمورهم «اليوم» أي في الدنيا «ولهم عذاب أليم» مؤلم في الآخرة وقيل المراد باليوم يوم القيامة على حكاية الحال الآتية لا ولي لهم غيره وهو عاجز عن نصر نفسه فكيف ينصرهم.

63

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} أي أعمالهم الخبيثة. هذا تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم بأن من تقدّمه من الأنبياء قد كفر بهم قومهم. {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ} أي ناصرهم في الدنيا على زعمهم. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة. وقيل: «فهو ولِيّهم» أي قرينهم في النار. {ٱلْيَوْمَ} يعني يوم القيامة، وأطلق عليه اسم اليوم لشهرته. وقيل يقال لهم يوم القيامة: هذا وليّكم فاستنصروا به لينجيكم من العذاب، على جهة التوبيخ لهم.

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى أنه أرسل إلى الأمم الخالية رسلاً، فكذبت الرسل، فلك يا محمد في إخوانك من المرسلين أسوة، فلا يهيدنك تكذيب قومك لك، وأما المشركون الذين كذبوا الرسل، فإنما حملهم على ذلك تزيين الشيطان لهم ما فعلوه، {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ} أي: هم تحت العقوبة والنكال، والشيطان وليهم، ولا يملك لهم خلاصاً، ولا صريخ لهم، ولهم عذاب أليم. ثم قال تعالى لرسوله: إنه إنما أنزل عليه الكتاب ليبين للناس الذي يختلفون فيه، فالقرآن فاصل بين الناس في كل ما يتنازعون فيه {وَهُدًى} أي: للقلوب {وَرَحْمَةً} أي: لمن تمسك به {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وكما جعل سبحانه القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها، كذلك يحيي الأرض بعد موتها بما أنزله عليها من السماء من ماء {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي: يفهمون الكلام ومعناه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ } رسلاً {فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَِّنُ أَعْمَالَهُمْ } السيئة فرأوها حسنة فكذبوا الرسل {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ } متولي أمورهم {ٱلْيَوْمَ } أي في الدنيا {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم في الآخرة وقيل المراد باليوم يوم القيامة على حكاية الحال الآتية أي لا وليّ لهم غيره وهو عاجز عن نصر نفسه فكيف ينصرهم؟

الشوكاني

تفسير : بيّن سبحانه أن مثل صنيع قريش قد وقع من سائر الأمم، فقال: مسلياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم {تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ } أي: رسلاً {فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـِّنُ أَعْمَالَهُمْ } الخبيثة {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ } يحتمل أن يكون ليوم عبارة عن زمان الدنيا، فيكون المعنى: فهو قرينهم في الدنيا، ويحتمل أن يكون اليوم عبارة عن يوم القيامة وما بعده، فيكون للحال الآتية، ويكون الوليّ بمعنى الناصر. والمراد: نفي الناصر عنهم على أبلغ الوجوه، لأن الشيطان لا يتصوّر منه النصرة أصلاً في الدار الآخرة، وإذا كان الناصر منحصراً فيه، لزم أن لا نصرة من غيره. ويحتمل أن يراد باليوم بعض زمان الدنيا، وهو على وجهين: الأوّل: أن يراد البعض الذي قد مضى، وهو الذي وقع فيه التزيين من الشيطان للأمم الماضية، فيكون على طريق الحكاية للحال الماضية. الثاني: أن يراد البعض الحاضر، وهو وقت نزول الآية. والمراد: تزيين الشيطان لكفار قريش، فيكون الضمير في {وليهم} لكفار قريش: أي فهو وليّ هؤلاء اليوم. أو على حذف مضاف، أي: فهو وليّ أمثال أولئك الأمم اليوم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: في الآخرة، وهو عذاب النار. ثم ذكر سبحانه أنه ما هلك من هلك إلاّ بعد إقامة الحجة عليهم وإزاحة العلة منهم، فقال: {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } وهذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بالكتاب: القرآن، والاستثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال أي: ما أنزلناه عليك لحال من الأحوال، ولا لعلة من العلل إلاّ لعلة التبيين لهم، أي: للناس الذي اختلفوا فيه من التوحيد، وأحوال البعث، وسائر الأحكام الشرعية، وانتصاب {هُدًى وَرَحْمَةً} على أنهما مفعول لهما معطوفان على محل لتبين. ولا حاجة إلى اللام، لأنهما فعلاً فاعل الفعل المعلل، بخلاف التبيين، فإنه فعل المخاطب، لا فعل المنزل {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } بالله سبحانه، ويصدّقون ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب. ثم عاد سبحانه إلى تقرير وجوده وتفرّده بالإلهية بذكر آياته العظام فقال: {وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاء مَآء } أي: من السحاب، أو من جهة العلو كما مرّ، أي: نوعاً من أنواع الماء {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } أي: أحياها بالنبات بعد أن كانت يابسة لا حياة بها {إِنَّ فِى ذَلِكَ } الإنزال والإحياء {لآيَةً } أي: علامة دالة على وحدانيته، وعلى بعثه للخلق ومجازاتهم {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } كلام الله ويفهمون ما يتضمنه من العبر، ويتفكرون في خلق السموات والأرض. {وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً } الأنعام هي: الإبل والبقر والغنم ويدخل في الغنم المعز. والعبرة أصلها: تمثيل الشيء بالشيء ليعرف حقيقته بطريق المشاكلة. ومنه {أية : فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ }تفسير : [الحشر: 2]. وقال أبو بكر الوارق: العبرة في الأنعام: تسخيرها لأربابها وطاعتها لهم، والظاهر أن العبرة هي قوله: {نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهِ } فتكون الجملة مستأنفة لبيان العبرة. قرأ أهل المدينة، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر "نسقيكم" بفتح النون، من سقى يسقي. وقرأ الباقون وحفص عن عاصم بضم النون من أسقى يسقي، قيل: هما لغتان. قال لبيد:شعر : سقى قومي بني مجد وأسقى نميراً والقبائل من هلال تفسير : وقرىء بالتاء الفوقية، على أن الضمير راجع إلى الأنعام. وقرىء بالتحتية على إرجاع الضمير إلى الله سبحانه، وهما ضعيفتان. وجميع القراء على القراءتين الأوليين، والفتح لغة قريش، والضم لغة حمير. وقيل: إن بين سقى وأسقى فرقاً، فإذا كان الشراب من يد الساقي إلى فم المسقى فيقال: سقيته، وإن كان بمجرّد عرضه عليه وتهيئته له، قيل: أسقاه. والضمير في قوله: {مّمَّا فِى بُطُونِهِ } راجع إلى الأنعام. قال سيبويه: العرب تخبر عن الأنعام بخبر الواحد. وقال الزجاج: لما كان لفظ الجمع يذكر ويؤنث، فيقال: هو الأنعام، وهي الأنعام جاز عود الضمير بالتذكير. وقال الكسائي: معناه: مما في بطون ما ذكرنا، فهو على هذا عائد إلى المذكور. قال الفراء: وهو صواب. وقال المبرد: هذا فاش في القرآن كثير، مثل قوله للشمس {أية : هَـٰذَا رَبّى } تفسير : [الأنعام: 78] يعني: هذا الشيء الطالع. وكذلك: {أية : وَإِنّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ }تفسير : [النمل: 35]، ثم قال: {أية : فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ } تفسير : [النمل: 36]، ولم يقل: جاءت؛ لأن المعنى جاء الشيء الذي ذكرنا. انتهى، ومن ذلك قوله: {أية : كَلاَّ إِنَّه تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ } تفسير : [المدثر: 54، 55] ومثله قول الشاعر:شعر : مثل الفراخ نتفت حواصله تفسير : ولم يقل: حواصلها. وقول الآخر:شعر : وطاب ألبان اللقاح وبرد تفسير : ولم يقل: وبردت. وحكي عن الكسائي أن المعنى مما في بطون بعضه وهي الإناث؛ لأن الذكور لا ألبان لها، وبه قال أبو عبيدة: وحكي عن الفراء أنه قال: النعم والأنعام واحد، يذكر ويؤنث، ولهذا تقول العرب: هذه نعم وارد، فرجع الضمير إلى لفظ النعم الذي هو بمعنى الأنعام. وهو كقول الزجاج. ورجحه ابن العربي فقال: إنما يرجع التذكير إلى معنى الجمع، والتأنيث إلى معنى الجماعة. فذكره هنا باعتبار لفظ الجمع، وأنثه في سورة المؤمنين باعتبار لفظ الجماعة {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ } الفرث: الزبل الذي ينزل إلى الكرش، فإذا خرج منه لم يسم فرثاً. يقال: أفرثت الكرش إذا أخرجت ما فيها. والمعنى: أن الشيء الذي تأكله يكون منه ما في الكرش، وهو الفرث، ويكون منه الدم، فيكون أسفله فرثاً، وأعلاه دماً وأوسطه لبنا فيجري الدم في العروق، واللبن في الضروع، ويبقى الفرث كما هو {خَالِصًا } يعني: من حمرة الدم، وقذارة الفرث بعد أن جمعهما وعاء واحد {سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } أي: لذيذاً هنيئاً، لا يغصّ به من شربه: يقال: ساغ الشراب، يسوغ سوغاً، أي: سهل مدخله في الحلق. {وَمِن ثَمَرٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ } قال ابن جرير: التقدير: ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون، فحذف "ما" ودلّ على حذفه قوله: {منه}. وقيل: هو معطوف على الأنعام، والتقدير: وإن لكم من ثمرات النخيل والأعناب لعبرة. ويجوز أن يكون معطوفاً على {مما في بطونه} أي: نسقيكم مما في بطونه ومن ثمرات النخيل. ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلّ عليه ما قبله، تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل، ويكون على هذا {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا } بياناً للإسقاء وكشفاً عن حقيقته، ويجوز أن يتعلق بـ {تتخذون}، تقديره: ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكراً، ويكون تكرير الظرف، وهو قوله منه للتأكيد كقولك زيد في الدار فيها، وإنما ذكر الضمير في {منه} لأنه يعود إلى المذكور، أو إلى المضاف المحذوف، وهو العصير، كأنه قيل: ومن عصير ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه، والسكر: ما يسكر من الخمر، والرزق الحسن: جميع ما يؤكل من هاتين الشجرتين كالثمر والدبس والزبيب والخل. وكان نزول هذه الآية قبل تحريم الخمر. وقيل: إن السكر الخلّ بلغة الحبشة، والرزق الحسن الطعام من الشجرتين. وقيل: السكر: العصير الحلو الحلال، وسمي سكراً؛ لأنه قد يصير مسكراً إذا بقي، فإذا بلغ الإسكار حرم. والقول الأوّل أولى وعليه الجمهور، وقد صرّح أهل اللغة بأن السكر اسم للخمر، ولم يخالف في ذلك إلاّ أبو عبيدة، فإنه قال: السكر: الطعم، ومما يدل على ما قاله جمهور أهل اللغة قول الشاعر:شعر : بئس الصحاب وبئس الشرب شربهم إذا جرى فيهم الهذي والسكر تفسير : ومما يدل على ما قاله أبو عبيدة ما أنشده:شعر : جعلت عيب الأكرمين سكرا تفسير : أي: جعلت ذمهم طعماً، ورجح هذا ابن جرير فقال: إن السكر ما يطعم من الطعام ويحل شربه من ثمار النخيل والأعناب، وهو الرزق الحسن، فاللفظ مختلف. والمعنى واحد، مثل {أية : إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ }تفسير : [يوسف: 86]. قال الزجاج: قول أبي عبيدة هذا لا يعرف، وأهل التفسير على خلافه. ولا حجة في البيت الذي أنشده لأن معناه عند غيره أنه يصف أنها تتخمر بعيوب الناس، وقد حمل السكر جماعة من الحنفية على ما لا يسكر من الأنبذة وعلى ما ذهب ثلثاه بالطبخ. قالوا: وإنما يمتنّ الله على عباده بما أحله لهم، لا بما حرّمه عليهم، وهذا مردود بالأحاديث الصحيحة المتواترة على فرض تأخره عن آية تحريم الخمر. ا هـ. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي لدلالة لمن يستعمل العقل، ويعمل بما يقتضيه عند النظر في الآيات التكوينية. {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } قد تقدّم الكلام في الوحي، وأنه يكون بمعنى الإلهام، وهو ما يخلقه في القلب ابتداء من غير سبب ظاهر، ومنه قوله سبحانه: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } تفسير : [الشمس: 7 - 8]. ومن ذلك إلهام البهائم لفعل ما ينفعها وترك ما يضرها، وقرأ يحيـى بن وثاب "إلى النحل" بفتح الحاء. قال الزجاج: وسمي نحلاً، لأن الله سبحانه نحله العسل الذي يخرج منه. قال الجوهري: والنحل والنحلة: الدبر، يقع على الذكر والأنثى {أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا } أي: بأن اتخذي على أن «أن» هي المصدرية، ويجوز أن تكون تفسيرية؛ لأن في الإيحاء معنى القول، وأنث الضمير في اتخذي لكونه أحد الجائزين كما تقدّم، أو للحمل على المعنى، أو لكون النحل جمعاً. وأهل الحجاز يؤنثون النحل «ومن» في {من الجبال بيوتاً} وكذا في {مّنَ ٱلشَّجَرِ } وكذا في {مّمَّا يَعْرِشُونَ } للتبعيض، أي: مساكن توافقها وتليق بها في كوى الجبال، وتجويف الشجر، وفي العروش التي يعرشها بنو آدم من الأجناح والحيطان وغيرها. وأكثر ما يستعمل فيما يكون من الخشب، يقال: عرش يعرش بكسر الراء وضمها. وبالضم قرأ ابن عامر وشعبة، وقرأ الباقون بالكسر. وقرىء أيضاً "بيوتاً" بكسر الباء وضمها. {ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } "من" للتبغيض، لأنها تأكل النور من الأشجار، فإذا أكلتها {فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبّكِ } أي: الطرق التي فهمك الله وعلمك، وأضافها إلى الربّ لأنه خالقها وملهم النحل أن تسلكها، أي: ادخلي طرق ربك لطلب الرزق في الجبال وخلال الشجر، أو اسلكي ما أكلت في سبل ربك، أي: في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور عسلاً، أو إذا أكلت الثمار في الأمكنة البعيدة، فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك، لا تضلين فيها، وا نتصاب {ذُلُلاً } على الحال من السبل، وهي جمع ذلول، أي: مذللة، غير متوعرة، واختار هذا: الزجاج وابن جرير. وقيل: حال من النحل، يعني: مطيعة للتسخير، وإخراج العسل من بطونها، واختار هذا ابن قتيبة. وجملة {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا } مستأنفة عدل به عن خطاب النحل، تعديداً للنعم، وتعجيباً لكل سامع، وتنبيهاً على الغير، وإرشاداً إلى الآيات العظيمة الحاصلة من هذا الحيوان الشبيه بالذباب. والمراد: بالشراب هو العسل، ومعنى {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } أن بعضه أبيض، وبعضه أحمر، وبعضه أزرق، وبعضه أصفر باختلاف ذوات النحل وألونها ومأكولاتها. وجمهور المفسرين على أن العسل يخرج من أفواه النحل. وقيل: من أسفلها. وقيل: لا يدري من أين يخرج منها، والضمير في قوله: {فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ } راجع إلى الشراب الخارج من بطون النحل، وهو العسل، وإلى هذا ذهب الجمهور. وقال الفراء، وابن كيسان، وجماعة من السلف: إن الضمير راجع إلى القرآن، ويكون التقدير: فيما قصصنا عليكم من الآيات والبراهين شفاء للناس، ولا وجه للعدول عن الظاهر ومخالفة المرجع الواضح والسياق البين. وقد اختلف أهل العلم هل هذا الشفاء الذي جعله الله في العسل عام لكل داء، أو خاص ببعض الأمراض؟ فقالت طائفة: هو على العموم، وقالت طائفة: إن ذلك خاص ببعض الأمراض. ويدل على هذا أن العسل نكرة في سياق الإثبات فلا يكون عاماً، وتنكيره إن أريد به التعظيم لا يدل إلاّ على أن فيه شفاءً عظيماً لمرض أو أمراض، لا لكل مرض، فإن تنكير التعظيم لا يفيد العموم، والظاهر المستفاد من التجربة ومن قوانين علم الطب، أنه إذا استعمل منفرداً، كان دواء لأمراض خاصة وإن خلط مع غيره كالمعاجين ونحوها، كان مع ما خلط به دواء لكثير من الأمراض. وبالجملة فهو من أعظم الأغذية وأنفع الأدوية، وقليلاً ما يجتمع هذان الأمران في غيره {إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور من أمر النحل {لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } أي: يعملون أفكارهم عند النظر في صنع الله سبحانه وعجائب مخلوقاته. فإن أمر النحل من أعجبها وأغربها وأدقها وأحكمها. وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، وابن مردويه عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } قال: السكر ما حرم من ثمرتهما، والرزق الحسن ما حلّ. وأخرج الفريابي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه قال: السكر: الحرام، والرزق الحسن: زبيبه وخله وعنبه ومنافعه. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: السكر: النبيذ، والرزق الحسن: الزبيب. فنسختها هذه الآية {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ } تفسير : [المائدة: 90]. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عنه أيضاً في الآية قال: فحرّم الله بعد ذلك السكر منع تحريم الخمر لأنه منه، ثم قال: {وَرِزْقًا حَسَنًا } فهو الحلال من الخلّ والزبيب والنبيذ وأشباه ذلك، فأقرّه الله وجعله حلالاً للمسلمين. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه سئل عن السكر، فقال: الخمر بعينها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن مسعود قال: السكر: خمر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } قال: ألهمها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله {فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً } قال: طرقاً لا يتوعر عليها مكان سلكته. وأخرج عبد الرازق، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة {ذللاً} قال: مطيعة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال: ذليلة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ } قال: العسل. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: هو العسل فيه الشفاء، وفي القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن ابن مسعود قال: إن العسل شفاء من كل داء. والقرآن شفاء لما في الصدور. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن مسعود قال: عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن. وأخرج ابن ماجه، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، وابن السني، وأبو نعيم، والخطيب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن»تفسير : . وقد وردت أحاديث في كون العسل شفاء: منها ما أخرجه البخاري من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنا أنهي أمتي عن الكيّ»تفسير : . وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد: «أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إن أخي استطلق بطنه، فقال: "حديث : اسقه عسلاً"تفسير : فسقاه عسلاً، ثم جاء فقال: سقيته عسلاً، فما زاده إلاّ استطلاقاً، قال "حديث : إذهب فاسقه عسلاً"تفسير : فذهب فسقاه، ثم جاء فقال: ما زاده إلاّ استطلاقاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلاً"تفسير : ، فذهب فسقاه عسلاً فبرأ.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بُطونه} أي نبيح لكم شرب ما في بطونه، فعبر عن الإباحة بالسقي. {مِن بين فرثٍ ودمٍ لبناً خالصاً} فيه وجهان: أحدهما: خالصاً من الفرث والدم. الثاني: أن المراد من الخالص هنا الأبيض، قاله ابن بحر ومنه قول النابغة: شعر : يصونون أجساداً قديمها نعيمُها بخالصةِ الأردان خُضْر المناكب تفسير : فخالصة الأردان أي بيض الأكمام، وخضر المناكب يعني من حمائل السيوف. {سائغاً للشاربين} فيه وجهان: أحدهما: حلال للشاربين. الثاني: معناه لا تعافه النفس. وقيل: إنه لا يغص أحد باللبن. قوله عز وجل: {ومن ثَمَرات النخيل والأعناب تتخذون منه سَكراً ورزقاً حسَناً} فيها أربعة تأويلات: أحدها: أن السكر الخمر، والرزق الحسن التمر والرطب والزبيب. وأنزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر ثم حرمت من بعد. قال ابن عباس: السَّكر ما حرم من شرابه، والرزق الحسن ما حل من ثمرته، وبه قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير ومن ذلك قول الأخطل: شعر : بئس الصُّحاة وبئس الشرب شربهم إذا جرى فيهم المزاءُ والسكُرُ تفسير : والسكر: الخمر، والمزاء: نوع من النبيذ المسكر. واختلف من قال بهذا هل خرج مخرج الإباحة أو مخرج الخبر على وجهين: أحدهما: أنه خرج مخرج الإباحة ثم نسخ.قاله قتادة. الثاني: أنه خرج مخرج الخبر أنهم يتخذون ذلك وإن لم يحل، قاله ابن عباس. الثاني: أن السّكَر: النبيذ المسكر، والرزق الحسن التمر والزبيب، قاله الشعبي والسدي. وجعلها أهل العراق دليلاً على إباحة النبيذ. الثالث: أن السكر: الخل بلغة الحبشة، الرزق الحسن: الطعام. الرابع: أن السكر ما طعم من الطعام وحل شربه من ثمار النخيل والأعناب وهو الرزق الحسن، وبه قال أبو جعفر الطبري وأنشد قول الشاعر: شعر : وَجَعلت عيب الأكرمين سكرا

ابن عطية

تفسير : هذه آية ضرب مثلاً لهم بمن تقدم وفي ضمنها وعيد لهم وتأنيس للنبي صلى الله عليه ولم، وقوله {اليوم} يحتمل أن يريد يوم الإخبار بهذه الآية، وهو بعد موت أولئك الأمم المذكورة، أي لا ولي لهم منذ ماتوا واحتاجوا إلى الغوث إلا الشيطان، ويحتمل أن يريد يوم القيامة، والألف واللام فيه للعهد، أي "هو وليهم" في "اليوم" المشهور وهو وقت الحاجة والفصل، ويحتمل أن يريد {فهو وليهم} مدة حياتهم، ثم انقطعت ولايته بموتهم، وعبر عن ذلك بقوله {اليوم} تمثيلاً للمخاطبين بمدة حياتهم، كما تقول لرجل شاب تحضه على طلب العلم: يا فلان لا يدرس أحد من الناس إلا اليوم، تريد في مثل سنك هذه. فكأنه قال لهؤلاء: {فهو وليهم} في مثل حياتكم هذه، وهي التي كانت لهم، وسائر الآية وعيد، وقوله {وما أنزلنا عليك الكتاب} يريد القرآن، وقوله {لتبين} في موضع المفعول من أجله، وقوله {وهدى ورحمة} عطف عليه، كأنه قال إلا للبيان أي لأجل البيان لهم، وقوله {الذي اختلفوا فيه} لفظ عام لأنواع كفر الكفرة من الجحد بالله تعالى، أو بالقيامة، أو بالنبوءات، أو غير ذلك، ولكن الإشارة في هذه الآية إنما هي لجحدهم الربوبية وتشريكهم الأصنام في الألوهية، ويدل على ذلك أخذه بعد هذا في إثبات العبر الدالة على أن الأنعم وسائر الأفعال إنما هي من الله تعالى، لا من الأصنام. وقوله تعالى {والله أنزل من السماء ماء} الآية، لما أمره بتبيين ما اختلف فيه، نص العبر المؤدية إلى تبيين أمر الربوبية، فبدأ بنعمة المطر التي هي أبين العبر، وهي ملاك الحياة، وهي في غاية الظهور لا يخالف فيها عاقل، و"حياة الأرض وموتها" استعارة وتشبيه بالحيوان، فإذ هي هامدة غبراء غير منبتة فهي كالميت، وإذ هي منبتة مخضرة مهتزة رابية فهي كالحي، وقوله {يسمعون} يدل على ظهور هذا المعتبر فيه وبيانه، لأنه لا يحتاج إلى تفكر ولا نظر قلب، وإنما يحتاج المنبه إلى أن يسمع القول فقط، و {الأنعام} هي الأصناف الأربعة: الإبل والبقر والضأن والمعز، و {العبرة} الحال المعتبر فيها، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وابن مسعود بخلاف والحسن وأهل المدينة "نَسقيكم" بفتح النون من سقى يسقي، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم "نُسقيكم" بضم النون من أسقى يُسقي، وهي قراءة الكوفيين وأهل مكة، قال بعض أهل اللغة، هما لغتان بمعنى واحد، وقالت فرقة: تقول لمن تسقيه بالشفة أو في مرة واحدة سقيته وتقول لمن تُعِدُّ سقيه أو تمنحه شرباً أسقيته، وهذا قول من قرأ "نسقيكم"، لأن ألبان الأنعام من المستمر للبشر، وأنشد من قال إنهما لغتان بمعنى، قول لبيد: [الوافر] شعر : سقى قومي بني بدر وأسقى نميراً والقبائل من هلال تفسير : وذلك لازم لأنه لا يدعو لقومه بالقليل، وقرأ أبو رجاء "يسقيكم" بالياء أي يسقيكم الله، وقرأت فرقة "تسقيكم" بالتاء وهي ضعيفة وكذلك اختلف القراء في سورة المؤمنين وقوله {مما في بطونه}، الضمير عائد على الجنس وعلى المذكور كما قال الشاعر: مثل الفراخ نتفت حواصله، وهذا كثير لقوله تعالى {أية : إن هذه تذكرة} تفسير : [الإنسان: 29] {أية : فمن شاء ذكره} تفسير : [المدثر: 55] وقيل: إنما قال: {مما في بطونه}، لأن الأنعام والنعم واحد فرد الضمير على معنى النعم وقالت فرقة: الضمير عائد على البعض، إذ الذكور لا ألبان لها، فكأن العبرة إنما هي في الأنعام، و"الفرث" ما ينزل إلى الأمعاء، و"السائغ" السهل في الشرب اللذيذ، وقرأت فرقة "سيّغاً" بشد الياء، وقرأ عيسى الثقفي "سيْغاً" بسكون الياء وهي تخفيف من سيغ كميت وهين، وليس وزنهما فعلاً، لأن اللفظة واوية، ففعل منها سوغ، وروي أن اللبن لم يشرق به أحد قط، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

النسفي

تفسير : {تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} أي أرسلنا رسلاً إلى من تقدمك من الأمم {فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـِّنُ أَعْمَالَهُمْ } من الكفر والتكذيب بالرسل {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ } أي قرينهم في الدنيا تولى إضلالهم بالغرور، أو الضمير لمشركي قريش أي زين للكفار قبلهم أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم، أو هو على حذف المضاف أي فهو ولي أمثالهم اليوم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في القيامة {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } القرآن {إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ } للناس {ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } هو البعث لأنه كان فيهم من يؤمن به {وَهُدًى وَرَحْمَةً} معطوفان على محل {لتبين} إلا أنهما انتصبا على أنهما مفعول لهما لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب. ودخلت اللام على {لتبيين} لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } سماع إنصاف وتدبر لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه لا يسمع. {وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِى بُطُونِهِ } وبفتح النون: نافع وشامي وأبو بكر. فال الزجاج: سقيته وأسقيته بمعنى واحد. ذكر سيبويه الأنعام في الأسماء المفردة الواردة على أفعال ولذا رجع الضمير إليه مفرداً، وأما في بطونها في سورة «المؤمنين» فلأن معناه الجمع وهو استئناف كأنه قيل: كيف العبرة؟ فقال {نسقيكم مما في بطونه} {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا } أي يخلق الله اللبن وسيطاً بين الفرث والدم يكتنفانه، وبينه وبينهما برزخ لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة بل هو خالص من ذلك كله. قيل إذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً، والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها فتجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث في الكرش ثم ينحدر، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر. وسئل شقيق عن الإخلاص فقال: تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم {سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } سهل المرور في الحلق، ويقال: لم يغص أحد باللبن قط. و«من» الأولى للتبعيض لأن اللبن بعض ما في بطونها، والثانية لابتداء الغاية.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ...} الآية: هذه آية ضرب مثل لهم بمَنْ سَلَف، في ضِمْنها وعيدٌ لهم، وتأنيسٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقوله: {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ}: يحتمل أنْ يريد بـــ {ٱلْيَوْمَ} يومَ الإِخبار، ويحتملُ أنْ يريد يَوْمَ القيامةِ، أي: وليهم في اليَوْمِ المشهورِ. وقوله سبحانه: {إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ}: {لِتُبَيِّنَ }: في موضع المفعولِ من أجلِهِ، أي: إِلا لأجل البيانِ، و{ٱلَّذيِ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ}: لَفْظٌ عامٌّ لأنواعِ كُفْر الكفرة، لكن الإِشارة هنا إِلى تشريكهم الأَصْنَامَ في الإِلٰهِيَّة. ثم أَخَذَ سبحانه يَنصُّ العِبَرَ المؤدِّية إِلى بيان وحدانيته، وعظيمِ قدرَتِهِ، فبدأ بنعمَةِ المَطَرَ التي هِيَ أَبينُ العبر، وهي مِلاَكُ الحياة، وهي في غاية الظهور، لا يخالف فيها عاقل. وقوله: {مِّمَّا فِي بُطُونِهِ}: الضمير عائد على الجِنْس، وعلى المذكور، وهذا كثيرٌ. وقوله سبحانه: {سَآئِغًا لِّلشَّارِبِينَ} «السائغ»: السَّهْلُ في الشرْبِ اللذيذُ. * ت *: وعن ابن عبَّاس، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَاماً، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْراً مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَناً، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وزِدْنَا مِنْهُ »تفسير : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « حديث : لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِىءُ مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ اللَّبَنِ »تفسير : رواه أبو داود والترمذيُّ وابن ماجه، وقال الترمذيُّ، واللفظ له: هذا حديثٌ حسنٌ، انتهى من «السلاح».

ابو السعود

تفسير : {تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ} تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يناله من جهالات الكفرةِ ووعيدٌ لهم على ذلك، أي أرسلنا إليهم رسلاً فدعَوْهم إلى الحق فلم يجيبوا إلى ذلك {فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـِّنُ أَعْمَالَهُمْ} القبـيحةَ فعكفوا عليها مُصِرّين {فَهُوَ وَلِيُّهُم} أي قرينُهم وبئس القرينُ {ٱلْيَوْمَ} أي يوم زين لهم الشيطانُ أعمالهم فيه على طريق حكايةِ الحال الآتية وهي حالُ كونهم معذبـين في النار، والوليُّ بمعنى الناصر أي فهو ناصرهم اليوم لا ناصرَ لهم غيرُه مبالغةً في نفي الناصرِ عنهم، ويجوز أن يكون الضميرُ عائداً إلى مشركي قريش والمعنى زيّن للأمم السالفة أعمالَهم فهو وليُّ هؤلاء لأنهم منهم وأن يكون على حذف المضافِ أي وليُّ أمثالهم {وَلَهُمْ} في الآخرة {عَذَابٌ أَلِيمٌ} هو عذابُ النار. {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي القرآن {إِلاَّ لِتُبَيّنَ} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم العلل أي ما أنزلناه عليك لعلّةٍ من العلل إلا لتبـين {لَهُمْ} أي للناس {ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} من التوحيد والقدَر وأحكامِ الأفعال وأحوال المعاد {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} معطوفان على محل لتبـين أي وللهداية والرحمة {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وإنما انتصبا لكونهما أثرَيْ فاعلِ الفعل المعلَّل بخلاف التبـيـين حيث لم ينتصِبْ لفقدان شرطِه، ولعل تقديمَه عليهما لتقدُّمه في الوجود، وتخصيصُ كونهما هدًى ورحمةً بالمؤمنين لأنهم المغتنِمون آثارَه. {وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاء} من السحاب أو من جانب السماء حسبما مرّ، وهذا تكرير لما سبق تأكيداً لمضمونه وتوطئةً لما يعقُبه من أدلة التوحيد {مَاء} نوعاً خاصاً من الماء هو المطرُ، وتقديمُ المجرور على المنصوب لما مر مراراً من التشويق إلى المؤخر {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ} بما أنبت به فيها من أنواع النباتات {بَعْدَ مَوْتِهَا} أي بعد يُبْسها، وما يفيده الفاءُ من التعقيب العاديّ لا ينافيه ما بـين المعطوفين من المهلة {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي في إنزال الماء من السماء وإحياءِ الأرض الميتةِ به {لآيَةً} وأيةَ آيةٍ دالةٍ على وحدته سبحانه وعلمه وقدرتِه وحكمتِه {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} هذا التذكيرَ ونظائرَه سماعَ تفكرٍ وتدبُّر فكأن مَنْ ليس كذلك أصمُّ.

القشيري

تفسير : أنزل هذه الآية على جهة التسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أنه أخبر أن مَنْ تَقدَّمَه من الأمم كانوا في سلوك الضلالة، والانخراط في سِلْكِ الجهالة كما كان من قومه، ولكن اللَّهَ - سبحانه - لم يعجز عنهم. وكما سَوَّلَ الشيطانُ لأُمَّتِه، وكان ولياً لهم، فهو وليُّ هؤلاء. وأمَّا المؤمنون فالله وليُّهم، والكافرون لا مَوْلى لهم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {وهدى ورحمة}: معطوفتان على "لتبين"، وانتصبا على المفعولية من أجله، أي: لأجل البيان والهدى والرحمة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {تالله لقد أرسلنا} رسلاً {إلى أمم من قَبلكَ} يا محمد، {فزَيَّن لهم الشيطانُ أعمالهم} السوء، فرأوها حسنة، فأسروا على قبائحها، وكذبوا الرسل، فصبروا حتى نُصروا. فاصبر كما صبروا، حتى تنصر كما انتصروا. فكان عاقبة من اتبع الشيطان الهلاك والوقوع في العذاب، {فهو وليّهم} أي: متولي أمورهم {اليومَ} في الدنيا، {ولهم عذاب أليم} في الآخرة، أو: فهو وليهم يوم القيامة، على أنه حكاية حال آتية، أي: لا ولي لهم غيره في ذلك اليوم، وهو عاجز عن نصر نفسه، فكيف ينصر غيره؟ {وما أنزلنا عليك الكتاب}: القرآن {إلا لتُبين لهم}: للناس {الذي اختلفوا فيه}؛ من التوحيد، والقَدَر، وأحوال المعاد، وأحكام الأفعال، {وهُدًى ورحمةً لقوم يؤمنون} به، فإنهم المنتفعون بإنزاله. الإشارة: كل من وقف دون الوصول إلى مشاهدة الحق، فهو مُزين له في عمله، مُستدرج به وهو لا يشعر، وحظه يوم القيامة الندم والأسف. وفي ذلك يقول أبو المواهب: شعر : مَنْ فَاَتَهُ مِنْكَ وَصلٌ حَظُّهُ النَّدَمُ وَمَنْ تَكُنْ هَمَّهُ تَسْمُو به الهِمَمُ ونَاظِرٌ في سِوَى مَعْنَاكَ حُقَّ لُه يَقتَصُّ مِنْ جَفْنِهِ بالدَّمْعِ وهْوَ دَمُ والسَّمْعُ إنْ جَالَ فِيهِ مَنْ يُحَدِّثهُ سِوَى حدَيثِك أَمْسَى وَقرَهُ الصَّمَمُ تفسير : فهذه علامات الوصول إلى الحق، بحيث ترتفع همته إلى حضرة الحق، ويصرف نظره في معاني أسرار التوحيد، وسمعه فيما يقرب إلى صريح التفريد، ومن لم يبلغ هذا المقام، لم ينقطع عنه تزيين الشيطان، فيُزين له عمله، فيقف معه. وبالله التوفيق. ثم ذكر دلائل توحيد وباهر قدرته ومن معرفتهما معرفة ذاته

الجنابذي

تفسير : {تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} كما ارسلتك الى هذه الامّة {فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} كما زيّن لهؤلاء فلا تحزن على ما فعلوا فانّه ليس بامرٍ حادث فى زمانك {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ} فالشّيطان ولىّ الامم الماضية فى النّار اليوم او هو ولىّ امّتك اليوم بتزيين السّوء لهم كما كان ولىّ الامم الماضية قبل بذلك {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} للامم الماضية او لامّتك وعلى اىّ تقديرٍ فهو تهديد لامّته.

الأعقم

تفسير : {فهو وليّهم اليوم} حكاية الحالة الماضية الذي كان يزين لهم الشيطان أعمالهم {وما أنزلنا عليك الكتاب} يعني القرآن {إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه} من الدين والأحكام والمختلفون هم أهل الملل والأهواء وهدى لمن اهتدى به إلى الجنة {ورحمة} والرحمة ثواباً ومغفرة {لقوم يؤمنون} يصدقون {والله أنزل من السماء ماء فأحيى به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} سماع انصاف وتدبير، لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لم يسمع، قوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم} قرئ بفتح النون وضمّها {من بين فرث ودمٍ لبناً خالصاً} أي خلق الله اللبن وصدّ بين الفرث والدم وبينهما برزخ من قدرة الله لا يبغي أحدهما عليه بلونٍ ولا طعمٍ ولا رائحة بل هو خالص من ذلك كله، قيل: إذا أكلت البهيمة واستقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً، والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة، بجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقي الفرث في الكرش، فسبحان الله العظيم ما أعظم قدرته {سائغاً} سهل المرور في الحلق، ويقال: لم يغظ أحد باللبن قط {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً}، قيل: السكر ما حرَّم الله من الشراب كالخمر، والحسن ما أحلّ منه كالرب والخل والتمر والزبيب، والخمر حرام قلم يبق إلا المطبوخ {وأوحى ربك إلى النحل} ألهمها بالقذف في قلوبها وتعليمها على وجه هو أعلم {أن اتخذي من الجبال بيوتاً} أي مساكن {ومن الشجر ومما يعرشون} ما يبتنون، وقيل: ما يثبتون للنحل من الجبال والشجر والبيوت، والضمير في يعرشون للناس {ثم كلي من كل الثمرات} يعني كل ثمرة تشتهيها {فاسلكي سبل ربك ذللاً} أي الطرق التي أفهمك وألهمك في عمل العسل، وقيل: إذا أكلت الثمرات في المواضع البعيدة من بيوتك فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك {يخرج من بطونها شراب} هو العسل تلقيها من فيها وعن علي (عليه السلام): "العسل وصيم الذباب"، فعلى هذا تلقيه من أسفلها {مختلف ألوانه} أبيض وأصفر وأحمر، وقيل: الأبيض من العسل تلقيه الشباب، والأصفر تلقيه الكهول، والأحمر تلقيه الشيب منها {فيه شفاء للناس} وعن عبد الله بن مسعود: "العسل شفاء من كل شيء والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل"..

الهواري

تفسير : قوله: {تَاللَّهِ} قسم، أقسم الله بنفسه { لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} يعني من أهلك بالعذاب من الأمم السالفة. { فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليَوْمَ} وإلى يوم القيامة { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: في الآخرة. قوله: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ} أي: القرآن { إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ}. قوله: { وَاللهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: الأرض اليابسة التي ليس فيها نبات فيحييها بالمطر فتنبت بعد إذ لم يكن فيها نبات. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} فيعلمون أن الذي أحيا هذه الأرض الميتة حتى أنبتت قادر على أن يحيي الموتى، لأن المشركين لا يقرون بالعبث. قوله: { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِّلشَّارِبِينَ} يقول: في هذا اللبن الذي أخرجه الله من بين فرث ودم آية لقوم يعقلون، فيعلمون أن الذي أخرجه من بين فرث ودم قادر على أن يحيي الموتى. قوله: { وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} أي: وجعل لكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: السكر ما حرم الله من ثمراتها، والرزق الحسن ما أحل الله من ثمراتها. قال بعضهم: نزلت قبل تحريم الخمر؛ قال: أما الرزق الحسن فهو ما أحل الله من ثمراتها مما تأكلون وما تعصرون وتنتبذون وتخللون. وأما السكر فهو خمور الأعاجم. ذكروا عن أبي موسى الأشعري أنه قال: إن لكل قوم خمراً، وإن خمر فارس العنب، وخمر المدينة البسر والتمر، وخمر اليمن البتع، يعني العسل، وإن خمر الحبشة السكركة، يعني الذرة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حديث : الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة تفسير : وذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن هذه الأنبذة تُنبَذُ من خمسة أشياء، من التمر والزبيب والبر والشعير والعسل، فما خمّرتم منه فعتَّقتم فهو خمر. قوله: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِّقَوْمٍ يَّعْقِلُونَ} وهي مثل الأولى.

اطفيش

تفسير : {تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا} رسلا {إِلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} بالأَمر بالإِيمان والتويحد والطاعات {فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} أى وسوس لهم بتحسين أعمالهم الخبيثة من الشرك والمعاصى فأَصروا وكذبوا الرسل {فَهُوَ} أى الشيطان {وَلِيُّهُمُ} أى ولى الأُمم أى قرينهم ومتولى أُمورهم وبئس القرين {الْيَوْمَ} أى فى الدنيا وعبر عن زمانها باليوم أو المراد باليوم زمان التزيين لهم على حكاية الحال الماضية قدرها كأَنها حاضرة أو المراد يوم الحشر على حكاية الحال المستقبلة تنزيلا لها منزلة الحاضر ويجوز كون أل للعهد الذهنى أى فى اليوم المشهود الذى هو يوم القيامة ويجوز أن يكون معنى كونه وليهم أنه ناصرهم يوم القيامة أى إِن كان لهم ناصر فما هو إِلا الشيطان ومن كان الشيطان وليه فهو مخذول مغلوب مقهور وذلك نفى للناصر لهم على أبلغ وجه أو سمى ولياً لطاعتم إِياه أى تلوه اليوم فى الدنيا بالطاعة ويجوز كون الهاء فى وليهم لكفار قريش واليوم الزمان الذى هم فيه يغرهم ويغويهم بالمعاصى والتكذيب أو اليوم يوم القيامة ويجوز تقدير مضاف أى ولى أمثالهم، والأَولى على الأَوجه كلها أن يراد باليوم الدنيا أو وقت التزيين {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِِيمٌ} فى الآخرة وذلك تسلية لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووعيد لهم.

الالوسي

تفسير : {تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ} تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يناله من جهالات قومه الكفرة ووعيد لهم على ذلك، ولا يخفى ما في ذلك من عظيم التأكيد أي أرسلنا رسلاً إلى أمم من قبل أمتك أو من قبل إرسالك إلى هؤلاء فدعوهم إلى الحق {فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـِّنُ أَعْمَـٰلَهُمْ} القبيحة فلم يتركوها ولم يمتثلوا دعوة الرسل عليهم السلام، وقد تقدم الكلام في نسبة التزيين إلى الشيطان {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ} أي قرين الأمم وبئس القرين أو متولي إغوائهم وصرفهم عن الحق {ٱلْيَوْمَ} أي يوم زين الشيطان أعمالهم فيه، وهو وإن كان ماضياً واليوم المعرف معروف في زمان الحال كالآن لكن صور بصورة الحال ليستحضر السامع تلك الصورة العجيبة ويتعجب منها، وسمي مثل ذلك حكاية الحال الماضية وهو استعارة من الحضور الخارجي للحضور الذهني أو المراد باليوم مدة الدنيا لأنها كالوقت الحاضر بالنسبة للآخرة وهي شاملة للماضي والآتي وما بينهما أي فهو وليهم في الدنيا {وَلَهُمْ} في الأخرى {عَذَابٌ أَلِيمٌ} وهو عذاب النار، وقد ورد إطلاق اليوم على مدتها كثيراً فهو مجاز متعارف وليس فيه حكاية لما مضى أو يوم القيامة الذي فيه عذابهم لكن صور بصورة الحال استحضاراً له كما في الوجه الأول إلا أنه حكاية حال آتية وفي الأول حكاية حال ماضية وليس من مجاز الأول، والولي على هذا بمعنى الناصر أي لا ناصر لهم في ذلك اليوم غيره وهو نفي للناصر على أبلغ وجه على حد قوله:شعر : وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس تفسير : ولا يجوز أن يكون بمعنى المتولي للإغواء إذ لا إغواء ثمة ولا بمعنى القرين لأنه في الدرك الأسفل من النار، وجوزه بعضهم باعتبار أنه معهم في النار في الجملة ولا يضر اختلافهم في الدركات، والظاهر أن ضمائر الجمع كلها للأمم كما أشرنا إليه في بعضها، وجوز الزمخشري أن يكون ضمير {وَلِيُّهُمُ} المضاف إليه لقريش لا للأمم و {ٱلْيَوْمَ} بمعنى الزمان الذي وقع فيه الخطاب أي زين الشيطان للكفرة المتقدمين أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم. وأن يكون الضمير للمتقدمين، والكلام على حذف مضاف أي ولي أمثالهم، والمراد من الأمثال قريش. وتعقب ذلك أبو حيان بأن فيه بعداً لاختلاف الضمائر من غير داع إليه ولا إلى تقدير المضاف. ورد بأن لفظ اليوم داع إليه، وقال الطيبـي: إنه الوجه وعليه النظم الفائق لأن في تصدير القسمية بقوله تعالى:/ {تَٱللَّهِ} بعد إنكارهم الرسالة وتعداد قبائحهم الإشعار بأن ما ذكر كالتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم فكأنه قيل: إن الأمم الخالية مع الرسل السالفة لم تزل على هذه الوتيرة فلك أسوة بالرسل عليهم السلام وقومك خلف لتلك الأمم فلا تهتم لذلك فإن ربك ينتقم لك منهم في الدنيا والآخرة فاشتغل أنت بتبليغ ما أنزل إليك وتقرير أنواع الدلائل المنصوبة على الوحدانية وبالتنبيه على إقامة الشكر على نعم الله تعالى المتظاهرة اهـ. وقال في «الكشف»: لا ترجيح لهذا الوجه من حيث التسلي إذ الكل مفيد لذلك على وجه بين وإنما الترجيح للوجه الصائر إلى استحضار الحال لما فيه من مزيد التشفي اهـ، والحق أن ما ذكره الزمخشري غير ظاهر وما قيل: إن لفظ {ٱلْيَوْمَ} داع إليه ففي حيز المنع، وقصارى ما يقال: وجود القرينة المصححة لا المرجحة هذا. وذكر في «الكشف» في بيان ربط الآيات أن قوله سبحانه: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [النحل: 56] إلى هذا الموضع فن آخر من كفرانهم وتعداد قبائحهم، وجاز أن يكون من تتمة سابقه على منوال {أية : وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 53] إلا أنه بنى على الغيبة دلالة على أنه فن آخر، وهذا قريب المتناول، وجاز أن يجعل عطفاً على قوله تعالى: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 38] فإن ما وقع من الكلام بعده من تتمته اعتراضاً واستطراداً كأنه قيل: ذاك معتقدهم في المعاد وهذا في المبدأ وهم فيما بين ذلك متدينون بهذا الدين القويم ومع اختلاف العقيدة في المبدأ والمعاد يدعون أن لهم الحسنى فيحق لهم ضد ذلك حقاً ثم قال: وقوله تعالى: {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ...}.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي داخل في الكلام الاعتراضي قصد منه تنظير حال المشركين المتحدث عنهم وكفرهم في سوء أعمالهم وأحكامهم بحال الأمم الضالّة من قبلهم الذين استهواهم الشيطان من الأمم البائدة مثل عاد وثمود، والحاضرة كاليهود والنصارى. ووجّه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لقصد إبلاغه إلى أسماع الناس فإن القرآن منزل لهدي الناس، فتأكيد الخبر بالقسم منظور فيه إلى المقصودين بالخبر لا إلى الموجّه إليه الخبر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشكّ في ذلك. ومصبّ القسم هو التفريع في قوله تعالى: {فزين لهم الشيطان أعمالهم}. وأما الإرسال إلى أمم من قبلهم فلا يشكّ فيه المشركون. وشأن التاء المثناة أن تقع في قَسَم على مستغرب مصبّ القسم هنا هو المفرد بقوله تعالى {فزين لهم الشيطان أعمالهم} لأن تأثير تزيين الشيطان لهم أعمالهم بعدما جاءهم من إرشاد رسلهم أمر عجيب. وتقدم الكلام على حرف تاء القسم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : تالله لتسألن عما كنتم تفترون} تفسير : [سورة النحل: 56]. وجملة {فزين لهم الشيطان أعمالهم} معطوفة على جملة جواب القسم. والتقدير: أرسلنا فزيّن لهم الشيطان أعمالهم. وتزيين الشيطان أعمالهم كناية عن المعاصي. فمن ذلك عدم الإيمان بالرسل وهو كمال التنظير. ومنها الابتداعات المنافية لما جاءت به الرسل ــــ عليهم السلام ــــ مثل ابتداع المشركين البحيرة والسائبة. والمقصود: أن المشركين سلكوا مسلك مَن قبلهم من الأمم التي زيّن لهم الشيطان أعمالهم. وجملة {فهو وليهم اليوم} يجوز أن تكون مفرّعة على جملة القسم بتمامها، على أن يكون التّفريع هو المقصود من جملة الاستئناف للتنظير، فيكون ضمير {وليهم} عائداً إلى المنظّرين بقرينة السياق. ولا مانع من اختلاف معادي ضميرين متقاربين مع القرينة، كقوله تعالى: {أية : وعمروها أكثر مما عمروها} تفسير : [سورة الروم: 9]. والمعنى: فالشيطان وليّ المشركين اليوم، أي متولّي أمرهم كما كان وليّ الأمم من قبلهم إذ زيّن لهم أعمالهم، أي لا وليّ لهم اليوم غيره ردّاً على زعمهم أن لهم الحسنى. ويكون في الكلام شبه الاحتباك. والتقدير: لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزيّن لهم الشيطان أعمالهم فكان وليّهم حينئذٍ، وهو وليّ المشركين اليوم يُزيّن لهم أعمالهم كما كان وليّ من قبلهم. وقوله: {اليوم} مستعمل في زمان معهود بعهد الحضور، أي فهو وليّهم الآن. وهو كناية عن استمرار ولايته لهم إلى زمن المتكلّم مطلقاً بدون قصد، لما يدلّ عليه لفظه من الوقت الذي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وهو منصوب على الظرفية للزمان الحاضر. وأصله: اليوم الحاضر، وهو اليوم الذي أنت فيه. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} تفسير : في سورة العقود (3). ولا يستعمل في يوم مضى معرّفاً باللام إلا بعد اسم الإشارة، نحو: ذلك اليوم، أو مثل: يومئذٍ.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: تالله: أي والله. أرسلنا إلى أمم من قبلك: أي رسلاً. فزين لهم الشيطان أعمالهم: فكذبوا لذلك الرسل. فهو وليهم اليوم: أي الشيطان هو وليهم أي في الدنيا. إن في ذلك لآية: أي دلالة واضحة على صحة عقيدة البعث الآخر. لآية لقومٍ يسمعون: أي سماع تدبر وتفهم. لعبرةً: أي دلالة قوية يعبر بها من الجهل إلى العلم لأن العبرة من العبور. من بين فرثٍ: أي ثَفَل الكِرْش، أي الروث الموجود في الكرش. لبناً خالصاً: أي ليس فيه شيء من الفرث ولا الدم، لا لونه ولا رائحته ولا طعمه. معنى الآيات: يقسم الله تعالى بنفسه لرسوله فيقول بالله يا رسولنا {لَقَدْ أَرْسَلْنَآ} رسلاً {إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} كانوا مشركين كافرين كأمتك {فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} فقاوموا رسلنا وحاربوهم وأصروا على الشرك والكفر فتولاهم الشيطان، لذلك {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ} أي في الدنيا {وَلَهُمْ} في الآخرة {عَذَابٌ أَلِيمٌ}، والسياق الكريم في تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذا قال تعالى في الآية الثانية: {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} أي لإِرهاقك وتعذيبك ولكن لأجل أن تبين للناس الذي اختلفوا فيه من التوحيد والشرك والهدى والضلال. كما أنزلنا الكتاب هدىً يهتدى به المؤمنون إلى سبل سعادتهم ونجاحهم، ورحمةً تحصل لهم بالعمل به عقيدةً وعبادةً وخلقاً وأدباً وحكماً، فيعيشون متراحمين تسودهم الأخوة والمحبة وتغشاهم الرحمة والسلام. بعد هذه التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عاد السياق إلى الدعوة إلى التوحيد وعقيدة البعث والجزاء بعد تقرير النبوة المحمدية بقوله تعالى: {تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ} الآية فقال تعالى: {وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} الماء هو ماء المطر وحياة الارض بالنبات والزرع بعدما كانت ميتة لا نبات فيها وقوله {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} المذكور من إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض بعد موتها {لآيَةً} واضحة الدلالة قاطعة على وجوده تعالى وقدرته، وعلمه ورحمته كما هو آية على البعث بعد الموت من باب أولى. وقوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} أي حالاً تعبرون بها من الجهل إلى العلم... من الجهل بقدرة الله ورحمته ووجوب عبادته بذكره وشكره إلى العلم بذلك والمعرفة به فتؤمنوا وتوحدوا وتطيعوا.. وبين وجه العبرة العظيمة فقال: {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} أي بطون المذكور من الأنعام {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ} فسبحان ذي القدرة العجيبة والعلم الواسع والحكمة التي لا يقادر قدرها.. اللبن يقع بين الفرث والدم، فينتقل الدم إلى الكبد فتوزعه على العروق لبقاء حياة الحيوان، واللبن يساق إلى الضرع، والفرث يبقى أسفل الكرش، ويخرج اللبن خالصاً من شائبة الدم وشائبة الفرث فلا يرى ذلك في لون اللبن ولا يشم في رائحته ولا يوجد في طعمه بدليل أنه سائغ للشاربين، فلا يغص به شارب ولا يشرق به، حقاً! أ‍‍‍‍‍‌‍‍‍‍‍‌انها عبرة من أجل العبر تنقل صاحبها إلى نور العلم والمعرفة بالله في جلاله وكماله، فتورثه محبة الله وتدفعه إلى طاعته والتقرب إليه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان أن الله يقسم بنفسه وبما شاء من خلقه. 2- بيان أن الله أرسل رسلاً إلى أمم سبقت وأن الشيطان زين لها أعمالها فخذلها. 3- تقرير النبوة وتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم من جراء ما يلقاه من المشركين. 4- بيان مهمة رسول الله وأنها بيان ما أنزل الله تعالى لعباده من وحيه في كتابه. 5- بيان كون القرآن الكريم هدىً ورحمة للمؤمنين الذين يعملون به. 6- دليل البعث والحياة الثانية إحياء الأرض بعد موتها فالقادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأموات بعد فنائهم وبلاهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ} {أَعْمَالَهُمْ} (63) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى الأُمَمِ الخَالِيَةِ رُسُلاً يَدْعُونَهُمْ إِلَى الإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَيَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم مُعَزِيّاً وَمُسَلِّياً: لَقَدْ كَذَبَّتْ الأُمَمُ رُسُلَهَا فَلَكَ يَا مُحَمَّدُ بِالمُرْسَلِينَ قَبْلَكَ أُسْوَةٌ، فَلاَ يُهِمَّنَّكَ تَكْذِيبُ قَوْمِكَ لَكَ. وَالذِينَ كَذَّبُوا بِالرُّسُلِ إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْطَانُ الذِي زَيَّنَ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرٍ وَضَلاَلٍ، وَعِبَادَةِ أَوْثَانٍ وَأَصْنَامٍ وَفَسَادٍ فِي الأَرْضِ. وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُجَازِي اللهُ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ جَزَاءً عَادِلاً عَلَى مَا كَذَّبُوا وَكَفَرُوا، وَيُلْقَوْنَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلاَ يَمْلِكُ الشَّيْطَانُ لَهُمْ خَلاصاً، وَلاَ نَصْراً فَيَذُوقُونَ العَذَابَ الأَلِيمَ. تَاللهِ - قَسَمٌ يَعْنِي وَاللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نعلم أن الحق سبحانه وتعالى يُقسِم بما يشاء على ما يشاء، أما نحن فلا نقسم إلا بالله، وفي الحديث الشريف: "حديث : مَنْ كان حالفاً، فليحلف بالله أو ليصمت ". تفسير : والحق تبارك وتعالى هنا يحلف بذاته سبحانه {تَٱللَّهِ}، مثل: والله وبالله. وقد جاء القسم لتأكيد المعنى؛ ولذلك يقول أحد الصالحين: من أغضب الكريم حتى ألجأه أن يقسم؟! وقد يؤكد الحق سبحانه القسم بذاته، أو القسم ببعض خَلْقه، وقد ينفي القسم وهو يُقسِم، كما في قوله تعالى: {أية : لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} تفسير : [البلد: 1]. وقوله: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تفسير : [الواقعة: 75-76]. ومعنى: لا أقسم أن هذا الأمر واضح جَليّ وضوحاً لا يحتاج إلى القسم، ولو كنت مُقسِماً لأقسمتُ به، بدليل قوله: {أية : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تفسير : [الواقعة: 76]. إذن: الحق سبحانه يُقسِم بذاته ليؤكد لنا الأمر تأكيداً، وتأكيد الأمر عند الحكم في القضاء مَثلاً: إما بالإقرار، وإما باليمين .. فإذا ما أقسمت له وحلفتَ فقد سددْتَ عليه منافذ التكذيب. والحق سبحانه يقول: {لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ ..} [النحل: 63]. أي: لسْتَ بِدْعاً في أنْ تُكذَّب من قومك، فهذه طبيعة الذين يستقبلون الدعوة من الله على ألسنة الرسل؛ لأن الرسل لا يرسلهم الله إلا حينما يطمّ الفساد ويعُم. ومعنى إرسال الرسل - إذن - أنه لا حَلَّ إلا أنْ تتدخلَ السماء؛ ذلك لأن الإنسان فيه مناعات يقينية في ذاته، وهي نفسه اللوامة التي تلومه إذا أخطأ وتُعدِّل من سلوكه، فهي رادع له من نفسه. فإذا ما تبلَّدتْ هذه النفس، وتعوَّدتْ على الخطأ قام المجتمع من حولها بهذه المهمة، فمَنْ لا تُردِعه نفسه اللوامة يُردعه المجتمع من حوله .. فإذا ما فسدَ المجتمع أيضاً، فماذا يكون الحل؟ الحل أن تتدخل السماء لإنقاذ هؤلاء. إذن: تتدخل السماء بإرسال الرسل حينما يعُمّ الفسادُ المجتمعَ كله؛ ولذلك فأمة محمد صلى الله عليه وسلم من شرفها عند ربها أنْ قال لهم: أنتم مأمونون على رعاية منهجي في ذواتكم، لوَّامون لأنفسكم، آمرون بالمعروف، ناهون عن المنكر في غيركم؛ لذلك لن أرسل فيكم رسولاً آخر، فأنتم سوف تقومون بهذه المهمة. لذلك قال الحق سبحانه: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ..} تفسير : [آل عمران: 110]. فقد آمن أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أن تكون حارسة لمنهجه، إما بالنفس اللوامة، وإما بالمجتمع الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، وهذا شرف عظيم لهذه الأمة. إذن: يأتي الرسول حينما يعُمُّ الفساد .. فما معنى الفساد؟ .. الفساد: أن تُوجد مصالح طائفة على حساب طائفة أخرى، فأهل الفساد والمنتفعون به إذا جاءهم رسول ليُخلِّص الناس من فسادهم، كيف يقابلونه؟ أيقابلونه بالترحاب؟ بالطبع لا .. لا بُدّ وأن يقابلوه بالكراهية والإنكار، ويعلنوا عليه الحرب دفاعاً عن مصالحهم. ويُتبع الحق سبحانه هذا بقوله: {فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ..} [النحل: 63]. هنا يتدخل الشيطان، ويُزيّن لأهل الفساد أعمالهم، ويحثّهم على محاربة الرسل؛ فهؤلاء الذين سيقضون على نفوذكم، سوف يأخذون ما في أيديكم من مُتَع الدنيا، سوف يهزُّون مراكزكم، ويحطُّون من مكانتكم بين الناس .. هؤلاء سوف يرفعون عليكم السِّفْلة والعبيد .. وهكذا يتمسَّك أهل الفساد والظلم بظلمهم، ويعضون عليه بالنواجذ، ويقفون من الرسل موقف العداء، فوطِّنْ نفسك على هذا، فلن تُقابلَ من السادة إلا بالجحود وبالإنكار وبالمحاربة. ثم يقول تعالى: {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ ..} [النحل: 63]. أي: في الآخرة، فما دام الشيطان تولاَّهم في الدنيا، وزيَّن لهم، وأغراهم بعداء الرسل، فَلْيتولَّهم الآن، وليدافع عنهم يوم القيامة .. وقد عرض لنا القرآن الكريم هذا الموقف في قوله تعالى: {أية : كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الحشر: 16]. وفي جدالهم يوم القيامة مع الشيطان يقولون له: أنت أغويتَنا وزيَّنْتَ لنا .. ماذا يقول؟ يقول: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 22]. والسلطان هنا: إمّا بالحجة التي تُقنع، وإما بالقهر والغلبة والقوة التي تفرض ما تريد، وليس للشيطان شيء من ذلك .. لا يملك حُجة يُقنعك بها لتفعل، ولا يملك قوة يُجبرك بها أنْ تفعل وأنت كاره. وهكذا يجادلهم الشيطان ويردُّ عليهم دعواهم، فليس له عليكم سلطان، بل مجرد الإشارة أوقعتْكم في المعصية. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: {أية : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ ..} تفسير : [الأنفال: 48]. وقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 63]. يَصف العذاب هنا بأنه أليم شديد مُهلِك، وقد وصف الله العذاب بأنه أليم، عظيم، مُهين، شديد .. والعذاب شعور بالألم وإحساسٌ به، وقد توصَّل العلماء إلى أن الإحساس كله في الجلد؛ لذلك قال الحق سبحانه لِيُديمَ على هؤلاء العذاب: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} تفسير : [النساء: 56]. وهكذا يستمر العذاب باستمرار الجلود وتبديلها. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ ...}.